← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 14246–14285 · переход к 14251.

стр. 14246

جرير بن عبد الله البجلي اللواء محمود شيت خطاب ٢١٥ ولاية تزويج الصغيرة د. عبد الله بن عبد العزيز الجبرين ٢٤٩ حكمة الزواج ومنافعه د. رجب سعيد شهوان ٢٨٥ من قرارات المجامع الفقهية ٣٢١ نصح وتذكير بفريضة الزكاة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٣٣ وجوب التعاون على البر والتقوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٣٩

стр. 14247

صفحة فارغة

стр. 14248

الافتتاحية نصيحة مهمة عامة " حول بعض الأمور المنكرة التي وقع فيها كثير من الناس " سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه: من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يطلع عليه من المسلمين، وفقني الله وإياهم للفقه في الدين وسلك بي وبهم صراطه المستقيم. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد: فهذه نصيحة أردت منها التنبيه على بعض الأمور المنكرة التي وقع فيها كثير من الناس جهلا منهم، وتلاعبا من الشيطان بأفكارهم وعقولهم، واتباعا للهوى من بعض من فعلها. ومن تلك الأمور ما بلغني أن بعض الناس يدعو إلى عبادة نفسه، ويدعي أمورا توهم العامة أن له تصرفا في الكون وأنه يصلح أن يدعى للنفع والضر، وهذا من هؤلاء الضالين تشبه بفرعون وأشباهه من المجرمين الكافرين، والله سبحانه هو المستحق للعبادة ولا يستحقها سواه لكمال قدرته وعلمه وغناه عن خلقه. والعبادة لله وحده هي الغاية التي من أجلها أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب وخلق من أجلها الثقلان، وقام سوق الجهاد قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) وقال :

стр. 14249

﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ (١) ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٣)، وقال : ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٥)، وقال : ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٦)، وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٧)، وقال سبحانه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٨)، وقال : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٩) فعلم من هذه الآيات وغيرها أن عبادة غير الله أو عبادة غيره معه من الأنبياء والأولياء والأصنام والأشجار والأحجار شرك بالله ينافي توحيده الذي من أجله خلق الله الثقلين، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب لبيانها والدعوة إليها، وهذا هو معنى لا إله إلا الله. فإن معناها لا معبود حق إلا الله. فهي تنفي العبادة عن غير الله وتثبتها له وحده كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (١٠)

стр. 14250

وهذا هو أصل الدين وأساس الملة، ولا تصح العبادات إلا بعد صحة هذا الأصل كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١)، وقال: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)، ومن أجل هذا الأمر العظيم أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب لبيان التوحيد والدعوة إليه والتحذير من صرف العبادة لغير الله سبحانه، كما قال : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣) الآية، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٤)، وقال : ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (٥)، وقال سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٦)، والآيات في هذا المعنى كثيرة. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ «أنه سئل أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك (٧)» والند هو النظير والمثيل، فكل من دعا غير الله أو عبد غير الله أو استغاث به أو نذر له أو ذبح أو صرف له شيئا من العبادة فقد اتخذه ندا لله، سواء كان نبيا أو وليا أو ملكا أو جنيا أو صنما أو غير ذلك؛ لأن العبادة لله وحده لا يستحقها سواه. وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟

стр. 14251

قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئا (١)» فالله خلق الثقلين لهذا الأمر العظيم وهو توحيده وإفراده بالعبادة ونبذ الشركاء والنظراء والأنداد، سبحانه لا إله غيره ولا رب سواه، ومن دعا إلى عبادة نفسه أو زعم أنه يستحق العبادة فإنه كافر يجب أن يدعى إلى التوبة، فإن تاب وإلا وجب على ولي الأمر قتله لقول النبي ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه (٢)» رواه البخاري. ومن الضلال المبين والجهل العظيم تصديق الكهان والعرافين والرمالين والمنجمين والمشعوذين والدجالين بالإخبار عن المغيبات فإن هذا منكر وشعبة من شعب الكفر لقول النبي ﷺ : «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة (٣)» رواه مسلم في صحيحه، وثبت عنه أنه «نهى عن إتيان الكهان وسؤالهم». وخرج أهل السنن عن النبي ﷺ أنه قال: «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ (٤)» والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، فالواجب على المسلمين الحذر من سؤال الكهنة والعرافين وسائر المشعوذين والمشتغلين بالأخبار عن المغيبات والمتلاعبين بعقول الجهلة والتلبيس على المسلمين. فالأمور الغيبية لا يعلمها إلا الذي يعلم ما تكن الصدور ويعلم الخفايا حتى أنبياؤه ورسله وملائكته لا يعلمون شيئا من المغيبات إلا ما أخبرهم به سبحانه قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (٥)، وقال آمرا لنبيه أن يبلغ الناس: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٧)،

стр. 14252

وهذه الآيات وغيرها تدل على أن رسول الله ﷺ لا يعلم الغيب وهو خير الأنبياء وأفضلهم فكيف بغيره من المخلوقين. فمن اعتقد أنه يعلم الغيب أو أحدا من المخلوقين فقد أعظم على الله الفرية، وأبعد النجعة وضل ضلالا بعيدا، وكفر بالله سبحانه فالأمور المغيبة مما استأثر الله بعلمه قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١) قال ابن مسعود كل شيء أوتي نبيكم غير خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (٢) الآية، وقال ابن عباس: هذه الخمسة لا يعلمها إلا الله تعالى. ولا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل. فمن ادعى أنه يعلم شيئا من هذه فقد كفر بالقرآن لأنه خالفه. ثم إن الأنبياء يعلمون كثيرا من الغيب بتعريف الله تعالى إياهم. فالإيمان بالغيب من أركان الإيمان ومن صفات المؤمنين الصادقين، وادعاء علم الغيب والإخبار بالمغيبات من صفات الكهنة الزائغين عن الهدى ومن صفات الدجالين والمشعوذين والعرافين الذين ضلوا عن الصراط المستقيم وأضلوا غيرهم من جهال المسلمين، وقد قال الله سبحانه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (٣) الآية. وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مفاتيح الغيب خمس، ثم قرأ قوله تعالى: (٥)» الآية. فالواجب على أهل العلم أن ينبهوا على ما يقع

стр. 14253

فيه الناس من الخطأ العظيم في هذا الباب وغيره، لأنهم مسئولون عنهم أمام الله يوم القيامة قال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (١)، وكذا الاعتقاد أن بني هاشم ذنبهم مغفور ولو فعلوا ما فعلوا وهذا غاية الجهل والضلال. فإن الله لا ينظر إلى الأحساب والأنساب والأموال وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال فمن امتثل أوامره واجتنب نواهيه ولازم التقوى وابتعد عن المعاصي والمخالفات فهو الكريم عند الله سواء كان عربيا أو عجميا، وسواء كان من بني هاشم أو من غيرهم فالأحساب والأنساب لا تنفع أحدا كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٢)، وقال رسول الله ﷺ : «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم (٣)»، وقال: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب (٤)» وهذا أبو طالب. وهو عم رسول الله ﷺ لم ينفعه قربه من رسول الله ونسبه العريق، وقد حرص رسول الله على أن يشهد أن لا إله إلا الله حتى يحاج له بها عند الله فلم يفعل؛ لأن الله سبحانه كتب في الأزل أنه يموت على دين الآباء والأجداد وهو الشرك وعبادة الأصنام، ونهى الله نبيه عن الاستغفار له فقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ (٥)، وأخبر أن النبي ﷺ لا يملك هداية أحد إذا لم يهده الله فقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٦)

стр. 14254

وهكذا أبو لهب وهو عم النبي ﷺ مات على الكفر وأنزل الله في ذمه سورة تتلى إلى يوم القيامة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (١) فالمعيار الحقيقي هو اتباع ما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة قولا وعملا واعتقادا، أما الأنساب فإنها لا تنفع ولا تجدي كما قال ﷺ : «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه (٢)» وقال: «يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئا (٣)»، وهكذا قال لعمه العباس وعمته صفية وابنته فاطمة. ولو كان النسب ينفع أحدا لنفع هؤلاء. ومن الأمور المنكرة والاعتقاد الفاسد والضلال المبين ما يعتقده بعض المغفلين والجهال في بعض المخرفين والمشركين الضالين المضلين أنهم يشفون المرضى ويدفعون عنهم الضر ويجلبون النفع، نعوذ بالله من العمى والضلال. وهذا ينافي الإيمان بالله وأنه النافع الضار الرازق المحيي المميت المدبر القادر، تعالى الله وتقدس عما يقوله الضالون المفترون قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ (٤). فمن اعتقد أن أحدا ينفعه أو يضره أو يشفيه من دون الله، فقد كفر بالله وبكتابه وبملائكته ورسله، قال تعالى لأكرم خلقه: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ (٥) ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ (٦) ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾ (٧)، وقال: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (٨)، وقال رسول الله ﷺ : «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله (٩)»

стр. 14255

فالنبي ﷺ لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا لغيره فغيره من باب أولى. فكل من غلا في نبي أو رجل صالح أو ولي من الأولياء وظن فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يقول: يا فلان اشفني أو انصرني أو ارزقني أو أغنني ونحو ذلك فإن هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل. وكذا من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم فإنه يكفر إجماعا، فمن اعتقد أن لغير الله من نبي أو ولي أو جني أو روح أو غير ذلك تأثيرا في كشف كربة أو قضاء حاجة أو رفع مرض أو دفع بلاء دون الله سبحانه، فقد وقع في ضلال كبير وفي واد من الجهل خطير، فهو على شفا حفرة من السعير لكونه قد أشرك بالله العظيم، وهكذا من ذكر أحدا من الصالحين والأولياء وغيرهم على وجه طلب الإمداد منه، فقد أشركه مع الله إذ لا قادر على الدفع والنفع غيره . أما دعاء الحي الحاضر القادر والاستعانة فيما يقدر عليه مما يجوز شرعا فلا حرج في ذلك وليس داخلا في أنواع الشرك بإجماع المسلمين؛ لقول الله في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (١)، ولأدلة أخرى من الكتاب والسنة في هذا المعنى، والله ولي التوفيق. ومن الأمور المنكرة أن بعض من يدعي أنه من بني هاشم يقولون: إنه لا يكافئهم أحد، فهم لا يزوجون غيرهم، ولا يتزوجون من غيرهم، وهذا خطأ عظيم وجهل كبير وظلم للمرأة وتشريع لم يشرعه الله ورسوله، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٤)، وقال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (٥)،

стр. 14256

وقال رسول الله ﷺ : «لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى، الناس من آدم وآدم من تراب (١)»، وقال ﷺ : «إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين (٢)» متفق عليه. وقال النبي ﷺ : «إذ خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض (٣)» خرجه الترمذي وغيره بإسناد حسن، وقد زوج النبي ﷺ زينب بنت جحش الأسدية من زيد بن حارثة مولاه، وزوج فاطمة بنت قيس القرشية من أسامة بن زيد وهو وأبوه عتيقان. وتزوج بلال بن رباح الحبشي بأخت عبد الرحمن بن عوف الزهرية القرشية. وزوج أبو حذيفة ابن عتبة بن ربيعة القرشي ابنة أخيه الوليد سالما مولاه وهو عتيق لامرأة من الأنصار. وقد قال الله تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ (٤) وكذا زوج النبي ﷺ ابنتيه رقية وأم كلثوم عثمان، وزوج أبا العاص بن الربيع ابنته زينب وهما من بني عبد شمس وليسا من بني هاشم، وزوج علي عمر بن الخطاب ابنته أم كلثوم وهو عدوي لا هاشمي، وتزوج عبد الله بن عمرو بن عثمان فاطمة بنت الحسين بن علي وهو أموي لا هاشمي، وتزوج مصعب بن الزبير أختها سكينة وليس هاشميا بل أسدي من أسد قريش، وتزوج المقداد بن الأسود ضباعة ابنة الزبير بن عبد المطلب الهاشمية ابنة عم النبي ﷺ وهو كندي لا هاشمي، وهذا شيء كثير. والمقصود بيان بطلان ما يدعيه بعض الهاشميين من تحريم تزويج الهاشمية بغير الهاشمي أو كراهة ذلك، وإنما الواجب في ذلك اعتبار كفاءته في الدين فالذي أبعد أبا طالب وأبا لهب عدم الإسلام، والذي قرب سلمان الفارسي وصهيبا الرومي وبلالا الحبشي إنما هو الإيمان والصلاح والتقوى

стр. 14257

واتباع الشرع والسير على النهج المستقيم، ومما ينجم عن هذا الجهل والتصرف الباطل حبس النساء الهاشميات وتعطيلهن من الزواج أو تأخيره فيحصل ما لا تحمد عقباه من الفساد وتعطيل النسل أو تقليله، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) فأمر بإنكاح الأيامى أمرا مطلقا ليعم الغني والفقير وسائر أصناف المسلمين. وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد رغبت في الزواج وحثت عليه فإن على المسلمين أن يبادروا إلى امتثال أمر الله وأمر رسوله حيث قال رسول الله ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (٢)» متفق على صحته، فعلى الأولياء أن يتقوا الله في مولياتهم؛ فإنهن أمانة في أعناقهم وإن الله سائلهم عن هذه الأمانة، فعليهم أن يبادروا إلى تزويج بناتهم وأخواتهم وأبنائهم حتى يؤدي كل دوره في هذه الحياة ويقل الفساد والجرائم. ومن المعلوم أن حبس النساء عن الزواج أو تأخيره سبب في فشو الجرائم الأخلاقية وانتشارها التي هي من معاول الهدم والدمار، فيا عباد الله اتقوا الله في أنفسكم وفيمن ولاكم الله عليهن من البنات والأخوات وغيرهن وفي إخوانكم المسلمين، واسعوا جميعا إلى تحقيق الخير والسعادة في المجتمع وتيسير سبل نموه وتكاثره وإزالة أسباب انتشار الجرائم. واعلموا أنكم مسئولون ومحاسبون ومجزيون على أعمالكم قال الله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٣) ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤)، وقال : ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (٥) وبادروا إلى تزويج بناتكم وأبنائكم مقتدين بنبيكم ﷺ وصحابته الكرام ﵃ والسائرين على هديهم وطريقتهم وأوصيكم بتقليل مؤن الزواج

стр. 14258

وعدم المغالاة في المهور، واقتصدوا في تكاليف الزواج واجهدوا في اختيار الأزواج الصالحين الأتقياء ذوي الأمانة والعفة. رزق الله الجميع الفقه في الدين والثبات عليه وأعاذنا وإياكم وسائر المسلمين من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. وجنبنا وإياكم مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، كما نسأله أن يصلح ولاة أمور المسلمين ويصلح بهم إنه على ذلك قدير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد والله وصحبه.

стр. 14259

صفحة فارغة

стр. 14260

تدوين الراجح من أقوال الفقهاء القسم الثالث إعداد: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٢ - قال (١). ابن القيم في مبحث غزوة حنين بعد كلام في حديث من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه، قال: ومأخذ النزاع أن النبي ﷺ كان هو الإمام والحاكم والمفتي وهو الرسول ﷺ فقد يقول الحكم بمنصب الرسالة فيكون شرعا عاما إلى يوم القيامة كقوله: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٢)»، وقوله: «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته (٣)»، وكحكمه بالشاهد واليمين وبالشفعة فيما لم يقسم. وقد يقوله بمنصب الفتوى كقوله لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان، وقد شكت إليه شح زوجها وأنه لا يعطيها ما يكفيها: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف (٤)»، فهذه فتيا لا حكم إذ لم يدع بأبي سفيان، ولم يسأله عن جواب الدعوى، ولا سألها البينة. وقد يقوله بمنصب الإمامة فتكون مصلحة الأمة في ذلك الوقت وذلك المكان وعلى تلك الحال فيلزم من بعده من الأئمة مراعاة ذلك على حسب المصلحة التي راعاها النبي ﷺ زمانا ومكانا وحالا. ومن ههنا تختلف الأئمة في كثير من المواضع التي فيها أثر عنه ﷺ ، كقوله ﷺ : «من قتل قتيلا فله سلبه (٥)»، هل قاله بمنصب الإمامة فيكون حكمه متعلقا بالأئمة، أو بمنصب الرسالة والنبوة فيكون شرعا عاما، وكذلك قوله ﷺ : «من أحيا أرضا ميتة فهي له (٦)»، هل هو شرع عام لكل أحد أذن فيه الإمام أو لم يأذن، أو هو راجع إلى الأئمة فلا يملك بالأحياء إلا بإذن الإمام على

стр. 14261

القولين، فالأول للشافعي وأحمد في ظاهر مذهبهما، والثاني لأبي حنيفة، وفرق مالك بين الفلوات الواسعة وما لا يتشاح فيه الناس، وبين ما يقع فيه التشاح فاعتبر إذن الإمام في الثاني دون الأول. انتهى. مما تقدم يتبين ما يأتي: -

стр. 14262

١ - تصرفات النبي ﷺ أنواع: (١) تصرفه باعتباره رسولا، وهو قسمان: القسم الأول: أن يحكم حكما شرعيا بوحي من الله تعالى، والأصل في هذا أن يكون حكما كليا وتشريعا عاما في الأعيان والأزمان إلا ما خصه الدليل، وهذا القسم خاص به فلا يشاركه في التشريع أحد من الأمة لا الراعي ولا الرعية، وهو فيه معصوم. القسم الثاني: إبلاغ هذا التشريع وإرشاد الناس به وحثهم عليه، وهذا واجب عليه هو معصوم فيه، وليس مختصا به بل يرثه عنه العلماء فيجب عليهم البلاغ والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إلا أنهم غير معصومين في بلاغهم وفهمهم له. (ب) تصرفه ﷺ باعتباره قاضيا، فبهذا الاعتبار يفصل في الخصومات ويحكم فيها بمقتضى طرق الإثبات من البينات ودلائل الأحوال والأمارات. . إلخ. وهذا المنصب ورثه عنه ولي الأمر العام، ويكون لغيره بإذنه وتنصيبه إياه فيحكمون بين الناس على ما جاء عن رسول الله ﷺ لا بالهوى ومحض الرأي. (ب) تصرفه ﷺ باعتباره إماما أعظم للمسلمين، فإليه بهذا الاعتبار إبرام العهود الدولية وقسمة الغنائم وإقامة الحدود. إلى آخر ما ذكر في النقول من هذا الجنس، وهذا المنصب يرثه عنه ولي أمر المسلمين العام، فله ما للرسول ﷺ من التصرف بحكم الإمامة. ٢ - معنى كون هذه التصرفات للإمام بحكم الإمامة الكبرى أنها مختصة به لا يقوم بها غيره إلا بإذنه ممن يرى فيه الأهلية لها، وليس معنى كونها له

стр. 14263

أنه يشرع فيها شرعا جديدا بل يجب عليه أن يقوم بها باعتباره مسئولا عن الأمة، وعليه أن يتبع فيها حكم الشرع ويطبقه فيها تطبيقا يكفل لهم المصلحة الخالصة أو الراجحة، ويدفع المضرة أو يخففها عنهم. فإنه ﷺ وهو رسول الله كان يقوم بها على مقتضى ما أمره الله وفق المقاصد الشرعية، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١) الآية، وقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٢). ٣ - للإمام العام سلطة البلاغ والإرشاد، وسلطة الحكم والقضاء، وسلطة التنفيذ بخلاف غيره فإنه لا يملك سلطة القضاء أو التنفيذ إلا بإذنه وتنصيبه في ذلك، ومن ذلك يعرف أن من تصرفات الإمام ما يكون بطريق القضاء، وقد ذكر القرافي ثلاثة ضوابط لما يكون فيه ذلك وأوضحها بالأمثلة، ومنها ما يكون بغير طريق الحكم والقضاء، وقد ذكر القرافي منها عشرين نوعا مع الإيضاح بالأمثلة. ٤ - قد يكون للناس الخيار بين أمرين أو أمور فيما يأتون وما يذرون من شئون معاشهم ونظام حياتهم، وقد تنشأ مضرة عن تخلية سبيلهم ليختار كل لنفسه ما شاء مما هو مباح له، أو فوضى عامة شاملة، فيجب على ولي الأمر العام ومن أنابه عنه أن يحملهم على أحد الأمرين أو الأمور، ويلزمهم بالوقوف عنده رعاية للمصلحة، ودفعا للمضرة، ومن خالف ذلك فله تعزيره بما يتناسب مع خطر اعتدائه، ويراه كافيا في تأديبه وردع أمثاله، مثال ذلك أن للتاجر زيادة السعر ونقصانه وعرض السلع بالأسواق واحتكارها، فلإمام المسلمين إذا رأى من التجار التواطؤ على الاحتكار ورفع الأسعار وانتهاز الفرص ورأى ما يلحق المستهلكين من المضرة بسبب صنيع هؤلاء أن يحدد الأسعار ويمنع الاحتكار على وجه يكفل العدالة والرحمة، ويقضي على الأثرة والأزمة والغلاء المصطنع، ومن ذلك التعليم ودوام الموظفين بالنسبة للأوقات، وطرق المواصلات بالنسبة

стр. 14264

للسيارات والقطارات فلولي الأمر العام أن يضع نظاما يحدد أوقات العمل، وينظم سير المواصلات. وأخيرا فهذا ما ذكره العلماء فيما لولي الأمر العام أن يتعرف فيه من شئون الأمة بالإمامة والفتيا والقضاء، وليس فيه ذكر لإلزام القضاة أن يحكموا بمذهب أو قول معين، لكن يمكن أن يقال: إن هذه التصرفات لم تذكر على وجه الحصر بدليل ما تقدم في البحث من قول بعض العلماء بإلزام القضاة بذلك، وقد سبقت أدلته مع المناقشة، ويمكن أن يقال أيضا: إنه وإن لم يذكر صريحا لكنه شبيه بما ذكر في البناء على رعاية مصلحة الأمة والمحافظة على الشريعة واستمرار الحكم بها، أو يقال: إنه مندرج تحت تصرف الإمام بالإلزام بأمر من أمرين أو أمور للأمة فيها الخيار رعاية للمصلحة ومنعا للفوضى، فإن التقليد في المسائل الفقهية غالب على أهل زماننا، والمقلد مخير في من يتبعه من الأئمة المجتهدين، وعليه لا يتأتى الإلزام لمن كان مجتهدا ولو في المذهب. هذا ما تيسر جمعه وإعداده مع الاجتزاء ببعض النقول عن بعض لكونه في معناه، وإلى أصحاب الفضيلة أعضاء هيئة كبار العلماء النظر وترجيح ما يرونه، والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ

стр. 14265

" مصادر البحث " (أ) كتب المذهب الحنفي: ١ - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، للكاساني، الطبعة الأولى بالمطبعة الأميرية عام ١٣٢٧ هـ. ٢ - تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق لعثمان بن علي الزيلعي، الطبعة الأولى بالمطبعة الأميرية عام ١٣١٤ هـ. ٣ - تنوير الأبصار، والدر المختار، ورد المحتار الشهير بحاشية ابن عابدين، الطبعة الأولى بالمطبعة الأميرية بمصر عام ١٣١٨ هـ، وكذلك اعتمد على نسخة أخرى. ٤ - معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام، للطرابلسي، طبعة أولى بالمطبعة الأميرية سنة ١٣٠٠ هـ. ٥ - رسالة رسم المفتي " ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين، طبع بالأستانة بالمطبعة العثمانية عام ١٣٢١ هـ ". (ب) كتب المذهب المالكي: ١ - مختصر خليل وعليه مواهب الجليل للحطاب الطبعة الأولى بالمطبعة الأميرية. ٢ - مختصر خليل وعليه الشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقي، طبعة حلبية. ٣ - فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك للشيخ عليش.

стр. 14266

٤ - حاشية علي الصعيدي على شرح أبي الحسن على رسالة ابن أبي زيد، طبع مطبعة محمد عاطف. ٥ - تزيين الممالك بمناقب مالك للسيوطي. ٦ - مناقب الإمام مالك لعيسى بن مسعود الزواوي. كلاهما في أول المدونة طبعة أولى بالمطبعة الخيرية عام ١٣٣٥ هـ. ٧ - تبصرة الحكام لابن فرحون، طبع بالمطبعة البهية بمصر عام ١٣٠٢ هـ ٨ - الأحكام في أصول الأحكام للآمدي طبع بمطبعة مؤسسة النور. ٩ - الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام للقرافي الناشر مكتبة المطبوعات الإسلامية طبع سنة ١٣٨٧ هـ. ١٠ - مراقي السعود وشرحها لمحمد الأمين الجكني الشنقيطي، طبع بمطبعة المدني. (جـ) كتب المذهب الشافعي: ١ - المجموع شرح المهذب للنووي، طبع مطبعة العاصمة بالقاهرة. ٢ - نهاية المحتاج، شرح المنهاج للرملي، طبعة حلبية. ٣ - المحلى على المنهاج طبعة حلبية. ٤ - قليوبي على شرح المنهاج، طبعة حلبية. ٥ - المهذب للشيرازي، طبعة حلبية. ٦ - الفقيه والمتفقه، طبع مطابع القصيم. ٧ - الأحكام السلطانية والولايات الدينية للماوردي، الطبعة الأولى بالمطبعة الحلبية عام ١٣٨٠ هـ. (د) كتب المذهب الحنبلي: ١ - المغني والشرح الكبير. ٢ - الإقناع وشرحه الكشاف. ٣ - المنتهى وشرحه.

стр. 14267

٤ - الإنصاف. ٥ - الفتاوى المصرية. ٦ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام. ٧ - تفضيل مذهب أهل المدينة، طبع مطبعة الإمام. ٨ - المنتقى للذهبي " مختصر منهاج السنة " طبع المطبعة السلفية ومكتبتها عام ١٣٧٤ هـ. ٩ - مسودة آل تيمية. ١٠ - إعلام الموقعين. ١١ - الأحكام السلطانية لأبي يعلى. ١٢ - السياسة الشرعية. ١٣ - زاد المعاد. (هـ) كتب أخرى: ١ - مجلة المنار. ٢ - فتاوى المنار. ٣ - المدخل الفقهي العام للزرقا. ٤ - المدخل للفقه الإسلامي لمدكور. ٥ - مقدمة في إحياء علوم الدين للمحمصاني. ٦ - رسالة الصحابة " ضمن المجموعة الكاملة لابن المقفع ".

стр. 14268

وجهة نظر أحمد الله وأصلي وأسلم على رسوله، وأسأل الله أن يهدينا جميعا سواء السبيل. وبعد: فمما لا شك فيه أن هذا الأمر الذي نبحثه أمر خطير وله شأن كبير، وآمل أن تنظره هذه الهيئة نظرة فاحصة مبنية على ارتكاب أدنى المفسدتين لتفويت أعلاهما، وتحصيل أعلى المصلحتين بتفويت أدناهما، وقد ظهر لي من إثارة هذا البحث ومما سمعته من كلام بعض من حضره، أن هناك اتجاها لتدوين الأحكام الشرعية على شكل مواد، وأخشى أنه إذا رفضت هذه الهيئة الإشراف على هذا الأمر أو وضع بديل عنه، أن يسند إلى غيرها فتحصل مفسدة أكثر، وفي نظري أنه لو تولى هذا الأمر أهل العلم بالشريعة وأخذوا بزمامه واشترطوا إشرافهم عليه وقيدوه بالقيود الشرعية أو اقترحوا له بديلا لكان ذلك أصلح وأكثر محافظة على تحكيم الشريعة في كل شيء، وبناء على ما تقدم، وعلى ما هو معلوم لدى الجميع من ضعف المستوى العلمي لدى كثير من القضاة بحيث لا يمكن اعتبارهم من أهل الاجتهاد والترجيح مع وجود قضايا كثيرة جدت في هذا الزمن، وهي غير منصوص عليها في كتب المذهب بالإضافة إلى وجود اختلاف الأحكام في كثير من المسائل المتساوية من أجل ترجيح قول على قول أو رواية في المذهب على أخرى لا من أجل اختلاف وقائع القضية أو ملابساتها، فإنني أرى أن تبحث من قبل هذه الهيئة في دوراتها القادمة المسائل التي فيها الخلاف المشهور، مع المسائل المستجدة، وتقرر فيها ما تراه راجحا بالدليل ويعمم على المحاكم للعمل به ويترك ما عدا ذلك على ما هو عليه من الحكم بالراجح في مذهب الإمام أحمد ﵀ ويؤكد على

стр. 14269

المحاكم بالتزام ذلك، وأن من ظهر له الحكم في مسألة ما بخلاف ذلك فعليه رفع وجهة نظره مع بيان مستنده لمجلس القضاء، فإن ظهر للمجلس صحة وجهة نظره وافقه على ذلك وعممه على المحاكم، وإن لم تظهر له صحة وجهة نظره نبهه على ذلك، فإن اقتنع اعتبر الموضوع منتهيا، وإن لم يقتنع أحيلت المسألة إلى غيره، فإن لم تر هذه الهيئة دراسة " المسائل الخلافية والمستجدة ووضع حد لاختلاف الأحكام، والحالة ما ذكر فإني أرى أنه لا مانع من تدوين الأحكام الشرعية على القول الراجح بدليله ويعمم على المحاكم للعمل به، وإذا ظهر لأحد منهم الحكم في مسألة ما بخلاف ما هو مدون فيرفع عن ذلك لمجلس القضاء على ما هو موضح في الرأي الأول. وأسأل الله أن يوفق الجميع لمعرفة الحق واتباعه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. حرر في ٥/ ٤ / ١٣٩٣ هـ مقدمه عضو الهيئة راشد بن صالح بن خنين

стр. 14270

خلاصة رأيي الحمد لله وحده. . أرى أن يستغنى عن تدوين الأحكام بإلزام القضاة بأن يكون الحكم بالراجح في مذهب الإمام أحمد ﵀ حسبما هو مدون في الإقناع والمنتهى مع وضع حد لمسائل الخلاف في المذهب وتوحيد الحكم فيها، وهذا في نظري أفضل إجراء يقلل من اختلاف القضاة في أحكامهم، أما إذا بقي وضع القضاة كما هو الآن - فإنني لا أرى مانعا من تدوين الأحكام الشرعية مستمدة من الكتاب والسنة وأقوال علماء الأمة، وذلك تفاديا لما يعرفه الجميع من وقوع تفاوت في الأحكام في قضايا متماثلة بالإضافة إلى ضعف المستوى العلمي لدى الكثيرين من القضاة، وما لذلك من آثار على القضاء والمشرفين عليه والبلاد عامة. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. وحرر في ٦/ ٤ / ١٣٩٣ هـ صالح بن علي بن غصون عضو هيئة كبار العلماء

стр. 14271

" وجهة نظر " الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. . . وبعد فلقد كانت مسألة تدوين الأحكام الشرعية الراجحة في كتاب يعمم على المحاكم وإلزام القضاة التمشي بموجبه موضع دراسة من قبل هيئة كبار العلماء في دورتها الثالثة بناء على رغبة المقام السامي، وبعد الاطلاع على البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة للبحوث حول تلك المسألة وتبادل الرأي بشأنها أسفرت الدراسة عن انقسام الرأي في المسألة بين مانع ومجيز. وحيث إننا نحن الموقعين أدناه نرى جواز ذلك تحقيقا للمصلحة العامة - وقد أدلى كل منا في المسألة برأيه مقتضبا حينما جرى استطلاع الآراء دون ذكر للاستنادات والمبررات والاعتبارات التي بنينا فيها آراءنا - فإننا نوضح ذلك فيما يلي: - أولا: هناك مجموعة اعتبارات يحسن بنا قبل البدء في توجيه ما نراه إيرادها. . (١) ما أجمع عليه المعنيون بالدراسات الاجتماعية من أن القضاء يعتبر عنوانا لما عليه البلاد من حال، فإن كان قويا مهيبا دقيقا في تحقيق العدل والإنصاف كان ذلك دليلا على قوة البلاد وحسن إدارتها، وإن كان غير ذلك دل على ضعفها واضطرابها وفوضويتها، كما أجمعوا على أن أول ما تفقده البلاد عند اضطرابها وتزعزعها النزاهة في المرافق القضائية.

стр. 14272

(ب) ما عليه بلادنا من اتصالات مختلفة بالبلدان الأجنبية الأخرى سواء ما كانت بلادنا متصلة بها أو كانت هي متصلة ببلادنا مما كان لذلك أثره في قيام علاقات مختلفة معها وما تبع هذا من قيام اتفاقيات وتبادل معلومات وخدمات. (ب) إدراك الظروف والعوامل التي برزت للجهات المسئولة عندنا إيجاد وحدات قضائية لها استقلالها الكامل من الناحية الإدارية عن الجهة الإدارية للقضاء كمحاكم العمل والعمال ومكافحة الرشوة وفض المنازعات التجارية ومحاكم التأديب وغيرها. مما كان لذلك أثره في تفتت الوحدة الإدارية للقضاء في بلادنا وبالتالي تقلص الاختصاص القضائي من المحاكم الشرعية. (د) الوضع القائم الآن ومنذ استتباب الأمن لحكومتنا الرشيدة مبني على الالتزام بالحكم بالراجح من مذهب الإمام أحمد ﵀، وكان ذلك امتدادا لما كانت عليه الحكومة التركية من التزام محاكمها بالحكم الراجح من مذهب الإمام أبي حنيفة، هذا بالنسبة إلى الحجاز وغيره من المناطق التي كانت خاضعة للحكم التركي سابقا. أما بالنسبة لنجد وتوابعها فقد كان الحكم في محاكمها طبقا للراجح من مذهب الإمام أحمد، وذلك قبل قيام دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ حتى وقتنا هذا. (هـ) ما عليه قضاة زماننا بالنسبة للمراتب العلمية التي ذكرها أهل العلم مما جاء في بحث اللجنة الدائمة من أن من يمكن إسناد القضاء إليه لا يخلو من أربع حالات، إما أن يكون مجتهدا مطلقا كالأئمة الأربعة، أو مجتهدا منتسبا كشيخ الإسلام ابن تيمية، أو مجتهدا في المذهب ممن له قدرة على التخريج والترجيح واستنباط الأحكام من الأدلة الشرعية بناء على أصول الإمام الذي انتسب إليه كمتقدمي أصحاب الأئمة، أو مقلدا متعلما كأصحاب الأئمة المتأخرين ممن

стр. 14273

تبحروا في مذاهب أئمتهم وتمكنوا من تقرير أدلتهم إلا أنهم لم يبلغوا درجة الترجيح والتخريج. (و) انتشار الوعي الحقوقي في البلاد وتطلع تلك الفئات الواعية إلى التعرف على المسالك القضائية وعجزها عن حصر تلك المسالك في إطار واضح المعالم، وما نتج عن ذلك من تساؤلات وتعريضات بنزاهة القضاء وخضوعه لتأثيرات خارجية واعتبارات شخصية.

стр. 14274

ثانيا: أن أمر إثبات الراجح من أقوال أهل العلم وتدوين ذلك في كتاب وتعميمه على المحاكم الشرعية للعمل بمقتضاه ليس أمرا محدثا وإنما كانت الفكرة موضع إثارة وبحث الجهات المعنية بالمرافق القضائية وذلك منذ أكثر من عشرة قرون، وقد أوردت اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء في بحثها الموضوع فصلا تاريخيا للفكرة وكيف أنها برزت من حيز التفكير إلى نطاق العمل بعد أن تكاثرت الأسباب الملحة في الأخذ بها فنجتزئ بذلك وتكتفي بإيراد حلقة تاريخية للفكرة لم تشر إليها اللجنة في بحثها. ذلك أن جلالة الملك عبد العزيز ﵀ وغفر له، أراد أن يحمل القضاة على الأخذ بأحكام مختارة يجري تدوينها، ثم تعميمها على المحاكم فقد جاء في افتتاحية أم القرى في عددها الصادر بتاريخ ٢٨/ ٢ / ٤٦ هـ ما نصه: إن جلالة الملك - حفظه الله - يفكر في وضع مجلة للأحكام الشرعية يعهد إلى لجنة من خيار علماء المسلمين الاختصاصيين استنباطها من كتب المذاهب الأربعة المعتبرة. وهذه المجلة ستكون مشابهة لمجلة الأحكام التي كانت الحكومة العثمانية وضعتها عام ١٢٩٣ هـ، ولكنها تختلف عنها بأمور أهمها عدم التقيد حين الاستنباط بمذهب دون آخر بل تأخذ ما تراه في صالح المسلمين من أقوى المذاهب حجة ودليلا من الكتاب والسنة. وجاء فيها ما نصه: فأصدر أمره إلى هيئة المراقبة القضائية بالشروع في عملها على الطريقة التالية: -

стр. 14275

إذا اتفقت المذاهب الأربعة على حكم من الأحكام فيكون هذا الحكم معتبرا وملزما لجميع المحاكم والقضاة. والمذاهب الأربعة هي متفقة في الأحكام الأساسية وفي كثير من الأحكام الفرعية. أما المسائل الخلافية فيشرع في تدوينها منذ اليوم وفي كل أسبوع تجتمع هيئة مراقبة القضاء مع جملة من فطاحل العلماء وينظرون فيما يكون اجتمع لدى الهيئة من المسائل الخلافية وأوجه حكم كل مذهب من المذاهب فيها، وينظر في أقوى المذاهب حجة ودليلا من كتاب الله وسنة رسوله فيصدر قرار الهيئة على إقراره والسير على مقتضاه، وبهذه الوسيلة تجتمع لدى الهيئة معظم المسائل الخلافية التي هي منشأ الصعوبة في التأليف بين أحكام المذاهب ويصدر القرار بشأنها، ويكون هذا القرار ملزما لسائر المحاكم الشرعية والقضاة وأساسا قويا لتوحيد الأحكام وتأليفها. اهـ. المقصود، ثم تحولت الفكرة إلى أن يكون مجرى القضاء في جميع المحاكم منطبقا على المفتى به من مذهب الإمام أحمد فقد صدر قرار الهيئة القضائية رقم ٣ في ١٧/ ١ / ٤٧ المقترن بالتصديق العالي بتاريخ ٢٤/ ٣ / ١٣٤٧ هـ بما يأتي: - (أ) أن يكون مجرى القضاء في جميع المحاكم منطبقا على المفتى به من مذهب الإمام أحمد بن حنبل نظرا لسهولة مراجعة كتبه والتزام المؤلفين على مذهبه ذكر الأدلة إثر مسائله. (ب) إذا صار جريان المحاكم الشرعية على التطبيق على المفتى به من المذهب المذكور ووجد القضاة في تطبيقها على مسألة من مسائله مشقة ومخالفة لمصلحة العموم يجري النظر والبحث فيها من باقي المذاهب بما تقتضيه المصلحة، ويقرر السير فيها على ذلك المذهب مراعاة لما ذكر. (جـ) يكون اعتماد المحاكم في سيرها على مذهب الإمام أحمد على الكتب الآتية: - ١ - شرح المنتهى. ٢ - شرح الإقناع.

стр. 14276

فما اتفقا عليه أو انفرد به أحدهما فهو المتبع، وما اختلط فيه فالعمل على ما في المنتهى، وإذا لم يوجد بالمحكمة الشرحان المذكوران يكون الحكم بما في شرحي الزاد أو الدليل إلى أن يحصل بها الشرحان، وإذا لم يجد القاضي نص القضية في الشروح المذكورة طلب نصها في كتب المذهب المذكور التي هي أبسط منها وقضى بالراجح اهـ. ولم يكن الإلزام بالعمل بالراجح من المذهب ابتداء من ولي الأمر، وإنما كان بمشورة هيئة علمية هي الهيئة القضائية فالتزم القضاة التابعون لرئاسة القضاة بذلك، واستمر الالتزام به حتى وقتنا هذا، ويندر من أحدهم الخروج عن المذهب، فإن خرج نقض حكمه كما كان الحال بالنسبة للحكم الصادر من رئيس وقضاة محكمة الرياض بعدد ٥٧/ ١ وتاريخ ٢/ ٨ / ٨٦ هـ في قضية قسامة فقد جرى نقضه من هيئة التمييز بالرياض بعدد ٦/ ٣ وتاريخ ٦/ ١٠ / ٨٧ هـ لعدة أسباب منها الخروج بذلك عن المذهب، وتأيد النقض من سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ موجب خطابه رقم ٣٧٩٨/ ٢ / ١ في ١٧/ ١١ / ٨٧ هـ، وكذا بالنسبة للحكم الصادر من محكمة الرياض بعدد ٨٦/ ١ وتاريخ ٩/ ٦ / ٨٨ هـ في قضية قسامة فقد جرى نقضه من هيئة التمييز بعدد ٧/ ٣ وتاريخ ٢٦/ ٣ / ٩٠ هـ. كما صدر من سماحة رئيس القضاة ومفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ خطابه رقم ١٤٩٢ وتاريخ ٢١/ ٩ / ٨٠ هـ ويتضمن الاعتراض على الفتوى باعتبار الثلاث في الطلاق واحدة. وقد جاء فيه ما نصه: نفيدكم أن الذي عليه الفتوى وقوع مثل هذا الطلاق ثلاثا، وهو الذي عليه الجماهير من أهل الفتوى إلى أن قال: فلا ينبغي لأحد أن يفتي بخلاف ما عليه الفتوى في عموم المحاكم في سائر أنحاء المملكة لما في ذلك من الاختلاف الذي هو شر. إلى آخره. وأخيرا فإن هيئة التمييز بالمنطقة الوسطى قد أصدرت قرارا برقم ٨٨/ ٢ وتاريخ ٢٠/ ٣ / ٩١ هـ بصدد قضية رجل قتل

стр. 14277

غيلة، وحكم على قاتله بالقتل دون التفات إلى عفو الورثة. جاء فيه ما نصه: - أولا: أن هذا الحكم مخالف للمفتى به في مذهب أحمد أو مخالف لمذهبه بالكلية، وقد صرح العلماء أن المقلد إذا خالف مذهب إمامه ينقض حكمه. . إلى أن قالت. ثانيا: أن إمام المسلمين أصدر التعليمات المقيدة لأحكام القضاة بأن تكون على المفتى به من مذهب أحمد، وفي بعض الأوامر قيد الحكم في ذلك في كتب معينة، ولا يخفى أن هذا تعيين مشترط والمسلمون عند شروطهم، والقاضي إذا أقدم على الحكم بشيء لم يعينه إمامه فيه ولم يسمح له يكون قد حكم بغير ما ولي فيه، ومعروف حكم ذلك، وقد وقع القرار المشار إليه رئيس الهيئة الشيخ عبد العزيز بن رشيد وأعضاؤها المشايخ محمد البواردي ومحمد بن سليم ومحمد بن عودة وصالح بن غصون كما أن هيئة التمييز بالمنطقة الغربية قد أصدرت قرارها رقم ٥٠٥ وتاريخ ١٥/ ٤ / ٩٠ هـ حول قضية وقف انتهت فيه إلى أن المادة (١٢١) والمادة رقم (١٢٢) من مجموعة النظم قد جاء فيها: أنه إذا لم يكن للوقف أو الوصية شرط ثابت أو عمل يستأنس به يجري النظر في دعوى المستحقين على بعض على المفتى به من مذهب الواقف أو الموصي إن علم، وإلا فيجري النظر على المذهب الذي كان الحكم بمقتضاه في زمن الواقف، وقالت الهيئة: إن القاضي يتخصص فيما يخوله ولي الأمر له. ومن هذا الاستعراض التاريخي القريب لهذه الفكرة وما ذكر من الوقائع يتضح بأنها من حيث العموم موضع التنفيذ وأن العمل جار على اعتبارها في مجالات القضاء والإفتاء والتدريس. وأن ما يرغب ولي الأمر - حفظه الله - إعطاء الرأي نحوه لا يخرج عن كونه تنظيما لهذا الوضع القائم مع الخروج عن التقيد المذهبي، وذلك بتعيين الأقوال الراجحة من قبل هيئة علمية على مستوى يسمح لها بذلك وتدوينها في كتاب يجري تعميمه على المحاكم للعمل به بدلا من أن

стр. 14278

يكون الراجح من المذهب موضع ادعاء يجد كل مدع في كتب المذهب ما يؤيده ويسند دعواه مما كان لذلك أثره الواضح في اختلاف الأحكام في القضايا المتشابهة مما في أحكامها الخلاف القوي، كمسائل الشفعة والرهن والقسامة وإجبار الأب ابنته البكر البالغ على الزواج، والإقطاع من حيث اعتباره اختصاصا أو تمليكا، ومسألة الجد مع الإخوة واشتراط مطالبة المسروق منه في القطع وتكرار الإقرار فيه مرتين، إلى غير ذلك من مسائل الخلاف بل قد يقع اختلاف الأحكام من القاضي نفسه، كما كان الحال من أحدهم حيث حكم في قضيتي رهن لم يقبض بلزومه في إحداهما وعدم لزومه في الأخرى، وقد لا يتجه الإيراد على ذلك بما قاله عمر ﵁: (ذلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي إذ إن قضاة زماننا لا يمكن لأحد منهم مهما كانت حصيلته العلمية أن يكون في درجة عمر وأضرابه ﵃ بمن هم في مستوى يمكنهم من الاجتهاد المطلق بل قد يكون التردد في إلحاق أغلبهم بمرتبة علمية يجوز لأصحابها تقلد القضاء والفتوى، وقد كان للضرورة حكمها في قبول ذلك.

стр. 14279

ثالثا: مما سبق يتضح أن المسألة ليست وليدة التفكير، وأن إلزام القضاة بالحكم بمذهب إمام بعينه كان موضع التنفيذ في أماكن من البلاد الإسلامية المختلفة وفي أعصار متفاوتة ولا يزال العمل بذلك حتى وقتنا هذا بل وفي بلادنا بالذات. وأقوال أهل العلم في اعتبار ذلك وإجازته كثيرة نذكر منها ما يلي: - المذهب الحنفي: قال (١) ابن عابدين: لو قضى المجتهد فيه مخالفا لرأيه فيه ناسيا نفذ عنده، وفي العامد، روايتان، وعندهما لا ينفذ في الوجهين، واختلف

стр. 14280

الترجيح. قال في الفتح: والوجه الآن أن يفتي بقولهما لأن التارك لمذهبه عمدا لا يفعله إلا لهوى باطل، وأما الناسي فلأن المقلد ما قلده إلا ليحكم بمذهبه لا بمذهب غيره، هذا كله في القاضي المجتهد، وأما القاضي المقلد فإنما ولاه ليحكم بمذهب أبي حنيفة فلا يملك المخالفة فيكون معزولا بالنسبة إلى ذلك الحكم. وقال أيضا تحت مطلب قضاء القاضي بغير ما ذهب ما نصه: وحاصل هذه المسألة أنه يشترط لصحة القضاء أن يكون موافقا لرأيه أي لمذهبه مجتهدا كان أو مقلدا فلو قضى بخلافه لا ينفذ لكن في البدائع إذا كان مجتهدا ينبغي أن يصح، ويحمل على أنه اجتهد فأداه اجتهاده إلى مذهب الغير. ويأخذ (١). القاضي كالمفتي بقول أبي حنيفة على الإطلاق ثم بقول أبي يوسف، ثم بقول محمد ثم بقول زفر والحسن بن زياد " وهو الأصح وصحح في الحاوي اعتبار قوة المدرك، والأول أضبط (نهر) ولا يخير إلا إذا كان مجتهدا، المقلد متى خالف معتمد مذهبه لا ينفذ حكمه وينقض هو المختار للفتوى كما بسطه المصنف في فتاويه وغيره. . وفي القسهتاني وغيره. وقال (٢). ابن عابدين: ولو قيد السلطان القاضي بصحيح مذهبه كما في زمننا تقيد بلا خلاف، ولو قيده بضعيف المذهب فلا خلاف بعدم صحة حكمه. وقال (٣). أيضا نقلا عن معروضات أبي السعود: إن العبد الآبق إذا كان من عبيد العسكرية فقد صدر الأمر السلطاني بمنع القضاة من بيعه كيلا يتخذ العبيد الإباق وسيلة للتخلف من خدمة الجيش - ثم قال - وحينئذ لا يصح بيع هؤلاء العبيد بل يؤخذون من مشتريهم ويرجع المشتري بالثمن، وكذلك بيع العبيد الآبقين من الرعايا إذا بيعوا بغبن فاحش، وبذلك ورد الأمر السلطاني

стр. 14281

فليحفظ فإنه مهم. وقال في حاشية ابن عابدين صفحة (٤٥٨) جـ (٥): فأما المقلد فإنما ولاه ليحكم بمذهب أبي حنيفة فلا يملك المخالفة فيكون معزولا بالنسبة إلى ذلك الحكم انتهى. قال في الشرنبلالية: عن البرهان: وهذا صريح الحق الذي يعض عليه بالنواجذ اهـ. وقال في النهر وادعى في البحر أن المقلد إذا قضى بمذهب غيره أو برواية ضعيفة أو بقول ضعيف نفذ. وأقوى ما تمسك به ما في البزازية إذا لم يكن القاضي مجتهدا أو قضى بالفتوى على خلاف مذهبه نفذ، وليس لغيره نقضه، وله نقضه كذا عن محمد، وقال الثاني: ليس له نقضه. انتهى. وما في الفتح يجب أن يعول عليه في المذهب، وما في البزازية محمول على روايتين عنهما إذ قصارى الأمر أن هذا منزل منزلة الناسي لمذهبه وقد مر عنهما في المجتهد أنه لا ينفذ، فالمقلد أولى.

стр. 14282

المذهب المالكي: ويجب (١). على كل من الخليفة والقاضي إذا لم يكن مجتهدا مطلقا أن يحكم بالراجح من مذهب إمامه أو أصحاب إمامه لا بمذهب غيره ولا بالضعيف من مذهبه، وكذا المفتي فإن حكم بالضعيف نقض حكمه إلا إذا لم يشتهر ضعفه، وكان الحاكم به من أهل الترجيح وترجح عنده ذلك الحكم فلا ينقض، وإن حكم بغير مذهب إمامه لم ينفذ حكمه، لكن القول بأنه يلزمه الحكم بمذهب إمامه ليس متفقا عليه حتى قبل ليس مقلده رسولا أرسل إليه بل حكوا خلافا إذا اشترط السلطان عليه ألا يحكم إلا بمذهب إمامه، فقيل: لا يلزمه الشرط، وقيل: بل ذلك يفسد التولية، وقيل: يمضي الشرط للمصلحة " الشرح الكبير والدسوقي على مختصر خليل ". .

стр. 14283

وسئل (١). القرافي: هل يجب على الحاكم أن لا يحكم إلا بالراجح عنده كما يجب على المجتهد ألا يفتي إلا بالراجح عنده أو له أن يحكم بأحد القولين، وإن لم يكن راجحا عنده؟ فأجاب قائلا: إن الحاكم إن كان مجتهدا فلا يجوز له أن يحكم أو يفتي إلا بالراجح عنده، وإن كان مقلدا جاز له أن يفتي بالمشهور من مذهبه، وأن يحكم به، وإن لم يكن راجحا عنده مقلدا في رجحان القول المحكوم به إمامه الذي يقلده، كما يقلده في الفتيا، وأما اتباع الهوى في الحكم أو الفتيا حرام إجماعا. . إلخ. قال (٢). محمد بن عبد الرحمن الحطاب: قال ابن الحاجب: وللإمام أن يستخلف من يرى غير رأيه في الاجتهاد أو التقليد، ولو شرط الحكم بما يراه كان الشرط باطلا والتولية صحيحة، قال الباجي: كان في سجلات قرطبة ولا يخرج عن قول ابن القاسم ما وجده، قال في التوضيح: للإمام أن يستخلف من يرى غير رأيه كالمالكي يولي شافعيا أو حنفيا، ولو شرط أي الإمام على القاضي الحكم بما يراه الإمام من مذهب معين أو اجتهاد له كان الشرط باطلا وصح العقد، وهكذا في الجواهر عن الطرطوشي، وقال غيره العقد غير جائز وينبغي فسخه ورده، وهذا إنما هو إذا كان القاضي مجتهدا، وهكذا المازري فيه، قال: وإن كان الإمام مقلدا وكان متبعا لمذهب مالك أو اضطر إلى ولاية قاض مقلد لم يحرم على الإمام أن يأمره أن يقضي بين الناس بمذهب مالك، ويأمره أن لا يتعدى في قضائه مذهب مالك لما يراه من المصلحة في أن يقضي بين الناس بما عليه أهل الإقليم والبلد الذي فيه هذا القاضي، وقد ولى سحنون رجلا سمع بعض كلام أهل العراق، وأمره أن لا يتعدى الحكم بمذهب أهل المدينة. انتهى المقصود. قال (٣). ابن فرحون: قال الشيخ أبو بكر الطرطوشي أخبرنا القاضي أبو

стр. 14284

الوليد الباجي أن الولاة كانوا بقرطبة إذا ولوا رجلا القضاء شرطوا عليه في سجله أن لا يخرج عن قول ابن القاسم ما وجده، قال الشيخ أبو بكر: وهذا جهل عظيم منهم يريد أن الحق ليس في شيء معين، وإنما قال الشيخ أبو بكر هذا لوجود المجتهدين وأهل النظر في قضاة ذلك الزمان فتكلم على أهل زمانه وكان معاصرا للإمام أبي عمر بن عبد البر، والقاضي أبي الوليد الباجي، والقاضي أبي الوليد بن رشد والقاضي أبي بكر بن العربي، والقاضي أبي الفضل والقاضي أبي محمد بن عطية صاحب التفسير، وغير هؤلاء من نظرائهم، وقد عدم هذا النمط في زماننا من المشرق والمغرب. وهذا الذي ذكره الباجي عن ولاة قرطبة ورد نحوه عن سحنون؛ وذلك أنه ولى رجلا القضاء وكان الرجل ممن سمع بعض كلام أهل العراق فشرط عليه سحنون أن لا يقضي إلا بقول أهل المدينة ولا يتعدى ذلك. قال (١). ابن رشد وهذا يؤيد الباجي ويؤيد ما قاله الشيخ أبو بكر، فكيف يقول ذلك والمالكية إذا تحاكموا إليه فإنما يأتونه ليحكم بينهم بمذهب مالك. انتهى المقصود. قال (٢). الدسوقي: بل حكوا خلافا إذا اشترط السلطان عليه أن لا يحكم إلا بمذهب إمامه، فقيل: لا يلزمه الشرط، وقيل بل ذلك يفسد التولية، وقيل يمضي الشرط للمصلحة.

стр. 14285

المذهب الشافعي: قال (١). النووي وجلال الدين المحلي: " ويحكم باجتهاده إن كان مجتهدا أو اجتهاد مقلده بفتح اللام إن كان مقلدا بكسرها حيث ينفذ قضاء المقلد ". وقال (٢). قليوبي على قول النووي " واجتهاد مقلده " أي المعتمد عند مقلده إن لم يكن هو متبحرا وإلا فباعتماده لا يجوز له الحكم بغير مذهبه.
следующие страницы →