والمعهود هو الطلاق المفهوم من قوله تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١)، وهو رجعي لقوله تعالى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ (٢)، فالمعنى الطلاق من الذي يكون للزوج فيه حق الرجعة مرتان، مرة بعد مرة، ولا فرق في اعتبار كل مرة منهما واحدة بين أن يقول في كل مرة، طلقتك واحدة أو ثلاثا أو ألفا، فكل مرة منها طلقة رجعية لما سبق ولقوله تعالى بعد ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣)، وأما قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٤)، فالضمير المرفوع والمنصوب فيه عائدان إلى المطلق والمطلقة فيما سبق لئلا يخلو الكلام عن مرجع لهما؛ ولأن الطلاق وقع بعد الشرط والحل بعد النفي فدل على العموم فلو كانت هذه الجملة مستقلة عما قبلها للزم تحريم كل مطلقة ولو طلقة أو طلقتين حتى تنكح زوجا آخر، وهو باطل بإجماع، وإذا فمعنى الآية: فإن طلقها مرة ثالثة بلفظ واحد طلقة أو ثلاثا فلا تحل له حتى تتزوج غيره، وبهذا يدل عموم الآية على اعتبار الثلاث بلفظ واحد طلقة، وقد سبقت مناقشة هذا الدليل.
ثانيا: قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٥). إلى قوله ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٦) وبيانه أن الجمهور استدلوا بها من وجوه على تحريم جمع الثلاث، وإذا فلا يقع منها مجموعة إلا ما كان مشروعا وهو الواحدة، وأجيب بأن التحريم لا يناقض إمضاء الثلاث فكم من عبادة أو عقد مشروع ارتكب فيه مخالفة، فقيل لصاحبه عصى وصحت عبادته ومضى عقده وعلى تقرير المناقضة فهو يمنع من إمضاء الواحدة أيضا، لوقوع الطلاق على خلاف ما شرع الله، وذلك ما لا يقول به أحد من الجمهور.
وأما السنة: فمنها - أولا - ما رواه مسلم في صحيحه من طريق ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ﵄ قال: «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثالث واحدة، فقال عمر ﵁: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم (٧)»، وأجيب عن الاستدلال به بما يأتي:
أولا: أنه حديث منسوخ؛ لأن ابن عباس أفتى بخلافه، فدل ذلك على أنه علم ناسخا له فاعتمد عليه في فتواه، ونوقش بأنه يمكن أن يكون اجتهد فوافق اجتهاده اجتهاد عمر ﵄ في إمضاء الثلاث تعزيرا للمصلحة كما تقدم، وأيضا لو علم ناسخا لذكره، مع وجود الدواعي إليه، ولم يكتف بمثل ما كان
стр. 1437
يعلل به في فتواه، وأيضا الصواب أن العبرة بما رواه الراوي لا بقوله، قالوا أيضا يدل على نسخ الحديث ما ذكر في سبب نزول قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (١) من أن المطلق كان له الحق في الرجعة ولو طلق ألف مرة، ما دامت مطلقته في العدة، فأنزل الله الآية منعا لهم من الرجعة بعد المرة الثالثة حتى تنكح زوجا آخر، ونوقش أولا: بأنه روي مرسلا من طريق عروة بن الزبير ومتصلا من طريق عكرمة عن ابن عباس لكن في سنده علي بن حسين بن واقد، وهو ضعيف، وثانيا: بأنه استدلال في غير محل النزاع، فإنه ليس فيه الإلزام بالثالث في لفظ واحد.
وقالوا أيضا يدل على نسخه حديث امرأة رفاعة، وحديث اللعان، وحديث فاطمة بنت قيس وقد سبق الاستدلال بها ومناقشتها (٢).
وقالوا أيضا: يدل على نسخه إجماع الصحابة زمن عمر ﵃ على إمضاء الثلاث؛ فإنه لا يكون إلا عن علم بالناسخ، ونوقش بأنه لا يتأتى مع قول عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فلو كان اعتمادهم على العلم بالناسخ لذكروه ولم يعلل عمر بذلك، وأيضا كيف يستمر العمل بالمنسوخ في عهده ﷺ وفي عهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر ﵄؟ مع كون الأمة معصومة في إجماعها عن الخطأ، ونوقش استمرار العمل بالمنسوخ في العهود الثلاثة بأنه إنما فعله من لم يبلغه النسخ، فلما كان زمن عمر انتشر العلم بالناسخ فأجمعوا على إمضاء الثلاث كما حصل في متعة النكاح سواء (٣)، ونوقش بأن متعة النكاح كان الخلاف فيها مستمرا بين الصحابة لعدم معرفة بعضهم بالناسخ المنقول نقلا صحيحا إلى أن أعلمهم به عمر في خلافته، ونهاهم عنها، بخلاف جعل الثلاث في لفظ واحد طلقة واحدة، فإنه ثابت في عهده ﷺ ، ولم يزل العمل عليه عند كل الصحابة في خلافة الصديق إلى سنتين أو ثلاث من خلافة عمر ﵄ إما فتوى أو إقرار أو سكوتا؛ ولهذا ادعى بعض أهل العلم أنه إجماع قديم، لم تجمع الأمة على خلافه بعد، بل لم يزل في الأمة من يفتي بجعل الثلاث واحدة (٤) ولم ينقل حديث صحيح يصلح أن يعتمد عليه في نسخ حديث ابن عباس، ويكون مستندا لما ذكر من الإجماع بل الذي روي في ذلك إما في غير الموضوع، وإما في الموضوع لكنه ضعيف أو مكذوب، ومع هذا فقد ثبت عن عكرمة عن ابن عباس ما يوافق حديث طاوس مرفوعا وموقوفا على ابن عباس، فالمرفوع هو أن ركانة طلق امرأته ثلاثا فردها عليه النبي ﷺ ، ولم يثبت ما يخالفه مرفوعا وقد سبقت مناقشة حديث ركانة وستأتي بقيتها (٥). ولا نكارة في إمضاء عمر للثلاث باجتهاده، ولا على غيره من الصحابة ممن وافق اجتهادهم اجتهاده في إمضائها، وقد بين عمر وابن عباس وغيرهما وجه ذلك بأن الناس لم تتابعوا فيما حرم الله عليهم من تطليقهم ثلاثا مجموعة وكثر منهم ذلك على خلاف
стр. 1438
ما كان عليه قبل الزموا بالثلاث عقوبة لهم، ونظير هذا كله تتغير فيه الفتوى بتغير الأحوال والأزمان والأمكنة كالعقوبة في الخمر، والتفريق بين الذين خلفوا ونسائهم، وقتال علي لبعض أهل القبلة متأولا، ولم يكن الإمضاء شرعا مستمرا إنما كان رهن ظروفه (١).
وأجيب ثانيا: بتأويل حديث طاوس عن ابن عباس بأن الطلاق الذي كان الناس يوقعونه واحدة في عهده ﷺ وعهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر اعتادوا إيقاعه بعد ذلك ثلاثا، ويشهد لهذا قول عمر ﵁: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة. الخ.
ونوقش بأنه تأويل يخالف الواقع في العهود الثلاثة الأولى، فإن الطلاق ثلاثا جملة قد وقع فيها من الصحابة كما تقدم في حديث محمود بن لبيد، وحديث اللعان، وكما يأتي في حديث ركانة، وأيضا يمنع منه ما ورد في بعض روايات الحديث من أنها جعلت واحدة أو ردت إلى الواحدة (٢).
وأجيب ثالثا: بحمل الحديث على غير المدخول بها بدليل ذكر ذلك في الرواية الأخرى، فإن الزوج إذا قال لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، بانت بالأولى، فكانت الثلاث واحدة، ونوقش هذا ولم يزل ماضيا، ولم يتقيد بعهد ولا زمان، وما نحن فيه تغير حكمه في أيام عمر ﵁ عما كان عليه قبل، وقد وجه بعضهم الجواب بتوجيه آخر، وهو أن زوجها إذا قال لها: أنت طالق ثلاثا بانت بقوله أنت طالق، ولغي قوله: ثلاثا، ونوقش بأنه كلام متصل، فكيف يفصل بعضه من بعض ويحكم لكل بحكم؟
ونوقش أصل الجواب بأن حديث طاوس نفسه عن ابن عباس مطلق ليس فيه ذكر لغير المدخول بها، وجواب ابن عباس في الرواية الأخرى وارد على سؤال أبي الصهباء عن تطليق غير المدخول بها ثلاثا، فخص ابن عباس غير المدخول بها ليطابق الجواب السؤال، ومثل هذا ليس له مفهوم مخالفة (٣).
وأجيب رابعا: بأن جعل الثلاث واحدة لم يكن عن علم منه ﷺ ولا عن أمره وإلا ما استحل ابن عباس أن يفي بخلافه.
ونوقش بأن جماهير المحدثين على أن ما أسنده الصحابي إلى عهده ﷺ له حكم، فإنه على تقدير أن النبي ﷺ لم يحكم بذلك يستبعد أن يفعله الصحابة وهم خير الخلق، ولا يعلمه ﷺ والوحي ينزل، ثم كيف يستمر العمل من الأمة على خطأ في عهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر، والأمة معصومة من إجماعها على الخطأ (٤).
وأجيب خامسا: يحمل الحديث على صورة تكرير لفظ الطلاق، فإنه يعتبر واحدة مع قصد التوكيد،
стр. 1439
وثلاثا مع قصد الإيقاع، وكان الصحابة خيارا أمناء فصدقوا فيما قصدوا، فلما تغيرت الأحوال وفشا إيقاع الثالث جملة بلفظ واحد ألزمهم عمر الثلاث في صورة التكرار إذ صار الغالب عليهم قصدها.
ونوقش بأن حمل الحديث على ذلك خلاف الظاهر، فإن الحكم لم يتغير في صورة التكرار فيما بعد عما كان عليه في حياة النبي ﷺ ، وفي عهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر، بل الأمر لم يزل على اعتباره واحدة في هذه الصورة عند قصد التوكيد، ومن ينويه لا يفرق بين بر وفاجر، وصادق وكاذب، ومن لا ينويه في الحكم لا يقبل منه مطلقا برا أم فاجرا، وأيضا قول عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة - إلخ يرد حمل الحديث على هذه الصورة، فإن معناه أن الناس استعجلوا فيما شرعه الله لهم متراخيا بعضه عن بعض رحمة منهم بهم، فأوقعوه بلفظ واحد، فهذا يدل على أن لفظ الثلاث في الحديث مراد به جمع الثلاث دفعة، وإن كان في نفسه محتملا (١).
وأجيب سادسا: بمخالفة فتوى ابن عباس لروايته، فإنه لم يكن ليروي حديثا ثم يخالفه إلى رأي نفسه؛ ولذلك لما سئل أحمد بأي شيء تدفع حديث ابن عباس قال برواية الناس عنه من وجوه خلافه، ونوقش بأن الصواب من القولين في مخالفة الراوي لروايته أن الحديث الصحيح المعصوم لا يترك لمخالفة رواية، وهو غير معصوم، إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث أو أنه لا يحضره الحديث وقت الفتيا، أو لا يتفطن لدلالته على المسألة التي خالفه فيها أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا، أو يقوم في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا له في الواقع، أو يقلد غيره في فتواه بخلافه، لثقته به واعتقاده أنه إنما خالفه لدليل أقوى منه، وعلى هذا الأصل بنى المالكية والشافعية والحنابلة فروعا كثيرة حيث قدموا العمل برواية الراوي على فتواه، وأيضا كما نقل عن ابن عباس إمضاء الثلاث، وروى عنه اعتبار الثلاث مجموعة طلقة واحدة، وإذا تعارضت الروايتان عدل عنهما إلى الحديث، لكن هذه المناقشة مردودة بأمرين: الأول أن رواية الراوي إنما تقدم على قوله إذا كانت صريحة أو ظاهرة في معنى قال بخلافه، وإلا قدم قوله؛ لأنه يدل على أن الاحتمال الذي خالفه قوله غير مراد من الحديث، وحديث ابن عباس هنا محتمل أن يكون في الطلاق ثلاثا بلفظ واحد، وأن يكون مفرقا كما في الصورة التي في الجواب الخامس عن الحديث، فدلت فتواه على إرادة صورة التفريق لا صورة الاجتماع، الثاني: أن ما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة أن ابن عباس قال: إذا قال أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة، معارض بما رواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن عكرمة أن ذلك من قول عكرمة لا من قول ابن عباس، ورواية إسماعيل مقدمة لموافقته الثقاة في أن ابن عباس يجعلها ثلاثا لا واحدة (٢).
وقد يقال في الأمر الأول: إن لفظ الطلاق الثلاث في الحديث ظاهر فيها مجموعة، وإلا لم يقل عمر ﵁ إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، إلخ - اعتذارا منه في الحكم على خلاف ظاهره، وبه اعتذر ابن عباس وغيره في إمضاء الثلاث، وقد سبق الكلام في هذا عند مناقشة الجواب عن الحديث
стр. 1440
بالنسخ.
ويقول في الأمر الثاني: أنه لا مانع من ثبوت القول بجعل الثلاث، بلفظ واحد عن كل من ابن عباس وعكرمة، وعلى تقدير تعارض الروايتين بالنفي والإثبات، فالمثبت مقدم على النافي، على أن حماد بن زيد أثبت في أيوب من كل من روى عن أيوب كما قال يحيى بن معين، فيقدم على إسماعيل بن إبراهيم (١).
وأجيب سابعا: بأن المراد بالطلاق الثلاث في الحديث لفظ ألبتة لاشتهارها في الثلاث عند أهل المدينة، فرواه بعض رواته بالمعنى فعبر بالثلاث بدلا من ألبتة، وفي هذا جمع بين الروايات، وكان يراد بها واحدة كما أراد بها ركانة، فلما تتابع الناس في إرادة الثلاث بها ألزمهم إياها عمر ﵁ ونظيره زيادته الضرب في شرب الخمر حين تتابع الناس فيه (٢).
وقد يقال: إن هذا تأويل على خلاف الظاهر بلا دليل، وأيضا تقدم في كلام الشافعي أن كلمة ألبتة مستحدثة (٣).
وعلى ذلك لا يجوز حمل لفظ الطلاق الثلاث في الحديث عليها.
وأجيب ثامنا: بأنه حديث شاذ؛ لانفراد طاوس به عن ابن عباس، وانفراد الراوي بالحديث - وإن كان ثقة - علة توجب التوقف فيه إذ لم يرو معناه من وجه يصح (٤).
ونوقش بأن مجرد انفراد الثقة برواية الحديث ليس علة توجب رده أو التوقف، ولا يسمى هذا شذوذا عند علماء الحديث إنما الشذوذ يكون علة في رد الحديث، هو أن يخالف الثقة الثقاة مخالفة لا يمكن معها الجمع ولم يخالف طاوس في رواية هذا الحديث أحدا من الرواة الثقاة، عن ابن عباس في هذا الموضوع، وإنما وقعت المخالفة بين ما رواه وما أفتى به، وقد مضى الكلام في ذلك (٥)، لكن لقائل أن يقول: إن استمرار العمل في زمن النبي ﷺ وفي عهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر بجعل الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة وتغيير عمر، لذلك على علم من الصحابة مما تتوفر الدواعي على نقله، فنقله آحادا يوجب رده، اللهم إلا أن يحمل الحديث على ما تقدم من أن الطلاق كان على وجه التكرار مع قصد التأكيد، أو قد كان بلفظ ألبتة فاختلف الحكم فيه باختلاف النية (٦).
وقد يناقش ألا يراد بمنع أن يكون ما ذكره مما تتوفر الدواعي على نقله، وأنه على تقدير أن يكون من
стр. 1441
ذلك، فللمستدل أن يقول: إن الحديث قد اشتهر نقله وصح سنده ولم يجرؤ أحد على تكذيبه أو تضعيفه بوجه يعتبر مثله كما اشتهر نقل مخالفة فتوى عمر وابن عباس لظاهره، ويشهد لهذا اشتغال العلماء سلفا وخلفا بالأمرين، فبعضهم يؤول الحديث ليتفق مع الفتاوى، وبعضهم يذهب إلى بيان وجه مخالفة الفتاوى له ويبقيه على ظاهره، ويعتذر عن الفتوى بخلافه، وبعضهم يعارضه بفتوى ابن عباس ويقدم العمل بها عليه، إلى غير هذا مما يدل على شهرة النقل للأمرين، وعلى تقدير عدم الشهرة فكم من أمر تتوفر الدواعي على نقله قد نقل آحادا وعمل به جمع من أئمة الفقهاء ورده آخرون بهذه الدعوى.
وأجيب تاسعا: بأن الحديث مضطرب سندا ومتنا، أما اضطراب سنده فلروايته تارة عن طاوس عن ابن عباس، وتارة عن طاوس عن أبي الصهباء عن ابن عباس، وتارة عن أبي الجوزاء عن ابن عباس، وأما اضطراب متنه فإن أبا الصهباء تارة يقول: ألم تعلم أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة؟ وتارة يقول: ألم تعلم أن الطلاق الثلاث كان على عهد رسول الله ﷺ وصدر من خلافة عمر واحدة.
ونوقش بأن الاضطراب إنما يحكم به على الحديث إذا لم يمكن الجمع ولا الترجيح وكلاهما ممكن فيما نحن فيه، فإن الرواية عن أبي الجوزاء وهم فيها عبد الله بن المؤمل، حيث انتقل في روايته الحديث عن ابن أبي مليكة من أبي الصهباء إلى أبي الجوزاء، وقد كان سيء الحفظ فلا تعارض بها رواية الثقاة عن أبي الصهباء، وأما روايته عن طاوس عن ابن عباس وعن طاوس عن أبي الصهباء وعن ابن عباس فكلاهما ممكن فلا تعارض ولا اضطراب، وأما اختلاف المتن فتقدم بيان الجمع بين الروايتين فلا اضطراب (١).
وأجيب عاشرا: بمعارضته بالإجماع والإجماع معصوم فيقدم، وقد تقدمت مناقشة ذلك (٢) ومن السنة أيضا ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن سعد بن إبراهيم، حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق قال: حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: «طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا، قال: فسأله رسول الله ﷺ " كيف طلقتها "؟ قال طلقتها ثلاثا، قال فقال: " في مجلس واحد " قال: نعم، قال: " فإنما تلك واحدة فأرجعهما إن شئت " قال: فراجعها (٣)» فكان ابن عباس يرى الطلاق عند كل طهر، وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد، واستدل بما روي به في رد ابنته ﷺ على زوجها ابن أبي العاص بالنكاح الأول وقدمه على ما يخالفه فهو حجة ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، فكيف إذا عضده نظيره أو ما هو أقوى منه، ودلالة متنه ظاهرة في اعتبار الطلاق ثلاثا في مجلس واحد واحدة.
ونوقش بأن المراد بالطلاق الثلاث في الحديث لفظ ألبتة لاشتهارها في الثلاث عند أهل المدينة فرواه بعض
стр. 1442
رواته بالمعنى فعبر بالثلاث بدلا من ألبتة، وفي هذا جمع بين الروايات وكانت يراد بها واحدة أولا، فلما تتابع الناس في إرادة الثلاث ألزمهم إياها عمر ﵁، ونظيره زيادة الضرب في شرب الخمر ونحوه، مما تغير فيه الحكم لتغير أحوال الناس، وقد تقدم هذا في الجواب السابع عند الاستدلال بحديث طاوس عن ابن عباس في جعل الثالث المجموعة واحدة مع مناقشته.
ونوقش أيضا: بأن لفظ طلقتها ثلاثا يحتمل أن يكون بلفظ واحد، وأن يكون مفرقا وأجيب بأن احتمال تفريقه خلاف الظاهر، لقوله في الحديث في مجلس واحد، والغالب فيما كان كذلك أن يكون بلفظ واحد.
ونوقش أيضا بمعارضته للإجماع، وقد تقدم مناقشة الإجماع عند الكلام على الاستدلال به على إمضاء الثلاث.
ونوقش أيضا بمعارضته لحديث نافع بن عجير في إمضاء ثلاثا، وأجيب بترجيح هذه الرواية على رواية نافع بن عجير لسلامتها وضعف نافع، وقد سبق شرح ذلك إلى غير هذا من المناقشات التي سبقت عند الإجابة عن الاستدلال بحديث ابن عباس في اعتبار الثلاث واحدة.
ومن السنة أيضا حديث بعض بني أبي رافع عن عكرمة عن ابن عباس «أن يزيدا أبا ركانة وإخوته طلق أم ركانة وتزوج امرأة أخرى فشكت ضعفه إلى رسول الله ﷺ فأمره بطلاقها فطلقها، وقال له " راجع أم ركانة " فقال: إني طلقتها ثلاثا، فقال: " قد علمت راجعها (١)»، وقد سبق نص الحديث مع مناقشته.
ومن السنة أيضا حديث ابن عمر وفيه أنه طلق امرأته ثلاثا وهي حائض فردها النبي ﷺ إلى السنة، ورد أولا: بأن رواة هذا الحديث شيعة، وثانيا: بأن في سنده ظريف بن ناصح وهو شيعي لا يكاد يعرف، وثالثا: مع ما ذكر مخالف لما رواه الثقات الأثبات: أن ابن عمر طلق امرأته في الحيض تطليقه واحدة، فهو حديث منكر (٢).
واستدلوا بالإجماع، قالوا: إن الأمر لم يزل على اعتبار الثلاث بلفظ واحد واحدة، إلى ثلاث سنين من خلافة عمر.
ويمكن أن يجاب بما ورد من الآثار عن بعض الصحابة من أن الثلاث بلفظ واحد تمضي ثلاثا (٣) وقد سبق ذكرها في استدلال من يقول بإمضاء الثلاث لكن للمستدل أن يقول: إن الآثار التي وردت فيها الفتوى بخلاف هذا الدليل بدأت في عهد عمر بضرب من التأويل، يدل على تأخير بدئها ظاهر حديث طاوس
стр. 1443
عن ابن عباس، وقد تقدم مع المناقشة.
واستدلوا بالقياس، قالوا: كما لا يعتبر قول الملاعن، وقول الملاعنة: أشهد بالله أربع شهادات - بكذا، أربع شهادات، لا يعتبر قول الزوج لامرأته: أنت طالق ثلاثا بلفظ واحد ثلاث تطليقات، وكذا كل ما يعتبر فيه تكرار القول أو الفعل من تسبيح وتحميد وتكبير وتهليل وإقرار.
ونوقش بأنه قياس مع الفارق، للإجماع على اعتبار الطلقة المفردة في الطلاق، وبينونة المعتدة منها بانتهاء العدة، وعدم اعتبار الشهادة الواحدة من الأربع في اللعان (١).
وللمستدل أن يقول: هذا الفارق مسلم، ومعه فوارق أخرى بينهما، انفرد كل من الطلاق واللعان بشيء منها، لكنها ليست في مورد قياس المستدل هنا، فإنه وارد فيما يعتبر فيه تكرار الفعل أو القول، ولا يعتد فيها بالاكتفاء بذكر اسم العدد، وليس من شرط سلامة القياس اشتراك المقيس والمقيس عليه في جميع صفاتها، بل إن اعتبار هذا لا يتأتى معه قياس؛ لأن كل شيئين لا بد أن ينفرد كل منهما عن الآخر بخاصة أو خواص، وإلا كان عينه.
واستدلوا بما روي من الآثار في الإفتاء بذلك عن ابن عباس وعلي وابن مسعود والزبير وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم من الصحابة ومن بعدهم (٢).
ونوقش بأن ما روي من ذلك عن طاوس عن ابن عباس مردود؛ فإن لطاوس عن ابن عباس مناكير منها روايته هذه الفتوى عن ابن عباس، وأجيب بأن طاوس بن كيسان قد وثقه ابن معين، وسئل أيهما أحب إليك طاوس أم سعيد بن جبير؟ فلم يخير بينهما، وقال قيس بن سعد: كان طاوس فينا مثل ابن سيرين بالبصرة، وقال الزهري: لو رأيت طاوسا علمت أنه لا يكذب، وروى له أصحاب الكتب الستة في أصولهم (٣).
فعلى من ادعى روايته للمناكير عن ابن عباس أن يثبت ذلك بشواهد من رواياته عنه في غير هذه المسألة، أما فيما رواه في هذه المسألة فهو مجرد دعوى في محل النزاع، وما ذكر من مخالفة غيره له في هذه المسألة، فغايته أن يكون لابن عباس فيها قولان، روى كل من الفريقين عنه قولا منهما، ولذلك قد تم رجوعه عنها على تقدير صحة روايتها، ثم أن عكرمة تابع في روايته هذا الأثر عن ابن عباس، وهو من رجال السنة.
ونوقش بأن رواية حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس معارضة برواية إسماعيل بن إبراهيم
стр. 1444
عن أيوب أن هذا الأثر من قول عكرمة، وأجيب أولا: بأنه لا معارضة لجواز أن يكون روي عن كل منهما، وثانيا: أنه على تقدير المعارضة، فرواية حماد بن زيد مقدمة على رواية إسماعيل بن إبراهيم، فإن حمادا أثبت في الرواية عن أيوب من كل من روى عنه (١).
стр. 1445
المذهب الثالث
أن الطلاق الثلاث يمضي ثلاثا في المدخول بها وواحدة في غير المدخول بها ، واستدلوا لمذهبهم في المدخول بها بما استدل به الجمهور، وقد تقدم مع مناقشته، واستدلوا لمذهبهم في غير المدخول بها «بحديث أبي الصهباء الذي قال فيه لابن عباس: أما علمت أن الرجل، كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من إمارة عمر، قال: بلى (١)»، وقد تقدم الحديث قالوا: إن التفصيل بين المدخول بها وغير المدخول فيه جمع بين الروايات، وإثبات حكم كل منهما في حال، وقد سبقت مناقشة هذا الدليل (٢).
стр. 1446
المذهب الرابع:
أنه لا يعتد به مطلقا ؛ لأن إيقاعه ثلاثا بلفظ واحد بدعة محرمة، فكان غير معتبر شرعا، لحديث «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١)»، ورد بأنه لا يعرف القول به عن أحد من السلف، وأن أهل العلم في جميع الأمصار مجمعون على اعتباره والاعتداد به، وإن اختلفوا فيما يمضي منه، ولم يخالف فيه إلا ناس من أهل البدع ممن لا يعتد بهم في انعقاد الإجماع.
وقد يستدل لهم أيضا بأنه كالظهار، فإنه لما كان محرما لم يعتبر طلاقا مع قصد المظاهر الطلاق فكذا الطلاق ثلاثا مجموعة، وأجيب بالفرق، فإن الظهار محرم في نفسه على كل حال، فكان باطلا ولزمته فيه العقوبة على كل حال، وبخلاف الطلاق فإن جنسه مشروع كالنكاح والبيع، ولذا امتنع في حال دون حال، وانقسم إلى صحيح وباطل أو فاسد ص - من البحث. .
هذا ما تيسر إعداده، وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم
حرر في ١٩/ ٩ / ١٣٩٣هـ
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
стр. 1447
مصادر بحث الطلاق الثلاث بلفظ واحد:
١ - تفسير القرطبي طبع مطبعة دار الكتب المصرية عام ١٣٥٤هـ.
٢ - أحكام القرآن لأحمد بن علي الرازي " الجصاص " طبع بمطبعة البهية المصرية سنة ١٣٤٧هـ.
٣ - أضواء البيان.
٤ - صحيح البخاري ومعه فتح الباري طبع المطبعة السلفية، بترقيم عبد الباقي وإشراف محي الدين الخطيب.
٥ - عمدة القاري للعيني طبع المطبعة المنيرية.
٦ - صحيح مسلم وعليه النووي الطبعة الأولى طبع بالمطبعة الأزهرية سنة ١٣٤٧هـ.
٧ - مختصر سنن أبي داود ومعها المعالم للخطابي وتهذيبها لابن القيم طبع مطبعة أنصار السنة المحمدية. عام ١٣٦٧هـ.
٨ - جامع الترمذي.
٩ - عارضة الأحوذي على الترمذي لابن العربي.
١٠ - شرح الزرقاني على الموطأ طبع بمطبعة الاستقامة بالقاهرة سنة ١٣٧٣هـ.
١١ - مسند الإمام أحمد بتعليق أحمد شاكر طبع دار المعارف سنة ١٣٦٩هـ.
١٢ - مستدرك الحاكم وعليه تلخيصه للذهبي الطبعة الأولى سنة ١٣٤٠هـ طبع بمطبعة حيدرآباد.
١٣ - نيل الأوطار طبعة حلبية الطبعة الثانية عام ١٣٧١هـ.
١٤ - جامع العلوم والحكم طبعة حلبية عام ١٣٨٢هـ، الطبعة الثالثة.
١٥ - سنن ابن ماجه الطبعة الأولى بالمطبعة النازية.
١٦ - سنن سعيد بن منصور.
١٧ - سنن الدارقطني طبع دار المحاسن للطباعة طبع عام ١٣٨٦هـ.
١٨ - السنن الكبرى للبيهقي الطبعة الأولى بمطبعة حيدرآباد.
١٩ - المصنف لعبد الرزاق الطبعة الأولى.
٢٠ - شرح المذاهب اللدنية للزرقاني المالكي الطبعة الأولى بالمطبعة الأزهرية سنة ١٣٢٥هـ.
٢١ - شرح معاني الآثار طبع مطبعة الأنوار المحمدية.
٢٢ - المنتقى للباجي طبع مطبعة السعادة الطبعة الأولى عام ١٣٣٢هـ.
٢٣ - الجرح والتعديل الطبعة الأولى بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدرآباد الدكن عام ١٣٧١هـ.
٢٤ - تهذيب التهذيب الطبعة الأولى بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدرآباد الدكن عام ١٣٢٧هـ.
стр. 1448
٢٥ - خلاصة تهذيب تهذيب الكمال الطبعة الأولى بالمطبعة الخيرية عام ١٣٢٣هـ.
٢٦ - الإصابة ومعها الاستيعاب طبع بمطبعة مصطفى محمد.
٢٧ - المستفاد من جهاد المتن والإسناد طبع مطابع الرياض.
٢٨ - بدائع الصنائع للكاساني طبع بمطبعة الجمالية بمصر الطبعة الأولى عام ١٣٢٨هـ.
٢٩ - المبسوط للسرخسي طبع بمطبعة السعادة بجوار محافظة مصر الطبعة الأولى.
٣٠ - فتح القدير لابن الهمام الطبعة الأولى بالمطبعة الكبرى الأميرية عام ١٣١٥هـ.
٣١ - المدونة الطبعة الأولى بالمطبعة الخيرية سنة ١٣٢٤هـ ومعها المقدمات.
٣٢ - المقدمات لابن رشد ومعها المدونة.
٣٣ - مواهب الجليل للحطاب ملتزم الطبع مكتبة النجاح، ليبيا.
٣٤ - الأم الطبعة الأولى بالمطبعة الخيرية عام ١٣٣١هـ.
٣٥ - المذهب الطبعة الحلبية.
٣٦ - المغني والشرح الكبير الطبعة الأولى بمطبعة المنار سنة ١٣٤٦هـ.
٣٧ - الكافي الطبعة الأولى سنة ١٣٨٢هـ طبع المكتب الإسلامي.
٣٨ - الإنصاف طبع بمطبعة السنة المحمدية عام ١٣٧٧هـ.
٣٩ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام.
٤٠ - زاد المعاد طبع مطبعة أنصار السنة المحمدية.
٤١ - أعلام الموقعين الطبعة المنيرية.
٤٢ - إغاثة اللهفان طبعة حلبية عام ١٣٥٧هـ.
٤٣ - مسودة آل تيمية.
٤٤ - سير الحاث إلى علم الطلاق الثلاث ليوسف بن حسن بن عبد الرحمن بن عبد الهادي طبعة محمد نصيف ضمن مجموعة رأس الحسين.
٤٥ - المحلى لابن حزم الطبعة الأولى.
٤٦ - التجريد في أسماء الصحابة للذهبي الطبعة الأولى في مطبعة دائرة المعارف النظامية بحيدرآباد الدكن.
٤٧ - الناسخ والمنسوخ لابن النحاس الطبعة الأولى.
стр. 1449
القرار
بعد الاطلاع على البحث المقدم من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء والمعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء في موضوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد.
وبعد دراسة المسألة وتداول الرأي واستعراض الأقوال التي قيلت فيها ومناقشة ما على كل قول من إيراد توصل المجلس بأكثريته إلى اختيار القول بوقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثا، وذلك لأمور أهمها ما يلي:
أولا: لقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) إلى قوله تعالى ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٢) فإن الطلاق الذي شرعه الله هو ما يتعقبه عدة وما كان صاحبه مخيرا بين الإمساك بمعروف - والتسريح بإحسان، وهذا منتف في إيقاع الثلاث في العدة قبل الرجعة فلم يكن طلاقا للعدة، وفي فحوى هذه الآية دلالة على وقوع الطلاق لغير العدة إذا لو لم يقع لم يكن ظالما لنفسه بإيقاعه لغير العدة
стр. 1450
ولم ينسد الباب أمامه حتى يحتاج إلى المخرج الذي أشارت إليه الآية الكريمة ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (١)، وهو الرجعة حسبما تأوله ابن عباس ﵁ حين قال للسائل الذي سأله وقد طلق ثلاثا. أن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٢) وإنك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجا عصيت ربك، وبانت منك امرأتك.
ولا خلاف في أن من لم يطلق للعدة بأن طلق ثلاثا مثلا فقد ظلم نفسه، فعلى القول بأنه إذا طلق ثلاثا فلا يقع من طلاقه إلا واحدة، فما هي التقوى التي بالتزامها يكون المخرج واليسر، وما هي عقوبة هذا الظالم نفسه المتعدي لحدود الله حيث طلق بغير العدة، فلقد جعل الشارع على من قال قولا منكرا لا يترتب عليه مقتضى، قوله المنكر عقوبة له على ذلك كعقوبة المظاهر من امرأته بكفارة الظهار، فظهر - والله أعلم - أن الله تعالى عاقب من طلق ثلاثا بإنقاذها عليه وسد المخرج أمامه، حيث لم يتق الله، فظلم نفسه وتعدى حدود الله.
ثانيا: ما في الصحيحين عن عائشة ﵂ «أن رجلا طلق امرأته ثلاثا؛ فتزوجت فطلقت، فسئل النبي ﷺ أتحل للأول؟ قال: " لا حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول (٣)»، فقد ذكره البخاري ﵀ تحت ترجمة " باب من أجاز الطلاق ثلاثا "، واعترض على الاستدلال به بأنه مختصر من قصة رفاعة بنت وهب التي جاء في بعض رواياتها عند مسلم أنها طلقها زوجها آخر ثلاث تطليقات، ورد الحافظ ابن حجر ﵀ الاعتراض بأنه غير رفاعة قد وقع له مع امرأته نظير ما وقع لرفاعة فلا مانع من التعدد. فإن كلا من رفاعة القرظي ورفاعة النضري وقع له مع زوجة له طلاق فتزوج كلا منهما عبد الرحمن بن الزبير فطلقها قبل أن يمسها ثم قال: وبهذا يتبين خطأ من وحد بينهما ظنا منه أن رفاعة بن سموأل هو رفاعة بن وهب. أهـ.
وعند مقابلة هذا الحديث بحديث ابن عباس الذي رواه عنه طاوس «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة (٤)» إلخ، فإن الحال لا تخلو من أمرين: إما أن يكون معنى الثلاث في حديث عائشة وحديث طاوس أنها مجتمعة أو متفرقة، فإن كانت مجتمعة فحديث عائشة متفق عليه، فهو أولى بالتقديم، وفيه التصريح بأن تلك الثلاث تحرمها ولا تحل إلا بعد زوج، وإن كانت متفرقة فلا حجة في حديث طاوس على محل النزاع في وقوع الثلاث بلفظ واحد واحدة. وأما اعتبار الثلاث في حديث عائشة مفرقة وفي حديث طاوس مجتمعة فلا وجه له ولا دليل عليه.
стр. 1451
ثالثا: لما وجه به بعض أهل العلم كابن قدامة ﵀ حيث يقول: ولأن النكاح ملك يصح إزالته متفرقا فصح مجتمعا كسائر الأملاك. والقرطبي ﵀ حيث يقول: وحجة الجمهور من جهة اللزوم من حيث النظر ظاهرة جدا، وهو أن المطلقة ثلاثا لا تحل للمطلق حتى تنكح زوجا غيره، ولا فرق بين مجموعها ومفرقها لغة وشرعا وما يتخيل من الفرق صورى ألغاه الشارع اتفاقا في النكاح والعتق والأقارير، فلو قال المولى أنكحتك هؤلاء الثلاث في كلمة واحدة انعقد كما لو قال أنكحتك هذه وهذه وهذه، وكذلك في العتق والإقرار وغير ذلك من الأحكام. أهـ، وغاية ما يمكن أن يتجه على المطلق بالثلاث لومه على الإسراف يرفع نفاذ تصرفه.
رابعا: لما أجمع عليه أهل العلم إلا من شذ في إيقاع الطلاق من الهازل استنادا إلى حديث أبي هريرة وغيره مما تلقته الأمة بالقبول. من أن «ثلاثا جدهن جد، وهزلهن جد. الطلاق والنكاح والرجعة (١)»؛ ولأن قلب الهازل بالطلاق عمد ذكره، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تعليله القول بوقوع الطلاق من الهازل، حيث قال: ومن قال لا لغو في الطلاق فلا حجة معه بل عليه؛ لأنه لو سبق لسانه بذكر الطلاق من غير عمد القلب لم يقع به وفاقا، وأما إذا قصد اللفظ به هازلا فقد عمد قلبه ذكره، أهـ. فإن ما زاد على الواحدة لا يخرج عن مسمى الطلاق، بل هو من صريحه، واعتبار الثلاث واحدة إعمال لبعض عدده دون باقية دون مسوغ، اللهم إلا أن يكون المستند في ذلك حديث ابن عباس، ويأتي الجواب عنه - إن شاء الله.
خامسا: إن القول بوقوع الثلاث ثلاثا قول أكثر أهل العلم فلقد أخذ به عمر وعثمان وعلي والعبادلة: ابن عباس وابن عمر وابن عمرو وابن مسعود وغيرهم من أصحاب رسول الله ﷺ ، وقال به الأئمة الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وابن أبي ليلى والأوزاعي وذكر ابن عبد الهادي عن ابن رجب ﵀ بقوله: اعلم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام شيء صريح في أن الطلاق الثلاث بعد الدخول يحسب واحدة إذا سبق بلفظ واحد. اهـ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض بحثه الأقوال في ذلك: الثاني - أنه طلاق محرم ولازم، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد في الرواية المتأخرة عنه، اختارها أكثر أصحابه وهذا القول منقول من كثير من السلف من الصحابة والتابعين. أهـ وقال ابن القيم: واختلف الناس فيها، أي في وقوع الثلاث بكلمة واحدة - على أربعة مذاهب أحدها: أنه يقع وهذا قول الأئمة الأربعة وجمهور التابعين وكثير من الصحابة. أهـ، وقال القرطبي: قال علماؤنا - واتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة، وهو قول جمهور السلف.
стр. 1452
وقال ابن العربي في كتابه الناسخ والمنسوخ ونقله عنه ابن القيم ﵀ في تهذيب السنن: قال تعالى ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (١) زل قوم في آخر الزمان فقالوا إن الطلاق الثلاث في كلمة واحدة لا يلزم وجعلوه واحدة ونسبوه إلى السلف الأول فحكوه عن علي والزبير وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عباس وعزوه إلى الحجاج ابن أرطاة الضعيف المنزلة والمغموز المرتبة ورووا في ذلك حديثا ليس له أصل - إلى أن قال: وما نسبوه إلى الصحابة كذب بحت لا أصل له في كتاب ولا رواية له عن أحد - إلى أن قال: وأما حديث الحجاج بن أرطاة فغير مقبول في الملة ولا عند أحد من الأئمة. اهـ.
سادسا: لتوجه الإيرادات على حديث ابن عباس ﵁ «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وخلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة (٢)» إلى آخر الحديث مما يضعف الأخذ به والاحتجاج بما يدل عليه، فإنه يمكن أن يجاب عنه بما يلي:
أ - ما قيل من أن الحديث مضطرب سندا ومتنا أما اضطراب سنده فلروايته تارة عن طاوس عن ابن عباس وتارة عن طاوس عن أبي الصهباء عن ابن عباس وتارة عن أبي الجوزاء عن ابن عباس وأما اضطراب متنه فإن أبا الصهباء تارة يقول: ألم تعلم أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوه واحدة. وتارة يقول: ألم تعلم أن الطلاق الثلاث كان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر واحدة.
ب - قد تفرد به عن ابن عباس طاوس وطاوس متكلم فيه من حيث روايته المناكير عن ابن عباس قال القاضي إسماعيل في كتابه (أحكام القرآن) طاوس مع فضله وصلاحه يروي أشياء منكرة منها هذا الحديث. وعن أيوب أنه كان يعجب من كثرة خطأ طاوس. وقال ابن عبد البر شذ طاوس في هذا الحديث. وقال ابن رجب وكان علماء أهل مكة ينكرون على طاوس ما ينفرد به من شواذ الأقاويل. ونقل القرطبي عن ابن عبد البر أنه قال: رواية طاوس وهم وغلط لم يعرج عليها أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والمغرب.
جـ - ما ذكره بعض أهل العلم من الحديث شاذ من طريقتين: أحدهما تفرد طاوس بروايته وأنه لم يتابع عليه، قال الإمام أحمد في رواية ابن منصور: كل أصحاب ابن عباس
стр. 1453
رووا عنه خلاف ما روى طاوس: وقال الجوزجاني هو حديث شاذ: وقال ابن رجب ونقله عنه ابن عبد الهادي: وقد عنيت بهذا الحديث في قديم الدهر فلم أجد له أصلا.
الثاني ما ذكره البيهقي فإنه ساق الروايات عن ابن عباس بلزوم الثلاث ثم نقل عن ابن المنذر أنه لا يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي ﷺ شيئا ويفتي بخلافه، وقال ابن التركماني وطاوس يقول إن أبا الصهباء مولاه سأله عن ذلك ولا يصح ذلك عن ابن عباس لرواية الثقات عنه خلافه، ولو صح عنه ما كان قوله حجة على من هو من الصحابة أجل وأعلم منه وهم عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عمر وغيرهم. اهـ
فلما في هذا الحديث من الشذوذ فقد أعرض عنه الشيخان الجليلان أبو عبد الله أحمد بن حنبل فقد قال للأثرم وابن منصور بأنه رفض حديث ابن عباس قصدا لأنه يرى عدم الاحتجاج به في لزوم الثلاث بلفظ واحد لرواية الحفاظ عن ابن عباس ما يخالف ذلك. والإمام محمد بن إسماعيل البخاري ذكر عنه البيهقي أنه ترك الحديث عمدا لذلك الموجب الذي تركه من أجله الإمام أحمد ولا شك أنهما لم يتركاه إلا لموجب يقتضي ذلك.
ر - إن حديث ابن عباس يتحدث عن حالة اجتماعية مفروض فيها أن تكون معلومة لدى جمهور معاصريها، وتوفر الدواعي لنقلها بطرق متعددة مما لا ينبغي أن يكون موضع خلاف، ومع هذا لم تنقل إلا بطريق آحادي عن ابن عباس فقط ولم يروها عن ابن عباس غير طاوس الذي قيل عنه بأنه يروي المناكير. ولا يخفى ما عليه جماهير علماء الأصول من أن خبر الآحاد إذا كانت الدواعي لنقله متوفرة ولم ينقله إلا واحد ونحوه أن ذلك يدل على عدم صحته، فقد قال صاحب جمع الجوامع عطفا على ما يجزم فيه بعدم صحة الخبر: والمنقول آحادا فيما تتوفر الدواعي إلى نقله خلافا للرافضة. اهـ وقال ابن الحاجب في مختصره الأصولي: إذا انفرد واحد فيما تتوفر الدواعي إلى نقله وقد شاركه خلق كثير كما لو انفرد واحد بقتل خطيب على المنبر في مدينة فهو كاذب قطعا خلافا للشيعة. اهـ.
فلا شك أن الدواعي إلى نقل ما كان عليه رسول الله ﷺ والمسلمون بعده في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر من أن الطلاق الثلاث كانت تجعل واحدة متوفرة توافرا لا يمكن إنكاره، ولا شك أن سكوت جميع الصحابة عنه حيث لم ينقل عنهم حرف واحد في ذلك غير ابن عباس يدل دلالة واضحة على أحد أمرين إما أن المقصود بحديث ابن عباس ليس معناه بلفظ واحد، بل بثلاثة ألفاظ في وقت واحد، وإما أن الحديث غير صحيح لنقله آحادا مع توفر الدواعي لنقله.
هـ - ما عليه ابن عباس ﵁ من التقى والصلاح والعلم والاستقامة والتقيد بالاقتداء
стр. 1454
والقوة في الصدع بكلمة الحق التي يراها يمنع القول بانقياده إلى ما أمر به عمر ﵁ من إمضاء الثلاث والحال أنه يعرف حكم الطلاق الثلاث في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر خلافة عمر من أنه يجعل واحدة.
فلا يخفى خلافه مع عمر ﵄ في متعة الحج وبيع الدينار بالدينارين وفي بيع أمهات الأولاد وغيرها من مسائل الخلاف فكيف يوافقه في شيء يروى عن النبي ﷺ فيه خلافه، وإلى قوته ﵁ في الصدع بكلمة الحق التي يراها، تشير كلمته المشهورة في مخالفته عمر في متعة الحج وهي قوله: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول الله وتقولون قال أبو بكر وعمر.
وعلى فرض صحة حديث ابن عباس فإن ما عليه أصحاب رسول الله ﷺ من التقى والصلاح والاستقامة وتمام الاقتداء بما عليه الحال المعتبرة شرعا في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر يمنع القول بانقيادهم إلى أمر عمر ﵁ في إمضاء الثلاث، والحال أنهم يعرفون ما كان عليه أمر الطلاق الثلاث في ذلك العهد. ومع هذا فلم يثبت بسند صحيح أن أحدا منهم أفتى بمقتضى ما عليه الأمر في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر حسبما ذكره ابن عباس في حديثه.
ز - ما في حديث ابن عباس من الدلالة على أن عمر أمضى الثلاث عقوبة للناس لأنهم قد استعجلوا أمرا كان لهم فيه أناة، وهذا مشكل ووجه الإشكال كيف يقرر عمر ﵁ وهو هو تقى وصلاحا وعلما وفقها - بمثل هذه العقوبة التي لا تقتصر آثارها على من استحقها وإنما تتجاوزه إلى طرف آخر ليس له نصيب في الإجرام وتعني بالطرف الآخر الزوجات حيث يترتب عليها إحلال فرج حرام على طرف ثالث، وتحريم فرج حلال بمقتضى عقد الزواج، وحقوق الرجعة، مما يدل على أن حديث طاوس عن ابن عباس فيه نظر، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1455
وجهة نظر المخالفين
نرى أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة. وقد سبقنا إلى القول بهذا ابن عباس في رواية صحيحة ثابتة عنه، وأفتى به الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود من الصحابة في رواية عنهم وأفتى به عكرمة وطاوس وغيرهما من التابعين وأفتى به ممن بعدهم محمد بن إسحاق وخلاس بن عمرو والحارث العكلي، والمجد بن تيمية، وشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، وتلميذه شمس الدين ابن القيم وغيرهم. . وقد استدل على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول: قوله تعالى ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١) وبيانه: أن الطلاق الذي شرع للزوج فيه الخيار بين أن يسترجع زوجته أو يتركها بلا رجعة حتى تنقضي عدتها فتبين منه - مرتان مرة بعد مرة، سواء طلق في كل مرة منهما طلقة أو ثلاثا مجموعة، لأن الله تعالى قال ﴿مَرَّتَانِ﴾ (٢) ولم يقل طلقتان ثم قال تعالى في الآية التي تليها ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٣) فحكم بأن زوجته تحرم عليه بتطليقه إياها المرة الثالثة حتى تنكح زوجا غيره سواء نطق في المرة الثالثة بطلقة واحدة أم بثلاث مجموعة، فدل على أن الطلاق شرعا مفرقا على ثلاث مرات، فإذا نطق بثلاث في لفظ واحد كان مرة واعتبر واحده.
الدليل الثاني: ما رواه مسلم في صحيحه من طريق طاوس عن ابن عباس ﵁ قال: «كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر ﵁: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم (٤)» وفي صحيح مسلم أيضا عن طاوس عن ابن عباس «أن أبا الصهباء قال لابن عباس هات من هناتك ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر واحدة، قال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم (٥)». فهذا الحديث واضح الدلالة على اعتبار الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة وعلى أنه لم ينسخ لاستمرار العمل به في عهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر، ولأن عمر علل إمضاءه ثلاثا بقوله: "إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة" ولم يدع النسخ ولم يعلل الإمضاء به، ولا بظهوره بعد خفائه، ولأن عمر استشار الصحابة في إمضائه ثلاثا، وما كان عمر ليستشير أصحابه في العدول عن العمل بحديث علم أو ظهر له أنه منسوخ. . وما أجيب به عن حديث ابن عباس فهو إما تأويل متكلف، وحمل للفظه على
стр. 1456
خلاف ظاهره بلا دليل وإما طعن فيه بالشذوذ والاضطراب وضعف طاوس وهذا مردود بأن مسلما رواه في صحيحه وقد اشترط ألا يروي في كتابه إلا الصحيح من الأحاديث. ثم إن الطاعنين فيه قد احتجوا بقول عمر في آخره " إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم " فكيف يكون آخره حجة مقبولة ويكون صدره مردودا لاضطرابه وضعف راويه وأبعد من هذا ما ادعاه بعضهم من أن العمل كان جاريا على عهد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - يجعل الطلاق الثلاث واحده لكنه ﷺ لم يعلم بذلك، إذ كيف تصح هذه الدعوى والقرآن ينزل والوحي مستمر، وكيف تستمر الأمة على العمل بالخطأ في عهده وعهد أبي بكر وسنتين أو ثلاث من خلافة عمر، وكيف يعتذر عمر في عدوله عن ذلك إلى إمضائه عليهم بما ذكر في الحديث من استعجال الناس في أمر كانت لهم فيه أناة ومن الأمور الواهية التي حاولوا بها رد الحديث معارضته بفتوى ابن عباس على خلافه، ومن المعلوم عند علماء الحديث وجمهور الفقهاء أن العبرة بما رواه الراوي متى صحت الرواية لا برأيه وفتواه بخلافه لأمور كثيرة استندوا إليها في ذلك، وجمهور من يقول بأن الطلاق الثلاث بلفظ واحد يعتبر ثلاثا يقولون بهذه القاعدة، ويبنون عليها الكثير من الفروع الفقهية وقد عارضوا الحديث أيضا بما ادعوه من الإجماع على خلافه بعد سنتين من خلافة عمر ﵁ مع العلم بأنه قد ثبت الخلاف في اعتبار الثلاث بلفظ واحد ثلاثا واعتباره واحدة بين السلف والخلف، واستمر إلى يومنا، ولا يصح الاستدلال على اعتبار الطلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثا بحديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - في تحريم الرسول ﷺ زوجة رفاعة القرظي عليه حتى تنكح زوجا غيره لتطليقه إياها ثلاثا، لأنه ثبت أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات كما رواه مسلم في صحيحه فكان الطلاق مفرقا ولم يثبت أن رفاعة بن وهب النضري جرى له مع زوجته مثل ما جرى لرفاعة القرظي حتى يقال بتعدد القصة، وأن إحداهما كان الطلاق فيها ثلاثة مجموعة ولم يحكم ابن حجر بتعدد القصة بل قال: إن كان محفوظا - يعني حديث رفاعة النضري - فالواضح تعدد القصة، واستشكل ابن حجر تعدد القصة في كتابه الإصابة حيث قال: لكن المشكل اتحاد اسم الزوج الثاني عبد الرحمن بن الزبير.
الدليل الثالث: ما رواه الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا سعد بن إبراهيم حدثنا، أبي عن محمد بن إسحاق، قال حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: «طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا، قال: فسأله رسول الله ﷺ : "كيف طلقتها"، قال: طلقتها ثلاثا قال: فقال: "في مجلس واحد" قال: نعم، فقال: "فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت"، قال: فراجعها، (١)» قال: فكان ابن عباس يرى أن الطلاق عند كل طهر قال ابن القيم في كتابه أعلام الموقعين: " وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد وحسنه "، وضعف أحمد وأبو عبيد والبخاري ما روي من أن ركانة طلق زوجته بلفظ - البتة.
الدليل الرابع: بالإجماع وبينة ابن تيمية وابن القيم وغيرهما بأن الأمر لم يزل على اعتبار الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة في عهد أبي بكر وسنتين أو ثلاث من خلافة عمر، وأن ما روي عن الصحابة من الفتوى بخلاف ذلك فإنما كان من بعضهم بعدما أمضاه عمر ثلاثا تعزيزا وعقوبة، لما استعجلوا أمرا كان لهم فيه أناة، ولم يرد عمر بإمضاء الثلاث أن يجعل ذلك شرعا كليا مستمرا وإنما أراد أن يلزم به ما
стр. 1457
دامت الدواعي التي دعت إليه قائمة كما هو الشأن في الفتاوى التي تتغير بتغير الظروف والأحوال وللإمام أن يعزر الرعية عند إساءة التصرف في الأمور التي لهم فيها الخيار بين الفعل والترك بقصرهم على بعضها ومنعهم من غيره كما منع النبي ﷺ الثلاثة الذين خلفوا من زوجاتهم مدة من الزمن عقوبة لهم على تخلفهم عن غزوة تبوك مع أن زوجاتهم لم يسئن، وكالزيادة في عقوبة شرب الخمر، وتحديد الأسعار عند استغلال التجار مثلا للظروف وتواطئهم على رفع الأسعار دون مسوغ شرعي إقامة للعدل، وفي معنى هذا تنظيم المرور فإن فيه منع الناس من المرور في طرق قد كان مباحا لهم السير فيها من قبل محافظة على النفوس والأموال وتيسيرا للسير مع آمن وسلام.
الدليل الخامس: قياس الطلاق الثلاث على شهادات اللعان، قالوا كما لا يعتبر قول الزوج في اللعان أشهد بالله أربع شهادات أني رأيتها تزني إلا شهادة واحدة لا أربعا، فكذا لو قال لزوجته: أنت طالق ثلاثا لا يعتبر إلا طلقة واحدة لا ثلاثا، ولو قال: أقر بالزنا أربعا مكتفيا بذكر اسم العدد عن تكرار الإقرار لم يعتبر إلا واحدة عند من اعتبر التكرار في الإقرار. فكذا لو قال لزوجته: أنت طالق ثلاثا مكتفيا باسم العدد عن تكرار الطلاق لم يعتبر إلا واحدة، وهكذا كل ما يعتبر فيه تكرار القول لا يكفي فيه عن التكرار ذكر اسم العدد كالتسبيح والتحميد والتكبير عقب الصلوات المكتوبة، والله ولي التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم. . .
حرر في ١٢/ ١١ / ٩٣ هـ
стр. 1458
مجلة
البحوث الإسلامية
مجلة
البحوث الإسلامية
هيئة كبار العلماء
حكم النشوز والخلع
هيئة كبار العلماء
стр. 1459
صفحة فارغة
стр. 1460
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد وآله وصحبه وبعد:
فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الخامسة مسألة النشوز والخلع - وقد أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في الموضوع للمجلس وهذا نصه:
الحمد لله وحده وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده، محمد وعلى آله وصحبه وبعد:
فبناء على ما تقرر من أن تبحث مسألة النشوز والخلع في الدورة الخامسة، وأن يدرج موضوعها في جدول أعمال تلك الدورة، أعدت اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء بحثا في ذلك مشتملا على ما يأتي:
١ - معنى النشوز والخلع في اللغة وفي الاصطلاح الشرعي.
٢ - الحكم فيما إذا كان النشوز من الزوج.
٣ - الحكم فيما إذا كان النشوز من الزوجة.
٤ - حكم أخذ العوض على الخلع عند تحقق النشوز أو توقعه.
٥ - الحكم فيما إذا كان النشوز منهما جميعا أو ادعاه كل واحد منهما على الآخر.
وختمت ذلك بخلاصة لما تضمنه البحث. . . وبالله التوفيق
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1461
حكم النشوز والخلع
النشوز في اللغة وفي عرف الفقهاء
قال ابن منظور: نشز: النشز، والنشز: المتن المرتفع من الأرض، وهو أيضا ما ارتفع عن الوادي إلى الأرض، وليس بالغليظ، والجمع أنشاز ونشوز، وقال بعضهم جمع النشز: نشوز، وجمع النشز: أنشاز ونشاز، مثل جبل وأجبال وجبال. والنشاز بالفتح كالنشز.
ونشز ينشز نشوزا: أشرف على نشز من الأرض وهو ما ارتفع وظهر يقال: أقعد على ذلك النشاز وفي الحديث: "إنه كان إذا أوفى على نشز كبر". أي ارتفع على رابية في سفر قال: وقد تسكن الشين، ومنه الحديث في خاتم النبوة " بضعة ناشزة " أي قطعة لحم مرتفعة على الجسم، ومنه الحديث " أتاه رجل ناشز الجبهة " أي مرتفعها، ونشز الشيء ينشز نشوزا: ارتفع. وتل ناشز: مرتفع. وجمعه نواشز. وقلب ناشز إذا ارتفع عن
стр. 1462
مكانه من الرعب وأنشزت الشيء إذا رفعته عن مكانه، ونشز في مجلسه ينشز وينشز بالكسر والضم: ارتفع قليلا. وفي التنزيل العزيز ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ (١) قال الفراء: قرأها الناس بكسر الشين وأهل الحجاز يرفعونها. قال وهما لغتان. قال أبو إسحاق معناه: إذا قيل انهضوا فانهضوا وقوموا كما قال تعالى ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ (٢) وقيل في قوله تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾ (٣) أي قوموا إلى الصلاة أو قضاء حق أو شهادة فانشزوا. ونشز الرجل ينشز إذا كان قاعدا فقام. وركب ناشز: ناتئ مرتفع. وعرق ناشز منتبر ناشز، لا يزال يضرب من داء أو غيره وقوله: وأنشده ابن الأعرابي:
فما ليلى بناشزة القصيرى ... ولا وقصاء لبستها اعتجار
فسره فقال: ناشزة القصيرى أي ليست بضخمة الجنين مشرفة القصيرى بما عليها من اللحم وأنشز الشيء: رفعه عن مكانه. وإنشاز عظام الميت: رفعها إلى مواضعها وتركيب بعضها على بعض. وفي التنزيل العزيز: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ (٤) أي نرفع بعضها على بعض قال الفراء: قرأ زيد بن ثابت ننشزها بالزاي، قال: والإنشاز نقلها إلى مواضعها، قال وبالراء قرأها الكوفيون.
قال ثعلب: والمختار الزاي لأن الإنشاز تركيب العظام بعضها على بعض. . وفي الحديث «" لا رضاع إلا ما أنشز العظم (٥)» أي رفعه وأعلاه وأكبر حجمه وهو من النشز المرتفع من الأرض.
قال أبو إسحاق النشوز يكون بين الزوجين. وهو كراهة كل واحد منهما صاحبه، واشتقاقه من النشز، وهو ما ارتفع من الأرض، ونشزت المرأة بزوجها وعلى زوجها تنشز وتنشز نشوزا وهي ناشز: ارتفعت عليه واستعصت عليه وأبغضته وخرجت عن طاعته وفركته. وقال: -
سرت تحت إقطاع من الليل حتى ... لخمان بيت فهي لا شك ناشز
قال الله تعالى ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ (٦) نشوز المرأة استعصاؤها على زوجها ونشز هو عليها نشوزا كذلك، وضربها وجفاها وأضر بها، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ (٧) وقد تكرر ذكر النشوز بين الزوجين في الحديث، والنشوز كراهية كل واحد منهما صاحبه وسوء عشرته له. ورجل نشز: غليظ عيل، قال الأعشى:
وتركب مني إن بلوت نكيثتي ... على نشز قد شاب ليس بتوئم
أي غلظ ذهب إلى تكبيره وتعظيمه فلذلك جعله أشيب. ونشز بالقوم في الخصومة نشوزا: نهض بهم للخصومة.
стр. 1463
ونشز بقرنه ينشز به نشوزا: احتمله فصرعه. قال شمر: وهذا كأنه مقلوب (١) مثل جذب وجبذ، ويقال للرجل إذا أسن ولم ينقص: إنه لنشز من الرجال، وصم إذا انتهى سنه وقوته وشبابه. قال أبو عبيد: النشز والنشز الغليظ الشديد ودابة نشيزة إذا لم يكد يستقر الراكب عليها والسرج على ظهرها. ويقال للدابة إذا لم يكد يستقر السرج والراكب على ظهرها: إنها لنشزة. اهـ (٢).
وقال أبو بكر أحمد بن علي الجصاص في تعريف النشوز:
وأصل النشوز: الترفع على الزوج بمخالفته. مأخوذ من نشز الأرض وهو الموضع المرتفع منها. اهـ (٣). . وقال القرطبي: والنشوز: العصيان، مأخوذ من النشز، وهو ما ارتفع من الأرض. يقال: نشز الرجل ينشز وينشز إذا كان قاعدا فنهض قائما ومنه قوله هز وجل ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ (٤) أي ارتفعوا وانهضوا إلى حرب أو أمر من أمور الله تعالى. فالمعنى: أي تخافون عصيانهن وتعاليهن عما أوجب الله عليهن من طاعة الأزواج.
قال أبو منصور اللغوي: النشوز كراهية كل واحد من الزوجين صاحبه، يقال نشزت تنشز فهي ناشز بغير هاء. ونشصت تنشص وهي السيئة للعشرة. . قال ابن فارس ونشزت المرأة استعصت على بعلها ونشز بعلها عليها إذا ضربها وجفاها. قال ابن دريد نشزت المرأة ونشست ونشصت بمعنى واحد. اهـ وقال منصور البهوتي (فصل في النشوز) وهو كراهة كل من الزوجين صاحبه وسوء عشرته. يقال نشزت المرأة على زوجها فهي ناشزة وناشز، ونشز عليها زوجها جفاها وأضر بها. قاله في المبدع وغيره (وهو معصيتها إياه فيما يجب عليها) مأخوذ من النشز وهو ما ارتفع من الأرض. فكأنها ارتفعت عما فرض الله عليها من المعاشرة بالمعروف. ويقال نشصت بالشين المعجمة والصاد المهملة. اهـ المقصود (٥).
стр. 1464
النشوز قد يكون من الرجل وقد يكون من المرأة
وقد يدعيه كل منهما على صاحبه
أما نشوز الزوج على امرأته فقد قال الله تعالى ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (١) قال ابن
стр. 1465
جرير ﵀ في تفسير هذه الآية: يعني بذلك جل ثناؤه: وإن خافت امرأة من بعلها يقول: علمت من زوجها نشوزا يعني استعلاء بنفسه عنها إلى غيرها أثرة عليها وارتفاعا عنها، إما لبغضه وإما لكراهة منه بعض أسبابها: إما دمامتها وإما سنها وكبرها أو غير ذلك من أمورها ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ (١) يعني انصرافا عنها بوجهه أو ببعض منافعه التي كانت لها منه ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ (٢) يقول: فلا حرج عليهما يعني على المرأة الخائفة نشوز بعلها أو إعراضه عنها ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ (٣) وهو أن تترك له يومها أو تضع عنه بعض الواجب لها من حق عليه، تستعطفه بذلك وتستديم المقام في حباله والتمسك بالعقد الذي بينها وبينه من النكاح. يقول: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٤) يعني والصلح بترك بعض الحق استدامة للحرمة وتماسكا بعقد النكاح خير من طلب الفرقة والنكاح - ثم قال - وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ثم ذكر ﵀ مجموعة آثار بأسانيدها إلى عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعائشة وابن عباس، ورافع بن خديج، وعبيدة وإبراهيم، وقتاده ومجاهد، والسدي، والضحاك وابن زيد (٥).
стр. 1466
قال الجصاص: باب مصالحة المرأة زوجها
قال الله تعالى ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ (١) قيل في معنى النشوز: إنه الترفع عليها لبغضه إياها مأخوذ من نشز الأرض وهي المرتفعة، وقوله ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ (٢) يعني لموجدة أو أثرة فأباح الله لهما الصلح.
فروي عن علي وابن عباس أنه أجاز لهما أن يصطلحا على ترك بعض مهرها أو بعض أيامها بأن تجعله لغيرها. وقال عمر: ما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز، وروى سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: «خشيت سودة أن يطلقها النبي ﷺ فقالت يا رسول الله لا تطلقني وامسكني واجعل يومي لعائشة ففعل، فنزلت هذه الآية: (٤)» الآية فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز.
وقال هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أنها نزلت في المرأة تكون عند الرجل ويريد طلاقها ويتزوج غيرها، فتقول أمسكني ولا تطلقني ثم تزوج وأنت في حل من النفقة والقسمة لي فذلك قوله تعالى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (٥) إلى قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٦).
стр. 1467
وعن عائشة من طرق كثيرة أن سودة وهبت يومها لعائشة فكان النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقسم به لها قال أبو بكر: فهذه الآية دالة على وجوب القسم بين النساء إذا كان تحته جماعة على وجوب الكون عندها إذا لم تكن عنده إلا واحدة.
وقضى كعب بن سور بأن لها يوما من أربعة أيام بحضرة عمر فاستحسنه عمر وولاه قضاء البصرة وأباح الله أن تترك حقها من القسم وأن تجعله لغيرها من نسائه، وعموم الآية يقتضي جواز اصطلاحهما على ترك المهر والنفقة والقسم وسائر ما يجب لها بحق الزوجية. إلا أنه إنما يجوز لها إسقاط ما وجب من النفقة للماضي فأما المستقبل فلا تصح البراءة منه، وكذلك لو أبرأت من الوطء لم يصح إبراؤها وكان لها المطالبة بحقها منه، وإنما يجوز بطيب نفسها بترك المطالبة بالنفقة وبالكون عندها.
فأما أن تسقط ذلك في المستقبل بالبراءة منه فلا. ولا يجوز أيضا أن يعطيها عوضا على ترك حقها من القسم أو الوطء لأن ذلك أكل مال بالباطل، أو ذلك حق لا يجوز أخذ العوض عنه، لأنه لا يسقط مع وجود السبب الموجب له وهو عقد النكاح. وهو مثل أن تبرئ الرجل من تسليم العبد المهر، فلا يصح لوجود ما يوجبه وهو العقد.
فإن قيل فقد أجاز أصحابنا أن يخلعها على نفقة عدتها، فقد أجازوا البراءة من نفقة لم تجب بعد مع وجود السبب الموجب لها وهي العدة. قيل له: لم يجيزوا البراءة من النفقة ولا فرق بين المختلعة والزوجة في امتناع وقوع البراءة من نفقة لم تجب بعد، ولكنه إذا خالعها على نفقة العدة فإنما جعل الجعل مقدار نفقة العدة والجعل في الخلع يجوز فيه هذا القدر من الجهالة فصار ذلك في ضمانها بعقد الخلع، ثم ما يجب لها بعد من نفقة العدة في المستقبل يصير قصاصا بماله عليها.
وقد دلت الآية على جواز اصطلاحهما من المهر على ترك جميعه، أو بعضه أو على الزيادة عليه، لأن الآية لم تفرق بين شيء من ذلك وأجازت الصلح في سائر الوجوه. وقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (١) قال بعض أهل العلم: يعني خير من الإعراض والنشوز وقال آخرون: من الفرقة وجائز أن يكون عموما في جواز الصلح في سائر الأشياء إلا ما خصه الدليل. . اهـ (٢).
وقال القرطبي قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٣).
وقال القرطبي قوله تعالى ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٤).
стр. 1468
فيه مسائل: الأولى قوله تعالى وإن امرأة رفع بإضمار فعل يفسره ما بعده وخافت بمعنى توقعت وقول من قال خافت تيقنت خطأ. قال الزجاج: المعنى وإن امرأة خافت من بعلها دوام النشوز. قال النحاس: الفرق بين النشوز والإعراض أن النشوز التباعد. والإعراض أن لا يكلمها ولا يأنس بها.
ونزلت الآية بسبب سودة بنت زمعه. روى الترمذي عن ابن عباس قال: «خشيت سودة أن يطلقها رسول الله ﷺ فقالت: لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي منك لعائشة ففعل فنزلت (٢)» فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز. قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب.
وروى ابن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن رافع بن خديج كانت تحته خولة ابنة محمد بن مسلمة فكره من أمرها إما كبرا وإما غيره. فأراد أن يطلقها فقالت: لا تطلقني واقسم لي ما شئت فجرت السنة بذلك ونزلت ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٣).
وروى البخاري عن عائشة ﵂ ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ (٤) قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول: أجعلك من شأني في حل، فنزلت هذه الآية وقراءة العامة (أن يصالحا) وقرأ أكثر الكوفيين (أن يصلحا) وقرأ الجحدري وعثمان البتي (أن يصلحا) والمعنى يصطلحا ثم أدغم.
الثانية: في هذه الآية من الفقه الرد على الرعن الجهال الذين يرون أن الرجل إذا أخذ شباب المرأة وأسنت لا ينبغي أن يتبدل بها.
قال ابن أبي مليكة: إن سودة بنت زمعة لما أسنت أراد النبي ﷺ أن يطلقها، فآثرت الكون معه، فقالت له: أمسكني واجعل يومي لعائشة، ففعل ﷺ وماتت وهي من أزواجه.
قلت: وكذلك فعلت بنت محمد بن مسلمة، روى مالك عن ابن شهاب عن رافع بن خديج أنه تزوج بنت محمد بن مسلمة الأنصارية، فكانت عنده حتى كبرت، فتزوج عليها فتاة شابة، فآثر الشابة عليها، فناشدته الطلاق فطلقها واحدة، ثم أهملها حتى إذا كانت تحل راجعها ثم عاد فآثر الشابة عليها فناشدته الطلاق فطلقها واحدة، ثم راجعها فآثر الشابة عليها فناشدته الطلاق فقال: ما شئت: إنما بقيت واحدة، فإن شئت استقررت على ما ترين من الأثرة وإن شئت فارقتك. قالت: بل أستقر على الأثرة. فأمسكها على ذلك، ولم ير رافع عليه إثما حين قرت على الأثرة. رواه معمر عن الزهري بلفظه ومعناه وزاد: فذلك الصلح الذي بلغنا أنه نزل فيه ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٥).
стр. 1469
قال أبو عمر بن عبد البر: قوله والله أعلم (فآثر الشابة عليها) يريد في الميل بنفسه إليها والنشاط لها لا أنه آثرها عليها في مطعم وملبس ومبيت، لأن هذا لا ينبغي أن يظن بمثل رافع والله تعالى أعلم. . وذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة عن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه ٠ أن رجلا سأله عن هذه الآية فقال: هي المرأة تكون عند الرجل فتنبو عيناه عنها من دمامتها أو فقرها أو كبرها أو سوء خلقها وتكره فراقه فإن وضعت له من مهرها شيئا حل له (أن يأخذ) وإن جعلت له من أيامها فلا حرج.
وقال الضحاك: لا بأس أن ينقصها من حقها إذا تزوج من هي أشب منها وأعجب إليه. وقال مقاتل بن حيان: هو الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة فيتزوج عليها الشابة، فيقول لهذه الكبيرة أعطيك من مالي على أن أقسم لهذه الشابة أكثر مما أقسم لك من الليل والنهار فترضى الأخرى بما اصطلحا عليه، وإن أبت ألا ترضى فعليه أن يعدل بينهما في القسم.
الثالثة: قال علماؤنا: وفي هذا أن أنواع الصلح كلها مباحة في هذه النازلة بأن يعطي الزوج على أن تصبر هي، أو تعطى هي على أن يؤثر الزوج، أو على أن يؤثر ويتمسك بالعصمة أو يقع الصلح على الصبر والأثرة من غير عطاء فهذا كله مباح، وقد يجوز أن تصالح إحداهن صاحبتها عن يومها بشيء تعطيها، كما فعل أزواج النبي ﷺ وذلك أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - «كان غضب على صفية، فقالت لعائشة: أصلحي بيني وبين رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وقد وهبت يومي لك (١)».
ذكره ابن خويز منداد عن عائشة. اهـ (٢).
فإذا كان النشوز من الزوج ولم يتم اصطلاح بين الزوجين فلا يحل له أن يستمر في نشوزه عليها والعضل لها ليضطرها أن تفتدي نفسها ببذلها ما آتاها أو بعضه ليطلقها بل عليه أن يمسكها بمعروف أو يسرحها بإحسان إلا أن يخافا ألا يقيما حدود ال، له فلا جناح عليهما فيما افتدت به، أو أن تأتي الزوجة بفاحشة مبينة فيباح له حينئذ عضلها ليأخذ ما آتاها أو بعضه ليطلقها. قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٣).
قال ابن جرير يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ (٤) ولا يحل لكم أيها الرجال أن تأخذوا من نسائكم إذا أنتم أردتم طلاقهن - لطلاقكم وفراقكم إياهن - شيئا مما أعطيتموهن من الصداق وسقتم إليهن بل الواجب عليكم تسريحهن بإحسان وذلك إيفاؤهن حقوقهن في الصداق والمتعة وغير ذلك مما يجب لهن عليكم ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٥) - إلى أن قال - فإن قال قائل: وأية حال الحال التي يخاف عليهما ألا يقيما حدود الله حتى يجوز للرجل أن يأخذ حينئذ منها ما آتاها؟
стр. 1470
قيل: حال نشوزها وإظهارها له بغضه حتى يخاف عليها ترك طاعة الله فيما لزمها لزوجها من الحق ويخاف عليها بتقصيرها في أداء حقوقه التي ألزمها الله له تركه أداء الواجب له، عليها، فذلك حين الخوف عليهما ألا يقيما حدود الله فيطيعاه فيما ألزم كل واحد منهما لصاحبه، والحال التي أباح النبي ﷺ لثابت بن قيس بن شماس أخذ ما كان أتى زوجته إذ نشزت عليه بغضا منها له - ثم ذكر مجموعة أحاديث بأسانيدها تؤيد ما ذهب إليه من تعيين الحال التي يخاف على الزوجين ألا يقيما حدود الله فيباح للزوجة الافتداء من زوجها ويباح للزوج أخذ العوض على طلاقها، ومن ذلك قوله: حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج قال: «نزلت هذه الآية في ثابت بن قيس وفي حبيبة قال وكانت اشتكته إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقال رسول الله ﷺ " تردين عليه حديقته؟ " فقالت: نعم. فدعاه رسول الله ﷺ فذكر ذلك له فقال: ويطيب لي ذلك؟ قال: "نعم" قال ثابت قد فعلت فنزلت (٢)» اهـ (٣).
وقال تعالى ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٤).
ذكر ابن جرير ﵀ أقوالا لأهل العلم في المخاطب بالنهي عن العضل منها: أن المخاطبين بذلك ورثة الأزواج. ومنها: أن المخاطبين بذلك أولياء المرأة. ومنها أن المخاطبين بذلك أولياء المرأة. ومنها: أن المخاطبين بذلك الأزواج الذين طلقوا زوجاتهم ومنعوهن أن يتزوجن بعدهم إلا بإذنهم. ومنها: أن المخاطبين بذلك الأزواج الذين كرهوا زوجاتهم وأمسكوهن ضرارا ليفتدين. ثم قال: وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بالصحة في تأويل قوله ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ (٥) قول من قال نهى الله جل ثناؤه زوج المرأة عن التضييق عليها والإضرار بها وهو لصحبتها كاره ولفراقها محب لتفتدي منه ببعض ما آتاها من الصداق. وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة لأنه لا سبيل لأنه لا سبيل لأحد إلى عضل امرأة إلا لأحد رجلين إما لزوجها بالتضييق عليها وحبسها وهو لها كاره، مضارة منه لها بذلك ليأخذ منها ما آتاها بافتدائها منه نفسها بذلك. أو لوليها الذي إليه إنكاحها. وإذا كان لا سبيل إلى عضلها لأحد غيرهما وكان الوالي معلوما أنه ليس ممن آتاها شيئا فيقال إن عضلها عن النكاح عضلها ليذهب ببعض ما آتاها، كان معلوما أن الذي عنى الله ﵎ بنهيه عن عضلها هو زوجها الذي له السبيل إلى عضلها ضرارا لتفتدي منه. - إلى أن قال - قوله ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٦) يعني بذلك جل ثناؤه لا يحل لكم أيها المؤمنون أن تعضلوا نساءكم ضرارا منكم لهن وأنتم لصحبتهن كارهون وهن لكم طائعات لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من صدقاتهن ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٧) فيحل لكم حينئذ الضرار بهن ليفتدين منكم، ثم ذكر ﵀ أقوال أهل التأويل في معنى الفاحشة. فذكر آثارا بأسانيدها
стр. 1471
إلى الحسن البصري وعطاء الخراساني والسدي أن المقصود بالفاحشة الزنا. وذكر آثارا أخرى بأسانيدها إلى ابن عباس ومقسم، والضحاك بن مزاحم، وقتادة وعطاء بن أبي رباح، أن المقصود بالفاحشة النشوز ثم قال: وأولى ما قيل في تأويل قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١) أنه معني به كل فاحشة من بذاء باللسان على زوجها، وأذى له، وزنا بفرجها. وذلك أن الله جل ثناؤه عم بقوله ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٢) كل فاحشة متبينة ظاهرة، فكل زوج امرأة أتت بفاحشة من الفواحش التي هي زنا أو نشوز فله عضلها على ما بين الله في كتابه، والتضييق عليها حتى تفتدي منه بأي معاني الفواحش أتت، بعد أن تكون ظاهرة مبينة بظاهر كتاب الله ﵎ وصحة الخبر عن رسول الله ﷺ كالذي:
حدثني يونس بن سليمان البصري قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل قال: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: «" اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، إن لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف (٣)».
حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال: حدثنا زيد بن الحباب قال حدثنا موسى بن عبيدة الربذي قال: حدثني صدقة بن يسار، عن ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ : قال" أيها الناس، إن النساء عندكم عوان، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن حق، ولهن عليكم حق. ومن حقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا، ولا يعصينكم في المعروف، وإذا فعلن ذلك فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (٤)».
فأخبر ﷺ أن من حق الزوج على المرأة أن لا توطئ فراشه أحدا وأن لا تعصيه في معروف، وأن الذي يجب لها من الرزق والكسوة عليه، إنما هو واجب عليه إذا أدت هي إليه ما يجب عليها من الحق، بتركها إيطاء فراشه غيره، وتركها معصيته في معروف.
ومعلوم أن معنى قول النبي ﷺ : «" من حقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا (٥)» إنما هو أن لا يمكن من أنفسهن أحدا سواكم.
وإذا ما روينا في ذلك صحيحا عن رسول الله ﷺ فبين أن لزوج المرأة إذا وطأت امرأته نفسها غيره وأمكنت من جماعها سواه، أن له من منعها الكسوة والرزق بالمعروف مثل الذي له من منعها ذلك إذا هي عصته في المعروف. وإذا كان ذلك له، فمعلوم أنه غير مانع لها - بمنعه إياها ماله منعها - حقا لها واجبا عليه. وإذا كان ذلك كذلك، فبين أنها إذا افتدت نفسها عند ذلك من زوجها، فأخذ منها
стр. 1472
زوجها ما أعطته، أنه لم يأخذ ذلك عن عضل منهي عنه، بل هو أخذ ما أخذ منها عن عضل له مباح، وإذا كان ذلك كذلك، كان بينا أنه داخل في استثناء الله ﵎ الذي استثناه من العاضلين بقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١). وإذا صح ذلك فبين فساد قول من قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٢). منسوخ بالحدود لأن الحد حق الله جل ثناؤه على من أتى بفاحشة التي هي الزنا، وأما العضل لتفتدي المرأة من الزوج بما آتاها أو ببعضه، فحق لزوجها كما أن عضله إياها وتضييقه عليها إذا هي نشزت عليه لتفتدي منه، حق له. وليس حكم أحدهما يبطل حكم الآخر.
قال أبو جعفر: فمعنى الآية: لا يحل لكم، أيها الذين آمنوا أن تعضلوا نسائكم فتضيقوا عليهن وتمنعوهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من صدقاتكم إلا أن يأتين بفاحشة من زنا أو بذاء عليكم، وخلاف لكم فيما يجب عليهن لكم - مبينة ظاهرة، فيحل لكم حينئذ عضلهن والتضييق عليهن، لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من صداق إن هن افتدين منكم به. اهـ (٣).
وذكر أبو بكر الجصاص (٤) وأبو بكر بن العربي (٥) والقرطبي (٦). نحوا مما ذكره ابن جرير في الموضوع.
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (٧). قال ابن جرير ﵀ في تفسير هذه الآية: وإن أردتم أيها المؤمنون نكاح امرأة مكان امرأة لكم تطلقونها وآتيتم إحداهن قنطارا يقول: وقد أعطيتم التي تريدون طلاقها من المهر قنطارا. . ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (٨) يقول فلا تضروا بهن إذا أردتم طلاقهن ليفتدين منكم بما آتيتتوهن. . أتأخذون ما آتيتموهم من مهورهن بهتانا يقول ظلما بغير حق وإثما مبينا يعني وإنما قد أبان أمر أخذه أنه يأخذه إياه لمن أخذه منه ظالم. . وكيف تأخذونه وعلى أي وجه تأخذون من نسائكم ما آتيتموهن من صدقاتهن إذا أرتم طلاقهن واستبدال غيرهن بهن أزواجا ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ (٩) فتباشرتم وتلامستم وهذا الكلام وإن كان مخرجه مخرج الاستفهام فإنه في معنى النكير والتغليظ كما يقول الرجل لآخر: كيف تفعل كذا وكذا وأنا غير راض به؟ على معنى التهديد والوعيد. ثم قال بعد ذلك - واختلف في حكم هذه الآية أمحكم أم منسوخ؟
стр. 1473
فقال بعضهم محكم وغير جائز للرجل أخذ شيء مما آتاها إذا أراد طلاقها، إلا أن تكون هي المريدة للطلاق.
وقال آخرون: هي محكمة، وغير جائز له أخذ شئ مما آتاها منها بحال، كانت هي المريدة للطلاق أو هو. وممن حكي عنه هذا القول بكر بن عبد الله المزني.
حدثنا مجاهد بن موسى قال: حدثنا عبد الصمد قال، حدثنا عقبة بن أبي الصهباء. قال: سألت بكرا عن المختلعة، أيأخذ منها شيئا؟ قال: لا، ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (١).
وقال آخرون: بل هي منسوخة، نسخها قوله تعالى ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٢) ذكر من قال ذلك.
حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ (٣) إلى قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (٤). قال: ثم رخص بعد فقال ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٥): قال: فنسخت هذه تلك.
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في ذلك، قول من قال: إنها محكمة غير منسوخة وغير جائز للرجل أخذ شيء مما آتاها، إذا أراد طلاقها من غير نشوز كان منها، ولا ريبة أتت بها. وذلك أن الناسخ من الأحكام ما نفي خلافه من الأحكام على ما قد بينا في سائر كتبنا. وليس في قوله تعالى ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ (٦) نفي حكم قوله تعالى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٧) لأن الذي حرم الله على الرجل بقوله تعالى ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (٨) أخذ ما آتاها منها إذا كان هو المريد طلاقها. . وأما الذي أباح له أخذه منها بقوله تعالى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٩) فهو إذا كانت هي المريدة طلاقه وهو له كاره، ببعض المعاني التي قد ذكرنا في غير هذا الموضع.
стр. 1474
وليس في حكم إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى، وإذا كان ذلك كذلك، لم يجز أن يحكم لإحداهما بأنها ناسخة. وللأخرى بأنها منسوخة إلا بحجة يجب التسليم لها. وأما قول بكر بن عبد الله المزني من أنه ليس لزوج المختلعة أخذ ما أعطته على فراقه إياها إذا كانت هي الطالبة الفرقة وهو الكاره - فليس بصواب، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ بأنه أمر ثابت بن قيس بن شماس بأخذ ما ساق إلى زوجته وفراقها إذا طلبت فراقه، إذا طلبت فراقه، وكان النشوز من قبلها. اه (١).
وذكر أبو بكر الجصاص وأبو بكر بن العربي والقرطبي نحوا مما ذكره ابن جرير في تفسير هذه الآية (٢) وقال السمرقندي: إن كان النشوز من جهة الزوج فلا يحل له أن يأخذ شيئا منها بل له أن يطلقها بلا عوض لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (٣)(٤)
стр. 1475
وقال محمد بن رشد في معرض الكلام عن الخلع
وإن في معرض الكلام على الخلع:
كرها فارقها، ولا يحل له إذا كرهها أن يمسكها ويضيق عليها حتى تفتدي منه وإن أتت بفاحشة من زنا أو نشوز أو بذاء، لقول الله وإن ﴿أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (١) ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (٢) وهذا مذهب مالك ﵀ وجميع أصحابه لا اختلاف بينهم فيه. ومن أهل العلم من أباح للرجل إذا اطلع على زوجته بزنا أن يمسكها ويضيق عليها حتى تفتدي منه لقول الله ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٣) وتأول أن الفاحشة المبينة هو الزنا هنا، وجعل الاستثناء متصلا، ومنهم من تأول أن الفاحشة المبينة: البغض والنشوز والبذاء باللسان، فأباح للزوج إذا أبغضته زوجته ونشزت عنه وبذت بلسانها عليه أن يمسكها ويضيق عليها حتى تفتدي منه. ومنهم من حمل الفاحشة على العموم فأباح ذلك للزوج سواء كانت الفاحشة التي أتت بها زنا أو نشوزا أو بذاء باللسان أو ما كانت.