ميمون بن مهران قال: (اجعلها صررا ثم ضعها فيمن (١) تعرف ولا يأتي عليك الشهر حتى تفرقها) (٢).
وصرح أصحابنا بجواز تأخير إخراجها يسيرا من غير تقدير (٣) وحكوا عن مالك (٤)، والشافعي، ومحمد بن الحسن أنه يجب إخراجها على الفور.
وعن أبي يوسف لا يجب ما لم يطالبه الإمام.
وحكوا في كتب الخلاف منهم القاضي، وابن عقيل عن الحنفية أنهم قالوا: تسقط الزكاة بتلف المال قبل إمكانه وبعده، على أنه لا يجب إخراجها
стр. 14422
على الفور (١)، وأنه لا يجب بدون مطالبة الساعي، وهذا يشبه المحكي عن أبي يوسف كما تقدم.
стр. 14423
مراجع التحقيق
١ - أخبار القضاة، لوكيع - محمد بن خلف بن حيان (ت ٣٠٦ هـ) عالم الكتب، بيروت.
٢ - الاستيعاب في أسماء الأصحاب، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر (ت ٤٣٦ هـ) مطبوع بهامش الإصابة لابن حجر، دار الفكر بيروت ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م.
٣ - الإصابة في تمييز الصحابة، لإمام الحفاظ في زمانه شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) دار الفكر بيروت، ٣٩٨ ا. هـ - ١٩٧٨ م.
٤ - الأموال، للإمام الحافظ الحجة أبي عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ) تحقيق وتعليق محمد خليل هراس، مكتبة الكليات الأزهرية ودار الفكر ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م.
٥ - إنباء الغمر بأنباء العمر لشيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية، بيروت.
٦ - إيضاح المكنون، لمؤلفه إسماعيل باشا البغدادي (ت ١٣٢٩ هـ) دار العلوم الحديثة - بيروت.
٧ - البحر الرائق شرح كنز الدقائق، لزين الدين ابن نجيم الحنفي (ت ٩٧٠ هـ) كراتشي.
٨ - بدائع الصانع في ترتيب الشرائع، لعلاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني (ت ٥٨٧ هـ) دار الكتاب العربي - بيروت ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م.
٩ - البداية والنهاية، لأبي الفداء إسماعيل بن كثير (ت ٧٧٤ هـ) مكتبة المعارف - بيروت ١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م.
١٠ - تاريخ أبي زرعة الدمشقي، للحافظ عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان (ت ٢٨١ هـ) تحقيق شكر الله بن نعمة الله القوجاني، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق ١٩٨٠ م.
١١ - تاريخ بغداد، للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، (ت ٤٦٣ هـ) دار الكتاب العربي.
١٢ - التاريخ الكبير لشيخ المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ هـ) دار الكتب العلمية.
١٣ - التفريع، لأبي القاسم عبيد الله بن الحسين بن الجلاب البصري (ت ٣٧٨ هـ) دراسة وتحقيق د. حسين بن سالم الدهان، دار الغرب الإسلامي ط الأولى ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٧م.
стр. 14424
١٤ - تهذيب الأسماء واللغات، لأبي زكريا محيي الدين بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ) دار الكتب العلمية.
١٥ - تهذيب التهذيب، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) ط الأولى سنة ١٣٢٥ هـ.
١٦ - الجرح والتعديل، للإمام الحافظ أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، (ت ٣٢٧ هـ)، الطبعة الأولى سنة ١٣٧١ هـ - ١٩٥٢ م.
١٧ - جواهر الإكليل شرح مختصر خليل للشيخ صالح عبد السميع الأبي، دار المعرفة بيروت.
١٨ - حاشية ابن عابدين المعروفة برد المحتار، تأليف المحقق محمد أمين الشهير بابن عابدين (ت ١٢٥٢ هـ)، دار إحياء التراث العرب، ط الثانية ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.
١٩ - حاشيتا قليوبي (ت ١٠٦٩ هـ) وعميرة (ت ٩٥٧ هـ) على شرح جلال الدين المحلي (ت ٨٦٤ هـ) على شرح منهاج الطالبين للنووي (ت ٦٧٦ هـ) دار الفكر.
٢٠ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ) ط الثالثة ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م دار الكتاب العربي.
٢١ - الدارس في تاريخ المدارس، تأليف عبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي (ت ٩٧٨ هـ) دار الكتاب العربي.
٢٢ - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لشيخ الإسلام شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) تحقيق محمد سيد جاد الحق، ط الثانية ١٣٨٥ هـ - ١٩٦٦ م.
٢٣ - الذيل على طبقات الحنابلة، لزين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن رجب (ت ٧٩٥ هـ) دار المعرفة.
٢٤ - السنن الكبرى لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) ط الأولى سنة ١٣٤٦ هـ.
٢٥ - سير أعلام النبلاء لشمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) ط الثانية مؤسسة الرسالة.
٢٦ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب، للمؤرخ الفقيه عبد الحي بن العماد (ت ١٠٨٩ هـ) المكتب التجاري بيروت.
٢٧ - شرح محمد بن عبد الباقي الزرقاني (ت ١١٢٢ هـ) على موطأ الإمام مالك، دار المعرفة ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م.
٢٨ - صفة الصفوة، لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) ط الثانية ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م.
٢٩ - الضعفاء الكبير، للحافظ أبي جعفر محمد بن عمرو بن موسى العقيلي (ت ٣٢٢ هـ) تحقيق د. عبد المعطي أمين قلعجي، ط الأولى ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م دار الكتب العلمية.
стр. 14425
٣٠ - طبقات الحفاظ، لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) دار الكتب العلمية ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م.
٣١ - طبقات الحنابلة، لأبي الحسين محمد بن أبي يعلى بن الفراء (ت ٥٢٦ هـ) دار المعرفة.
٣٢ - طبقات الشافعية الكبرى، لتاج الدين أبي نصر عبد الوهاب ابن تقي الدين السبكي (٧٧١ هـ)، ط الثانية، دار المعرفة، بيروت.
٣٣ - الطبقات الكبرى، تأليف محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري (٢٣٠ هـ) دار صادر بيروت.
٣٤ - العبر في خبر من غبر، لمؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي (٧٤٨ هـ) ط الأولى ١٤٥٥ هـ - ١٩٨٥ م.
٣٥ - الفتاوى الهندية، لجماعة من علماء الهند، ط الثالثة ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م دار إحياء التراث العربي.
٣٦ - فتح الباري شرح صحيح البخاري، للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ)، المطبعة السلفية ومكتبتها سنة ١٣٨٠ هـ.
٣٧ - الفروع، لشمس الدين المقدسي أبي عبد الله محمد بن مفلح (ت ٧٦٣ هـ)، ومعه تصحيح الفروع لعلاء الدين أبي الحسين المرداوي (ت ٨٥٥ هـ) ط الثالثة ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٧ م. عالم الكتب.
٣٨ - الفوائد البهية في تراجم الحنفية للعلامة أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الهندي (ت ١٣٠٤ هـ)، دار المعرفة - بيروت.
٣٩ - قوانين الأحكام الشرعية ومسائل الفروع الفقهية، تأليف محمد بن أحمد بن جزي الغرناطي (ت ٧٤١ هـ) دار العلم للملايين سنة ١٩٧٩ م.
٤٠ - الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة للإمام الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) ط الأولى ١٣٩٢ هـ - ١٩٧٢ م، دار الكتب الحديثة - القاهرة.
٤١ - الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل، لشيخ الإسلام أبي محمد عبد الله بن قدامة المقدسي (ت ٦٢٠ هـ)، ط الثالثة ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م.
٤٢ - الكافي في فقه أهل المدينة المالكي، لأبي عمر بن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) ط الأولى، مكتبة الرياض الحديثة ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م.
٤٣ - الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني (ت ٣٦٥ هـ) ط الثانية دار الفكر بيروت.
٤٤ - كشف الظنون، لمؤلفه مصطفى بن عبد الله أفندي المعروف بالكاتب الجلبي وبالحاج خليفة (ت ١٠٦٧) دار العلوم الحديثة بيروت.
٤٥ - لسان الميزان، للحافظ شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) ط الثانية، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ١٣٩٠ هـ - ١٩٧١ م.
٤٦ - المبدع في شرح المقنع، لأبي إسحاق برهان الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح
стр. 14426
٤٧ - المجموع شرح المهذب، لأبي زكريا محيي الدين بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ)، ومعه فتح العزيز شرح الوجيز للرافعي، إدارة الطباعة المنبرية، مطبعة التضامن الأخوي بمصر.
٤٨ - المحرر في الفقه لشيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات ابن تيمية (٦٥٢ هـ) دار الكتاب العربي بيروت.
٤٩ - المدونة الكبرى، للإمام مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) رواية سحنون بن سعيد التنوخي (ت ٢٤٠ هـ) عن عبد الرحمن بن القاسم (ت ١٩١ هـ) عن مالك، دار صادر بيروت.
٥٠ - مراصد الإطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع لصفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق البغدادي (ت ٧٣٩ هـ)، ط الأولى ١٣٧٣ هـ - ١٩٥٤ م، دار المعرفة.
٥١ - مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه صالح (ت ٢٦٦ هـ)، تحقيق فضل الرحمن دين محمد، ط الأولى ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م الدار العلمية.
٥٢ - مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله (٢٩٠ هـ) تحقيق زهير الشاويش، ط الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م المكتب الإسلامي.
٥٣ - مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني (ت ٢٧٥ هـ) دار المعرفة بيروت.
٥٤ - مسائل الإمام أحمد رواية إسحاق بن هانئ (ت ٢٧٥ هـ) تحقيق زهير الشاويش ط الأولى ١٤٠٠ المكتب الإسلامي.
٥٥ - مسند الشافعي، لأبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) ط الأولى ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م - دار الكتب العلمية.
٥٦ - المصنف في الأحاديث والآثار، للإمام الحافظ عبد الله بن محمد بن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ) تحقيق الأستاذ عامر العمري الأعظمي، الدار السلفية الهند.
٥٧ - المغني والشرح الكبير لموفق الدين ابن قدامة (ت ٦٢٠ هـ) وفي أسفله الشرح الكبير على متن المقنع لأبي الفرج عبد الرحمن بن قدامة (ت ٦٨٢ هـ) دار الكتاب العربي ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م.
٥٨ - المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد، لبرهان الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد مفلح (ت ٨٨٤ هـ) تحقيق د. عبد الرحمن بن سليمان العثيمين ط الأولى مكتبة الرشد للنشر والتوزيع ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م.
٥٩ - المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد لأبي اليمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد العليمي (ت ٩٢٨ هـ) تحقيق محيي الدين عبد الحميد ط الثانية ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م عالم الكتب.
٦٠ - موطأ الإمام مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) رواية يحيى بن يحيى الليثي (ت ٢٣٤ هـ) من منشورات الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية.
стр. 14427
تفسير سورة الناس
تأليف شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى
تحقيق وتعليق: د. فهد بن عبد الرحمن بن سليمان الرومي (١).
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين: أما بعد. .
فإن الشرور التي تصيب الإنسان - أعاذنا الله وإياكم منها - إما أن تكون من الخارج، وإما أن تكون من الداخل ولا ثالث لهما.
ولذا فقد وردت النصوص بالأمر بالاستعاذة بسورتي الفلق والناس؛ لاشتمالهما معا على الحرز من الشرور كلها داخلها وخارجها.
ففي سورة الفلق استعاذة من ﴿شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ (٢) ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ (٣) ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (٤) ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ (٥) وهذه تشمل كل شر من خارج الإنسان.
وفي سورة الناس استعاذة من شر الوسوسة التي هي أصل الشرور من داخل الإنسان.
وبالاستعاذة بالسورتين يحترز الإنسان من الشرور كلها داخلها وخارجها. ولضرورة أن يعرف المسلم الكلام الذي يستعيذ به ويناجي به ربه
стр. 14428
فقد بحثت عن تفسير لهما ليس بالطويل الممل ولا بالقصير المخل حتى وقفت على مخطوطة لشيخ الإسلام الإمام / محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى. فسر بها السورتين، تبين لي أنها تلخيص من الشيخ لتفسير ابن القيم رحمه الله تعالى لهما فما زادني هذا إلا حرصا عليها فحسبك بابن القيم علما ومعرفة في موضوع هاتين السورتين خاصة وفي العلوم الشرعية عامة.
وحسبك بالشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى قدرة على التقاط درر الكلام وجواهره.
أما موضوع سورة (الناس) وهو (الوسواس) فقد يستهين به بعض الناس ويحسبونه أمرا هينا، وقد يقول أحدهم ليس الخوف من الوسواس والوسوسة وإنما الخوف من تخلي بعض الشباب عن التمسك والإلزام بالدين، وغاب عن أذهان هؤلاء - ولم يجهلوا - أن أول معصية من البشر كانت عن طريق الوسوسة، قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا﴾ (٢).
وقد رد ابن القيم رحمه الله تعالى على أولئك الذين يرون أن الوسواس خير من التفريط في الدين فقال: " وأما قولكم: إن الوسواس خير مما عليه أهل التفريط والاسترسال وتمشية الأمر كيف اتفق، إلى آخره ".
فلعمر الله إنهما لطرفا إفراط وتفريط، وغلو وتقصير، وزيادة ونقصان وقد نهى الله عن الأمرين في غير موضع. . فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه. وخير الناس النمط الأوسط، الذين ارتفعوا عن تقصير المفرطين، ولم يلحقوا بغلو المعتدين، وقد جعل الله سبحانه هذه الأمة وسطا (٣).
стр. 14429
وقد حرصت على التعليق على بعض المسائل وإلحاق بعض الفوائد المتعلقة بالموضوع خاصة من أقوال ابن القيم رحمه الله تعالى نفسه صاحب أصل التفسير، سواء كان النقل من تفسيره أو من غيره، ونقلت عن بعض علماء المسلمين الآخرين.
стр. 14430
التعريف بالتفسير:
قلت إن هذا التفسير مختصر لتفسير ابن القيم، وينبغي أن أؤكد هنا أن الشيخ لم يكن في تلخيصه آلة صماء، يبتر النص بترا، ويرقع الجمل ترقيعا، بل ظهرت شخصيته العلمية، وبرزت معالم فكره، وما يؤيده وما لا يؤيده.
وقد يكون القصد في بعض المواضع الاختصار فحسب، وقد يظهر للمتمعن أن القصد ليس الاختصار في مواضع أخرى، وذلك حين يحذف كلمة أو كلمتين بين جمل متصلة، في هذه الكلمة أو الكلمتين اعترك العلماء، وتعددت الأقوال، فإيرادها أخذ بقول وحذفها وحدها قد يكون رفضا لهذا القول، وبذا يظهر جانب من شخصية الشيخ العلمية.
هذا فضلا عن زيادة في جملة، أو تغيير في عبارة، أو ربط بين جملة وأخرى.
وينبغي أن أوضح أيضا أن الشيخ رحمه الله تعالى قد اختصر هذا المختصر وطبع عدة مرات.
стр. 14431
أصول الكتاب
بحثت في مكتبات كثيرة عن نسخ مخطوطة لهذا التفسير، وبعد بحث وتنقيب لم أعثر إلا على نسخة واحدة، أما بقية النسخ الواردة في فهارس بعض المكتبات فهي للتفسير المختصر لسورة الناس، وليست لهذا التفسير، وقد طبع هذا المختصر عدة مرات كما أشرت آنفا، أما هذا التفسير فلم أجده مطبوعا من قبل.
ولأجل التحقق من صحة النسخة المخطوطة وسلامتها من التصحيف أو التحريف قمت بمقابلتها على النسخ المطبوعة لتفسير سورة الناس لابن القيم رحمه الله تعالى ضمن (تفسير المعوذتين).
أما النسخة المخطوطة لهذا التفسير فقد صورتها من مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، وهي برقم (٢٣٢٠) وهي مصورة عن المتحف العراقي كما كتب بخط اليد وتقع في خمس صفحات، في كل صفحة نحو ثلاثة وثلاثين سطرا، كما أنه يوجد نسخة لتفسير سورة الإخلاص ومعها تفسير المعوذتين في مكتبة الآثار العامة - ببغداد رقم (٣٥١٧٩)، ونسخة أخرى في خزائن مكتبة الأوقاف ببغداد برقم (٣٢٧٩) بعنوان (تفسير سورة الإخلاص، والفلق، والناس).
وقد طلبت تصويرهما عن طريق مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وقد بادر المركز بإرسال طلب التصوير قبل سنتين ولم يتيسر ذلك حتى الساعة، علما أني لا أعرف أي التفسيرين فيهما التفسير المختصر أو التفسير المطول للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
هذا وأسأل الله أن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه الكريم وأن يغفر لي ما شابه من نقص أو قصور، إنه سميع مجيب وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 14432
صفحة فارغة
стр. 14433
وأما سورة الناس.
فقد تضمنت أيضا (١).
مستعاذا به.
ومستعاذا منه.
ومستعيذا (٢).
فأما المستعاذ به فهو: الله رب الناس ملك الناس إله الناس، فذكر ربوبيته للناس، وملكه إياهم، وإلهيته لهم، ولا بد من مناسبة في ذكر في الاستعاذة من الشيطان.
فأضافهم في الكلمة الأولى (٣) إلى ربوبيته، المتضمنة خلقهم،
стр. 14434
وتربيتهم، وتدبيرهم، وإصلاحهم، وحفظهم مما (١) يفسدهم، وهذا معنى ربوبيته لهم، وذلك يتضمن (٢) قدرته التامة، ورحمته الواسعة، وعلمه بتفاصيل أحوالهم، وإجابة (٣) دعواتهم، وكشف كرباتهم.
وأضافهم في الكلمة الثانية (٤) إلى ملكه، فهو ملكهم الحق الذي إليه مفزعهم في الشدائد والنوائب، فلا صلاح لهم، ولا قيام إلا به.
وأضافهم في الكلمة الثالثة (٥) إلى إلهيته فهو إلههم الحق، ومعبودهم الذي لا إله لهم (٦) سواه، ولا معبود لهم غيره، فكما أنه وحده هو ربهم ومليكهم لم يشاركه في ربوبيته ولا في ملكه أحد، فكذلك (٧) هو وحده إلههم ومعبودهم فلا ينبغي أن يجعلوا معه شريكا في إلهيته، كما لا شريك معه (٨) في ربوبيته وملكه.
وهذه طريقة القرآن يحتج عليهم بإقرارهم بهذا التوحيد على ما أنكروه من توحيد الإلهية والعبادة.
стр. 14435
فإذا كان هو ربنا ومليكنا فلا مفزع لنا في الشدائد سواه، ولا ملجأ لنا منه إلا إليه، ولا معبود لنا غيره، فلا ينبغي أن يدعى ولا يخاف، ولا يرجى ولا يحب سواه، ولا يذل لغيره، ولا يخضع لسواه، ولا يتوكل إلا عليه (١)، لأن من ترجوه وتخافه وتدعوه، إما أن يكون مربيك والقيم بأمورك فهو ربك فلا رب لك سواه، أو تكون مملوكه وعبده الحق، فهو ملك الناس حقا وكلهم عبيده ومماليكه، أو يكون معبودك وإلهك الذي لا تستغني عنه طرفة عين، بل حاجتك إليه أعظم من حاجتك إلى روحك وحياتك وهو الإله الحق إله الناس الذي لا إله لهم سواه، فهم جديرون أن لا يستعيذوا بغيره، ولا يستنصروا بسواه، فظهرت مناسبة هذه الإضافات الثلاث للاستعاذة من أعدى الأعداء (٢) وأعظمهم عداوة.
ثم إن الله سبحانه كرر الاسم الظاهر (٣)، ولم يوقع المضمر موقعه (٤)، فيقول: رب الناس، وملكهم، وإلههم، تحقيقا لهذا المعنى (٥)، فأعاد ذكرهم عند كل اسم من أسمائه.
стр. 14436
ولم يعطف بالواو لما فيها من الإيذان بالمغايرة.
قدم الربوبية لعمومها وشمولها لكل مربوب، وأخر الإلهية لخصوصها لأنه سبحانه إنما هو إله من عبده، ووحده، واتخذه إلها دون غيره، فمن لم يعبده ويوحده فليس بإلهه وإن كان في الحقيقة لا إله له سواه ولكن المشرك ترك (١) إلهه الحق واتخذ إلها غيره.
ووسط صفة الملك بين الربوبية والإلهية لأن الملك هو المتصرف بقوله وأمره، المطاع إذا أمر، فملكه (٢) لهم تابع لخلقه إياهم، فملكهم (٣) من كمال ربوبيته، وكونه إلههم الحق من كمال ملكه، فربوبيته تستلزم ملكه، وملكه يستلزم إلهيته، فهو الرب، الملك، الإله. خلقهم بالربوبية وقهرهم بالملك واستعبدهم بالإلهية.
فتأمل هذه الجلالة وهذه العظمة التي تضمنتها هذه الألفاظ الثلاثة على
стр. 14437
أبدع نظام وأحسن سياق (رب الناس، ملك الناس، إله الناس).
وقد اشتملت هذه الإضافات الثلاث على جميع قواعد الإيمان (١) وتضمنت معنى جميع أسمائه الحسنى (٢).
أما تضمنها لمعاني أسمائه الحسنى.
فإن الرب هو: القادر، الخالق، البارئ، المصور، الحي، القيوم، العليم، السميع، البصير، المحسن، المنعم، الجواد، المعطي، المانع، النافع، الضار، المقدم، المؤخر، يهدي ويضل، ويسعد، ويشقي، ويعز ويذل، إلى غير ذلك من المعاني الربوبية.
وأما الملك: فهو الآمر، الناهي، المعز، المذل الذي يصرف أمور عباده كما يحب، ويقلبهم كما يشاء، فهو العزيز، الجبار، المتكبر الحافظ، الرافع، المعز، المذل، العظيم، الجليل، الوالي، المتعالي، الملك، المقسط، الجامع، إلى غير ذلك من الأسماء العائدة إلى الملك.
وأما الإله فهو الجامع لصفات الكمال، ونعوت الجلال، فيدخل في هذا الاسم جميع الأسماء الحسنى.
стр. 14438
ولهذا (١) كان القول الصحيح أن الله: أصله الإله، وأن اسم الله تعالى هو: الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى، والصفات العليا وأسرار كلام الله أجل وأعظم من أن تدركها عقول البشر، وإنما غاية أصل العلم الاستدلال بما يظهر منها على ما وراءه (٢).
وهذه السورة مشتملة على الاستعاذة من الشر (٣) الذي هو سبب الذنوب والمعاصي وهو الشر الداخل في الإنسان الذي هو منشأ العقوبات في الدنيا والآخرة.
فسورة الفلق تضمنت الاستعاذة من ظلم الغير بالسحر والحسد وهو شر من خارج (٤).
وسورة الناس تضمنت الاستعاذة من الشر الذي هو سبب ظلم العبد نفسه وهو شر من داخل.
فالشر الأول لا يدخل تحت التكليف، ولا يطلب منه الكف عنه، لأنه ليس من كسبه.
والشر الثاني الذي في سورة الناس يدخل تحت التكليف ويتعلق به النهي، فهذا شر المعائب، والأول شر المصائب، والشر كله يرجع إلى العيوب والمصائب ولا ثالث لهما.
فتضمنت سورة الناس الاستعاذة من شر العيوب كلها لأن أصلها كلها
стр. 14439
الوسوسة.
وأصل الوسوسة الحركة أو الصوت الخفي الذي لا يحس فيحترز منه، فالوسواس الإلقاء الخفي في النفس:
إما بصوت خفي لا يسمعه إلا من ألقي إليه.
وإما بغير صوت ما يوسوس الشيطان إلى العبد.
و (الوسواس الخناس). وصفان لموصوف محذوف. وهو الشيطان.
فالوسواس: الشيطان، لأنه كثير الوسوسة.
وأما (الخناس) فهو فعال من خنس يخنس. إذا توارى واختفى (١) فإن العبد إذا غفل عن ذكر الله جثم على قلبه الشيطان (٢) وبذر فيه الوساوس التي هي أصل الذنوب كلها. فإذا ذكر العبد ربه واستعاذ به انخنس.
стр. 14440
والانخناس: تأخر ورجوع (١) معه اختفاء، قال قتادة: الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب (٢) في صدر الإنسان، فإذا ذكر العبد ربه خنس.
ويقال: رأسه كرأس الحية، وهو واضع رأسه على ثمرة (٣) القلب يمنيه ويحدثه، فإذا ذكر الله خنس، وإذا لم يذكره عاد ووضع رأسه يوسوس إليه. وجيء بلفظ (الفعال) دون (الفاعل) (٤) إعلاما بشدة (٥) هروبه ورجوعه وعظم نفوره عند ذكر الله وأن ذلك دأبه. فذكر الله يقمع الشيطان ويؤلمه ويؤذيه، ولهذا كان شيطان المؤمن هزيلا (٦) لأنه يعذبه بذكر الله وطاعته وفي أثر عن بعض السلف، أن المؤمن ينضي شيطانه كما ينضي الرجل بعيره في السفر، لأنه كلما اعترضه صب عليه سياط الذكر والتوجه والاستغفار والطاعة، فشيطانه معه في عذاب شديد.
وأما شيطان الفاجر فهو معه في راحة ودعة، ولهذا يكون قويا عاتيا شديدا فمن لم يعذب شيطانه في هذه الدار بذكر الله وتوحيده واستغفاره وطاعته عذبه شيطانه في الآخرة بعذاب النار، فلا بد لكل أحد أن يعذب شيطانه أو يعذبه شيطانه.
стр. 14441
وتأمل كيف جاء بناء الوسواس (١) مكررا لتكريره (٢) الوسوسة الواحدة مرارا حتى يعزم عليها العبد.
وجاء بناء الخناس على وزن (الفعال) الذي يتكرر منه نوع الفعل، لأنه كلما ذكر الله انخنس فإذا غفل العبد عاوده (٣) بالوسوسة، فجاء بناء اللفظين مطابقا لمعنييهما.
وقوله: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ (٤) صفة ثالثة للشيطان، فذكر وسوسته أولا، ثم ذكر محلها ثانيا، وأنها في صدور الناس.
وقد جعل الله للشيطان دخولا في جوف العبد ونفوذا إلى قلبه وصدره فهو يجري منه مجرى الدم، وقد وكل بالعبد فلا يفارقه إلى الممات ومن وسوسته:
أنه يشغل القلب بحديثه حتى ينسيه ما يريد أن يفعله، ولهذا يضاف
стр. 14442
النسيان إليه (١) كما قال تعالى عن صاحب موسى: " فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان ". وتأمل حكمة القرآن وجلالته كيف أوقع الاستعاذة من شر الشيطان الموصوف بأنه (الوسواس إلى آخر السورة) ولم يقل من شر وسوسته لتعم الاستعاذة جميع شره، فإن قوله (من شر الوسواس) (٢) يعم كل شره، ووصفه بأعظم صفاته وأشدها شرا وهي الوسوسة التي هي مبادئ الإرادة فإن القلب يكون فارغا من الشر فيوسوس إليه، ويخطر الذنب بباله، فيصوره لنفسه ويشهيه فيصير شهوة، ويزينها ويحسنها له، فتصير إرادة، ثم لا يزال يمثل (٣) ويشهي وينسي ضررها ويطوي عنه سوء عاقبتها فلا يرى إلا التذاذه بالمعصية فقط وينسى ما وراء ذلك، فتصير الإرادة عزيمة جازمة (٤) فيشتد الحرص من القلب، فلا يزال الشيطان بالعبد يقوده إلى الذنب وينظم
стр. 14443
شمل الاجتماع بألطف حيلة وأتم مكيدة. فأصل كل معصية وبلاء إنما هو الوسوسة.
فلهذا وصفه بها لتكون الاستعاذة من شرها أهم، وإلا فشره بغير الوسوسة حاصل أيضا.
فمن شره أنه لص سارق لأموال الناس فكل طعام أو شراب لم يذكر اسم الله عليه فله فيه حظ بالسرقة والخطف، وكذلك يبيت في البيت الذي لم يذكر فيه اسم الله فيأكل طعام الإنس بغير إذنهم، ويبيت في بيوتهم بغير أمرهم، ويدل على عوراتهم فيأمر العبد بالمعصية، ثم يلقي في قلوب أعدائه يقظة ومناما أنه فعل كذا وكذا.
ومن هذا أن العبد يفعل الذنب لا يطلع عليه أحد من الناس (١) فيصبح والناس يتحدثون به، وما ذاك إلا أن الشيطان يجهد في كشف ستره وفضيحته فيغتر العبد، ويقول: هذا ذنب لم يره إلا الله، ولم يشعر بأن عدوه ساع في إذاعته، وقل من يتفطن من الناس لهذه الدقيقة.
ومن شره أنه يعقد على رأس العبد إذا نام عقدة تمنعه من اليقطة كما في صحيح البخاري: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد (٢)». . . الحديث.
стр. 14444
ومن شره أنه يبول في أذن العبد حتى ينام إلى الصباح.
ومن شره أنه قعد لابن آدم بطرق الخير كلها فما من طريق من طرق الخير إلا والشيطان مرصد عليه يمنعه أن يسلكه، فإن خالفه وسلكه ثبطه وعوقه. فإن عمله وفرغ منه سعى فيما يبطله.
ويكفي من شره أنه أقسم ليأتينهم من بين أيديهم، ومن خلفهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم.
فإذا كان هذا شأنه وهمته في الشر فلا خلاص منه إلا بمعونة الله وتأييده ولا يمكن حصر أجناس شره، فضلا عن آحادها، إذ كل شر في العالم فهو السبب فيه، ولكن ينحصر شره في ستة (١) أجناس.
فإذا ظفر بذلك من ابن آدم (٢) استراح وهو أول ما يريد من العبد، فإن يئس منه من ذلك، وكان ممن سبق له الإسلام في بطن أمه (٣) نقله إلى (المرتبة الثانية) من الشر وهي: البدعة.
стр. 14445
وهي أحب إليه من الفسوق والمعاصي لأن ضررها متعد وهو ذنب لا يتاب منه وهي مخالفة لدعوة الرسل. ودعاء إلى خلاف ما جاءوا به، فإذا نال منه البدعة وجعله من أهلها، صار نائبا له وداعيا من دعاته، وإن عجز من هذه المرتبة نقله إلى (المرتبة الثالثة) وهي الكبائر على اختلاف أنواعها. فهو أشد حرصا على أن يوقعه فيها، ولا سيما إن كان عالما متبوعا فهو حريص على ذلك لينفر الناس منه ثم يشيع من ذنوبه في الناس ويستنيب منهم من يشيعها تقربا (١) - بزعمه - إلى الله - وهو نائب إبليس ولا يشعر، فإن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم هذا إذا أحبوا إشاعتها فكيف إذا تولوا هم إشاعتها، فإن عجز عن هذه المرتبة نقله إلى (المرتبة الرابعة) وهي الصغائر التي إذا اجتمعت فربما أهلكت صاحبها، كما قال النبي ﷺ : «إياكم ومحقرات الذنوب فإن مثل ذلك مثل قوم نزلوا بفلاة من الأرض (٢)» وذكر حديثا معناه أن كل واحد منهم جاء بعود حطب حتى أوقدوا نارا عظيمة فطبخوا.
ولا يزال يسهل عليه أمر الصغائر حتى يستهين بها، فيكون صاحب
стр. 14446
الكبيرة الخائف أحسن حالا منه، فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة نقله إلى: (المرتبة الخامسة) وهي: انشغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب بل عاقبتها فوات الثواب الذي ضاع عليه باشتغاله بها، فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة، وكان حافظا لوقته شحيحا به، يعلم أنه مقدار أنفاسه وانقطاعها وما يقابلها من النعيم والعذاب نقله إلى: (المرتبة السادسة) وهي أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه ليفوته ثواب العمل الفاضل فيأمره بفعل الخير المفضول ويحضه عليه إذا تضمن ترك ما هو أفضل منه، وقل من يتنبه لهذا من الناس فإنه إذا رأى فيه داعيا قويا إلى نوع من الطاعة فإنه لا يكاد (١) يقول هذا الداعي من الشيطان فإن الشيطان لا يأمر بخير، ويرى أن هذا خير (٢) ولم يعلم أن الشيطان يأمره بسبعين بابا من أبواب الخير، إما ليتوصل بها إلى باب واحد من الشر، وإما ليفوت بها خيرا أعظم من تلك السبعين بابا، وأجل، وأفضل.
وهذا لا يتوصل إلى معرفته إلا بنور من الله يقذفه في قلب العبد يكون سببه تجريد متابعة الرسول، وشدة عنايته بمراتب الأعمال عند الله، وأحبها إليه، وأنفعها للعبد، وأعمها نصيحة لله، ولرسوله ولكتابه، ولعباده المؤمنين، خاصتهم وعامتهم، وأكثر الخلق محجوبون عن ذلك لا يخطر بقلوبهم (٣).
فإذا أعجزه العبد من هذه المراتب الست سلط عليه حزبه من
стр. 14447
الإنس والجن بأنواع الأذى، والتكفير، والتبديع، والتحذير منه ليشوش عليه قلبه، وليمنع الناس من الانتفاع به.
فحينئذ يلبس المؤمن لأمة (١) الحرب ولا يضعها عنه، إلى الموت ومتى وضعها أسر وأصيب فلا يزال في جهاد حتى يلقى الله.
فتأمل هذا الفصل وتدبره، واجعله ميزانك، تزن به نفسك، وتزن به الناس، والله المستعان.
وتأمل السر في قوله تعالى: ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ (٢) ولم يقل قلوبهم، والصدر هو ساحة القلب، وهو بمنزلة الدهليز وبيته، فمنه تدخل (٣) الواردات إليه فتجتمع في الصدر ثم تلج في القلب، ومن القلب تخرج (٤) الأوامر، والإرادات إلى الصدر، ثم تتفرق على الجنود.
ومن فهم هذا فهم قوله تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (٥) فالشيطان يدخل إلى ساحة القلب وبيته ويلقي ما يريد إلقاءه إلى القلب.
فهو موسوس (٦) في الصدر وسوسة واصلة إلى القلب، ولهذا قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾ (٧) ولم يقل: فيه، لأن المعنى أنه ألقى إليه ذلك وأوصله إليه فدخل في قلبه (٨).
وقول تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (٩).
стр. 14448
اختلف الناس في هذا الجار والمجرور، وبم يتعلق فقال الفراء وجماعة: هو بيان للناس الموسوس في صدورهم أي أن الموسوس في صدورهم قسمان: إنس وجن، فالوسواس يوسوس للجني كما يوسوس للإنسي، وهذا القول ضعيف جدا لوجوه منها:
أنه لم يقم دليل على أن الجني يوسوس في صدر الجني ويدخل فيه كما يدخل في الإنسي.
(والناس) (١) اسم لبني آدم، فلا يدخل الجن في مسماهم.
والصواب القول الثاني وهو: أن قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (٢) بيان للذي يوسوس، وأنهم نوعان، إنس، وجن، فالجني يوسوس في صدر الإنسي، والإنسي يوسوس إلى الإنسي (٣).
стр. 14449
فالموسوس نوعان: إنس، وجن.
فإن الوسوسة هي: الإلقاء الخفي في القلب (١) وهذا مشترك بين الجن والإنس، وإن كان إلقاء الإنسي ووسوسته إنما هي بواسطة الأذن، والجني لا يحتاج إلى الواسطة لأنه يدخل في ابن آدم ويجري منه مجرى الدم على أن الجني قد يتمثل ويوسوس إليه في أذنه كالإنسي كما في البخاري (٢) عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الملائكة تحدث في العنان - والعنان الغمام - بالأمر يكون في الأرض فتسمع الشياطين الكلمة
стр. 14450
فتقرها (٢) القارورة، فيزيدون معها مائة كذبة من عند أنفسهم».
فهذه (٣) وسوسة وإلقاء من الشيطان (٤) بواسطة الأذن، ونظير اشتراكهما (٥) في هذه الوسوسة اشتراكهما في الوحي الشيطاني، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (٦)،.
ونختم الكلام على السورتين في ذكر قاعدة نافعة فيما يعتصم به العبد من الشيطان ويحترز منه، وذلك عشرة أسباب: (أحدها) الاستعاذة
стр. 14451
بالله من الشيطان الرجيم.
قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١) والمراد بالسميع هاهنا سميع الإجابة لا السمع العام.
(الحرز الثاني) قراءة هاتين السورتين.
فإن لهما تأثيرا عجيبا في الاستعاذة (٢) بالله من شره ودفعه؛ ولهذا قال النبي ﷺ ما تعوذ المتعوذون بمثلهما وكان يتعوذ بهما كل ليلة عند النوم وأمر عقبة بن عامر أن يتعوذ بهما دبر كل صلاة وذكر ﷺ أن من قرأهما مع سورة الإخلاص ثلاثا حين يمسي، وثلاثا حين يصبح كفته من كل شيء.
(الحرز الثالث) قراءة آية الكرسي (٣).
стр. 14452
(الحرز الرابع) قراءة سورة البقرة.
ففي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «إن البيت الذي تقرأ فيه البقرة لا يدخله الشيطان (١)».
(الحرز الخامس) خاتمة البقرة.
فقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه (٢)».
(الحرز السادس) أول سورة حم المؤمن. إلى قوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٣).
ففي الترمذي من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي ليلى عن زرارة بن مصعب عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ حم المؤمن إلى قوله: وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح (٥)»، وعبد الرحمن المليكي، وإن كان قد تكلم فيه من قبل حفظه فالحديث له شواهد في قراءة آية الكرسي، وهو محتمل على غرابته.
стр. 14453
(الحرز السابع) لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة.
ففي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر من ذلك (١)».
فهذا حرز عظيم النفع، جليل الفائدة، يسير سهل على من يسره الله عليه (الحرز الثامن): وهو من أنفع الحروز من الشيطان: كثرة ذكر الله وهذا بعينه هو الذي دلت عليه سورة الناس، فإن وصف الشيطان فيها بأنه الخناس والخناس إذا ذكر العبد ربه انخنس، فإذا غفل عن ذكر الله التقم القلب وألقى إليه الوساوس، فما أحرز العبد نفسه من الشيطان بمثل ذكر الله .
(الحرز التاسع) الوضوء، والصلاة.
وهذا من أعظم ما يتحرز العبد به ولا سيما عند الغضب والشهوة فإنها نار
стр. 14454
تصلى (١) في قلب ابن آدم، كما روى الترمذي عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم (٢)» فما أطفأ (٣) العبد جمرة الغضب بمثل الوضوء والصلاة، فإن الصلاة إذا وقعت بخشوعها والإقبال على الله فيها أذهبت أثر ذلك جملة، وهذا أمر تجربته تغني عن إقامة الدليل.
(الحرز العاشر) إمساك فضول النظر، والكلام، والطعام، ومخالطة الناس فإن الشيطان إنما ينال غرضه من ابن آدم من هذه الأبواب الأربعة فإن فضول النظر: يدعو إلى الاستحسان، ووقوع المنظور (٤) إليه في القلب والاشتغال به، وفي المسند عن النبي ﷺ أنه قال: «النظرة (٥) سهم مسموم من سهام إبليس فمن غض بصره أورثه الله حلاوة يجدها في قلبه إلي يوم يلقاه» أو كما قال النبي ﷺ وأما فضول الكلام فإنها تفتح للعبد أبوابا من الشر كلها مداخل للشيطان فإمساك فضول الكلام يسد عنه تلك الأبواب، وكم من حرب جرتها كلمة واحدة، وقد قال النبي ﷺ : «وهل يكب
стр. 14455
الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم (١)». وفي الترمذي: «أن رجلا من الأنصار توفي فقال بعض الصحابة: طوبى له، فقال النبي ﷺ : فما يدريك فلعله تكلم بما لا يعنيه، أو بخل بما لا ينقصه (٢)».
وأكثر المعاصي إنما تولد من فضول الكلام والنظر، وهما أوسع مداخل الشيطان فإن جارحتيهما لا يملان ولا يسأمان بخلاف شهوة البطن. فإنه إذا امتلأ (٣) لم يبق فيه إرادة للطعام، وأما العين واللسان فلو تركا لم يفترا.
وكان السلف يحذرون من فضول الكلام (٤) وكانوا يقولون ما من شيء أحوج إلى طول السجن من اللسان (٥)،.
стр. 14456
وأما فضول الطعام (١) فهو داع لأنواع كثيرة من الشر، فإنه يحرك الجوارح إلى المعاصي ويثقلها (٢) عن الطاعات وحسبك بهذين شرا فكم من معصية جلبها الشبع وفضول الطعام، ولهذا جاء في بعض الآثار " ضيقوا مجاري الشيطان بالصوم "، وقال النبي ﷺ : «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن (٣)».
ولو لم يكن في الامتلاء من الطعام إلا أنه يدعو إلى الغفلة عن ذكر الله، فإذا غفل القلب عن الذكر ساعة واحدة غلبه الشيطان وشهاه وهام به في كل واد، فإن النفس إذا شبعت تحركت وطافت على أبواب الشهوات وإذا جاعت سكنت وذلت.
وأما فضول المخالطة فهو الداء العضال، الجالب لكل شر، وكم سلبت المخالطة والمعاشرة من نعمة، وكم زرعت من عداوة، وكم غرست في القلب من حزازة، ففضول المخالطة خسارة في الدنيا والآخرة، وإنما ينبغي للعبد أن يأخذ من المخالطة بمقدار الحاجة.
ويجعل الناس فيها أربعة أقسام متى
стр. 14457
خلط أحد الأقسام بالآخر ولم يميز بينهما دخل عليه الشر: -
(أحدها) من مخالطته كالغذاء، لا يستغنى عنه في اليوم والليلة، فإذا أخذ حاجته منه ترك الخلطة، ثم إذا احتاج إليه خالطه، هكذا على الدوام، وهذا الضرب أعز من الكبريت الأحمر.
وهم العلماء بالله وأمره، ومكائد عدوه، وأمراض القلوب، وأدويتها، الناصحون لله ولكتابه ولرسوله، ولخلقه، فهذا الضرب من مخالطتهم الربح كله.
(القسم الثاني) من مخالطتهم كالدواء، تحتاج إليه عند المرض فما دمت صحيحا فلا حاجة لك في خلطته، وهم من لا تستغني عن مخالطتهم في مصلحة المعاش، وقيام ما أنت تحتاج إليه في أنواع المعاملات والمشاركات والاستشارة.
(القسم الثالث) من مخالطتهم كالداء، على اختلاف أنواعه، وقوته، وضعفه فمنهم من مخالطته كالداء العضال، وهو من لا تربح عليه في دين ولا دنيا ومع ذلك فلا بد أن تخسر عليه الدين والدنيا، أو أحدهما، فهذا إذا تمكنت مخالطته واتصلت، فهي مرض الموت المخوف.
ومنهم من مخالطته كوجع الضرس، فإذا فارقك سكن الألم.
ومنهم من مخالطته حمى الربع وهو الثقيل البغيض الذي لا يحسن أن يتكلم فيفيدك، ولا يحسن أن ينصت فيستفيد منك، ولا يعرف نفسه (١)
стр. 14458
فيضعها في منزلتها، بل إن تكلم، فكلامه كالعصي تنزل على قلوب السامعين، مع إعجابه بكلامه، وإن سكت فأثقل من نصف الرحى العظيمة التي لا يطاق حملها.
ويذكر عن الشافعي ﵀ أنه قال: " ما جلس إلى جنبي ثقيل إلا وجدت الجانب الذي هو فيه أثقل من الجانب الآخر ".
ورأيت يوما عند شيخنا (١) - قدس الله روحه - رجلا من هذا الضرب، والشيخ يحمله وقد ضعفت القوى عن حمله، فالتفت إلي وقال: مجالسة الثقيل حمى الربع. ثم قال: ولكن أدمنت أرواحنا على الحمل فصارت لها عادة، أو كما قال. وبالجملة فمخالطة كل مخالف حمى الربع، ومن نكد الدنيا على العبد أن يبتلى بواحد من هذا الضرب، وليس له بد من معاشرته ومخالطته (٢) فليعاشره بالمعروف حتى يجعل الله له فرجا ومخرجا.
(القسم الرابع) من مخالطته هلكة، ومخالطته بمنزلة أكل السم، فإن اتفق لآكله ترياق وإلا فأحسن الله فيه العزاء، وما أكثر هذا الضرب في الناس - لا كثرهم الله - وهم أهل البدع والضلالة، الصادون عن سنة رسول الله ﷺ الداعون إلى خلافها فيجعلون البدعة سنة، والسنة بدعة.
إن جردت التوحيد قالوا: تنقصت الأولياء والصالحين، وإن جردت المتابعة للرسول قالوا: أهدرت الأئمة المتبوعين، وإن وصفت الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير غلو ولا تقصير قالوا: أنت من المشبهين، وإن أمرت بما أمر الله به ورسوله من المعروف ونهيت عن المنكر قالوا: أنت من
стр. 14459
المفتنين، وإن اتبعت السنة وتركت ما خالفها قالوا: أنت من الملبسين وإن تركت ما أنت عليه واتبعت أهواءهم فأنت عند الله من الخاسرين وعندهم من المنافقين.
فالحزم كل الحزم التماس مرضاة الله ورسوله بإغضابهم وأن لا تبالي بذمهم ولا بغضهم، فإنه عين كمالك. كما قال:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل
وقال آخر: (١):
لقد زادني حبا لنفسي أنني (٢) ... بغيض إلى كل امرئ , غير طائل (٣)
فمن كان (٤) بواب قلبه وحارسه من هذه المداخل الأربعة التي هي أصل بلاء العالم وهي فضول النظر، والكلام، والطعام، والمخالطة، واستعمل ما ذكرناه من الأسباب التسعة (٥) التي يتحرز بها من الشيطان فقد أخذ بنصيبه من التوفيق وسد على نفسه باب جهنم، وفتح عليها باب الرحمة ويوشك أن يحمد عند الممات عاقبة هذا الدواء، فعند الممات يحمد العبد التقى (٦) و (عند الصباح يحمد القوم السرى).
стр. 14460
والله الموفق لا رب غيره. ولا إله سواه.
آخر الكلام على السورتين والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وسلم.