حديث شريف
عن معاذ ﵁ قال كنت ردف النبي ﷺ على حمار يقال له عفير، فقال: «يا معاذ هل تدري حق الله على عباده وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا، فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر به الناس. قال: لا تبشرهم فيتكلوا (١)».
رواه البخاري
المشرف العام
سماحة الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
لجنة الإشراف
الدكتور
عبد العزيز بن محمد العبد المنعم
الدكتور
عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين
الشيخ
أحمد بن عبد الرزاق الدويش
الدكتور
محمد بن سعد الشويعر
стр. 13829
مجلة البحوث الإسلامية
مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - الرياض
الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء
رئيس التحرير
د. محمد بن سعد الشويعر
مجلة فصلية تعنى بالبحوث الإسلامية
تصدر كل أربعة أشهر مؤقتا
стр. 13830
المحتويات
الافتتاحية:
العلم وأخلاق أهله سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧
بحث اللجنة:
تدوين الراجح من أقوال الفقهاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٩
فتاوى اللجنة:
فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٦٧
فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ١٠٩
البحوث:
زكاة أسهم الشركات المساهمة الشيخ / عبد الله بن سليمان منيع ١٢٣
مفهوم الجهاد في الإسلام الدكتور / محمد بن سعد الشويعر ١٤٩
стр. 13831
تلبيس مردود الدكتور / صالح بن عبد الله بن حميد ١٧٥
المخدرات والعقاقير النفسية الدكتور / صالح بن غانم السدلان ٢٢١
عمرو بن شعيب الدكتور / عبد العزيز بن أحمد الجاسم ٢٩٩
نصيحة تتعلق بفضل صيام رمضان ٣١٥
من قرارات المجامع الفقهية ٣٢١
حكم من يسخر من القرآن لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٣٧
بيان هيئة كبار العلماء بشأن ما كتب لولي الأمر عن بعض الأمور وما رأته الهيئة من وجوب النصيحة سرا ٣٤١
стр. 13832
صفحة فارغة
стр. 13833
الافتتاحية
العلم وأخلاق أهله
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن سلك سبيله إلى يوم الدين. . أما بعد:
فإن العلم معلوم لدى الجميع فضله، وأن أشرف شيء يطلبه الطالبون، ويسعى في تحصيله الراغبون، هو العلم الشرعي. فإن العلم يطلق على أشياء كثيرة، ولكن عند علماء الإسلام: المراد بالعلم هو العلم الشرعي، وهو المراد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ عند الإطلاق، وهو العلم بالله وبأسمائه وصفاته، والعلم بحقه على عباده، وبما شرعه لهم .
والعلم بالطريق والصراط الموصل إليه وتفاصيله، والعلم بالغاية والنهاية التي ينتهي إليها العباد في الدار الأخرى.
هذا العلم الشرعي هو أفضل العلوم، وهو الجدير بالطلب والحرص على تحصيله؛ لأنه به يعرف الله ، وبه يعبد. وبهذا العلم يعرف ما أحل الله وما حرم، وما يرضيه وما يسخطه. وبهذا العلم يعرف المصير إليه والنهاية من هذه الحياة، وأن قسما من هؤلاء المكلفين ينتهون إلى الجنة والسعادة، وأن الآخرين - وهم الأكثرون - ينتهون إلى دار الهوان والشقاء.
وقد نبه أهل العلم على هذا وبينوا أن العلم ينحصر في هذا المعنى، وممن نبه عليه؛ القاضي ابن أبي العز شارح الطحاوية في أول شرحه، ونبه عليه غيره كابن القيم وشيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة آخرين.
стр. 13834
وهو واضح ويتفاوت في الفضل بحسب متعلقاته، فأفضله وأعظمه وأشرفه ما يتعلق بالله وأسمائه وصفاته، وهو علم العقيدة، فإن الله جل وعلا له المثل الأعلى . وهو الوصف الأعلى من جميع الوجوه في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
ثم يلي ذلك ما يتعلق بحقه على عباده، وما شرعه من الأحكام، وما ينتهي إليه العاملون، ثم ما يتبع ذلك مما يعين عليه ويوصل إليه من علم قواعد العربية والمصطلحات الإسلامية في أصول الفقه، ومصطلح الحديث، وفي غير ذلك مما يتعلق بذلك العلم ويعين عليه وعلى فهمه، والكمال فيه.
ويلتحق بذلك علم السيرة النبوية، والتاريخ الإسلامي، وتراجم رجال الحديث وأئمة الإسلام. ويلتحق بذلك كل ما له صلة بهذا العلم.
وقد شرف الله أهل هذا العلم. ونوه بهم وعظم شأنهم سبحانه، واستشهدهم على توحيده والإخلاص له حيث قال : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١)، فاستشهد أهل العلم على وحدانيته مع الملائكة، فالملائكة ﵈، وأولو العلم الشرعي هم الشهداء على توحيد الله والإخلاص له، وأنه رب العالمين، وأنه الإله الحق، وأن العبادة لغيره باطلة، وكفى بها شرفا لأهل العلم، حيث استشهدهم على وحدانيته واستحقاقه في العبادة ، وبين جل وعلا أنهم لا يستوون مع غيرهم بقوله : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢)، ويقول : ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٣).
стр. 13835
فلا يستوي هؤلاء وهؤلاء، لا يستوي من يعلم أن ما أنزل الله هو الحق وهو الهدى، وهو طريق السعادة، مع الذين قد عموا عن هذا الطريق، وعن هذا العلم، فرق عظيم بين هؤلاء وهؤلاء، فرق بين من عرف الحق واستضاء بنوره وسار على هداه إلى أن لقي ربه وفاز بالكرامة والسعادة، وبين من عمي عن هذا الطريق واتبع هواه وسار في طريق الشيطان والهوى.
لا يستوي هؤلاء وهؤلاء. وقد بين الله سبحانه أنه يرفع درجات أهل العلم، وما ذلك إلا لعظيم آثارهم في الناس ونفعهم لهم. ولهذا قال أهل العلم: ما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح آثار الناس عليهم.
فآثارهم بتوجيه الناس إلى الخير، وإرشادهم إلى الحق، وتوصيلهم للهدى. وهي آثار عظيمة شكرها الله لهم، وشكرها المؤمنون، وعلى رأسهم الرسل عليهم الصلاة والسلام: فهم الهداة والدعاة، وهم أعلم الناس بالله وبشريعته، وأفضل الناس بعد الرسل وأتبعهم لهم، وأعلمهم بما جاءوا به، وأكملهم دعوة إليه وصبرا عليه، وإرشادا إليه. قال جل وعلا: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (١)، وقال : ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ (٢)، وبين أن أهل العلم هم الذين يخشونه على الحقيقة والكمال، وإن كانت الخشية موجودة من المؤمنين عموما، ومن بعض الآخرين، ولكن خشية الله على الكمال والحقيقة للعلماء، وعلى رأسهم الرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٣) يعني الخشية الكاملة.
والعلماء هم العارفون بالله وبأسمائه وبصفاته، وبشريعته التي بعث بها رسله، ولهذا قال نبينا محمد ﵊ لما قال له بعض الناس مستثقلا العلم
стр. 13836
الذي أرشده إليه: «لسنا مثلك يا رسول الله! قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له (١)».
فالعلماء بالله وبدينه وبأسمائه وصفاته هم أخشى الناس لله، وأقوى الناس في الحق على حسب علمهم به، وعلى حسب درجاتهم في ذلك، وأعلاهم في هذا وأكملهم فيه هم الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهم أخشى الناس لله، وأتقاهم له، وقد جاءت الأحاديث عن رسول الله ﷺ في بيان فضل العلم، وتكاثرت في ذلك.
فمن ذلك قوله ﵊: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة (٢)»، خرجه مسلم في صحيحه ﵀. فهذا يدلنا على أن طلاب العلم على خير عظيم، وأنهم على طريق نجاة وسعادة لمن أصلح نيته في طلب العلم وابتغى به وجه الله .
وقصد العلم لنفس العلم، وللعمل لا لأجل الرياء والسمعة، أو لأجل مقاصد أخرى، من المقاصد العاجلة، وإنما يتعلمه لمعرفة دينه، والبصيرة بما أوجب الله عليه، وليسعى في إخراج الناس من الظلمات إلى النور فيعلم ويعمل ويعلم غيره من المقاصد الحسنة التي أمر المسلم بها، فكل طريق يسلكه في طلب العلم فهو طريق إلى الجنة، ويعم ذلك جميع الطرق الحسية والمعنوية. فسفره من بلاد إلى بلاد أخرى، وانتقاله من حلقة إلى حلقة ومن مسجد إلى مسجد، بقصد طلب العلم، فهذا كله من الطرق لتحصيل العلم. وهكذا المذاكرة في كتب العلم والمطالعة والكتابة، كلها من الطرق أيضا.
فجدير بالطالب أن يعنى بجميع الطرق الموصلة إلى العلم، وأن يحرص عليها قاصدا وجه ربه ، يريد الله والدار الآخرة، يريد أن يتفقه في دينه وأن يتبصر به، يريد أن يعرف ما أوجب الله عليه، وما حرم عليه، يريد أن يعرف ربه على بصيرة وبينة، ثم يعمل بذلك، يريد أن ينقذ الناس ويكون من دعاة الهدى وأنصار الحق، ومرشدا إلى الله على علم وهدى، فهو حيثما
стр. 13837
تصرف على خير عظيم بهذه النية الصالحة، حتى نومه من طرق الجنة، إذا نام ليتقوى على طلب العلم، وأداء الدرس كما ينبغي ليتقوى على حفظ كتاب في العلم، ليتقوى على السفر في طلب العلم، فنومه عبادة، وتصرفاته الأخرى بهذه النية عبادة، بخلاف من ساءت نيته، فهو على خطر عظيم، جاء في الحديث عنه ﷺ أنه قال: «من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة (١)» رواه أبو داود ﵀ بإسناد جيد.
وهذا وعيد عظيم لمن ساءت نيته.
وروي عنه ﵊ أنه قال: «من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو ليجاري به السفهاء، أو ليصرف به وجوه الناس إليه فالنار النار (٢)».
وتعلم العلم يكون بمعرفته والعمل به لله؛ لأن الله أمر بذلك، وجعله وسيلة لمعرفة الحق. وجاء في الحديث الصحيح: «أن أول من تسعر بهم النار ثلاثة: منهم الذي طلب العلم وقرأ القرآن لغير الله، ليقال: هو عالم وليقال له: قارئ (٣)» ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فعليك يا عبد الله، أيها الطالب للعلم: عليك بإخلاص العبادة والنية لله وحده، وعليك بالجد والنشاط في سلوك طرق العلم والصبر عليها، ثم العمل بمقتضى العلم، فإن المقصود هو العمل، وليس المقصود هو أن تكون عالما أو تعطى شهادة راقية في العلم، فإن المقصود من وراء ذلك كله هو أن تعمل بعلمك، وأن توجه الناس إلى الخير، وأن تكون من خلفاء الرسل عليهم الصلاة والسلام في الدعوة إلى الحق. وقد قال ﵊ في الحديث الصحيح: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٤)» متفق على صحته.
فهذا يدل على فضل العلم وأنه من علامات الخير والسعادة، ومن علامات التوفيق، وأن الله أراد بالعبد خيرا أن يفقهه في دينه، وأن يتبصر في ذلك، حتى يعرف الحق من الباطل، والهدى من الضلال، وحتى يعرف ربه بأسمائه وصفاته، وعظيم حقه، وحتى يعرف النهاية لأولياء الله ولأعدائه.
стр. 13838
فالنهاية لأولياء الله الجنة والسعادة بجوار الرب الكريم، والنظر إلى وجهه في دار الكرامة.
والنهاية لأعداء الله دار النكال والعذاب والهوان، والحجاب عن الله .
وبهذا نعلم عظم العلم وشرفه، وأنه أفضل شيء وأشرفه لمن أصلح الله نيته؛ لأنه يتوصل به إلى معرفة أفضل واجب وأعظم واجب، وهو توحيد الله والإخلاص له، ويتوصل به أيضا إلى معرفة أحكام الله، وما أوجب على عباده، فهو واجب عظيم يوصل إلى أداء واجبات عظيمة؛ لإسعاده للعباد، ولا نجاة لهم إلا بالله ثم بالعلم بها، والتمسك بها والاستقامة عليها.
والعلماء الذين أظهروا العلم هم خيرة الناس، وأفضلهم على وجه الأرض، وعلى رأسهم أئمتهم الرسل عليهم الصلاة والسلام والأنبياء، فهم القدوة وهم الأساس في الدعوة والعلم والفضل، ويليهم أهل العلم على طبقات: فكل من كان أعلم بالله وبأسمائه وصفاته وأكمل في العمل والدعوة، كان أقرب الناس من الرسل، ومن درجاتهم ومنازلهم في الجنة. فأهل العلم هم أئمة هذه الأرض ونورها وسرجها، وهم أولى بها من غيرهم، يرشدون الناس إلى طريق السعادة، ويهدونهم إلى أسباب النجاة، ويقودونهم إلى ما فيه رضا الله جل وعلا، والوصول إلى كرامته والبعد عن أسباب غضبه وعذابه.
فالعلماء هم ورثة الأنبياء، وهم أئمة الناس بعد الأنبياء يهدون إلى الله، ويرشدون إليه، ويعلمون الناس دينهم، فأخلاقهم عظيمة، وصفاتهم حميدة، علماء الحق، علماء الهدى، خلفاء الرسل، الذين يخشون الله ويراقبونه ويعظمون أمره - وهو من تعظيمه سبحانه. هؤلاء أخلاقهم أرفع الأخلاق وأسماها؛ لأنهم سلكوا مسلك الرسل، وساروا على نهجهم وطريقهم في الدعوة إلى الله على بصيرة، والتحذير من أسباب غضبه والمسارعة إلى ما عرفوا من الخير قولا وعملا، والابتعاد عما عرفوا من الشر قولا وعملا، فهم القدوة، والأسوة بعد
стр. 13839
الأنبياء، في أخلاقهم العظيمة، وصفاتهم الحميدة، وأعمالهم الجليلة، وهم يعملون ويعلمون، ويوجهون طلابهم إلى أسمى الأخلاق وخير السبل.
وسبق أن العلم قال الله قال رسوله، هذا هو العلم الشرعي، هو العلم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وما يعين على ذلك.
فالواجب على أهل العلم أن يتمسكوا بهذا الأساس العظيم، وأن يدعوا الناس إليه، وأن يوجهوا طلابهم إليه، وأن يكون الهدف دائما العلم بما قال الله وقال رسوله، والعمل بذلك، وتوجيه الناس وإرشادهم إلى ذلك. ولا يجوز التفرق والاختلاف ولا الدعوة إلى حزب فلان وحزب فلان، ورأي فلان، وقول علان، وإنما الواجب أن تكون الدعوة واحدة إلى الله ورسوله، إلى كتاب الله وسنة رسوله ﵊، لا إلى مذهب فلان، أو دعوة علان، ولا إلى الحزب الفلاني، والرأي الفلاني.
يجب على المسلمين أن تكون طريقتهم واحدة وهدفهم واحدا، وهو اتباع كتاب الله وسنة رسوله ﵊.
وأما ما جرى من الاختلاف بين أهل العلم في المذاهب الأربعة وغيرها، فالواجب أن يؤخذ منه ما هو أقرب إلى الصواب، وهو القول الذي هو أقرب إلى ما قاله الله ورسوله نصا أو بمقتضى قواعد الشريعة. فإن الأئمة المجتهدين إنما هدفهم ذلك، وقبلهم الصحابة ﵃ وأرضاهم. وهم الأئمة بعد الرسول ﷺ ، فهم أعلم الناس بالله، وأفضلهم وأكملهم علما وخلقا. فقد كانوا يختلفون في بعض المسائل، ولكن دعوتهم واحدة، وطريقهم واحد. يدعون إلى كتاب الله وسنة الرسول ﵊، وهكذا من بعدهم من التابعين وأتباع التابعين؛ كالإمام مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد، وغيرهم من أئمة الهدى؛ كالأوزاعي والثوري وابن عيينة وإسحاق بن راهويه، وأشباههم من أهل العلم والإيمان، دعوتهم واحدة، وهي الدعوة إلى كتاب الله، وسنة الرسول ﷺ ، وكانوا ينهون أتباعهم عن تقليدهم، ويقولون: خذوا من حيث أخذنا. يعنون من الكتاب والسنة.
стр. 13840
ومن جهل الحق وجب عليه أن يسأل أهل العلم المعروفين بالعلم والفضل، وحسن العقيدة والسيرة، ويتبصر في ذلك، مع تقدير العلماء، ومعرفة فضلهم، والدعاء لهم بمزيد من التوفيق وعظيم الأجر؛ لأنهم سبقوا إلى الخير العظيم، وعلموا وأرشدوا، وأوضحوا الطريق، فرحمة الله عليهم، فلهم فضل السبق، وفضل علمهم ودعوتهم إلى الله؛ من الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم والإيمان. فيعرف لهم قدرهم وفضلهم، ويترحم عليهم ويتأسى بهم في النشاط في العلم والدعوة إلى الله، وتقديم ما قاله الله ورسوله على غيره، والصبر على ذلك، والمسارعة إلى العمل الصالح، ويتأسى بهم في هذه الفضائل العظيمة، ويترحم عليهم، ولكن لا يجوز أبدا أن يتعصب لواحد منهم مطلقا، وأن يقال: قوله هو الصواب مطلقا. بل يقال: كل واحد قد يخطئ ويصيب، والصواب فيما وافق ما قاله الله ورسوله، وما دل عليه شرع الله من طريق الكتاب والسنة. وإجماع أهل العلم، فإذا اختلفوا وجب الرد إلى الله ورسوله، كما قال : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١)، وقال : ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢)، هكذا قال أهل العلم قديما وحديثا.
ولا يجوز أبدا التعصب لزيد أو عمرو، ولا لرأي فلان أو علان، ولا لحزب فلان أو الطريقة الفلانية، أو الجماعة الفلانية، كل هذا من الأخطاء الجديدة التي وقع فيها كثير من الناس.
فيجب أن يكون المسلمون هدفهم واحد، وهو اتباع كتاب الله وسنة رسوله ﵊ في جميع الأحوال؛ في الشدة والرخاء، في العسر واليسر، في السفر والإقامة، وفي جميع الأحوال. وعند اختلاف أهل العلم ينظر في أقوالهم، ويؤيد منها ما وافق الدليل من دون تعصب لأحد من الناس.
стр. 13841
أما العامة وأشباه العامة، فيسألون أهل العلم، ويتحرون في أهل العلم من هو أقرب إلى الخبر وأقرب إلى السداد والاستقامة. يسألونه عن شرع الله، وهو يعلمهم بذلك ويرشدهم إلى الحق حسب ما جاء في الكتاب والسنة، وأجمع عليه أهل العلم.
والعالم يعرف بصبره وتقواه لله، وخشيته له ، ومسارعته إلى ما أوجب الله ورسوله، وابتعاده عما حرم الله ورسوله.
هكذا يكون العالم سواء كان مدرسا أو قاضيا أو داعيا إلى الله أو في أي عمل، فواجبه أن يكون قدوة في الخير، وأن يكون أسوة في الصالحات، يعمل بعلمه ويتقي الله أين ما كان، ويرشد الناس إلى الخير، حتى يكون قدوة صالحة لطلابه، ولأهل بيته ولجيرانه ولغيرهم ممن عرفه، يتأسون به: بأقواله وأعماله الموافقة لشرع الله .
وعلى طالب العلم أن يحذر غاية الحذر من التساهل فيما أوجب الله، أو الوقوع فيما حرم الله، فإنه يتأسى به في ذلك، فإذا تساهل تساهل غيره، وهكذا في السنة والمكروهات، ينبغي له أن يحرص على تحري السنن، وإن كانت غير واجبة ليعتادها وليتأسى الناس به فيها، وأن يبتعد عن المكروهات والمشتبهات حتى لا يتأسى به الناس فيها.
فطالب العلم له شأن عظيم، وأهل العلم هم الخلاصة في هذا الوجود، فعليهم من الواجبات والرعاية ما ليس على غيرهم، يقول الرسول ﷺ : «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته (١)».
فأهل العلم رعاة وهداة، فعليهم أن يعنوا برعيتهم، الشعوب رعية لهم فعليهم أن يعنوا بهذه الرعية، وأن يخافوا الله فيها، وأن يرشدوها إلى أسباب النجاة، ويحذروها من أسباب الهلاك، وأن يغرسوا فيما بينهم حب الله ورسوله، والاستقامة على دين الله، والشوق إلى الله وإلى جنته وكرامته، والحذر من النار، فالنار بئس المصير، يجب الحذر منها، والتحذير منها، وأولى الناس بهذا الأمر هم العلماء، وطلاب العلم، هكذا يكون حالهم أبدا. وهكذا تكون أخلاقهم
стр. 13842
أبدا، مسارعة إلى مرضاة الله، وابتعاد عن معاصي الله، ودعوة إلى الله، وإرشاد إليه، ووقوف عند حدوده، وأخذ بالأحوط دائما، وبعد عما حرم الله، وعما كرهه الله، حتى يتأسى بهم إخوانهم من المؤمنين، وحتى يتأثر بهم المسلمون أينما كانوا.
وأسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا أن يوفقنا وإياكم إلى ما يرضيه وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعا، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، وصالحين مصلحين، كما أسأله سبحانه أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويوفق ولاة أمر المسلمين لكل ما فيه رضاه وصلاح العباد والبلاد، وأن يصلح لهم البطانة، وأن يمن عليهم بتحكيم شريعة الله بين عباده والتحاكم إليها، ونبذ ما خالفها.
أما العلوم الأخرى فلها شأن آخر: من استخراج المعادن، وشئون الزراعة والفلاحة، وسائر أنواع الصناعات النافعة. وقد يجب منها ما يحتاجه المسلمون، ويكون فرض كفاية، ولولي الأمر فيها أن يأمر بما يحتاجه المسلمون، ويساعد أهلها في ذلك، أي بما يعينهم على نفع المسلمين، والإعداد لعدوهم. وعلى حسب نية العبد تكون أعماله عبادة لله ، متى صلحت النية وخلصت لله، وإذا فعلها بدون نية كانت من المباحات: أعني أنواع الصناعات المباحة، واستخراج المعادن والزراعة والفلاحة وغير ذلك.
وكلها أمور مطلوبة، ومع صلاح النية تكون عبادة، ومع خلوها من ذلك تكون أمورا مباحة، وقد تكون فرض كفاية في بعض الأحيان، إذا دعت الحاجة إليها، ووجب على ولي الأمر أن يلزم بذلك من هو أهل لها، فهي أمور لها شأنها، ولها أحوالها الداعية إليها، وتختلف بحسب النية وبحسب الحاجة.
أما علم الشرع فلا بد منه، والله خلق الثقلين ليعبدوه وليتقوه، ولا سبيل إلى هذا إلا بعلم الشرع، علم الكتاب والسنة كما تقدم. فعلى طلبة العلم التفقه في الدين، وتعلم أحكام الله والتبصر في ذلك، ومعرفة العقيدة السلفية
стр. 13843
الصحيحة التي سار عليها الرسول ﷺ وصحابته ﵃، وسار عليها أتباعهم بإحسان، وهي الإيمان بالله ورسوله، والإيمان بأسماء الله وصفاته، وإمرارها كما جاءت على الوجه الذي يليق بالله ، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ولا زيادة ولا نقصان.
هكذا درج أهل العلم على الطريقة التي درج عليها الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ودرج عليها أصحابهم وأتباعهم بإحسان.
فنسأل الله لطلبة العلم التوفيق، وأن يعينهم على كل ما فيه رضاه. وأن يهدي بهم العباد، ويصلح بهم الأحوال، إنه جل وعلا على كل شيء قدير. وصلى الله وسلم على نبينا محمد عبد الله ورسوله، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 13844
صفحة فارغة
стр. 13845
تدوين الراجح من أقوال الفقهاء
(القسم الثاني)
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
٤ - أقوال فقهاء الإسلام قديما وحديثا في إلزام ولاة الأمور القضاة أن يحكموا بمذهب معين أو رأي معين.
تمهيد:
تقدم ذكر الدواعي إلى تدوين أحكام يلزم القضاة أن يحكموا بها فيما يرفع إليهم من القضايا، وأن التفكير في ذلك بدأ في القرن الثاني من الهجرة في خلافة أبي جعفر المنصور حين عرض عليه عبد الله بن المقفع ذلك، وتكلم أبو جعفر مع الإمام مالك فيها، وقد وضع كل منهما الأمر في نصابه، حيث رفعه الأول إلى المسئولين عن الأمة من ولاة الأمور وأهل السلطة فيها، ورده الخليفة إلى أهل العلم والفقه في الدين، ولم يكن تأثير الدواعي على النفوس قاصرا في ذلك العهد على ابن المقفع بل تجاوزه إلى غيره، فقد نقل فقهاء المالكية أن سحنون بن سعيد التنوخي ولى رجلا سمع بعض كلام أهل العراق وأمره ألا يتعدى الحكم بمذهب أهل المدينة. فهذا قد تمكنت منه الفكرة أكثر ممن سبقه، واستمر تأثيرها في العلماء وغيرهم جيلا بعد جيل حتى وقتنا الحاضر مع تفاوت في مدى تأثره بها، فمنهم من لم يستجب لها، ومنهم من استسلم لها فقال بها، ودافع عنها، وعمل بمقتضاها عندما أتيحت له الفرصة، ولكل وجهته.
وفيما يأتي ذكر أقوال الفقهاء، وما استندوا إليه مع المناقشة، وبالله التوفيق.
стр. 13846
أ- المذهب الحنفي:
أ- قال (١) ابن عابدين: ولو قيد السلطان القاضي بصحيح مذهبه كما في زماننا تقيد بلا خلاف، ولو قيده بضعيف المذهب فلا خلاف بعدم صحة حكمه.
٢ - وقال (٢) أيضا نقلا عن معروضات أبي السعود: إن العبد الآبق إذا كان من عبيد العسكرية فقد صدر الأمر السلطاني بمنع القضاة من بيعه كيلا يتخذ العبيد الأباق وسيلة للتخلص من خدمة الجيش- ثم قال-: وحينئذ لا يصح بيع هؤلاء العبيد، بل يؤخذون من مشتريهم ويرجع المشتري بالثمن، وكذلك بيع العبيد الآبقين من الرعايا إذا بيعوا بغبن فاحش، وبذلك ورد الأمر السلطاني فليحفظ فإنه مهم.
٣ - وقال (٣) أيضا على قول صاحب الدر: "ولو قضى بجواز بيعها لم ينفذ بل يتوقف على قضاء قاض آخر إمضاء وإبطالا".
قال: أي قضى به حنفي مثلا على إحدى الروايتين عن الإمام من أن القاضي لو قضى بخلاف رأيه ينفذ قضاؤه ما لم يقيده السلطان بمذهب خاص.
٤ - وقال (٤) أيضا على قول صاحب تنوير الأبصار في صلاة العيدين: "ويصلي بهم الإمام ركعتين مثنيا قبل الزوائد وهي ثلاث تكبيرات في كل ركعة " قال: هذا مذهب ابن مسعود وكثير من الصحابة ورواية عن ابن عباس، وبه أخذ أئمتنا الثلاثة. وروي عن ابن عباس أنه يكبر في الأولى سبعا، وفي الثانية ستا - وفي رواية خمسا - منها ثلاثة أصلية،
стр. 13847
وهي: تكبيرة الافتتاح، وتكبيرتا الركوع، والباقي زوائد في الأولى خمس وفي الثانية خمس أو أربع، ويبدأ بالتكبير في كل ركعة. قال في الهداية: وعليه عمل العامة اليوم؛ لأمر الخلفاء من بني العباس به.
والمذهب الأول؛ قال في الظهيرية - وهو تأويل ما روي عن أبي يوسف ومحمد - أنهما فعلا ذلك؛ لأن هارون أمرهما أن يكبرا بتكبير جده ففعلا ذلك امتثالا له لا مذهبا واعتقادا. قال في المعراج: لأن طاعة الإمام فيما ليس بمعصية واجبة.
стр. 13848
ب- المذهب المالكي:
قال (١) محمد بن عبد الرحمن الحطاب: قال ابن الحاجب: وللإمام أن يستخلف من يرى غير رأيه في الاجتهاد أو التقليد، ولو شرط الحكم بما يراه كان الشرط باطلا والتولية صحيحة، قال الباجي: كان في سجلات قرطبة: ولا يخرج عن قول ابن القاسم ما وجده. قال في التوضيح: للإمام أن يستخلف من يرى غير رأيه كالمالكي يولي شافعيا أو حنفيا، ولو شرط الإمام على القاضي الحكم بما يراه الإمام من مذهب معين أو اجتهاد له كان الشرط باطلا وصح العقد. وهكذا في الجواهر عن الطرطوشي. وقال غيره: العقد غير جائز وينبغي فسخه ورده. وهذا إنما هو إذا كان القاضي مجتهدا، وهكذا المازري فيه قال: وإن كان الإمام مقلدا وكان متبعا لمذهب مالك أو اضطر إلى ولاية قاض مقلد لم يحرم على الإمام أن يأمره أن يقضي بين الناس بمذهب مالك، ويأمره ألا يتعدى في قضائه مذهب مالك؛ لما يراه من المصلحة في أن يقضي بين الناس بما عليه أهل الإقليم والبلد الذي فيه هذا القاضي منه ولي عليهم. وقد ولى سحنون رجلا سمع بعض كلام أهل العراق وأمره ألا يتعدى الحكم بمذهب أهل المدينة. انتهى المقصود.
стр. 13849
٢ - قال (١) ابن فرحون: قال الشيخ أبو بكر الطرطوشي: أخبرنا القاضي أبو الوليد الباجي أن الولاة كانوا بقرطبة إذا ولوا رجلا القضاء شرطوا عليه في سجله ألا يخرج عن قول ابن القاسم ما وجده. قال الشيخ أبو بكر: وهذا جهل عظيم منهم. يريد أن الحق ليس في شيء معين، وإنما قال الشيخ أبو بكر هذا لوجود المجتهدين وأهل النظر في قضاة ذلك الزمان فتكلم على أهل زمانه وكان معاصرا للإمام أبي عمر بن عبد البر، والقاضي أبي الوليد الباجي، والقاضي أبي الوليد بن رشد، والقاضي أبي بكر بن العربي، والقاضي أبي الفضل عياض، والقاضي أبي محمد بن عطية صاحب التفسير، وغير هؤلاء من نظرائهم، وقد عدم هذا النمط في زماننا من المشرق والمغرب. .
وهذا الذي ذكره الباجي عن ولاة قرطبة ورد نحوه عن سحنون، وذلك أنه ولى رجلا القضاء وكان الرجل ممن سمع بعض كلام أهل العراق فشرط عليه سحنون ألا يقضي إلا بقول أهل المدينة ولا يتعدى ذلك. . قال (٢) ابن رشد: وهذا يؤيد ما ذكره الباجي، ويؤيد ما قاله الشيخ أبو بكر، فكيف يقول ذلك والمالكية إذا تحاكموا إليه فإنما يأتونه ليحكم بينهم بمذهب مالك. انتهى المقصود.
٣ - قال (٣) الدسوقي: بل حكوا خلافا إذا اشترط السلطان عليه ألا يحكم إلا بمذهب إمامه فيقبل لا يلزمه الشرط، وقيل: بل ذلك يفسد التولية، وقيل: يمضي الشرط لمصلحة انظر (ح / ٣).
٤ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٤) لما انتشر مذهب مالك بالأندلس وكان يحيى بن يحيى بالأندلس والولاة يستشيرونه فكانوا يأمرون القضاة ألا يقضوا إلا بروايته عن مالك، ثم رواية غيره فانتشرت رواية ابن القاسم
стр. 13850
عن مالك لأجل من عمل بها، وقد تكون مرجوحة في المذهب، وعمل أهل المدينة والسنة، حتى صاروا يتركون رواية الموطأ الذي هو متواتر عن مالك، - وما زال يحدث به إلى أن مات - لرواية ابن القاسم - وإن كان طائفة من المالكية أنكروا ذلك فمثل هذا إن كان فيه عيب فإنما هو على من نقل ذلك لا على مالك. انتهى المقصود منه.
٥ - قال محمد عليش (١): وفي آخر أحكام ابن سهل وأول المدارك للقاضي عياض واللفظ للمدارك، وفي كتاب الحاكم المستنصر إلى الفقيه أبي إبراهيم - وكان الحاكم ممن طالع الكتاب ونقر عن أخبار الرجال تنقيرا لم يبلغ فيه شيئا كثيرا من أهل العلم فقال في كتابه: "وكل من زاغ عن مذهب مالك فإنه من رين على قلبه وزين له سوء عمله، وقد نظرت طويلا في أخبار الفقهاء، وقرأت ما صنف من أخبارهم إلى يومنا هذا فلم أر مذهبا من المذاهب غيره أسلم منه، وإن فيهم الجهمية والرافضة والخوارج والمرجئة والشيعة إلا مذهب مالك ما سمعت أن أحدا ممن يتقلد مذهبه قال بشيء من هذه البدع فالاستمساك به نجاة إن شاء الله.
ولغيره عن الخليفة الحاكم المستنصر بالله تعالى: من خالف مذهب مالك بالفتوى، وبلغنا خبره أنزلنا به من النكال ما يستحقه وجعلناه عبرة لغيره، فقد اختبرت فوجدت مذهب مالك وأصحابه أفضل المذاهب، ولم أر في أصحابه ولا فيمن تقلد بمذهبه غير معتقد للسنة والجماعة فليستمسك الناس بهذا، ولينهوا أشد النهي عن تمسكهم في العمل بمذهب جميع المخالفين له (٢).
стр. 13851
جـ- المذهب الشافعي:
١ - قال الماوردي (١) فلو شرط المولي وهو حنفي المذهب على من ولاه القضاء ألا يحكم إلا بمذهب الشافعي أو أبي حنيفة فهذا على ضربين:
أحدهما أن يشترط ذلك عموما في جميع الأحكام فهذا شرط باطل سواء كان موافقا لمذهب المولى أو مخالفا له، وأما صحة الولاية فإن لم يجعله شرطا فيها وأخرجه مخرج الأمر أو مخرج النهي وقال: قد قلدتك القضاء فاحكم بمذهب الشافعي ﵀ على وجه الأمر أو: لا تحكم بمذهب أبي حنيفة على وجه النهي كانت الولاية صحيحة والشرط فاسدا سواء تضمن أمرا أو نهيا، ويجوز أن يحكم بما أداه اجتهاده إليه سواء وافق شرطه أو خالفه، ويكون اشتراط المولى لذلك قدحا فيه إن علم أنه اشترط ما لا يجوز، ولا يكون قدحا إن جهل، لكن لا يصح مع الجهل به أن يكون موليا ولا واليا، فإن خرج ذلك مخرج الشرط في عقد الولاية فقال: قد قلدتك القضاء على ألا تحكم فيه إلا بمذهب الشافعي أو بقول أبي حنيفة. كانت الولاية باطلة؛ لأنه عقدها على شرط فاسد، وقال أهل العراق: تصح الولاية ويبطل الشرط.
والضرب الثاني أن يكون الشرط خاصا في حكم بعينه فلا يخلو الشرط من أن يكون أمرا أو نهيا فإن كان أمرا فقال له أقد من العبد (٢) بالحر. . . كان أمره بهذا الشرط فاسدا، ثم إن جعله شرطا في عقد الولاية فسدت، وإن لم يجعله شرطا فيها صحت وحكم في ذلك بما يؤديه اجتهاده إليه.
وإن كان نهيا فهو على ضربين:
أحدهما أن ينهاه عن الحكم في قتل المسلم بالكافر والحر بالعبد ولا يقضي فيه بوجوب قود ولا بإسقاطه
стр. 13852
فهذا جائز؛ لأنه اقتصر بولايته على ما عداه فصار ذلك خارجا عن نظره.
والضرب الثاني: ألا ينهاه عن الحكم وينهاه عن القضاء في القصاص، فقد اختلف أصحابنا في هذا النهي هل يوجب صرفه عن النظر فيه على وجهين: أحدهما: أن يكون صرفا عن الحكم فيه وخارجا عن ولايته فلا يحكم فيه بإثبات قود ولا بإسقاطه.
والثاني: أنه لا يقتضي الصرف عنه ويجري عليه حكم الأمر به، ويثبت صحة النظر إن لم يجعله شرطا في التقليد ويحكم فيه بما يؤديه اجتهاده إليه.
٢ - قال (١) جلال الدين المحلي على قول النووي في المنهاج: "ولا يجوز أن يشترط عليه خلافه" قال: أي خلاف الحكم باجتهاده أو اجتهاد مقلده، وقضية ذلك أنه لو شرطه لم يصح الاستخلاف، وكذا لو شرطه الإمام في تولية القاضي لم تصح توليته.
٣ - قال (٢). قليوبي على قوله "أن يشرط" خرج بالشرط الأمر والنهي نحو: احكم بمذهب كذا أو لا تحكم، فيلغو ولا تبطل التولية، ويعتبران في التفويض.
٤ - وقال (٣) إبراهيم بن علي الشيرازي: ولا يجوز أن يعقد تقلد القضاء على أن يحكم بمذهب بعينه، لقوله : ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (٤) والحق ما دل عليه الدليل وذلك لا يتعين في مذهب بعينه، فإن قلد على هذا الشرط بطلت التولية؛ لأنه علقها على شرط وقد بطل الشرط فبطلت التولية.
стр. 13853
د- المذهب الحنبلي:
أ- قال (١). ابن قدامة: ولا يجوز أن يقلد القضاء لواحد على أن يحكم بمذهب بعينه، وهذا مذهب الشافعي، ولم أعلم فيه خلافا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (٢) والحق لا يتعين في مذهب، وقد يظهر له الحق في غير ذلك المذهب. فإن قلده على هذا الشرط بطل الشرط، وفي فساد التولية وجهان بناء على الشروط الفاسدة في البيع.
٢ - قال (٣) أبو يعلى: "فإن كان المولي على مذهب فشرط على من ولاه القضاء ألا يحكم إلا بمذهبه فهذا شرط باطل، وهل تبطل الولاية؟ نظرت:
فإن لم يجعله شرطا فيها، لكن أخرجه مخرج الأمر والنهي، بأن قال له: قد قلدتك القضاء فاحكم بمذهب أحمد، على وجه الأمر، ولا تحكم بمذهب أبي حنيفة، على وجه النهي فالولاية صحيحة والشرط فاسد.
وإن أخرجه مخرج الشرط في عقد الولاية فقال: قد قلدتك القضاء على ألا تحكم فيه إلا بمذهب أحمد. فهذا عقد شرط فيه شرطا فاسدا فهل يبطل العقد؟ على روايتين: بناء على البيع إذا قارنه شرط فاسد فإن كان الشرط خاصا في حكم بعينه نظرت أيضا، فإن لم يخرجه مخرج الشرط لكن أخرجه مخرج الأمر فقال (٤) اقد من العبد بالحر، ومن المسلم بالكافر، يبطل العقد على الروايتين. وإن كان نهيا فإن نهاه عن الحكم في قتل المسلم بالكافر، والحر بالعبد وألا يقضي فيه بوجوب القود، ولا بإسقاطه، جاز؛ لأنه اقتصر بولايته على ما عداه، وإن لم ينهه عن الحكم فيه ونهاه عن القضاء بالقصاص احتمل أن يكون صرفا عن
стр. 13854
الحكم فلا يحكم فيه بإثبات قود ولا بإسقاطه. ويحتمل ألا يقتضي الصرف، ويجرى عليه حكم الأمر به، فيبطل حكم الأمر، ويثبت صحة النظر إذا لم يجعله شرطا في التقليد، ويحكم بما يؤديه اجتهاده إليه.
٣ - قال شيخ الإسلام (١): ولو شرط الإمام على الحاكم أو شرط الحاكم على خليفته أن يحكم بمذهب معين بطل الشرط، وفي فساد العقد وجهان، ولا ريب أن هذا إذا أمكن القضاة أن يحكموا بالعلم والعدل من غير هذا الشرط فعلوا. فأما إذا قدر أن في الخروج عن ذلك من الفساد جهلا وظلما أعظم مما في التقدير كان ذلك من باب دفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما.
٤ - وقال (٢) أيضا- جوابا عن سؤال وجه إليه عمن ولي أمرا من أمور المسلمين، ومذهبه لا يجوز شركة الأبدان فهل يجوز له منع الناس؟ فأجاب: ليس له منع الناس من مثل ذلك، ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد، وليس معه بالمنع نص من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا ما هو في معنى ذلك، لا سيما وأكثر العلماء على جواز مثل ذلك، وهو ما يعمل به عامة المسلمين في عامة الأمصار، وهذا كما أن الحاكم ليس له أن ينقض حكم غيره في مثل هذه المسائل، ولا للعالم والمفتي أن يلزم الناس باتباعه في مثل هذه المسائل، ولهذا لما استشار الرشيد مالكا أن يحمل الناس على موطئه في مثل هذه المسائل منعه من ذلك وقال: إن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في الأمصار، وقد أخذ كل قوم من العلم ما بلغهم. وصنف رجل كتابا في الاختلاف فقال أحمد: لا تسمه كتاب الاختلاف ولكن سمه "كتاب السعة". ولهذا كان بعض العلماء يقول: إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما يسرني أن أصحاب رسول الله ﷺ لم
стр. 13855
يختلفوا؛ لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالا، وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا ورجل بقول هذا كان في الأمر سعة، وكذلك قال غير مالك من الأئمة: ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه، ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره: إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد، وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها، ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه، ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه.
ونظائر هذه المسائل كثيرة- وبعد أن ذكر أمثلة كثيرة لهذا من المعاملات قال- ولو منع الناس مثل هذه المعاملات لتعطل كثير من مصالحهم التي لا يتم دينهم ولا دنياهم إلا بها، ولهذا كان أبو حنيفة يفتي بأن المزارعة لا تجوز ثم يفرع على القول بجوازها ويقول: إن الناس لا يأخذون بقولي في المنع، ولهذا صار صاحباه إلى القول بجوازها كما اختار ذلك من اختاره من أصحاب الشافعي وغيره.
٥ - وقال عنه البعلي أيضا (١): ومن أوجب تقليد إمام بعينه استتيب، فإن تاب وإلا قتل، وإن قال ينبغي كان جاهلا ضالا، ومن كان متبعا الإمام فخالفه في بعض المسائل لقوة الدليل أو لكون أحدهما أعلم أو أتقى فقد أحسن (وقال أبو العباس) في موضع آخر: بل يجب عليه، وإن أحمد نص عليه ولم يقدح ذلك في عدالته بلا نزاع.
٦ - وقال أيضا في جواب ورقة أرسلت إليه في السجن في رمضان سنة ست وسبعمائة في الفصل الذي عقده لإحالة الحكم في قضيته إلى الحاكم قال: (٢) أنا لم يدع علي دعوى يختص بها الحاكم من الحدود والحقوق
стр. 13856
مثل قتل أو قذف أو مال أو نحوه، بل في مسائل العلم الكلية مثل التفسير، والحديث والفقه وغير ذلك، وهذا فيه ما اتفقت عليه الأمة، وفيه ما تنازعت فيه، والأمة إذا تنازعت في معنى آية أو حديث أو حكم خبري أو طلبي لم يكن صحة أحد القولين وفساد الآخر ثابتا بمجرد حكم حاكم فإنه إنما ينفذ حكمه في الأمور المعينة دون العامة، ولو جاز هذا لجاز أن يحكم حاكم بأن قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١) هو الحيض أو الأطهار، ويكون هذا حكما يلزم جميع الناس قوله، أو يحكم بأن اللمس في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٢) هو الوطء أو المباشرة فيما دونه، أو بأن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج أو الأب والسيد. وهذا لا يقوله أحد- ومضى إلى أن قال- وأما إلزام السلطان في مسائل النزاع بالتزام قول بلا حجة من الكتاب والسنة فهذا لا يجوز باتفاق المسلمين، ولا يفيد حكم حاكم بصحة قول دون قول في مثل ذلك، إلا إذا كان معه حجة يجب الرجوع إليها فيكون كلامه قبل الولاية وبعدها سواء، وهذا بمنزلة الكتب التي يصنفها في العلم. نعم الولاية قد تمكنه من قول حق ونشر علم قد كان يعجز عنه بدونها، وباب القدرة والعجز غير باب الاستحقاق وعدمه. نعم للحاكم إثبات ما قاله زيد أو عمرو ثم بعد ذلك إن كان القول مختصا به كان مما يحكم به الحاكم وإن كان من الأقوال العامة كان من باب مذاهب الناس، فأما كون هذا القول ثابتا عند زيد ببينة أو إقرار أو خط فهذا يتعلق بالحكام.
٧ - وقال (٣) أيضا: الأحكام كلها تلقتها الأمة عن نبيها لا تحتاج فيها إلى الإمام وإنما الإمام منفذ لما شرعه رسول الله ﷺ .
стр. 13857
هـ - نقول عن بعض الفقهاء المعاصرين الذين يدعون إلى هذه الفكرة:
١ - قال (١) محمد رشيد رضا: وأما الاجتهاد في المعاملات والقضاء فهو الاجتهاد الحقيقي الذي يعجز عنه أكثر الناس ولا يقوم به إلا طائفة تتفرغ للاستعداد للقضاء والفتوى والتعليم، ويلزم الإمام أو السلطان سائر الناس بالعمل باجتهادهم على ما بينته تبيينا، فإن أصاب هؤلاء الحق والعدل فلهم أجران وإن أخطئوا بعد التحري وبذل الجهد في المعرفة فلهم أجر واحد ويعذرون هم ومقلدوهم العاملون بمقتضى اجتهادهم.
٢ - قال (٢) أيضا: فما أجمعوا عليه من أمر الدين فهو الذي لا يسع مسلما تركه وما اختلفوا فيه يرد إلى الكتاب والسنة كما أمر الله تعالى بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٣) أي مآلا وعاقبة، والرد في الأمور العامة منوط بأولي الأمر، وفي الوقائع الخاصة يعمل كل فرد بما ظهر له الدليل على صحته. . إلخ.
٣ - وسئل (٤) ما قولكم - دام فضلكم - في أحكام السياسة والقوانين التي أنشأها سلطان البلد أو نائبه وأمر وألزم حكام بلده وقضاته بإجرائها وتنفيذها، هل يجوز لهم إطاعته وامتثاله لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٥) الآية، أم كيف الحكم؟ أفتونا مأجورين؛ لأن هذا الشيء قد عم البلدان والأقطار.
فأجاب: إذا كانت تلك الأحكام والقوانين عادلة غير مخالفة لكتاب الله وما صح من سنة رسوله ﷺ وجب علينا أن نعمل بها إذا وضعها أولو الأمر منا وهم أهل الحل والعقد، مع مراعاة قواعد المعادلة والترجيح
стр. 13858
والضرورات، وإن كانت جائرة مخالفة لنصوص الكتاب والسنة التي لا خلاف فيها، لم تجب الطاعة فيها؛ للإجماع على أنه «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (١)» وهذا نص حديث رواه بهذا اللفظ أحمد والحاكم عن عمران والحكم بن عمرو الغفاري، وصححوه بلفظ: «لا طاعة لأحد في معصية الله إنما الطاعة في المعروف (٢)»، ولا يشترط أن تكون هذه القوانين موافقة لاجتهاد الفقهاء فيما أصلوه أو فرعوه برأيهم؛ لأنهم صرحوا بأن الاجتهاد من الظن ولا يقوم دليل من الكتاب والسنة ولا من العقل والحكمة على أنه يجب على الناس أن يتبعوا ظن عالم غير معصوم، فلا يخرجوا عنه ولو لمصلحة تطلب، أو مفسدة تجتنب، ولا يغير هذا القيد.
وكذلك يطاع السلطان فيما يضعه هو أو من يعهد إليه ممن يثق بهم من القوانين التي ليس فيها معصية للخالق، وإن لم يكونوا من أولي الأمر الذين هم أهل الحل والعقد لأجل المصلحة لا عملا بالآية، ولكن إذا اجتمع أهل الحل والعقد ووضعوا غير ما وضعه السلطان وجب على السلطان أن ينفذ ما وضعوه دون ما وضعه هو؛ لأنهم هم نواب الأمة وهم الذين لهم حق انتخاب الخليفة، ولا يكون إماما للمسلمين إلا بمبايعتهم، فإن خالفهم وجب على الأمة تأييدهم عليه لا تأييده عليهم.
وبناء على هذه القاعدة التي لا خلاف فيها عند سلف الأمة؛ لأنها مأخوذة من نصوص القرآن الحكيم، قال الخليفة الأول في خطبته الأولى: "وليت عليكم ولست بخيركم، فإذا استقمت فأعينوني، وإذا زغت فقوموني" وقال الخليفة الثاني على المنبر أيضا: "من رأى منكم في اعوجاجا فليقومه" وله كلام آخر في تأييد هذه القاعدة، وقال الخليفة الثالث على المنبر أيضا: "أمري لأمركم تبع" وقال الخليفة الرابع في أول خطبة له - وكانت بعد ما علمنا من الأحداث والفتن -: "ولئن رد إليكم أمركم إنكم لسعداء وأخشى أن تكونوا في فترة" وهذا مأخوذ من قوله تعالى ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (٣) الشورى آية ٣٨.
стр. 13859
٤ - قال (١) الأستاذ مصطفى أحمد الزرقا: والاجتهاد الإسلامي قد أقر لولي الأمر العام من خليفة أو سواه أن يحد من شمول بعض الأحكام الشرعية وتطبيقها ويأمر بالعمل بقول ضعيف مرجوح إذا اقتضت المصلحة الزمنية ذلك فيصبح هو الراجح الذي يجب العمل به، وبذلك صرح فقهاؤنا وفقا لقاعدة "المصالح المرسلة، وقاعدة تبدل الأحكام بتبدل الزمان" ونصوص الفقهاء في مختلف الأبواب تفيد أن السلطان إذا أمر بأمر في موضوع اجتهادي "أي قابل للاجتهاد غير مصادم للنصوص القطعية في الشريعة" كان أمره واجب الاحترام والتنفيذ شرعا، فلو منع بعض العقود لمصلحة طارئة واجبة الرعاية، وقد كانت تلك العقود جائزة نافذة شرعا، فإنها تصبح بمقتضى منعه باطلة وموقوفة على حسب الأمر.
٥ - وقال (٢) أيضا تعليقا على ذلك: جاء في كتاب الوقف من الدر المختار وحاشيته رد المختار نقلا عن معروضات المولى أبي السعود - وهو مفتي المملكة العثمانية ثم قاضي القسطنطينية في عهد السلطانين سليمان وسليم، ومن كبار رجال المذهب الحنفي المتأخرين المعول على فتاويهم وترجيحاتهم - أنه: صدر الأمر السلطاني بعدم نفاذ وقف المدين في القدر الذي يتوقف تسديد الدين من أمواله عليه قطعا لما يلجأ إليه بعض الناس من وقف أموالهم لتهريبها من وجه الدائنين.
وبناء على الأمر صرح الفقهاء من بعده بعدم نفاذ مثل هذا الوقف شرعا، وقد كانت النصوص في أصل المذهب صريحة في نفاذ وقف المدين ولو كان دينا محيطا بجميع أمواله؛ لأن الدين إنما يتعلق بذمته لا بعينه- ومضى إلى أن قال- والمهم جدا في هذه النصوص ليس هو الموضوعات التي وردت فيها، بل المبدأ الفقهي الذي تتضمنه لما له من
стр. 13860
تأثير ذي بال في شتى الأحكام. . . - ومضى إلى أن قال- تحت عنوان "مشكلة إعطاء هذه الصلاحية لولاة الأمور والحل الصحيح لها" قال:
بقي أن يقال: إن إعطاء هذه الصلاحية لولي الأمر العام يؤدي إلى إمكان أن يتصرف هذا الحاكم بحسب هواه في تغيير الأحكام الاجتهادية وتقييدها بأوامر أو قوانين زمنية يصدرها. . . - إلى أن قال-: والجواب أن هذه النصوص الفقهية مفروضة في إحدى حالتين: إما أن يكون الحاكم نفسه من أهل العلم والتقوى والاجتهاد في الشريعة كما كان في الصدر الأول من العهد العباسي، وإما ألا يكون عالما مجتهدا، وعندئذ لا يكون لأوامره هذه الحرمة الشرعية إلا إذا صدرت بعد مشورة أهل العلم في الشريعة وموافقتهم.
٦ - قال (١) محمد سلام مدكور تحت عنوان "تقييد القاضي على أن يحكم بمذهب أو رأي معين" قال: إذا قيد الحاكم القاضي أن يقضي بخلاف مذهبه وبالضعيف من مذهبه فهذا التقييد باطل ولم نقف على خلاف في هذا بين المتقدمين من فقهاء المذاهب، والدليل على ذلك أن القاضي مأمور أن يحكم بالحق، والحق ما يعتقده صحيحا - سواء كان الاعتقاد عن طريق بذل الجهد والنظر، أم عن طريق الاقتناع برأي إمامه والعلم بمذهبه - وهذا يتفق مع قولهم: إن من شرط صحة القضاء أن يحكم القاضي برأيه من غير تفرقة بين ما إذا قيده السلطان أو لم يقيده، ولا بين ما إذا كان القاضي مجتهدا أو مقلدا؛ لأن المقلد رأيه هو رأي إمامه الذي هو مذهبه. وفي (٢) رسائل ابن عابدين عن أنفع الوسائل أن القاضي المقلد لا يجوز له أن يحكم إلا بما هو ظاهر في المذهب إلا أن ينص الفقهاء على أن الفتوى على غير ذلك، وفي (٣) حاشية ابن عابدين على الدر:
стр. 13861
" ولو قيد السلطان القاضي بصحيح مذهبه كما في زماننا تقيد بلا خلاف، ولو قيده بضعيف المذهب فلا خلاف بعدم صحة حكمه "وهذان النقلان يشعران بأنه إذا قيده بغير مذهبه لا يتقيد به بطريق الأولى، كما يشعران بأن هذا التقييد لا يتجه إلى المجتهد أيضا بطريق الأولى، كما (١) أن ابن قدامة الحنبلي يقول: إنه لا يجوز أن يقلد القضاء الواحد على أن يحكم بمذهب بعينه عند أحمد والشافعي، ولا أعلم فيه خلافا؛ لأن الحق لا يتعين في مذهب، وهذا يشعر أيضا بالإطلاق بالنسبة للقاضي مجتهدا أو مقلدا، هذا الإطلاق المستفاد من كلمة "أن يقلد القضاء الواحد" وقد فصل (٢) الماوردي الكلام في هذا التقييد وقال: إنه إما أن يكون بالنسبة لجميع الأحكام أو لبعضها، وقد نقل (٣) مثله ابن فرحون عن بعض فقهاء المالكية، وهذا التفصيل لا نرى فيه فرقا أكثر من أن ذلك الشرط إذا كان يقصد به عدم سماع القاضي بعض الدعاوى فإنه يتقيد به وهذا غير ما نتكلم عنه من تقييد ولي الأمر للقاضي أن يقضي بمذهب أو رأي.
ومما يؤيد وجهتنا في عدم أثر هذه التفرقة ما علق به (٤) ابن فرحون على ما نقله إذ يقول: " إن جميع تلك التقييدات لا يجوز للإمام اشتراطها؛ لأنه اشتراط ما لا يجوز، ومن كان لا يقتضي إلا بما أمره به من ولاه فليس بقاض على الحقيقة" ولما قيد القانون في مصر من زمن بعيد القضاء في المحاكم الشرعية بالمذهب الحنفي فيما لم يرد به قانون خاص فقد استلزم ذلك أن يكون القضاء فيها مقصورا على من كان حنفي المذهب حتى لا يحكم القاضي بخلاف مذهبه بأمر من السلطان، وبعد أن اتفق الفقهاء (٥) على بطلان تقييد
стр. 13862
السلطان للقاضي على أن يقضي بمذهب معين، فقد تناولوا عقد التولية نفسه على هذا القيد بما خلاصته أنه إذا كان تم العقد على اشتراطه سواء أكان في صيغة العقد أو متقدما عليه فإن عقد التولية باطل عند غير الأحناف صحيح عندهم، وإذا كان غير مشروط في صيغة العقد فعقد التولية صحيح إجماعا.
مما تقدم يتبين:
أولا: الفرق بين الولاة والعلماء والرعية في القرون الأولى، والولاة والعلماء والرعية في القرون الأخيرة لهذه الأمة الإسلامية لاختلاف أحوالهم علما وأمانة وعدلا، وفي قوة الثقة وضعفها، وكثرة المشاكل وقلتها، ويترتب على هذا الأمر الثاني.
ثانيا: الفرق بين القاضي المجتهد والمقلد، فالقاضي المجتهد يجب عليه أن يحكم فيما يرفع إليه من القضايا بما وصل إليه باجتهاده، ولا يجوز للحاكم العام إلزامه حين التولية أو بعدها أن يحكم بمذهب معين أو قول معين، فإن ألزمه بطل الشرط وصحت التولية، وقيل: يبطل الشرط والتولية جميعا، وإن كان الإلزام بعد التولية بطل الإلزام، وقضى بموجب اجتهاده. . أما القاضي المقلد فقيل فيه بما ذكر من الخلاف في حكم المجتهد، وقيل: تصح التولية ويمضي الشرط كان ذلك عند التولية أم بعدها ويلزمه العمل بما قيد به ولو خالف اعتقاده.
ثالثا: الفرق بين المسائل العلمية الكلية، والقضايا الجزئية، فحكم القاضي أو ولي الأمر لا يرفع الخلاف في الأولى، فيبقى لغيره حق النظر والحكم فيها بما يراه عن اجتهاد، ويرفع الخلاف في الثانية، فليس لأحد أن ينقض حكم ولي الأمر أو القاضي فيها بعينها إلا إذا خالف نص الكتاب أو السنة الصحيحة أو الإجماع.
رابعا: عموم التشريع وشموله فلا يحتاج إلى أحد سوى الله ورسوله في التشريع وإلى ولاة الأمور من العلماء والأمراء وأئمة المسلمين الفهم والتنفيذ لا غير، وإذا عرفت الأقوال فلنشرع في الأدلة ومناقشتها.
стр. 13863
أولا: أدلة من قال بالمنع:
استدل من قال بمنع الإلزام بأدلة الكتاب والسنة والإجماع:
أ - أما الكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (١) فأوجب سبحانه على رسوله ﷺ أن يحكم فيما شجر بين الناس بما أعلمه الله في كتابه، وما فهمه من الوحي المنزل عليه.
ومن المعلوم أنه يجب على ولاة الأمر بعده أن يحكموا بما حكم به، وإلزام القاضي ونحوه أن يحكم بما دون من القول الراجح، أو بمذهب معين - وإن كان على خلاف ما اقتنع به - يتنافى مع ذلك، فوجب رده عملا بمقتضى الآية. وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٢) والأقوال الراجحة في مسائل الخلاف إنما هي راجحة في نظر مرجحيها دون مخالفيهم، فلا يتعين أن تكون هي الحق الذي أنزله الله، وأمر بالحكم به بين الناس، فلا يلزم القاضي ونحوه الحكم بها إذا كانت أو كان بعضها على خلاف ما يعتقده حقا في نظره، بناء على اجتهاده أو ثقته بمن قلده، ولا يصح أن يشترط عليه ذلك حين التولية، أو يلزم به بعدها.
وقال تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (٣) فأمر تعالى من تولى الفصل في الخصومات أن يحكم فيها بين الناس بالحق، والحق لا يتعين في مذهب أو رأي بعينه، ولا في قول رجحه بعض الفقهاء، فلا يلزم القاضي ونحوه الحكم أو الفتوى به، ولا يصح أن يشترط عليه ذلك في التولية أو بعدها؛ لجواز أن يفهم غير هذا الراجح ويقتنع به أو يقتنع به ثقة بمن رجحه من المجتهدين، فيكون حكمه بما ألزم به حكما بغير ما اعتقده حقا، وهو حرام، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٤) فأوجب سبحانه الرجوع إلى حكمه الذي أوحاه إلى رسوله
стр. 13864
في الكتاب أو السنة الثابتة دون الرجوع إلى الراجح عند بعض المجتهدين في مسائل الخلاف.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١) فأوجب سبحانه طاعته وطاعة رسوله في كل الأمور، وأوجب طاعة أولي الأمر من الحكام والعلماء فيما وضح أمره وظهر حكمه دون اشتباه والتباس بدليل المقابلة بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢) الآية، ولقوله ﵊: «إنما الطاعة في المعروف (٣)» رواه البخاري ومسلم. فعند الاختلاف في حكم من الأحكام العلمية الكلية في أصول الدين أو فروعه يجب الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله فقط ليتبين الحق في محل الخلاف، وأكد سبحانه ذلك بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٤) ولم يشرع لنا سبحانه الرجوع فيما اختلفنا فيه إلى القول الراجح في نظر بعض العلماء المجتهدين دون بعض؛ لأنه لم يتعين أن يكون هو الحق حتى يتفق عليه من يعتد بهم في الإجماع فيمكن أن يرجع إليه لكونه في نظر بعض الأصوليين، هذا وآيات القرآن في هذا المعنى كثيرة اجتزأنا عنها بما ذكر.
ب- وأما السنة فقد قال النبي ﷺ : «القضاة ثلاثة، واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار (٥)» رواه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه، ومن عرف الحق حسب اجتهاده واقتنع به، أو اقتنع به واعتقده ثقة لمقلده وتحسينا للظن به، ثم حكم بغير ما ظهر له أنه الحق فقد جار وأثم، وكان من أهل النار، فلا يصح أن يشترط عليه في التولية
стр. 13865
أو يؤمر بعدها أن يحكم بغير ما ظهر له أنه الحق، وفي معنى هذا كثير من الأحاديث الصحيحة.
جـ- وأما الإجماع فقد جرى العمل على ما تقدم في تولية رسول الله ﷺ القضاة وإمضائه ما اختلف فيه من الأعمال، بناء على اختلاف فهم المجتهدين في المسائل النظرية التي يعذر في مثلها من أخطأ، ثم جرى العمل على هذا في عهد الخلفاء الراشدين ومن تبعهم من ولاة وعلماء القرون المشهود لها بالخير إلى ما شاء الله، فكان هذا إجماعا عمليا يلزم الوقوف معه والعمل بمقتضاه، فلا يصح أن يلزم من تولى الفصل في الخصومات أن يحكم فيها بغير ما رجح عنده عن اجتهاد أو عن ثقة بمن قلده من المجتهدين، وإن كان ما ألزم به راجحا عند غيره.
المناقشة:
نوقش أولا: بأنا نسلم ما تقتضيه الأدلة من وجوب الحكم بما أنزل الله، وما جاءنا به النبي ﷺ من الحق، ولكن لا نسلم أن ما ألزم الحكم به ليس شرعا يجوز العمل به، إذ هو إلزام بما يسمى شرعا مؤولا فهمه الفقهاء مما يسمى شرعا منزلا، وكلاهما يصح العمل بموجبه والحكم بمقتضاه، وقد يجاب بأن مناط الاستدلال إلزام من تولى القضاء أو الإفتاء أن يحكم أو يفتي بخلاف ما يعتقده حقا لا مطلق جواز العمل أو الحكم بما يسمى شرعا مؤولا، ولا يلزم من جواز الثاني جواز الأول.
ونوقش ثانيا: بأنا نسلم ما تقتضيه الأدلة في القاضي أو المفتي المجتهد، أما المقلد فلا رأي له بل هو مخير فيمن يتبعه من أئمة الاجتهاد، فلولي الأمر أن يلزمه بقول من أقوال من في اتباعهم خير رعاية للمصلحة، وقد يجاب بأنه وإن كان مخيرا فيمن يتبعه من الفقهاء إلا أنه قد يثق بمجتهد بناء على معرفته بسيرته وأحواله ويعتقد رجحان رأيه فلا يجوز إلزامه القضاء أو الإفتاء بغير ما يعتقده.