" ولو قيد السلطان القاضي بصحيح مذهبه كما في زماننا تقيد بلا خلاف، ولو قيده بضعيف المذهب فلا خلاف بعدم صحة حكمه "وهذان النقلان يشعران بأنه إذا قيده بغير مذهبه لا يتقيد به بطريق الأولى، كما يشعران بأن هذا التقييد لا يتجه إلى المجتهد أيضا بطريق الأولى، كما (١) أن ابن قدامة الحنبلي يقول: إنه لا يجوز أن يقلد القضاء الواحد على أن يحكم بمذهب بعينه عند أحمد والشافعي، ولا أعلم فيه خلافا؛ لأن الحق لا يتعين في مذهب، وهذا يشعر أيضا بالإطلاق بالنسبة للقاضي مجتهدا أو مقلدا، هذا الإطلاق المستفاد من كلمة "أن يقلد القضاء الواحد" وقد فصل (٢) الماوردي الكلام في هذا التقييد وقال: إنه إما أن يكون بالنسبة لجميع الأحكام أو لبعضها، وقد نقل (٣) مثله ابن فرحون عن بعض فقهاء المالكية، وهذا التفصيل لا نرى فيه فرقا أكثر من أن ذلك الشرط إذا كان يقصد به عدم سماع القاضي بعض الدعاوى فإنه يتقيد به وهذا غير ما نتكلم عنه من تقييد ولي الأمر للقاضي أن يقضي بمذهب أو رأي.
ومما يؤيد وجهتنا في عدم أثر هذه التفرقة ما علق به (٤) ابن فرحون على ما نقله إذ يقول: " إن جميع تلك التقييدات لا يجوز للإمام اشتراطها؛ لأنه اشتراط ما لا يجوز، ومن كان لا يقتضي إلا بما أمره به من ولاه فليس بقاض على الحقيقة" ولما قيد القانون في مصر من زمن بعيد القضاء في المحاكم الشرعية بالمذهب الحنفي فيما لم يرد به قانون خاص فقد استلزم ذلك أن يكون القضاء فيها مقصورا على من كان حنفي المذهب حتى لا يحكم القاضي بخلاف مذهبه بأمر من السلطان، وبعد أن اتفق الفقهاء (٥) على بطلان تقييد
стр. 13862
السلطان للقاضي على أن يقضي بمذهب معين، فقد تناولوا عقد التولية نفسه على هذا القيد بما خلاصته أنه إذا كان تم العقد على اشتراطه سواء أكان في صيغة العقد أو متقدما عليه فإن عقد التولية باطل عند غير الأحناف صحيح عندهم، وإذا كان غير مشروط في صيغة العقد فعقد التولية صحيح إجماعا.
مما تقدم يتبين:
أولا: الفرق بين الولاة والعلماء والرعية في القرون الأولى، والولاة والعلماء والرعية في القرون الأخيرة لهذه الأمة الإسلامية لاختلاف أحوالهم علما وأمانة وعدلا، وفي قوة الثقة وضعفها، وكثرة المشاكل وقلتها، ويترتب على هذا الأمر الثاني.
ثانيا: الفرق بين القاضي المجتهد والمقلد، فالقاضي المجتهد يجب عليه أن يحكم فيما يرفع إليه من القضايا بما وصل إليه باجتهاده، ولا يجوز للحاكم العام إلزامه حين التولية أو بعدها أن يحكم بمذهب معين أو قول معين، فإن ألزمه بطل الشرط وصحت التولية، وقيل: يبطل الشرط والتولية جميعا، وإن كان الإلزام بعد التولية بطل الإلزام، وقضى بموجب اجتهاده. . أما القاضي المقلد فقيل فيه بما ذكر من الخلاف في حكم المجتهد، وقيل: تصح التولية ويمضي الشرط كان ذلك عند التولية أم بعدها ويلزمه العمل بما قيد به ولو خالف اعتقاده.
ثالثا: الفرق بين المسائل العلمية الكلية، والقضايا الجزئية، فحكم القاضي أو ولي الأمر لا يرفع الخلاف في الأولى، فيبقى لغيره حق النظر والحكم فيها بما يراه عن اجتهاد، ويرفع الخلاف في الثانية، فليس لأحد أن ينقض حكم ولي الأمر أو القاضي فيها بعينها إلا إذا خالف نص الكتاب أو السنة الصحيحة أو الإجماع.
رابعا: عموم التشريع وشموله فلا يحتاج إلى أحد سوى الله ورسوله في التشريع وإلى ولاة الأمور من العلماء والأمراء وأئمة المسلمين الفهم والتنفيذ لا غير، وإذا عرفت الأقوال فلنشرع في الأدلة ومناقشتها.
стр. 13863
أولا: أدلة من قال بالمنع:
استدل من قال بمنع الإلزام بأدلة الكتاب والسنة والإجماع:
أ - أما الكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (١) فأوجب سبحانه على رسوله ﷺ أن يحكم فيما شجر بين الناس بما أعلمه الله في كتابه، وما فهمه من الوحي المنزل عليه.
ومن المعلوم أنه يجب على ولاة الأمر بعده أن يحكموا بما حكم به، وإلزام القاضي ونحوه أن يحكم بما دون من القول الراجح، أو بمذهب معين - وإن كان على خلاف ما اقتنع به - يتنافى مع ذلك، فوجب رده عملا بمقتضى الآية. وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٢) والأقوال الراجحة في مسائل الخلاف إنما هي راجحة في نظر مرجحيها دون مخالفيهم، فلا يتعين أن تكون هي الحق الذي أنزله الله، وأمر بالحكم به بين الناس، فلا يلزم القاضي ونحوه الحكم بها إذا كانت أو كان بعضها على خلاف ما يعتقده حقا في نظره، بناء على اجتهاده أو ثقته بمن قلده، ولا يصح أن يشترط عليه ذلك حين التولية، أو يلزم به بعدها.
وقال تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (٣) فأمر تعالى من تولى الفصل في الخصومات أن يحكم فيها بين الناس بالحق، والحق لا يتعين في مذهب أو رأي بعينه، ولا في قول رجحه بعض الفقهاء، فلا يلزم القاضي ونحوه الحكم أو الفتوى به، ولا يصح أن يشترط عليه ذلك في التولية أو بعدها؛ لجواز أن يفهم غير هذا الراجح ويقتنع به أو يقتنع به ثقة بمن رجحه من المجتهدين، فيكون حكمه بما ألزم به حكما بغير ما اعتقده حقا، وهو حرام، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٤) فأوجب سبحانه الرجوع إلى حكمه الذي أوحاه إلى رسوله
стр. 13864
في الكتاب أو السنة الثابتة دون الرجوع إلى الراجح عند بعض المجتهدين في مسائل الخلاف.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١) فأوجب سبحانه طاعته وطاعة رسوله في كل الأمور، وأوجب طاعة أولي الأمر من الحكام والعلماء فيما وضح أمره وظهر حكمه دون اشتباه والتباس بدليل المقابلة بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢) الآية، ولقوله ﵊: «إنما الطاعة في المعروف (٣)» رواه البخاري ومسلم. فعند الاختلاف في حكم من الأحكام العلمية الكلية في أصول الدين أو فروعه يجب الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله فقط ليتبين الحق في محل الخلاف، وأكد سبحانه ذلك بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٤) ولم يشرع لنا سبحانه الرجوع فيما اختلفنا فيه إلى القول الراجح في نظر بعض العلماء المجتهدين دون بعض؛ لأنه لم يتعين أن يكون هو الحق حتى يتفق عليه من يعتد بهم في الإجماع فيمكن أن يرجع إليه لكونه في نظر بعض الأصوليين، هذا وآيات القرآن في هذا المعنى كثيرة اجتزأنا عنها بما ذكر.
ب- وأما السنة فقد قال النبي ﷺ : «القضاة ثلاثة، واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار (٥)» رواه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه، ومن عرف الحق حسب اجتهاده واقتنع به، أو اقتنع به واعتقده ثقة لمقلده وتحسينا للظن به، ثم حكم بغير ما ظهر له أنه الحق فقد جار وأثم، وكان من أهل النار، فلا يصح أن يشترط عليه في التولية
стр. 13865
أو يؤمر بعدها أن يحكم بغير ما ظهر له أنه الحق، وفي معنى هذا كثير من الأحاديث الصحيحة.
جـ- وأما الإجماع فقد جرى العمل على ما تقدم في تولية رسول الله ﷺ القضاة وإمضائه ما اختلف فيه من الأعمال، بناء على اختلاف فهم المجتهدين في المسائل النظرية التي يعذر في مثلها من أخطأ، ثم جرى العمل على هذا في عهد الخلفاء الراشدين ومن تبعهم من ولاة وعلماء القرون المشهود لها بالخير إلى ما شاء الله، فكان هذا إجماعا عمليا يلزم الوقوف معه والعمل بمقتضاه، فلا يصح أن يلزم من تولى الفصل في الخصومات أن يحكم فيها بغير ما رجح عنده عن اجتهاد أو عن ثقة بمن قلده من المجتهدين، وإن كان ما ألزم به راجحا عند غيره.
