خالدون فيها أبدا؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (١) ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ (٢) يعني آمنين من الموت، وآمنين من الخروج، وآمنين من الأمراض؛ ولهذا قال بعد ذلك: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (٣) ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ (٤)، فهم فيها دائمون ولا يخرجون ولا يموتون، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ (٥) ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (٦) ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (٧) ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ (٨) ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ (٩) ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ (١٠) ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١١)، فأخبر سبحانه أن أهل الجنة في مقام أمين لا يعتريه خراب ولا زوال وأنهم آمنون أيضا لا خطر عليهم من موت ولا مرض ولا خروج ولا يموتون أبدا.
فقوله: إلا ما شاء ربك قال بعض أهل العلم: معناه مدة مقامهم في القبور ليسوا في الجنة، وإن كان المؤمن في روضة من رياض الجنة لكنها ليست هي الجنة ولكنه شيء منها فإنه يفتح للمؤمن وهو في قبره باب إلى الجنة يأتيه من ريحها وطيبها ونعيمها وينقل بعد ذلك إلى الجنة فوق السماوات في أعلى شيء.
وقال بعضهم: إلا ما شاء ربك يعني مدة إقامتهم في موقف القيامة للحساب والجزاء وذلك بعد خروجهم من القبور فإنهم بعد ذلك ينقلون إلى الجنة، وقال بعضهم: مجموع الأمرين مدة بقائهم في القبور ومدة بقائهم في الموقف ومرورهم على الصراط في كل هذه الأماكن ليسوا في الجنة لكنهم ينقلون منها إلى الجنة. ومن هذا يعلم أن المقام مقام واضح ليس فيه شبهة ولا شك، فأهل الجنة في الجنة أبد الآباد ولا موت ولا مرض ولا خروج
стр. 14387
ولا كدر ولا حزن ولا حيض ولا نفاس بل في نعيم دائم وخير دائم، وهكذا أهل النار يخلدون فيها أبد الآباد ولا يخرجون منها كما قال في حقهم: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ (١)، والآيات في هذا المعنى كثيرة، أما قوله في حقهم: إلا ما شاء ربك فقيل: إن المراد بذلك مقامهم في القبور، وقيل: مقامهم في الموقف وهم بعد ذلك يساقون إلى النار ويخلدون فيها أبد الآباد كما قال تعالى في حقهم في سورة البقرة: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (٢)، وقال سبحانه في سورة المائدة: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (٣)، والله ولي التوفيق.
...
стр. 14388
س: هل يجوز أن أختم القرآن الكريم لوالدي علما أنهما أميان لا يقرآن ولا يكتبان؟ وهل يجوز أن أختم القرآن لشخص يعرف القراءة والكتابة ولكن أريد إهداءه هذه الختمة؟ وهل يجوز لي أن أختم القرآن لأكثر من شخص. .؟
ج: لم يرد في الكتاب العزيز ولا في السنة المطهرة عن رسول الله ﷺ ، ولا عن صحابته الكرام ما يدل على شرعية إهداء تلاوة القرآن الكريم للوالدين ولا لغيرهما وإنما شرع الله قراءة القرآن للانتفاع به والاستفادة منه وتدبر معانية والعمل بذلك. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٢)،
стр. 14389
وقال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (١)، وقال نبينا ﵊: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي شفيعا لأصحابه يوم القيامة (٢)»، ويقول ﷺ : «إنه يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن أصحابهما (٣)» المقصود أنه أنزل للعمل به وتدبره والتعبد بتلاوته والإكثار من قراءته لا لإهدائه للأموات أو غيرهم، ولا أعلم في إهدائه للوالدين أو غيرهم أصلا يعتمد عليه، وقد قال ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٤)»، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك، وقالوا: لا مانع من إهداء ثواب القرآن وغيره من الأعمال الصالحات وقاسوا ذلك على الصدقة والدعاء إلى الأموات وغيرهم، ولكن الصواب هو القول الأول للحديث المذكور وما جاء في معناه، ولو كان إهداء التلاوة مشروعا لفعله السلف الصالح. والعبادة لا يجوز فيها القياس لأنها توقيفية لا تثبت إلا بالنص من كلام الله أو من سنة رسوله ﷺ للحديث السابق وما جاء في معناه. أما الصدقة عن الأموات وغيرهم والدعاء لهم والحج عن الغير ممن قد حج عن نفسه وهكذا العمرة عن الغير ممن قد اعتمر عن نفسه، وهكذا قضاء الصوم عمن مات وعليه صيام فكل هذه العبادات قد صحت بها الأحاديث عن رسول الله ﷺ . . والله ولي التوفيق. .
стр. 14390
حكم بيع واقتناء الحيوانات المحنطة
س: ما حكم اقتناء الحيوانات والطيور المحنطة وما حكم بيع ما ذكر؟ وهل هناك فرق بين ما يحرم اقتناؤه حيا وما يجوز اقتناؤه حيا في حالة التحنيط؟ وما الذي ينبغي على المحتسب حيال تلك الظاهرة؟
ج: اقتناء الطيور والحيوانات المحنطة سواء ما يحرم اقتناؤه حيا أو ما جاز اقتناؤه حيا فيه إضاعة للمال وإسراف وتبذير في نفقات التحنيط، وقد نهى الله عن الإسراف والتبذير، ونهى النبي ﷺ عن إضاعة المال؛ ولأن ذلك وسيلة إلى تصوير الطيور وغيرها من ذوات الأرواح، وتعليقها ونصبها في البيوت أو المكاتب وغيرها، وذلك محرم فلا يجوز بيعها ولا اقتناؤها، وعلى المحتسب أن يبين للناس أنها محرمة وأن يمنع ظاهرة تداولها في الأسواق، وقد وقع الشرك في قوم نوح بسبب تصوير ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وكانوا رجالا صالحين في قوم نوح ماتوا في زمن متقارب، فزين الشيطان لقومهم أن يصوروا صورهم وينصبوها في مجالسهم ففعلوا فوقع الشرك في قوم نوح بسبب ذلك كما ذكر ذلك البخاري ﵀ في صحيحه عن ابن عباس ﵄، وذكر ذلك غيره من المفسرين والمحدثين والمؤرخين، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 14391
هل الوصية واجبة وما نصها الشرعي ؟
س: هل كتابة الوصية واجبة، وهل يلزم لها شهود، وحيث إنني لا أعرف النص الشرعي أرجو إرشادي إليه، جزاكم الله خيرا؟
ج: تكتب الوصية حسب الصيغة التالية: أنا فلان بن فلان أو فلانة بنت فلان أوصي بأني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وأوصي من تركت من أهلي وذريتي وسائر أقاربي بتقوى الله وإصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله والتواصي بالحق والصبر عليه، وأوصيهم بمثل ما أوصى به إبراهيم ﵊ بنيه ويعقوب: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١) ثم يذكر ما يرغب أن يوصي به من ثلث ماله أو أقل من ذلك أو مال معين لا يزيد على الثلث، ويبين مصارفه الشرعية، ويذكر الوكيل على ذلك. والوصية ليست واجبة بل مستحبة إذا أحب أن يوصي بشيء لما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده (٢)» لكن إذا كانت عليه ديون أو حقوق ليس عليها وثائق تثبتها لأهلها وجب عليه أن يوصي بها حتى لا تضيع حقوق الناس، وينبغي أن يشهد على وصيته شاهدين عدلين، وأن يحررها لدى من يوثق بتحريره من أهل العلم حتى يعتمد عليها، ولا ينبغي أن يكتفي بخطه فقط؛ لأنه قد يشتبه خطه على الناس، وقد لا يتيسر من يعرفه من الثقات، والله ولي التوفيق.
стр. 14392
حكم الإسبال إذا كان عادة وليس خيلاء
س: الأخ الذي رمز لاسمه (أبو محمد) من الزلفى من المملكة العربية السعودية يقول في سؤاله في الحديث: إن الرسول ﷺ قال في حديث ما معناه: إن الذي يسبل ثيابه في النار، فنحن ثيابنا تحت الكعبين وليس قصدنا التكبر ولا الافتخار وإنما هي عادة اعتدنا عليها فهل فعلنا هذا حرام؟ وهل الذي يسبل ثيابه وهو مؤمن بالله يكون في النار أرجو الإفادة، جزاكم الله خيرا؟
ج: لقد ثبت عن رسول ﷺ أنه قال: «ما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار (١)» رواه الإمام البخاري في صحيحه، وقال ﵊: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل إزاره، والمنان في ما أعطى، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب (٢)» أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وهي تدل على تحريم الإسبال مطلقا، ولو زعم صاحبه أنه لم يرد التكبر والخيلاء؛ لأن ذلك وسيلة للتكبر، ولما في ذلك من الإسراف وتعريض الملابس للنجاسات والأوساخ، أما إن قصد بذلك التكبر فالأمر أشد والإثم أكبر؛ لقول النبي ﷺ : «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة (٣)»، والحد في ذلك هو الكعبان فلا يجوز للمسلم الذكر أن تنزل ملابسه عن الكعبين للأحاديث المذكورة، أما الأنثى فيشرع لها أن تكون ملابسها ضافية تغطي قدميها، وأما ما ثبت عن الصديق ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : «إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده، فقال له النبي ﷺ : إنك لست ممن يفعله خيلاء (٤)» فالمراد بذلك أن من استرخى إزاره بغير
стр. 14393
قصد وتعاهده وحرص على رفعه لم يدخل في الوعيد لكونه لم يتعمد ذلك، ولم يقصد الخيلاء ولم يقصد ذلك بل تعاهد رفعه وكفه.
وهذا بخلاف من تعمد إرخاءه فإنه متهم بقصد الخيلاء وعمله وسيلة إلى ذلك، والله سبحانه هو الذي يعلم ما في القلوب، والنبي ﷺ أطلق الأحاديث في التحذير من الإسبال وشدد في ذلك ولم يقل فيها إلا من أرخاها بغير خيلاء، فالواجب على المسلم أن يحذر ما حرم الله عليه، وأن يبتعد عن أسباب غضب الله وأن يقف عند حدود الله يرجو ثوابه ويخشى عقابه عملا بقول الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١)، وقوله : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢) ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٣).
وفق الله المسلمين لكل ما فيه رضاه وصلاح أمرهم في دينهم ودنياهم إنه خير مسئول.
стр. 14394
س: ما هي الأشياء التي تستطيع المرأة المسلمة كشفها أمام المرأة الكافرة كالبوذية مثلا؟ وهل صحيح أنه لا يجوز لها إلا كشف وجهها؟
ج: الصحيح أن المرأة تكشف للمرأة سواء كانت مسلمة أو كافرة ما فوق السرة وتحت الركبة، أما ما بين السرة والركبة فهو عورة في حق الجميع لا تراه المرأة من المرأة سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة قريبة أو بعيدة، كالعورة للرجل مع الرجال، فللمرأة أن ترى من المرأة صدرها ورأسها وساقها ونحو ذلك كالرجل يرى من الرجل صدره وساقه ورأسه وأما قول بعض أهل العلم: إن المرأة الكافرة لا تكشف لها المؤمنة فهو قول مرجوح في أصح قولي العلماء
стр. 14395
لأن اليهوديات كن في عهد النبي ﷺ ، وهكذا الوثنيات يدخلن على أزواج النبي ﷺ لحاجتهن، ولم يحفظ أنهن كن يتحجبن منهن وهن أتقى النساء وأفضلهن.
стр. 14396
س: من تجب تغطية الوجه عنه؟
ج: تجب تغطية الوجه عن الرجل الأجنبي وهو من ليس محرما للمرأة في أصح قولي العلماء، سواء كان الأجنبي ابن عم أو ابن خال أو من الجيران أو من غيرهم لقوله تعالى يخاطب المسلمين في عهد رسول الله ﷺ ومن يأتي بعدهم: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (١).
وهذا يعم أزواج النبي ﷺ وغيرهن من المؤمنات كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (٢) والجلباب ما يوضع على الرأس والوجه فوق الثياب وهو الذي تغطي به النساء الرأس والوجه والبدن كله، وما يوضع على الرأس يقال له خمار فالمرأة تغطي بالجلباب رأسها ووجهها وجميع بدنها فوق الثياب كما تقدم. وقال الله جل وعلا: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ (٣) الآية. فقوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٤) فسره ابن مسعود ﵁ وجماعة بالملابس الظاهرة وفسره قوم بالوجه والكعبين، والأول أصح لأنه موافق للأدلة الشرعية وللآيتين السابقتين، وحمل بعضهم قول من فسره بالوجه والكفين أن هذا كان قبل وجوب الحجاب لأن المرأة كانت في أول الإسلام تبدي وجهها وكفيها للرجال ثم نزلت آية الحجاب
стр. 14397
فمنعن من ذلك ووجب عليهن ستر الوجه والكفين في جميع الأحوال، ثم قال سبحانه: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (١) والخمر جمع خمار وهو ما يستر به الرأس وما حوله سمي خمارا لأنه يستر ما تحته كما سميت الخمر خمرا لأنها تستر العقول وتغيرها، والجيب الشق الذي يخرج منه الرأس فإذا ألقت الخمار على وجهها ورأسها فقد سترت الجيب، وإذا كان هناك شيء من الصدر سترته أيضا، ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (٢) إلى آخر الآية، والزينة تشمل الوجه والرأس وبقية البدن فيجب على المرأة أن تغطي هذه الزينة حتى لا تفتن ولا تفتن، ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: لما سمعت صوت صفوان بن معطل فخمرت وجهي وكان قد رآني قبل الحجاب فعلم بذلك أن النساء بعد نزول آية الحجاب مأمورات بستر الوجه وأنه من الحجاب المراد في الآية الكريمة وهي قوله : ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (٣) (الآية)، وأما ما رواه أبو داود عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال في شأن أسماء: «إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا (٤)» وأشار إلى وجهه وكفيه، فهو حديث ضعيف لا يجوز الاحتجاج به لعلل كثيرة منها انقطاعه بين عائشة والراوي عنها، ومنها ضعف بعض رواته وهو سعيد بن بشير، ومنها تدليس قتادة ﵀ وقد عنعن، ومنها مخالفته للأدلة الشرعية من الآيات والأحاديث الدالة على وجوب تحجب المرأة في وجهها وكفيها وسائر بدنها، ومنها أنه لو صح وجب حمله على أن ذلك قبل نزول آية الحجاب جمعا بين الأدلة. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 14398
س: ما حكم ما أعلن في مؤتمر عقد في أمريكا، ومن ضمن توصياته التنبيه على بعض المنتجات لأنها تحوي لحم الخنزير، ومن تلكم المنتجات صابون ومعجون وجبن. . إلخ مع رجاء التوجيه، وهل لديكم علم عن هذا
стр. 14399
المؤتمر وعن تلكم المنتجات؟
ج: قد وجه إلينا أسئلة عن هذه الأشياء التي ذكرها السائل من المنتجات، وما حصل في هذا المؤتمر وأحيل إلى الجهات المختصة هنا في المملكة، فذكرت أنه لم يرد إلى المملكة شيء من ذلك، ولم يثبت لدينا شيء في ذلك يخالف ما ذكرته الجهات المختصة في المملكة، مما يدعى أنه من لحم الخنزير أو من شحمه فيما يرد إلى هذه المملكة من طعام أهل الكتاب، والأصل الحل حتى يثبت ما يخالف ذلك لقول الله : ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١). والله ولي التوفيق.
стр. 14400
س: ما حكم استعمال بعض العطور التي تحتوي على شيء من الكحول؟
ج: الأصل حل العطور والأطياب التي بين الناس إلا ما علم أن به ما يمنع استعماله لكونه مسكرا أو يسكر كثيره أو به نجاسة ونحو ذلك، وإلا فالأصل حل العطور التي بين الناس كالعود والعنبر والمسك. . . إلخ، فإذا علم الإنسان أن هناك عطرا فيه ما يمنع استعماله من مسكر أو نجاسة ترك ذلك ومن ذلك الكلونيا، فإنه ثبت عندنا بشهادة الأطباء أنها لا تخلو من المسكر ففيها شيء كبير من الاسبيرتو وهو مسكر، فالواجب تركها إلا إذا وجد منها أنواع سليمة، وفيما أحل الله من الأطياب ما يغني عنها والحمد لله، وهكذا كل شراب أو طعام فيه مسكر يجب تركه، والقاعدة أن ما أسكر كثيره فقليله حرام كما قال الرسول ﷺ : «ما أسكر كثيره فقليله حرام (١)». . والله ولي التوفيق.
стр. 14401
س: المسك ودهن العود أو الورد ونحو ذلك من أنواع الطيب إذا استخدمته المرأة وكانت رائحته واضحة، فما حكم استعمالها خاصة إذا خرجت
стр. 14402
المرأة من منزلها، وهل يعتبر تكريم الزائرات بتبخيرهن وتعطيرهن في حكم ذلك؟
ج: خروج المرأة بالطيب إلى الأسواق أمر ممنوع، وليس لها أن تخرج بذلك ولا أن تعين الزائرات والضيوف بذلك بل عليها أن تنصح وأن تقول: نود أن نطيبكم ولكن خروج المرأة بالطيب إلى الأسواق أمر ممنوع، وبذلك تجمع بين النصيحة وترك ما حرم الله فعله.
стр. 14403
صفحة فارغة
стр. 14404
فصل في وجوب إخراج الزكاة على الفور
للشيخ الحافظ زين الدين أبي الفرج
عبد الرحمن بن أحمد بن رجب - رحمه الله تعالى
٧٣٦ هـ - ٧٩٥ هـ
تحقيق: د. عبد الله بن محمد بن أحمد الطريقي (١).
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فمن أشرف العلوم وأفضلها علوم الكتاب والسنة بدراستهما ولتدبر معانيهما، والعمل بمقتضى ما جاء بهما، وعلى ذلك نشأ علماء هذه الأمة الذين خلفوا تراثا علميا عظيما من العلوم والمعارف التي لا تحصى.
وقد حرص فقهاء هذه الأمة - عليهم رحمة الله - أن يبينوا أحكام هذا الدين وأن يخرجوها للناس يانعة شهية، وقد أثمرت جهودهم في خدمة العلوم الشرعية؛ وذلك لسلامة النية وإخلاص العمل.
وقد كان من هؤلاء العلماء الشيخ الحافظ زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد المشهور بابن رجب - عليه رحمة الله - فقد خدم العلم
стр. 14405
خدمة جليلة حيث ألف الكتب الكثيرة في أصناف شتى من العلوم والمعارف، وهذا يدل على غزارة علمه، ونباهة شأنه، وطول باله، وكثرة اطلاعه. ونظرا لبلوغه هذا الشأن في خدمة العلم فقد كتب وألف الكتب الكبار ولم يقتصر على ذلك فقد كتب أيضا عن بعض المسائل الفقهية الدقيقة كهذا الفصل في وجوب إخراج الزكاة على الفور، ونظرا لما في هذا الموضوع من فائدة علمية مفيدة رغبت أن يتم نشره لتعم فائدته، وذلك لما علم من مؤلفه من أنه محدث وفقيه جمع بين الحديث والفقه، وهذه طريقة الحفاظ الذين حفظوا الأحاديث وتفقهوا فيها في فهمها ومعناها وفقه أحكامها، ووجه دلالاتها. نسأل الله العلم النافع المتبوع بالعمل الصالح إنه حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 14406
ترجمة موجزة للمؤلف .
هو الإمام الحافظ العلامة زين الدين وجمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن الملقب بـ (رجب) بن الحسن بن محمد بن أبي البركات سعود البغدادي الدمشقي الحنبلي.
ولد عبد الرحمن بن رجب في بغداد سنة ٧٣٦ هـ، ونشأ في أسرة علمية قدم من بغداد مع والده إلى دمشق وهو صغير سنة ٧٤٤ هـ، واشتغل بالحديث باعتناء والده.
طلبه للعلم:
نشأ ابن رجب في أسرة علمية، وقد كان أول طلبه للعلم على جده وعلى والده، فقد كان يجالس العلماء ويستقي منهم العلم.
وقد التقى بكبار العلماء، فسمع بدمشق من محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ابن الخباز (ت ٧٥٦ هـ)، وإبراهيم بن داود العطار (ت ٧٥٢ هـ).
وسمع بمصر من أبي الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم الميدوني (ت ٧٥٤ هـ)، وأبي الحرم محمد بن محمد القلانسي الحنبلي (ت ٧٦٥ هـ)، وغيرهما.
وسمع بمكة من الفخر عثمان بن يوسف بن أبي بكر النووي الفقيه المالكي (ت ٧٥٦ هـ).
стр. 14407
كما رافق زين الدين العراقي (ت ٨٠٦ هـ)، ثم لازم الإمام ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ).
قال ابن حجر في الدرر الكامنة (١): (وأكثر من المسموع وأكثر الاشتغال حتى مهر. . . وقرأ القرآن بالروايات وأكثر الشيوخ، وخرج لنفسه مشيخة مفيدة) ا. هـ.
وقد نبغ في علم الحديث وتخصص في فنونه وقصده الوافدون للاستفادة من علمه وفهم صناعة الأسانيد وفن العلل.
وأما في الفقه فقد برع فيه كذلك حتى صار من أعلام المذهب الحنبلي يشهد لذلك كتابه (القواعد الفقهية) الذي يدل على معرفته بالفقه وأصوله.
مع أنه لم يقتصر على علمي الحديث والفقه، بل تناول كثيرا من الفنون فقد ألف في التاريخ والتفسير والوعظ. . . وغيرها.
وقد اقتصر على العلم والعبادة فكان لا يعرف شيئا من أمور الناس ولا يتردد على أحد من ذوي الولايات.
مؤلفاته:
ذكر المؤرخون لابن رجب الكثير من الكتب والتصانيف الجيدة المفيدة، منها الكبير كشرح سنن الترمذي، ومنها الصغير الذي لا يتجاوز عددا من الورقات، وهي متنوعة في فنون عدة في الحديث والتفسير والفقه والوعظ والتاريخ. . . وغيرها.
قال عنه الحافظ ابن حجر: (صنف شرح الترمذي فأجاد فيه في نحو عشرين مجلدة، وشرح قطعة كبيرة من البخاري، وعمل وظائف الأيام وسماه " اللطائف " بطريق الوعظ، وفيه فوائد) (٢).
стр. 14408
وقال ابن العماد: (له مصنفات مفيدة ومؤلفات عديدة) (١).
وقال ابن فهد: (له المؤلفات السديدة والمصنفات المفيدة) (٢).
وقد ذكر المؤرخون جزءا من هذه المؤلفات، والبعض الآخر منها منسوب إلى ابن رجب في فهارس المكتبات وفي بطون الكتب التي تنقل عن هذه المصنفات).
وفاته:
توفي ﵀ ليلة الاثنين رابع شهر رمضان سنة ٧٩٥ هـ. بأرض الخميرية ببستان كان استأجره، وصلي عليه من الغد، ودفن بالباب الصغير.
стр. 14409
وصف المخطوط:
يوجد لهذا الفصل في وجوب إخراج الزكاة على الفور لابن رجب يوجد له - حسب علمي - نسخة واحدة مخطوطة ملحقة بآخر كتاب أحكام الخواتم للمؤلف، مخطوط ضمن مجموع في دار الكتب المصرية رقم ٧٩ فقه حنبلي، خطها نسخ معتاد، يقع كتاب أحكام الخواتم في ٤٧ ل، ويقع هذا الفصل في ثلاث لوحات ونصف اللوحة، تتراوح الأسطر في كل صفحة بين ١٧ و ١٨ سطرا، ما عدا الصفحة الأخيرة ففيها ثمانية أسطر فقط، وقد كتب في آخرها بخط مغاير: (بلغ مقابلة وتصحيحا على حسب الطاقة). وهي منقولة من خط المؤلف كما يظهر ذلك في آخرها حيث كتب: (آخر ما وجد من خط المؤلف).
ولها صورة في المكتبة المركزية بجامعة الملك سعود.
стр. 14410
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب يسر يا كريم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين وسلم تسليما.
وبعد: فهذا فصل في وجوب إخراج الزكاة على الفور، قد صرح بذلك أصحابنا في كتبهم، وكلام الإمام أحمد (١).
قال في رواية جعفر (٢) بن محمد: إذا وجبت الزكاة لا يخرجها إلا جملة لا يفرط (٣).
وقال في رواية ابن هانئ، وصالح: وسئل أتؤخر الزكاة؟ قال: لا (٤).
стр. 14411
قال في رواية أبي داود: لا يؤخرها عن محلها (١).
وقال بكر بن محمد: سئل أبو عبد الله (٢) عن رجل يكون وقت زكاته فيخرج فيعطي قليلا قليلا، فكأنه كره إذا حلت عليه إلا أن يقدمها، قال: ما يأمن الحدثان، قال: ولكن يخرج قليلا قليلا قبل أن تحل، فإذا حلت تعين تخريجها.
وقال الأثرم سئل أبو عبد الله عن رجل يحول الحول على ماله فيؤخر عن وقت الزكاة، قال: ولم يؤخر؟ يخرجها إذا حال الحول، وشدد في ذلك.
قيل له: فإن حال الحول فابتدأ في إخراجها فجعل يخرج أولا فأولا؟ قال: لا يحل غير صرفها كلها إذا حال عليها الحول، وشدد في ذلك (٣).
وقال في رواية ابن منصور، وصالح: وسئل عن قول سفيان الثوري: إذا وجبت عليه الزكاة فجعلها في كيس فجعل يعطي قليلا قليلا
стр. 14412
يدعي الموضع، قال: لا بأس إذا كان لا يجد، فإذا وجد لأن يفرغ منه أحب إلي، قال أحمد: جيد (١)، وهذه الرواية قد تشعر بعدم التحريم.
وقال في رواية العباس بن محمد الخلال في الرجل يؤخر الزكاة حتى تأتي عليها سنون ثم يزكي: فنخاف عليه الإثم في تأخيره.
وقال في رواية يعقوب بن بختان (٢) في رجل عليه زكاة عام لم يعطه وأعطى زكاة عام قابل قال: جائز، ولكن يعطي الماضي (٣).
وهذا يشعر بعدم التحريم أيضا.
ونقل عن يعقوب بن بختان أيضا في الرجل تجب عليه الزكاة وله قرابة وقوم قد كان عودهم فيعطيهم وهم عنه غيب يدفعها إليهم؟
قال: ما أحب أن يؤخرها إلا أن يجد مثلهم في الحاجة (٤).
فهذا نص على جواز التأخير لمن لا يجد مثلهم في الحاجة، وقد نص في مواضع على أنه لا يؤخرها بعد الحول ليجريها على أقاربه (٥)، منهم محمد بن يحيى الكحال (٦)، والحسن بن محمد والفضل بن زياد.
стр. 14413
ونقل عنه إسحاق بن هانئ (١)، وعبد الله أبو مسعود الأصبهاني (٢).
وأبو طالب، وسندي، وغيرهم الجواز.
وفي رواية عبد الله أنه يجوز ذلك تعجيلا للزكاة (٣). فحمل أبو بكر عبد العزيز المنع والجواز على اختلاف حالتين، لا على اختلاف قولين، المنع على تأخيرها ليجريها عليهم بعد الحول، والجواز على إجرائها عليهم قبل الحول (٤) وهذا التفصيل قد نقله الحسن بن محمد عن أحمد.
وخالف صاحب المحرر أبا بكر في ذلك وقال: ظاهره الجواز مطلقا (٥)، وأخذ منه جواز تأخير الزكاة للقرابة، ولكن لأحمد نصوص أخرى
стр. 14414
تدل منع كراهة (١) إجرائها عليهم شيئا فشيئا قبل الحول معللا بأنه يخص بزكاته قرابتهم دون غيرهم ممن هو أحوج منهم، وقال: لا يعجبني فإن كانوا مع غيرهم سواء في الحاجة فلا بأس (٢)، نقله عنه جعفر بن محمد.
وكذا نقل عنه أبو داود إذا كان غيرهم أحوج، وإنما يريد أن يغنيهم ويدع غيرهم فلا، فإن استووا في الحاجة فهم أولى (٣).
ونقل عنه أيضا إذا كان له قرابة يجري عليهم أيعطيهم من الزكاة؟ قال: إن كان عدها من عياله: فلا.
قيل: إنما يجري عليها شيئا معلوما كل شهر؟ قال: إذا كفاها ذلك (٤).
قيل: لا يكفيها؟ فلم يرخص له أن يعطيها من الزكاة، ثم قال: لا يوفى بالزكاة مال (٥).
ومعنى هذا أنه كان عودها الإجراء عليها من غير الزكاة قال: لا توفى بالزكاة فقد وفى بها ماله.
ولم يذكر الخلال ولا أبو بكر (٦) آخر الرواية، وأشكل فهمها من كتابهما.
وبما يتفرع (٧) على جواز تأخير أداء الزكاة أنه يجوز أن يتحرى بها شيئا معينا تضاعف فيه الصدقة، فمن قال: إنه يجوز تأخيرها لمن لا يجد مثلهم في
стр. 14415
الحاجة لم يبعد على قوله أنه يجوز تأخيرها لشهر يفضل فيه (١) الصدقة أيضا. وقد يتخرج على ذلك أنه يجوز نقل الزكاة إلى بلد بعيد لقرابة فقراء حاجتهم شديدة، وقد سئل (٢) أحمد في هذه الصورة في رواية الأثرم، وقال: لا أدري وتساءل التوقف يتخرج على وجهين غالبا؟
وأجازه النخعي لذى القرابة خاصة (٣).
وأجازه مالك في النقل إلى المدينة خاصة،.
والنقل فيه تأخير الإخراج، فكما يؤخر الأداء إلى الوصول إلى مكان فاضل تفضل فيه صدقة ثواب النفقة فلذلك تؤخر إلى زمان فاضل تفضل فيه الصدقة بل التأخير إلى الزمان أولى لأنه ليس فيه عدول عن فقراء بلد الصدقة ولا نقل لها عن غيرهم.
وقد استشكل أحمد (٤) قول عثمان (٥): (هذا شهر زكاتكم) (٦).
стр. 14416
قال إبراهيم بن الحارث: سئل أحمد عن قول عثمان (هذا شهر زكاتكم)؟ قال: ما فسر، أي وجه هو؟ قيل فليس يعرف وجهه؟ قال: لا.
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: حديث عثمان: (هذا شهر زكاتكم) ما وجهه؟ قال: لا أدري.
وأما عفان فحدثنا به من قال: حدثنا ابن المبارك - حدثنا معمر عن الزهري، عن السائب بن يزيد قال: سمعت عثمان يقول: (هذا شهر زكاتكم) يعني رمضان.
قال القاضي أبو يعلى: لقد نقل عن السائب بن يزيد أنه قال ذلك في المحرم شهر رمضان، ونقل عنه أنه قال ذلك في المحرم.
стр. 14417
قلت: قوله: (يعني رمضان) ليس هو من قول السائب، بل من قول من بعده من الرواة.
وحمل القاضيهذا الحديث على أن الإمام يبعث سعاته في أول السنة، وهو أول محرم، فمن كان حال حوله أخذ فيه (١) زكاته، ومن تبرع بأداء زكاة لم تجب عليه قبل منه، ومن قال: لم يحل حولي أخره. وقد نص أحمد (٢) وغيره (٣) على أن من خشي أن يرجع عليه الساعي بالزكاة أنه عذر له في تأخير إخراجها.
وقال مالك وغيره من العلماء: لا تجب الزكاة في الأموال الظاهرة إلا يوم مجيء السعاة، نقله عنه أبو عبيد (٤).
وقالت طائفة: معنى قول عثمان (هذا شهر زكاتكم) يستحب فيه تعجيل زكاتكم، نقل ذلك القاضيفي خلافه، ورده على قائله.
وروى أبو عبيد في كتاب الأموال (٥) حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب (٦)، عن السائب بن يزيد قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: (هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤده حتى تخرجوا زكاة أموالكم، ومن لم
стр. 14418
يكن (١) عنده لم يطلب (٢) منه حتى يأتي بها تطوعا ومن أخذ منه لم تؤخذ منه حتى يأتي هذا الشهر من قابل).
قال إبراهيم: أراه يعني شهر رمضان (٣) قال أبو عبيد (٤): " وقد جاءنا في بعض الأثر، ولا أدري عمن هو أن هذا الشهر الذي أراد عثمان المحرم ا. هـ.
وقد قال بعض السلف: ذلك الشهر الذي كان يخرج فيه الزكاة نسي، وإن ذلك من المصائب على هذه الأمة، فروى أبو زرعة في تاريخه قال:
стр. 14419
سألت أبا مسهر عن عبد العزيز بن الحصين هل (١) يؤخذ عنه؟ فقال: أما أهل الحزم فلا يفعلون، قال: فسمعت أبا مسهر يحتج بما أنكره على عبد العزيز بن الحصين، حدثنا (٢) سعيد بن عبد العزيز عن الزهري فقال: (كان من البلاء على هذه الأمة أن نسوا ذلك الشهر يعني شهر الزكاة، قال أبو مسهر: قال عبد العزيز: سماه لنا الزهري (٣).
وقد روي أن الصحابة كانوا يخرجون زكاتهم في شهر رمضان إعانة على الاستعداد لرمضان لكن من وجه لا يصح.
روى يحيى بن سعيد العطار الحمصي، حدثنا سيف بن محمد عن
стр. 14420
ضرار (١) بن عمرو، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: «كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا استهل شهر شعبان أكبوا على المصاحف فقرءوها وأخذوا في زكاة أموالهم فقووا بها الضعيف والمسكين على صيام شهر رمضان، ودعا المسلمون مملوكيهم فحطوا عنهم ضرائب شهر رمضان، ودعت الولاة أهل السجون فمن كان عليه حد أقاموا عليه، وإلا خلوا سبيله (٣)».
يحيى ومن فوقه إلى يزيد كلهم ضعفاء.
وأما مذاهب العلماء في هذه المسألة:
قال ميمون بن مهران: إذا حال الحول أخرج زكاته، وله أن يشتغل بتفريقها شهرا لا يزيد عليه.
قال أبو عبيد (٤): حدثنا علي بن ثابت، عن جعفر بن برقان عن
стр. 14421
ميمون بن مهران قال: (اجعلها صررا ثم ضعها فيمن (١) تعرف ولا يأتي عليك الشهر حتى تفرقها) (٢).
وصرح أصحابنا بجواز تأخير إخراجها يسيرا من غير تقدير (٣) وحكوا عن مالك (٤)، والشافعي، ومحمد بن الحسن أنه يجب إخراجها على الفور.
وعن أبي يوسف لا يجب ما لم يطالبه الإمام.
وحكوا في كتب الخلاف منهم القاضي، وابن عقيل عن الحنفية أنهم قالوا: تسقط الزكاة بتلف المال قبل إمكانه وبعده، على أنه لا يجب إخراجها
стр. 14422
على الفور (١)، وأنه لا يجب بدون مطالبة الساعي، وهذا يشبه المحكي عن أبي يوسف كما تقدم.
стр. 14423
مراجع التحقيق
١ - أخبار القضاة، لوكيع - محمد بن خلف بن حيان (ت ٣٠٦ هـ) عالم الكتب، بيروت.
٢ - الاستيعاب في أسماء الأصحاب، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر (ت ٤٣٦ هـ) مطبوع بهامش الإصابة لابن حجر، دار الفكر بيروت ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م.
٣ - الإصابة في تمييز الصحابة، لإمام الحفاظ في زمانه شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) دار الفكر بيروت، ٣٩٨ ا. هـ - ١٩٧٨ م.
٤ - الأموال، للإمام الحافظ الحجة أبي عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ) تحقيق وتعليق محمد خليل هراس، مكتبة الكليات الأزهرية ودار الفكر ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م.
٥ - إنباء الغمر بأنباء العمر لشيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية، بيروت.
٦ - إيضاح المكنون، لمؤلفه إسماعيل باشا البغدادي (ت ١٣٢٩ هـ) دار العلوم الحديثة - بيروت.
٧ - البحر الرائق شرح كنز الدقائق، لزين الدين ابن نجيم الحنفي (ت ٩٧٠ هـ) كراتشي.
٨ - بدائع الصانع في ترتيب الشرائع، لعلاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني (ت ٥٨٧ هـ) دار الكتاب العربي - بيروت ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م.
٩ - البداية والنهاية، لأبي الفداء إسماعيل بن كثير (ت ٧٧٤ هـ) مكتبة المعارف - بيروت ١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م.
١٠ - تاريخ أبي زرعة الدمشقي، للحافظ عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان (ت ٢٨١ هـ) تحقيق شكر الله بن نعمة الله القوجاني، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق ١٩٨٠ م.
١١ - تاريخ بغداد، للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، (ت ٤٦٣ هـ) دار الكتاب العربي.
١٢ - التاريخ الكبير لشيخ المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ هـ) دار الكتب العلمية.
١٣ - التفريع، لأبي القاسم عبيد الله بن الحسين بن الجلاب البصري (ت ٣٧٨ هـ) دراسة وتحقيق د. حسين بن سالم الدهان، دار الغرب الإسلامي ط الأولى ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٧م.
стр. 14424
١٤ - تهذيب الأسماء واللغات، لأبي زكريا محيي الدين بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ) دار الكتب العلمية.
١٥ - تهذيب التهذيب، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) ط الأولى سنة ١٣٢٥ هـ.
١٦ - الجرح والتعديل، للإمام الحافظ أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، (ت ٣٢٧ هـ)، الطبعة الأولى سنة ١٣٧١ هـ - ١٩٥٢ م.
١٧ - جواهر الإكليل شرح مختصر خليل للشيخ صالح عبد السميع الأبي، دار المعرفة بيروت.
١٨ - حاشية ابن عابدين المعروفة برد المحتار، تأليف المحقق محمد أمين الشهير بابن عابدين (ت ١٢٥٢ هـ)، دار إحياء التراث العرب، ط الثانية ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.
١٩ - حاشيتا قليوبي (ت ١٠٦٩ هـ) وعميرة (ت ٩٥٧ هـ) على شرح جلال الدين المحلي (ت ٨٦٤ هـ) على شرح منهاج الطالبين للنووي (ت ٦٧٦ هـ) دار الفكر.
٢٠ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ) ط الثالثة ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م دار الكتاب العربي.
٢١ - الدارس في تاريخ المدارس، تأليف عبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي (ت ٩٧٨ هـ) دار الكتاب العربي.
٢٢ - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لشيخ الإسلام شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) تحقيق محمد سيد جاد الحق، ط الثانية ١٣٨٥ هـ - ١٩٦٦ م.
٢٣ - الذيل على طبقات الحنابلة، لزين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن رجب (ت ٧٩٥ هـ) دار المعرفة.
٢٤ - السنن الكبرى لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) ط الأولى سنة ١٣٤٦ هـ.
٢٥ - سير أعلام النبلاء لشمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) ط الثانية مؤسسة الرسالة.
٢٦ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب، للمؤرخ الفقيه عبد الحي بن العماد (ت ١٠٨٩ هـ) المكتب التجاري بيروت.
٢٧ - شرح محمد بن عبد الباقي الزرقاني (ت ١١٢٢ هـ) على موطأ الإمام مالك، دار المعرفة ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م.
٢٨ - صفة الصفوة، لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) ط الثانية ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م.
٢٩ - الضعفاء الكبير، للحافظ أبي جعفر محمد بن عمرو بن موسى العقيلي (ت ٣٢٢ هـ) تحقيق د. عبد المعطي أمين قلعجي، ط الأولى ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م دار الكتب العلمية.
стр. 14425
٣٠ - طبقات الحفاظ، لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) دار الكتب العلمية ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م.
٣١ - طبقات الحنابلة، لأبي الحسين محمد بن أبي يعلى بن الفراء (ت ٥٢٦ هـ) دار المعرفة.
٣٢ - طبقات الشافعية الكبرى، لتاج الدين أبي نصر عبد الوهاب ابن تقي الدين السبكي (٧٧١ هـ)، ط الثانية، دار المعرفة، بيروت.
٣٣ - الطبقات الكبرى، تأليف محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري (٢٣٠ هـ) دار صادر بيروت.
٣٤ - العبر في خبر من غبر، لمؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي (٧٤٨ هـ) ط الأولى ١٤٥٥ هـ - ١٩٨٥ م.
٣٥ - الفتاوى الهندية، لجماعة من علماء الهند، ط الثالثة ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م دار إحياء التراث العربي.
٣٦ - فتح الباري شرح صحيح البخاري، للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ)، المطبعة السلفية ومكتبتها سنة ١٣٨٠ هـ.
٣٧ - الفروع، لشمس الدين المقدسي أبي عبد الله محمد بن مفلح (ت ٧٦٣ هـ)، ومعه تصحيح الفروع لعلاء الدين أبي الحسين المرداوي (ت ٨٥٥ هـ) ط الثالثة ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٧ م. عالم الكتب.
٣٨ - الفوائد البهية في تراجم الحنفية للعلامة أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الهندي (ت ١٣٠٤ هـ)، دار المعرفة - بيروت.
٣٩ - قوانين الأحكام الشرعية ومسائل الفروع الفقهية، تأليف محمد بن أحمد بن جزي الغرناطي (ت ٧٤١ هـ) دار العلم للملايين سنة ١٩٧٩ م.
٤٠ - الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة للإمام الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) ط الأولى ١٣٩٢ هـ - ١٩٧٢ م، دار الكتب الحديثة - القاهرة.
٤١ - الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل، لشيخ الإسلام أبي محمد عبد الله بن قدامة المقدسي (ت ٦٢٠ هـ)، ط الثالثة ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م.
٤٢ - الكافي في فقه أهل المدينة المالكي، لأبي عمر بن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) ط الأولى، مكتبة الرياض الحديثة ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م.
٤٣ - الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني (ت ٣٦٥ هـ) ط الثانية دار الفكر بيروت.
٤٤ - كشف الظنون، لمؤلفه مصطفى بن عبد الله أفندي المعروف بالكاتب الجلبي وبالحاج خليفة (ت ١٠٦٧) دار العلوم الحديثة بيروت.
٤٥ - لسان الميزان، للحافظ شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) ط الثانية، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ١٣٩٠ هـ - ١٩٧١ م.
٤٦ - المبدع في شرح المقنع، لأبي إسحاق برهان الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح