← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

جريج، ولا عبد الله بن طاوس، فالحديث من أصح الأحاديث، وترك رواية البخاري له لا يوهنه وله حكم أمثاله من الأحاديث الصحيحة التي تركها البخاري لئلا يطول كتابه فإنه سماه: الجامع المختصر الصحيح، ومثل هذا العذر لا يقبله من له حظ في العلم. وأما رواية من رواه عن أبي الجوزاء فإن كانت محفوظة فهي مما يزيد الحديث قوة وإن لم تكن محفوظة - وهو الظاهر - فهي وهم في الكنية انتقل فيها عبد الله بن المؤمل عن ابن أبي مليكة من أبي الصهباء، إلى أبي الجوزاء، فإنه كان سيء الحفظ، والحفاظ قالوا " أبو الصهباء "، وهذا لا يوهن الحديث، وهذه الطريق عند الحاكم في المستدرك، وأما رواية من رواه مقيدا " قبل الدخول " فإنه تقدم أنه لا تناقض رواية الآخرين على أنها عند أبي داود عن أيوب عن غير واحد ورواية الإطلاق عن معمر عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه؛ فإن تعارضها فهذه الرواية أولى، وإن لم يتعارضا فالأمر واضح. وحديث داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - صريح في كون الثلاثة واحدة في حق المدخول بها وعامة ما يقدر في حديث أبي الصهباء أن قوله: " قبل الدخول " زيادة من ثقة فيكون الأخذ بها أولى، وحينئذ فيدل أحد حديثي ابن عباس على أن هذا الحكم ثابت في حق البكر، وحديثه الآخر على أنه ثابت في حكم الثيب أيضا، فأحد الحديثين يقوي الآخر ويشهد بصحته، وبالله التوفيق. الجواب العاشر: أن حديث ابن عباس معارض بالإجماع، والإجماع أقوى من خبر الواحد كما ذكر ذلك الشافعي وغيره، وقد سبق استدلال الجمهور بالإجماع مع ذكر أدلتهم لمذهبهم وبيان من قال به، ومناقشة ابن القيم له، فاكتفى بذلك عن الإعادة هنا. الدليل الثاني: ما رواه الإمام أحمد في المسند قال: حدثنا سعد بن إبراهيم حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق قال حدثني داود بن الحصين عن عكرمة - مولى ابن عباس - عن ابن عباس قال: «طلق ركانة ابن عبد يزيد - أخو بني المطلق - امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، قال: فسأله رسول الله ﷺ " كيف طلقتها "؟ قال: طلقتها ثلاثا، قال فقال: " في مجلس واحد؟ " قال: نعم، فقال: " فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت " قال: فراجعها (١)» فكان ابن عباس يروي الطلاق عند كل طهر. قال ابن القيم (٢) وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد وحسنه، فقال في حديث عمرو بن شعيب عن

стр. 1402

أبيه عن جده، «أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - رد ابنته على ابن أبي العاص بمهر جديد، ونكاح جديد (١)» هذا حديث ضعيف أو قال واه، لم يسمعه الحجاج عن عمرو بن شعيب، وإنما سمعه من محمد بن عبد الله العزرمي، والعزرمي لا يساوي حديثه شيئا، والحديث الذي رواه أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أقرها على النكاح الأول، وإسناده عنده هو إسناد حديث ركانة بن عبد يزيد؟ هذا وقد قال الترمذي فيه: ليس بإسناده بأس، فهذا إسناد صحيح عند أحمد، وليس به بأس عند الترمذي فهو حجة ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، فكيف إذا عضده ما هو نظيره أو أقوى منه؟ ثم ساق رواية أبي داود وستأتي وهي الدليل الثالث، ثم قال ابن القيم: قال شيخنا ﵁ وأبو داود لما لم يرو في سننه الحديث الذي في مسند أحمد يعني الذي ذكرناه آنفا، فقال: حديث ألبتة أصح من حديث ابن جريج أن ركانة طلق امرأته ثلاثا؛ لأنهم أهل بيته، ولكن الأئمة الأكابر العارفين بعلل الحديث والفقه كالإمام أحمد وأبي عبيد والبخاري ضعفوا حديث ألبتة وبينوا أنه رواية قوم مجاهيل لم تعرف عدالتهم وضبطهم، وأحمد أثبت حديث الثلاث وبين أنه الصواب، وقال حديث ركانة لا يثبت أنه طلق امرأته ألبتة وفي رواية عنه: حديث ركانة في ألبتة ليس بشيء؛ لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ أن ركانة طلق امرأته ثلاثا وأهل المدينة يسمون الثلاثة ألبتة. قال الأثرم: قلت لأحمد حديث ركانة في ألبتة فضعفه، انتهى. وقد سبق الكلام على رواية الإمام أحمد لحديث ركانة، وكذلك رواية الزبير بن سعيد، ورواية نافع بن عجير عند الكلام على الدليل الخامس لمذهب الجمهور في المسألة الثانية. الدليل الثالث: قال أبو داود حدثنا أحمد بن صالح، قال حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج، قال أخبرني بعض بني أبي رافع، مولى النبي ﷺ عن عكرمة مولى ابن عباس قال: «طلق يزيد أبو ركانة وإخوته أم ركانة ونكح امرأة من مزينة فجاءت النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة لشعرة أخذتها من رأسها ففرق بيني وبينه فأخذت النبي ﷺ حمية فدعى بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: " أترون فلانا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد، وفلانا لابنه الآخر يشبه منه كذا وكذا؟ " قالوا: نعم، فقال النبي ﷺ لعبد يزيد " طلقها " ففعل فقال: " راجع امرأتك أم ركانة وإخوته " فقال: إني طلقتها ثلاثا يا رسول الله، قال: وتلا (٣)». وقد سبقت مناقشة رواية أبي داود عند الكلام على الدليل الخامس لمذهب الجمهور في المسألة الثانية فاكتفي بما هناك عن إعادته هنا.

стр. 1403

الدليل الرابع: ما جاء في بعض روايات حديث ابن عمر من أنه طلق امرأته في الحيض ثلاثا فاحتسب بواحدة وقد سبقت مناقشة حديث ابن عمر برواياته، وأن الصحيح أنه إنما طلقها واحدة، وذلك عند الكلام على الدليل السادس فاكتفي بما ذكر هناك عن إعادته هنا. وأما الإجماع فممن ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من العلماء، فقد بينوا أن الأمر لم يزل على اعتبار الثلاث بلفظ واحد واحدة في عهد أبي بكر، وثلاث سنين من خلافة عمر، ويمكن أن يجاب عنه بما ورد من الآثار عن بعض الصحابة في أن الثلاث بلفظ واحد تكون ثلاثا وقد سبقت. وأما القياس فقد قال ابن القيم: (١): وأما القياس فإن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ (٢)، ثم قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ (٣) فلو قال: أشهد بالله أربع شهادات أني صادق، وقالت: أشهد بالله أربع شهادات أنه كاذب، كانت شهادة واحدة ولم تكن أربعا، فكيف يكون قوله: أنت طالق ثلاثا ثلاث تطليقات، وأي قياس أصح من هذا؟ وهكذا كل ما يعتبر فيه العدد من الإقرار ونحوه؛ ولهذا لو قال المقر بالزنا: إني أقر بالزنا أربع مرات كان ذلك مرة واحدة، وقد قال الصحابة لماعز: " إن أقررت أربعا رجمك رسول الله ﷺ فلو قال: أقر به أربع مرات كان مرة واحدة فهكذا الطلاق سواء. وقد أجاب الشيخ محمد الأمين الشنقيطي عن هذا القياس فقال: (٤): وقياس أنت طالق ثلاثا على أيمان اللعان في أنه لو حلفها بلفظ واحد لم تجز، قياس مع وجود الفارق؛ لأن من اقتصر على واحدة من الشهادات الأربع المذكورة في آية اللعان أجمع العلماء على أن ذلك كما لو لم يأت بشيء منها أصلا، بخلاف الطلقات الثلاث، فمن اقتصر على واحدة منها اعتبرت إجماعا وحصلت به البينونة بانقضاء العدة إجماعا. وأما الآثار فما جاء عن الصحابة في ذلك، فقد روى طاوس وعكرمة عن ابن عباس الإفتاء بذلك ورواية طاوس عند أبي جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ ورواية عكرمة عند أبي داود من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس، وحكى ابن وضاح وعنه ابن مغيث الإفتاء يكون الطلاق الثلاث في كلمة واحدة واحدة عن علي وابن مسعود والزبير وعبد الرحمن بن عوف، وجاء عن عمر بن الخطاب ﵁ ما رواه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في مسند عمر قال: أخبرنا أبو يعلى حدثنا صالح بن مالك، حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه قال قال عمر - رضي الله تعالى عنه -: ما ندمت على شيء ندامتي على ثلاث أن لا أكون حرمت الطلاق، وعلى أن لا أكون أنحكت الموالي، وعلى أن لا أكون قتلت النوائح، وكذلك ما نقل من الآثار عن أهل البيت.

стр. 1404

ويضاف إلى هذه الآثار ما سبق ذكره من الآثار مما لم يذكر هنا وذلك في الكلام على رد استدلال الجمهور بالإجماع. وأجيب عن تلك الآثار بما يأتي: أما ما روى طاوس عن ابن عباس أن من قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا إنما تلزمه طلقة واحدة فقد اعتبره أبو جعفر النحاس من مناكير طاوس التي خولف فيها طاوس (١)، قال: وطاوس وإن كان رجلا صالحا فعنده عن ابن عباس مناكير يخالف عليها ولا يقبلها أهل العلم، منها أنه روى عن ابن عباس أنه قال في رجل قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا إنما تلزمه واحدة ولا يعرف هذا عن ابن عباس إلا من روايته، والصحيح عنه وعن علي بن أبي طالب ﵄ أنها ثلاث كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ (٢). أي الثالثة. وأما ما روى حمادي بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: " إذا قال أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة " فقد تعقبه أبو داود في سننه بقوله: ورواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن عكرمة هذا قوله، ولم يذكر ابن عباس وجعله قول عكرمة، وعلى فرض ثبوتهما فقد رجع ابن عباس عن ذلك كما صرح أبو داود قال (٣)، وصار قول ابن عباس فيما حدثنا أحمد بن صالح ومحمد بن يحيى، وهذا حديث أحمد قالا: نا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن محمد بن إياس أن ابن عباس وأبا هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص سئلوا عن البكر يطلقها زوجها ثلاثا فكلهم قالوا: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، قال أبو داود وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن بكير بن الأشج عن معاوية بن أبي عياش أنه شهد هذه القصة حين جاء محمد بن إياس بن البكير إلى ابن الزبير وعاصم بن عمر فسألهما عن ذلك فقال: اذهب إلى ابن عباس وأبي هريرة فإني تركتهما عند عائشة ﵂ ثم ساق هذا الخبر، قال أبو داود وقول ابن عباس هو أن الطلاق الثلاث يبينها من زوجها مدخولا بها أو غير مدخول بها، لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، هذا مثل خبر الصرف، قال فيه ثم إنه رجع عنه يعني ابن عباس. اهـ (٤). وقد ساق في الباب الذي أورد فيه ذلك، وهو باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث آثارا عن سائر أصحاب ابن عباس بخلاف ما ذكر عن طاوس وعكرمة حيث قال: حدثنا حميد بن مسعدة، نا إسماعيل أنا أيوب، عن عبد الله بن كثير عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق مرأته ثلاثا، قال فسكت حتى ظننت أنه رادها إليه ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس

стр. 1405

يا ابن عباس وإن الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (١)، وإنك لم تتق الله فلا أجد لك مخرجا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، وإن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢)، قال أبو داود: روى هذا الحديث حميد الأعرج وغيره عن مجاهد عن ابن عباس، ورواه شعبة عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وأيوب وابن جريج جميعا عن عكرمة بن خالد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وابن جريج، عن عبد الحميد بن رافع عن عطاء عن ابن عباس، ورواه الأعمش عن مالك بن الحارث، عن ابن عباس وابن جريج عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قالوا في الطلاق الثلاث: إنه أجازها، قال: وبانت منك، نحو حديث إسماعيل عن أيوب عن عبد الله بن كثير. . اهـ. وقال الباجي بخصوص ما نقل عن ابن عباس من فتواه بأن الثلاث بفم واحد واحدة (٣) ما نصه: " قد رجع ابن عباس إلى قول الجماعة وانعقد به الإجماع " اهـ. وأما ما نقله أبو جعفر أحمد بن محمد بن مغيث الطليطلي عن ابن وضاح، من أن علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود ﵃ قد أفتوا بأن من طلق ثلاثا في كلمة واحدة لا يلزمه سوى طلقة واحدة، فيتوقف الاستدلال به على ثبوت السند إليهم بذلك، ولم يثبت. وقد تعقبه أبو بكر بن العربي في كتابه الناسخ والمنسوخ ونقله عنه ابن القيم قال (٤) قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٥) " زل قوم في آخر الزمان فقالوا: إن الطلاق الثلاث في كلمة واحدة لا يلزم وجعلوه واحدة، ونسبوه إلى السلف الأول فحكوه عن علي والزبير وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عباس، وعزوه إلى الحجاج بن أرطأة الضعيف المنزلة المغموز المرتبة ورووا في ذلك حديثا ليس له أصل، وغوى قوم من أهل المسائل فتتبعوا الأهواء المبتدعة فيه وقالوا: إن قوله: أنت طالق ثلاثا كذب؛ لأنه لم يطلق ثلاثا كما لو قال: طلقت ثلاثا ولم يطلق إلا واحدة وكما لو قال: أحلف ثلاثا كانت يمينا واحدة، ومر أبو بكر بن العربي إلى أن قال: وما نسبوه إلى الصحابة كذب بحت لا أصل له في كتاب ولا في رواية له عن أحد وقد أدخل مالك في موطئه عن علي أن الحرام ثلاث لازمة في كلمة فهذا في معناها فكيف إذا صرح بها، وأما حديث الحجاج بن أرطأة فغير مقبول في الملة ولا عند أحد من الأئمة. قال ابن العربي لم يعرف في هذه المسألة خلاف إلا عن قوم انحطوا عن رتبة التابعين وقد سبق العصران الكريمان بالاتفاق على لزوم الثلاث، فإن رووا ذلك عن أحد منهم فلا تقبلوا منهم إلا ما يقبلون منكم، نقل العدل عن العدل ولا تجد هذه المسألة منسوبة إلى أحد من السلف أبدا. اهـ.

стр. 1406

وقد ذكر ابن القيم ذلك في إغاثة اللهفان ص١٧٩ بقوله: " لعله إحدى الروايتين عنهم، وإلا فقد صح بلاشك عن ابن مسعود وعلي وابن عباس الإلزام بالثلاث إن أوقعها جملة، وصح عن ابن عباس أنه جعلها واحدة ولم نقف على نقل صحيح عن غيرهم، من الصحابة بذلك؛ فلذلك لم نعد ما حكي عنهم في الوجوه المبينة للنزاع، وإنما نعد ما وقفنا عليه في مواضعه ونعزوه إليها، وبالله التوفيق " اهـ كلام ابن القيم. وقال البيهقي في السنن الكبرى في عزو ذلك إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - (١) أخبرنا أبو سعد أحمد بن محمد الماليني، أنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ، ثنا محمد بن عبد الوهاب بن هشام نا علي بن سلمة اللبقي، ثنا أبو أسامة عن الأعمش قال: كان بالكوفة شيخ يقول سمعت علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا في مجلس واحد فإنه يرد إلى واحدة والناس عنقا واحدا إذ ذلك يأتونه ويسمعون منه، قال فأتيته فقرعت عليه الباب فخرج إلي شيخ فقلت له: كيف سمعت علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - يقول: فيمن طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد؟ قال سمعت علي بن أبي طالب يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا في مجلس واحد فإنه يرد إلى واحدة، قال فقلت له: أين سمعت هذا من علي - رضي الله تعالى عنه -؟ قال: أخرج إليك كتابا فأخرج فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما سمعت علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا في مجلس واحد فقد بانت منه ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. قال: فقلت ويحك هذا غير الذي تقول، قال: الصحيح هو هذا، ولكن هؤلاء أرادوني على ذلك " اهـ. وأما ما روى أبو يعلى عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - من قوله: " ما ندمت على شيء ندامتي على ثلاث: أن لا أكون حرمت الطلاق " إلخ فلا يصح الاحتجاج به على أن عمر قد ندم آخر حياته على إمضاء الثلاث لأمرين: أحدهما: أن يزيد بن أبي مالك لم يدرك عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - وقد قال الحافظ الذهبي في " ميزان الاعتدال " في يزيد بن أبي مالك: صاحب تدليس وإرسال عمن لم يدرك، وذكره الحافظ ابن حجر في " تعريف أهل التقديس بالموصوفين بالتدليس " وقال - وصفه أبو مسهر بالتدليس. الثاني: أن خالد بن يزيد بن أبي مالك وهاه ابن معين، وقال أحمد: ليس بشيء، وقال النسائي: غير ثقة، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال ابن عدي عن ابن أبي عصمة عن أحمد بن أبي يحيى: سمعت أحمد بن حنبل يقول: خالد بن يزيد بن أبي مالك ليس بشيء، وقال ابن أبي الحواري سمعت ابن معين يقول بالعراق: كتاب ينبغي أن يدفن: كتاب الديات لخالد بن يزيد بن أبي مالك، لم يرض أن يكذب على أبيه

стр. 1407

حتى كذب على الصحابة، قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت هذا الكتاب من خالد ثم أعطيته العطار فأعطى الناس فيه حوائج، وفي " تهذيب التهذيب " للحافظ ابن حجر، قال ابن حيان: كان صدوقا في الرواية ولكنه كان يخطئ كثيرا وفي حديثه مناكير لا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد عن أبيه، وقال أبو داود: ضعيف، وقال مرة: متروك الحديث، وذكره ابن الجارود والساجي والعقيلي في الضعفاء. اهـ. وأجيب عما نقل عن أهل البيت النبوي في اعتبار الطلاق الثلاث في كلمة واحدة، واحدة بما رواه البيهقي (١) قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، نا أبو عمر وعثمان بن أحمد بن السمان ببغداد، أنا حنبل بن إسحاق بن حنبل، نا محمد بن عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، نا مسلمة بن جعفر الأحمسي، قال: قلت لجعفر بن محمد: إن قوما يزعمون أن من طلق ثلاثا بجهالة رد إلى السنة يجعلونها واحدة يروونها عنكم؟ قال معاذ الله، ما هذا من قولنا " من طلق ثلاثا فهو كما قال " وأخبرنا أبو عبد الله، نا أبو محمد الحسن بن سليمان الكوفي ببغداد، نا محمد بن عبد الله الحضرمي، نا إسماعيل بن بهرام، نا الأشجعي عن بسام الصيرفي قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: من طلق امرأته ثلاثا بجهالة أو علم فقد بانت منه. اهـ ونقل السيافي عن صاحب الآمالي أنه قال (٢): حدثنا أبو كريب عن حفص بن غياث قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: من طلق ثلاثا فهي ثلاث، وهو قولنا أهل البيت " ثم ذكر رواية البيهقي عن شيخه الحاكم المتقدمة، وقال السياغي من الروض النضير في وقوع الطلاق بائنا بإرساله ثلاثا بلفظ واحد قال (٣) وهو مذهب جمهور أهل البيت كما حكاه محمد بن منصور عنهم في الأمالي بأسانيده، وروى في الجامع الكافي عن الحسن بن يحيى قال، رويناه عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وعن علي ﵇، وعلي بن الحسين، وزيد بن علي ومحمد بن علي الباقر، ومحمد بن عمر بن علي، وجعفر بن محمد، وعبد الله بن الحسن، ومحمد بن عبد الله وخيار آل رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -، ثم قال الحسن أجمع آل الرسول على أن الذي يطلق ثلاثا في كلمة واحدة أنها قد حرمت عليه وسواء كان قد دخل بها الزوج أو لم يدخل ورواه في (البحر) عن ابن عباس وابن عمر وعائشة وأبي هريرة وعن علي ﵇ والناصر والمؤيد بالله وتخريجه، والإمام يحيى والفريقين ومالك وبعض الإمامية، قال ابن القيم: وهو قول الأئمة الأربعة وجمهور التابعين وكثير من الصحابة اهـ. وذهب إليه ابن حزم في المحلي وأطال الاحتجاج عليه، اهـ المراد من الروض النضير.

стр. 1408

المذهب الثالث يقع في المدخول بها ثلاثا وبغير المدخول بها واحدة ، وذكر ابن القيم أنه أخذ

стр. 1409

بالحديث الوارد في التفرقة: إسحاق بن راهوية وخلق من السلف جعلوا الثلاث واحدة في غير المدخول بها. وهذا المذهب مبني على ما رواه أبو داود في سننه أن رجلا يقال له أبو الصهباء وكان كثير السؤال لابن عباس قال: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من إمارة عمر - رضي الله تعالى عنهما -، فقال ابن عباس: بلى كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من إمارة عمر - رضي الله تعالى عنهما -، فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال: أجروهن عليهم. قال ابن القيم: رأى هؤلاء أن إلزام عمر بالثلاث هو في حق المدخول بها، وحديث أبي الصهباء في غير المدخول بها قالوا ففي هذا التفريق موافقة المنقول من الجانبين وموافقة القياس. انتهى. وقد سبقت مناقشة هذا الدليل في الجواب الثالث من الأجوبة على حديث ابن عباس، وهو الدليل الأول للمذهب الثاني.

стр. 1410

المذهب الرابع: عدم وقوع الطلاق مطلقا ؛ لأن إيقاع الطلاق على ذلك الوجه بدعة محرمة فهو مردود لحديث: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١)»، وقد حكي هذا القول للإمام أحمد فأنكره وقال: هو قول الرافضة، كما نص عليه ابن القيم في زاد المعاد وذكر بأن القول بعدم الوقوع جملة هو مذهب الإمامية، قال: وحكوه عن جماعة من أهل البيت، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة الفرق بين الطلاق الحلال والحرام أن القول بعدم الوقوع محدث مبتدع، قاله بعض المعتزلة والشيعة ولا يعرف عن أحد من السلف. اهـ. وقال ابن رجب في كتابه جامع العلوم والحكم في شرحه لحديث؟: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢)» قال الإمام أحمد في رواية أبي الحارث وسئل عمن قال لا يقع الطلاق المحرم لأنه يخالف ما أمر به، فقال: هذا قول سوء رديء ثم ذكر قصة ابن عمر وأنه احتسب بطلاقه في الحيض، وقال أبو عبيد: الوقوع هو الذي عليه العلماء مجمعون في جميع الأمصار حجازهم وتهامهم، ويمنهم وشامهم، وعراقهم ومصرهم، وحكى ابن المنذر ذلك عن كل من يحفظ قوله من أهل العلم إلا ناسا من أهل البدع لا يعتد بهم. اهـ. وفيما يلي كلام مجمل لابن تيمية في المسألتين: قال (٣): " الأصل الثاني " أن الطلاق المحرم الذي يسمى " طلاق البدعة " إذ أوقعه الإنسان هل يقع، أم لا؟ فيه نزاع بين السلف والخلف، والأكثرون يقولون بوقوعه مع القول بتحريمه، وقال آخرون: لا يقع مثل طاوس، وعكرمة، وخلاس، وعمر، ومحمد بن إسحاق، وحجاج بن أرطأة، وأهل الظاهر كداود وأصحابه، وطائفة من أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد، ويروى عن أبي جعفر الباقر، وجعفر بن

стр. 1411

محمد الصادق، وغيرهما من أهل البيت، وهو قول أهل الظاهر: داود وأصحابه، لكن منهم من لا يقول بتحريم الثلاث، ومن أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد من عرف أنه لا يقع مجموع الثلاث إذا أوقعها جميعا، بل يقع منها واحدة. ولم يعرف قوله في طلاق الحائض، ولكن وقوع الطلاق جميعا قول طوائف من أهل الكلام والشيعة، ومن هؤلاء من يقول: إذا أوقع الثلاث جملة لم يقع به شيء أصلا، لكن هذا قول مبتدع لا يعرف لقائله سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وطوائف من أهل الكلام والشيعة، لكن ابن حزم من الظاهرية لا يقول بتحريم جمع الثلاث؛ فلذا يوقعها، وجمهورهم على تحريمها وأنه لا يقع إلا واحدة. ومنهم من عرف قوله في الثلاث ولم يعرف قوله في الطلاق في الحيض، كمن ينقل عنه من أصحاب أبي حنيفة ومالك، وابن عمر روى عنه من وجهين أنه لا يقع، وروى عنه من وجوه أخرى أشهر وأثبت أنه يقع، وروى ذلك عن زيد. وأما " جمع الثلاث " فأقوال الصحابة فيها كثيرة مشهورة: روى الوقوع فيها عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة وعمران بن الحصين وغيرهم، وروى عدم الوقوع فيها عن أبي بكر، وعن عمر صدرا من خلافته، وعلي بن أبي طالب وابن مسعود، وابن عباس أيضا، وعن الزبير، وعبد الرحمن بن عوف - رضي الله تعالى عنهم أجمعين -. قال أبو جعفر أحمد بن محمد بن مغيث في كتابه الذي سماه: " المقنع في أصول الوثائق وبيان ما في ذلك من الدقائق " وطلاق البدعة أن يطلقها ثلاثا في كلمة واحدة، فإن فعل لزمه الطلاق. . ثم اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلق كم يلزمه من الطلاق؟ فقال علي بن أبي طالب، وابن مسعود - رضي الله تعالى عنهما -: يلزمه طلقة واحدة، وكذا قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -؛ وذلك لأن قوله: " ثلاثا " لا معنى له؛ لأنه لم يطلق ثلاث مرات، لأنه إذا كان مخبرا عما مضى فيقول: طلقت ثلاث مرات، يخبر عن ثلاث طلقات أتت منه في ثلاثة أفعال كانت منه، فذلك يصح، ولو طلقها مرة واحدة فقال: طلقها ثلاث مرات لكان كاذبا. وكذلك لو حلف بالله تعالى ثلاثا يردد الحلف كانت ثلاثا أيمان، وأما لو حلف بالله تعالى فقال: أحلف بالله تعالى ثلاثا لم يكن حلف إلا يمينا واحدة، والطلاق مثله، قال: ومثل ذلك قال الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف روينا ذلك كله عن ابن وضاح، يعني الإمام محمد بن وضاح الذي يأخذ عن طبقة أحمد بن حنبل وابن أبي شيبة ويحيى بن معين وسحنون بن سعيد وطبقتهم، قال: وبه قال من شيوخ قرطبة ابن زنباع شيخ هدى، ومحمد بن عبد السلام الخشني فقيه عصره، وابن بقي بن مخلد، وأصبغ بن الحباب، وجماعة سواهم من فقهاء قرطبة، وذكر هذا عن بضعة عشر فقيها من فقهاء طليطلة المتعبدين على مذهب مالك بن أنس.

стр. 1412

قلت: وقد ذكره التلمساني رواية عن مالك، وهو قول محمد بن مقاتل الرازي من أئمة الحنفية حكاه عن المازني وغيره، وقد ذكر هذا رواية عن مالك، وكان يفتي بذلك أحيانا الشيخ أبو البركات ابن تيمية، وهو وغيره يحتجون بالحديث الذي رواه مسلم في صحيحه وأبو داود وغيرهما عن طاوس، عن ابن عباس أنه قال: كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر - رضي الله تعالى عنهما - طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا أمرا كان لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم، وفي رواية: أنا أبا الصهباء قال لابن عباس هات من هناتك ألم يكن طلاق الثلاث على عهد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأبي بكر واحدة؟ قال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأمضاه عليهم وأجازه. والذين ردوا هذا الحديث تأولوه بتأويلات ضعيفة، وكذلك كل حديث فيه: أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ألزم الثلاث بيمين أوقعها جملة، أو أن أحدا في زمنه أوقعها جملة فألزمه بذلك: مثل حديث يروى عن علي، وآخر عن عبادة بن الصامت، وآخر عن الحسن عن ابن عمر، وغير ذلك فكلها أحاديث ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هي موضوعة ويعرف أهل العلم بنقد الحديث أنها موضوعة، كما هو مبسوط في موضعه. وأقوى ما ردوه به أنهم قالوا: ثبت عن ابن عباس من غير وجه أنه أفتى بلزوم الثلاث، وجواب المستدلين أن ابن عباس روى عنه من طريق عكرمة أيضا أنه كان يجعلها واحدة، وثبت عن عكرمة عن ابن عباس ما يوافق حديث طاوس مرفوعا إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وموقوفا على ابن عباس، ولم يثبت خلاف ذلك عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فالمرفوع «أن ركانة طلق امرأته ثلاثا، فردها عليه النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم (١)» -، قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده حدثنا سعيد بن إبراهيم، حدثنا أبي: عن ابن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة مولى ابن عباس قال: «طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، قال: فسأله رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - " كيف طلقتها؟ " قال: فقال طلقتها ثلاثا، قال: " في مجلس واحد "؟ قال: نعم، قال: " فإنها تلك واحدة فارجعها إن شئت " قال: فراجعها (٢)»، وكان ابن عباس يقول: إنما الطلاق عند كل طهر. قلت وهذا الحديث قال فيه ابن إسحاق حدثني داود، وداود من شيوخ مالك ورجال البخاري، وابن إسحاق إذ قال، حدثني، فهو ثقة عند أهل البيت، وهذا إسناد جيد، وله شاهد من وجه آخر رواه أبو داود في السنن، ولم يذكر أبو داود هذا الطريق الجيد؛ فلذلك ظن أن تطليقة واحدة بائنا أصح، وليس الأمر كما قال، بل الإمام أحمد رجح هذه الرواية على تلك وهو كما قال أحمد، وقد بسطنا الكلام على ذلك في موضع آخر. وهذا المروي عن ابن عباس في حديث ركانة من وجهين، وهو رواية عكرمة عن ابن عباس من وجهين عن عكرمة، وهو أثبت من رواية عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة، ونافع بن عجير: أنه طلقها ألبتة،

стр. 1413

و «" أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - استحلفه، فقال: " ما أردت إلا واحدة؟ (١)» فإن هؤلاء مجاهيل لا تعرف أحوالهم، وليسوا فقهاء، وقد ضعف حديثهم أحمد بن حنبل وأبو عبيد وابن حزم، وغيرهم، وقال أحمد ابن حنبل: حديث ركانة في ألبتة ليس بشيء، وقال أيضا: حديث ركانة لا يثبت أنه طلق امرأته ألبتة؛ لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس " أن ركانة طلق امرأته ثلاثا " وأهل المدينة يسمون " ثلاثا " ألبتة، فقد استدل أحمد على بطلان حديث ألبتة بهذا الحديث الآخر الذي فيه أنه طلقها ثلاثا، وبين أن أهل المدينة يسمون من طلق ثلاثا طلق ألبتة، وهذا يدل على ثبوت الحديث عنده، وقد بينه غيره من الحفاظ، وهذا الإسناد، وهو قول ابن إسحاق: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: هو إسناد ثابت عن أحمد وغيره من العلماء. وبهذا الإسناد روى: «أن النبي ﷺ " رد ابنته زينب على زوجها بالنكاح الأول (٢)»، وصحح ذلك أحمد وغيره من العلماء وابن إسحاق إذ قال: حدثني فحديثه صحيح عند أهل الحديث، إنما يخاف عليه التدليس إذا عنعن، وقد روى أبو داود في سننه هذا عن ابن عباس من وجه آخر، وكلاهما يوافق حديث طاوس عنه، وأحمد كان يعارض حديث طاوس بحديث فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثا، ونحوه. وكان أحمد يرى جمع الثلاث جائزا، ثم رجع أحمد عن ذلك، وقال: تدبرت القرآن فوجدت الطلاق الذي فيه هو الرجعي، أو كما قال، واستقر مذهبه على ذلك، وعليه جمهور أصحابه، وتبين من حديث فاطمة أنها كانت مطلقة ثلاثا متفرقات لا مجموعة، وقد ثبت عنده حديثان عن النبي ﷺ أن من جمع ثلاثا لم يلزمه إلا واحدة، وليس عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ما يخالف ذلك، بل القرآن يوافق ذلك، والنهي عنده يقتضي الفساد، فهذه النصوص والأصول الثابتة عنه تقتضي من مذهبه أنه لا يلزمه إلا واحدة، وعدوله عن القول بحديث ركانة وغيره كان أولا لما عارض ذلك عنده من جواز جمع الثلاث، فكان ذلك يدل على النسخ، ثم إنه رجع عن المعارضة وتبين له فساد هذا المعارض، وأن جمع الثلاث لا يجوز: فوجب على أصله العمل بالنصوص السالمة عن المعارض، وليس يعل حديث طاوس بفتيا ابن عباس بخلافه، وهذا علمه في إحدى الروايتين عنه، ولكن ظاهر مذهبه الذي عليه أصحابه أن ذلك لا يقدح في العمل بالحديث، لا سيما وقد بين ابن عباس عذر عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - في الإلزام بالثلاث، وابن عباس عذره هو العذر الذي ذكره عن عمر - رضي الله تعالى عنه -، وهو أن الناس لما تتابعوا فيما حرم الله تعالى عليهم استحقوا العقوبة على ذلك فعوقبوا بلزومه، بخلاف ما كانوا عليه قبل ذلك، فإنهم لم يكونوا مكثرين من فعل المحرم. وهذا كما أنهم لما أكثروا شرب الخمر واستخفوا بحدها كان عمر يضرب فيها ثمانين، وينفي فيها، ويحلق الرأس، ولم يكن ذلك على عهد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وكما قاتل على بعض أهل القبلة ولم يكن ذلك على عهد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -، والتفريق بين الزوجين هو ما كانوا يعاقبون به أحيانا: إما مع بقاء النكاح، وإما بدونه، فالنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فرق بين الثلاثة الذين خلفوا وبين نسائهم حتى تاب الله عليهم من غير طلاق، والمطلق ثلاثا حرمت عليه امرأته حتى تنكح زوجا غيره عقوبة له ليمتنع

стр. 1414

عن الطلاق. وعمر بن الخطاب ومن وافقه كمالك وأحمد في إحدى الروايتين حرموا المنكوحة في العدة على الناكح أبدا؛ لأنه استعجل ما أحله الله فعوقب بنقيض قصده، والحكمان لهما عند أكثر السلف أن يفرقا بينهما بلا عوض إذ رأيا الزوج ظالما معتديا، لما في ذلك من منعه من الظلم ودفع الضرر عن الزوجة ودل على ذلك الكتاب والسنة والآثار، وهو قول مالك وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، وألزم عمر بالثلاث لما أكثروا منه: إما أن يكون رآه عقوبة تستعمل وقت الحاجة، وإما أن يكون رآه شرعا لازما، لاعتقاده أن الرخصة كانت لما كان المسلمون لا يوقعونه إلا قليلا. وهكذا كما اختلف كلام الناس في نهيه عن المتعة، هل كان نهي اختيار؛ لأن إفراد الحج بسفرة والعمرة بسفرة كان أفضل من التمتع، أو كان قد نهى عن الفسخ، لاعتقاده أنه كان مخصوصا بالصحابة؟ وعلى التقديرين فالصحابة قد نازعوه في ذلك، وخالفه كثير من أئمتهم من أهل الشورى وغيرهم: في المتعة وفي الإلزام بالثلاث، وإذا تنازعوا في شيء وجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، كما أن عمر كان يرى أن المبتوتة لا نفقة لها ولا سكنى، ونازعه في ذلك كثير من الصحابة، وأكثر العلماء على قولهم، وكان هو وابن مسعود يريان أن الجنب لا يتيمم، وخالفهما عمار وأبو موسى وابن عباس وغيرهم من الصحابة، وأطبق العلماء على قول هؤلاء، لما كان معهم الكتاب والسنة، والكلام على هذا كثير مبسوط في موضع آخر، والمقصود هنا التنبيه على ما أخذ الناس به. والذين لا يرون الطلاق المحرم لازما يقولون: هذا هو الأصل الذي عليه أئمة الفقهاء: كمالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، وهو: أن إيقاعات العقود المحرمة لا تقع لازمة: كالبيع المحرم، والنكاح المحرم، والكتابة المحرمة، ولهذا أبطلوا نكاح الشغار، ونكاح المحلل، وأبطل مالك وأحمد البيع يوم الجمعة عند النداء، وهذا بخلاف الظهار المحرم؛ فإن ذلك نفسه محرم، كما يحرم القذف وشهادة الزور، واليمين الغموس، وسائر الأقوال التي هي في نفسها محرمة: فهذا لا يمكن أن ينقسم إلى صحيح وغير صحيح، بل صاحبها يستحق العقوبة بكل حال، فعوقب المظاهر بالكفارة، ولم يحصل ما قصده به من الطلاق؛ فإنهم كانوا يقصدون به الطلاق، وهو موجب لفظه، فأبطل الشارع ذلك؛ لأنه قول محرم، وأوجب فيه الكفارة. وأما الطلاق فجنسه مشروع: كالنكاح والبيع، فهو يحل تارة، ويحرم تارة فينقسم إلى صحيح وفاسد، كما ينقسم البيع والنكاح والنهي في هذا الجنس يقتضي فساد المنهي عنه، ولما كان أهل الجاهلية يطلقون بالظهار فأبطل الشارع ذلك؛ لأنه قول محرم كان مقتضى ذلك أن كل قول محرم لا يقع به الطلاق، وإلا فهم كانوا يقصدون الطلاق بلفظ الظهار كلفظ الحرام، وهذا قياس أصل الأئمة مالك، والشافعي، وأحمد. ولكن الذين خالفوا قياس أصولهم في الطلاق خالفوه لما بلغهم من الآثار، فلما ثبت عندهم عن ابن عمر أنه اعتد بتلك التطليقة التي طلق امرأته وهي حائض قالوا: هم أعلم بقصته، فاتبعوه في ذلك، ومن نازعهم يقول: ما زال ابن عمر وغيره يروون أحاديث ولا تأخذ العلماء بما فهموه منها، فإن الاعتبار بما رووه،

стр. 1415

لا بما رأوه وفهموه، وقد ترك جمهور العلماء قول ابن عمر الذي فسر به قوله: " فاقدروا له "، وترك مالك وأبو حنيفة وغيرهما تفسيره لحديث «" البيعان بالخيار (١)» مع أن قوله هو ظاهر الحديث، وترك جمهور العلماء تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٢)، وقوله نزلت هذه الآية في كذا، وكذلك إذا خالف الراوي ما رواه، كما ترك الأئمة الأربعة وغيرهم قول ابن عباس: أن بيع الأمة طلاقها، مع أنه روى حديث بريرة وأن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - خيرها بعد أن بيعت وعتقت، فإن الاعتبار بما رووه، لا ما رأوه وفهموه. ولما ثبت عندهم عن أئمة الصحابة أنهم ألزموا بالثلاث المجموعة قالوا: لا يلزمون بذلك إلا وذلك مقتضى الشرع، واعتقد طائفة لزوم هذا الطلاق وأن ذلك إجماع، لكونهم لم يعلموا خلافا ثابتا، لا سيما وصار القول بذلك معروفا عن الشيعة الذين لم ينفردوا عن أهل السنة بحق. تقال المستدلون: هؤلاء الذين هم بعض الشيعة وطائفة من أهل الكلام يقولون جامع الثلاث لا يقع به شيء: هذا القول لا يعرف عن أحد من السلف، بل قد تقدم الإجماع على بعضه، وإنما الكلام هل يلزمه واحدة؟ أو يقع ثلاث؟ والنزاع بين السلف في ذلك ثابت لا يمكن رفعه، وليس مع من جعل ذلك شرعا لازما للأمة حجة يجب اتباعها: من كتاب ولا سنة، ولا إجماع، وإن كان بعضهم قد احتج على هذا بالكتاب، وبعضهم بالسنة، وبعضهم بالإجماع، وقد احتج بعضهم بحجتين أو أكثر من ذلك، لكن المنازع يبين أن هذه كلها حجج ضعيفة، وأن الكتاب والسنة والاعتبار إنما تدل على نفي اللزوم، وتبين أنه لا إجماع في المسألة، بل الآثار الثابتة عمن ألزم بالثلاث مجموعة عن الصحابة تدل على أنهم لم يكونوا يجعلون ذلك مما شرعه النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لأمته شرعا لازما، كما شرع تحريم المرأة بعد الطلقة الثالثة، بل كانوا مجتهدين في العقوبة بإلزام ذلك إذا كثر، ولم ينته الناس عنه. وقد ذكرت أن الألفاظ المنقولة عن الصحابة تدل على أنهم ألزموا بالثلاث لمن عصى الله تعالى بإيقاعها جملة، فأما من كان يتقي الله فإن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٣) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٤). فمن لا يعلم التحريم حتى أوقعها، ثم لما علم التحريم تاب والتزم أن لا يعود إلى المحرم، فهذا لا يستحق أن يعاقب، وليس في الأدلة الشرعية: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، ما يوجب لزوم الثلاث له، ونكاحه ثابت بيقين، وامرأته محرمة على الغير بيقين، وفي التزامه بالثلاث إباحتها للغير مع تحريمها عليه وذريعة إلى نكاح التحليل الذي حرمه الله ورسوله.

стр. 1416

و" نكاح التحليل " لم يكن ظاهرا على عهد النبي ﷺ وخلفائه، ولم ينقل قط أن امرأة أعيدت بعد الطلقة الثالثة على عهدهم إلى زوجها بنكاح تحليل، بل: «" لعن النبي ﷺ المحلل والمحلل له (١)»: «" ولعن آكل الربا، وموكله وشاهديه وكاتبه (٢)»، ولم يذكر في التحليل الشهود ولا الزوجة ولا الوالي؛ لأن التحليل الذي كان يفعل كان مكتوما بقصد المحلل، أو يتواطأ عليه هو والمطلق المحلل له، والمرأة ووليها لا يعلمون قصده ولو علموا لم يرضوا أن يزوجوه؛ فإنه من أعظم المستقبحات والمنكرات عند الناس؛ ولأن عاداتهم لم تكن بكتابة الصداق في كتاب، ولا إشهاد عليه، بل كانوا يتزوجون ويعلنون النكاح، ولا يلتزمون أن يشهدوا عليه شاهدين وقت العقد، كما هو مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وليس عن النبي ﷺ في الإشهاد على النكاح حديث صحيح، هكذا قال أحمد بن حنبل وغيره. فلما لم يكن على عهد عمر - رضي الله تعالى عنه - تحليل ظاهر، ورأى في إنفاذ الثلاث زجرا لهم عن المحرم: فعل ذلك باجتهاده - أما إذا كان الفاعل لا يستحق العقوبة، وإنفاذ الثلاث يفضي إلى وقوع التحليل المحرم بالنص وإجماع الصحابة، والاعتقاد وغير ذلك من المفاسد، لم يجز أن يزال مفسدة حقيقة بمفاسد أغلظ منها، بل جعل الثلاث واحدة في مثل هذا الحال كما كان على عهد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأبي بكر أولى، ولهذا كان طائفة من العلماء مثل أبي البركات يفتون بلزوم الثلاث في حال دون حال، كما نقل عن الصحابة، وهذا: إما لكونهم رأوه من " باب التعزير " الذي يجوز فعله بحسب الحاجة، كالزيادة على أربعين في الخمر والنفي فيه، وحلق الرأس، وإما لاختلاف اجتهادهم: فرأوه تارة لازما وتارة غير لازم. وبالجملة فما شرعه النبي ﷺ لأمته " شرعا لازما " إنما لا يمكن تغييره لأنه لا يمكن نسخ بعد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -، ولا يجوز أن يظن بأحد من علماء المسلمين أن يقصد هذا، ولا سيما الصحابة، لا سيما الخلفاء الراشدون، وإنما يظن ذلك في الصحابة أهل الجهل والضلال: كالرافضة والخوارج الذين يكفرون بعض الخلفاء أو يفسقونه، ولو قدر أن أحد فعل ذلك لم يقره المسلمون على ذلك، فإن هذا إقرار على أعظم المنكرات، والأمة معصومة أن تجتمع على مثل ذلك، وقد نقل عن طائفة: كعيسى بن أبان وغيره من أهل الكلام والرأي من المعتزلة وأصحاب أبي حنيفة ومالك: أن الإجماع ينسخ به نصوص الكتاب والسنة. وكنا نتأول كلام هؤلاء على أن مرادهم أن الإجماع يدل على نص ناسخ، فوجدنا من ذكر عنهم أنهم يجعلون الإجماع نفسه ناسخا، فإن كانوا أرادوا ذلك فهذا قول يجوز تبديل المسلمين دينهم بعد نبيهم، كما تقول النصارى من: أن المسيح سوغ لعلمائهم أن يحرموا ما رأوا تحريمه مصلحة، ويحلوا ما رأوا تحليله مصلحة، وليس هذا دين المسلمين، ولا كان الصحابة يسوغون ذلك لأنفسهم، ومن اعتقد في الصحابة أنهم كانوا يستحلون ذلك، فإنه يستتاب كما يستتاب أمثاله، ولكن يجوز أن يجتهد الحاكم والمفتي فيصيب فيكون له أجران، ويخطئ فيكون له أجر واحد.

стр. 1417

وما شرعه النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - " شرعا معلقا بسبب " إنما يكون مشروعا عند وجود السبب: كإعطاء المؤلفة قلوبهم؛ فإنه ثابت بالكتاب والسنة، وبعض الناس ظن أن هذا نسخ، لما روي عن عمر: أنه ذكر أن الله أغنى عن التآلف، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وهذا الظن غلط، ولكن عمر استغنى في زمنه عن إعطاء المؤلفة قلوبهم، فترك ذلك لعدم الحاجة إليه لا لنسخه، كما لو فرض أنه عدم في بعض الأوقات ابن السبيل، والغارم ونحو ذلك. و" متعة الحج " قد روي عن عمر أنه نهى عنه، وكان ابنه عبد الله بن عمر وغيره يقولون: لم يحرمها، وإنما قصد أن يأمر الناس بالأفضل، وهو أن يعتمر أحدهم من دويرة أهله في غير أشهر الحج؛ فإن هذه العمرة أفضل من عمرة المتمتع والقارن باتفاق الأئمة، حتى أن مذهب أبي حنيفة وأحمد منصوص عنه: أنه إذا اعتمر في غير أشهر الحج وأفرد الحج في أشهره: فهذا أفضل من مجرد التمتع والقران، مع قولهما بأنه أفضل من الإفراد المجرد، ومن الناس من قال: إن عمر أراد فسخ الحج إلى العمرة، قالوا: إن هذا محرم به ولا يجوز، وأن ما أمر به النبي ﷺ أصحابه من الفسخ كان خاصا بهم، وهذا قول كثير من الفقهاء: كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وآخرون من السلف والخلف قابلوا هذا، وقالوا: بل الفسخ واجب، ولا يجوز أن يحج أحد إلا متمتعا: مبتدئا أو فاسخا، كما أمر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أصحابه في حجة الوداع، وهذا قول ابن عباس وأصحابه ومن اتبعه من أهل الظاهر والشيعة، و " القول الثالث " أن الفسخ جائز، وهو أفضل ويجوز أن لا يفسخ، وهو قول كثير من السلف والخلف: كأحمد بن حنبل وغيره من فقهاء الحديث، ولا يمكن الإنسان أن يحج حجة مجمعا عليها إلا أن يحج متمتعا ابتداء من غير فسخ. فأما حج المفرد والقارن: ففيه نزاع معروف بين السلف والخلف، كما تنازعوا في جواز الصوم في السفر، وجواز الإتمام في السفر، ولم يتنازعوا في جواز الصوم والقصر في الجملة. وعمر لما نهى عن المتعة خالفه غيره من الصحابة، كعمران بن حصين، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وغيرهم، بخلاف نهيه عن متعة النساء؛ فإن عليا وسائر الصحابة وافقوه على ذلك، وأنكر علي على ابن عباس إباحة المتعة، قال: «إنك امرؤ تائه، إن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - حرم متعة النساء، وحرم لحوم الحمر الأهلية عام خيبر (١)»، فأنكر علي بن أبي طالب على ابن عباس إباحة الحمر، وإباحة متعة النساء؛ لأن ابن عباس كان يبيح هذا وهذا، فأنكر عليه علي ذلك، وذكر له: «" أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم حرم المتعة، وحرم الحمر الأهلية (٢)» ويوم خيبر كان تحريم الحمر الأهلية. . وأما تحريم المتعة، فإنه عام فتح مكة، كما ثبت ذلك في الصحيح، وظن بعض الناس أنها حرمت، ثم أبيحت، ثم حرمت، فظن بعضهم أن ذلك ثلاثا، وليس الأمر كذلك. فقول عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -: " إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت له فيه أناة فلو أنفذنا عليهم فأنفذه عليهم: هو بيان أن الناس أحدثوا ما استحقوا عنده أن ينفذ عليهم الثلاث، فهذا

стр. 1418

إما أن يكون كالنهي عن متعة الفسخ، لكون ذلك كان مخصوصا بالصحابة وهو باطل؛ فإن هذا كان على عهد أبي بكر - رضي الله تعالى عنه -؛ ولأنه لم يذكر ما يوجب اختصاص الصحابة بذلك، وبهذا أيضا تبطل دعوى من ظن ذلك منسوخا كنسخ متعة النساء، وإن قدر أن عمر رأى ذلك لازما فهو اجتهاد منه اجتهده في المنع من فسخ الحج لظنه أن ذلك كان خاصا. وهذا قول مرجوح قد أنكره غير واحد من الصحابة، والحجة الثانية هي مع من أنكره، وهكذا الإلزام بالثلاث، من جعل قول عمر فيه شرعا لازما قيل له: فهذا اجتهاده قد نازعه فيه غيره من الصحابة، وإذا تنازعوا في شيء وجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، والحجة مع من أنكر هذا القول المرجوح. وإما أن يكون عمر جعل هذا عقوبة تفعل عند الحاجة، وهذا أشبه الأمرين بعمر، ثم العقوبة بذلك يدخلها الاجتهاد من " وجهين " من جهة أن العقوبة بذلك: هل تشرع؟ أم لا؟ فقد يرى الإمام أن يعاقب بنوع لا يرى العقوبة به غيره، كتحريق علي الزنادقة بالنار، وقد أنكره عليه ابن عباس، وجمهور الفقهاء مع ابن عباس، ومن جهة أن العقوبة إنما تكون لمن يستحقها فمن كان من " المتقين " استحق أن يجعل الله له فرجا ومخرجا، لم يستحق العقوبة، ومن لم يعلم أن جمع الثلاث محرم، فلما علم أن ذلك محرم تاب من ذلك اليوم أن لا يطلق إلا طلاقا سنيا فإنه من " المتقين "، فمثل هذا لا يتوجه إلزامه بالثلاث مجموعة بل يلزمه بواحدة منها، وهذه المسائل عظيمة وقد بسطنا الكلام عليها في موضع آخر من مجلدين، وإنما نبهنا عليها هنا تنبيها لطيفا. والذي يحمل عليه أقوال الصحابة أحد أمرين: إما أنهم رأوا ذلك من باب التعزير الذي يجوز فعله بحسب العادة: كالزيادة على أربعين في الخمر، وإما لاختلاف اجتهادهم فرأوه لازما، وتارة غير لازم، وإما القول بكون لزوم الثلاث شرعا لازما، كسائر الشرائع، فهذا لا يقوم فيه دليل شرعي، وعلى هذا القول الراجح لهذا الموقع أن يلتزم طلقة واحدة ويراجع امرأته، ولا يلزمه شيء لكونها كانت حائضا، إذ كان ممن اتقى وتاب من البدعة.

стр. 1419

الخلاصة اتفق الفقهاء على أن طلاق السنة بالنسبة لعدد الطلاق، أن يطلق الرجل زوجته طلقة واحدة مدخولا بها أم غير مدخول بها، ثم له أن يمسك المدخول بها فيراجعها ما دامت في العدة وله أن يتركها فلا يراجعها حتى تنقضي عدتها فتبين منه، وهذا هو التسريح لها بإحسان، واتفقوا أيضا على أنه إذا عاد إلى مطلقته

стр. 1420

برجعة أو عقد ثم طلقها طلقة واحدة فطلاقه طلاق سنة، ولو فعل مثل هذا مرة ثالثة كان طلاقه طلاق سنة باتفاق. واختلفوا فيما لو طلق امرأته ثلاثا بأن قال لها: أنت طالق ثلاثا مثلا هل هو طلاق بدعة أو لا؟ واختلفوا أيضا فيما لو طلق المدخول بها طلقة ثم أتبعها أخرى في نفس الطهر أو الطهر الثاني أو الثالث قبل أن يراجعها، هل هو طلاق بدعة أو لا؟ ومحل البحث ما لو قال لها في لفظ واحد: أنت طالق ثلاثا مثلا، هل هو بدعة ممنوعة أو لا؟ وهل يعتد به أو لا؟ فهاتان مسألتان في كل منهما خلاف بين العلماء، وفيما يلي خلاصة القول فيهما:

стр. 1421

المسألة الأولى: في حكم الإقدام على جمع الثلاث بكلمة واحدة - " وفيه قولان " ١ - القول الأول: أنه بدعة ممنوعة، وهو قول الحنفية والمالكية وإحدى الروايتين عن أحمد وقول ابن تيمية وابن القيم، وقد استدلوا لذلك بأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والمعنى والقياس. أما القرآن: فمنه قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١). إلى قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٢) قيل المراد الأمر بتفريق الطلقات الثلاث على أطهار العدة الثلاثة، والأمر بالتفريق نهي عن الجمع نهي تحريم أو نهي كراهة فكان جمع الثلاث في طهر واحدة بدعة ممنوعة (٣). وذكر ابن تيمية أن الله لم يبح في هذه الآية إلا الطلاق الرجعي لقوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٤). والأمر هو الندم على الطلاق، والرغبة في الرجعة، ولقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٥)، فخير سبحانه بين الرجعة قبل انقضاء العدة دون مضارة للزوجة وبين تركها حتى تنقضي عدتها فتبين منه، وأنه سبحانه لم يبح فيها إلا الطلاق للعدة، فإرداف الطلاق للطلاق في العدة ولو في طهر آخر ممنوع لقوله تعالى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٦). إذ المعنى الأمر بطلاقهن مستقبلات عدتهن، ومن طلق زوجته الطلقة الثانية في طهرها الثاني، والثالثة في طهرها الثالث بنت مطلقته على ما مضى من عدتها ولم تستأنف العدة للثاني ولا للثالث، فلم يكن طلاقا للعدة، فكان غير مشروع (٧).

стр. 1422

ومنه قوله تعالى ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (١)، ووجه الاستدلال أن هذه الجملة خبرية لفظا طلبية معنى، لئلا يلزم الخلف في خبره تعالى، ولهذا نظائر في الكتاب والسنة ولغة العرب، فالمعنى إذا عزمتم الطلاق فطلقوه مرة بعد مرة، إذ لا يقال لمن دفع درهمين لإنسان دفعة أنه أعطاه مرتين إلى غير هذا من النظائر، والأمر بالتفريق نهي عن الجمع فكان ممنوعا (٢). فإن قيل: إذا كان كل الطلاق في دفعتين كان الواقع منه في دفعة طلقتين، وفي الأخرى طلقة، فكان الجمع بين طلقتين مشروعا، وإذا يكون الجمع بين الثلاث مشروعا، إذ لا فرق. فالجواب أن الآية أمرت بتفريق الطلقتين من الثلاث لا بتفريق الثلاث، بدليل ما ذكر بعد من مشروعية الرجعة (٣) وفي معناه ما قيل: من أن المراد أوقعوا الطلاق الرجعي المذكور في قوله تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٤) الآية، مرة بعد مرة، ومن طلق ثلاثا أو طلقتين دفعة لم يفعل ما أمر به فكان مبتدعا في طلاقه، كما أن من قال: سبحان الله ثلاثا وثلاثين، والحمد لله ثلاثا وثلاثين، والله أكبر ثلاثا وثلاثين عقب المكتوبات مكتفيا بذكر اسم العدد عن تكرار كل من التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثا وثلاثين مرة لم يكن آتيا بما أمر به كما أمر، فكان مبتدعا. وقيل في وجه الاستدلال بالآية: إن المراد الإخبار عن صفة الطلاق الشرعي، والألف واللام في الطلاق للحصر فيقتضي ذلك المنع من الطلاق على غير هذه الصفة، لكونه بدعة مخالفة للشرع. فإن قيل: المراد الإخبار عن أن الطلاق الرجعي طلقتان، وما زاد فليس برجعي، يدل عليه قوله بعد ذلك ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٥)، أجيب بأنه لو كان المراد ما ذكرتم لقال: الطلاق طلقتان، سواء أوقعهما الزوج مجتمعتين أم مفترقتين، فلما قال: مرتان - اقتضى إيقاعه مفترقا، وثبت أن المراد الإخبار عن صيغة إيقاعه. فإن قيل: لفظ التكرار إذا علق باسم أريد به تضعيف العدد دفعة دون تكرار الفعل كما في قوله تعالى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ (٦). ونحوها؛ فإن المراد تضعيف العدد لا تفريق الأجر، أجيب بأن المراد نؤتها أجرها مرة بعد مرة كما روي عن بعض السلف، وعلى تقدير أن المراد في الآية تضعيف العدد دفعة يقال: إن الأصل فيما ذكر تكرار الفعل إلا إذا دل دليل على إرادة تضعيف العدد فيعدل إليها استثناء كما في الآية

стр. 1423

﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ (١) وما عداه يبقى على الأصل، على أنه لو أريد بقوله تعالى ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٢) تضعيف العدد دفعة، لمنع الزوج من إيقاع طلقة مفردة، وهذا باطل بإجماع (٣). وأجيب أيضا بأن الفرق معلوم بين ما يكون مرتين في الزمان فلا يتصور فيه الجمع كآية الطلاق، وبين ما يكون مثلين وجزأين ومرتين في المضاعفة فيتصور فيه الجمع كما في آية ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ (٤)، وآية ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ (٥) ونحوهما. ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٦). الآية، وهذا إنما يكون فيما دون الثلاث، وهو يعم كل طلاق، لوقوعه في حيز الشرط، فعلم أن جمع الثلاث غير مشروع (٧). ومن السنة حديث «تزوجوا ولا تطلقوا» إلخ - قيل نهى عن الطلاق لأمر ملازم له لا لعينه؛ لأنه بقي معتبرا شرعا في حق الحكم بعد النهي، والمراد - والله أعلم - الجمع بين طلقتين أو أكثر من طهر والطلاق في الحيض، ولكن هذا الحديث ضعيف فلا يشتغل بمناقشته (٨). ومنها ما روى مخرمة بن بكير عن أبيه: قال سمعت محمود بن لبيد قال «أخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاثا تطليقات جميعا فقال " فعلته لاعبا " ثم قال: " تلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم " حتى قام رجل، فقال يا رسول الله، ألا أقتله (٩)»؟ وإسناده على شرط مسلم، ودلالة متنه على المنع ظاهرة، واعترض عليه أولا: بأن مخرمة لم يسمع من أبيه، وإنما هو كتاب، وعورض ذلك بقول من قال سمع من أبيه، ومعه زيادة علم وإثبات فيقدم، وعلى تقدير أنه لم يسمع من أبيه، وإنما رواه من كتابه، وكان كتاب أبيه عنده محفوظا مضبوطا، فقد انعقد الإجماع على قبول الكتاب والعمل به إذا صح عند رواية أنه من كتابه شيخه، بل الرواية من الكتاب المصون أوثق، فإن الحفظ يخون والنسخة الثابتة المحفوظة لا تخون، وقد أطال ابن القيم الكلام على توثيق مخرمة واعتبار الرواية من الكتاب، وصحة الاحتجاج بها (١٠). واعترض ثانيا بأن محمود بن لبيد وإن كان صحابيا إلا أنه لم يثبت له سماع من النبي ﷺ فروايته عنه مرسلة، وأجيب بأن مرسل الصحابي مقبول، فصح الاحتجاج بالحديث.

стр. 1424

ومنها حديث عبادة بن الصامت: أن قوما جاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: «إن أبانا طلق امرأته ألفا فقال: " بانت امرأته بثلاث في معصية الله، وبقي تسعمائة وسبعة وتسعون وزرا في عنقه إلى يوم القيامة»، وأجيب بأن في سنده رجالا مجهولين وضعفاء فلا يصلح للاحتجاج به (١). ومنها حديث علي قال: سمع النبي ﷺ رجلا طلق ألبتة فغضب، وقال «أتتخذون آيات الله هزوا أو دين الله هزوا أو لعبا، من طلق ألبتة ألزمناه ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجها غيره (٢)» فدل غضبه على المنع من جمع الثلاث بلفظ صريح أو كناية، وأجاب الدارقطني بأن في سند إسماعيل بن أمية القرشي، وهو ضعيف، وقال ابن القيم في سنده مجاهيل وضعفاء فلا يصح الاحتجاج به. ومنها «أن ابن عمر لما طلق امرأته في الحيض وأمره النبي ﷺ بمراجعتها قال: أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكانت تحل لي، قال: " لا بانت منك وهي معصية (٣)»، وأجيب بان في سنده شعيب بن رزيق وقد تكلموا فيه، وتفرد في هذا الحديث عن الثقات بزيادة قوله: أرأيت لو طلقتها ثلاثا، إلخ. . فلم يأت أحد منهم في روايته لهذا الحديث بما أتى به، ولذا لم يروا حديثه هذا أحد من أصحاب الصحاح ولا السنن (٤). وأما الإجماع فقد أنذر عمر من يأته وقد طلق امرأته ثلاث تطليقات مجموعة بأن يوجعه ضربا، وحكم كثير من الصحابة بأن من يطلق ثلاثا مجموعة أو أكثر فقد عصى ربه واستنكروا ذلك من فاعله وجعلوه متعديا لحدود الله، وانتشر ذلك عنهم دون نكير، فكان إجماعا على المنع من جمع ثلاث طلقات فأكثر دفعة. وأما المعنى فمن وجهين: الأول أن النكاح عقد مصلحة، والطلاق إبطال له، فكان مفسدة، والله لا يحب الفساد. الثاني: أن النكاح عقد مسنون بل واجب، وفي الطلاق قطع للسنة أو تفويت للواجب، فكان الأصل فيه الحظر أو الكراهة، إلا أنه رخص فيه للدواعي الطارئة كتوقع مفسدة من استمرار النكاح أشد من مفسدة الطلاق، فيرتكب أخف المفسدتين تفاديا لأشدهما (٥)، لكن يقتصر من ذلك على طلقة واحدة، إذ بها تندفع المفسدة، وما زاد عليها فيبقى على الأصل، وهو المنع ويشهد لكون الأصل في الطلاق الحظر حديث: «" أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة (٦)». رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، وأما القياس فلأن التطليق ثلاثا دفعة فيه تحريم البضع من غير حاجة، فأشبه الظهار، فكان ممنوعا، ولأن فيه ضررا وإضرارا بنفسه وبامرأته، فأشبه الطلاق في الحيض فكان ممنوعا.

стр. 1425

٢ - القول الثاني: أن جمع الطلاق الثلاث في كلمة ليس بمحرم ولا بدعة، وبه قال الشافعي وأبو ثور وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وجماعة من أهل الظاهر، واستدلوا لذلك بالكتاب والسنة والآثار والمعنى. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١) وقوله تعالى ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (٢)، وقوله تعالى ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣)، فهذه تعم إباحة الثلاث والاثنتين فإنه تعالى لم يخص مطلقة طلقة واحدة من مطلقة ثلاثا، فليس لأحد أن يخصها إلا بدليل ويمكن أن يقال: إن المقصود في الجمل الشرطية الحكم بما تضمنه الجواب على تقدير تحقق فعل الشرط، بقطع النظر عن كونه فعل الشرط مطلوب الحصول أو مباحا أو ممنوعا، وعلى هذا يكون القصد من آية ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٤)، الحكم بتحريم الزوجة على زوجها الذي طلقها المرة الثالثة حتى تنكح زوجا غيره، وقد يكون طلاقها المرة الثالثة مأذونا فيه كما لو طلقها في طهر لم يمسها فيه طلقة، وقد يكون محرما كما لو طلقها المرة الثالثة في حيض مثلا، ويكون القصد من آية ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (٥)، عدم وجوب العدة على تقدير حصول الطلاق قبل الدخول، أما كون طلاقها مباحا أو محرما فيفهم من أمر آخر، وأما آية ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٦)، فالقصد منها إثبات المتعة للمطلقة، وجوبا أو ندبا، لا بيان حكم الطلاق، فقد يكون محرما وثبت لها المتعة، وقد يكون مباحا كما تقدم. وبهذا يتبين أن الآيات الثلاث ليست في محل النزاع. وأما السنة فمنها «حديث فاطمة بنت قيس، وفيه أن زوجها طلقها ثلاثا أو طلقها ألبتة وهو غائب، وبعث إليها وكيله بشعير نفقة لها، فسخطته، فقال: والله، ما لك علينا من شيء، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال " ليس لك عليه نفقة (٧)» فلم يعب ﷺ الثلاث مع الإجمال فيما بلغه من خبر الطلاق، ولم يستفسر عن كيفيته، ولفظ ألبتة هنا مراد به الثلاث، وإلا لم تسقط نفقتها ولا سكناها، وأجيب برواية الزهري هذا الخبر عن أبي سلمة وفيه ذكرت أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات،

стр. 1426

وبراوية الزهري أيضا عن عبيد الله بن عبد الله بن مسعود أن زوجها أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها، فذكر الخبر، وفيه أن مروان أرسل إليها قبيصة بن ذؤيب فحدثته. . . وذكر باقي الخبر، فكان هذا تفسير لما في الثلاث أو ألبتة من الإجمال، وأن ذلك لم يكن مجموعا، وأعلى ابن حزم الرواية الثانية بالانقطاع لعدم التصريح بالتحديث أو السماع، ويمكن أن يقال: إن ظاهرها الاتصال، لأنها في حكم الرواية بها لمتعته ونحوها، فصلحت تفسير للإجمال، وقال ابن حزم أيضا: إن كلا الخبرين ليس فيهما أن النبي ﷺ أخبر بذلك، ويمكن أن يقال: إن الأصل بيان السائل الثقة الورع لواقع أمره، وخاصة الصحابة مع النبي ﷺ وذلك لتطمئن النفس إلى موافقة الجواب للواقع، وعلى تقدير الاحتمال في حديث فاطمة، فحمله على ما كان شائعا كثيرا، وهو إفراد الطلاق أولى من حمله على النادر وهو جمع الثلاث في كلمة، ومنها حديث تلاعن عويمر وامرأته، وفيه أنه طلقها ثلاثا بعد اللعان قبل أن يأمره النبي ﷺ فلو كان جمع الثلاث ممنوعا لبين له النبي ﷺ أنه عاص بجمع الثلاث، وعلمه الطلاق المشروع. وأجيب بأنه لما لم يصادف طلاقه محلا لم ينكر عليه، فإنها صارت أجنبية منه لا تحل له أبدا بتمام اللعان لا بالطلاق الثلاث، وإلا لحلت له بعد أن تنكح زوجا آخر، وقد أيد ذلك فيما سبق في حديث محمود بن لبيد من إنكاره ﷺ على من طلق امرأته ثلاثة تطليقات جميعا وبهذا يجمع بين خبري الإنكار والسكوت بحمل أحدهما على طلاق صادف محلا، والآخر على ما إذا لم يصادف محلا، وأما قول سهل: فأنفذه رسول الله ﷺ وقوله: فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما، فسيأتي الكلام عليه في موضعه من المسألة الثانية. ومنها حديث المرأة التي طلقها زوجها ثلاثا، والأخرى التي بت زوجتها طلاقها وقد تزوجت كلا منهما بعد ذلك ثم طلقت قبل أن يجامعها، وأرادت أن ترجع إلى زوجها الأول فقال النبي ﷺ «لا حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك (١)»؛ فدل عدم نقل الإنكار من النبي ﷺ طلاق الرجل امرأته ثلاثا أو بت طلاقها على جواز الجمع بين الثلاث، إذ لو كان ممنوعا لأنكره، ولو أنكره لنقل، أجيب أن اللفظ محتمل أن تكون الثلاث مجتمعة وأن تكون مفرقة، ولفظ ألبتة يعبر به عن الثلاث، وقد ثبت أن كلا منهما قد طلقها زوجها آخر ثلاث تطليقات، فليس في ذلك دليل لجواز جمع الثلاث. وأما الآثار: فمنها ما روي أن عمر ﵁ استفتى فيمن طلق امرأته ألبتة فاستحلفه عما أراد لحلف أنه أراد واحدة فردها إليه، ولم يقل له لو أردت ثلاثا لعصيت ربك، وأجيب بأن عمر أنكر عليه بقوله: ما حملك على هذا، وبتلاوة قوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ (٢). ورد الجواب بأنه أنكر عليه عدوله في الطلاق عن اللفظ الصريح إلى لفظ مشكل محتمل وهو ألبتة.

стр. 1427

ومنها أن عثمان لم ينكر على عبد الرحمن بن عوف طلاقه امرأته ثلاثا، ومنها أن أبا هريرة وابن عباس وعبد الله بن عمر، وعائشة وعبد الله بن الزبير لم ينكروا على من استفتى في طلاق الثلاث، ولم يعيبوا عليه ذلك، ولم يقل أحد منهم لمن استفتاه في ذلك بئس ما صنعت، وما روي من إنكار ابن عباس وغيره من الصحابة على من طلق امرأته مائة أو ألفا فإنما إنكاره لما زاد عما جعل إليه من الثلاث، وروي ما يوافق ذلك عن شريح والشعبي وغيرهما من التابعين (١) وقد يقال: يرد هذا ما روي عن عمر وابن عمر وابن عباس وعمران بن حصين أنهم أثموا من طلاق ثلاث، وقالوا: إنه عصى ربه، وتوعدوا من يطلق ثلاثا في مجلس واحد بالأذى كما روي عنهم ذلك فيمن تجاوز الثلاث في طلاقه، وإذا فليس الإنكار خاصا بما زاد على الثلاث (٢). وأما المعنى فإن الشرع قد جعل الطلاق إلى الزوج يمضي منه ما شاء ويبقى ما شاء، دون أن يكون عليه في ذلك حرج، كما أنه لا يحرم عليه أن يعتق ما شاء من عبده ويتصدق بما شاء من ماله، ويبقي من ذلك ما شاء بل له أن يأتي على ذلك كله، وأجيب بأن الأصل فيما ذكر أنه من القربات، فله أن يفعل من ذلك ما شاء، ويؤجر عليه ما لا يضر بنفسه، بخلاف الطلاق فإن الأصل فيه الحظر لما تقدم، ولأنه أبغض الحلال إلى الله، وقد شرع على صفة معينة، فينبغي التزامها في إيقاعه.

стр. 1428

المسألة الثانية: فيما يترتب على إيقاع الطلاق الثلاث بلفظ واحد وفيه مذاهب المذهب الأول أنه يقع ثلاثا ، وهو مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين من بعدهم، وقد استدلوا لذلك بأدلة من الكتاب والسنة والآثار، والإجماع والقياس. أما الكتاب: فمنه قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١)؛ فإنه يدل على أنه إذا قال الزوج لامرأته: أنت طالق، أنت طالق، في طهر لزمه اثنتان، وإذا فيلزمه اثنتان إذا أوقعهما معا في كلمة واحدة (٢)؛ لأنه لم يفرق بين ذلك أحد، وأيضا حكم الله بتحريمها عليه بعد الثالثة في قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ (٣) الآية، ولم يفرق أحد بين إيقاعها في طهر أو أطهار، فوجب الحكم بإلزامه بالجميع على أي وجه أوقعه، مباح أو محظور، واعترض بأن المراد بالآية الطلاق المأذون فيه، وإيقاع الثلاث معا غير مأذون فيه، فكيف يستدل بها في الإلزام بطلاق وقع على غير الوجه المباح، وهي لم تتضمنه؟

стр. 1429

وأجيب بأنها دلت على الأمر بتفريق الطلاق، ولا مانع من دلالتها على الإلزام به من جهة أخرى إذا وقع على غير الوجه المأمور به. واعترض أيضا بأن قوله تعالى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) بين المراد من آية الاستدلال، وأن الطلاق إنما يكون للعدة، فمتى خالف ذلك لم يقع طلاقه. وأجيب بأنا نثبت حكم كل من الآيتين فنثبت بآية ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢) أن الطلاق المسنون ما كان للعدة ونثبت بآية ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٣) أن من طلق لغير العدة أو جمع بين الثلاث لزمه ما فعل، وبذلك تكون قد أخذنا بحكم كل من الآيتين، على أن آخر آية الطلاق للعدة وهو قوله تعالى ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ (٤) الآية، يدل على وقوع الطلاق لغير العدة، فإنه لو لم يلزمه لم يكن ظالما لنفسه بإيقاعه ولا بطلاقه، كما أن قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٥). يدل على ذلك، وسيأتي لهذا زيادة بيان في الدليل الثاني -إن شاء الله. واعترض أيضا بأن الزوج لو وكل من يطلق طلاقا مفرقا على الأطهار فجمع الثلاث في طهر لم يقع لكونه غير مأمور به فكذا الزوج، وأجيب بالفرق بينهما، فإن الزوج يملك الطلاق الثلاث، وإيقاعه على غير الوجه المشروع لا يمنع من إلزامه به كالظهار والردة، أما الوكيل فلا يملك من الطلاق إلا ما ملكه موكله، ولا يملك إيقاعه إلا على الوجه الذي وصفه له موكله، إذ هو معبر عن موكله وتلزمه حقوق ما يوقعه (٦)، وسيأتي لهذا مزيد بحث، واستدل أيضا بعموم قوله تعالى في الآية: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٧) على أنه يتناول إيقاع الثلاث دفعة، وأجيب عن وجوه الاستدلال بالآية: أولا: بأن تسريح المطلقة طلاقا رجعيا بإحسان تركها بلا مضارة لها حتى تنقضي عدتها، لإطلاقها مرة أخرى قبل رجعتها، وما روي مرفوعا من تفسير التسريح بالإحسان بطلاقها الثالثة فمرسل. ثانيا: بأن من العلماء من فرق بين إيقاع الطلاق مفرقا في طهر أو مجموعا وبين إيقاعه مفرقا في أطهار دون سبق رجعة، وإيقاعه مفرقا في أطهار مع سبق كل برجعة، فدعوى عدم الفرق مخالفة للواقع. ثالثا: بأن الله جعل الطلاق إلى الزوج لكن على أن يوقعه مفرقا مرة بعد مرة على صفة خاصة، ولم يشرع سبحانه إيقاع الطلاق ثلاثا جملة حكمة في تشريعه ورحمة بعباده، فإيقاعه ثلاثا مجموعة مخالف لأمر الله وشرعه، وأما قياس الثلاث مجموعة على الظهار فيبطل قولكم، ويثبت قول مخالفيكم، فإن الله لم يلزم المظاهر بما التزم من تحريم زوجته، وجعلها كأمه أو أخته مثلا بل لم تزل زوجته، وعاقبه بشيء آخر على جريمة الظهار هو الكفارة، فإذا أدى ما شرع من الكفارة حلت له مماستها، فمقتضى قياسكم أن لا يلزم بشيء من الثلاث، ويعاقب بأمر آخر على جريمة الجمع بين الثلاث، وكذا القول في قياسكم جمع الثلاث على الردة، وإذا ليست الآية دليلا على إلزام الثلاث أو الثنتين إذا أوقعها مجموعة، بل تدل على خلافه.

стр. 1430

ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (١)، ومن طلق ثلاثا مجموعة فقد تعدى حدود الله، لإيقاعه الطلاق على غير الوجه المشروع، وظلم نفسه بتعجله فيما كانت له فيه أناة، وحرمانه من رجعة زوجته، إذ لو لم يلزم بالثلاث من طلق ثلاثا مجموعة لم يكن ظالما لنفسه ولا محروما من زوجته، لتمكنه من رجعتها. ويؤيده أن ابن عباس أفتى بإلزام الثلاث من طلق ثلاثا، وعاب على من جمع الثلاث، ورماه بالحماقة، واستشهد بالآية، وأجيب بمنع دلالة الآية على الإلزام بالثلاث، لأن ركانة لما طلق امرأته ثلاثا أمره النبي ﷺ أن يراجعها، وتلا هذه الآية، ولو كانت دليلا على إلزام الثلاث، من طلق ثلاثا مجموعة لما استدل بها ﷺ ، وستأتي مناقشة حديث ركانة. وكما روي عن ابن عباس الإلزام بالثلاث والاستشهاد بالآية روي عنه اعتبارها واحدة (٢). ويمكن أن يقال: بحمل تعدي حدود الله في الآية وظلم المطلق لنفسه على الطلاق لغير العدة، وإخراج الزوج مطلقته طلاقا رجعيا من بيتها الذي كانت تسكنه قبل الطلاق وخروجها منه أيام العدة، دون الطلاق الثلاث، وقد يساعد على هذا سابق الكلام ولاحقه، وفي هذا أيضا جمع بين الأدلة. ومنه قوله تعالى ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (٣)، ذكر عن الحسن أنها نزلت فيمن كان يطلق ويزوج ابنته ويعتق عبده، ويدعي أنه كان لاعبا، فقال رسول الله ﷺ «ثلاث من قالهن لاعبا جائزات: العتاق والطلاق والنكاح (٤)»، وأجيب بأنه لا دليل في الآية ولا في الحديث على المطلوب؛ لأنه لم يذكر فيهما طلاق الثلاث أصلا، وإنما فيهما النهي عن اللعب في الطلاق ونحوه على أن ما ذكر من مراسيل الحسن. وأما السنة فأولا: حديث تلاعن عويمر العجلاني وامرأته، فإن النبي ﷺ فرق بينهما بإنفاذ الطلاق الثلاث لا باللعان، يؤيد هذا قول سهل: فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله ﷺ فأنفذها رسول الله ﷺ إلخ، وبهذا يعلم أن طلاق عويمر اعتبر ثلاثا، وبانت منه امرأته بذلك، ثم أكد ذلك بتأبيد تحريمها عليه في اللعان خاصة، وقد يقال: بأن إنفاذ الطلاق الثلاث دفعة على الملاعن خاص باللعان لما فيه من تأبيد التحريم بخلاف غيره، بدليل حديث محمود بن لبيد، ويجاب بأن حديث محمود بن لبيد، وإن صح ليس فيه إنفاذ الثلاث ولا عدم إنفاذها، وحديث اللعان فيه إنفاذها فيقدم، بل قيل إن حديث محمود بن لبيد دليل على اعتبار إيقاع الثلاث دفعة ثلاثا؛ لأن الزوج طلق ثلاثا يظنها لازمة له فلو كانت غير لازمة لبين له ﷺ لعدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة (٥).

стр. 1431

وقد أجيب عن أصل الاستدلال بأن النبي ﷺ أنفذ تطليقات عويمر على الوجه الذي كان معروفا في عهده من اعتبارها واحدة رجعية، ثم حرمها عليه تحريما أبديا بدليل قوله في الحديث: فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما، فإن التفريق يتأتى مع بقاء النكاح بخلاف ما إذا اعتبرت تطليقات عويمر ثلاثا، فإنها تكون أجنبية منه بذلك محرمة عليه حتى تنكح زوجا غيره (١). وكذا يقال فيما أمضاه على المطلق في حديث محمود بن لبيد، فإن حمله على ما كان معروفا في عهده ﷺ أقرب من حمله على الثلاث، بل هو المتعين. ثانيا: حديث من طلقها زوجها ثلاثا وأبى النبي ﷺ أن يبيحها لزوجها الأولى حتى يطأها الثاني، قالوا: الظاهر أنه طلقها ثلاثا مجموعة فأمضاها عليه النبي ﷺ ، وإلا لحلت للأول دون أن تذوق عسيلة الثاني، وأجيب بأنه ورد في بعض الروايات أن الأول طلقها آخر ثلاث تطليقات، وعلى تقدير تعدد القصة وأن هذه الرواية كانت في إحداهما فكل منهما ليس فيها ما يدل على أن التطليقات كانت مجموعة، لجواز أن تكون متفرقة، بل في الحديث ما يدل على تفريقها فإنه لا يقال طلق ثلاثا إلا لمن فعل ذلك مرة بعد مرة كما يقال: سلم ثلاثا، وسبح ثلاثا، ومع هذا فقد كان المشهور في عهد النبي ﷺ إيقاع الطلاق متفرقا، أما إيقاعه مجموعا فقد كان قليلا ومنكرا، وحمل اللفظ على الكثير الحق أقرب من حمله على القليل المنكر (٢). ثالثا: حديث فاطمة بنت قيس، فإن زوجها طلقها ثلاثا مجموعة، وقد تقدم الكلام فيه، وفي مثله توجيها وإجابة، إلا أنه ذكر هنا زيادة في رواية مجالد بن سعيد عن الشعبي أن زوجها طلقها ثلاثا جميعا، وأجيب عنها بأنها قد تفرد بها مجالد عن الشعبي وهو ضعيف، وعلى تقدير الصحة فكلمة جميع في الغالب لتأكيد العدد، فالمعنى حصول الطلاق الذي يملكه جميعه لا اجتماعه، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ (٣)، فالمراد حصول الإيمان من جميعهم لا حصوله منهم في وقت واحد (٤). وذكر بعضهم أن تعبير فاطمة بنت قيس عن كيفية طلاقها مختلف الصيغة، ولم يفرق بينها الصحابة في الحكم، وإلا لاستفسروا عما فيها من إجمال، وأجيب بأن الإجمال زال برواية طلقها آخر ثلاث تطليقات، ورواية أرسل إليها بطلقة كانت بقيت لها (٥). رابعا: حديث ركانة فإنه طلق امرأته سهيمة ألبتة، واستفسره النبي ﷺ عما أراد، واستحلفه عليه فحلف ما أراد إلا واحدة، فردها عليه، فدل على أنه لو أراد أكثر لأمضاه عليه،

стр. 1432

إذ لو لم يفترق الحكم لما استفسره ولا استحلفه، وهذا الحديث وإن تكلم فيه من أجل الزبير بن سعيد فقد صححه بعض العلماء، وحسنه بعضهم، وذكر الحاكم له متابعا من بيت ركانة. وأجيب بأن الإمام أحمد ضعف حديث طلاق ركانة زوجته ألبتة من جميع طرقه، وضعفه البخاري، وقال مضطرب فيه، تارة قيل فيه ثلاثا، وتارة قيل فيه واحدة، وعلى ذلك تترك الروايتان المتعارضتان، ويرجع إلى غيرهما، هذا وقد روي حديث تطليق ركانة امرأته ثلاثا وجعلها واحدة من طريقين إحداهما: عند الإمام أحمد من طريق سعد بن إبراهيم بسنده إلى ابن عباس مرفوعا، والثانية: في سنن أبي داود من طريق ابن صالح بسنده إلى ابن عباس مرفوعا فوجب المصير إلى ذلك، وأجيب عن الأولى بأنها لا تقوم بها الحجة، لمخالفتها فتيا ابن عباس، وستأتي مناقشة ذلك، وأجيب عن الثانية بأن في سندها مقالا لأن ابن جريج روى هذا الحديث عن بعض بني أبي رافع، ولأبي رافع بنون ليس فيهم من يحتج به إلا عبيد الله، وسائرهم مجهولون، وقد رجح أبو داود في سننه رواية نافع بن عجير في طلاق ركانة زوجته ألبتة على رواية بعض بني أبي رافع أن عبد يزيد طلق امرأته ثلاثا لذلك، ولفظ ابن جريج تسمية المطلق عبد يزيد مع أن عبد يزيد لم يدرك الإسلام، ولأن أهل بيت ركانة أعلم بحاله. وقد أجاب ابن القيم بما خلاصته: سقوط رواية كل من نافع بن عجير وبعض بني أبي رافع لجهالة كل منهما، أما أن يرجح أحد المجهولين أو من هو أشد جهالة على الآخر فكلا، ويعدل إلى رواية الإمام أحمد من طريق سعد بن إبراهيم بسنده إلى ابن عباس لسلامته، فإن أحمد وغيره احتجوا به في مسائل النكاح والعرايا وغيرها، وقد ذكر فيه أن ركانة طلق امرأته سهيمة ثلاثا فجعلها ﷺ واحدة (١). وستأتي لهذا زيادة بحث - إن شاء الله. خامسا: حديث ابن عمر في تطليق زوجته في الحيض وفي آخره «فقلت يا رسول الله، أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها، قال " لا كانت تبين منك، وتكون معصية»؛ فإنه ظاهر في إمضاء الثلاث مجموعة، وأجيب أولا: بأن في سنده شعيب بن زريق الشامي عن عطاء الخراساني، وقد وثق الدارقطني شعيبا، وذكره ابن حبان في الثقات، وحكى عنه ابن حجر أنه قال: يعتبر بحديثه من غير روايته عن عطاء الخراساني، وقال الأزدي: فيه لين، وقال ابن حزم: ضعيف أما عطاء الخرساني فقد ذكره البخاري في الضعفاء، وقال ابن حبان كان رديء الحفظ يخطئ ولا يعلم؛ فبطل الاحتجاج به، ووثقه ابن سعد وابن معين وأبو حاتم، ومع ذلك فقد انفرد شعيب عن الأئمة الأثبات بهذه الزيادة؛ فإنه لم يعرف عن أحد منهم ذكرها. سادسا: حديث عبادة بن الصامت في تطليق بعض آبائه امرأته ألفا فلما سأل بنوه النبي ﷺ قال: «بانت منه بثلاث على غير السنة وتسعمائة وسبعة وتسعون إثم في عنقه»، وأجيب بأن في سنده رواة مجهولين وضعفاء.

стр. 1433

سابعا: بحديث: «من طلق للبدعة واحدة أو اثنتين أو ثلاثا ألزمناه بدعته». وأجيب بأن في سنده إسماعيل بن أمية الذراع، وقد قال فيه الدارقطني بعد روايته لهذا الحديث، ضعيف متروك الحديث. ثامنا: حديث علي أن النبي ﷺ سمع رجلا طلق امرأته ألبتة فأنكر ذلك وقال: «من طلق ألبتة ألزمناه ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجها غيره» وأجيب بأن في سنده إسماعيل بن أمية القرشي، قال فيه الدارقطني، كوفي ضعيف، وقال ابن القيم في إسناد هذا الحديث مجاهيل وضعفاء (١). وأما الإجماع فقد نقل كثير من العلماء على إمضاء الثلاث في الطلاق بكلمة واحة منهم: الشافعي وأبو بكر الرازي وابن العربي والباجي وابن رجب وقالوا: إنه مقدم على خبر الواحد، قال الشافعي: الإجماع أكثر من الخبر المنفرد، وذلك أن الخبر مجوز الخطأ والوهم على روايه، بخلاف الإجماع فإنه معصوم، وأجيب بأنه قد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم القول برد الثلاث المجموعة إلى الواحدة منهم: أبو بكر، ومر صدر من خلافته، وعلي وابن مسعود وابن عباس، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وطاوس، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد بن إسحاق، وابن تيمية المجد، وأصبغ بن الحباب، ومحمد بن بقي، ومحمد بن عبد السلام الخشني، وعطاء بن يسار، وابن زنباع، وخلاس بن عمرو، وأهل الظاهر، وخالفهم في ذلك ابن حزم، وغاية الأمر أن يقال: أن بعض من نقل عنهم الإلزام بالثلاث إذا كانت مجموعة نقل عنهم أيضا جعلها واحدة فيكون لهم في المسألة قولان، والقصد أن الخلاف في الإلزام بها مجموعة لم يزل قائما ثابتا، وممن حكى الخلاف في ذلك عن السلف والخلف أبو الحسن علي بن عبد الله اللخمي، وأبو جعفر الطحاوي، في تهذيب الآثار وغيرهم، وبهذا يتبين أنه ليس في المسألة إجماع (٢). وأما الآثار المروية عن الصحابة وغيرهم في إمضاء الثلاث على من طلق زوجته ثلاثا في مجلس واحد فكثيرة منها، ما روي عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن مسعود وابن عمر وعمران بن الحصين وأبي هريرة وغيرهم، فإن سلم اعتبارها في الاحتجاج لكونها أقوال صحابة ثبت المطلوب، وخاصة أن فيهم ثلاثة من الخلفاء: عمر الملهم وعثمان وعلي وحبر الأمة ابن عباس ﵃، وإلا فالحجة في إجماعهم فإن فتواهم اشتهرت عنهم، ولم يعرف عمن لم يفت بذلك إنكار لفتواهم به، فكان إجماعا وقد تقدم.

стр. 1434

وأجيب بأن عمر ﵁ أمضى عليهم الثلاث عقوبة لهم لما رآه من المصلحة في زمانه ليكفوا عما تتابعوا فيه من جمع الطلاق الثلاث، ويرجعوا إلى ما جعل الله لهم في الفسحة والأناة رحمة منه بهم، ولما علم الصحابة منه حسن سياسته لرعيته وافقوه على ذلك وأفتوا به رعاية لما رآه من المصلحة؛ ولذا صرحوا لمن استفتاهم في هذا الأمر بأنه عصى ربه ولم يتقه فلم يجعل له مخرجا، ولم يجعل ذلك الإمضاء شرعا لازما مستمرا لأنه مما تتغير الفتوى به بتغير الزمان والأحوال بل جعل العقوبة به تقريرا لمن خالف ما أمر به كالنفي، ومنعه ﷺ المخلفين الثالث من نسائهم مدة من الزمن، والضرب في الخمر، ونحو هذا مما يختلف التعزير فيه باختلاف الزمان والأحوال، وكان هذا من الخليفة اجتهادا (١). وأما القياس فهو أن النكاح ملك للزوج فتصح إزالته مجتمعا كما صحت إزالته متفرقا، وأن الله جعله بيده يزيل منه ما شاء ويبقى ما شاء، كالعتق وعقد النكاح، وأجيب بأنه قياس مع الفارق فإن الطلاق جعل إليه ليوقعه متفرقا على كيفية معينة، ومنعه من جمعه لما تقدم في المسألة الأولى فلا يصح قياس جمعه على تفريقه ولا على العتق، ولا عقد النكاح على أكثر من واحدة وما أشبهها، مما شرع له إيقاعه مجتمعا ومتفرقا (٢).

стр. 1435

المذهب الثاني إن الطلاق الثلاث دفعة واحدة يعتبر طلقة واحدة ، دخل بها الزوج أم لا، وهو قول أبي بكر وعمر، صدر من خلافته، وعلي وابن مسعود وابن عباس والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف، وكثير من التابعين ومن بعدهم كطاوس وخلاس بن عمرو ومحمد بن إسحاق، وداود الظاهري، وأكثر أصحابه، وهو اختيار ابن تيمية، وابن القيم (١) واستدل لهذا المذهب بالكتاب والسنة والآثار، والإجماع، والقياس. أما الكتاب فأولا قوله تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢) إلى قوله تعالى ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٣)، وبيانه أن الألف واللام في قوله ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٤) للعهد

стр. 1436

والمعهود هو الطلاق المفهوم من قوله تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١)، وهو رجعي لقوله تعالى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ (٢)، فالمعنى الطلاق من الذي يكون للزوج فيه حق الرجعة مرتان، مرة بعد مرة، ولا فرق في اعتبار كل مرة منهما واحدة بين أن يقول في كل مرة، طلقتك واحدة أو ثلاثا أو ألفا، فكل مرة منها طلقة رجعية لما سبق ولقوله تعالى بعد ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣)، وأما قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٤)، فالضمير المرفوع والمنصوب فيه عائدان إلى المطلق والمطلقة فيما سبق لئلا يخلو الكلام عن مرجع لهما؛ ولأن الطلاق وقع بعد الشرط والحل بعد النفي فدل على العموم فلو كانت هذه الجملة مستقلة عما قبلها للزم تحريم كل مطلقة ولو طلقة أو طلقتين حتى تنكح زوجا آخر، وهو باطل بإجماع، وإذا فمعنى الآية: فإن طلقها مرة ثالثة بلفظ واحد طلقة أو ثلاثا فلا تحل له حتى تتزوج غيره، وبهذا يدل عموم الآية على اعتبار الثلاث بلفظ واحد طلقة، وقد سبقت مناقشة هذا الدليل. ثانيا: قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٥). إلى قوله ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٦) وبيانه أن الجمهور استدلوا بها من وجوه على تحريم جمع الثلاث، وإذا فلا يقع منها مجموعة إلا ما كان مشروعا وهو الواحدة، وأجيب بأن التحريم لا يناقض إمضاء الثلاث فكم من عبادة أو عقد مشروع ارتكب فيه مخالفة، فقيل لصاحبه عصى وصحت عبادته ومضى عقده وعلى تقرير المناقضة فهو يمنع من إمضاء الواحدة أيضا، لوقوع الطلاق على خلاف ما شرع الله، وذلك ما لا يقول به أحد من الجمهور. وأما السنة: فمنها - أولا - ما رواه مسلم في صحيحه من طريق ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ﵄ قال: «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثالث واحدة، فقال عمر ﵁: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم (٧)»، وأجيب عن الاستدلال به بما يأتي: أولا: أنه حديث منسوخ؛ لأن ابن عباس أفتى بخلافه، فدل ذلك على أنه علم ناسخا له فاعتمد عليه في فتواه، ونوقش بأنه يمكن أن يكون اجتهد فوافق اجتهاده اجتهاد عمر ﵄ في إمضاء الثلاث تعزيرا للمصلحة كما تقدم، وأيضا لو علم ناسخا لذكره، مع وجود الدواعي إليه، ولم يكتف بمثل ما كان

стр. 1437

يعلل به في فتواه، وأيضا الصواب أن العبرة بما رواه الراوي لا بقوله، قالوا أيضا يدل على نسخ الحديث ما ذكر في سبب نزول قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (١) من أن المطلق كان له الحق في الرجعة ولو طلق ألف مرة، ما دامت مطلقته في العدة، فأنزل الله الآية منعا لهم من الرجعة بعد المرة الثالثة حتى تنكح زوجا آخر، ونوقش أولا: بأنه روي مرسلا من طريق عروة بن الزبير ومتصلا من طريق عكرمة عن ابن عباس لكن في سنده علي بن حسين بن واقد، وهو ضعيف، وثانيا: بأنه استدلال في غير محل النزاع، فإنه ليس فيه الإلزام بالثالث في لفظ واحد. وقالوا أيضا يدل على نسخه حديث امرأة رفاعة، وحديث اللعان، وحديث فاطمة بنت قيس وقد سبق الاستدلال بها ومناقشتها (٢). وقالوا أيضا: يدل على نسخه إجماع الصحابة زمن عمر ﵃ على إمضاء الثلاث؛ فإنه لا يكون إلا عن علم بالناسخ، ونوقش بأنه لا يتأتى مع قول عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فلو كان اعتمادهم على العلم بالناسخ لذكروه ولم يعلل عمر بذلك، وأيضا كيف يستمر العمل بالمنسوخ في عهده ﷺ وفي عهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر ﵄؟ مع كون الأمة معصومة في إجماعها عن الخطأ، ونوقش استمرار العمل بالمنسوخ في العهود الثلاثة بأنه إنما فعله من لم يبلغه النسخ، فلما كان زمن عمر انتشر العلم بالناسخ فأجمعوا على إمضاء الثلاث كما حصل في متعة النكاح سواء (٣)، ونوقش بأن متعة النكاح كان الخلاف فيها مستمرا بين الصحابة لعدم معرفة بعضهم بالناسخ المنقول نقلا صحيحا إلى أن أعلمهم به عمر في خلافته، ونهاهم عنها، بخلاف جعل الثلاث في لفظ واحد طلقة واحدة، فإنه ثابت في عهده ﷺ ، ولم يزل العمل عليه عند كل الصحابة في خلافة الصديق إلى سنتين أو ثلاث من خلافة عمر ﵄ إما فتوى أو إقرار أو سكوتا؛ ولهذا ادعى بعض أهل العلم أنه إجماع قديم، لم تجمع الأمة على خلافه بعد، بل لم يزل في الأمة من يفتي بجعل الثلاث واحدة (٤) ولم ينقل حديث صحيح يصلح أن يعتمد عليه في نسخ حديث ابن عباس، ويكون مستندا لما ذكر من الإجماع بل الذي روي في ذلك إما في غير الموضوع، وإما في الموضوع لكنه ضعيف أو مكذوب، ومع هذا فقد ثبت عن عكرمة عن ابن عباس ما يوافق حديث طاوس مرفوعا وموقوفا على ابن عباس، فالمرفوع هو أن ركانة طلق امرأته ثلاثا فردها عليه النبي ﷺ ، ولم يثبت ما يخالفه مرفوعا وقد سبقت مناقشة حديث ركانة وستأتي بقيتها (٥). ولا نكارة في إمضاء عمر للثلاث باجتهاده، ولا على غيره من الصحابة ممن وافق اجتهادهم اجتهاده في إمضائها، وقد بين عمر وابن عباس وغيرهما وجه ذلك بأن الناس لم تتابعوا فيما حرم الله عليهم من تطليقهم ثلاثا مجموعة وكثر منهم ذلك على خلاف

стр. 1438

ما كان عليه قبل الزموا بالثلاث عقوبة لهم، ونظير هذا كله تتغير فيه الفتوى بتغير الأحوال والأزمان والأمكنة كالعقوبة في الخمر، والتفريق بين الذين خلفوا ونسائهم، وقتال علي لبعض أهل القبلة متأولا، ولم يكن الإمضاء شرعا مستمرا إنما كان رهن ظروفه (١). وأجيب ثانيا: بتأويل حديث طاوس عن ابن عباس بأن الطلاق الذي كان الناس يوقعونه واحدة في عهده ﷺ وعهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر اعتادوا إيقاعه بعد ذلك ثلاثا، ويشهد لهذا قول عمر ﵁: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة. الخ. ونوقش بأنه تأويل يخالف الواقع في العهود الثلاثة الأولى، فإن الطلاق ثلاثا جملة قد وقع فيها من الصحابة كما تقدم في حديث محمود بن لبيد، وحديث اللعان، وكما يأتي في حديث ركانة، وأيضا يمنع منه ما ورد في بعض روايات الحديث من أنها جعلت واحدة أو ردت إلى الواحدة (٢). وأجيب ثالثا: بحمل الحديث على غير المدخول بها بدليل ذكر ذلك في الرواية الأخرى، فإن الزوج إذا قال لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، بانت بالأولى، فكانت الثلاث واحدة، ونوقش هذا ولم يزل ماضيا، ولم يتقيد بعهد ولا زمان، وما نحن فيه تغير حكمه في أيام عمر ﵁ عما كان عليه قبل، وقد وجه بعضهم الجواب بتوجيه آخر، وهو أن زوجها إذا قال لها: أنت طالق ثلاثا بانت بقوله أنت طالق، ولغي قوله: ثلاثا، ونوقش بأنه كلام متصل، فكيف يفصل بعضه من بعض ويحكم لكل بحكم؟ ونوقش أصل الجواب بأن حديث طاوس نفسه عن ابن عباس مطلق ليس فيه ذكر لغير المدخول بها، وجواب ابن عباس في الرواية الأخرى وارد على سؤال أبي الصهباء عن تطليق غير المدخول بها ثلاثا، فخص ابن عباس غير المدخول بها ليطابق الجواب السؤال، ومثل هذا ليس له مفهوم مخالفة (٣). وأجيب رابعا: بأن جعل الثلاث واحدة لم يكن عن علم منه ﷺ ولا عن أمره وإلا ما استحل ابن عباس أن يفي بخلافه. ونوقش بأن جماهير المحدثين على أن ما أسنده الصحابي إلى عهده ﷺ له حكم، فإنه على تقدير أن النبي ﷺ لم يحكم بذلك يستبعد أن يفعله الصحابة وهم خير الخلق، ولا يعلمه ﷺ والوحي ينزل، ثم كيف يستمر العمل من الأمة على خطأ في عهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر، والأمة معصومة من إجماعها على الخطأ (٤). وأجيب خامسا: يحمل الحديث على صورة تكرير لفظ الطلاق، فإنه يعتبر واحدة مع قصد التوكيد،

стр. 1439

وثلاثا مع قصد الإيقاع، وكان الصحابة خيارا أمناء فصدقوا فيما قصدوا، فلما تغيرت الأحوال وفشا إيقاع الثالث جملة بلفظ واحد ألزمهم عمر الثلاث في صورة التكرار إذ صار الغالب عليهم قصدها. ونوقش بأن حمل الحديث على ذلك خلاف الظاهر، فإن الحكم لم يتغير في صورة التكرار فيما بعد عما كان عليه في حياة النبي ﷺ ، وفي عهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر، بل الأمر لم يزل على اعتباره واحدة في هذه الصورة عند قصد التوكيد، ومن ينويه لا يفرق بين بر وفاجر، وصادق وكاذب، ومن لا ينويه في الحكم لا يقبل منه مطلقا برا أم فاجرا، وأيضا قول عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة - إلخ يرد حمل الحديث على هذه الصورة، فإن معناه أن الناس استعجلوا فيما شرعه الله لهم متراخيا بعضه عن بعض رحمة منهم بهم، فأوقعوه بلفظ واحد، فهذا يدل على أن لفظ الثلاث في الحديث مراد به جمع الثلاث دفعة، وإن كان في نفسه محتملا (١). وأجيب سادسا: بمخالفة فتوى ابن عباس لروايته، فإنه لم يكن ليروي حديثا ثم يخالفه إلى رأي نفسه؛ ولذلك لما سئل أحمد بأي شيء تدفع حديث ابن عباس قال برواية الناس عنه من وجوه خلافه، ونوقش بأن الصواب من القولين في مخالفة الراوي لروايته أن الحديث الصحيح المعصوم لا يترك لمخالفة رواية، وهو غير معصوم، إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث أو أنه لا يحضره الحديث وقت الفتيا، أو لا يتفطن لدلالته على المسألة التي خالفه فيها أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا، أو يقوم في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا له في الواقع، أو يقلد غيره في فتواه بخلافه، لثقته به واعتقاده أنه إنما خالفه لدليل أقوى منه، وعلى هذا الأصل بنى المالكية والشافعية والحنابلة فروعا كثيرة حيث قدموا العمل برواية الراوي على فتواه، وأيضا كما نقل عن ابن عباس إمضاء الثلاث، وروى عنه اعتبار الثلاث مجموعة طلقة واحدة، وإذا تعارضت الروايتان عدل عنهما إلى الحديث، لكن هذه المناقشة مردودة بأمرين: الأول أن رواية الراوي إنما تقدم على قوله إذا كانت صريحة أو ظاهرة في معنى قال بخلافه، وإلا قدم قوله؛ لأنه يدل على أن الاحتمال الذي خالفه قوله غير مراد من الحديث، وحديث ابن عباس هنا محتمل أن يكون في الطلاق ثلاثا بلفظ واحد، وأن يكون مفرقا كما في الصورة التي في الجواب الخامس عن الحديث، فدلت فتواه على إرادة صورة التفريق لا صورة الاجتماع، الثاني: أن ما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة أن ابن عباس قال: إذا قال أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة، معارض بما رواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن عكرمة أن ذلك من قول عكرمة لا من قول ابن عباس، ورواية إسماعيل مقدمة لموافقته الثقاة في أن ابن عباس يجعلها ثلاثا لا واحدة (٢). وقد يقال في الأمر الأول: إن لفظ الطلاق الثلاث في الحديث ظاهر فيها مجموعة، وإلا لم يقل عمر ﵁ إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، إلخ - اعتذارا منه في الحكم على خلاف ظاهره، وبه اعتذر ابن عباس وغيره في إمضاء الثلاث، وقد سبق الكلام في هذا عند مناقشة الجواب عن الحديث

стр. 1440

بالنسخ. ويقول في الأمر الثاني: أنه لا مانع من ثبوت القول بجعل الثلاث، بلفظ واحد عن كل من ابن عباس وعكرمة، وعلى تقدير تعارض الروايتين بالنفي والإثبات، فالمثبت مقدم على النافي، على أن حماد بن زيد أثبت في أيوب من كل من روى عن أيوب كما قال يحيى بن معين، فيقدم على إسماعيل بن إبراهيم (١). وأجيب سابعا: بأن المراد بالطلاق الثلاث في الحديث لفظ ألبتة لاشتهارها في الثلاث عند أهل المدينة، فرواه بعض رواته بالمعنى فعبر بالثلاث بدلا من ألبتة، وفي هذا جمع بين الروايات، وكان يراد بها واحدة كما أراد بها ركانة، فلما تتابع الناس في إرادة الثلاث بها ألزمهم إياها عمر ﵁ ونظيره زيادته الضرب في شرب الخمر حين تتابع الناس فيه (٢). وقد يقال: إن هذا تأويل على خلاف الظاهر بلا دليل، وأيضا تقدم في كلام الشافعي أن كلمة ألبتة مستحدثة (٣). وعلى ذلك لا يجوز حمل لفظ الطلاق الثلاث في الحديث عليها. وأجيب ثامنا: بأنه حديث شاذ؛ لانفراد طاوس به عن ابن عباس، وانفراد الراوي بالحديث - وإن كان ثقة - علة توجب التوقف فيه إذ لم يرو معناه من وجه يصح (٤). ونوقش بأن مجرد انفراد الثقة برواية الحديث ليس علة توجب رده أو التوقف، ولا يسمى هذا شذوذا عند علماء الحديث إنما الشذوذ يكون علة في رد الحديث، هو أن يخالف الثقة الثقاة مخالفة لا يمكن معها الجمع ولم يخالف طاوس في رواية هذا الحديث أحدا من الرواة الثقاة، عن ابن عباس في هذا الموضوع، وإنما وقعت المخالفة بين ما رواه وما أفتى به، وقد مضى الكلام في ذلك (٥)، لكن لقائل أن يقول: إن استمرار العمل في زمن النبي ﷺ وفي عهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر بجعل الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة وتغيير عمر، لذلك على علم من الصحابة مما تتوفر الدواعي على نقله، فنقله آحادا يوجب رده، اللهم إلا أن يحمل الحديث على ما تقدم من أن الطلاق كان على وجه التكرار مع قصد التأكيد، أو قد كان بلفظ ألبتة فاختلف الحكم فيه باختلاف النية (٦). وقد يناقش ألا يراد بمنع أن يكون ما ذكره مما تتوفر الدواعي على نقله، وأنه على تقدير أن يكون من
следующие страницы →