المناقشة:
نوقش أولا: بأنا نسلم ما تقتضيه الأدلة من وجوب الحكم بما أنزل الله، وما جاءنا به النبي ﷺ من الحق، ولكن لا نسلم أن ما ألزم الحكم به ليس شرعا يجوز العمل به، إذ هو إلزام بما يسمى شرعا مؤولا فهمه الفقهاء مما يسمى شرعا منزلا، وكلاهما يصح العمل بموجبه والحكم بمقتضاه، وقد يجاب بأن مناط الاستدلال إلزام من تولى القضاء أو الإفتاء أن يحكم أو يفتي بخلاف ما يعتقده حقا لا مطلق جواز العمل أو الحكم بما يسمى شرعا مؤولا، ولا يلزم من جواز الثاني جواز الأول.
ونوقش ثانيا: بأنا نسلم ما تقتضيه الأدلة في القاضي أو المفتي المجتهد، أما المقلد فلا رأي له بل هو مخير فيمن يتبعه من أئمة الاجتهاد، فلولي الأمر أن يلزمه بقول من أقوال من في اتباعهم خير رعاية للمصلحة، وقد يجاب بأنه وإن كان مخيرا فيمن يتبعه من الفقهاء إلا أنه قد يثق بمجتهد بناء على معرفته بسيرته وأحواله ويعتقد رجحان رأيه فلا يجوز إلزامه القضاء أو الإفتاء بغير ما يعتقده.
стр. 13866
ونوقش ثالثا: بأن مضرة عدم إلزام القاضي أو المفتي أن يقضي أو يفتي بقول معين قد تكون أشد من مضرة إلزامه بذلك، فلولي الأمر أن يلزمه بقول معين ولو خالف عقيدته في المسائل الاجتهادية، رعاية للمصلحة بارتكاب أخف المفسدتين تفاديا لأشدهما، وقد يقال: إن معرفة ذلك تتوقف على معرفة الآثار المترتبة على كل منهما، وسيأتي بحث ذلك.
стр. 13867
ثانيا: أدلة من قال بجواز الإلزام أو وجوبه:
استدل من قال بجواز إلزام القاضي أو المفتي بمذهب أو قول معين بالدواعي والأسباب الطارئة التي اقتضت ضرورة تدوين أحكام المعاملات وإلزام القضاة والمفتين أن يعملوا بموجبها. . كما استدلوا بآثار عن السلف ووقائع قضوا فيها، ومن لم يثبت عنه قول في ذلك ولا عمل به سكت ولم ينكر فكان سكوته تقريرا، وصار ذلك إجماعا على مشروعية الإلزام، وفيما يلي تفصيل ذلك مع المناقشة.
أولا: الدواعي والأسباب التي تبرر التدوين والإلزام:
أ- وقوع أحكام اجتهادية متناقضة في قضايا متماثلة أدت إلى اتهام القضاة باتباع الهوى فيما يقضون. . إلخ، ويمكن أن يناقش ذلك بأن أحكام القضاة التي قيل فيها: إنها متناقضة قد يكون اختلاف الحكم فيها ناشئا عن اختلاف الظروف والأحوال في القضيتين، وتابعا للملابسات والدلائل والأمارات المختلفة فيهما، فيظن من نظر إلى أصل القضيتين دون ما أحاط بهما تماثل القضيتين، ويحكم بتناقض الحكم فيهما حسب نظره، والواقع أنه لا تناقض بل هذا من اختلاف الحكم لاختلاف الملابسات، وقد يكون تقابل الحكمين واختلافهما ناشئا عن اختلاف اجتهاد القاضيين، أو عن تغير اجتهاد القاضي وهذا سائغ شرعا، بل الواجب على القاضي أن يحكم بما أداه إليه اجتهاده حين الفصل في القضية الحاضرة ولو خالف اجتهاده فيها اجتهاده في قضية سابقة مماثلة
стр. 13868
وإن قدر أنه لم يفعل ذلك كان آثما، ولهذا نظير في أحكام الخلفاء الراشدين، بل اختلف الحكم في قضاء الصحابي الواحد، مثاله ما حكم به عمر بن الخطاب في قضية ميراث، ومثيلتها من حرمان الإخوة الأشقاء أولا من الميراث في قضية وتشريكهم مع الإخوة للأم في الثلث بعد ذلك في مثيلة الأولى، ولم يبعث ذلك ريبة في القاضي للثقة بعلمه وعدله وأمانته ولم يحملهم ذلك على التفكير في اختيار رأي واحد يلتزمون القضاء به، وقد يكون الاختلاف ناشئا من قصور القاضي في علمه أو في تطبيقه أو غير ذلك، فيكون طريق الخلاص من ذلك النهوض بالقضاة علميا وتدريبهم على التطبيق إلى غير هذا مما سيأتي بيانه.
ب- عدم وجود كتاب في المعاملات سهل العبارة يتعرف منه الناس أحكام المعاملات التي يفصل بها في الخصومات ليراعوها ويوفقوا بينها وبين أعمالهم. . إلخ ما تقدم في الدواعي. ونوقش ذلك بما يأتي:
١ - الخلاف بين الفقهاء في الأحكام الفقهية قديم، وكان القاضي يعين منهم وليس له فقه مدون فيقضي باجتهاده، وأحيانا يعين حنفيا أو مالكيا أو شافعيا أو حنبليا فيقضي بالفقه المدون في مذهب الإمام الذي انتسب إليه، وقد يؤديه اجتهاده إلى القضاء بقول في غير مذهب إمامه، ولم يتوقف وجوب رجوع المتخاصمين في الحقوق إلى التقاضي أمام المحاكم الشرعية على معرفة الرعية بشيء من الأحكام قبل بدئهم في العمل أو قبل التقاضي أكثر من أن القاضي سيحكم بينهم بما أداه إليه اجتهاده أو اجتهاد إمامه في الكتاب والسنة وما تفرع عنهما، فكان ذلك منهم إلغاء لاعتبار هذا السبب في تدوين الراجح عند بعض الفقهاء وإلزام القضاة العمل به.
٢ - إن هذا الداعي أو السبب مجرد فرض ومحض تقدير، وبيانه أن القوانين الوضعية مدونة ولها لوائح تفسيرية، ومع ذلك يجهلها السواد الأعظم من الأمة قبل العمل وقبل التقاضي عند الخلاف وإنما يعرفها القليل من
стр. 13869
المتعلمين، ولهذا يوكلهم السواد الأعظم في التقاضي لجهلهم بمراجع القضاء في الحكم وقصورهم عن الدفاع، فكان ما ذكر مجرد تقدير لا يتفق مع واقع الأمم.
٣ - إنه على تقدير معرفة الناس بأحكام كلية حددت لهم فهي مما تختلف فيه الأفهام في التطبيق على جزئيات القضايا والوقائع، وخاصة إذا اختلفت الظروف والملابسات التي تحيط بالقضايا، فلا يزول ما تصور من الأشكال بالتدوين الخاص والإلزام بما فيه.
٤ - إذا رضي السواد الأعظم في كل أمة تتحاكم إلى القوانين الوضعية بالتقاضي إلى محاكمهم مع جهلهم بهذه القوانين وجب أن يرضوا بالتحاكم إلى المحاكم الشرعية مع جهلهم بتفاصيل مراجعهم في المعاملات بل الرضا بهذه المحاكم أولى؛ لأن مراجعها أعدل وأحكم، إذ هي مستقاة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وقضاة المحاكم الشرعية أقرب إلى الخير والعدالة وأحرص على الحق وأكثر تحريا له، وأبعد عن الهوى وبواعث الجور.
جـ- تهرب بعض الناس من رفع قضاياه للمحاكم الشرعية بالمملكة إلى رفعها لمحاكم في دول أجنبية. . إلى آخر ما تقدم في الدواعي. . ويمكن أن يناقش بأن التهرب من المحاكم الشرعية ليس ناشئا من عدم تدوين الأحكام، فإنها مدونة ميسور الاطلاع عليها وفهمها وتحقيق الحق منها لمن راض نفسه على البحث فيها، وليس من ترك الاقتصار على الراجح وإلزام القضاة به خاصة. فإن القوانين الوضعية قد دونت وجعلت أحكاما موحدة منظمة معها أرقامها، وألزم قضاتها بالعمل بها فمع ذلك اختلفوا في فهمها أحيانا وفي تطبيقها أكثر، ووقع في الحكم بها اختلاف وأخطاء ونقض بعضها في محاكم الاستئناف، فلم يكن الاقتصار على أحكام موحدة في دولة ما، ولا الإلزام بها مانعا من الاختلاف ولا من الخطأ في فهمها أو تطبيقها، ولا من الخطأ عن إهمال أو هوى وإذن، فما وقع من الخطأ في الأحكام القضائية ليس مرده عدم الإلزام بقول
стр. 13870
واحد، وإنما مرده إلى عدم النهوض بالقضاة علميا وقلة تدريبهم على تطبيق الأحكام على الوقائع إلى غير هذا من عدم توفر الوسائل والنظم التي لا بد منها لتفادي الأخطاء أو تقليلها، فبذلك ضعفت الثقة عند بعض الناس، وتمكنت الريبة فيهم فكان ما قيل من التهرب من التقاضي أمام المحاكم الشرعية واللجوء إلى غيرها.
أما الأجانب فيلزمون بما ذكر في عقودهم من الشروط الخاصة بعقدهم، وهم أدرى بمقتضاه فنيا، ويطبق عليهم ذلك كما يطبق عليهم ما ذكر في العقد الموحد من الخضوع للأحكام المعمول بها في المملكة، وقد دخلوا على ذلك عند التعاقد باختيارهم مع عقل ورشد، فيلزم كل بما التزم به، وليس لدولته التدخل في ذلك مع معرفته إجمالا بما دخل عليه، فيجب حل الإشكال بما أشير إليه من قبل إجمالا، وسيأتي شرحه دون اللجوء إلى التدوين والإلزام بما دون من القول الراجح، وقد يقال: إن اختلاف الأحكام القضائية في صدر الإسلام لم يبعث على تدوين أحكام موحدة ولا على الإلزام برأي معين لقوة العلماء في ذلك العهد وكفايتهم وقلة الاختلاف في الأحكام وندرة المشاكل، فتوفرت الثقة في نفوس الأمة وأمنت الفتنة فلهذا وأمثاله لم تلجئهم حاجة إلى ما ذكر من التدوين ولا إلى إلزام القضاة بقول معين، أما اليوم وقد صار أمر الناس إلى خلاف ذلك، فالحاجة ملحة، والضرورة إلى التدوين على الطريقة المقترحة والإلزام بالحكم بمقتضى ما دون أمر لا بد منه رعاية للمصلحة، وحفظا لحقوق الأمة، وإبقاء على العمل بأحكام الشريعة في المحاكم الشرعية.
ويقال أيضا: إن الخطأ في الفصل في الخصومات وإن كان لا يزال متوقعا بعد الاقتصار على القول الراجح إلا أنه أقل وأخف خطرا؛ لأنه بالتزام العمل بالقول الراجح تنحصر الأخطاء في تطبيقه على الوقائع بعد تحقيقها وتشخيصها، ومن المعلوم شرعا أن المفاسد إذا لم يمكن
стр. 13871
القضاء عليها وجب بذل الجهد لتقليلها.
стр. 13872
ثانيا: استدل من قال بجواز الإلزام بأدلة من الكتاب والسنة والآثار:
أ - أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) الآية، فأمر سبحانه بطاعة أولي الأمر وهم الأمراء والعلماء وقرن حق طاعتهم بحق طاعته وطاعة رسوله ﷺ إلا أن حق طاعة الله وطاعة رسوله عام في كل شيء وفي كل حال، وحق طاعة أولي الأمر خاص بالمعروف، فتجب طاعتهم فيما وافق الكتاب والسنة، وفيما لم يكن فيهما لكنه لم يتعارض معهما إذا أمروا به رعاية للمصلحة
ونوقش ذلك بما تقدم بيانه من أن طاعتهم فيما وضح حكمه واتفقت عليه الأمة، أما ما اشتبه أمره واختلف فيه العلماء فالمرجع في فصل النزاع فيه الكتاب والسنة بدليل قوله تعالى في نفس الآية: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢) الآية، ولذا استدل علماء الأصول بهذه الآية على حجية الإجماع، وبذلك تكون الآية دليلا على المنع لا على الجواز، واستدلوا أيضا بقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (٤) فأمر تعالى رسوله ﷺ أن يستشير أصحابه في الأمر ينزل به أو بالمسلمين، وأثنى على خيار المؤمنين بأن من شأنهم أن يتشاوروا بينهم، وقرن ذلك بثنائه عليهم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وبالتناصر عند البغي عليهم ردا للعدوان ونصرة للحق، وغير هذا من الأفعال الواجبة والصفات الحميدة، ولا شك أن القضاء والفصل في الخصومات من أهم شئون المسلمين فينبغي تعاون القضاة مع كبار العلماء في حل مشاكل القضاء والعمل بمشورتهم ليكون القاضي على بصيرة فيما يحكم به بدلا من أن يستقل في ذلك بنفسه
стр. 13873
فيكون عرضة لكثرة الخطأ والتناقض في أحكامه، ويكفيه أن يتحمل مشقة البحث في تشخيص القضايا وعناء تطبيق ما اختاره كبار العلماء من الأقوال على الوقائع والقضايا الجزئية بعد تحقيقها.
ب- وأما السنة فقد كان النبي ﷺ يستشير أصحابه في شئونه وشئون الأمة، من ذلك أنه استشار الصحابة في أمر أم المؤمنين عائشة ﵂ كما هو معروف في قصة الإفك، ومنها استشارته إياهم في غزواته في غزوة بدر، وأحد، والأحزاب، وغيرها مما لا يكاد ينكره أحد، وعمل بمشورة أصحابه رجالا ونساء، فعمل بمشورة سلمان في حفر الخندق، وبمشورة أم سلمة حينما دخل عليها في صلح الحديبية مغضبا، وقد أمر أصحابه أن ينحروا هديهم ويتحللوا من إحرامهم فلم يفعلوا فأشارت عليه أن يبدأ في ذلك بنفسه فقبل مشورتها، وكان في قبولها الخير، إلى غير هذا من الاستشارات والمشورات الكثيرة التي تواتر معناها، ومنها فيما ذكروا ما جاء في الأثر: إن الأمر ينزل بنا يا رسول الله وليس فيه نص من كتاب ولا سنة، فقال: «اجمعوا له العالمين ولا تقضوا فيه برأي واحد» فثبت بهذا أن الشورى أصل شرعي فيجب على العلماء وضع كتاب فقهي مشتمل على الأقوال الراجحة ليسهل على الجميع معرفة الأحكام منه، وبالتالي يلزم القضاة الحكم بمقتضاه تفاديا لمفاسد الاختلاف وقضاء على التناقض في الأحكام، وإلا تعطلت الشورى واستشرى الفساد، وتفاقم التناقض.
ونوقش بأن الشورى مشروعة باتفاق، وعليها قامت الأدلة من الكتاب والسنة وعمل خير القرون من هذه الأمة، لكنها غير ملزمة لمن استشار إلا إذا وافق اجتهاده اجتهاد من أشار عليه واقتنع به، ولا يصح أن يلزم بما أشير به عليه من آراء خالفت اجتهاده وإن كان فردا والمشيرون عليه كثرة؛ لأن الحق ليس وقفا على الكثرة، وليست الكثرة ميزانا يفرق به بين الحق والباطل. وأيضا الصحابة كانوا أحرص الناس على الشورى
стр. 13874
وأكثرهم عملا بهم، ولم يلزموا المستشير أن يعمل بما أشير به عليه، ولم تتعطل الشورى، من ذلك أن عمر أشار على أبي بكر ﵄ أن يفاوت بين الناس في العطاء من بيت المال فيعطي كلا منهم حسب درجته ونصرته للإسلام وسبقه إليه، فأبى أبو بكر إلا أن يسوي بينهم في العطاء لاختلاف نظرهما في مقتضى العطاء. ومن ذلك ما أشار به الصحابة - وهم كثرة- على أبي بكر بترك قتال المرتدين ومانعي الزكاة فأبى إلا أن يقاتلهم ومضى فيما عزم عليه، وكان خيرا للمسلمين من رأي مخالفيه.
ومن ذلك أن عمر استشار الصحابة في دخول أرض علموا أن بها طاعونا وعدوله عن الدخول فيها ثم خالف مشورتهم وعدل عن الدخول فيها، وهم كثرة، ثم جاء عبد الرحمن بن عوف وأخبره بما حفظه في ذلك من الخبر عن رسول الله ﷺ فكان فيه تأييد لرأي عمر ﵁. وبالجملة فالأمر كما تقدم من أن الشورى ليست ملزمة، ولا حرج على الواحد في مخالفة الكثرة والعمل بمقتضى اجتهاده، بل هذا هو الواجب، وأصول الشريعة تشهد لصحته.
