نصيحة تتعلق بفضل صيام رمضان وقيامه
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه من المسلمين، سلك الله بي وبهم سبيل أهل الإيمان، ووفقني وإياهم للفقه في السنة والقران. أمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فهذه نصيحة موجزة تتعلق بفضل صيام رمضان وقيامه، وفضل المسابقة فيه بالأعمال الصالحة، مع بيان أحكام مهمة قد تحفى على بعض الناس.
ثبت عن رسول الله ﷺ أنه كان يبشر أصحابه بمجيء شهر رمضان، ويخبرهم ﵊ أنه شهر تفتح فيه أبواب الرحمة وأبواب الجنة وتغلق فيه أبواب جهنم، وتغل فيه الشياطين، ويقول ﷺ : «إذا كانت أول ليلة من رمضان فتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وغلقت أبواب جهنم فلم يفتح منها باب، وصفدت الشياطين، وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة (١)». ويقول ﵊: «جاءكم شهر رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم فيه فيباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرا فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله»، ويقول ﵊: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (٢)»، ويقول ﵊: «يقول الله : "كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر
стр. 14213
أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي. للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه. ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك (١)». والأحاديث في فضل صيام رمضان وقيامه وفضل جنس الصوم كثيرة.
فينبغي للمؤمن أن ينتهز هذه الفرصة وهي ما من الله به عليه من إدراك شهر رمضان فيسارع إلى الطاعات، ويحذر السيئات ويجتهد في أداء ما افترض الله عليه ولا سيما الصلوات الخمس فإنها عمود الإسلام وهي أعظم الفرائض بعد الشهادتين: فالواجب على كل مسلم ومسلمة المحافظة عليها وأداؤها في أوقاتها بخشوع وطمأنينة.
ومن أهم واجباتها في حق الرجال أداؤها في الجماعة في بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه كما قال : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣) وقال : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٤) ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٥) إلى أن قال : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٦) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ (٧) ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٨) وقال النبي ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (٩)».
وأهم الفرائض بعد الصلاة أداء الزكاة كما قال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (١٠) وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١١)
стр. 14214
وقد دل كتاب الله العظيم وسنة رسوله الكريم على أن من لم يؤد زكاة ماله يعذب به يوم القيامة.
وأهم الأمور بعد الصلاة والزكاة صيام رمضان، وهو أحد أركان الإسلام الخمسة المذكورة في قول النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت (١)».
ويجب على المسلم أن يصون صيامه وقيامه عما حرم الله عليه من الأقوال والأعمال، لأن المقصود بالصيام هو طاعة الله سبحانه، وتعظيم حرماته وجهاد النفس على مخالفة هواها في طاعة مولاها، وتعويدها الصبر عما حرم الله، وليس المقصود مجرد ترك الطعام والشراب وسائر المفطرات، ولهذا صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم (٢)» وصح عنه ﷺ أنه قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه (٣)».
فعلم بهذه النصوص وغيرها أن الواجب على الصائم الحذر من كل ما حرم الله عليه والمحافظة على كل ما أوجب الله عليه، وبذلك يرجى له المغفرة والعتق من النار وقبول الصيام والقيام.
وهناك أمور قد تخفى على بعض الناس: منها أن الواجب على المسلم أن يصوم إيمانا واحتسابا لا رياء ولا سمعة ولا تقليدا للناس أو متابعة لأهله أو لأهل بلده بل الواجب عليه أن يكون الحامل له على الصوم هو إيمانه بأن الله قد فرض عليه ذلك، واحتسابه الأجر عند ربه في ذلك، وهكذا قيام
стр. 14215
رمضان يجب أن يفعله المسلم إيمانا واحتسابا لا لسبب آخر ولهذا قال ﵊: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (١)».
ومن الأمور التي قد يخفى حكمها على بعض الناس: ما قد يعرض للصائم من جراح أو رعاف أو الماء أو ذهاب الماء أو البنزين إلى حلقه بغير اختياره، فكل هذه الأمور لا تفسد الصوم ولكن من تعمد القيء فسد صومه، لقول النبي ﷺ : «من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء (٢)».
ومن ذلك: ما قد يعرض للصائم من تأخير غسل الجنابة إلى طلوع الفجر، وما يعرض لبعض النساء من تأخير غسل الحيض أو النفاس إلى طلوع الفجر إذا رأت الطهر قبل الفجر فإنه يلزمها الصوم ولا مانع من تأخيرها الغسل إلى ما بعد طلوع الفجر ولكن ليس لها تأخيره إلى طلوع الشمس بل يجب عليها أن تغتسل وتصلي الفجر قبل طلوع الشمس، وهكذا الجنب ليس له تأخير الغسل إلى ما بعد طلوع الشمس بل يجب عليه أن يغتسل ويصلي قبل طلوع الشمس، ويجب على الرجل المبادرة بذلك حتى يدرك صلاة الفجر مع الجماعة.
ومن الأمور التي لا تفسد الصوم: تحليل الدم، وضرب الإبر غير التي يقصد بها التغذية لكن تأخير ذلك إلى الليل أولى وأحوط إذا تيسر ذلك لقول النبي ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (٣)». وقوله ﵊: «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه (٤)».
ومن الأمور التي يخفى حكمها على بعض الناس: عدم الاطمئنان في الصلاة سواء كانت فريضة أو نافلة وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ على أن الاطمئنان ركن من أركان الصلاة ولا تصح الصلاة بدونه، وهي الركود في الصلاة والخشوع فيها وعدم العجلة حتى يرجع كل فقار إلى
стр. 14216
مكانه، وكثير من الناس يصلي في رمضان صلاة التراويح صلاة لا يعقلها ولا يطمئن فيها بل ينقرها نقرا، وهذه الصلاة على هذا الوجه باطلة، وصاحبها آثم غير مأجور.
ومن الأمور التي قد يخفى حكمها على بعض الناس: ظن بعضهم أن التراويح لا يجوز نقصها عن عشرين ركعة، وظن بعضهم أنه لا يجوز أن يزاد فيها على إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة، وهذا كله ظن في غير محله بل هو خطاء مخالف للأدلة.
وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ على أن صلاة الليل موسع فيها فليس فيها حد محدود لا تجوز مخالفته، بل ثبت عنه ﷺ أنه كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة وربما صلى ثلاث عشرة ركعة وربما صلى أقل من ذلك في رمضان وفي غيره، ولما «سئل ﷺ عن صلاة الليل قال: مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى (١)» متفق على صحته.
ولم يحدد ركعات معينة لا في رمضان ولا في غيره، ولهذا صلى الصحابة ﵃ في عهد عمر ﵁ في بعض الأحيان ثلاثا وعشرين ركعة وفي بعضها إحدى عشرة ركعة، كل ذلك ثبت عن عمر ﵁ وعن الصحابة في عهده.
وكان بعض السلف يصلي في رمضان ستا وثلاثين ركعة ويوتر بثلاث، وبعضهم يصلي إحدى وأربعين، ذكر ذلك عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره من أهل العلم، كما ذكر- رحمة الله عليه- أن الأمر في ذلك واسع، وذكر أيضا أن الأفضل لمن أطال القراءة والركوع والسجود أن يقلل العدد، ومن خفف القراءة والركوع والسجود زاد في العدد، هذا معنى كلامه ﵀.
ومن تأمل سنته ﷺ علم أن الأفضل في هذا كله هو صلاة إحدى عشرة
стр. 14217
ركعة أو ثلاث عشرة ركعة في رمضان وغيره لكون ذلك هو الموافق لفعل النبي ﷺ في غالب أحواله، ولأنه أرفق بالمصلين وأقرب إلى الخشوع والطمأنينة ومن زاد فلا حرج ولا كراهية كما سبق.
والأفضل لمن صلى مع الإمام في قيام رمضان ألا ينصرف إلا مع الإمام لقول النبي ﷺ : «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة (١)».
ويشرع لجميع المسلمين الاجتهاد في أنواع العبادة في هذا الشهر الكريم من صلاة النافلة، وقراءة القرآن بالتدبر والتعقل والإكثار من التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير والاستغفار والدعوات الشرعية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله ، ومواساة الفقراء والمساكين، والاجتهاد في بر الوالدين، وصلة الرحم، وإكرام الجار، وعيادة المريض، وغير ذلك من أنواع الخير، لقوله ﷺ في الحديث السابق: «ينظر الله إلى تنافسكم فيه فيباهي بكم ملائكته فأروا الله من أنفسكم خيرا، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله»، ولما روي عنه ﵊ أنه قال: «من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه»، ولقوله ﵊ في الحديث الصحيح: «عمرة في رمضان تعدل حجة- أو قال- حجة معي (٢)» والأحاديث والآثار الدالة على شرعية المسابقة والمنافسة في أنواع الخير في الشهر الكريم كثيرة، والله المسئول أن يوفقنا وسائر المسلمين لكل ما فيه رضاه، وأن يتقبل صيامنا وقيامنا، ويصلح أحوالنا ويعيذنا جميعا من مضلات الفتن. كما نسأله سبحانه أن يصلح قادة المسلمين، ويجمع كلمتهم على الحق إنه ولي ذلك والقادر عليه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء
والدعوة والإرشاد
стр. 14218
من قرارت المجامع الفقهية
من قرارت مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي
القرار السابع
بشأن الظروف الطارئة وتأثيرها في الحقوق والالتزمات العقدية
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد:
فقد عرض على مجلس المجمع الفقهي الإسلامي مشكلة ما قد يطرأ بعد إبرام عقود التعهد ونحوها من العقود ذات التنفيذ المتراخي في مختلف الموضوعات من تبدل مفاجئ في الظروف والأحوال ذات التأثير الكبير في ميزان التعادل الذي بنى عليه الطرفان المتعاقدان حساباتهما فيما يعطيه العقد كلا منهما من حقوق وما يحمله إياه من التزامات، مما يسمى اليوم في العرف التعاملي بالظروف الطارئة.
وقد عرضت مع المشكلة أمثلة لها من واقع أحوال التعامل وأشكاله توجب التفكير في حل فقهي مناسب عادل يقضي على المشكلة في تلك الأمثلة ونظائرها الكثيرة. فمن صور هذه المشكلة الأمثلة التالية:
١ - لو أن عقد مقاولة على إنشاء بناية كبيرة يحتاج إنشاؤها إلى مدة طويلة تم بين طرفن، وحدد فيه سعر المتر المكعب من البناء وكسوته بمبلغ مائة دينار مثلا، وكانت كلفة المواد الأولية من حديد وأسمنت وأخشاب وسواها وأجور عمال تبلغ عند العقد للمتر الواحد ثمانين دينارا فوقعت حرب غير متوقعة
стр. 14219
أو حادث آخر خلال التنفيذ قطعت الاتصالات والاستيراد وارتفعت بها الأسعار ارتفاعا كبيرا يجعل تنفيذ الالتزام مرهقا جدا.
٢ - لو أن متعهدا في عقد توريد أرزاق عينية يوميا من لحم وجبن ولبن وبيض وخضروات وفواكه ونحوها إلى مستشفى أو إلى جامعة فيها أقسام داخلية، أو إلى دار ضيافة حكومية، بأسعار اتفق عليها في كل صنف لمدى عام. فحدثت جائحة في البلاد أو طوفان أو فيضان أو زلزال، أو جاء جراد جرد المحاصيل الزراعية، فارتفعت الأسعار إلى أضعاف كثيرة عما كانت عليه عند عقد التوريد، إلى غير ذلك من الأمثلة المتصورة في هذا المجال.
فما الحكم الشرعي الذي يوجبه فقه الشريعة في مثل هذه الأحوال التي أصبحت كثيرة الوقوع في العصر الحاضر الذي تميز بالعقود الضخمة بقيمة الملايين، كالتعهد مع الحكومات في شق الطرق الكبيرة وفتح الأنفاق في الجبال، وإنشاء الجسور العظيمة، والمجمعات لدوائر الحكومة أو للسكنى، والمستشفيات العظيمة أو الجامعات. وكذا المقاولات التي تعقد مع مؤسسات أو شركات كبرى لبناء مصانع ضخمة، ونحو ذلك مما لم يكن له وجود في الماضي البعيد.
فهل يبقى المتعاقد الملتزم على حدود عقده وأسعاره قبل تبدل الظروف وطروء التغييرات الكبيرة المشار إليها مهما تكبد في ذلك من خسائر ماحقة أو ساحقة، تمسكا بمقتضى العقد وحدوده في الأسعار والكميات، أو له مخرج وعلاج من فقه الشريعة الحكيمة السمحة العادلة يعيد كفتي الميزان إلى التعادل، ويحقق الإنصاف بقدر الإمكان بين الطرفين؟
وقد نظر مجلس المجمع في النظائر الفقهية ذات الصلة بهذا الموضوع من فقه المذاهب واستعرض قواعد الشريعة ذات العلاقة مما يستأنس به ويمكن أن يوصي بالحكم القياسي والاجتهاد الواجب فقها في هذا الشأن كما رجع إلى آراء فقهاء المذاهب فوجد ما يلي:
١ - إن الإجارة يجوز للمستأجر فسخها بالطوارئ العامة التي يتعذر
стр. 14220
فيها استيفاء المنفعة كالحرب والطوفان ونحو ذلك، بل الحنفية يسوغون فسخ الإجارة أيضا بالأعذار الخاصة بالمستأجر، مما يدل على أن جواز فسخها بالطوارئ العامة مقبول لديهم أيضا بطريق الأولوية فيمكن القول أنه محل اتفاق، وذكر ابن رشد في بداية المجتهد (ج٢ ص / ١٩٢) من طبعة الخانجي الأولى بالمطبعة الجمالية بمصر تحت عنوان: (أحكام الطوارئ) أنه: (عند مالك أن أرض المطر- أي البعلية التي تشرب من ماء السماء فقط- إذا كريت فمنع القحط من زراعتها، أو إذا زرعها المكتري فلم ينبت الزرع لمكان القحط- أي بسببه- أن الكراء ينفسخ، وكذلك إذا استعذرت بالمطر حتى انقضى زمن الزراعة فلم يتمكن المكتري من زرعها) انتهى كلام ابن رشد.
٢ - وذكر ابن قدامة المقدسي في كتاب الإجارة من المغني (المطبوع مع الشرح الكبير ٦ ج ص / ٣٠) أنه: إذا حدث خوف عام يمنع من سكنى ذلك المكان الذي فيه العين المستأجرة، أو تحصر البلد فامتنع الخروج إلى الأرض المستأجرة للزرع أو نحو ذلك، فهذا يثبت للمستأجر خيار الفسخ لأنه أمر غالب يمنع المستأجر من استيفاء المنفعة. فأما إذا كان الخوف خاصا بالمستأجر، مثل أن يخاف وحده لقرب أعدائه. . لم يملك الفسخ، لأنه عذر يختص به لا يمنع استيفاء المنفعة بالكلية فأشبه مرضه.
٣ - وقد نص الإمام النووي ﵀ في روضة الطالبين (٥ ج ص / ٢٣٩) أنه لا تنفسخ الإجارة بالأعذار، سواء أكانت إجارة عين أو ذمة، وذلك كما إذا استأجر دابة للسفر عليها فمرض، أو حانوتا لحرفة فندم، أو هلكت آلات تلك الحرفة أو استأجر حماما فتعذر الوقود. قال النووي: وكذا لو كان العذر للمؤجر بأن مرض وعجز عن الخروج مع الدابة، أو أكرى داره وكان أهله مسافرين فعادوا واحتاج إلى الدار أو تأهل قال: فلا فسخ في شيء من ذلك، إذ لا خلل في المعقود عليه. اهـ.
٤ - ما يذكره العلماء ﵏ في الجوائح التي تجتاح الثمار المبيعة على الأشجار بالأسباب العامة كالبرد والجراد وشدة الحر والأمطار والرياح ونحو
стр. 14221
ذلك مما هو عام حيث يقررون سقوط ما يقابل الهالك بالجوائح من الثمن وهي قضية الجوائح المشهورة في السنة والفقه.
٥ - ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مختصر الفتاوى ص / ٣٧٦ أن من استأجر ما تكون منفعة إجارته لعامة الناس، مثل الحمام والفندق والقيسارية، فنقصت المنفعة المعروفة لقلة الزبون أو لخوف أو حرب أو تحول سلطان ونحوه فإنه يحط عن المستأجر من الأجرة بقدر ما نقص من المنفعة.
٦ - وقال ابن قدامة أيضا في الصفحة (٢٩) من الجزء السابق الذكر نفسه: (ولو استأجر دابة ليركبها أو يحمل عليها إلى مكان معين، فانقطعت الطريق إليه لخوف حادث أو اكترى إلى مكة فلم يحج الناس ذلك العام من تلك الطريق فلكل واحد منهما فسخ الإجارة وإن أحب إبقاءها إلى حين إمكان استيفاء المنفعة جاز).
وقال الكاساني من فقهاء الحنفية في الإجارة من كتاب بدائع الصنائع (ج ٤ ص / ١٩٧) (إن الفسخ في الحقيقة امتناع من التزام الضرر، وإن إنكار الفسخ عند تحقق العذر خروج عن العقد والشرع، لأنه يقتضي أن من اشتكى ضرسه، فاستأجر رجلا لقلعها، فسكن الوجع يجبر على القلع، وهذا قبيح عقلا وشرعا).
هذا وقد ذكر فقهاء المذاهب في حكم الأعذار الطارئة في المزارعة والمساقاة والمغارسة شبيه ما ذكروا في الإجارة.
٧ - قضى رسول الله ﷺ وأصحابه من بعده، وقرر كثير من فقهاء المذاهب في الجوائح التي تجتاح الثمار ببرد أو صقيع، أو جراد، أو دودة، ونحو ذلك من الآفات، أنها تسقط من ثمن الثمار التي بيعت على أشجارها ما يعادل قيمة ما أتلفته الجائحة وإن عمت الثمر كله تسقط الثمن كله.
٨ - قال رسول الله ﷺ فيما ثبت عنه «لا ضرر ولا ضرار» وقد اتخذ فقهاء المذاهب من قوله هذا قاعدة فقهية اعتبروها من دعائم الفقه الكبرى
стр. 14222
الأساسية، وفرعوا عليها أحكاما لا تحصى في دفع الضرر وإزالته في مختلف الأبواب.
ومما لا شك فيه أن العقد الذي يعقد وفقا لنظامه الشرعي يكون ملزما لعاقديه قضاء؛ عملا بقوله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١)
ولكن قوة العقد الملزمة ليست أقوى من النص الشرعي الملزم للمخاطبين به كافة وقد وجد المجمع في مقاييس التكاليف الشرعية، ومعايير حكمة التشريع أن المشقة لا ينفك عنها التكليف عادة بحسب طبيعته، كمشقة القيام في الصلاة، ومشقة الجوع والعطش في الصيام، لا تسقط التكليف، ولا توجب فيه التخفيف، ولكنها إذا جاوزت الحدود الطبيعية للمشقة المعتادة في كل تكليف بحسبه، أسقطته أو خففته، كمشقة المريض في قيامه في الصلاة ومشقته في الصيام وكمشقة الأعمى والأعرج في الجهاد، فإن المشقة المرهقة عندئذ بالسبب الطارئ الاستثنائي توجب تدبيرا استثنائيا يدفع الحد المرهق منها، وقد نص على ذلك وأسهب قي بيانه، وأتى عليه بكثير من الأمثلة في أحكام الشريعة الإمام أبو إسحاق الشاطبي ﵀ في كتابه (الموافقات في أصول الشريعة).
فيتضح من ذلك أن الخسارة المعتادة في تقلبات التجارة لا تأثيرها لها في العقود لأنها طبيعة التجارة وتقلباتها التي لا تنفك عنها، ولكنها إذا جاوزت المعتاد المألوف كثيرا بمثل تلك الأسباب الطارئة الآنفة الذكر توجب عندئذ تدبيرا استثنائيا.
ويقول ابن القيم ﵀ في كتابه (إعلام الموقعين):
(إن الله أرسل رسله وأنزل كتبه بالعدل الذي قامت به السماوات والأرض وكل أمر أخرج من العدل إلى الجور، ومن المصلحة إلى عكسها فليس من شرع الله في شيء وحيثما ظهرت دلائل العدل وسفر وجهه فثم شرع الله وأمره) (إعلام الموقعين) وقصر العاقدين إنما تكشف عنه وتحدده ظروف العقد، وهذا
стр. 14223
القصر لا يمكن تجاهله والأخذ بحرفية العقد مهما كانت النتائج فمن القواعد المقررة في فقه الشريعة أن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.
ولا يخفى أن طريق التدخل في مثل تلك الأحوال المعروضة آنفا في العقود المتراخية التنفيذ لأجل إيجاد الحل العادل الذي يزيل الجور إنما هو من اختصاص القضاء ففي ضوء هذه القواعد والنصوص المعروضة التي تنير طريق الحل الفقهي السديد في هذه القضية المستجدة الأهمية، يقرر الفقه الإسلامي ما يلي:
١ - في العقود المتراخية التنفيذ (كعقود التوريد والتعهدات والمقاولات) إذا تبدلت الظروف التي تم فيها التعاقد تبدلا غير الأوضاع والتكاليف والأسعار تغيرا كبيرا بأسباب طارئة عامة لم تكن متوقعة حين التعاقد، فأصبح بها تنفيذ الالتزام العقدي يلحق بالملتزم خسائر جسيمة غير معتادة من تقلبات الأسعار في طرق التجارة ولم يكن ذلك نتيجة تقصير أو إهمال من الملتزم في تنفيذ التزاماته، فإنه يحق للقاضي في هذه الحال عند التنازع وبناء على الطلب تعديل الحقوق والالتزامات العقدية بصورة توزع القدر المتجاوز للمتعاقد من الخسارة على الطرفين المتعاقدين، كما يجوز له أن يفسخ العقد فيما لم يتم تنفيذه منه إذا رأى أن فسخه أصلح وأسهل في القضية المعروضة عليه، وذلك مع تعويض عادل للملتزم له صاحب الحق في التنفيذ، يجبر له جانبا معقولا الخسارة التي تلحقه من فسخ العقد بحيث يتحقق عدل بينما دون إرهاق للملتزم ويعتمد القاضي في هذه الموازنات جميعا رأي أهل الخبرة الثقات.
٢ - ويحق للقاضي أيضا أن يمهل الملتزم إذا وجد أن السبب الطارئ قابل للزوال في وقت قصير، ولا يتضرر الملتزم له كثيرا بهذا الإمهال.
هذا وإن مجلس المجمع الفقهي يرى في هذا الحل المستمد من أصول الشريعة تحقيقا للعدل الواجب بين طرفي العقد، ومنعا للضرر المرهق لأحد العاقدين بسبب لا يد له فيه، وأن هذا الحال أشبه بالفقه الشرعي الحكيم، وأقرب إلى قواعد الشريعة ومقاصدها العامة وعدلها. والله ولي التوفيق.
стр. 14224
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
[توقيع] ... [اعتذر لمرضه]
نائب الرئيس ... رئيس مجلس المجمع الفقهي
محمد علي الحركان ... عبد الله بن حميد
الأعضاء
[توقيع] ... [توقيع] ... [توقيع]
عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... محمد محمود الصواف ... صالح بن عثيمين
[توقيع] ... [تخلف عن الحضور] ... [توقيع]
محمد بن عبد الله السبيل ... مبروك العوادي ... محمد الشاذلي النفير
[توقيع] ... [توقيع]
مصطفى أحمد الزرقاء ... عبد القدوس الهامشي ... محمد رشيدي
[تخلف عن الحضور] ... [توقيع] ... [تخلف عن الحضور]
أبو الحسن على الحسني الندوي ... أبو بكر محمد جومي ... حسنين محمد مخلوف
[توقيع] ... [تخلف عن الحضور] ... [توقيع]
محمد رشيد قباني ... محمود شيت خطاب ... محمد سالم عدود
[مقرر المجمع الفقهي الإسلامي]
محمد عبد الرحيم الخالد
стр. 14225
من قرارات هيئة كبار العلماء
قرار رقم ٣٣ وتاريخ ٢١/ ١٠ / ١٣٩٩ هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله. . وبعد:
ففي الدورة الرابعة عشرة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في الطائف من ١٠/ ١٠ / ١٣٩٩هـ، حتى ٢١/ ١٠ / ١٣٩٩ هـ نظر المجلس في الرسالة التي بعثها الشيخ / عبد الله بن زيد آل محمود رئيس المحاكم الشرعية والشئون الدينية بقطر إلى جلالة الملك خالد بن عبد العزيز المتضمنة جواز جعل جدة ميقاتا لركاب الطائرات الجوية والسفن البحرية والتي أحيلت إلى سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد من معالي رئيس المكتب الخاص لجلالة الملك خالد برقم ٥٢١٤/ ١ في ١٢/ ٥ / ١٣٩٩ هـ. وقد استعرض المجلس تلك الفتوى فوجد أنها تستند على:
١ - أن الفتوى تتغير بتغير الأحوال والأزمان.
٢ - أن القضية موضع اجتهاد وتتطلب من العلماء تحقيق النظر في تعيين الميقات لهؤلاء القادمين على متون الطائرات.
٣ - إن مرور الطائرات فوق سماء الميقات وهي محلقة في السماء لا يصدق على أهلها أنهم أتوا الميقات المحدد لهم لغة ولا عرفا.
٤ - ما يزعمه من أن فتواه تشبه ما فعله عمر بن الخطاب ﵁ حين وقت لأهل العراق ذات عرق.
٥ - قوله "لو كان رسول الله ﷺ حيا ويرى كثرة النازلين من أجواء السماء إلى ساحة جدة يؤمون هذا البيت للحج والعمرة لبادر إلى تعيين ميقات لهم من جدة نفسها لكونها من مقتضى أصوله ونصوصه. اهـ".
وإن المجلس بعد دراسة هذه الأمور الخمسة وغيرها مما ورد في الرسالة يرى أن المسوغات التي استند إليها مردودة بالنصوص الشرعية وإجماع سلف الأمة
стр. 14226
فقد روى البخاري وغيره عن ابن عباس ﵄ قال: «وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهل ممن أراد الحج والعمرة ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة (١)». ولا يصح الاستناد في هذه المسألة إلى تغير الفتوى بتغير الأحوال والأزمان لأنها من العبادات وهي مبنية على التوقيف كما أنها ليست من مواضع الاجتهاد لتحديدها بالنص من رسول الله ﷺ ومن المعلوم عند أهل العلم أن الهواء تابع للقرار كما هو مبسوط في موضعه وإنكار ذلك منه غير مسلم. . أما احتجاجه بجعل عمر ﵁ ذات عرق ميقاتا لأهل العراق فهو مردود لأن عمر ﵁ لم يجعل لأهل العراق ميقاتا في الجهة الغربية أو غيرها من مكة يحرمون منه بدلا من ميقاتهم الذي يمرون به في الجهة الشرقية منها بل قال عمر ﵁ انظروا حذوها من طريقكم. وأما قوله "ولو كان رسول الله ﷺ حيا- إلى قوله- لبادر إلى تعيين ميقات لهم من جدة نفسها لكونها من مقتضى أصوله ونصوصه" فهو قول باطل. لأن الله اكمل الدين في حياة رسوله ﷺ وانتهى التشريع بوفاته كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢) المائدة الآية (٣) وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٣) مريم الآية (٦٤) وإنه ليترتب على هذا القول أمور كثيرة خطيرة.
وبناء على ما تقدم وبعد الرجوع إلى الأدلة وما ذكره أهل العلم في المواقيت المكانية ومناقشة الموضوع من جميع جوانبه فإن المجلس يقرر بالإجماع ما يلي:
١ - إن الفتوى الصادرة من فضيلة الشيخ / عبد الله بن زيد آل محمود رئيس المحاكم الشرعية والشئون الدينية بقطر الخاصة بجواز جعل جدة ميقاتا لركاب الطائرات الجوية والسفن البحرية فتوى باطلة لعدم استنادها إلى نص من كتاب الله أو سنة رسوله أو إجماع سلف الأمة. ولم يسبقه إليها أحد من علماء المسلمين الذين يعتد بأقوالهم.
стр. 14227
٢ - لا يجوز لمن مر بميقات من المواقيت المكانية أو حاذى واحدا منها جوا أو بحرا أن يتجاوزه من غير إحرام كما تشهد لذلك الأدلة وكما قرر أهل العلم رحمهم الله تعالى. هذا وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 14228
من قرارات مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي
القرار الثاني
حكم الإحرام من جدة للواردين إليها من غيرها
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام كل إمام المتقين وسيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد:
فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي قد ناقش في جلسته الثالثة صباح يوم الخميس الموافق ١٠/ ٤ / ١٤٠٢ هـ. والمصادف ٤/ ٢ / ١٩٨٢م موضوع (حكم الإحرام من جدة وما يتعرض إليه الكثير من الوافدين إلى مكة المكرمة للحج والعمرة عن طريق الجو والبحر) لجهلهم عن محاذاة المواقيت التي وقتها النبي ﷺ وأوجب الإحرام منها على أهلها ومن مر عليها من غيرهم ممن يريد الحج أو العمرة.
وبعد التدارس واستعراض النصوص الشرعية الواردة في ذلك قرر المجلس ما يأتي:
أولا: إن المواقيت التي وقتها النبي ﷺ وأوجب الإحرام منها على أهلها وعلى من مر عليها من غيرهم ممن يريد الحج والعمرة وهي: ذو الحليفة لأهل المدينة ومن مر عليها من غيرهم وتسمى حاليا (أبيار علي) والجحفة وهي لأهل الشام ومصر والمغرب ومن مر عليها من غيرهم وتسمى حاليا (رابغ)
стр. 14229
وقرن المنازل وهي لأهل نجد ومن مر عليها من غيرهم وتسمى حاليا (وادي محرم) وتسمى أيضا (السيل) وذات عرق لأهل العراق وخراسان ومن مر عليها من غيرهم وتسمى (الضريبة) ويلملم لأهل اليمن ومن مر عليها من غيرهم.
وقرر أن الواجب عليهم أن يحرموا إذا حاذوا أقرب ميقات إليهم من هذه المواقيت الخمسة جوا أو بحرا، فإن اشتبه عليهم ذلك ولم يجدوا معهم من يرشدهم إلى المحاذاة وجب عليهم أن يحتاطوا وأن يحرموا قبل ذلك بوقت يعتقدون أو يغلب على ظنهم أنهم أحرموا قبل المحاذاة، لأن الإحرام قبل الميقات جائز مع الكراهة، ومنعقد، ومع التحري والاحتياط، خوفا من تجاوز الميقات بغير إحرام فتزول الكراهة، لأنه لا كراهة في أداء الواجب. وقد نص أهل العلم في جميع المذاهب الأربعة على ما ذكرنا، واحتجوا على ذلك بالأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ في توقيت المواقيت للحجاج والعمار. واحتجوا أيضا بما ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ لما قال له أهل العراق: إن قرنا جور عن طريقنا؟ قال لهم ﵁: انظروا حذوها من طريقكم. قالوا: ولأن الله سبحانه أوجب على عباده أن يتقوه ما استطاعوا، وهذا هو المستطاع في حق من لم يمر على نفس الميقات، إذا علم هذا فليس للحجاج والعمار الوافدين من طريق الجو والبحر ولا غيرهم أن يؤخروا الإحرام إلى وصولهم إلى جدة، لأن جدة ليست من المواقيت التي وقتها رسول الله ﷺ وهكذا من لم يحمل معه ملابس الإحرام، فإنه ليس له أن يؤخر إحرامه إلى جدة، بل الواجب عليه أن يحرم في السراويل إذا كان ليس معه إزار، لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارا فليلبس السراويل (١)» وعليه كشف رأسه، لأن النبي ﷺ لما سئل عما يلبس المحرم قال: «لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا لمن لم يجد النعلين (٢)». الحديث متفق عليه.
стр. 14230
فلا يجوز أن يكون على رأس المحرم عمامة ولا قلنسوة ولا غيرهما مما يلبس على الرأس. وإذا كان لديه عمامة ساترة يمكنه أن يجعلها إزارا اتزر بها، ولم يجز له لبس السراويل، فإذا وصل إلى جدة وجب عليه أن يخلع السراويل ويستبدلها بإزار إذا قدر على ذلك، فإن لم يكن عليه سراويل وليس لديه عمامة تصلح أن تكون إزارا حين محاذاته للميقات في الطائرة أو الباخرة أو السفينة جاز له أن يحرم في قميصه الذي عليه مع كشف رأسه، فإذا وصل إلى جدة اشترى إزارا وخلع القميص وعليه عن لبسه القميص كفارة وهي إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من تمر أو أرز أو غيرهما من قوت البلد أو صيام ثلاثة أيام، أو ذبح شاة، هو مخير بين هذه الثلاثة، كما خير النبي ﷺ كعب بن عجرة لما أذن له في حلق رأسه وهو محرم للمرض الذي أصابه.
ثانيا: يكلف المجلس الأمانة العامة للرابطة بالكتابة إلى شركات الطيران والبواخر بتنبيه الركاب قبل القرب من الميقات بأنهم سيمرون على الميقات قبل مسافة ممكنة.
ثالثا: خالف عضو مجلس المجمع الفقهي الإسلامي معالي الشيخ مصطفى أحمد الزرقاء في ذلك كما خالف فضيلة الشيخ أبو بكر محمود جومي عضو المجلس بالنسبة للقادمين من سواكن إلى جدة فقط وعلى هذا جرى التوقيع والله ولي التوفيق.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 14231
[توقيع] [اعتذر لمرضه]
نائب الرئيس رئيس مجلس المجمع الفقهي
محمد علي الحركان. عبد الله بن حميد
الأعضاء
[توقيع] ... [توقيع] ... [توقيع]
عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... محمد بن عبد الله السبيل ... مصطفى أحمد الزرقاء
[تخلف عن الحضور] ... [توقيع] ... [توقيع]
أبو الحسن علي الحسني الندوي ... محمد رشيد قباني ... محمد محمود الصواف
[تخلف عن الحضور] ... [حضر بعض الجلسات واعتذر] ... [توقيع]
مبروك العوادي ... عبد القدوس الهاشمي ... أبو بكر محمود جومي
[تخلف عن الحضور] ... [توقيع] ... [توقيع]
محمود شيت خطاب ... صالح بن عثيمين ... محمد الشاذلي النيفر
[توقيع] ... [تخلف عن الحضور] ... [توقيع]
محمد رشيدي ... حسنين محمد مخلوف ... محمد سالم عدود
[مقرر المجمع الفقهي الإسلامي]
محمد عبد الرحيم الخالد
стр. 14232
من قرارت مجلس مجمع الفقه الإسلامي
التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي
قرار رقم (٧)
بشأن
(الإحرام للقادم للحج والعمرة بالطائرة والباخرة)
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من ٨ - ١٣ صفر ١٤٠٧ هـ / ١١ إلى ١٦ أكتوبر ١٩٨٦ م.
بعد اطلاعه على البحوث المقدمة بخصوص موضوع "الإحرام للقادم للحج والعمرة بالطائرة والباخرة".
قرر:
أن المواقيت المكانية التي حددتها السنة النبوية يجب الإحرام منها لمريد الحج أو العمرة، للمار عليها أو للمحاذي لها أرضا أو جوا أو بحرا لعموم الأمر بالإحرام منها في الأحاديث النبوية الشريفة. والله أعلم
стр. 14233
صفحة فارغة
стр. 14234
حكم من يسخر من القرآن وأهله
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله. . والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه:
أما بعد: لقد اطلعت على ما نشرته مجلة الدعوة في عددها الصادر في يوم الاثنين الموافق ٢٧/ ١ / ١٣٩٧ هـ تحت عنوان "صحيفة محلية تسخر من القرآن وأهله" ثم ذكرت تحت هذا العنوان ما نصه: وطلعت علينا الصحيفة المشار إليها في عددها الصادر بتاريخ ٧/ ٤ / ١٣٩٦ هـ لتسخر من القرآن وأهله ولتقول ما نصه:
"والرجال يعتقدون أن المرأة كائن آخر. والمرأة في تعبيرهم ناقصة عقل ودين وهم يعتقدون أن الرجال قوامون على النساء" انتهى ما نقلته مجلة الدعوة.
ولقد دهشت لهذا المقال الشنيع واستغربت جدا صدور ذلك في مهبط الوحي وتحت سمع وبصر دولة إسلامية تحكم الشريعة الإسلامية وتدعو إليها، وعجبت كثيرا من جرأة القائمين على هذه الجريدة حتى نشروا هذا المقال الذي هو غاية في الكفر والضلال والاستهزاء بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ والطعن فيهما، وليس هذا ببدع من القائمين على هذه الصحيفة، فقد عرفت بنشر المقالات الداعية إلى الفساد والإلحاد والضرر العظيم على المجتمع. كما عرفت بالحقد على علماء الإسلام والاستطالة في أعراضهم والكذب عليهم، لأنه ليس لدى القائمين عليها وازع إيماني ولم تردع بوازع سلطاني فلهذا أقدمت على
стр. 14235
ما أقدمت عليه من الكفر والضلال في هذا المقال الذي لا يقوله ولا ينشره من يؤمن بالله واليوم الآخر. ولا يقوله وينشره من يحترم كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
ولمزيد التثبت والرغبة في الوقوف على أصل المقال ومعرفة من قاله، طلبت الصحيفة المذكورة المنشور فيها هذا المقال، فأحضرت لي، فألفيتها قد نشرت ما نقلته عنها مجلة الدعوة حرفيا ونسبت ذلك إلى من سمت نفسها (أمل بنت فلان) ولم تعلق الصحيفة شيئا في إنكار هذا المقال فعلم بذلك رضاها به وموافقتها عليه. ومعلوم أن الذي جعل الرجال قوامين على النساء هو الله في قوله تعالى في سورة النساء: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (١) فالطعن في قوامة الرجال على النساء اعتراض على الله سبحانه وطعن في كتابه الكريم وفي شريعته الحكيمة وذلك كفر أكبر بإجماع علماء الإسلام كما نص على ذلك غير واحد من أهل العلم منهم القاضي عياض في كتابه (الشفاء) كما أن الذي وصف النساء بنقصان العقل والدين هو النبي ﷺ وذكر ﵊ أن من نقصان عقلها أن شهادة المرأتين تعدل شهادة الرجل الواحد وذكر أن من نقص دينها أنها تمكث الليالي والأيام لا تصلي وتفطر في رمضان بسبب الحيض، وإن كان هذا النقصان ليس عليها فيه إثم، ولكنه نقصان ثابت معقول لا شك فيه ولا اعتراض على الرسول ﷺ في ذلك لأنه أصدق الناس فيما يقول وأعلمهم بشرع الله وأحوال عباده. فالطاعن عليه في ذلك طاعن في نبوته ورسالته ومعترض على الله سبحانه في تشريعه وذلك كفر وضلال لا ينازع فيه أحد من أهل العلم والإيمان، والأدلة النقلية والعقلية والشواهد من الواقع ومن معرفة ما جبل الله عليه المرأة وميزها به عن الرجل، كل ذلك يؤيد ما أخبر الله به سبحانه من قوامة الرجال على النساء وفضلهم عليهن، وما أخبر به النبي ﷺ من نقصان عقل المرأة ودينها بالنسبة إلى الرجل.
стр. 14236
ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون كل فرد من أفراد الرجال أفضل ولا أعقل من كل فرد من أفراد النساء، وكم لله من امرأة أفضل وأعلم وأعقل من بعض الرجال، وإنما المراد تفضيل الجنس على الجنس وبيان أن هذا أكمل من هذا والأدلة القطعية شاهدة بذلك كما سبق. وقد اتضح من كلام صاحبة المقال (أمل المذكورة) أنها أرادت من طعنها على قوامة الرجال على النساء ومن اعتراضها على نقصهن في العقل والدين أن ذلك يسبب انقسام المجتمع وعدم ترابطه وتعاونه وذلك يؤيد ما ذكرنا آنفا من كون المقصود بالمقال المذكور هو الطعن في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ واتهامهما بأنهما سبب التخلف وانقسام المجتمع وعدم تعاونه. ولا شك أن هذا من أوضح الكذب وأبطل الباطل. وليس في اعتقاد ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في قوامة الرجال على النساء ونقص عقول النساء ودينهن ما يوجب الضرر على المجتمع الإسلامي وانقسامه وعدم ترابطه وتعاونه، بل ذلك من تزيين الشيطان وإيحائه إلى أوليائه من الجهال والمشركين ومن سار في ركابهم، كما أنه لا يلزم من ذلك إهدار المرأة من حساب المجتمع ولا إعفاؤها من المشاركة فيما يصلح المجتمع من النصيحة لله ولعباده والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الحق وغير ذلك من الأمور الواجبة على الجميع بل هي مأمورة بذلك ومفروض عليها القيام بما تستطيع في هذا السبيل كما قال الله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقد قبل
стр. 14237
النبي ﷺ مشورة أم سلمة يوم الحديبية وحصل بذلك نفع كبير، وقصة خديجة ﵂ في بدء الوحي وما حصل بها من الخير والتفريج عن النبي ﷺ معروفة لدى أهل العلم والوقائع من هذا النوع في التاريخ الإسلامي كثيرة.
وإنه لعجب عظيم أن يجترئ أصحاب هذه الصحيفة على نشر هذا المقال مع انتسابهم للإسلام وقبضهم المعونات السخية من دولة الإسلام لتشجيع صحيفتهم واستمرار صدورها. ولكن لا عجب في الحقيقة فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت (١)» وفي الأمثال السائرة المتداولة: من أمن العقاب أساء الأدب، وقد روي عن عمر وعثمان ﵄ أنهما قالا: "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. وإن هذه الصحيفة قد تجاوزت الحدود واجترأت على محاربة الدين والطعن فيه بهذا المقال الشنيع جرأة لا يجوز السكوت عنها، ولا يحل لوزارة الإعلام ولا للحكومة الإغضاء عنها بل يجب قطعا معاقبتها معاقبة ظاهرة بإيقافها عن الصدور ومحاكمة صاحبة المقال والمسئول عن تحرير الصحيفة وتأديبهما تأديبا رادعا واستتابتهما عما حصل منهما لأن هذا المقال يعتبر من نواقض الإسلام ويوجب كفر وردة من قاله أو اعتقده أو رضي به لقول الله سبحانه: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (٢) ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٣). . . الآية، فإن تابا وإلا وجب قتلهما لكفرهما وردتهما. ولا يخفى على ذوي العلم والإيمان أن هذا الإجراء من أهم الواجبات لما فيه من الحماية لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وشريعة الله الكاملة ولما في ذلك أيضا من ردع كل من تسول له نفسه أن يفعل ما فعلته هذه الصحيفة ويجترئ على ما اجترأت عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 14238
بيان لهيئة كبار العلماء بشأن ما كتب
لولي الأمر عن بعض الأمور
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. . أما بعد:
فإن مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الاستثنائية المنعقدة في الرياض في يومي ١٨ و١٩/ ١١ / ١٤١١ هـ حرصا منه على خير الأمة وسعادتها وسعيا منه لدرء الأخطار والكوارث والمصائب عنها. وعملا بقول النبي ﷺ : «الدين النصيحة قيل لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (١)» وبما ورد في صحيحي البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: «بايعت النبي ﷺ على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم (٢)» وبما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثا أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم (٣)».
إن المجلس عملا بهذه الأدلة وغيرها مما هو في معناها ليؤكد على عظم أمر النصيحة والاهتمام بها والتواصي بالحق والدعوة إلى الخير وبيانه والتحذير من الشر وبواعث الفتنة وسد أبوابها وإن الواجب على كل مسلم الأخذ بمبدأ النصيحة بشروطها وآدابها والبعد عن الخروج بها إلى الطريق الوعر والمركب الصعب الذي يخرجها عن النصح الخالص إلى التهييج واستثارة المشاعر والسكوت عن المحاسن والشكر عليها. وهذا بعيد عن الأدب النبوي في النصح
стр. 14239
والإرشاد، وإن من آداب النصح لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم اتباع طريق الحكمة في ذلك حتى تكون النصيحة خالصة غير خارجة عن منهج السلف الصالح مثمرة ثمراتها مؤكدة التعاون بين الأمة وقادتها موجدة محبة متبادلة وثقة بالناصحين وعملا من الولاة.
ومن المعلوم أن مقتضى النصح لعامة المسلمين أن يحب المرء لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكرهه لها وأن يشفق عليهم ويرحم صغيرهم ويوقر كبيرهم ويحزن لحزنهم ويفرح بفرحهم وأن يحب ما يصلحهم ويديم النعم عليهم والنصر لهم على عدوهم ودفع كل أذى ومكروه عنهم. كما أن النصح لأئمة المسلمين يكمن في إرشادهم سرا بينهم وبين ناصحيهم مع حب صلاحهم ورشدهم وعدلهم وحب اجتماع الأمة عليهم وكراهة افتراق الأمة عليهم. كما أن طاعتهم في المعروف طاعة لله والتعاون معهم في طاعة الله عز للإسلام وأهله. وإن المجلس ليذكر الجميع بوجوب شكر هذه النعمة التي نعيشها من الأمن والاستقرار واجتماع الكلمة وما من الله به من دفع الشرور عن هذه البلاد وذلك مما يحتم التعاون على البر والتقوى والاستقامة على الحق.
وبناء على كل ما تقدم وأخذا بمبدأ درء المفاسد وجلب المصالح وقياما بالواجب الملقى على كل من ولاه الله مسئولية في هذه الأمة وحفظا لحق الراعي والرعية. وبعد اطلاع المجلس على ما تناقلته بعض وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة وما تداولته بعض الأيدي حول ما كتب لولي الأمر عن أمور يراد تحقيقها، فإن مجلس هيئة كبار العلماء يستنكر الطريقة التي سلكت في نشر وتوزيع ما كتب في ذلك ويحذر من مغبة تكرار مثل ذلك مستقبلا ويرى أن الطريقة التي استخدمت في نشر وتوزيع ذلك لا تخدم المصلحة ولا تحقق التعاون على البر والتقوى. وإن المجلس يوصي الجميع بتقوى الله في السر والعلن
стр. 14240
ومراقبته في جميع الأقوال والأفعال. ويسأل الله للجميع التوفيق والسداد في القول والعمل إنه خير مسئول. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة
عبد العزيز بن صالح
عبد الله خياط ... سليمان بن عبيد ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز (لم يحضر لظروفه الصحية لم يحضر لظروفه الصحية)
عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... محمد بن إبراهيم بن جبير (لم يحضر لظروفه الصحية)
صالح بن علي بن غصون ... عبد المجيد حسن ... راشد بن صالح بن خنين (لم يحضر لظروفه الصحية)
عبد الله بن سليمان المنيع ... صالح بن محمد اللحيدان ... عبد الله بن عبد الرحمن الغديان (لم يحضر لظروفه الصحية)
صالح بن فوزان الفوزان ... محمد بن صالح العثيمين ... عبد الله بن عبد الرحمن البسام
حسن بن جعفر العتمي ... عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ ... -
стр. 14241
حديث شريف
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة قال فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين (١)»
" رواه البخاري "
المشرف العام
سماحة الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
لجنة الإشراف
الدكتور
عبد العزيز بن محمد العبد المنعم
الدكتور
عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين
الشيخ
أحمد بن عبد الرزاق الدويش
الدكتور
محمد بن سعد الشويعر
стр. 14244
مجلة البحوث الإسلامية
مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - الرياض
الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء
رئيس التحرير
د. محمد بن سعد الشويعر
مجلة فصلية تعنى بالبحوث الإسلامية
تصدر كل أربعة أشهر مؤقتا
стр. 14245
المحتويات
الافتتاحية:
نصيحة مهمة عامة حول بعض الأمور المنكرة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧
بحث اللجنة:
تدوين الراجح من أقوال الفقهاء لإلزام القضاة العمل به (القسم الثالث) اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٩
الفتاوى:
فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٥٣
فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ١٠٥
البحوث:
تحقيق كتاب وجوب إخراج الزكاة على الفور د. عبد الله بن محمد الطريقي ١١٩
تفسير سورة الناس: د. فهد بن عبد الرحمن الرومي ١٤٣
فضل الزراعة في الإسلام د. أحمد عبد الغني مزهر ١٨١
стр. 14246
جرير بن عبد الله البجلي اللواء محمود شيت خطاب ٢١٥
ولاية تزويج الصغيرة د. عبد الله بن عبد العزيز الجبرين ٢٤٩
حكمة الزواج ومنافعه د. رجب سعيد شهوان ٢٨٥
من قرارات المجامع الفقهية ٣٢١
نصح وتذكير بفريضة الزكاة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٣٣
وجوب التعاون على البر والتقوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٣٩
стр. 14247
صفحة فارغة
стр. 14248
الافتتاحية
نصيحة مهمة عامة
" حول بعض الأمور المنكرة التي وقع فيها كثير من الناس "
سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه:
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يطلع عليه من المسلمين، وفقني الله وإياهم للفقه في الدين وسلك بي وبهم صراطه المستقيم.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد:
فهذه نصيحة أردت منها التنبيه على بعض الأمور المنكرة التي وقع فيها كثير من الناس جهلا منهم، وتلاعبا من الشيطان بأفكارهم وعقولهم، واتباعا للهوى من بعض من فعلها.
ومن تلك الأمور ما بلغني أن بعض الناس يدعو إلى عبادة نفسه، ويدعي أمورا توهم العامة أن له تصرفا في الكون وأنه يصلح أن يدعى للنفع والضر، وهذا من هؤلاء الضالين تشبه بفرعون وأشباهه من المجرمين الكافرين، والله سبحانه هو المستحق للعبادة ولا يستحقها سواه لكمال قدرته وعلمه وغناه عن خلقه. والعبادة لله وحده هي الغاية التي من أجلها أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب وخلق من أجلها الثقلان، وقام سوق الجهاد قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) وقال :
стр. 14249
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ (١) ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٣)، وقال : ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٥)، وقال : ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٦)، وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٧)، وقال سبحانه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٨)، وقال : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٩) فعلم من هذه الآيات وغيرها أن عبادة غير الله أو عبادة غيره معه من الأنبياء والأولياء والأصنام والأشجار والأحجار شرك بالله ينافي توحيده الذي من أجله خلق الله الثقلين، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب لبيانها والدعوة إليها، وهذا هو معنى لا إله إلا الله.
فإن معناها لا معبود حق إلا الله. فهي تنفي العبادة عن غير الله وتثبتها له وحده كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (١٠)
стр. 14250
وهذا هو أصل الدين وأساس الملة، ولا تصح العبادات إلا بعد صحة هذا الأصل كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١)، وقال: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)، ومن أجل هذا الأمر العظيم أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب لبيان التوحيد والدعوة إليه والتحذير من صرف العبادة لغير الله سبحانه، كما قال : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣) الآية، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٤)، وقال : ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (٥)، وقال سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٦)، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ «أنه سئل أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك (٧)» والند هو النظير والمثيل، فكل من دعا غير الله أو عبد غير الله أو استغاث به أو نذر له أو ذبح أو صرف له شيئا من العبادة فقد اتخذه ندا لله، سواء كان نبيا أو وليا أو ملكا أو جنيا أو صنما أو غير ذلك؛ لأن العبادة لله وحده لا يستحقها سواه. وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