← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 13966–14005 · переход к 13971.

стр. 13966

بسماعه والاستفادة منه، وأنصح لجميع العلماء بأن يعنوا بمراجعة الكتب الإسلامية المعروفة حتى يستفيدوا منها، وكتب السنة مثل: الصحيحين وبقية الكتب الستة ومسند الإمام أحمد وموطأ الإمام مالك وغيرها من كتب الحديث المعتمدة، وكتب التفسير المعتمدة كتفسير ابن جرير وابن كثير والبغوي ونحوهم من أهل السنة. كما أوصى بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وغيرها من كتب علماء السنة، كما أوصي إخواني قبل ذلك كله بقراءة كتاب الله وتدبره فهو أصدق كتاب وأشرف كتاب، كما قال الله : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (١)، وأوصيهم أيضا بسنة النبي ﷺ لما فهيا من الهدى والعلم، وقد صح عن الرسول قوله: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٢)». راجيا من الله أن يوفق العلماء في كل مكان لما فيه إظهار الحق وتبيان أحكام الدين. السؤال: ما رأيكم في المقولة التي تقول: إن أمور العصر تعقدت وأصبحت متشابكة، لذلك لا بد أن تخرج الفتوى من فريق متكامل يضم كافة المختصين بجوانب المشكلة أو الحالة ومن بينهم الفقيه؟ الجواب: إن الفتوى ينبغي أن تتركز على الأدلة الشرعية، وإذا صدرت الفتوى عن جماعة كانت أكمل وأفضل للوصول إلى الحق، لكن هذا لا يمنع العالم أن يفتي بما يعلمه من الشرع المطهر. السؤال: يقوم الإنتاج الإعلامي الحالي بتوجيه هذا الجيل كيفما يريد المنتجون. . فما يقدمه التليفزيون والإذاعة من تمثيليات ومسرحيات وبرامج مختلفة إنما يعمل على تكريس قيم وأفكار ومبادئ يريدها صانعو هذه المصنفات الفنية، فإن تركنا إنتاج هذه المصنفات لغيرنا أفسدوا أبناءنا وبناتنا، وإن وجهنا أبناءنا وبناتنا لفهم ودراسة هذه الفنون من أجل صياغتها صياغة إسلامية خافوا

стр. 13967

على أنفسهم من الوقوع في الخطأ. . فبم تنصحون؟ الجواب: إن على المسئولين في الدول الإسلامية أن يتقوا الله في المسلمين وأن يولوا هذه الأمور لعلماء الخير والهدى، والحق، كما أن على علمائنا ألا يمتنعوا عن إيضاح الحقائق بالوسائل الإعلامية وألا يدعوا هذه الوسائل للجهلة والمتهمين، وأهل الإلحاد، بل يتولاها أهل الصلاح والإيمان والبصيرة وأن يوجهوها على الطريقة الإسلامية حتى لا يكون فيها ما يضر المسلمين شيبا أو شبانا، رجالا أو نساء، كما وأنه على العلماء أن يقدموا للناس إجابات وافية حول ما يبثه التلفاز ريثما يتولاها الصالحون، وأن على الدول الإسلامية أن تولي الصالحين حتى يبثوا الخير ويزرعوا الفضائل، نسأل الله للجميع التوفيق. السؤال: هل معنى ذلك أنك تنصح أبناءنا المسلمين بدراسة هذه المجالات حتى يحتلوا الأماكن التي يغزوها هؤلاء المفسدون؟ الجواب: نعم ينبغي للعلماء ألا يتركوا هذه الأمور للجهلة وأن يتولوا بث الخير والفضيلة في كافة المجالات، ولكن هناك مسألة التمثيل فأنا لا أنصح بممارسة التمثيل، وإنما على العلماء أن يبينوا للناس أحكام الله ورسوله. أما أن يتقمص المرء شخصية فلان واسم فلان فيقول أنا عمر أو أنا عثمان أو نحو ذلك فهذا كذب لا يجوز فعله. السؤال: كان كعب بن زهير ﵁ يقف أمام رسول الله ﷺ ويقول: وهو لم ير سعاد، ولم يحدث له أي شيء مما يذكره في القصيدة عن سعاد مما اعتبر ذلك كذبا. والتمثيل ضرب من هذه الضروب. . فما رأيك؟ الجواب: هذا ليس تقمصا للشخصية، وإنما التقمص كقول أحدهم: أنا أبو بكر أنا عمر أنا عائشة فقد كذب. . والله أعلم.

стр. 13968

السؤال: هل تعتبر قيام جماعات إسلامية في البلدان الإسلامية لاحتضان الشباب وتربيتهم على الإسلام من إيجابيات هذا العصر؟ الجواب: وجود هذه الجماعات الإسلامية فيه خير للمسلمين ولكن عليها أن تجتهد في إيضاح الحق مع دليله وأن لا تتنافر مع بعضها. وأن تجتهد بالتعاون فيما بينها، وأن تحب إحداهما الأخرى، وتنصح لها وتنشر محاسنها وتحرص على ترك ما يشوش بينها وبين غيرها ولا مانع أن تكون هناك جماعات إذا كانت تدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . السؤال: بم تنصح الشباب داخل هذه الجماعات؟ الجواب: أن يترسموا طريق الحق ويطلبوه، وأن يسألوا أهل العلم فيما أشكل عليهم، وأن يتعاونوا مع الجماعات فيما ينفع المسلمين بالأدلة الشرعية لا بالعنف ولا بالسخرية، ولكن بالكلمة الطيبة والأسلوب الحسن، وأن يكون السلف الصالح قدوتهم، والحق دليلهم، وأن يهتموا بالعقيدة الصحيحة التي سار عليها رسول الله ﷺ وصحابته ﵃. السؤال: هل الأولوية في الدعوة الإسلامية للعمل الخيري كبناء المساجد وإغاثة المنكوبين أم لدعوة الحكومات لتطبيق الشريعة الإسلامية ومحاربة كافة أشكال الفساد؟ الجواب: الواجب على العلماء البداءة بما بدأ به الرسل عليهم الصلاة والسلام فيما يتعلق بالمجامع الكافرة والبلدان غير الإسلامية وذلك بالدعوة إلى توحيد الله وترك عبادة ما سواه والإيمان به وبأسمائه وصفاته وإثباتها له على الوجه اللائق به مع الإيمان برسوله ﷺ ومحبته واتباعه. كما أن عليهم دعوة المسلمين في كل مكان إلى التمسك بشريعة الله والاستقامة عليها ونصح ولاة الأمور ومساعدة المحتاجين ومواساتهم. كما أن على العلماء أن يستمروا في الدعوة إلى الله والحرص على الأعمال الخيرية وزيارة ولاة الأمور وتشجيعهم على الأعمال الحسنة وحثهم على تحكيم الشريعة وإلزام الشعوب

стр. 13969

بها عملا بقول الله : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) وقوله : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة. السؤال: يتحمس بعض الشباب أكثر مما ينبغي وينحو إلى التطرف. . فما هي نصيحتكم له؟ الجواب: يجب على الشباب وغيرهم الحذر من العنف والتطرف والغلو لقول الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (٣) وقوله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٤) الآية. وقوله لموسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٥) وقول النبي ﷺ : «هلك المتنطعون قالها ثلاثا (٦)» رواه مسلم في صحيحه. وقوله ﷺ : «إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين (٧)» رواه الإمام أحمد وبعض أهل السنن بإسناد حسن. فلهذا أوصي جميع الدعاة بأن لا يقعوا في الإسراف والغلو وإنما عليهم التوسط. . وهو السير على نهج الله وعلى حكم كتابه وسنة نبيه ﷺ . السؤال: اليوم نعيش ظاهرة سياسية كبيرة هزت العالم وهي انتفاضة الشعب الفلسطيني ضد اليهود. . فهل لكم كلمة توجهونها إلى الشباب المسلم في فلسطين المحتلة؟ الجواب: أنصحهم بتقوى الله والتعاون على الخير والاستقامة في العمل،

стр. 13970

فالله ينصر من ينصره. فقد قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١) وقال سبحانه في مكان آخر من كتابه الكريم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (٢). إنني أنصح كل إخواني بالتعاون معهم وأنصح الأغنياء وولاة الأمور بأن يمدوا يد العون لإخوانهم في فلسطين المجاهدة لاسترداد بلادهم والنصر على الأعداء إن شاء الله. أيدهم الله بالحق وجزاهم - عن المسلمين كل خير، وما عليهم إلا أن يصبروا ويصابروا فإن وعد الله حق - وإن الله ناصر من ينصره، وفقهم الله ونصرهم على عدوهم، ووفق المسلمين لمساعدتهم والوقوف بصفهم حتى ينصرهم الله على عدوهم وهو سبحانه خير الناصرين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 13971

صفحة فارغة

стр. 13972

بحث في زكاة أسهم الشركات المساهمة إعداد فضيلة الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع (١). عضو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية والقاضي بمحكمة التمييز بمكة المكرمة الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده، محمد وعلى آله وصحبه وبعد. . فلا شك أن للزكاة مقاما رفيعا في الإسلام، وأنها أحد أركان الإسلام الخمسة، وأن منع أدائها جريمة كبرى، عاقب عليها أصحاب رسول الله ﷺ ، باستحلال دم مانعها، حيث جهز خليفة رسول الله ﷺ جيشا لقتالهم، وقال مقالته الخالدة: والله لو منعوني عناقا- وفي رواية- عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلهم عليه. ومن أحكام منعها أنها تؤخذ من مانعها قهرا أداء للعبادة وشطرا من ماله عقوبة. ومستند وجوبها من الكتاب والسنة والإجماع من الوضوح بحيث تعتبر معلومة من الدين بالضرورة.

стр. 13973

وحكمة مشروعيتها أنها طهرة للمال وتزكية، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (١) وفي الحديث: «ما نقص مال عبد من صدقة (٢)». وفيها مواساة للفقراء وعطف عليهم وتأمين كفايتهم المعيشية ممن أقعدهم العجز عن العمل. وهي واجبة في كل مال نام بالفعل أو بالقوة، فتجب في أموال بهيمة الأنعام بشروطها، وفي الخارج من الأرض من كل مطعوم يكال ويدخر، وفي عروض التجارة من كل مال مباح للتجارة سواء أكان ثابتا كالعقار، أو منقولا كسائر أنواع وأجناس البضائع والسلع، وهذه الأجناس الثلاثة من الأموال- بهيمة الأنعام، الخارج من الأرض، عروض التجارة- هي في الغالب أموال نامية بالفعل، إذ هي محل النماء والكثرة بحكم تهيئها لذلك، سواء أكان ذلك من حيث تكاثرها ونموها، أم كان ذلك من حيث تهيؤها للزيادة في قيمها السوقية. كما تجب الزكاة في الأموال النامية بالقوة، وهي الأثمان بمختلف أجناسها وأنواعها من ذهب وفضة وأوراق نقدية وغير ذلك مما يعد ويعتبر ثمنا تجتمع فيه خصائص الثمنية. وهناك أجناس من الأموال موضع خلاف بين العلماء في وجوب الزكاة في أثمانها، كالعقارات المعدة للاستغلال على سبيل الكراء، وكالحلي المعد للاستعمال، أو العارية وغير ذلك مما ذكره الفقهاء رحمهم الله تعالى في كتبهم الفقهية في كتاب الزكاة. وحيث إن موضوع هذا البحث ليس في استعراض الأموال الواجبة فيها الزكاة وما لأهل العلم فيها من نظر وتأصيل وتفصيل، فقد آثرنا الاكتفاء بذكر الأموال التي هي في الواقع محل إجماع بين أهل العلم في وجوب الزكاة فيها، ذكرت هذه الأموال بصفة إجمالية تمهيدا للدخول في صميم البحث.

стр. 13974

إن شركات المساهمة أموال تخضع لوجوب الزكاة إذا كانت محلا للاستثمارات المباحة، كشركات الزراعة والصناعة والمضاربات التجارية، كشركات الاستيراد والتصدير والمصارف الإسلامية وغيرها. والأسهم في هذه الشركات عبارة عن حصص تملك فيها شائعة في عمومها. ولوجوب الزكاة في عمومها فهي واجبة في هذه الأسهم الممثلة لأجزاء هذه الشركات. وحيث إن شركات المساهمة لكل واحدة منها مجال استثمار اختصت به حسبما نص عليه نظامها الأساسي وصدر الترخيص لها بذلك من الجهة المختصة في الدولة، فإن لهذا المال الاستثماري حكمه من حيث وجوب الزكاة فيها. وحيث إن المتبع في جميع الشركات الوطنية حسبما نقرؤه من النشرات السنوية لميزانيات تلك الشركات أن الزكاة تستقطع من صافي ربح الشركة بغض النظر عن المجال الاستثماري للشركة، وبغض النظر عن الازدواجية التي تحصل على الشركات الزراعية في جباية الزكاة منها، حيث إن الزكاة تؤخذ منها مرتين، مرة عند تقديم محصولها الزراعي من الحبوب لصوامع الغلال، ومرة عند نشر ميزانيتها السنوية وأخذ الزكاة من صافي أرباحها، هذا فيما يظهر لنا. لهذا ولأهمية الزكاة وضرورة العناية بمعرفة أحكامها والتحقق عن المال الواجبة فيه ومقدار ما يجب، ولأن شركات المساهمة اليوم تمثل كمية كبيرة من الأموال الوطنية المستثمرة، وهي في الواقع أموال لمجموعة من فئات المسلمين من أيتام وأرامل وأشخاص ذوي تقى وورع وصلاح وحرص بالغ على تطهير أموالهم من الزكاة. وفي نفس الأمر فإن القائمين على إدارة هذه الشركات وإن كانوا ذوي اختصاص إداري واقتصادي فإنهم في الغالب ليسوا على مستوى شرعي من التأهيل لمعرفة أحكام الزكاة وما تجب فيه من أموال ومقدار الواجب فيها، لهذا آثرت إعداد هذا البحث في زكاة أسهم الشركات، يكفيني منه في حال قصوره عن إيفاء البحث حقه من النظر والتحقيق أن يكون هذا البحث

стр. 13975

إثارة لمن هو أقدر مني في التأصيل والتفصيل والنظر والتحقيق، فالمسألة من الأهمية بحيث يجب أن تعطى ما تستحقه من النظر، سواء أكان ذلك على مستوى فردي أم كان على مستوى جماعي من هيئات شرعية مختصة، كالمجامع الفقهية ونحوها. لا شك في أن شركات المساهمة لها مجالات استثمارية متخصصة في الصناعة والزراعة والتجارة، فإن كانت شركة زراعية فهذا يعني أن مجالها الاستثماري في زراعة الحبوب والثمار فتخضع لأحكام الزكاة فيما تخرجه الأرض من الحبوب والثمار مما يكال ويدخر، وتثبت لمنتجات هذه الشركة أحكام الزكاة في الخارجة من الأرض مالا ومقدارا وزمنا. وحيث إن ناتج الشركات الزراعية في بلادنا من الحبوب يقدم لصوامع الغلال التابعة لوزارة الزراعة، وصوامع الغلال تستقطع مما يقدم إليها من حبوب مقدار الزكاة الواجبة فيها، فإذا قدمت إحدى الشركات الزراعية مثلا لصوامع الغلال ألفي طن من القمح فإن صوامع الغلال تستقطع من هذا المقدار نصف العشر زكاة وقدره مائة طن، وتسجل للشركة ألفا وتسعمائة طن، هذا يعني أن زكاة هذا الخارج من الأرض لهذه الشركة قد تم إخراجها فلا ينبغي لإدارة الشركة أن تخرج من زكاة عن صافي أرباحها، والحال أن الزكاة تؤخذ من كل منتوج زراعي في وقته عند تقديمه لصوامع الغلال التي هي إحدى المؤسسات العامة للدولة، لما في ذلك من الازدواجية في التصرف والمخالفة الشرعية، فإن الشارع الحكيم يراعي مصلحة دافع الزكاة وأخذها وتحقق العدل في ذلك، وليس من العدل أن تؤخذ ممن وجبت عليه مرتين. هذا إذا كان نشاط الشركة الزراعي منحصرا في إنتاج الحبوب، أما إذا كان لها نشاط آخر كتربية الحيوان على سبيل الإنتاج والتسمين، أو كان لها نقود سائلة فإن الزكاة واجبة في هذين المالين بشروطه. وإن كانت شركة المساهمة شركة صناعية كشركات الأسمنت والجبس

стр. 13976

والكهرباء والأدوية والصناعات الأساسية وغيرها، فإن الزكاة واجبة في صافي أرباحها قياسا على زكاة العقارات المعدة للكراء، حيث إن الأصول الثابتة فيها من أدوات وأجهزة ومكائن ومكاتب ومخازن وغير ذلك من وسائل الإنتاج والتصنيع تعتبر كالعقار المعد للاستغلال على سبيل الكراء وما ينتج من هذه المصانع من عوائد استثمارية بعد حسم المصروفات الإدارية منها تعتبر كأجرة العقار. فلا زكاة في معدات التصنيع ومستلزماته من مكائن وتجهيزات وأدوات لازمة ومبان مستلزمة، إذ هي مقيسة على العقار المعد للكراء أو على أدوات الصانع والنجار والصائغ والحائك وتجهيزات الورش الصناعية ونحو ذلك. وقد نص الفقهاء ﵏ على أن الزكاة في هذه الوسائل غير واجبة، قال شيخنا الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ في رسائله وفتاواه إجابة عن سؤال سئل عنه فقال: إن ما لم يعد للبيع لا زكاة فيه من العقار والمكائن والآلات والدور والفنادق والمراكب وغيرها. اهـ. الفتوى رقم ١٠٤٣ ج٤ ص١٠٦/ ١٠٧. وقال ﵀ إجابة عن سؤال، هل في ورشة النجارة زكاة: لا زكاة فيها بحال، وإنما الزكاة في غلتها إذا بلغت نصابا وحال عليها الحول. اهـ. الفتوى رقم ١٠٤٤ ج٤ ص١٠٧. وقال ﵀ إجابة عن سؤال، حول أدوات شركة الكهرباء وهل فيها زكاة؟ قال: ما سألت عنه من الأموال التي جعلت في شركة الكهرباء ونحوها لاستغلالها بالإيجار، فلا زكاة فيها، أي في الأعيان التي هي المكائن والمعدات التابعة لها؛ لأنها ليست من الأموال الزكوية ولا من العروض الزكوية. اهـ انظر الفتوى رقم ١٠٣٥ج٤ ص١٠٠.

стр. 13977

وإن كانت شركة المساهمة شركة تجارية اختصاصها تداول السلع بيعا وشراء واستيرادا وتصديرا، كالمصارف الإسلامية التي يعتمد استثمارها على المضاربات التجارية والكسب عن طريق التسهيلات المصرفية البعيدة عن الربا أخذا وإعطاء كالتحويلات المالية وإصدار الضمانات أو الشيكات بمختلف أجناسها وأنواعها والتوكيلات والسمسرة وغير ذلك من مستلزمات الحركة التجارية في الأسواق المصرفية مما لا يتعارض مع المقتضيات الشرعية والقواعد المرعية في الشريعة الإسلامية، فهذا النوع من شركات المساهمة تجب الزكاة فيها وجوب الزكاة في عروض التجارة، وذلك بوجوبها في رءوس أموالها وفي مالها من احتياطيات وأرباح بعد حسم المصاريف الإدارية لإدارة أموالها في التجارة من ذلك، وألا يعتبر من المقدار الواجبة فيه الزكاة التجهيزات الإدارية، سواء أكانت أعيانا قائمة أو منقولة، لأنها ليست محلا للإدارة المالية والحركة التجارية بيعا وشراء، وإنما هي شبيهة بدكان التاجر وما فيه من مستلزمات حركته التجارية من وسائل العرض والحفظ والتخزين. هذا ما يظهر لي في زكاة هذا الجنس من الشركات، ولكن نظرا إلى أن السهم في غالب الشركات قد تكون قيمته السوقية أكثر من قيمته مما يمثله من حصة شائعة في الشركة باعتبار قيمة كامل أعيانها من أدوات ووسائل إنتاج وسيولة نقدية وبضائع وسلع وغير ذلك مما يعد ويعتبر من مقومات حركتها التجارية، كأن يكون للشركة قيمة اعتبارية مضافة إلى قيمتها المادية، فإذا ملك زيد من الناس مثلا ألف سهم في شركة مصرفية إسلامية قيمة السهم الاسمية- الأصلية وقت الاكتتاب- مائة (١٠٠) ريال وقيمته المادية باعتبار واقع الشركة وتقويم موجوداتها وقت وجوب الزكاة فيها خمسمائة (٥٠٠) ريال وقيمة السهم في سوق الأسهم ألف ريال، فإذا نظرنا إلى هذه القيم الثلاث للسهم- قيمته الاسمية، قيمته المادية، قيمته السوقية- نجدها قيما معتبرة للسهم، في فأي هذه القيم الثلاث تحتسب الزكاة باعتباره؟ هل نعتبر القيمة الاسمية باعتبار أن هذه القيمة للسهم في الشركة هي الأصل، وما طرأ عليه من قيم

стр. 13978

أخرى تعتبر طارئة؟ أم تعتبر القيمة المادية للسهم باعتبار هذه القيمة هي القيمة الحقيقية للشركة وقت وجوب الزكاة؟ أم تعتبر القيمة الاعتبارية المتمثلة في قيمة السهم المادية والاعتبارية معا؟. إن القول بأن الزكاة واجبة في قيمة السهم الاسمية، قول يتجافى مع العدل والإنصاف والحقيقة المتمثلة في وجوب الزكاة في واقع المال، ذلك أن القيمة الاسمية- الأصلية- للسهم في الغالب لا تمثل القيمة الحقيقية لواقع الشركة، فقد تكون الشركة من النماء والازدهار بحال تكون قيمة السهم فيها أكثر من قيمته الاسمية، وقد تكون الشركة في حال من الكساد والخسارة بحيث تكون قيمة السهم فيها أقل من قيمته الاسمية. وبهذا نستطيع القول بكل طمأنينة وقناعة: إن القيمة الاسمية للسهم في الشركات بعد مزاولتها خصائص أعمالها لا تمثل في الغالب القيمة الحقيقية للسهم في الشركات، حيث إن الشركات بعد حركتها الاختصاصية بين ارتفاع وانخفاض، ولهذا فإن احتساب الزكاة في هذه الشركات على اعتبار قيمة السهم الاسمية غير صحيح لفقده عنصر الأساس في النظر والتقدير. ويبقى الأمر في وجوب الزكاة في أسهم هذا النوع من الشركات دائرا بين الأخذ باعتبار قيمته المادية المتمثلة في حقيقة وواقع الشركة بما لها من رأسمال وربح واحتياط، وذلك وقت وجوب الزكاة فيها، وبين الأخذ باعتبار قيمة السهم السوقية المتمثلة في قيمته المادية وقيمته الاعتبارية وقت وجوب الزكاة في الشركة. فإن اتجه بنا النظر إلى أن الزكاة واجبة في الأموال الزكوية المحسوسة من حيوان أو عقار أو أثمان أو خارج من الأرض من حبوب أو ثمار أو سلع وبضائع تنتقل في أيدي الناس بإدارتها بيعا وشراء، وأن السلف الصالح من العلماء والفقهاء لم يذكروا في كتبهم الفقهية أموالا اعتبارية تجب فيها الزكاة كحقوق الارتفاق والاختصاص، وحقوق براءات الاختراع، وحقوق الطبع والتأليف

стр. 13979

والنشر والترجمة ونحو ذلك من الحقوق المعنوية، إن اتجه بنا النظر إلى هذا قصرنا وجوب الزكاة على القيمة الحقيقية لواقع الشركة لكونها المال النامي بالفعل أو بالقوة، وهو المال المحسوس المشاهد من الفقراء وغيرهم. إننا حينما نقصر النظر على هذا وعلى التمسك بما ذكره فقهاؤنا من قصرهم الزكاة على الأموال العينية المحسوسة، نقول: إن الزكاة واجبة في القيمة الفعلية للسهم في الشركة باعتبار صافي ما تملكه من عروض وأثمان وقت وجوب الزكاة فيها، وأنه لا اعتبار للقيمة المعنوية المضافة إلى قيمة السهم الفعلية لأنها ليست قيمة مالية لمال محسوس، وإنما هي قيمة للرغبة النفسية في هذه الشركة. ولكن قد يرد على هذا الاتجاه بأن التطور الاقتصادي في العصور الحديثة قد أتى بمستجدات من الأموال ومن طرق الاستثمار والتمويل، وأن الزكاة واجبة فيما يملكه المسلم مما هو محل للزكاة، ومن ذلك ما يؤول برغبته وتصرفه إلى مال زكوي عيني. وهذا الإيراد هو حجة من يقول بوجوب الزكاة في الشركة باعتبار القيمة السوقية للسهم في أسواق الأسهم التجارية سواء أكانت هذه القيمة السوقية متفقة مع القيمة الحقيقية للسهم أم كانت زائدة عنها أو ناقصة، حيث إن السهم في الشركة عبارة عن حصة شائعة في عموم الشركة، يستطيع مالكها أن يبيعها بالسعر السوقي في أي وقت يشاء بالثمن الذي هو قيمته في أسواق الأسهم ليحصل من ذلك على ثمن من النقود يمثل قوة مالية محسوسة هي مال زكوي بإجماع أهل العلم. ولقوة الاحتجاج لكلا الرأيين الأخيرين فإن ترجيح أحدهما على الآخر يحتاج إلى مزيد من النظر والتأمل، ويمكن أن يكون من النظر في ذلك التفصيل: فإن كان مالك السهم في الشركة التجارية المساهمة يقصد بتملكه الاستثماري الاستمرار في تملك حصة شائعة في الشركة قدر ما يملكه فيها من

стр. 13980

أسهم وأنه لا يقصد بتملكها المتاجرة فيها بيعا وشراء. فهذه الفئة من المساهمين في الشركة لا يستفيدون من القيم السوقية للأسهم، وإنما يحتفظ الواحد منهم بما يملكه من أسهم في الشركة للاستثمار وأخذ العائد الدوري من ذلك. وحيث إن الحصة الشائعة التي تمثلها الأسهم التي يملكها الفرد من هذه الفئة من المساهمين في هذه الشركات حصة من مجموعة حصص، تمثل كامل محتويات الشركة وهي- أعني هذه الشركة - تقوم بالمتاجرة في موجوداتها القابلة للإدارة التجارية بيعا وشراء، فقد يتجه القول بوجوب الزكاة على مالك هذه الأسهم من هذه الفئة من المساهمين باعتبار القيمة المادية الحقيقية لموجودات هذه الشركة لا باعتبار القيمة السوقية لأسهمها. أما إذا كان مالك السهم أو الأسهم من هذه الشركات التجارية ممن يتملكها على سبيل المتاجرة فيها بيعا وشراء، يشتريها اليوم ليبيعها غدا، ويبيعها غدا ليشتري غيرها اعتبارا بها عروض تجارة، فإن الزكاة واجبة فيها باعتبار قيمتها السوقية لا باعتبار قيمتها المادية الحقيقية، لأن هذه الفئة من مالكي هذه الأسهم في هذه الشركات لا يقصد واحدهم بتملكه إياها استثمارها بأخذ عائدها الدوري، وإنما يقصد بذلك المتاجرة فيها بيعا وشراء وبسعر قيمتها السوقية، حيث إنه يشتري هذه الأسهم بسعرها في أسواق الأسهم ويبيعها بسعرها في أسواق الأسهم كذلك. والقول بوجوب الزكاة في أسهم الشركات باعتبار قيمتا السوقية على من يتداولها بيعا وشراء على سبيل المتاجرة فيها، كالمتاجرة في عروض التجارة، هذا القول ليس مقصورا على أسهم شركات المساهمة التجارية، بل هو عام في جميع أسهم الشركات، سواء أكانت شركات تجارية، أم كانت شركات صناعية، أو زراعية، أو شركات خدمات عامة، فمن يملك أسهما من هذه الشركات يقصد بتملكها المتاجرة فيها، فالزكاة واجبة فيها وجوب الزكاة في عروض التجارة من جميع الأموال الزكوية، ثابتة كانت أم منقولة، وباعتبار قيمتها السوقية لأنها أي- القيمة السوقية- هي اعتبار مالكها في البيع والشراء.

стр. 13981

وقد يرد على هذا التفصيل إيراد خلاصته أن الشريعة الإسلامية لا تفرق في الحكم بين متماثلين، فكيف يتم لنا وجاهة التفريق في الحكم بين زكاة أسهم يملكها أحد الأفراد، وبين زكاة أسهم أخرى من نفس النوع يملكها فرد آخر، ويكون لهذا التفريق أثر كبير في المقدار الواجب فيها من الزكاة، كأن يملك زيد من الناس ألف سهم في شركة تجارية، قيمة السهم السوقية فيها ألف (١٠٠٠) ريال غرضه من التملك أن تكون عروض تجارة مهيأة للبيع والشراء، يشتريها اليوم ليبيعها غدا أو بعد غد ليشتري بدلها أسهما أخرى غيرها، فإذا وجبت الزكاة فيها وهي في ملكه أخرج زكاتها ربع العشر من كامل قيمتها السوقية، أي خمسة وعشرين ألف ريال. وعمرو من الناس يملك ألف سهم من الشركة نفسها، غرضه من التملك الاستمرار فيه وأخذ العائد الدوري، وقيمة السهم الحقيقية من واقع تقويم الشركة خمسمائة (٥٠٠) ريال، فإذا وجبت الزكاة فيها وهي في ملكه أخرج زكاتها باعتبار قيمتها الحقيقية ربع العشر ومقداره اثنا عشر ألفا وخمسمائة (١٢٥٠٠) ريال. ومن هذا المثال يتضح أن الاثنين- زيدا وعمرا- متفقان في مقدار الأسهم وفي نوعها، ومع ذلك يخرج أحدهما زكاه ما يملكه من هذه الأسهم بمقدار ضعف ما يخرجه الثاني، فهذا تفريق بين متماثلين. والجواب عن هذا الإيراد أن للنية والتصرف وفق النية أثرا في تميز الحكم، فلو افترضنا أن محمدا من الناس عنده ثلاث قطع من الأراضي متجاورات ومتساوية في المساحة والرغبة والقيمة، باعها على ثلاثة أشخاص أحدهم محمود اشترى منه القطعة الأولى بمائة ألف (٠٠٠. ١٠٠) ريال لغرض بنائها مسكنا يسكنه، والثاني حامد اشترى منه القطعة الثانية بمائة ألف (٠٠٠. ١٠٠) ريال لغرض تأجيرها، والثالث أحمد اشترى منه القطعة الثالثة بمائة ألف (٠٠٠. ١٠٠) ريال لغرض المتاجرة فيها عرضا من عروض التجارة.

стр. 13982

فهؤلاء الثلاثة متفقون في التملك وفي قيمة العين المملوكة وفي مساحتها وموقعها، إلا أن لكل واحد منهم نية في التملك تخالف نية أخويه، ولهذه النية ما تستحقه من النظر الشرعي في وجوب الزكاة وفي مقدارها وفي سقوطها. فالأرض التي اشتراها محمود في هذا المثال لا زكاة فيها، لأنه لم يتملكها بنية التجارة ولا الاستغلال، والأرض التي اشتراها حامد تجب الزكاة في غلتها إذا حال عليها الحول، حيث إنه تملكها بنية الاستغلال على سبيل الكراء، والأرض التي اشتراها أحمد تجب الزكاة في قيمتها وقت وجوب الزكاة فيها، حيث إنه تملكها بنية التجارة، فهؤلاء ثلاثة أفراد تملكوا ثلاث قطع من الأرض بقيم متساوية وفي موقع واحد ومساحة متفقة، وحيث إن لكل واحد منهم نية وغرضا في التملك لا تتفق مع نية أخويه، فقد اختلف الحكم في الزكاة فيها، سقوطا ومقدارا. وهذا قول عامة أهل العلم، ومنهم سماحة شيخنا الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية سابقا- ﵀ فقد جاء في فتاواه ورسائله ما نصه: الأرض المشتراة المعدة للتجارة هذه عروض تجارة تجب فيها الزكاة في قيمتها إذا حال عليها الحول وبلغت نصابا. اهـ. الفتوى رقم ١٠٣٤ ج٤ ص١٠١. وقال إجابة عن سؤال رجل يملك بيتا للسكنى ثم بعد ذلك أجره فهل تجب الزكاة في قيمته أو في أجرته، قال ما نصه: لا تجب الزكاة في قيمته لأنه لم ينو بيعه وشراءه، ولا تجب في أجرته لأنه لم ينو بها الاتجار بطريق الأجرة إلا بعد ما ملكه بمدة، والأصل عدم وجوبها فيه، وهذه النية لا تقوى على رفع الأصل، لكن هذا المال الذي قبضه تجب فيه الزكاة بعد تمام الحول من وقت استحقاقه. اهـ. الفتوى رقم ١٠٣٦ ج٤ صح ١٠٣.

стр. 13983

وقال أيضا: فاتضح مما ذكر أعلاه أن ما لم يعد للبيع لا زكاة فيه من العقار والمكائن والآلات والدور والفنادق والمراكب وغيرها. اهـ. الفتوى رقم ١٠٤٣ ج٤ ص١٠٧. ونظرا إلى أن التفريق في الحكم في وجوب الزكاة وفي سقوطها وفي مقدارها تبعا للنية في التملك من الوضوح بحال متميزة، فقد لا نحتاج إلى مزيد نصوص من أقوال أهل العلم في تقرير ذلك، ويبقى من الإيراد الاستشكال في وجاهة التفريق بين وجوب الزكاة في أسهم شركة تجارية يملكها أحد الناس بنية الاستمرار في التملك، وبين وجوبها في أسهم من نفس الشركة يملكها فرد آخر منهم بنية المتاجرة فيها بيعا وشراء، والحال أن الزكاة واجبة في هذه الشركة في كامل قيمتها رأسمالها وأرباحها واحتياطياتها بعد حسم مصاريفها الإدارية وأصولها الثابتة التي ليست محلا للتجارة والتداول، حيث إن الزكاة واجبة في أسهم الأول باعتبار قيمها الحقيقية، وواجبة في أسهم الثاني باعتبار قيمتها السوقية. وقد يكون هناك فرق كبير بين القيمتين، القيمة الحقيقية، والقيمة السوقية، والحال أن الزكاة في الجميع واجبة في القيمة لا في الغلة، ولا شك أن هذا الإيراد له وجاهة، وقد سبقت الإجابة عنه في معرض توجيه القول باعتبار التفريق بين القيمتين في تقدير الزكاة الواجبة على هذه الأسهم، وقلنا: إن من يملكها على سبيل الاستمرار في تملكها لا ينتفع بالفرق بين القيمة الحقيقية والقيمة السوقية، وقلنا: إن الزكاة في الأصل واجبة في الأموال المحسوسة، والقيمة السوقية تشتمل على قيمة اعتبارية ليس لها مقابل عيني محسوس ينتفع به ويحاسب عليه في زيادة حجم المال الزكوي. أما من يملكها على سبيل المتاجرة فيها بيعا وشراء يشتريها اليوم ليبيعها غدا أو بعد غد، ويبيعها ليشتري غيرها وهكذا، قصده ونيته الحركة في التملك والتداول في البيع والشراء. فإن هذا النوع من الناس لا يستطيع البيع والشراء إلا باعتبار القيمة السوقية لهذه

стр. 13984

الأسهم، فلا يشتري أسهما إلا بقيمة سوقية، ولا يبيع إلا بنفس القيمة السوقية، وهو في نفس الأمر مستفيد من القيمة السوقية المشتملة على القيمتين الاعتبارية والحقيقية، بخلاف الأول فإنه لا يستفيد من القيم الاعتبارية للأسهم التي يملكها ما دام قاصدا الاستمرار في التملك غير مستفيد من تقلب أسعارها في أسواق الأسهم. والشريعة الإسلامية من الحكمة والعدل والإنصاف ومراعاة المصالح المختلفة والجمع بين تحصيلها للجميع في مقام دقيق ورفيع لا يتصور منها في هذا المقام أن تأتي بما يتعارض مع ذلك. وخلاصة القول في زكاة أسهم الشركات المساهمة أن مالكها لا يخلو قصده في التملك من أمرين: أحدهما أن يقصد بتملكها الاستمرار في التملك على سبيل استثمارها بأخذ عائدها الدوري فإن كانت أسهم تملكه في شركة زراعية فإن زكاتها فيما تخرجه الشركة من حبوب وثمار طبقا لأحكام الزكاة في الخارج من الأرض، وإن كانت هذه الأسهم في شركة صناعية فإن زكاتها هي ما تخرجه الشركة عند كل حول مما يظهر في ميزانيتها عند نشرها في الوسائل الإعلامية وذلك من صافي أرباحها، وإن كانت شركة تجارية كشركات المصارف الإسلامية وشركات الاستيراد والتصدير فإن الزكاة واجبة في قيمة السهم الحقيقية حسبما تقوم به الشركة عند وجوب الزكاة فيها بعد حسم مصاريف الإدارة والأصول الثابتة مما ليس محلا للإدارة التجارية كمباني الشركة ومكاتبها ووسائل تجهيزها الثابتة. الأمر الثاني أن يكون القصد من تملك الأسهم من مالكها المتاجرة فيها بيعا وشراء يشتريها اليوم ليبيعها غدا أو بعد غد ويبيعها اليوم ليشتري غيرها طلبا للربح في تداولها وتقليبها، فمن كانت هذه نيته في التملك وهذا صنيعه في التصرف فإن الزكاة واجبة في جميع ما يملكه من أسهم من كل شركة مساهمة سواء أكانت شركة زراعة أو شركة صناعة أو شركة تجارية، وذلك عند كل

стр. 13985

حول، والمعتبر في قيمة السهم قيمته السوقية، حيث إن هذه الأسهم تعتبر بهذا القصد والتصرف عروض تجارة، وتجب فيها الزكاة كوجوب الزكاة في عروض التجارة محلا وزمنا ومقدارا.

стр. 13986

منع الازدواجية في إخراج الزكاة: خروجا من الازدواجية في إخراج الزكاة على سبيل تكرار إخراجها، ولأن القائمين على إدارة الشركات في الغالب في حاجة إلى تبصيرهم بما يجب على هذه الشركات من زكاة حتى يكونوا على بينة من تصرفهم، ولئلا يكونوا في ذلك بين إفراط وتفريط في دفع الزكاة، فإن الزكاة في شركات المساهمة تختلف من حيث مقدار الوجوب وزمنه باختلاف تخصصها، فإن كانت الشركة شركة صناعية فتخرج زكاتها من صافي أرباحها عند صدور ميزانية الشركة على الوضع الذي تكرر ذكره، ومن يملك أسهما فيها فإن كان تملكه إياها على سبيل الاستثمار والاستمرار في تملكها ترصدا لعائدها الدوري فإن الزكاة واجبة في عائد الأسهم التي يملكها، وحيث قامت الشركة بإخراج الزكاة عنها باعتبار القائمين عليها وكلاء عن المساهمين بحكم نظامها الأساسي والدخول في المساهمة فيها على هذا الاعتبار، ولأن نظام الشركات الصادر من ولي الأمر يلزمها بدفع زكاتها عند صدور كل ميزانية شركة، حيث الأمر كذلك فيكتفي المساهم فيها على هذا السبيل بما أخرجته الشركة زكاة عن كامل كيانها المتمثل في جميع أسهمها. ومن ذلك ما يملكه في هذه الشركة من أسهم. وإن كان تملكه إياها على سبيل المتاجرة فيها عروض تجارة فقد سبق القول إن الزكاة واجبة في القيم السوقية لهذه الأسهم. فإذا افترضنا أن زيدا من الناس يملك ألف سهم في شركة صناعية على سبيل المتاجرة بهذه الأسهم، قيمة السهم السوقية منها ثلاثمائة ريال، فإن الزكاة عند تمام الحول واجبة فيها باعتبار قيمتها السوقية البالغة ثلاثمائة ألف (٣٠٠٠٠٠) ريال، وقدر هذه الزكاة سبعة آلاف وخمسمائة (٧٥٠٠) ريال.

стр. 13987

فإذا افترضنا أن الشركة أخرجت زكاتها عن صافي أرباحها، وأن كل سهم يخصه من الزكاة التي أخرجتها الشركة ريالا واحدا، وأن مجموع زكاة الألف سهم مما أخرجته الشركة ألف (١٠٠٠) ريال، هذه الألف الريال يحسمها مالك هذه الأسهم من مجموع الزكاة الواجبة على أسهمه التي يملكها بنية التجارة، فتكون الزكاة الواجبة على هذه الأسهم ستة آلاف وخمسمائة (٦٥٠٠) ريال، إضافة إلى ما أخرجته الشركة زكاة عن صافي أرباحها، ومن ذلك هذه الأسهم الألف منها. وإن كانت الشركة شركة زراعية مساهمة، فإذا كانت زراعتها محصورة في الحبوب التي تقدمها لصوامع الغلال، وقامت صوامع الغلال بحسم الزكاة من كامل ما استلمته من إنتاج هذه الشركة فلا ينبغي للشركة أن تكرر دفع الزكاة عند إصدار ميزانيتها، بل تكتفي بما قدمته لصوامع الغلال من زكاة عن الشركة. فإن كان مالك الأسهم في هذه الشركة يقصد بتملكه إياها الاستمرار في التملك للاستثمار وأخذ العائد الدوري، فقد أخرجت عنه زكاة أسهمه، حيث أخذتها صوامع الغلال، فيكتفي بذلك. وإن كان مالكها يقصد المتاجرة بها على سبيل المتاجرة بعروض التجارة، فإن زكاتها واجبة عليه في قيمتها السوقية عند تمام الحول، مخصوما من ذلك قيمة مقدار ما يخص السهم من الزكاة التي استلمتها صوامع الغلال؛ لأن عدم خصم ذلك يعني الازدواجية في دفع الزكاة. وإن كانت الشركة شركة مساهمة تجارية كالمصارف الإسلامية وشركات الاستيراد والتصدير، فإن الزكاة واجبة في كامل القيمة الحقيقية للشركة رأسمالها وأرباحها واحتياطياتها محسوما من ذلك المصاريف الإدارية والأصول الثابتة على ما سبق ذكره. فإذا أصدرت هذه الشركة ميزانيتها فيجب أن يكون إخراج زكاتها على هذا التوجيه.

стр. 13988

أما ما جرت عليه مثل هذه الشركات في الاكتفاء بإخراج الزكاة من صافي الربح قياسا على الشركات الصناعية فغير صحيح، وهو منع لجزء كبير من مال الشركة الواجب فيه الزكاة؛ لأن مال الشركة مال معد للتجارة بيعا وشراء وتداولا وإدارة وتقليبا، فهو خاضع لأحكام الزكاة في عروض التجارة، فإذا أخرجت الشركة الزكاة عن هذه الأموال باعتبار القيمة الحقيقية لها؛ فإن الأمر بالنسبة لمالكي الأسهم لا يخلو من حالين، إما أن يكون مالك الأسهم فيها يقصد بتملكه إياها الاستمرار في التملك والاكتفاء بالعائد الدوري منها؛ فإنه يكتفي بما أخرجته الشركة من زكاة عن أموال الشركة، وإن كان مالك هذه الأسهم يقصد بتملكه إياها المتاجرة فيها على سبيل الإدارة التجارية بيعا وشراء كعروض التجارة؛ فإن الزكاة واجبة في قيمتها السوقية عند تمام الحول. فإذا افترضنا أن زيدا من الناس يملك في إحدى الشركات التجارية ألف سهم، قيمة السهم الحقيقية مائتا (٢٠٠) ريال، وقيمته السوقية ألف (١٠٠٠) ريال، فإذا حال الحول على أمواله التجارية؛ فإن الزكاة واجبة في كامل القيمة السوقية لهذه الأسهم الألف وقيمتها مليون ريال، ومقدار الزكاة على هذا المبلغ خمسة وعشرون ألف (٢٥٠٠٠) ريال، وحيث إن الشركة نفترض فيها أنها أخرجت الزكاة عن كامل القيمة الحقيقية لهذه الأسهم الألف، ومقدار قيمة هذه الأسهم مائتا ألف (٢٠٠٠٠٠) ريال مقدار زكاتها خمسة آلاف (٥٠٠٠) ريال فيخصم هذا المقدار من المبلغ الواجب؛ ليكون المبلغ الواجب عليه إخراجه زكاة عن هذه الأسهم عشرين ألف (٢٠٠٠٠) ريال، يخرجها مالك هذه الأسهم، وفي هذا مراعاة للخروج عن الازدواجية في دفع الزكاة، والله أعلم.

стр. 13989

هذا وقد رأيت أن من تمام البحث إيراد ما ذكره فضيلة الشيخ الجليل الدكتور يوسف القرضاوي - حفظه الله - في كتابه القيم " فقه الزكاة " من بحث بعنوان: كيف تزكى أسهم الشركات المختلفة. حتى إذا ظهر لنا فيه ما يدعو إلى التعليق أو الملاحظة أو المناقشة أمكننا ذلك لارتباط الموضوع بعضه

стр. 13990

ببعض، ولأن في ذلك تعاونا على إظهار الحقيقة. قال حفظه الله: كيف تزكى أسهم الشركات المختلفة؟ نجد هنا اتجاهين لمن كتب من العلماء المعاصرين عن زكاة الأسهم والسندات وقليل من كتب فيها. الاتجاه الأول: فالاتجاه الأول ينظر إلى هذه الأسهم تبعا لنوع الشركة التي أصدرتها: أهي صناعية أم تجارية أم مزيج منهما؟ فلا يعطى السهم حكما إلا بعد معرفة الشركة التي يمثل جزءا من رأس مالها، وبناء عليه يحكم بتزكيته أو بعدمها. يمثل هذا الاتجاه الشيخ عبد الرحمن عيسى في كتابه (المعاملات الحديثة وأحكامها) حيث يقول: " قد لا يعرف كثير ممن يملكون أسهم الشركات حكم زكاة هذه الأسهم، وقد يعتقد بعضهم أنها لا تجب زكاتها، وهذا خطأ. وقد يعتقد البعض وجوب الزكاة في أسهم الشركات مطلقا، وهذا خطأ أيضا. وإنما الواجب النظر في هذه الأسهم تبعا لنوع الشركة التي أصدرتها. فإن كانت الشركة المساهمة شركة صناعية محضة، أي بحيث لا تمارس عملا تجاريا كشركات الصباغة، وشركات التبريد، وشركات الفنادق، وشركات الإعلان، وشركات (الأتوبيس) وشركات النقل البحري والبري، وشركات الترام، وشركات الطيران، فلا تجب الزكاة في أسهمها؛ لأن قيمة هذه الأسهم موضوعة في الآلات والإدارات والمباني وما يلزم الأعمال التي تمارسها، ولكن ما ينتج ربحا لهذه الأسهم يضم إلى أموال المساهمين ويزكى معها زكاة المال (أي ما بقي منه إلى الحول، وبلغ مع المال الآخر نصابا). " وإن كانت الشركة المساهمة شركة تجارية محضة تشتري البضائع وتبيعها بدون إجراء عمليات تحويلية على هذه البضائع: كشركة بيع المصنوعات

стр. 13991

المصرية، وشركة التجارة الخارجية، وشركات الاستيراد. . أو كانت شركة صناعية تجارية، وهي الشركات التي تستخرج المواد الخام أو تشتريها، ثم تجري عليها عمليات تحويلية، ثم تتجر فيها، مثل: شركات البترول وشركات الغزل والنسيج للقطن أو الحرير، وشركة الحديد والصلب، والشركات الكيماوية. . فتجب الزكاة في أسهم هذه الشركات. . فمقدار وجوب الزكاة في أسهم الشركات: أن تكون الشركة تمارس عملا تجاريا، سواء معه صناعة أم لا. وتقدر الأسهم بقيمتها الحالية، مع خصم قيمة المباني والآلات والأدوات المملوكة لهذه الشركات، فقد تمثل هذه الآلات والمباني ربع رأس المال أو أكثر أو أقل، فيخصم من قيمة السهم ما يقابل ذلك - أي الربع أو أكثر أو أقل - وتجب الزكاة في الباقي. ويمكن معرفة صافي قيمة المباني والآلات والأدوات بالرجوع إلى ميزانية الشركة وهي تنشر كل عام في الصحف ". هذا ما ذكره الشيخ عن زكاة الأسهم وهو مبني على الرأي المشهور: أن المصانع والعمائر الاستغلالية ورءوس الأموال المغلة - غير التجارية - على وجه العموم كالفنادق والسيارات والترامات والطائرات ونحوها، ليس فيها كلها زكاة، لا في رأس المال والربح معا كمال التجارة، ولا في الغلة والإيراد، كالخارج من الأرض الزراعية (إلا إذا بقي منها شيء وحال عليه الحول) وعلى هذا الأساس فرق بين الشركات الصناعية (ويعني بها التي لا تمارس عملا تجاريا) وبين غيرها من الشركات، فأعفى أسهم الأولى من الزكاة وأوجب في الأخرى. فإذا كان هناك شخصان يملك كل منهما ألف دينار، اشترى أحدهما بألفه مائتي سهم من شركة للاستيراد والتصدير مثلا، واشترى الثاني بمبلغه مائتي سهم في شركة لطباعة الكتب أو الصحف، فإن على الأول أن يخرج الزكاة عن أسهمه المائتين، وما جلبت إليه من ربح أيضا في رأس كل حول، مطروحا من ذلك قيمة الأثاث ونحوه كما هو الشأن في مال التجارة، وأما الثاني فليس عليه زكاة عن أسهمه المائتين، لأنها موضوعة في أجهزة وآلات ومبان ونحوها.

стр. 13992

ولا زكاة فيما يأتي من ربح، إلا إذا بقي إلى رأس الحول وبلغ نصابا بنفسه أو بغيره، فإذا أنفقه قبل الحول فلا شيء عليه. وبهذا يمكن أن تمضي أعوام على مثل هذا الشخص دون أن تجب عليه زكاة، لا في أسهمه ولا في أرباحها. بخلاف الشخص الأول، فالزكاة واجبة عليه لزوما في كل عام، عن أسهمه وعن أرباحها معا. وهي نتيجة يأباها عدل الشريعة التي لا تفرق بين متماثلين. وقد بينا في الفصل الثامن في حديثنا عن زكاة " المستغلات " من العمارات والمصانع ونحوها: أن فيها - خلاف الرأي التقليدي المشهور - آراء ثلاثة: ١ - الرأي الذي يعتبرها مالا كمال التجارة ويقول بتقويمها كل حول وإخراج ربع عشرها. ٢ - الرأي الذي يقول بأخذ الزكاة من غلتها وربحها، باعتبارها مالا مستفادا، فيزكي زكاة النقود. ٣ - الرأي الذي يقيسها على الأرض الزراعية، ويوجب فيها العشر أو نصفه من صافي الغلة والأرباح. وقد رجحنا هناك هذا الرأي الأخير. فالذي أراه هنا: أن التفرقة بين الشركات الصناعية أو شبه الصناعية، وبين الشركات التجارية أو شبه التجارية - بحيث تعفى الأولى من الزكاة، وتجب في الأخرى - تفرقة ليس لها أساس ثابت من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح. ولا وجه لأخذ الزكاة عن الأسهم إذا كانت في شركة تجارية، وإسقاطها عنها إذا كانت في شركة صناعية، والأسهم هنا وهناك رأس مال نام يدر ربحا سنويا متجددا، وقد يكون ربح الثانية أعظم وأوفر من الأولى. فإذا أردنا أن نأخذ بهذا الاتجاه وهو النظر إلى الأسهم تبعا لنوع الشركة

стр. 13993

التجارية التي يكون جزءا من رأس مالها، فإني أختار هنا أن تعامل الشركات - أيا كان نوعها - معاملة الأفراد، إذا ملكوا ما تملكه الشركات من مصانع أو متاجر. فالشركات الصناعية أو شبه الصناعية، وأعني بها تلك التي تضع رأس مالها أو جله في أجهزة وآلات ومبان وأدوات، كالمطابع والمصانع، والفنادق، وسيارات النقل والأجرة ونحوها، هذه الشركات لا تؤخذ الزكاة من أسهمها، بل من إيرادها وربحها الصافي بمقدار العشر، كما رجحناه في زكاة المستغلات، وكما نعامل المصانع والفنادق ونحوها لو كانت ملكا للأفراد على ما اخترناه من قبل. أما الشركات التجارية وهي التي جل رأس مالها في منقولات تتاجر فيها ولا تبقى عينها، فهذه تؤخذ الزكاة من أسهمها حسب قيمتها في السوق. مضافا إليها الربح، وتكون الزكاة بمقدار ربع العشر ٢. ٥ في المائة بعد طرح قيمة الأثاث الثابت من الأسهم، كما ذكرنا في عروض التجارة: أن الزكاة في رأس المال المتداول المتحرك. وهذه المعاملة للشركات التجارية هي نفس المعاملة التي تعامل بها المحلات التجارية إذا كانت ملكا للأفراد ولا فرق. اهـ (١). وتعليقي على هذا الاتجاه الأول يتلخص فيما يلي: أولا: إن الاتجاه الذي أخذ به فضيلة الشيخ عبد الرحمن عيسى ﵀ من أن الزكاة واجبة في صافي ربح الشركة الصناعية إذا حال عليه الحول، أو حال على بعضه وفي القيمة الحقيقية للشركات التجارية بما في ذلك رأس مالها وأرباحها واحتياطياتها، مخصوما من ذلك الأصول الثابتة مما ليست محلا للتجارة، وإنما هي وسيلتها كمكاتب الشركة وتجهيزاتها. هذا الاتجاه وهذا القول هو قول جمهور أهل العلم من جميع المذاهب الإسلامية، وهو قول يعتمد على النقل والعقل. أما العقل فإن الزكاة واجبة في كل ما هو نام بالفعل، أو بالقوة، ولاشك أن شركة المساهمة التجارية تجمع

стр. 13994

بين الأموال النامية بالفعل، وهي المتمثلة فيما لديها من سلع وبضائع معدة للبيع وشراء بدلها، وبين الأموال النامية بالقوة والمتمثلة فيما لديها من سيولة نقدية. وأما النقل ففي مسند أبي داود بإسناده إلى سمرة بن جندب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع. وأما شركة المساهمة الصناعية فهي شبيهة بالعقار المعد للكراء من حيث حبس الأصل في الجميع عن أن تتداوله الأيدي على سبيل البيع والشراء وطلب الاستغلال، إما على سبيل الكراء أو على سبيل التصنيع وأخذ الكسب من ذلك. وقد أجمع الفقهاء ﵏ إلا من شذ - على أن العقار المعد للكراء تجب الزكاة في غلته، والخلاف بينهم هل تجب بمجرد قبض الأجرة، أو حتى يحول الحول عليها، أو على بعضها. أما عين العقار فلا تجب فيه الزكاة لكونه ليس ناميا بفعل ولا بقوة، إلا أن يكون لمالك هذا العقار قصد في تملكه للفرار من الزكاة، فيعامل بنقيض قصده، بل إن العقار المعد للكراء عرضة للنقص والخلل بحكم استعماله فيما أجر لأجله. ثانيا: لم يتعرض فضيلة الشيخ عبد الرحمن عيسى فيما نقله عن فضيلة الدكتور يوسف إلى الشركات الزراعية، كما أنه لم يتعرض ﵀ إلى طريق إخراج المساهم زكاته عما يملكه من أسهم في شركة تجارية للسهم فيها قيمتان قيمة حقيقية وقيمة سوقية تجمع بين القيمة الحقيقية والقيمة الاعتبارية، وعليه فالمساهم بتملكه أسهما في شركة تجارية بين قصدين: أحدهما أن يقصد بتملكه الاستمرار في التملك والاكتفاء من ذلك بالعائد الدوري، الثاني أن يقصد بتملكه المتاجرة فيما يملكه من أسهم على سبيل المتاجرة في عروض التجارة. أرى أن بحثي هذه المسألة وما فيه من التفصيل المتقدم ذكره يعتبر إكمالا لرأي فضيلة الشيخ عبد الرحمن ﵀. ثالثا: لم تظهر لي وجاهة الاعتراض من محبنا وزميلنا الدكتور يوسف على

стр. 13995

ما اتجه إليه الشيخ عبد الرحمن عيسى وأخذ به في تفريقه بين الشركة التجارية والشركة الصناعية. فإن التفريق بين الشركات وبناء الحكم على ذلك في وجوب الزكاة، ومقدارها أمر يمليه ويبرره القصد في التملك، فبإجماع المسلمين أن من ملك عينا لاتخاذها عرضا من عروض التجارة - سواء أكانت ثابتة أو منقولة - فزكاتها ليست كزكاة من ملك مثلها على سبيل حبس أصلها واستغلاله على سبيل الكراء، فتجب الزكاة في قيمة الأولى ولا تجب في الثانية، وإنما تجب الزكاة في غلتها على خلاف بين أهل العلم في اشتراط تمام الحول على الغلة، كما أن من ملك مثل هذه العين على سبيل القنية ولم يرد بها تجارة ولا استغلالا فلا زكاة فيها مطلقا. وبهذا يتضح التفريق بين الأموال الواجبة فيها الزكاة ومقدار ذلك، والأموال التي لا زكاة فيها، وأصل التفريق في ذلك النية في التملك والتصرف فيه وفق هذه النية. وأذكر في ذلك مجموعة فتاوى لشيخنا الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ من مجموع رسائله وفتاواه - مطبوع. قال ﵀: الأرض المشتراة المعدة للتجارة، هذه عروض تجارة فيها الزكاة في قيمتها إذا حال عليها الحول وبلغت نصابا. اهـ. الفتوى رقم ١٠٣٤ جـ ٤ ص ١٠١. وقال ﵀ إجابة عن سؤال رجل عنده سيارة يترزق عليها، هل تجب فيها الزكاة أو في دخلها؟ قال: لا زكاة فيها إذا لم ينوها من عروض تجارة، وإنما الزكاة فيما يتحصل من ريعها إذا بلغ نصابا وحال عليه الحول. اهـ. الفتوى رقم ١٠٤١ جـ ٤ ص ١٠٥. وقال ﵀ عن الدور التي تبنى بمبلغ ضخم، هل عليها زكاة أو الزكاة

стр. 13996

تكون من ريعها؟ قال: لا زكاة عليها، وإنما الزكاة في ريعها إذا بلغ نصابا وحال عليه الحول. الفتوى رقم ١٠٤٠ جـ ٤ ص ١٠٥. وقال في الفتوى رقم ١٠٤٢ لا زكاة في سيارات النقل، وقال في الفتوى رقم ١٠٤٣ لا زكاة في عين البواخر والفنادق والمكائن والآلات والورش والمراكب. ونصه: إن جميع ما ذكر لا زكاة فيه سواء أريد للإجارة والكراء أو للاستغلال والقنية. وقال في الفتوى رقم ١٠٤٤ لا زكاة في ورشة النجارة، وإنما الزكاة في غلتها إذا بلغت نصابا وحال عليها الحول. وقول فضيلة الدكتور يوسف - حفظه الله ومتعنا بعلمه - بعد ذكره مثالا لرجلين أحدهما يملك أسهما في شركة تجارية، والآخر يملك أسهما في شركة صناعية: فإن على الأول أن يخرج الزكاة عن أسهمه المائتين وما جلبت إليه من ربح أيضا في رأس كل حول. . - إلى قوله -: وهي نتيجة يأباها عدل الشريعة التي لا تفرق بين متماثلين. اهـ. قول فضيلته. هذا فيه نظر. فلا شك أن الشريعة لا تفرق في الحكم بين متماثلين ولكننا نؤكد لفضيلة الدكتور يوسف بأن المالكين في الشركتين ليسا متماثلين، فأحدهما ملك أسهمه في شركة تجارية وبنية التجارة، والتجارة حركة مبنية على المخاطرة في التصرف فقد يخسر التاجر وهو يأمل أن يربح، وقد يربح كثيرا وهو يخشى الخسارة، أو لا يؤمل الربح كثيرا، فهو في تصرفه بين الخوف والرجاء. والشارع لا يوجب عليه زكاة إلا فيما تحت يده إذا حال عليه الحول. أما الثاني فهو يملك في شركة أصولها ثابتة مرصودة للاستغلال من أعيانها

стр. 13997

مع بقائها وطلب غلتها، فالفرق بين المالين واضح، وبين القصدين في التملك لا يخفى، وبين الآثار المترتبة على قصد التملك جلي. وبهذا ينتفي القول بالتماثل في الشركتين، شركة المساهمة التجارية، وشركة المساهمة الصناعية. رابعا: ذكر فضيلة الدكتور يوسف - حفظه الله - أنه في حال الأخذ بما أخذ به الشيخ عبد الرحمن عيسى فهو يختار أن تعامل الشركات أيا كان نوعها معاملة الأفراد، فإن كانت تجارية فتعامل كالفرد التاجر، وإن كانت صناعية فتعامل معاملة من يملك مصنعا أو مطبعة أو فندقا ونحو ذلك. وهذا القول الذي يختاره فضيلة الدكتور يوسف في حال أخذه بهذا القول اختيار صحيح يتفق مع ما اتجه إليه عامة أهل العلم في جميع المذاهب الإسلامية، وأرجو أن يتمسك فضيلته بهذا الرأي، فهو قول يمليه العقل والنقل ويتفق مع الحكم والمقاصد الشرعية للزكاة، سواء ما يتعلق بمصلحة دافعها أو مصلحة آخذها. ويبقى معنا التحفظ على ما أخذ به فضيلة الدكتور يوسف من قياس غلال الأعيان المعدة للاستغلال من ثابت أو منقول على الخارج من الأرض، إذ لا وجه لهذا القياس، فالخارج من الأرض إنتاج زراعي تجب الزكاة في عينه بشروطه، أما الغلة من الأعيان المعدة للاستغلال فهي أثمان من ذهب أو فضة أو أوراق نقدية تجب فيها الزكاة وجوب الزكاة في الأثمان بشروطه. وهذا ما اتجه إليه عامة أهل العلم، ولعل فضيلة شيخنا الدكتور يوسف - حفظه الله - يعيد النظر في هذا، فالحق أحق أن يتبع. وقال فضيلة الدكتور ما نصه: الاتجاه الثاني: اعتبار الأسهم عروض تجارة وإلى جانب الاتجاه الذي ذكرناه نجد اتجاها آخر يخالف الاتجاه الأول، إنه

стр. 13998

لا ينظر إلى الأسهم تبعا لنوع شركاتها فنفرق بين أسهم في شركة وأسهم في شركة أخرى بل ينظر إليها نظرة واحدة ويعطيها حكما واحدا، بغض النظر عن الشركة التي أصدرتها، فيرى الأساتذة أبو زهرة وعبد الرحمن حسن وخلاف، أن الأسهم أموال قد اتخذت للاتجار فإن صاحبها يتجر فيها بالبيع والشراء ويكسب فيها كما يكسب كل تاجر من سلعته، وقيمتها الحقيقية التي تقدر في الأسواق تختلف في البيع والشراء عن قيمتها الاسمية، فهي بهذا الاعتبار من عروض التجارة، فكان من الحق أن تكون وعاء للزكاة لكل أموال التجارة، ويلاحظ فيها ما يلاحظ من عروض التجارة. ومعنى هذا أن يؤخذ منها آخر كل حول ٢. ٥ % من قيمة الأسهم حسب تقديرها في الأسواق مضافا إليها الربح، بشرط أن يبلغ الأصل والربح نصابا أو مكملا مع مال عنده نصابا. اهـ. وتعليقي على هذا الاتجاه الثاني يتلخص فيما يلي: إن أصحاب هذا الاتجاه لم يفرقوا بين شركات صناعية الغرض منها حبس أصولها وطلب غلتها وبين شركات تجارية، اختصاصها في تقليب أموالها بيعا وشراء على سبيل الإدارة التجارية، بل عاملوا كل الشركات بمختلف اختصاصاتها ونوع نشاطها، كما تعامل عروض التجارة من حيث وجوب الزكاة في كاملها بعد حسم أصولها الثابتة، مما لا يعتبر محلا للتجارة. وهذا الاتجاه مخالف ما عليه عامة أهل العلم من التفريق بين ما أعد للاستغلال على سبيل الكراء، وما أعد للتجارة على اعتباره عروض تجارة، وفضلا عن المخالفة لما عليه أهل العلم فإن في ذلك بعدا عن العدل والإنصاف مع من يملك أسهما في شركة صناعية لا يتصور له نماء في أسهمه على سبيل الإدارة التجارية، كما يتصور ذلك ويترقبه من يملك عينا يرصدها للتجارة، ومن ذلك الشركات التجارية.

стр. 13999

فكما أن الشريعة الإسلامية لا تفرق بين متماثلين كذلك لا تجمع بين مختلفين، وعليه فإن هذا الاتجاه الثاني صحيح في نظري فيما يتعلق بالشركات التجارية، وغير صحيح فيما يتعلق بالشركات الصناعية للفرق بين الشركات بحكم اختصاصها وما انحصر نشاطها فيه. وأخيرا فلا يسعني وأنا ألاحظ على جزئية مما ورد ذكرها في كتاب فضيلة الدكتور يوسف - فقه الزكاة - إلا أن أعبر عن تقديري وإعجابي بهذا الكتاب القيم، الذي سد بحق ثغرة عظيمة في مسائل الزكاة ومشاكلها. فجزى الله شيخنا خيرا، وجعل هذا الكتاب وغيره من كتبه القيمة عملا صالحا ينفعه في الحياة الدنيا وفي الآخرة؛ لانتفاع إخوانه المسلمين بها، وجعل العمل للجميع خالصا لوجهه الكريم. والله المستعان، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 14000

مفهوم الجهاد في الإسلام بقلم د. محمد بن سعد الشويعر (١). الحمد لله الذي أعلى مكانة الجهاد، وأعظم أجر المجاهدين، حتى لا يزهد في هذا العمل من يريد الخير من البشر، والحمد لله الذي جعل المجاهد بأفضل المنازل، وأعلى الدرجات: إما الظفر والعز في الدنيا، وإعلاء كلمة الله، وإما الفوز بالشهادة والنعيم المقيم، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٢) ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣) والصلاة والسلام على من كانت حياته جهادا في سبيل الله لنشر الدعوة التي أمر بتبليغها، فكان مجاهدا بلسانه، وكان مجاهدا بجنانه ومشاعره، وكان شجاعا بسيفه وسنانه، في مجاهدة الكفار ليأطرهم على الحق أطرا، حتى أبقى أمته على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، وترك فيهم أمرين يرغبانهم في الجهاد، ويوضحان للناس ما خفي عليهم من أموره وأهدافه، ويزيلان ما يثار من شبه تطرأ مع نقص الفقه بأمور الجهاد، ومنازل المجاهدين، لن تضل الأمة ما دامت متمسكة بهما: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وعلى آله وصحابته الأخيار الذين استنوا بسنته، واقتفوا أثره، فرفعوا راية الجهاد بعدما رفعت روحه الطاهرة إلى بارئها، فكان في صلابة الخليفة الراشد الأول أبي بكر الصديق ﵁ قمعا لبذور الفتنة عندما جهز

стр. 14001

الجيوش متشجعا في قوله المشهور: " والله لو منعوني عقالا - وفي رواية عناقا - كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لجاهدتهم عليه " (١). فنشر الله راية الإسلام في الآفاق، وطهر الله قلوبا من النفاق، بسيف الجهاد الذي أشهر، وعزيمة المجاهدين المحتسبين، وتوفيق الله وإعانته، حيث حمت نفوس الرعيل الأول عن مطامع الدنيا، واستجابوا لله ولرسوله، لأنه نداء الحق، وأرخصوا أرواحهم من أجل دينهم، وبذلوا مهجهم وأموالهم، حتى تنتشر عقيدة الوحدانية لله، ويتغلب أمره سبحانه على طغيان الهوى، ونداء الشيطان. أما بعد: فمثلما أن كثيرا من الألفاظ العربية قد جد فيها مع نور الإسلام مفاهيم اقترنت به، حيث أخذ بعضها معنيين: دلالة لغوية، ودلالة شرعية. . فكذلك كلمة الجهاد، قد اشتركت مع القتال في الدلالة اللغوية، حسب معناها في لغة العرب، وفي الجهود الظاهرة من حيث العدة والسلاح، والتهيؤ والحماسة، لكنهما تختلفان في المفهوم العميق، والمقاصد التي قام الجهاد من أجلها، كما يتباينان في الهدف ونوعية الدلالة المرتبطة بالنية والإخلاص. كما يبرز دور الجهاد الذي اقترن بعقيدة الإسلام، من حيث المؤثرات والأسباب والمسببات، والمفهوم القتالي حسبما هو سائد في العرف العربي: يعني الشجاعة والصلابة، وطلب الشهرة، وحب التسلط، لكي يتحصل المقاتل على ذكر حسن ومحمدة في قومه. وقد يدفعه اعتداده بقوته إلى فرض ما يريد بالقوة مهما كانت النتائج، وبأي مظهر من مظاهر الحياة التي يمقتها الإسلام لمنافاة ذلك لعدالته، ولمكانته السامية المفهومة من مشروعيته، لأي عبادة من العبادات فيه، حيث يفهم منها معنى اجتماعيا رفيعا بعد الأساس، وهو الطاعة لله ولرسوله. أما الجهاد الذي أصبح مسماه ودلالته، من العبارات الجديدة في قاموس المصطلح الشرعي، حسبما جاء في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ

стр. 14002

كغيره من المعاني التي ارتسمت في مخيلة المسلمين، بما تعنيه من مفاهيم جديدة جاءت مع شريعة الإسلام: كالصلاة والصيام والحج والزكاة وغيرها، مما تدل عليه من أوامر ونواه وعبادات، فإن هذا الجهاد يعني عبادة بدنية مخصوصة لها وضعها الخاص، وجزاؤها الوفير، الذي أبانه منبع التشريع في الإسلام: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وما ذلك إلا أن مكانة الجهاد في شريعة الإسلام عالية المنزلة، رفيعة الدرجة عند الله، إذ بالجهاد تقوى النفوس، وتشتد العزائم، وبنتيجة الجهاد ترسخ مكانة الأمة الإسلامية، وتقوى ركائز الإيمان، وينتشر دين الله في الملأ. والجهاد وسيلة لإخافة الأعداء، وتقوية الجانب الإسلامي، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ ، ضمن الأمور الخمسة التي أعطي إياها، ولم تكن لأحد من الأنبياء قبله، فقال: «نصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي (١)» فقد خافت الروم في الشام وفارس في أرض السواد، والأحباش في اليمن، وكل منها يبعد شهرا في المسير عن المدينة، من زحف جيوش الإسلام إليهم. ومن هذه المكانة عده بعض الفقهاء ركنا سادسا من أركان الإسلام، الذي لا يقوم الدين إلا عليها، كالعمد التي يرتكز عليها البيت، معللين ذلك بأن الجهاد يأتي بعد الأركان الخمسة في الترتيب، وأهمية الحث والترغيب. فقد روى مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من النفاق (٢)». وكثير من شراح هذا الحديث، يرون أن ترك الجهاد أحد شعب النفاق.

стр. 14003

وإدراك منزلة الجهاد تبرز من الحث عليه، والترغيب فيه، والطواعية في التنفيذ والعمل، سواء في كتاب الله بالدعوة للقتال والحماسة في ذلك، أو في سنة رسول الله ﷺ ، بالاستجابة للنفير، وعدم التولي عند الزحف، والثبات في المعركة مهما تكاثر الأعداء. والإدراك العميق للدلالة الشرعية للجهاد، مما يجعل القلوب تتعلق به، والنفوس والأموال ترتبط به، والمشورة تبذل رخيصة في ساحاته. ولذا عده الفقهاء ﵏ أفضل العبادات البدنية. قال الإمام أحمد: " لا أعلم شيئا بعد الفرائض أفضل من الجهاد ". وقال غيره: " اتفق العلماء، فيما نعلم، على أنه ليس في التطوعات أفضل من الجهاد " (١). ويعضد هذا القول ما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها (٢)». والإسلام لم تبرز مهابته ولم يخافه أعداؤه ولم يكن للمسلمين شوكة إلا بعدما فرض الله الجهاد على أبنائه؛ ليقسروا العرب عليه أولا بآية مدنية من سورة البقرة، حيث أمر رسول الله ﷺ أصحابه بالجهاد بعدما نزلت هذه الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٣) فكانت كراهية الموت في القتال مرتبطة بالمكاره التي حفت بها الجنة. قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإسلام، وقال

стр. 14004

الزهري: الجهاد واجب على كل أحد غزا، أو قعد. . فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين، وإذا استغيث أن يغيث، وإذا استنفر أن ينفر، وإن لم يحتج إليه قعد، قلت: - والكلام لابن كثير - ولهذا ثبت في الصحيح: «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية (١)» وقال ﵇ يوم الفتح: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا (٢)» (٣). ومن دلالة النصوص رأى الفقهاء ﵏: أن الجهاد فرض كفاية، وفرض الكفاية: هو الذي إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وإن تركوه جميعا أثموا، ما لم يحضر العدو، ويستنفرهم الإمام فإنه يتعين حينئذ على القادرين جميعا، ليكون في حقهم فرض عين (٤). وفرض العين هو المتعين على كل واحد الاستجابة والامتثال بعينه ما دام قادرا. ولشدة المشركين على الدعوة، وأذاهم لكل من دخل في دين الله في أول ظهور الإسلام، ولم يسلم من كيدهم رسول الله ﷺ ، كما بان في سيرته العطرة طوال فترة مكثه في مكة، وهي ثلاثة عشر عاما قبل أن يهاجر، فقد كان الجهاد في هذه الفترة ينصب على مجاهدة النفس، وحثها على الصبر في الأذى، والتحمل في سبيل المعتقد، حتى لا تقبل الدنية في دين الله، ولا تتزحزح عن معتقد رضيت به، وذاقت حلاوته الباطنية: وجدانيا في القلب، وإحساسا بالأثر.

стр. 14005

مكانة الصبر: ولذا يجد المتابع للآيات المكية تكرارا للصبر وتوضيحا لمكانة الصابرين، وتسلية للنفس بقصص الأمم السابقة مع أنبيائهم، مع إبراز جزاء الصابرين المحتسبين مربوطا بعقاب المنحرفين الصادين عن شرع الله، المؤذين لعباده
следующие страницы →