ولقائل يقول: إن ما ذكر في المناقشة إنما ينطبق على المجتهد؛ لأن له قولا أداه إليه اجتهاده واعتقد صحته، أما المقلد المحض فلا رأي له وهو لعجزه عن استنباط الأحكام مخير في اتباع إمام من الأئمة المجتهدين، فمثل هذا قد يقال بأن إمام المسلمين له أن يلزمه إذا تولى القضاء أن يحكم بمذهب أو قول معين، رعاية لما تقدم بيانه من المصلحة، ولا ضرر في ذلك؛ لأنه تابع على كل حال، فليكن تابعا لما أمره به ولي الأمر في الشئون العامة والحقوق المشتركة بين الأمة، وقد استدل بعض المعاصرين بأن الصحابة قالوا: «إن الأمر ينزل بنا يا رسول الله وليس فيه كتاب ولا سنة، فقال: " اجمعوا له العالمين ولا تقضوا فيه برأي واحد (١)» على الإلزام، ولكن الاستدلال به يتوقف على إثبات كونه عن
стр. 13875
النبي ﷺ ، غير أنه لم يصح، فقد ذكره الخطيب البغدادي في باب القول في الاحتجاج بصحيح القياس ولزوم العمل به من كتاب الفقيه والمتفقه، قال: أنا أبو القاسم علي بن محمد بن موسى البزار، وأبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله المعدل قالا: أنا أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد المصري، أنا محمد بن الربيع بن بلال العامري، أنا إبراهيم بن أبي الفياض، أنا سليمان بن بزيع عن مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب قال: قلت: «يا رسول الله الأمر ينزل بنا بعدك لم ينزل فيه قرآن، ولم يسمع منك فيه شيء، قال: "أجمعوا له العابدين من أمتي، واجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد».
وساق ابن حجر في لسان الميزان هذا الحديث في ترجمة سليمان بن بزيع ثم قال: قال أبو عمر بن عبد البر: هذا حديث لا يعرف من حديث مالك إلا بهذا الإسناد، ولا أصل له في حديث مالك عندهم، ولا في حديث غيره، وإبراهيم وسليمان ليسا بالقويين، ولا يحتج بهما. قلت: وقال الدارقطني في غرائب مالك: لا يصح، تفرد به إبراهيم بن أبي الفياض عن سليمان، ومن دون مالك ضعيف، وساقه الخطيب في كتاب الرواة عن مالك من طريق إبراهيم عن سليمان، وقال: لا يثبت عن مالك. . والله أعلم. انتهى.
ثم هو مخالف لما جرى عليه العمل قرونا كثيرة حيث كان كل من المجتهدين يعمل بمقتضى اجتهاده ويحكم به، وكان الصحابة بل الرسول ﷺ يقبلون مشورة الواحد ويعملون بها، ولم يكن من شأنهم أن يجمعوا العالمين في كل ما نزل بهم، ثم لو ثبت لم يزد على أن يكون نصا من نصوص المشورة، وتقدم أنها غير ملزمة إلا إذا وافقت اجتهاد المستشير، وإلا عمل باجتهاد نفسه كما تقدم بيانه في النقل عن الصحابة ﵃.
стр. 13876
جـ- وأما الآثار فكثيرة:
أ- منها إجماع الصحابة على جمع القرآن وتدوينه في نسخة واحدة، حفظا للقرآن من أن يذهب بذهاب القراء، وهذا وإن كان في بادئ الأمر أمرا جديدا وعملا محدثا حيث إنه لم يكن على عهد النبي ﷺ لكنه واجب؛ لاتفاقه مع روح الشريعة ومقاصدها، فكذا إلزام القضاة أن يحكموا بالقول الراجح من أقوال الفقهاء، فإنه وإن كان يبدو أمرا محدثا إلا أنه لا يخالف كتابا ولا سنة، بل هو مقتضى المصلحة؛ لما فيه من دفع الريبة والقضاء على الاضطراب والتناقض في الأحكام فكان واجبا.
ونوقش بأن القرآن كان مكتوبا بأمر النبي ﷺ ، والأمة مأمورة بحفظ الدين وإبلاغه بالنصوص المتواترة، ولم يزد الصحابة على أن جمعوا ما كان مفرقا عملا بمقصد ضروري من مقاصد الشريعة وهو وجوب حفظ الدين وإبلاغه بخلاف إلزام القضاة بالحكم الراجح من أقوال الفقهاء فإنه مخالف لمقتضى النصوص ولما جرى عليه العمل في القرون التي شهد لها الرسول ﷺ بالخير.
ونوقش هذا بأمور:
٢ - ومنها جمع عثمان ﵁ الأمة على حرف واحد من الحروف السبعة التي بها نزل القرآن، وقصر الناس على القراءة بهذا الحرف، وتحريقه المصاحف الأخرى التي تخالف مصحف الإمام. وقد كتب من هذا المصحف نسخا وأرسل بها إلى أمهات البلاد الإسلامية، واستمرت القراءة لهذا اليوم. فكذا إلزام القضاة بالقول الراجح من أقوال الفقهاء بل هو أولى بأن أقوال الفقهاء شرع مؤول يحتمل كل منها الخطأ أو الصواب، والقراءات شرع منزل كلها حق لا يحتمل الخطأ، فكان الإلزام واجبا رعاية للمصلحة.
ونوقش هذا بأمور:
الأول: أن عثمان ومن وافقه من الصحابة استندوا إلى مصلحة شهدت لها أصول الشريعة، فإن في قصره على حرف واحد حفظا للدين بحفظ أصله- وهو القرآن- من الاختلاف فيه، وحفظا للنفوس، وبيانه أن حذيفة أخبره بان الصحابة اختلفوا في القراءة اختلافا تخشى منه الفتنة ووقوع القتال بينهم، وفي اختلافهم واقتتالهم ضياع للدين
стр. 13877
وقضاء على وحدة المسلمين وقوتهم، بل قضاء على نفوسهم، وحفظ الدين والنفوس من الضروريات الخمس فوجب إيثار ذلك على بقاء القراءات؛ لأن بقاءها كمالي للاستغناء عنها بقراءة منها، لتضمنها ما في القراءات الأخرى من المعاني والأحكام، بخلاف إلزام القضاة أن يحكموا بقول راجح اختير من قولين أو أقوال للفقهاء، فإن ما ظن فيه من المصلحة غير معتبر لشهادة الأدلة السابقة بعدم اعتباره، ولأن القراءات كلها معصومة متحدة الأحكام والمقاصد فصح الاكتفاء بواحدة منها بخلاف أقوال الفقهاء فإنها مختلفة في مقاصدها وأحكامها ولا ينحصر الحق في واحد منها، فلم يجز الاقتصار على ما يرى جماعة من العلماء أنه الراجح منها وإلزام الناس به، فقد يكون الحق فيما ترك.
الثاني: أنه منع من القراءة بما يخالف مصحفه، أما الاحتجاج بالقراءات الأخرى فلم يمنع منه، ولذا لا يزال الاحتجاج بما صح منها قائما باقيا عند جماعة من الأئمة المجتهدين، إما على أنها أخبار آحاد أو قول صحابي عند من يعتبره حجة.
الثالث: إن القراءة بالأحرف السبعة كانت على التخيير لا الإلزام، تيسيرا للقراءة على الناس لاختلاف ألسنتهم، فلما لانت بها ألسنتهم لكثرة اجتماعهم والاختلاط بينهم، وكان ما كان من الاختلاف فيها كان بقاؤها كماليا عارضه مصلحة ضرورية، فقدمت على مصلحة بقاء القراءات، ولم يفت المسلمين شيء من أحكام القرآن بذلك؛ لاجتماعها في المصحف الإمام، بخلاف الاقتصار على قول من أقوال الفقهاء فإنه لا يدري عما اختير، هل هو متضمن للحق والصواب أو الحق فيما ترك من الأقوال.
٣ - ومنها: ما رواه سعيد بن منصور في سننه، وابن أبي شيبة في المصنف أن معاوية كتب إلى زياد أن يأمر شريحا بتوريث المسلم من الكافر دون العكس، فلما أمره زياد قضى بقوله فكان إذا قضى بذلك يقول: هذا قضاء أمير المؤمنين، فهذا من معاوية وشريح دليل على جواز إلزام القضاة أن يحكموا بقول معين، وعلى التزام القاضي بذلك ولو كان مجتهدا.
стр. 13878
ونوقش أولا بأن في سند هذا الأثر مجالد بن سعيد، وهو ضعيف، وثانيا بأن قضاء شريح بقول معاوية يحتمل أن يكون من باب الخبر، بدليل أنه كان يقول بعد قضائه: هذا قضاء أمير المؤمنين.
٤ - ومنها: كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري ﵄ في شئون القضاء، وفيه: "اعرف الأشباه والنظائر، وقس الأمور برأيك" فأمره عمر أن يحكم بالقياس وأن يجتهد في ذلك، وكلاهما مجتهد، وقد يكون رأي أبي موسى في أصل العمل بالقياس مخالفا لرأي عمر ﵄، ففي الأثر تقييد الإمام لقاضيه المجتهد برأيه حيث أمره أن يقيس الأمر بما يشبهه، ويحكم بمقتضاه، فدل على جواز إلزام القضاة - ولو كانوا مجتهدين - برأي معين. وقد يناقش بما ذكره ابن حزم في الجزء السابع من كتاب الأحكام من أن هذا الحديث روي من - طريقتين: الأولى فيها عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه، قال ابن حزم: عبد الملك متروك الحديث ساقط بلا خلاف وأبوه مجهول. وذكر أن في الطريق الثانية أربعة مجهولين وأنها منقطعة. وقد ناقشه ابن القيم في ذلك في كتاب إعلام الموقعين، وقد يناقش أيضا بأن هذا من باب إجابة الإمام لمن استرشده من أمرائه وعماله والنصيحة والتوجيه له في القيام بعمله، ثم هو مجتهد فيما يحكم به قاض بمقتضى نظره، وليس من باب تقييد القاضي وإلزامه أن يحكم بقول معين وإن كان مجتهدا، لقيام الدليل على أن كل مجتهد يجب عليه العمل باجتهاده.
٥ - وفي معنى ما تقدم من الآثار تدوين السنة وسائر العلوم العربية والدينية وإنشاء المعاهد والمدارس والجامعات العلمية والمصانع والمصحات ودور العجزة والأيتام، وتدوين الدواوين ونحوها مما يدخل في عموم تصرفات ولاة الأمور، رعاية لمصلحة الأمة في دينها ودنياها، وحفظا لحقوقها العامة والخاصة، وسيأتي إن شاء الله بيان مدى تصرف إمام المسلمين، وبيان ما إذا كان يدخل فيه إلزام القضاة أن يحكموا بقول أو مذهب معين أو لا يدخل في ذلك.
стр. 13879
٥ - الآثار التي تترتب على البقاء مع الأصل، والتي تترتب على العدول عنه إعمالا للدواعي الطارئة:
لما كان الترجيح بين الأقوال المختلفة لا يتوقف على أدلة كل منها فقط، بل يتوقف أيضا على ذكر لوازم الأقوال وما يترتب على العمل بكل منها من الآثار، وجب ذكر الآثار للنظر فيها إلى جانب الأدلة المتقدمة، وبعد المقارنة من هيئة كبار العلماء بين الأدلة والآثار يمكنها الترجيح. ويحسن قبل ذكر الآثار ذكر تمهيد لها في الفرق بين الشرع المنزل والمؤول، والمبدل.
تمهيد في الفرق بين الشرع المنزل، والمؤول، والمبدل:
من المعلوم أن ما يسمى شرعا يكون منزلا، ومؤولا، ومبدلا، فالمنزل ما أراده الله من الكتاب وما أراده الرسول ﷺ من السنة، والمؤول ما فهمه العلماء من الشرع المنزل، ولذا انقسموا إلى قسمين: مصيبون، ومخطئون، فالمصيبون هم الذين أصابوا مراد الله ومراد رسول الله ﷺ من الشرع المنزل، والمخطئون بخلافهم.
وأما المبدل فهو ما لم يرجع في وضعه إلى الكتاب والسنة من القوانين الوضعية ونحوها مما خالف الحكم فيه الكتاب والسنة الصحيحة، أو إجماع الأمة، وهذا القسم ليس بمقصود في بحثنا للإجماع على تحريمه. وفيما يلي بيان الآثار المترتبة على كل منهما:
стр. 13880
أ- الآثار المترتبة على البقاء مع الأصل:
١ - في البقاء مع الأصل حفاظ تام على الشرع المنزل، وإعمال الأفكار في فهم أحكامه من عبادات ومعاملات، وأخلاق، وتدبر آياته ومواعظه إلى غير ذلك مما جاء به من هداية البشر وصلاح الناس أجمعين.
٢ - في البقاء مع الأصل ربط القلوب به، وزيادة الثقة فيه، وإذكاء روح الغيرة عليه في النفوس، وتربية المهابة والإجلال في القلوب.
٣ - في البقاء مع الأصل السلامة من الزيادة والنقص في التشريع والأمن من التغيير والتبديل، ومن المعلوم أن سد الذرائع واجب شرعا.
стр. 13881
٤ - العناية بالفقه المؤول الذي دونه أسلافنا، وكان من خير ما ورثنا عنهم، ومن المعلوم أن مصادر التشريع لم تكن جميعها معلومة لكل واحد منهم.
وأن الفقه لم يكن وقفا على جماعة من العلماء دون غيرهم ولا كان الحق من آراء الفقهاء متعينا في قول جماعة منهم دون سائرهم، فكان البقاء مع الأصل، وترك الباب مفتوحا لدراسة الفقه المؤول ومقارنته بمصادر الشريعة، وتطبيقه على جزئياته نظريا وعمليا في الحياة الخاصة والعامة أوفق ليسر الشريعة وكمالها وإحاطتها بجميع الأحكام.
٥ - من المعلوم أن المسائل العلمية منها ما هو موضع إجماع - وهذا لا إشكال فيه - ومنها ما هو موضع خلاف، وهذه للخلاف فيها أسباب متعددة
منها ما يرجع إلى بقاء الدليل من عدمه. ومنها ما يرجع إلى طريق الأدلة. ومنها ما يرجع إلى متن الدليل. ومنها ما يرجع إلى دلالته. ومنها ما يرجع إلى ما يحيط به من اختلاف في التقعيد، فنراهم في بعض المذاهب يحبذون فهم الأدلة الشرعية وحكم المسائل الجزئية على التقعيد المذهبي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى هم مختلفون في مسالك الترجيح بناء على اختلافهم في التقعيد، فتجد مرجوحا عند الشافعية راجحا عند الحنفية وهكذا.
ومن جهة ثالثة وصف القول بأنه راجح من حيث التقعيد الشرعي، لا من حيث التقعيد المذهبي، وصفه بذلك ليس من الأوصاف اللازمة، فقد يكون راجحا في وقت بالنظر لما يحيط به من ظروف وملابسات من اختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة والأشخاص، ويكون مقابله على هذا الأساس مرجوحا فتتغير الأمور ويكون المرجوح راجحا، والراجح مرجوحا، وهذا كما يجري في الظاهر ومقابله، يجري أيضا في المسائل ذات الأقوال المتساوية في ظن المجتهد. فإن هذا قد يكون بالنسبة لوقت، ويأتي وقت آخر يوجد فيه من القرائن ما يجعل واحدا منها راجحا، فراجحية القول في المسائل الخلافية إنما تظهر بعد دراسة واقع المسألة وتطبيقها على موضعها من الشرع،
стр. 13882
ومن ثم تبرز راجحية القول، هذا من جهة فقه القضاء وهذا أمر يورثه الله فيمن يشاء من عباده ولا يدخل تحت حصر البشر.
٦ - ما تقدم ذكره من الدواعي التي دعت إلى تدوين القول الراجح وإلزام القضاة الحكم به.
стр. 13883
ب- الآثار التي تترتب على العدول عن الأصل:
١ - إلزام القضاة أن يحكموا بالقول الراجح من أقوال الفقهاء ينتهي على مر الأيام إلى فصل أهل العلم عن فقه الكتاب والسنة فصلا يتدرج بهم إلى هجرهما، وعدم الرجوع إليهما في هذا المجال اكتفاء بهذه المواد
التي يقال: إنها هي القول الراجح.
٢ - القضاء على التراث الإسلامي قضاء نهائيا في مجال البيان لأحكام المعاملات اكتفاء بهذه المواد المدونة، ومعلوم أن الفقه الإسلامي المدون هو أعظم ثروة فتجب المحافظة عليها والعناية بالبحث فيها والرجوع إليها.
٣ - التضييق على الناس بحملهم على قول واحد بصفة مستديمة وإهدار الأقوال الأخرى.
٤ - كونه مدخلا لتغيير الشريعة بزيادة أو نقص، وتبديل، وتعديل.
٥ - إماتة الفكر الفقهي، والحجر عليه بحيث لا يكون قابلا للقوة والنماء والتوسع والعمق في التفكير؛ لأنه جعل في دائرة من العلم محدودة.
٦ - حمل القضاة على الحكم بخلاف ما يعتقدون في بعض المسائل وهذا غير جائز شرعا.
٧ - وبالتالي فهو نقطة تحول عما كانت عليه الأمة الإسلامية وعدول عن أمر جرت عليه أربعة عشر قرنا، منها القرون المفضلة، وفي هذا مخالفة للإجماع العلمي.
مناقشة الآثار المترتبة على إلزام القضاة الحكم بقول معين:
يناقش الأول والثاني بأن سبب انصراف الكثير من المتعلمين عن فقه
стр. 13884
الكتاب والسنة، والمراجع الكبيرة في الفقه الإسلامي هو ضعف الهمة، والملكات العلمية والوازع الديني والتعصب المذهبي في السواد الأعظم ممن يشتغل بالعلوم الدينية، بدليل انصرافهم عن فقه الكتاب والسنة مع دراسة التفسير والحديث، وعنايتهم بدراسة المختصرات الفقهية لمعرفة الأقوال دون تجشم لمتاعب الاستدلال حتى في الدول التي لم تلزم قضاتها الحكم بقول معين.
ويناقش الثالث بأن الأقوال الأخرى لا تهدر نهائيا، بل لا تزال دراستها موضع عناية في دور التعليم، وإنما قسر القضاة على الحكم بالراجح لمصلحة دفع مضرة التناقض في الأحكام الراجحة على ما يدعى من التيسير في بقاء الأمر على ما كان.
ويناقش الرابع بأن المدخل في التبديل. . . إلخ يرجع إلى ضعف الوازع الديني، لا إلى قسر القضاة على الحكم بما اختير لهم من القول الراجح، وربما قيل: إن تناقض الأحكام الناشئ من اختلاف أقوال الفقهاء في مراجع القضاة مدعاة إلى النفرة من الثروة الفقهية جملة، وإلى التبديل الشامل كما تقدم بيانه في الدواعي.
ويناقش الخامس بما تقدم في الأول والثاني والثالث.
ويناقش السادس بأنه قد يسلم هذا بالنسبة للمجتهد المطلق أو مجتهد المذهب دون المقلد المحض فإنه تابع لغيره مخير فيمن يتبعه، والمتعلمون اليوم يغلب فيهم طابع التقليد المحض، فللإمام العام أن يلزم من تولى القضاء منهم بقول من الأقوال المخير بينها تحقيقا للمصلحة على أن الحكم بأن هذا غير جائز هو محل النزاع.
ويناقش السابع بأنه من استصحاب الإجماع في محل النزاع وهو مختلف في الاحتجاج به، وبيانه أن ما ذكر من الإجماع العملي كان في قرون قويت فيها الملكات العلمية وكثر فيها المجتهدون في الشريعة، أما بعد أن ضعفت الملكات العلمية، وطغى سلطان التقليد المحض على المتعلمين فلا إجماع، بل النزاع قائم على أشده كما تقدم في سرد الأقوال في الإلزام، فتعين أن ذلك قول باستصحاب
стр. 13885
إجماع في قرون نيط فيها بأحوال إلى محل نزاع في قرون تلاشى فيها مناطه لاختلاف الظروف والأحوال.
стр. 13886
٦ - هل إلزام القضاة الحكم بمذهب معين أو قول معين ضروري لحل مشاكل القضاء أو يمكن تفاديه بحل آخر؟
من المسلم به وجود مشاكل حول القضاء، والفصل بين الناس في الخصومات، ومن المسلم به أيضا أنه يجب بذل الجهود من الجهات المعنية والتعاون بينها لإيجاد حل ناجح لهذه المشاكل حتى يسهل على القضاة القيام بمهمتهم على خير حال، ولا يتهرب من العمل في حقل القضاء أحد من المؤهلين عند تعيينه من قبل أولي الأمر للعمل فيه، وحتى يطمئن من بينهم خصومات إلى التقاضي أمام المحاكم الشرعية، وتذهب عنهم الريب والظنون، وإذن لا بد من تحديد هذه المشاكل وبيان منشئها، ثم بيان وسائل حلها ورسم طريق الخلاص منها على ضوء معرفتها ومعرفة أسبابها.
أ- أما المشاكل فقد يقال فيها: إنها ما تقدم بيانه في دواعي إلزام القضاة أن يحكموا بقول معين من التناقض في الأحكام سببه قصور القضاة واختلاف الأقوال في المصادر الفقهية التي يرجعون إليها في أحكامهم، فنشأ من هذا الاضطراب في الأحكام، والريبة، والاتهام باتباع الهوى، والانصراف عن المحاكم الشرعية، وعلى هذا قيل: إن طريق الخلاص من هذه المشاكل إلزام القضاة الحكم بأقوال معينة راجحة تختارها جماعة كبار العلماء وتقدمها منظمة بعبارة سهلة معها أدلتها ولائحة تفسيرها وأمثلة فرضية أو مأخوذة من الواقع يسهل تطبيقها، ولا يلزم مما ذكر التقنين الوضعي ولا إغلاق باب الاجتهاد في وجوه الأقوياء من القضاة، بل إذا رأوا رجحان قول يخالف ما قد اختير لهم عرض على هيئة كبار العلماء فإن أيدوه جعلوه بدلا مما اختير من قبل وإلا مضوا على ما كان.
стр. 13887
وقد تقدم مناقشة هذه الفكرة وبيان الآثار المرتبة عليها، ويزاد هنا أن الإلزام ينافي تخويل الاجتهاد للقاضي المتأهل للترجيح وحسن الاختيار على تقدير أن الهيئة لم تقنع برأيه وأبقت على ما رآه ضعيفا وعرضه عليها، أما على تقدير اقتناعها برأيه والتعديل على مقتضى ما رجح عنده فيلزم اختلاف الحكم وتناقضه في قضيتين متماثلتين حكم في إحداهما قبل التعديل وفي الأخرى بعده، وقد يتكرر مثل هذا الاجتهاد ويوافق عليه وتعدل المادة، فيزداد ما سمي من قبل تناقضا وتعود المشكلة جذعة، ويتكرر ما سمي مأساة ومدعاة للتهرب من القضاء أمام المحاكم الشرعية وسببا لإباء الأجانب من التحاكم إليها، ولم يطمئن بذلك من وفق أعماله قبل الإقدام عليها مع الأقوال الراجحة، لتوقعه التعديل والتغيير. . إلخ، وربما كان استمرار التعديل ذريعة إلى تعديل بعض الأقوال الفقهية بقوانين وضعية - لا سمح الله - كما حصل في بعض الدول الأخرى على ما سبق ذكره في النبذة التاريخية لمراحل التدوين. والأدلة الشرعية دالة دلالة قاطعة على وجوب سد الذرائع، والقضاء على وسائل الشر ومسالكه.
ب - وقد يقال: إن المشكلة نشأت من أسباب كثيرة، من قصور بعض القضاة، ومن التوسع في تعيينهم حتى في قرى ربما يكفيها متعلم يقوم بالوعظ والإرشاد وإمامة المسجد وخطبة الجمعة وعقود الأنكحة ونحو ذلك، ومن قضايا جديدة في نوعها ربما يقال: إنها لم يسبق لها نظير، ولم يتبين لها حلول، إلى غير ذلك مما يشابهه.
وعلى هذا يمكن أن يقال: إن الطريق للإصلاح هو:
أولا: إعداد القضاة، والعناية بتأهيلهم علميا، وتدريبهم عمليا على أعمال القضاء ولو بدورات دراسية وتدريبية لمن يحتاج لذلك ممن على رأس العمل إن لم يكن تفريغه لإعداده والنهوض به.
стр. 13888
ثانيا: تقليل المحاكم وتركيزها في المدن وعواصم المناطق مثلا، ويكتفى بتعيين متعلمين في القرى ليقوموا بشئون المساجد وعقود الأنكحة والوعظ والإرشاد، وكتابة الوثائق ونحو ذلك، ويساعد على هذا سهولة المواصلات اليوم ووجود مرافق في المدن يرتفق بها الغريب، ويستريح فيها - ولو أقام أياما - وهذا مما يسهل على القضاة في المدن الاجتماع للاشتراك في دراسة القضايا وهضمها، ويمنع من رفع قضايا تافهة لأقل الأسباب، ويدعو إلى الصلح في كثير من القضايا، وهو خير من التقاضي واستمرار النزاع حتى يفصل في الخصومة.
ثالثا: حسن اختيار القضاة بمراعاة ما تحلوا به من قوة في العلم ورجاحة عقل وحلم وأناة، وبعد نظر وصدق وأمانة، وبعد عن مظان الريبة، إلى غير ذلك من الصفات الكريمة التي ينبغي أن تتوفر فيمن يولى هذا المنصب، ومما يساعد على سهولة حسن الاختيار ما تقدم من تركيز المحاكم.
رابعا: مراعاة أحوال القضاة في توزيع القضايا عليهم، أو تخصيص كل منهم بنوع منها والاشتراك في القضايا المهمة والتشاور فيما فيه التباس، وهذا يتيسر إذا تم تركيز المحاكم في المدن، وعواصم المناطق.
خامسا: تأليف لجنة من العلماء لبحث المسائل القضائية المعضلة، وإيضاح غامضها وحل مشكلها من جهة تحقيق الحكم فيها، ومن جهة توضيح تطبيقها بأمثلة وخاصة القضايا التي جدت في عصرنا، وليس هذا لإلزام القضاة بما انتهى إليه البحث، بل ليكون عونا لهم في القيام بمهمتهم إن اقتنعوا به، وليكون نموذجا لهم في دراسة القضايا وحل مشكلها والدقة في تطبيقها، وبهذا تضيق شقة الخلاف وتتحقق الدقة في الأحكام إن شاء الله. أما ارتفاع أصل الخلاف فلا سبيل إليه، ولو توحد المرجع العلمي للقضاة باختيار الأقوال الراجحة؛ لما تقدم بيانه من اختلاف الناس في المدارك والأفهام واختلاف أحوال القضايا وما يحيط بها من قرائن وأمارات، فبذلك تختلف أفهامهم للمادة العلمية ويختلف تطبيقهم لما فهموه على ما رفع إليهم من الخصومات.
من هذا يتبين أنه قد لا يكون هناك حل آخر لهذه المشكلة سوى الإلزام.
стр. 13889
٧ - مدى تصرف إمام المسلمين في مجال الإلزام مع أمثلة توضح ذلك:
تمهيد:
لما كان لولي المسلمين العام حق التصرف في أمور كثيرة من شئون الأمة بمقتضى الإمامة الكبرى، والخلافة العامة - رعاية لمصلحة الأمة، وحفظا لكيان الدولة - وجب بيانها ليتبن ما إذا كان منها إلزام القضاة والمفتين أن يحكموا أو أن يفتوا بمذهب معين أو قول معين من أقوال فقهاء الإسلام أو لا.
وحيث إن فقهاء الإسلام قد بحثوا هذه الحقوق وبينوا ما يختص منها بولي الأمر العام وما لا يختص به كان من الضروري ذكر ما قالوه في هذا الأمر ليعرف مصدره من الشريعة، والسر في تخصيص ولاة الأمور ومنحهم إياه، ولنسترشد به فيما نحن بصدده.
وفيما يلي ذكر كلام الفقهاء فيما لهم وما عليهم، وما على الأمة لهم من الحقوق مع الإيجاز والاجتزاء ببعض النقول عن بعض خشية الطول، وبعدا عن التكرار، ولذا أشير إلى المراجع ليرجع إليها في شرح الغامض ومعرفة ما تفرع عنه النقل وما تفرع عليه.
ا- قال القرافي: تصرفه ﷺ ينقسم إلى أربعة أقسام: قسم اتفق العلماء على أنه تصرف بالإمامة كالإقطاع، وإقامة الحدود، وإرسال الجيوش ونحوها، وقسم اتفق العلماء على أنه تصرف بالقضاء كإلزام أداء الديون، وتسليم السلع، ونقد الأثمان وفسخ الأنكحة ونحو ذلك.
وقسم اتفق العلماء على أنه تصرف بالفتيا كإبلاغ الصلوات وإقامتها، وإقامة المناسك، ونحوها.
وقسم وقع منه ﷺ مترددا بين هذه الأقسام اختلف العلماء فيه على أيها يحمل وفيه مسائل. . . إلخ.
٢ - وقال (١) أيضا: وأما تصرفه ﷺ بالإمامة فهو وصف زائد على النبوة
стр. 13890
والرسالة والفتيا والقضاء؛ لأن الإمام هو الذي فوضت إليه السياسة العامة في الخلائق وضبط معاقد المصالح ودرء المفاسد، وقمع الجناة وقتل الطغاة، وتوطين العباد في البلاد، إلى غير ذلك مما هو من هذا الجنس.
٣ - وقال (١) أيضا: فما فعله ﵇ بطريق الإمامة كقسمة الغنائم، وتفريق أموال بيت المال على المصالح، وإقامة الحدود، وترتيب الجيوش، وقتال البغاة، وتوزيع الإقطاعات في القرى ونحو ذلك فلا يجوز لأحد الإقدام عليه إلا بإذن إمام الوقت الحاضر؛ لأنه ﷺ إنما فعله بطريق الإمامة، وما استبيح إلا بإذنه، فكان ذلك شرعا مقررا؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٢).
انتهى ما قاله القرافي، لكن مع ثبوت اختصاص الإمام بالتصرف في هذه الأمور وأمثالها لا يجوز له أن يتصرف فيها بمحض عقله أو هواه، بل يطبق فيها حكم الشريعة، وبذلك لم ينشئ حكما كليا.
٤ - وقال (٣) أيضا: بل الحاكم من حيث هو حاكم ليس له إلا الإنشاء، وأما قوة التنفيذ فأمر زائد على كونه حاكما، فقد يفوض إليه التنفيذ وقد لا يندرج في ولايته، فصارت السلطة العامة التي هي حقيقة الإمامة مباينة للحكم من حيث هو حكم. انتهى كلام القرافي. يريد بذلك أن القاضي له إصدار الحكم في القضايا الجزئية التي رفعت إليه حسب ما فهمه من الشريعة، ولا يملك التنفيذ إلا إذا أعطاه إياه من له السلطة من ولي الأمر العام ومن في حكمه.
٥ - قال (٤) الماوردي: والذي يلزمه من الأمور عشرة أشياء:
أحدها: حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة. . إلخ.
стр. 13891
الثاني: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين المتنازعين حتى تعم النصفة فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم.
الثالث: حماية البيضة والذب عن الحريم. . إلخ.
الرابع: إقامة الحدود. . إلخ.
الخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة. . إلخ.
السادس: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة. . إلخ.
السابع: جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصا واجتهادا من غير خوف ولا عسف.
الثامن: تقدير العطايا، وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقتير، ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير.
التاسع: استكفاء الأمناء، وتقليد النصحاء فيما يفوضه إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال؛ لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطة، والأموال بالأمناء محفوظة.
العاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأموال وتصفح الأحوال. . إلخ.
وقال (١) أيضا: وإذا قام الإمام بما ذكرناه من حقوق الأمة فقد أدى حق الله تعالى فيما لهم وعليهم، ووجب له عليهم حقان الطاعة والنصرة ما لم يتغير حاله.
٦ - وقال (٢) القرافي: تصرفات الحكام والأئمة بغير الحكم أنواع كثيرة أنا ذاكر منها إن شاء الله عشرين نوعا، وهي عامة تصرفاتهم فيسلم من الغلط فيها.
١ - العقود كالبيع والشراء في أموال اليتامى. . إلخ.
стр. 13892
٢ - إثبات الصفات نحو ثبوت العدالة عند حاكم. . إلخ.
٣ - ثبوت أسباب المطالبات نحو ثبوت مقدار قيمة المتلف في المتلفات. . إلخ.
٤ - إثبات الحجاج الموجبة لثبوت الأسباب الموجبة للاستحقاق نحو كون الحاكم ثبت عنده التحليف ممن تعين الحلف عليه. . إلخ.
٥ - إثبات أسباب الأحكام الشرعية نحو الزوال. . إلخ.
٦ - الفتاوى في الأحكام في العبادات وغيرها. . إلخ.
٧ - تنفيذات الأحكام الصادرة عن الحكام فيما تقدم الحكم فيه من غير المنفذ. . إلخ بأن يقول: ثبت عندي أنه ثبت عند فلان من الحكام كذا وكذا. . إلخ.
٨ - تصرفات الحكام بتعاطي أسباب الاستخلاص ووصول الحقوق إلى مستحقيها من الحبس والإطلاق. . إلخ.
٩ - التصرف في أنواع الحجاج بأن يقول: لا أسمع البينة لأنك حلفت قبلها مع قدرتك على إحضارها. . إلخ.
١٠ - تولية النواب عنهم في الأحكام. . . إلخ
١١ - إثبات الصفات الموجبة للمكنة من التصرفات في الأموال كالترشيد في الصبيان والبنات.
١٢ - الإطلاقات من بيت المال وتقدير مقاديرها في كل عطاء. . إلخ.
١٣ - اتخاذ الأحمية من الأراضي المشتركة بين عامة المسلمين ترعى فيها إبل الصدقة وغيرها. . إلخ.
١٤ - تأمير الأمراء على الجيوش والسرايا. . إلخ.
١٥ - تعيين أحد الخصال في الحرابة لعقوبة المحاربين. . إلخ.
١٦ - تعيين مقدار من التعزير إذا رفع لغيره قبل تنفيذه فرأى خلاف ذلك فله تعيينه وإبطال الأول. . إلخ.
١٧ - الأمر بقتل الجناة ورد الطغاة إذا لم ينفذ. . إلخ.
стр. 13893
١٨ - عقد الصلح بين المسلمين وبين الكفار ليس من المختلف فيه بل جوازه عند سببه مجمع عليه. . إلخ.
١٩ - عقد الجزية لكفار لا يجوز نقضه ولا تغييره. . إلخ.
٢٠ - تقرير الخراج على الأرضين وما يؤخذ من تجار الحربيين. . إلخ.
٧ - وقال (١) أيضا: الضابط الذي يرجع إليه في ترتيب الأحكام على أسبابها من غير حكم حاكم وما يفتقر لحكم الحاكم أن الموجب للافتقار لحكم الحاكم ثلاثة أسباب:
السبب الأول: كون ذلك الحكم يحتاج إلى نظر وتحرير وبذل جهد من عالم بصير حكم عدل في تحقيق سببه ومقدار مسببه وله مثل:
أ- الطلاق بالإعسار.
٢ - التعزيرات.
٣ - التطليق على المولى.
٤ - إذا حلف ليضربن عبده ضربا مبرحا فالقضاء بالعتق عليه يفتقر للحاكم.
السبب الثاني الموجب لافتقار ترتيب الحكم على سببه إلى حكم الحاكم ومباشرة ولاة الأمور: كون تفويضه لجميع الناس يفضي إلى الفتن والشحناء والقتل والقتال وفساد النفس والمال، وله مثل:
١ - الحدود.
٢ - قسمة الغنائم.
٣ - جباية الجزية وأخذ الخراج من أرض العنوة وغيرها من مال المسلمين.
السبب الثالث: قوة الخلاف مع تعارض حقوق الله تعالى وحقوق الخلق، وله مثل:
стр. 13894
ا- من أعتق نصف عبده لا يكمل عليه بقيته إلا بالحكم.
٢ - العتق بالمثلة.
