← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 14001–14040 · переход к 14006.

стр. 14001

الجيوش متشجعا في قوله المشهور: " والله لو منعوني عقالا - وفي رواية عناقا - كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لجاهدتهم عليه " (١). فنشر الله راية الإسلام في الآفاق، وطهر الله قلوبا من النفاق، بسيف الجهاد الذي أشهر، وعزيمة المجاهدين المحتسبين، وتوفيق الله وإعانته، حيث حمت نفوس الرعيل الأول عن مطامع الدنيا، واستجابوا لله ولرسوله، لأنه نداء الحق، وأرخصوا أرواحهم من أجل دينهم، وبذلوا مهجهم وأموالهم، حتى تنتشر عقيدة الوحدانية لله، ويتغلب أمره سبحانه على طغيان الهوى، ونداء الشيطان. أما بعد: فمثلما أن كثيرا من الألفاظ العربية قد جد فيها مع نور الإسلام مفاهيم اقترنت به، حيث أخذ بعضها معنيين: دلالة لغوية، ودلالة شرعية. . فكذلك كلمة الجهاد، قد اشتركت مع القتال في الدلالة اللغوية، حسب معناها في لغة العرب، وفي الجهود الظاهرة من حيث العدة والسلاح، والتهيؤ والحماسة، لكنهما تختلفان في المفهوم العميق، والمقاصد التي قام الجهاد من أجلها، كما يتباينان في الهدف ونوعية الدلالة المرتبطة بالنية والإخلاص. كما يبرز دور الجهاد الذي اقترن بعقيدة الإسلام، من حيث المؤثرات والأسباب والمسببات، والمفهوم القتالي حسبما هو سائد في العرف العربي: يعني الشجاعة والصلابة، وطلب الشهرة، وحب التسلط، لكي يتحصل المقاتل على ذكر حسن ومحمدة في قومه. وقد يدفعه اعتداده بقوته إلى فرض ما يريد بالقوة مهما كانت النتائج، وبأي مظهر من مظاهر الحياة التي يمقتها الإسلام لمنافاة ذلك لعدالته، ولمكانته السامية المفهومة من مشروعيته، لأي عبادة من العبادات فيه، حيث يفهم منها معنى اجتماعيا رفيعا بعد الأساس، وهو الطاعة لله ولرسوله. أما الجهاد الذي أصبح مسماه ودلالته، من العبارات الجديدة في قاموس المصطلح الشرعي، حسبما جاء في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ

стр. 14002

كغيره من المعاني التي ارتسمت في مخيلة المسلمين، بما تعنيه من مفاهيم جديدة جاءت مع شريعة الإسلام: كالصلاة والصيام والحج والزكاة وغيرها، مما تدل عليه من أوامر ونواه وعبادات، فإن هذا الجهاد يعني عبادة بدنية مخصوصة لها وضعها الخاص، وجزاؤها الوفير، الذي أبانه منبع التشريع في الإسلام: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وما ذلك إلا أن مكانة الجهاد في شريعة الإسلام عالية المنزلة، رفيعة الدرجة عند الله، إذ بالجهاد تقوى النفوس، وتشتد العزائم، وبنتيجة الجهاد ترسخ مكانة الأمة الإسلامية، وتقوى ركائز الإيمان، وينتشر دين الله في الملأ. والجهاد وسيلة لإخافة الأعداء، وتقوية الجانب الإسلامي، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ ، ضمن الأمور الخمسة التي أعطي إياها، ولم تكن لأحد من الأنبياء قبله، فقال: «نصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي (١)» فقد خافت الروم في الشام وفارس في أرض السواد، والأحباش في اليمن، وكل منها يبعد شهرا في المسير عن المدينة، من زحف جيوش الإسلام إليهم. ومن هذه المكانة عده بعض الفقهاء ركنا سادسا من أركان الإسلام، الذي لا يقوم الدين إلا عليها، كالعمد التي يرتكز عليها البيت، معللين ذلك بأن الجهاد يأتي بعد الأركان الخمسة في الترتيب، وأهمية الحث والترغيب. فقد روى مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من النفاق (٢)». وكثير من شراح هذا الحديث، يرون أن ترك الجهاد أحد شعب النفاق.

стр. 14003

وإدراك منزلة الجهاد تبرز من الحث عليه، والترغيب فيه، والطواعية في التنفيذ والعمل، سواء في كتاب الله بالدعوة للقتال والحماسة في ذلك، أو في سنة رسول الله ﷺ ، بالاستجابة للنفير، وعدم التولي عند الزحف، والثبات في المعركة مهما تكاثر الأعداء. والإدراك العميق للدلالة الشرعية للجهاد، مما يجعل القلوب تتعلق به، والنفوس والأموال ترتبط به، والمشورة تبذل رخيصة في ساحاته. ولذا عده الفقهاء ﵏ أفضل العبادات البدنية. قال الإمام أحمد: " لا أعلم شيئا بعد الفرائض أفضل من الجهاد ". وقال غيره: " اتفق العلماء، فيما نعلم، على أنه ليس في التطوعات أفضل من الجهاد " (١). ويعضد هذا القول ما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها (٢)». والإسلام لم تبرز مهابته ولم يخافه أعداؤه ولم يكن للمسلمين شوكة إلا بعدما فرض الله الجهاد على أبنائه؛ ليقسروا العرب عليه أولا بآية مدنية من سورة البقرة، حيث أمر رسول الله ﷺ أصحابه بالجهاد بعدما نزلت هذه الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٣) فكانت كراهية الموت في القتال مرتبطة بالمكاره التي حفت بها الجنة. قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإسلام، وقال

стр. 14004

الزهري: الجهاد واجب على كل أحد غزا، أو قعد. . فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين، وإذا استغيث أن يغيث، وإذا استنفر أن ينفر، وإن لم يحتج إليه قعد، قلت: - والكلام لابن كثير - ولهذا ثبت في الصحيح: «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية (١)» وقال ﵇ يوم الفتح: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا (٢)» (٣). ومن دلالة النصوص رأى الفقهاء ﵏: أن الجهاد فرض كفاية، وفرض الكفاية: هو الذي إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وإن تركوه جميعا أثموا، ما لم يحضر العدو، ويستنفرهم الإمام فإنه يتعين حينئذ على القادرين جميعا، ليكون في حقهم فرض عين (٤). وفرض العين هو المتعين على كل واحد الاستجابة والامتثال بعينه ما دام قادرا. ولشدة المشركين على الدعوة، وأذاهم لكل من دخل في دين الله في أول ظهور الإسلام، ولم يسلم من كيدهم رسول الله ﷺ ، كما بان في سيرته العطرة طوال فترة مكثه في مكة، وهي ثلاثة عشر عاما قبل أن يهاجر، فقد كان الجهاد في هذه الفترة ينصب على مجاهدة النفس، وحثها على الصبر في الأذى، والتحمل في سبيل المعتقد، حتى لا تقبل الدنية في دين الله، ولا تتزحزح عن معتقد رضيت به، وذاقت حلاوته الباطنية: وجدانيا في القلب، وإحساسا بالأثر.

стр. 14005

مكانة الصبر: ولذا يجد المتابع للآيات المكية تكرارا للصبر وتوضيحا لمكانة الصابرين، وتسلية للنفس بقصص الأمم السابقة مع أنبيائهم، مع إبراز جزاء الصابرين المحتسبين مربوطا بعقاب المنحرفين الصادين عن شرع الله، المؤذين لعباده

стр. 14006

المؤمنين، الرافضين للدعوة الإسلامية. وقد ورد الصبر في كتاب الله أكثر من مائة مرة، والمتابع لكل آية يلاحظ أن معظمهن مكية النزول، وهذا فيه دلالة على مكانة الصبر، وأثره في تهذيب النفوس وترويضها على التحمل، كما قرن الصبر في الآيات المدنية بآيات الجهاد لارتباطه به في تبيان العلاج النفسي، حيث لم تستطع المؤثرات الحديثة أن ترقى إلى مستوى العلاج الإسلامي عند الملمات، وخاصة في الجهاد الذي يعاين فيه المرء الموت ماثلا، فيهون الأمر على المسلم لتقوى معنويته، ويشتد في طلب عدوه برباطة جأش وثبات وجدان. وهذا من أحد أسرار تغلب الجيوش الإسلامية مع قلة عددها، على أعدائهم الذين يفوقونهم عددا وعدة، يقول سبحانه: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١) وقد قال أحد قادة الرومان: إننا لن نتغلب على المسلمين؛ لأنهم يحبون الموت كما نحب الحياة. كما كان رسول الله ﷺ يضرب المثل لأصحابه بالتحمل، ويقوي النفوس بالثبات في المعارك القتالية وفي ميدان الدعوة إلى الله، وسلاح ذلك قوة القلوب في التعلق بالله، مع حسن التوكل عليه والاستعانة بالدعاء. وذكر الله في كل موقف، لأن بذكر الله تطمئن القلوب. وحتى يرسخ ما يعنيه الجهاد عند المسلم، وما يتركه من أثر، فإنه في حاجة إلى إدراك: أن الجهاد في سبيل الله وفق شريعة الإسلام، قد مر بمراحل كان لها أثر عميق في توطين النفوس عليه وتحريك الرغبة بالتهيؤ والترغيب إلى هذا العمل، لأن حسن الاستجابة لا تتم إلا بتمهيد إعلامي وتهيئة نفسية. وقد بدأ هذا في مكة لتسلية المسلمين الأوائل عندما جوبهت الدعوة المحمدية بصدود المشركين وعنجهيتهم نحو الإسلام ومن دخل فيه، فدعيت هذه الفئة

стр. 14007

المؤمنة إلى الصبر وجميل التحمل وإلى كظم الغيظ ومغالبة نوازع النفس. والمسلمون في مكة ذلك الوقت لم يكن لهم شوكة، ولا قوة على المجابهة والمواجهة، كما أن مكة لم تكن لهم بقاعدة ينطلقون منها، فكل واحد في هذا المجتمع الإسلامي الصغير في حاجة إلى من يحميه ويسند ظهره حتى أن بعضهم استجار ببعض مشركي مكة، لأنهم يخفون إسلامهم ويتوارون بعباداتهم خوفا من ملاحقة عتاة قريش، وإيذائهم، ولكل منهم قصة أو أكثر لأنهم فئة قليلة مستضعفة في مجتمع متعجرف متجبر. وقد نال جبابرة قريش، وعتاة المشركين من المسلمين الأوائل كثيرا: سبا باللسان، وتطاولا باليد، وتفننا بالإيذاء، وقد حفلت كتب التاريخ بصور عديدة من ذلك، كما حصل لبلال ﵁ (١)، ولعمار بن ياسر وأسرته ﵃، فكان رسول الله يمر بهم، وهم يعذبون ولا يتزحزحون عن دينهم، فيقول لهم مواسيا ومؤازرا: «صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة (٢)». وتعتبر والدته سمية ﵂ أول شهيدة في الإسلام، حيث طعنها أبو جهل - فرعون هذه الأمة - بحربة في موطن حساس من جسدها، وهي تعذب فأسلمت بعدها الروح إلى بارئها (٣). أما الدلالة اللغوية لمعنى الجهاد، فتعني المبالغة واستفراغ ما في الوسع وبذل الطاقة من قول أو فعل. والمراد بالنية إخلاص العمل لله تعالى. وقال الراغب (٤) في حقيقة الجهاد: استفراغ الوسع وبذل الجهد فيما لا يرتضي، وهو ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس. وتدخل الثلاثة في قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (٥).

стр. 14008

وهذه الدلالة اللغوية توطن العمل لغاية هي المفهوم الإسلامي للجهاد، الذي يعني التحمل احتسابا لما أعده الله من أجر للمجاهدين. ورغبة في تغلب الإسلام على الكفر إرضاء لله وامتثالا لأمره سبحانه، وأمر رسوله ﷺ ، وذلك بالطاعة القولية والعملية حتى يكون الدين كله لله. يقول سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (٢).

стр. 14009

حماسة المسلمين: والمسلمون لمحبتهم لدينهم ورغبتهم في الدفاع عنه، ولفرط ما يوقعه المشركون على المسلمين من أذى، فقد كبرت الحماسة في نفوسهم بعدما بدأ عددهم يتكاثر، فكانوا يتمنون أن يفرض عليهم أمر بالقتال، وكانت كثير من آي الذكر الحكيم في السور المكية، وبداية العهد المدني توطن النفوس، وتهيئها للاستجابة والتحمل، وترغبها في الجزاء الأخروي، وتحمسها لنشر دين الله في الأرض، وكل ذلك من أجل إدراك المفهوم البعيد نحو الجهاد والغاية التي شرع من أجلها، وهي إقامة شرع الله، وفتح القلوب له ترغيبا أو ترهيبا، فإذا قبلته وذاقت حلاوته فلن ترضى عنه بديلا. كما قال سبحان: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١) ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢). ففي مثل هذه الآيات منهج مرسوم لما يحققه الجهاد من دفاع عن الكرامة الإسلامية، ومحافظة على الشخصية المتميزة في التعامل، ليكون للمسلم قوة

стр. 14010

ومهابة، هي العزة التي يحرص عليها الإسلام نحو أبنائه في ظل خيمة الإسلام الوارفة وحمايته القوية: عقيدة وعملا، ومنهج سلوك وميدان تعامل. فالآيات التي تحث على الجهاد سواء في جهاد النفس أو في جهاد الهوى والشيطان، كلها تنبئ عن عمق ما يرنو إليه المجاهد، وما يحرص منهج التشريع في الإسلام على تحقيقه بقوة الجهاد، إذ كثير من الأمور لا تأتي بالمهادنة والملاينة، والتراخي في العرض، والليونة في الصد. فالنظرة البعيدة، والتهيئة الحاضرة، لا بد أن تستند على قاعدة أساسية لهذا المنطلق، وذلك ببيان حقيقة الدين وما يصبح عليه الذين آمنوا، والتمجيد لحالتهم الدنيوية بالتمكين، ولمعادهم الأخروي بالنعيم المقيم، ومقاربة ذلك تشويقا ببيان حقيقة الكفر، وما يئول إليه الذين كفروا من خسارة وخذلان في الدنيا، وعاقبة سيئة، وشقاوة أبدية في الدار الآخرة التي هي مصير أزلي لكل إنسان في هذه الدنيا. وفي هذه المعادلة المرتبطة بالجهاد، يتضح من النتائج الحتمية التي هي وعد من الله جل وعلا، ووعده سبحانه حق لا مراء فيه، بيان حكمة عمليات الجهاد القتالية والتشجيع عليه، بإكرام الله لمن استشهد أثناء القتال، وما أعد الله له سبحانه من مكانة رفيعة حتى لا يزهد فيه أحد، ولما يتركه من نتائج في رفع الظلم، واستقرار النفوس وأمن المجتمعات. أما من يخوض الحرب ولم يتحقق له فضل الاستشهاد، فإن الله يعده بالنصر على الأعداء، والعلو في الدنيا عندما ينتصر لدينه، ويتفانى في الذود عنه، ونفي الشبهات التي يسلطها أعداء الله، وأعداء دين الإسلام، وذلك بالحرص على إظهاره على الباطل، وتغليب سلطانه على غيره، وهذا مدخل من مداخل الدعوة لدين الله وترغيب الآخرين فيه تفقها وتعليما وتوضيحا وترغيبا، لأن مبدأ الجهاد: الدعوة إلى دين الله وإسماع الآخرين صوت هذا الدين، ومنهجه في مخاطبة النفوس ومعالجته لشئون الحياة، وإعطاء المهلة في ذلك لترعوي القلوب،

стр. 14011

وتناقش محاسن هذا الدين بالمقارنة مع أي مبدأ أو عقيدة، فإن لم يقبلوا الدخول في دين الإسلام بعد مهلة المراجعة، فإنهم يطالبون بدفع الجزية عن يد وهم صاغرون، أما مع عدم الاستجابة وبعد انتهاء فترة الخيار التي يجب على القائد المسلم تقديمها لمن يريد قتالهم، فإنه لا مناص من القتال، الذي يؤيد الله به الفئة المؤمنة، ويثبت به أقدام المجاهدين، بإهلاك الكافرين وإحباط أعمالهم. وهذا ما يتم في الدور العملي للجهاد.

стр. 14012

لا بد للجهاد من قاعدة: فعندما تكالبت قوى الشر، وازداد كيدها في محاولة للقضاء على النور الذي أضاءه الله برسالة محمد ﷺ ، تحرك الشر أكثر من ذي قبل، بعدما أذن الله لنبيه الكريم ﵊ بالهجرة إلى المدينة، فقد شعر أعداء دين الله بأن هذا المنتجع الجديد قد يفتح عليهم جبهة جديدة يكبر حجمها بتكاثر من يدخل في الإسلام ويتأصل كيانهم بتقاطر جمعهم من كل مكان، وذلك بعدما أصبح لهم قاعدة ينطلقون منها، وأنصارا يزداد عددهم ويسندون ظهر رسول الله ﷺ وأصحابه، مما جعل الخطر في نفوس المشركين يزداد والخوف يتضاعف، كما حصل بعد ذلك في كل زمان ومكان من تكالب قوى الشر على المسلمين. كلما شعروا بنقاط ضعف فيهم ووجود ثغرة ينفذون منها. ولذا خطط المشركون لاستئصال شأفة المسلمين والقضاء على الدعوة بالمكيدة لمحمد ﷺ ، في محاولة منهم لكي يطغى صوت الباطل على دعوة الحق ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١). فبدأ التحالف مع القبائل الأخرى، وسعوا إلى تمكين القوة المعنوية في حلفائهم بالوعود والترغيب، وهذه ظاهرة تبرز في كل عصر ومصر، كما هي

стр. 14013

لدى قوى الشر التي تريد التصدي للحق، ولا سبيل إلى علاجها - كما يبرز في مكائدها وتحالفها ضد الإسلام وأهله، مهما تسترت خلفه من أقنعة، أو سارت وراءه من غايات ومبادئ - إلا بنفس العلاج الجهادي الذي أنزله الله على رسوله ﷺ في هذا القول الكريم: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (١) ثم مدح الله هذه الفئة بصالح أعمالهم وجميل صفاتهم، وذلك بقوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٢). فكان هذا إيذانا للبدء بالقوة، ودخول طور جديد في حياة المسلمين وتهيئة نفوسهم لتقبل الجهاد، والثبات في ملاقاة أعداء الله: ردا للظلم، وانتصارا لشرع الله، واحتسابا لما وعدوا به في إحدى الحسنيين: إما الظفر على الأعداء أو الشهادة في سبيل الله. وفي كلا الحالين رفع للذلة عن المسلمين، وإعانة للمظلوم، وتقوية للأمة الإسلامية. قال أبو السعود في تفسيره، عندما مر بهذه الآية الكريمة: أي بسبب أنهم ظلموا وهم أصحاب رسول الله ﷺ ، ورضي الله عنهم، كان المشركون يؤذونهم، وكانوا يأتونه ﵊ بين مضروب ومشجوج ويتظلمون إليه، فيقول ﵊: «اصبروا فإني لم أومر بالقتال» حتى هاجروا فأنزلت هذه الآية، وهي أول آية نزلت في القتال، بعدما نهي عنه في نيف وسبعين آية، وقد وعدهم بالنصر وأكد ذلك بمؤكد، وأن المراد ليس تخليصهم من أيدي المشركين، بل تغليبهم وإظهارهم عليهم، والإخبار بقدرته على نصرتهم، وارد على سنن الكبرياء (٣). أما ابن كثير ﵀، فقد أورد قول مجاهد والضحاك وغيرهما من علماء السلف الذي جاء فيه: هذه أول آية نزلت في الجهاد، واستدل بعضهم بأن

стр. 14014

هذه السورة مدنية، ومن فطنة أبي بكر ﵁ أنه عرف بعدما نزلت هذه الآية، أنه سيكون قتال (١).

стр. 14015

جهاد اللسان: أما الجهاد باللسان، فقد طرق أربابه فيه دربا مؤثرا، ودخلوا بالشعر ميدانا من ميادين الذب عن الإسلام، والذود عن عرض رسول الله ﷺ ، وذلك منذ أن وطئت قدما رسول الله ﷺ المدينة مهاجره الجديد، فكان حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وغيرهم ممن فتح حربا كلامية في الرد على شعراء قريش وتصيد معايبهم وفضح أقوالهم. . وهذا المنهج هو ما يسمى في العصر الحاضر بالحرب الإعلامية التي لا يقل أثرها عن الحرب بقوة السلاح، فقد «قال قائل لعلي بن أبي طالب ﵁: اهج القوم الذين يهجوننا. فقال: إن أذن لي رسول الله ﷺ فعلت. فقال رسول الله ﷺ : إن عليا ليس عنده ما يراد من ذلك، تم قال: ما يمنع القوم الذين نصروا ﷺ بأسيافهم أن ينصروه بألسنتهم؟ فقال حسان: أنا لها وأخذ بطرف لسانه، وقال: والله ما يسرني به مقول بين بصرى وصنعاء، قال رسول الله ﷺ : كيف تهجوهم وأنا منهم؟ وكيف تهجو أبا سفيان وهو ابن عمي؟ فقال: يا رسول الله لأستلنك منهم، كما تسل الشعرة من العجين، فقال: ائت أبا بكر فإنه أعلم بأنساب القوم منك». وكان يدعو له الرسول الكريم بقوله: «إن الله يؤيد حسان ما نافح عن رسول الله ﷺ بروح القدس (١)». ولمكانة الشعر الذي اعتبره النقاد: صحيفة العرب المعبرة عن أحاسيسهم

стр. 14016

وما يجول بخواطرهم فإن له تأثيرا كثيرا في المنهج الجهادي، عندما يشارك في أي وقت، ودورا بارزا في ترسيخ مفهوم الجهاد من حيث التأثير في الخصوم، وإنقاص مكانتهم عند الآخرين، تعرية معايبهم، وفي الجانب الآخر: بتقوية نفوس الفئة المؤمنة، وتوضيح الحق الذي يدعون إليه، وبيان ما ينتج عن الثبات على المبدأ السليم، الذي هو من عند الله، من عواقب حميدة، تبرز آثارها بأقرب مقارنة بين حالة وحالة. كما نلمس اليوم الآثار الإعلامية في الحروب، وتسليط كل فريق ما يملك من قدرات وجهود على ما يريد من مطلب، وما يدعو إليه من هدف، لكن مع الفارق الكبير بين الحالين في المطالب الذاتية، والوسيلة المتخذة للهدف. فالشعر الجهادي يعتمد الحماسة وتبرير الموقف والصدق في القول وعدم البهتان للآخرين، كما رسم رسول الله ﷺ لحسان، والإعلام الحاضر يعتمد في الغالب على الكذب والتضليل، وتلبيس الحقائق، ولكي يكون الإعلام مقبولا ومؤثرا فإن الصدق لا بد أن يكون مطيته، لأن مبدأ الإسلام يمقت الكذب وينفر منه، ونلمس أيضا بروز مطالب الجهاد من مثل هذه الآية الكريمة التي توطن نفوس المجاهدين، وترسخ جزءا من المطلب الذي جاهدوا من أجله، لترتاح نفوسهم، فيقول سبحانه: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ (١). وما ذلك إلا أن للجهاد مفهوما عميقا، ومطلبا عاليا، وغاية يقصد إليها المجاهد، تختلف عن مفهوم المقاتل بلا هدف، أو لمطمع دنيوي، أو أثرة نفسية، حيث تبرز مكانة المجاهد في سبيل الله من صدقه وإخلاصه مع عزته في نفسه، واعتداده بالدين الذي أرخص وجاد بنفسه وماله من أجله، لأنه استجاب لما أمر به من الدعوة إليه من أن يهان والدفاع عن حرماته، عن أن تنتهك. وهذا المطلب يدعوه لأن يكون قويا في الحق، معتمدا على الله، فاهما لما

стр. 14017

يجب عليه حياله، صلبا فيما يدعو إليه، مدركا ما يدعوه إليه الدور الجهادي من مهمة نحو نفسه، ونحو غيره. فالمعاندون الذين وقفوا من الإسلام موقف التحدي لا يزيحهم من اعتراض الطريق ومحاولة إبعاد الناس عن الدين الحق، ولا يسكت أصواتهم المسلطة للصد عن شرع الله، إلا التصدي لهم بالقوة، التي أمر الله الأخذ بأسبابها، في قوله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (١). وهذه القوة تتبدى في شعب كثيرة: إذ هناك قوة السلاح وقوة الرجال، وقوة التصنيع وقوة التدريب، وقوة العدد المتطورة، وقوة الإعلام، وهناك قوة المال، وقوة الاقتصاد، وقوة التعليم، وأهمها قوة العقيدة وغيرها من القوى العديدة. فكل قوة متطورة في أي شأن من شئون الحياة، في كل زمان ومكان، تعتبر جهدا يجب الحرص عليه، والأخذ منه بما يناسب الحالة القتالية، لكي تكون الغلبة للمسلمين، وهذا مما يقوي المفهوم الجهادي للفرد وفي المجتمع، ومما يعين على مغالبة الأعداء عند مجاهدتهم، وليكون من ذلك وسيلة تذعنهم لمنهج القوة الإسلامية حتى يذلهم الله بالهزيمة، ثم القضاء عليهم، وتشتيت شملهم بقوة الإسلام المادية وقوة معنويات أبنائه عقديا.

стр. 14018

فضل الجهاد: فالجهاد فضله عظيم، ومكانته رفيعة، لأن حاصلة بذل أعز المحبوبات من المجاهد، وإدخال أعظم المشقات على النفس، ابتغاء مرضات الله، وتقربا إليه سبحانه، ونفع الجهاد لا يخص المجاهد نفسه، بل يعم المسلمين كلهم، وغيره من الأعمال لا تساويه في نفعه وخطره، ومن باب أولى ألا تساويه في فضله، أما الشهادة فيه فإنها تكفر الذنوب غير الدين «لقوله ﷺ للذي

стр. 14019

سأله: أيكفر الله عني خطاياي إن مت صابرا محتسبا في سبيل الله؟ قال: نعم. . إلا الدين (١)». ومن فحوى الآيات الكثيرة في كتاب الله الكريم التي تدعو للجهاد في سبيل الله، وتجسم أجر من قتل صابرا محتسبا، وترغب في هذا العمل الجليل بصدق نية وإخلاص عمل، ينكشف للمتابع الإصرار الخبيث على الشر، وعلى فتنة الناس عن دينهم، وهو الهدف الذي لا يتغير لأعداء الجماعة المسلمة. في كل أرض وفي كل جيل، لأن وجود الإسلام في الأرض هو بذاته غيظ ورعب لأعداء هذا الدين، ولأعداء الجماعة المسلمة في كل حين، فالإسلام بذاته يؤذيهم ويخيفهم ويغيظهم، فهو من المكانة والقوة، بحيث يخشاه كل مبطل، ويرهبه كل باغ، ويكرهه كل مفسد. فهو حرب بذاته وبما فيه من حق ومنهج قويم، ونظام سليم، فلا يطيقه البغاة المفسدون. ومن ثم يرصدون لأهله ليردوهم كفارا مهما استطاعوا وبأي صورة كفرية تعجبهم (٢) ولا يقف أمام ذلك الطغيان إلا سلاح الجهاد، وعزيمة المجاهدين المخلصين، حيث يتسلح المجاهد من ينبوع سنة رسول الله ﷺ القولية والعملية وإقراراته أسوة بما أدركه الرعيل الأول من هذه الأمة. فالفرد المسلم لا قوة له إلا بقوة دينه، ولا قوة للدين إلا بفرض سلطانه رغبة أو رهبة، يقول ﷺ : «ألا أدلكم على أحب عباد الله إلى الله، بعد النبيين والصديقين والشهداء، قال: عبد مؤمن معتقل رمحه على فرسه، يميل به النعاس يمينا وشمالا في سبيل الله، يستغفر الرحمن، ويلعن الشيطان. قال: وتفتح أبواب السماء فيقول الله لملائكته، انظروا إلى عبدي. قال: فيستغفرون له. ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣)» إلى آخر الآية رواه ابن أبي شيبة

стр. 14020

عن عطاء بن أبي رباح، عن واصل بن عطاء (١). والسنة النبوية، توجه النفس البشرية للمنهج السليم الذي يجب أن يسلك في الجهاد، حتى يعود عليها هذا العمل بالفهم الجيد، وعلى المجتمع الإسلامي بالنفع العميم، يقول ﷺ من حديث معاذ بن جبل ﵁، الذي رواه أبو داود والنسائي: «الغزو غزوان، فأما من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، واجتنب الفساد، فإن نومه ونبهه أجر كله، أما من غزا فخرا ورياء وسمعة، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض، فإنه لا يرجع بالكفاف (٢)». ومن حرص المتفقهين في دين الله من هذه الأمة في التوقي لأنفسهم، حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها، وينحرفوا عن الطريق الذي رسمته شريعة الإسلام في مباعدة مفهوم القتال دفاعا عن الدين، عن معهودهم في القتال الذي يسود بين القبائل، ويتبارى فيه الفرسان لنيل المحمدة الدنيوية، والذكر الحسن، يهتمون بمثل هذا الحديث الذي يوضح فيه رسول الله ﷺ ، ما يجب أن تتحلى به النفس المجاهدة، من نية صادقة، وإخلاص في العمل، لأن الله لا يقبل إلا ما كان خالصا لوجهه، ومرادا به رضاه، فقد روى أبو موسى الأشعري ﵁: أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، الرجل يقاتل للذكر، ويقاتل ليحمد، ويقاتل ليغنم، ويقاتل ليرى مكانه. فمن في سبيل الله؟! قال البشير ﷺ : «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله (٣)» رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي. ومن هذا المفهوم الاعتقادي، كانت حياة المسلمين العارفين بذلا، وأعمالهم جهادا، لأن قلوبهم كانت مشبعة بحب الحروب، لا رغبة في التسلط، أو تعطشا

стр. 14021

للدماء، كما يفعل أصحاب الأهواء، وإنما انطلاقا من الاستجابة، وتطلعا إلى الغاية التي يهدف إليها القتال في سبيل الله وفق النص الشرعي، وأغلاها في حياة المجاهد المحتسب: الموت تحت ظلال السيوف في سبيل الله ومن أجل نشر دينه، حيث أخذ الفقهاء ﵏: حكما من هذا المفهوم الرفيع، الذي انتهجه رسول الله في مكانة الشهيد عموما: بأنه لا يغسل ولا يكفن، بل يصلى عليه، ويدفن في مكانه وفي ثيابه التي قتل فيها بدمه، ليكون شاهدا له عند ربه (١). أما شهيد المعركة فالأصح أنه لا يصلى عليه، فقد روى البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: " أيهم أكثر أخذا للقرآن؟ " فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد وقال: " أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة " وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم (٢)». واهتمام علماء الإسلام بهذه الشعيرة، تعلقا بالقلب، وبذلا بالمال، ودعوة باللسان، ثم مبادرة بالعمل، ومن لم يستطع خلف غيره في أهله بخير: جعل سير حياتهم تحفل بالأدوار الإيجابية، مقرونة بالنية الخالصة، التي هي شرط أساسي في الجهاد، مما يبرهن على الصدق والمحبة كل بحسب مكانه، كما أخبر ﷺ عن أناس من أمته يحظون بأجر المجاهدين في مثل هذا القول، قال أنس بن مالك: «رجعنا مع النبي ﷺ فقال: إن قوما خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا حبسهم العذر (٣)». وكما كان أبو بكر وعمر ﵄، وهما خليفتان راشدان أمرنا رسول الله بالأخذ بسنتهما، يحرص كل منها أن يودع الجيش الغازي إلى أطراف المدينة، وهو يمشي على قدميه، رغبة في تغبير قدميه في سبيل الله، ليزود القائد بما يجب أن يعمله من توصيات ترفع من مكانة الجيش الإسلامي في عيون

стр. 14022

الأمم المغزوة، فينتج عن ذلك السمعة الحسنة، والاستجابة لداعي دين الله، هذه أخلاق الظافرين من أبنائه تواضعا ورأفة واهتماما بالضعفاء، وعدلا بين الناس. وما ذلك إلا أنهما تلقنا من مدرسة النبوة المفهوم الحقيقي للجهاد، والتواضع المطلوب من القيادة، والأجر العظيم الذي يناله المجاهد الصادق (١). كيف لا وهما ملازمان لرسول الله ﷺ ، ويسمعان منه مثل هذا القول الكريم الذي يحرك المشاعر، ويثبت الوجدان: «والذي نفس محمد بيده ما شحب وجه، ولا اغبرت قدم في عمل تبتغى به درجات الجنة بعد الصلاة المفروضة كالجهاد في سبيل الله (٢)». وما ذلك إلا أن الجهاد هو ذروة سنام دين الإسلام. أما أبو طلحة ﵁، فإنه لم يمنعه كبر سنه من إدراك مفهوم الدعوة إلى الجهاد، حسبما حوته النصوص الشرعية، بأهمية المبادرة إليه، وعدم التواني عن المشاركة في أقرب فرصة تسنح، لعل الله أن يكتب له الشهادة، فيحظى بما أعد الله للمجاهد من فضل، وتكون خاتمة حياته حسنة، فقد قال عندما سمع بالنفير إلى الجهاد، في إحدى الغزوات التي اتسعت بها رقعة الإسلام، وأزال الله بها غشاوة الوثنية: يقول الله : ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (٣) أي كهولا وشبابا، ثم قال: ما أرى الله عذر أحدا، فخرج إلى الشام فجاهد حتى قتل (٤).

стр. 14023

الدور الجهادي: فالصفوة الأولى من هذه الأمة يحرصون على أن يكون المفهوم رابطا قويا بالله مثمرا في العمل، لأن من معرفة حقيقة الجهاد، والدعوة إليه أن يكون المجاهد عارفا بأمر ربه، مستقيما على منهج الإسلام، محافظا على شعائر هذا الدين بالاعتقاد والعمل، نابذا كل مبدأ يخالف الإسلام، مراقبا الله فيما

стр. 14024

يأخذ ويذر. أما أن يأتي من يدعو للجهاد بلسانه، وهو مخالف للإسلام في سلوكه ومبدئه، ظالم لعباد الله، متحمل دماءهم وأموالهم في عنقه، فهذا ادعاء باطل، ولا يعتد بقوله، لأن الجهاد ليس منحة توزع، وجزاؤه ليس بيد الإنسان يعطيه من يشاء ويحرمه ممن يشاء، ومن يؤيد شيئا يخالف شرع الله، فهو من باب إعانة الظالم على ظلمه، والقول على الله بغير علم. وما جيء الإسلام إلا من المنتسبين إليه، المتجرئين على حرماته تضليلا وادعاء، وما خشي ﷺ على أمته بمثل ما خشي من العلماء المضللين، الذين يفتون بغير علم. وقديما كان للمنافقين مقالة شبيهة بهذه ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (١) ويعنون بالأعز هم، والأذل رسول الله ﷺ وأصحابه في نظرة مقلوبة، ومفهوم خاطئ. فالإسلام بشرائعه ليس بمقاييس البشر اعتقادا وجزاء، ولكنه يؤخذ من المقاييس التشريعية التي تحدد الهدف والغاية: بقول حق، ووعد صادق، هو من الله ، أو تبليغ من رسوله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، والحق لا يتبع الهوى، ولا يخضع للرغبات البشرية: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ (٢). أما دور المرأة في الجهاد، فهي وإن عذرت منه بدنيا، حيث كانت كثير من نساء الإسلام يرغبن في الأجر الذي أعده الله للمجاهدين، ويرغبن أن يكون لهن شرف المشاركة في نشر دين الله، فإنها قد أعطيت مداخل أخرى، بجهاد النفس، وجهاد المال، وجهاد المشورة، والمجاهدة في أداء العبادات كما أمر الله. وقد سألت عائشة ﵂ رسول الله ﷺ عن جهاد المرأة، لترسخ مفهوم الدور الجهادي للمرأة، «فقالت: يا رسول الله هل على النساء من جهاد؟ فقال ﷺ : نعم عليهن جهاد لا قتال

стр. 14025

فيه الحج والعمرة (١)» رواه أحمد وابن ماجه وإسناده صحيح. ومن هنا اشترط الفقهاء في المجاهد أن يكون: ذكرا مسلما حرا، مكلفا صحيحا، واجدا ما يكفيه وأهله في غيبته - بملكه أو ببذل الإمام - ولا تنازع بينهم في عدم وجوبه على الأنثى (٢). ومع هذا، فإن المرأة تحب المشاركة بقدر طاقتها، ووفق شريعة الإسلام بإنزالها مكانها اللائق بها، رغبة في نيل الفضل الجزيل من الجهاد، والمشاركة فيما فيه مصلحة لعقيدة الإسلام، ونشر دين الله كما أمر الله، فقد كان منصور بن عمار الواعظ، يذكر الناس يوما، ويحثهم على الجهاد في سبيل الله، ويبين لهم مكانته في عز الإسلام، وقوة المسلمين وما أعده الله من جزاء، فأثر في الناس، وتسابقوا في البذل، وتسجيل أنفسهم للتهيؤ مشاركة بالنفس ومجاهدة بالمال، وكان يحضر مجلسه بعض النساء في مكان خاص بهن، لرغبتهن في الخير، فسقط بين يديه وهو في مجلسه لفافة، ولما فتحت إذا ورقة مربوطة في جديلة شعر، وهي من امرأة تقول: لقد سمعت كلامك في الجهاد، والحث على المشاركة، وما يعنيه المفهوم الشرعي من مكانة رفيعة للجهاد في سبيل الله. ولما كنت طامعة في الأجر، ولكن المرأة لا جهاد عليها، فإنني لا أستطيع الجهاد بنفسي، ولا مال عندي فأدفعه لتجهيز الغزاة، حتى أنال مثل أجورهم، ولا أملك غير جديلة شعري هذه فقطعتها لتجعلها قيدا لفرس أو عقالا لناقة في سبيل الله. وما هذا الإحساس الذي تمتلئ به بطون الكتب في فقه الإسلام، وتاريخ مسيرته، إلا نبع من قلوب صافية، وأذهان نيرة، واستجابة يدفعها الفهم الصحيح النابع عن علم ودراية، لما يجب أن يؤدى في سبيل الله، ومباعدة لما

стр. 14026

يراد إدخاله من زيف وتضليل على منهج الإسلام النقي، وقد كانت القدوة التي يجب أن تحتذى في العمل هي ما سارت عليه القرون الثلاثة الأولى من عصور الإسلام، وما أدوه من جهود مخلصة في نشر الإسلام في أنحاء الأرض، وما بذلوه من جهود في الاهتمام بأن تكون كلمة الله هي العليا، وإبراز صورة الإسلام المشرقة في تأمين النفوس، والمحافظة على الممتلكات والأعراض، ورفع الظلم، ونشر العدالة، كجزء من مهمة الجهاد في سبيل الله، حسبما تعنيه دلالة الكلمة من مقصد كريم هي المقصد الذي اشرأبت إليه أعناقهم. وقد تأسى بهم من جاء بعدهم في الفهم وحسن التطبيق، فحقق الله على أيديهم النصر والتأييد كما حصل لصلاح الدين الأيوبي مع الصليبيين، ولذا نص بعض العلماء على أن القرون الثلاثة الأولى هي المعنية بالخيرية في حديث رسول الله ﷺ الذي رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خير أمتي القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم - والله أعلم: أذكر الثالث أم لا؟ - قال: ثم يخلف قوم يحبون السمانة، يشهدون قبل أن يستشهدوا (١)»، وهم أكثر من أدرك المغزى الكبير لمفهوم الجهاد نحو النفس، ودوره في أداء الأمانة بنشر دين الله في الآفاق، وما يجب أداؤه نحو أمم الأرض قاطبة، سواء أكانوا قادة أو مقودين، وسواء أكانوا علماء أو متعلمين. . حيث لا يزهد في الجهاد إلا خاسر، ولا يحرص عليه إلا من عرف حقيقة دينه، وأداء واجباته عملا بصدق وإخلاص نية، فاتسعت رقعة الإسلام في المعمورة، وتزايد عدد الداخلين في دين الله عن رغبة ومحبة. وبهذا المفهوم انتشر دين الله، ودخلت أمم الأرض في الإسلام، وأحبته وجاهدت من أجل نشره لدى غيرهم، لأن من حقائقه أن يكون الراغب في

стр. 14027

الإسلام، له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، دون تفريق ولا تحيز، فالهدف هداية الناس إلى دين الله، وتحبيبهم فيه، والبعد عن الفوارق. ومن هذا المنهج، ومن المحبة المتمكنة التي تتأصل في قلب كل مسلم نحو الجهاد، مهما كان موقعه وأصله، لأن الإسلام لا يمايز بين أبنائه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١) سورة الحجرات، آية ١٣. . «ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى (٢)». من هذا ندرك السر الكبير في اتساع المعرفة، بما بسط في الكتب من دراسات حول مكانة الجهاد، وأن عز الإسلام الذي مكنه الجهاد بفضل الله في مثل هذا النص: «ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا» وما ذلك إلا أن «الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة (٣)». ما هو إلا دور يجب ألا يغيب عن المسلمين في أي عصر ومصر.

стр. 14028

شبهات الأعداء: ولقد كان أعداء الإسلام قد حاولوا الدس بشبهات منها: أن الإسلام لم ينتشر إلا بالسيف، وأن القصد من فرض الجزية الطمع المالي، وما يرددونه من شبهات حول كثير من القادة كخالد بن الوليد، وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من أهمية الحصول على النساء المشهورات في المغنم للاستئثار بهن. وما علق بسيرة هارون الرشيد والمعتصم، وهما من هما في مقارعة الرومان، وكسر شوكتهم، فكل هذه شبهات يريد بها المستشرقون والمنافقون، وأعداء الإسلام في كل زمان ومكان، أن يغيروا الصورة الحقيقية لمفهوم الجهاد، وأن يثيروا البلبلة نحو رسالته ومكانته في قمع الشر، وترد عليهم أحكام الإسلام في أهل الذمة، والوفاء بالعهود وتقسيم الغنائم (١). وأسلوب الدعوة لدين الإسلام، ووصايا رسول الله وخلفائه ثم من بعدهم لقادة الجيوش، ورأفة الإسلام بالأمم المغلوبة، ونظرته نحو الرق والكفارات الكثيرة التي أول جزاء فيها العتق. ومعاملة الأسرى، ومنع قتل المدبر والطفل والمرأة ومن لم يقاتل. وهذا من نظرة الإسلام

стр. 14029

العادلة، وحكمة الله البالغة في المصالح العظيمة من وراء مشروعية الجهاد، التي ستبقى إلى أن تقوم الساعة، كما روى سلمة بن نفيل الكندي ﵁ قال: «كنت جالسا عند رسول الله ﷺ ، فقال رجل: يا رسول الله، أذال الناس الخيل، ووضعوا السلاح، قالوا: لا جهاد، قد وضعت الحرب أوزارها، فأقبل رسول الله ﷺ بوجهه، وقال: كذبوا، الآن جاء القتال، ولا تزال من أمتي أمة يقاتلون على الحق، ويزيغ الله لهم قلوب أقوام، ويرزقهم منهم، حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي وعد الله، الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وهو يوحى إلي: إني مقبوض غير ملبث، وأنتم تتبعوني، ألا فلا يضرب بعضكم رقاب بعض، وعقر دار المؤمنين الشام (١)» رواه النسائي. وبعد غزوة تبوك - إن صح ما يروى عنه ﷺ : «عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر (٢)» فلعله يعني به مجاهدة النفس والهوى والشيطان، فإن هذه الأمور تحتاج إلى مغالبة كبيرة حتى لا يتزحزح الثبات عن مبدأ الإسلام وحقيقته. وبعد: فإن مكانة الجهاد عظيمة، ومنزلته رفيعة، كيف لا وقد ورد في فضله أحاديث كثيرة توجب على كل مسلم أن يهتم به. فقد «سأل رجل رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ قال الصلاة على وقتها. قال: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله (٣)» ولا يطيق المرء عملا يعدل الجهاد في سبيل الله، لصعوبة ذلك، لأن الرسول ﷺ قال: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صدقة حتى يرجع المجاهد إلى أهله (٤)». وبر الوالدين من الجهاد الذي حث عليه رسول الله ﷺ

стр. 14030

في أكثر من موضع، والحج والعمرة يعتبران جهادا لعظم نفعهما. وإن من يتابع سنة رسول الله ﷺ وهدي الصحابة الكرام في توضيح مكانة الجهاد، وأثره على الفرد جزاء وتوجيها، ومكانة عند الله، ليدرك المفهوم الحقيقي الذي أولاه الإسلام لهذه الشعيرة، والأجر العظيم الذي يحظى به المجاهد الذي يبذل أغلى ما يملك وهو روحه، رخيصة في سبيل الله. والسنة هي التي توضح الترغيبات الكثيرة والمكانة العالية للجهاد في كتاب الله الكريم. . والمرابطة في الثغور لحماية جنبات دولة الإسلام من غدر الأعداء، لا تقل أهمية عن فضل الجهاد في سبيل الله، لأن المرابط قد حبس نفسه دفاعا من أجل دينه، احتسابا لما أعد الله، وحمية على دين الإسلام من أن يؤتى على غرة، روى عبد الرزاق أن سلمان الفارسي مر بشرحبيل بن السمط وهو مرابط على قلعة بأرض فارس، فقال له سلمان: ألا أحدثك حديثا لعله أن يكون عونا لك على ما أنت فيه؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطا في سبيل الله أجير من عذاب القبر، ونمى له صالح عمله إلى يوم القيامة (١)» أخرجه مسلم. فالغبار في سبيل الله ودخان جهنم لا يجتمعان في منخر عبد أبدا. وقد أوضح خالد بن معدان قولا لأبي أمامة وجبير بن نفير: بأنه يأتي على الناس زمان أفضل الجهاد الرباط، قيل: وما ذلك؟ فقال: إذا انخفض الغزو، وكثرت الغرائم، واستحلت المغانم، فأفضل الجهاد يومئذ الرباط (٢). ومكانة الجهاد لا تقف على المجاهد وحده، ومن يقتل في المعركة شهيدا، بل يتعدى الفضل إلى من يشارك في الجهاد بالبذل من ماله، والتوضيح من لسانه، والفتوى من علمه، والسلاح بصناعته وتجهيزه ورعاية أسرة المجاهد،

стр. 14031

والقيام على أهله بخير. كما يؤجر أهل الشهيد إذا امتثلوا لأمر الله واحتسبوه عنده. وغير هذا من أمور تعين على رفع راية الجهاد، والإعانة عليه، إذا قصد بذلك حسن النية، وصدق العزم مع الله، ففضل الله واسع، ذلك أن «الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى (١)». فليحسن العبد ثقته بربه، وليصدق في عمله ونيته، وليحافظ على أوامر ربه، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، فهو سبحانه لا يكلف إلا ويعين، ويعطي الكثير ولا يطلب من عباده إلا القليل، وما تستطيعه نفوسهم. والله الهادي سواء السبيل.

стр. 14032

صفحة فارغة

стр. 14033

بحث تلبيس مردود إعداد د. صالح بن عبد الله بن حميد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد. . فقد وصلتني أسئلة من أحد المراكز الإسلامية في بلاد الغرب أثارتها مؤسسة صليبية تنصيرية تسمي نفسها " الآباء البيض ". وحينما اطلعت عليها ما وسعني إلا القيام بالإجابة عليها. وطبيعة الأسئلة وما يقرأ فيها مما بين السطور في الظروف التي تعيشها التوجهات الإسلامية في أوساط الشباب وغير الشباب أشعرتني بلزوم الإجابة. كما أن هذا التوجه الكنسي في إثارة هذه الأسئلة وأمثالها له أبعاد لا تخفى، وحلقة في سلسلة لا تنقطع يدركها القارئ للتاريخ والمعايش للتحركات النصرانية والتطويرات المتسارعة لجهودهم وتنوع أساليب هجومهم على الأصعدة كافة. فاستعنت بالله الكريم، رب العرش العظيم، على ذلك نصرة لدين الله، وغيرة على أهل الإسلام، وجهادا بالقلم واللسان إن شاء الله.

стр. 14034

والقضايا المثارة في الأسئلة يمكن تصنيفها حسب المواضيع الرئيسية التالية: - المساواة. - الحرية " حرية الدين - الرق ". - المرأة. - تطبيق الشريعة. - الجهاد. توطئة: ١ - هذه الأسئلة المثارة لم تكن وليدة الساعة، ولكنها أسئلة وشبه قديمة قدم الهجوم على الإسلام. وإن المطلع عليها وعلى أمثالها مما هو مبثوث هنا وهناك يدرك أن واضعيها على مختلف أعصارهم وأغراضهم لا يريدون الجواب ولا يقصدون تلمس الحق، ولكنهم يلقونها في وسط ضجيج كبير، يثيرونه في عمق المجتمع وفي ساحاته الفكرية، ثم يفرون بسرعة خاطفة. وقد وضعوا أصابعهم في آذانهم خوفا من أن يسمعوا أو يدركوا جوابا سليما، فكأن مبتغاهم إلقاء متفجرات موقوتة في أشد الساحات ازدحاما، ثم يفرون على عجل قبل أن تنفجر فيصيبهم شيء من شظاياها. ٢ - كم هو جميل أن يتفق على مسلمات بين المتحاورين؛ ليكون منها المنطلق وإليها المرد. ولكن إحساس الباحث أن المقصد من وراء إثارة هذه الأسئلة هو التشكيك وزرع الشبه، بل من أجل استعداء الآخرين باسم الانتصار للمرأة ومحاربة التفرقة العنصرية، والدندنة حول المساواة وحقوق الإنسان وغير ذلك من الدعاوى العريضة، وأنت خبير بأنها مبادئ، بل دعاوى لها بريقها عند المستضعفين والمغلوبين على أمرهم، ولكنها عند التحقيق والتدقيق سراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، بل يجد كبيرا مستكبرا يحتضن صغيرا محقورا يربت على كتفه ليأكله حالا أو يحتفظ به ليسمن فيأكله مآلا.

стр. 14035

إنها شريعة الغاب مغلفة بأغلفة رقيقة من القانون والمدنية أفرزتها التقنية المعاصرة في جملة ما أفرزته. ٣ - عند الحوار يجب أن يتقرر النموذج الأمثل الذي ينبغي أن يحتذى ليكون مرجعا في التمثيل وهدفا يسعى إلى بلوغه. وحيث إن هذه الأسئلة صدرت من مؤسسة تنصيرية اسمها " الآباء البيض " هل تريد أن تكون المبادئ النصرانية هي الأنموذج المحتذى؟ لا أظن ذلك، لأن الجميع من النصارى وغيرهم يعلم واقع النصرانية من خلال كتابها المقدس، ومن خلال ممارسات البابوات والرهبان والراهبات في الماضي والحاضر. وفي ثنايا إجاباتي هذه قد ألمح إلى نموذج من الانحرافات النصرانية والكنسية. وإن كانت اليهودية هي الأنموذج، فحقيقة النصرانية وبابواتها وأحبارها ومراجعها يرون أن اليهودية محرفة وغير صالحة. أما إذا كان الأنموذج هو الحضارة الغربية المعاصرة فما شأن البابوات وأتباعهم؟ وإن كانوا معجبين بها وعندهم قناعة بها ليعرضوها على الناس ويدعوهم إليها، فهذه تبعية مخجلة لأن هذه الحضارة - كما يعلم القاصي والداني - من أهم الأسباب المقررة في ازدهارها بعدها عن الكنيسة وبابواتها، وقد شردت هاربة هروبا لا رجوع بعده، إلا إذا أرادت هذه الحضارة أن تنتكس في رجعية القرون الوسطى كما يقولون. أما الكاتب هنا فلا يرى نموذج هذه الحضارة صالحا ليكون المرجع المحتذى، إذ أن فيه انحرافا ظاهرا وبؤسا على البشرية يحيط العالم بسببه خوف وإرهاب وتوتر وقلق، يوشك أن ينتهي إلى تدمير حقيقي شامل يعم الحضارة وصناعها. وفيه غير الانحراف مبادئ جوفاء من حقوق الإنسان، والمساواة لا واقع لها، وإن كان لها شيء من الواقعية فهو مختص بالرجل الأبيض، أما من عداه فليس إلا قانون الغاب أو قانون " الغاية تبرر الوسيلة ". وبهذا يتقرر - مع الأسف - أنه ليس ثمة أرضية مشتركة مقنعة ننطلق

стр. 14036

منها لنصل إلى نتيجة مقنعة. ٤ - جميع الأسئلة المثارة لا يوجد لها جواب في الديانة النصرانية والعقيدة المسيحية، فكيف تثيرها مؤسسة تنصيرية؟ فقضايا الرق وقضايا المرأة والحروب المقدسة والتفرقة بين معتنقي النصرانية وغيرهم، كلها مقررة في الديانة النصرانية ومن حق القارئ أن يعرف ما هو جواب المسيحية على ذلك. وحيث أن الجواب بالسلب فلماذا لا يتركون الدعوة إلى النصرانية؛ لأنها تتبنى كل هذه القضايا المثارة؟ ولكنها أثيرت هذه الأيام باعتبارها معايب ونقائص يقصد منها النيل من الإسلام والمسلمين. ٥ - وأمر أدهى وأمر وهو شعور المطلع على هذه الأسئلة بعدم التجرد من قبل واضعيها. فاتباع الهوى فيها هو المسيطر على مجريات الأسئلة مع تبني أحكام وتصورات مسبقة لديهم. ٦ - إنه ليحزنني أن تكون هذه هي المقدمة التي أدخل بها إلى هذا الموضوع وأجوبته، ومع هذا فليعلم كل مطلع وليستيقن كل ناظر أني سأبذل قصارى الجهد في قصد الحق والتماسه، خوفا من الله ، ورجاء فيما عنده، وأداء للأمانة، ونصحا للبشرية كلها. ٧ - وأنبه المطلع الكريم أن هذه الإجابة قصد بها خطاب غير المسلمين ممن لا يدينون بالاستدلال بالنصوص الشرعية - كتابا وسنة - ومن ثم جاءت المناقشة والحوار أقرب لمخاطبة العقل ومحاورة الفكر والنظر من أي شيء آخر. على أنه قد جرى إيراد حشد من النصوص الشرعية حين اقتضى الأمر ذلك كما يلحظ في موضوع الرق وغيره.

стр. 14037

وأقول بكل ثقة واعتزاز إن ديني هو الإسلام وإيماني به لا يتزعزع، والقرآن كلام الله حقيقة، ومحمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين وهو رسول الله إلى الناس كافة، وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈ من أنبياء الله، ومن أولي العزم من الرسل، والله قد بعث في كل أمة رسولا، والإسلام هو دين الله الخاتم الذي لا يقبل دينا غيره، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. هذا وقد أجريت تغييرا في ترتيب الأسئلة صنفتها حسب موضوعاتها، ولم ألتزم ترتيبها الأصلي، وسوف أثبت في آخر الأجوبة مجموعة الأسئلة حسب ترتيب واضعيها.

стр. 14038

المساواة: المساواة في البشر ترجع إلى مدى تطابقهم وتماثلهم في الصفات الخلقية والخلقية، فكلما تطابقت هذه الصفات أو تقاربت كانت المساواة والمماثلة أدق وأقرب، وإذا تفاوتت لزم التفاوت في الآثار. وأخذا من هذه المقدمة فمن المتعذر الجزم بالتساوي المطلق بين بني البشر، غير أننا نقول: إن الأصل هو التساوي في الحقوق والواجبات لوجود الحد الأدنى من التماثل في القدرات البدنية والكفاءات الذهنية، التي تجعلهم قادرين على فهم النظم والقوانين، واستيعابها وتطبيقها والاستجابة لها والمحاسبة عليها، ولكن من المعلوم أن أصل خلقة البشر جاءت على التفاوت في المواهب والأخلاق مما يجعل هناك موانع جبلية واجتماعية وسياسية على نحو ما هو مثار في الأسئلة. وبعض هذه الموانع قد يكون مؤقتا، وقد يكون دائما، وبعضها قد يكون قليل الحصول وقد يكون أغلبيا. غير أن أثر كل مانع مقصور على نفسه فلا يمنع من المساواة في الحقوق

стр. 14039

الأخرى، فصاحب الخلق الفاضل لا يساوي دنيء الخلق في مجاله، لكنه لا يمنع التساوي في الحقوق الأخرى، والذكي لا يساوي الغبي، والمرأة ليست كالرجل في صفاتها ومواهبها وقدراتها، وسيأتي للكلام على المرأة موضع مستقل إن شاء الله، هذه بعض الموانع الجبلية الخلقية. ومن الموانع الاجتماعية - أي الموانع التي اتفق عليها المجتمع نتيجة للخبرة وممارسة الحياة، وهي في حقيقتها راجعة إلى القناعة العقلية المؤكدة للتفاوت في هذه الصفات - منع التساوي بين العالم والجاهل، فإن الناس متفقون على أن الجاهل لا يستحق الصدارة في المسئوليات والاعتماد عليه في قضايا الأمة وشئون المجتمع. ومن الموانع السياسية ما يتفق عليه أهل الحكم والإدارة من منع بعض الفئات من تولي مسئوليات في الدولة لأسباب سياسية أو عسكرية، وهو أمر معترف به بين الأمم من غير إنكار، وذلك كمنع الأجنبي من تولي مسئولية من مسئوليات الحكم في الدولة حيث تقصر هذه الولايات والوظائف على الوطنيين، ومثله حق الانتخاب والمنع من بعض الحرف والاستثمار. والتنظيم الخاص بالعسكريين والدبلوماسيين ومنعهم من الزواج بالأجنبيات، وأمثال ذلك كثير، ويندرج في ذلك منع الذميين في دولة الإسلام من تولي بعض الولايات. ومثله منع أهل الذمة من الزواج بالمسلمات مما سيأتي له مزيد تفصيل. ويمكن اعتبار هذين المثالين الأخيرين من الموانع الشرعية؛ لأن هذه أحكام مقررة في الشريعة الإسلامية وهي ترجع - كما يلاحظ القارئ - إلى أمور منطقية وأعراف اجتماعية صحيحة. هذه أمثلة يمكن من خلالها فهم الضوابط، ومن ثم القناعة العقلية بعدم إمكان المساواة المطلقة بين الناس.

стр. 14040

بل لو قيل بالمساواة المطلقة لترتب على ذلك أمور لا يطيقها البشر، ولأدى بالناس إلى إهمال مواهبهم وإهدار طاقاتهم، وذلك فساد قبيح ظاهر يئول إلى اختلال نظام العالم في إلغاء المميزات والحقوق التي تقود إلى البناء والإصلاح وتقدم العالم، وانهيار الشيوعية الذي نشهده هذه الأيام برهان ماثل لأهل العقل والحكمة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن التفاوت في المواهب واستغلالها وطريقة الاستفادة منها يترتب عليه تفاوت مادي فيما يستحقه كل صاحب موهبة، يفيد منها أهله ومجتمعه. ومن أجل هذا برز الترتيب الوظيفي في رؤساء المصالح ومديريها ومن دونهم. والشريعة الإسلامية - وتمشيا مع الفطرة السليمة - لا يمكن أن تدعو إلى مساواة تلغى فيها هذه الفروق الفردية والمواهب الشخصية والتمايز الموجود بين بني الإنسان، مما له أثر في صلاح العالم أفرادا ومجموعات، وذلك الصلاح والإصلاح هو غاية الشريعة ومقصدها. إذن هذا هو التفاوت المؤثر والمقتضي للمنع من المساواة عند وجوده. أما التمايز بسبب الجنس أو اللون أو اللغة فهو غير مؤثر في شريعة الإسلام ألبتة، لكنه مشار إليه في الشريعة على أنه آية من آيات الله الدالة على عظمته وكمال قدرته واستحقاقه للعبادة سبحانه. ولهذا النوع من التمايز وظيفة أخرى نبه إليها دين الإسلام، وهي وظيفة التعارف والتآلف، وفي النص القرآني الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (١) يؤكد ذلك في دين الإسلام أنه من المتقرر عند المسلمين أن الله لم يخلق شعبا فوق الشعوب، ولم يميز قوما على قوم، وقيمة الإنسان عند الله وعند الناس ما يحسنه ويقوم به من عمل صالح وجهد طيب في طاعة الله واتباع أمره وهو
следующие страницы →