٣ - بيع من أعتقه المديان.
فهذه الأسباب الثلاثة هي الموجبة للافتقار للحكام وولاة الأمور، فإذا لم يوجد شيء منها تبع الحكم سببه الشرعي حكم به حاكم أم لا.
ولأجل هذه القاعدة انقسمت الأحكام ثلاثة أقسام:
أ- منها ما يتبع سببه بالإجماع ولا يفتقر الحكم لقوة بعده عن اشتماله على أحد تلك الأسباب الثلاثة الموجبة للافتقار.
٢ - ومنها ما يفتقر للحاكم إجماعا للجزم باشتماله على أحد الأسباب الثلاثة أو اثنين منها.
٣ - ومنها ما اختلف فيه هل هو من القسم الأول أو من القسم الثاني لما فيه من وجوه الإحالة باشتماله على أحد الأسباب أو عدم اشتماله، فلحصول التردد في الاشتمال حصل التردد في الافتقار.
ثم ذكر أمثلتها.
٨ - وقال (١) أيضا في أثناء الكلام على أي شيء ما يفيد الإنسان أهلية أن ينشئ حكما في مواطن الخلاف فيجب تنفيذه ولا يجوز نقضه فهل ذلك لكل أحد أو إنما يكون ذلك لمن حصل له سبب خاص، وما هو ذلك السبب، وهل هو واحد أو أنواع كثيرة.
قال: إنه لا خلاف بين العلماء أن ذلك ليس لكل أحد بل إنما يكون ذلك لمن حصل له سبب خاص وهو ولاية خاصة، ليس كل الولاية تفيد ذلك.
فمن الولايات ما لا يفيد أهلية شيء من الأحكام. ومنها ما يفيد أهلية الأحكام كلها. . إلخ.
وبعد أن ذكر أن الولاية لها طرفان ووسط وأن
стр. 13895
لها خمس عشرة مرتبة، قال: المرتبة الأولى الإمامة الكبرى فأهلية جميع أنواع القضاء في الأموال والدماء وغيرها جزؤها وهي صريحة في ذلك فتتناول بصراحتها أهلية القضاء، وأهلية السياسة العامة.
٩ - وقال (١) أيضا: كيف يمكن أن يقال: إن الله جعل لأحد أن ينشئ حكما على العباد؟ وهل ينشئ الأحكام إلا الله تعالى؟ فهل لذلك نظير وقع في الشريعة، وما يؤنس هذا المكان ويوضحه؟
فأجاب عن هذا السؤال: لا غرو في ذلك ولا نكير، بل الله تعالى قرر الواجبات، والمندوبات والمحرمات، والمكروهات، والمباحات، على لسان رسوله ﷺ ، وأنزل الله عليه في كتابه الكريم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢).
ومع ذلك قرر في أصل الشريعة أن للمكلف أن ينشئ الوجوب فيما ليس بواجب في أصل الشرع فينقل أي مندوب شاء فيجعله واجبا عليه، وخصص ذلك بالمندوبات، وخصص الطريق الناقل للمندوبات إلى الواجبات بطريق واحد وهو النذر، فالنذر إنشاء للوجوب في المندوب.
وقرر الله تعالى أيضا الإنشاء للمكلف في صورة أخرى. . له أن ينشئ السببية في المندوبات، والواجبات، والمحرمات، والمكروهات، والمباحات، وما ليس فيه حكم شرط البتة كفعل النائم. . إلخ.
ومع ذلك فلكل مكلف أن يجعل أي ذلك شاء سببا لطلاق امرأته وعتق عبده. . إلخ، فعمم صاحب الشرع في هذا الباب جميع الأشياء في المجعول سببا، وخصص في الطريق المجعول به، فعينه في التعليق، وفي الباب الأول خصص فيهما، فعين المجعول فيه في المندوب، وخصص الطريق بالنذر، فهذا الباب خاص، والأول خاص وعام.
стр. 13896
وإذا تقرر أن الله تعالى جعل لكل مكلف وإن كان عاميا جاهلا الإنشاء في الشريعة لغير ضرورة فأولى أن يجعل الإنشاء للحاكم مع علمهم وجلالتهم؛ لضرورة درء العناد، ودفع الفساد وإخماد النائرة، وإبطال الخصومة. انتهى كلام القرافي.
ليس فيما ذكر من الصورتين إنشاء العبد لحكم شرعي، وضعي أو تكليفي، فإن الذي وقع من العبد في الصورة الأولى مجرد النذر لمندوب، وهو محل للحكم، وليس حكما، والله هو الذي جعل النذر سببا لما بناه عليه سبحانه من الحكم بوجوب الوفاء، وهو الذي جعل القابلية لذلك في المندوب وليس إلى غير الله إنشاء في هذه الثلاثة.
وأما الصورة الثانية: فالذي من العبد التعليق للعتق أو الطلاق مثلا على شيء مما ذكر في هذه الصورة، والتعليق الذي هو فعل العبد محل للحكم وليس حكما، ولا إنشاء للحكم، والله سبحانه الذي عم في المعلق عليه فجعله أيا كان قابلا لأن يكون سببا لترتيب الحكم على تحققه، وعلى ذلك يتبين بطلان ما ذكره من أن الله تعالى جعل لكل مكلف ولو عاميا جاهلا إنشاء الأحكام في الشريعة لغير ضرورة، وبطلان ما رتبه عليه من أن للحكام من باب أولى إنشاء أحكام كلية في الشريعة، وإنما الذي إليهم فهم الشريعة وتطبيقها على الوقائع والقضايا الجزئية كما دلت على ذلك أدلة اختصاص الله بالتشريع.
١٠ - قال (١) القرافي في الفرق بين المفتي والحاكم، وبين الإمام الأعظم في تصرفاته قال: إن الإمام نسبته إليهما كنسبة الكل لجزئه، والمركب لبعضه، فإن للإمام أن يقضي وأن يفتي كما تقدم، وله أن يفعل ما ليس بفتيا ولا قضاء؛ كجمع الجيوش وإنشاء الحروب، وحوز الأموال، وصرفها في مصارفها، وتولية الولاة وقتل الطغاة، وهي أمور كثيرة
стр. 13897
يختص بها لا يشاركه فيها القاضي ولا المفتي، فكل إمام قاض ومفت، والقاضي، والمفتي لا يصدق عليهما وصف الإمامة الكبرى.
١١ - وقال (١) أيضا: وظهر حينئذ أن القضاء يعتمد الحجاج، والفتيا تعتمد الأدلة، وأن تصرف الإمامة الزائد على هذين يعتمد المصلحة الراجحة أو الخالصة في حق الأمة.
стр. 13898
صفحة فارغة
стр. 13899
الفتاوى
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
في هذه الزاوية تجيب اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما يرد إليها من أسئلة واستفتاءات تهم المسلمين في شئونهم الدينية والاجتماعية
стр. 13900
فتوى رقم ٦٨٣٣
س: ما قول العلماء المهرة الكملة في رجل يخالف النصوص القطعية من القرآن الحكيم والسنة المتواترة، ويقول في جواب من ينصحه ويعظه أن لا بأس مما أفعل ولا حرج، وإذا أراد أن يقضي يقضي بالباطل وخلاف القرآن والحديث، وذلك الحاكم لا يصلي ولا يصوم إلا نادرا ويوالي الكفرة والفسقة وصاحب العقائد الردية، ويحل ما حرمه الله كالنذر لغير الله وشرب الخمر وأكل الربا والرشا والبيوع الفاسدة والباطلة ويستهزئ بأهل الدين العلماء العاملين الناصحين ويقول: إنهم مجانين، ويطلب مع هذا الإمارة بتأليف قلوب الناس إلى نفسه بإهلاك ما في يده من الأموال الفاخرة ويميل الناس إليه لأجل مفادهم من إبراء المجرم وتسجين مخالفهم وتعذيب من لا ذنب له، فبعد فوزه يشفع عند أهل القضاء شفاعة سيئة ليقضي القاضي بإبراء الظالم وتعذيب المظلوم، ويبذر ماله في الوجوه الفاسدة كالماء الجاري في الأنهار، ويأتيه الناس يهنئونه ويغنون ويضربون الطبل سواء كان سيئ العقائد، هل الموالاة لمثل هذا الرجل جائزة في الشريعة المطهرة أم حرام، وهل مثل هذا الرجل مسلم أم خرج من الإسلام؟ بينوا تؤجروا جزاكم الله أحسن الجزاء في دار البقاء. وقد استفتيته للإشاعة في سائر باكستان، فالمطلوب من جنابكم السرعة جزاك الله.
الحمد لله، وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه. . وبعد:
جـ: إذا كان الواقع كما ذكر فمن هذه صفته كافر كفرا يخرج من ملة الإسلام لا تجوز موالاته، بل يجب على من هو أهل للنصح والإرشاد أن يقوم بنصحه وإرشاده إلى الحق وإقامة الحجة عليه، فإن أصر على ضلاله وجب على ولي أمر المسلمين عقابه بما يوجبه الشرع.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز