← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 14491–14530 · переход к 14496.

стр. 14491

ظلم ولا اعتداء، أو غرس غرسا في غير ظلم ولا اعتداء كان له أجرا جاريا ما انتفع به من خلق الرحمن ﵎ (١)».

стр. 14492

حكم الزراعة: زراعة الأرض وإعمارها من - فروض الكفاية التي يجب على المسلمين بمجموعهم القيام بها، فإن قام بها بعضهم أصبحت مندوبة أو مباحة في حق الآخرين. قال القرطبي ﵀ في شرح الصحيح: الزراعة من فروض الكفاية فيجب على الإمام أن يجبر الناس عليها، وما كان في معناها من غرس الأشجار (١). ومعنى كونها فرضا على الكفاية، أن الزراعة، وغرس الأشجار وإعمار الأرض، تبقى فريضة قائمة على الأمة الإسلامية ما لم تتحقق كفايتها، واستغناؤها عن غيرها إذا كان ذلك في مقدورها ووسعها، فإن لم تفعل تبقى مقصرة تاركة لهذه الفريضة ما دامت مستوردة " معتمدة على الغير في مواردها الزراعية والغذائية، وعلى الإمام في هذه الحالة أن يجبر على الزراعة والغرس والفلاحة من تتحقق بإجبارهم تلك الكفاية في المجالات الزراعية المختلفة قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " من ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة ناس مثل حاجة الناس إلى الفلاحة والنساجة، والبناية. . قال: فلهذا قال غير واحد من الفقهاء أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم كأبي حامد الغزالي وأبي الفرج بن الجوزي وغيرهم إن هذه الصناعات فرض على الكفاية فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بها، كما أن الجهاد فرض على الكفاية إلا أن يتعين فيكون فرضا على الأعيان " (٢).

стр. 14493

وقال في موضع آخر: المقصود أن هذه الأعمال التي هي فرض على الكفاية متى لم يقم بها غير الإنسان صارت فرض عين عليه، لا سيما إن كان عاجزا عنها فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم صار هذا العمل واجبا يجبرهم ولي الأمر عليه إذا امتنعوا عنه بعوض المثل، كما إذا احتاج الجنود المرصودون للجهاد إلى فلاحة أرضهم ألزم من صناعته الفلاحة بأن يصنعها لهم، فإن الجند ملزمون بأن لا يظلموا الفلاح كما ألزم الفلاح أن يفلح للجند (١). وقال ابن الحاج في المدخل: آكد ما على المكلف من الصنائع والحرف الزراعة التي بها قوام الحياة، وقوت النفوس (٢). إن من الخطأ القبيح ما يتصوره بعض الناس من أن مهنة الزراعة من المهن الدنيئة المنحطة التي لا تليق بالرجل الكريم، وهو تصور لا يقوم على أساس سليم فالعمل المباح كله شرف لصاحبه لا يزري به بل يكرمه ويعلي مكانته عند الله تعالى ثم في أعين الناس، فكيف والزراعة من أشرف الأعمال وأجلها، وقد قال عدد من العلماء: إنها أفضل المكاسب، وإنها من فروض الكفاية على المسلمين، وفيها الأجر الجزيل للزارع والغارس ما انتفع بذلك منتفع من إنسان أو حيوان أو طير أو حشرة، وقد تكون من الصدقة الجارية التي لا ينقطع أجرها بعد الموت. وقد كان أصحاب النبي ﷺ يعتبرون الرجل الذي يعمل في إصلاح أرضه عاملا من عمال الله تعالى (٣). إن ذلك التصور الخاطئ يفسر لنا انصراف كثير من الناس إلى الوظائف الحكومية، والأعمال الكتابية، والإدارية، وإهمال مساحات كبيرة من الأرض

стр. 14494

صالحة للزراعة حتى أصبحت خرابا يبابا منبتا للأشواك. ومن أجرى مقارنة عادلة بين الزراعة، وبين كثير من الوظائف الإدارية والكتابية، وجد الفرق بينهما واضحا، والفضل لها ظاهرا. فالزراعة أقرب إلى التوكل، وأدعى إلى التخشن، وقوة الجسم لما فيها من الحركة والنشاط، والمزارع أنقى جوا، وأصح جسما، وأبعد عن الضوضاء والتلوث بسبب نقاء الهواء، وسلامة الغذاء من الصناعة والمواد الكيمياوية ولذلك تجد الموظفين والإداريين على اختلاف درجاتهم لا يستغنون عن ساعات من الاستجمام والراحة يقضونها في المزارع والحقول وبين البساتين يمتعون أنظارهم، ويريحون أفكارهم، وأجسادهم، ويبتعدون عن ضوضاء المدينة، وصخب المصانع، وهدير الآلات، ويعودون وقد ملئوا نشاطا وحيوية وسعادة. إن تلك النظرة الخاطئة عن الزراعة قد أنكرها أصحاب الرسول ﷺ لما سمعوا رسول الله ﷺ يرغب في الزراعة ويحث عليها، عن أبي الدرداء ﵁ أن رجلا مر به وهو يغرس غرسا بدمشق فقال: أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله ﷺ قال: لا تعجل علي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من غرس غرسا لم يأكل منه آدمي، ولا خلق من خلق الله إلا كان له به صدقة (١)».

стр. 14495

التشجيع على الزراعة لا يعني إهمال الواجبات: إن فضل الزراعة والغرس وإعمار الأرض لا يجوز أن يشغل المسلم عما هو أهم أو يطغى على غيره من الواجبات الأخرى كطلب العلم، والجهاد وغير ذلك.

стр. 14496

وعلى هذا تحمل الأحاديث والآثار الواردة في التنفير من اتخاذ الضيعة أو الاشتغال بالحرث والزرع. فالزراعة كغيرها من المهن - لا يجوز أن يشغل بها المرء عن واجباته الشرعية أو أن يفرط في حقوق الله تعالى، أو حقوق الآدميين من أبناء وبنات وأسرة وغيرهم ممن لهم عليه حق التربية والتعليم، أو أن يستكثر منها بحيث يترك الجمعات والجماعات، وينقطع عن مجالس العلم، ومواطن التذكير، أو يقوده الربح فيها إلى الطمع والشح، وإمساك حق الفقراء بمنع الزكاة، فيكون بذلك قد ارتكب ما حرم الله تعالى، وتعدى وظلم. قال الحافظ ابن حجر في الكلام على حديث أنس: «ما من مسلم يغرس غرسا (١)» في الحديث فضل الغرس والزرع، والحض على عمارة الأرض، ويستنبط منه اتخاذ الضيعة والقيام عليها، وفيه فساد قول من أنكر ذلك من المتزهدة وحمل ما ورد من التنفير عن ذلك على ما إذا شغل عن أمر الدين فمنه حديث ابن مسعود مرفوعا «لا تتخذوا الضيعة فتركبوا في الدنيا (٢)» قال القرطبي: يجمع بينه وبين حديث الباب - أي حديث أنس - بحمله على الاستكثار والاشتغال به عن أمر الدين، وحمل حديث الباب على اتخاذها للكفاف أو لنفع المسلمين بها وتحصيل ثوابها ا. هـ (٣). وقد بوب البخاري ﵀ على هذا فقال: (باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع أو مجاوزة الحد الذي أمر به) ثم أورد حديث أبي أمامة ﵁ قال: وقد رأى سكة وشيئا من آلة الحرث -: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله الذل (٤)»، وفي رواية في المستخرج: «إلا أدخلوا على أنفسهم ذلا لا يخرج عنهم إلى يوم القيامة (٥)».

стр. 14497

قال ابن حجر: أو أراد بذلك ما يلزمهم من حقوق الأرض التي تطالبهم الولاة بها وكان العمل في الأرض أول ما فتحت على أهل الذمة فكان الصحابة يكرهون تعاطي ذلك. قال: وقد أشار البخاري بالترجمة إلى الجمع بين حديث أبي أمامة، والحديث الماضي في فضل الزرع والغرس، وذلك بأحد أمرين: إما أن يحمل ما ورد من الذم على عاقبة ذلك ومحله ما إذا اشتغل به فضيع بسببه ما أمر بحفظه. وإما أن يحمل على ما إذا لم يضيع إلا أنه جاوز الحد فيه. ونقل ابن حجر أيضا عن الداودي أن هذا يحمل على من يقرب من العدو فإنه إذا اشتغل بالحرث لا يشتغل بالفروسية فيتأسد عليه العدو فحقهم أن يشتغلوا بالفروسية، وعلى غيرهم إمدادهم بما يحتاجون إليه (١). وقال العيني: المقصود الترغيب والحث على الجهاد (٢). ولا ريب أن الاشتغال بالزراعة، وترك الجهاد، وأعمال الفروسية، من أسباب ذلة الأمة. ولقد كان في درس الأندلس أعظم العبر والعظات للمسلمين حيث انصرفوا آخر أمرهم إلى الترف، والتأنق في العمارة، والاشتغال بالزراعة وبناء الجسور، والقنوات، وصناعة الآلات الرافعة كالنواعير والدواليب والمبالغة في الاهتمام بالأزهار، والورود والعطور، وانصرفوا عن أخلاق الفروسية، وصناعة الآلات الحربية، وتركوا أشعار الحماسة والجهاد إلى أشعار الوصف والغزل إلى أن دهمهم العدو المتربص، وأحاط بهم من كل جانب فرزأهم في

стр. 14498

الأموال والأعراض، وفتنهم في دينهم. وهكذا أسدل الستار على مجد حافل، وعز طائل دام نحو ثمانية قرون. وقد حذر الرسول ﷺ أشد التحذير من الإخلاد إلى الأرض وترك الجهاد والواجبات الأخرى في أحاديث كثيرة، كقوله: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم (١)».

стр. 14499

عناية المسلمين بالزراعة: عني المسلمون عناية كبيرة بالزراعة، واهتموا بإصلاح شبكات الري، وبناء القناطر، وتحسين الغلة الزراعية، وإحياء الموات، ولم تهمل الأرض في عصر من العصور الإسلامية، برغم اشتغال المسلمين بالفتوحات، وتوطيد الأمن في البلاد، فضلا عن اهتمامهم بالصناعة، والعمارة وتحديث الأسلحة، وبناء الأساطيل البحرية إلى غير ذلك. ففي عصر النبوة نجد أن الرسول ﷺ قد ندب إلى الزراعة، وإحياء الموات والغرس والمساقاة، ورغب المسلم أن يمنح أرضه لأخيه يزرعها دون مقابل، وشرع إقطاع الأراضي في بعض الأحيان. وكان لعدد من الصحابة ﵃ مزارع عظيمة المحصول تضاهي في ذلك أعظم المزارع في عصرنا هذا، فكان لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ بستان عظيم في الطائف يقال له: (الوهط) كان العنب فيه محمولا على ألف ألف خشبة (مليون خشبة) وكان الزبيب إذا وضع في مكان منه يظنه الرائي من بعيد تلا.

стр. 14500

وكان لطلحة بن عبيد الله ﵁ وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة - ضيعة عظيمة كثيرة المدخل اسمها (النشاستج) (١) وكذلك كان للزبير بن العوام ﵁، وغيره من الصحابة مزارع كبيرة حتى قيل: يهتم المسلمون عند فتح أي بلد بشيئين في وقت معا هما: بناء المسجد، وتنظيم الحقل (٢). يقول وليم ويلكوكس أحد المهندسين الغربيين المعاصرين: إن عمل الخلفاء في ري الفرات يشبه أعمال الري في مصر، والولايات المتحدة، وأستراليا في هذا العصر (٣). أما الأمويون فقد اهتموا بإصلاح وترميم شبكات الري، وتجفيف المستنقعات في أسفل العراق، ورصد الحجاج لتكلفة تجفيف المستنقعات مبلغ ثلاثة ملايين درهم، وعمل على الإكثار من الأيدي العاملة فأتى بخلق من نبط السند، وأضاف ممن بها من الناس ومعهم أهلوهم وأولادهم وجواميسهم فأسكنهم بأسافل (كسكر)، وحاول أن يمنع الموالي العاملين في القرى من الهجرة إلى المدن. أما الدولة العباسية فقد وجد فيها ديوان خاص عرف بديوان الماء، وهو أشبه ما يكون بوزارة الزراعة والري في أيامنا هذه، وبلغ عدد المشتغلين فيه عدة الآف من الموظفين والعاملين والمهندسين والإداريين (٤). وبذل المسلمون في هذا العصر أقصى عنايتهم بكل ما يتعلق بشئون الزراعة، وراقبوا أمورها مراقبة دقيقة، وأشرفوا على الجداول وترميمها وكتب

стр. 14501

أبو يوسف رئيس القضاة في عصر الرشيد، كتابا يبين فيه للخليفة أن من واجب الدولة تشييد الجداول الجديدة على نفقتها الخاصة لتحسين الزراعة، وتنظيف الجداول الحالية، وترميمها، كما يوصي بإنشاء شرطة نهرية ذات كفاءة ممتازة. وكان العراق وجنوب فارس يبدوان في ذلك العهد روضة غناء. وقد بلغت ثروة الدولة من الزراعة نحو مائة وأربعة عشر مليون درهم، وفي عهد المأمون نحو ثلائمائة وتسعين مليونا، وثمانمائة وخمسة وخمسين ألفا من الدراهم والدنانير دون العروض، وفي عهد المعتصم بلغ خراج السواد ثمانية ملايين وثمانمائة وواحدا وعشرين ألفا وثمانمائة درهم (١). أما في الأندلس فقد أدخل المسلمون إليها نظام زراعة المدرجات في الجبال ودرسوا التربة والبيئة، وحفروا الترع، وأقاموا القناطر والجسور بالإضافة إلى النباتات الكثيرة التي أدخلوها إلى البلاد. واهتم المرابطون والموحدون بالزراعة، وشجعوا المزراعين وحرصوا على توفير المياه اللازمة للزراعة. وقد بلغت غلة الزيتون في ثلاث مدن مغربية في ذلك الوقت مائة ألف وخمسة آلاف دينار. يقول غوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب: لا يوجد في أسبانيا الحاضرة من أعمال الري إلا ما أتمه العرب، وأصبحت أسبانيا التي هي صحراء حقيقية عدا بعض الأقسام في جنوبها جنة واسعة بفضل أساليب العرب الزراعية الفنية. وفي صقلية يقول: لم تكد أقدام العرب ترسخ في صقلية حتى أقبلوا على الزراعة والصناعة فانتشلوهما من الانحطاط الذي كانتا فيه وأدخلوا إلى صقلية زراعة القطن، وقصب السكر، والدردار (نوع من

стр. 14502

الشجر العظيم له زهر أصفر والزيتون، وحفروا فيها الترع والقنوات التي لا تزال باقية وأنشئوا فيها المجاري المعقوفة التي كانت مجهولة قبلهم (١).

стр. 14503

متى يتحقق الأجر في الزراعة: لا يختص ثبوت الأجر على الزراعة لمن باشر ذلك بيده وحسب، بل يشمل من استعمل ماله لذلك بشراء الأرض، واستئجار العمال، واستشارة المهندسين والمرشدين الزراعيين، وشراء الآلات الزراعية للحرث والحصاد، واحتفار الآبار وغير ذلك. قال المناوي: ولا يختص - أي ثبوت الأجر - بمباشرة الغرس أو الزرع بل يشمل من استأجر لعمله (١). لكن لا بد من مراعاة بعض الأمور حتى يتحقق للإنسان أجره كاملا في هذا الصدد منها: أولا: النصح في العمل، وذلك بأن يخلص في عمله ويتقنه ما استطاع، وأن لا يكون قصده النفع الدنيوي فحسب بل التوسعة على المسلمين في أقواتهم وأسعارهم قال ابن المنذر: إنما يفضل عمل اليد سائر المكاسب إذا نصح العامل (٢). ومن النصح في العمل مراعاة حاجة البلد من الثمار والحبوب، والسعي لتحسين المحصول، وتحسين الأنواع لا أن يكون قصده مضاهاة غيره ومنافستهم في الأسواق. ثانيا: أداء حق الله تعالى في هذه المزروعات وذلك بأن يخرج زكاة ما تجب فيه الزكاة منها، وأن يكون للفقراء والمحتاجين والأقربين نصيب مما ليس فيه زكاة منها. قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٣) وزكاة المزروعات البعلية التي تسقى بماء المطر العشر، وذلك إذا بلغت خمسة أوسق -

стр. 14504

وأما ما يسقى بالنضح أي بجهد العامل ففيه نصف العشر، سواء أكان النضح من الآبار الأرتوازية المحفورة في الأرض أم من العيون التي تحتاج إلى نقل، واستعمال الآلات، أم مما ينقل بواسطة سيارات الصهاريج المائية أم غير ذلك مما يبذل المزارع فيه جهدا لإيصال الماء إلى مزروعاته، ولو كان عن طريق الآلات الزراعية التي توفر على الإنسان مزيدا من الجهد والمشقة، كالمحاور الزراعية، ورشاشات الماء، واستعمال المواسير والتمديدات، والتنقيط وغير ذلك. ثالثا: أن لا يعتقد أن الرزق من الكسب أو من الأرض بل من الله تعالى يسره وسخره، وهيأه له بهذه الواسطة ولولا فضل الله تعالى لم يكن ذلك قال الحافظ ابن حجر: " ومن شرطه - أي الكسب - أن لا يعتقد أن الرزق من الكسب بل من الله تعالى بهذه الواسطة " (١). قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ (٢) ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (٣) ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (٤) ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ (٥) ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (٦). أي أرأيتم ما تبذرونه في الأرض وتعملونه أأنتم تخرجونه وتنبتونه، وتردونه نباتا يرف وينمى إلى أن يبلغ الغاية، وأضاف تعالى الحرث إليهم والزرع إليه لأن الحرث فعلهم ويجري على اختيارهم، والزرع من فضل الله تعالى وينبت على اختياره لا على اختيارهم (٧). روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يقولن أحدكم زرعت وليقل حرثت؛ فإن الزارع هو الله (٨)».

стр. 14505

فالله تعالى يبين في الآيات المتقدمة وغيرها فضله على عباده، وجميل لطفه بهم وأنه برحمته ولطفه أنبت لهم الزرع، وأنزل لهم الماء الذي يحيي به الأرض بعد موتها، ويسقيه مما خلق أنعاما وأناسي كثيرا، وأنه برحمته أنزله عذبا طهورا صالحا للشرب والسقي، ولو شاء لجعله زعافا أجاجا لا يصلح للشرب ولا للزرع، ولا لسقي الدواب. وقد يخيل لبعض الناس أن هذا الأمر لا علاقة له بالإنتاج الزراعي أو جودة المحاصيل، وزيادة الغلة، ولكن الحقيقة أن أحوال البشر على هذه الأرض شدة ورخاء، أو نعمة وبلاء، أو خصبا وجدبا مرتبطة بأعمالهم وفق سنن إلهية لا تتغير، ولن تجد لسنة الله تبديلا. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٢) ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ (٣). وقال تعالى ذكره حكاية عن نوح ﵇: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ (٤) ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (٥) ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (٦). رابعا: أن لا يكون المغروس أو المزروع في أرض مغصوبة أو مأخوذة من أصحابها بطريق الظلم والاحتيال.

стр. 14506

وقد عم بلاء الاعتداء على الأرض في أيامنا هذه، خاصة بعد ارتفاع أسعارها فلجأ بعض الناس إلى الاستيلاء على أراضي الآخرين غصبا وظلما، أو احتيالا بأرخص الأسعار أو بتزوير الوثائق والحجج، أو الاعتداء على الحدود ومنارات الأرض وتغيير معالمها، وكل هذا من الظلم الذي حرمه الله تعالى، وجعل لصاحب الحق الاقتصاص من الظالم يوم القيامة بقدر حقه. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء (١)». وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين (٢)». إنه طوق خزي وقلادة عار يقلدها الظالم المعتدي يوم القيامة فيكلفه الله تعالى نقل ما ظلم من الأرض إلى سبع أرضين ويجعله كالطوق في عنقه، وذلك في يوم يود الإنسان فيه لو تخفف من جلده وبعض أعضائه لما يجد من العرق والحر والهول، في يوم مقداره خمسين ألف سنة. خامسا: أن لا يكون المزروع أو المغروس مما حرم الله تعالى من النباتات الخبيثة التي ثبت ضررها وفتكها بالصحة، أو تأثيرها على العقل والحواس، كالحشيش وما كان من جنسه، وكذلك الدخان لما ثبت من إضراره بالصحة، ويلتحق بهذا مما يزرع لغرض محرم كزراعة العنب بقصد اتخاذه خمرا أو لصناعة النبيذ أو زراعة الشعير لهذا الغرض، أو زراعة الخشخاش للحصول على المخدرات منه، وغير ذلك. روي عن النبي ﷺ قال: «من حبس العنب أيام القطاف حتى

стр. 14507

يبيعه من يهودي أو نصراني أو ممن يتخذه خمرا فقد تقحم النار على بصيرة (١)» قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويمنعهم الوالي - أي المزارعين - من زراعة الأشجار المحرمة كالحشيش (٢). سادسا: تعلم العلم المحتاج إليه في الزراعة حتى لا يركب فيها الصعب والذلول، والحلال والحرام دون تمييز. قال ابن الحاج في المدخل: فالزراعة من أعظم الأسباب وأكثرها أجرا إذ إن خيرها متعد إلى الزارع ولإخوانه المسلمين وغيرهم. والطير والبهائم والحشرات كل ذلك ينتفع بزراعته، فما في الصنائع كلها أبرك منها، ولا أنجح إذا كانت على وجهها الشرعي، وهي من أكبر الكنوز المخبأة في الأرض لكنها تحتاج إلى معرفة بالفقه وحسن محاولة في الصناعة مع النصح التام والإخلاص فيها، فحينئذ تحصل البركات وتأتي الخيرات. قال: وإذا كان ذلك كذلك فمن فيه أهلية لتعلم العلم المحتاج إليه في حرفته فيتعين عليه التعلم، ومن لم يكن فيه أهلية لذلك فليسأل العلماء عن فقه ما يحتاج إليه في زراعته أو غيرها من الحرف (٣).

стр. 14508

الزراعة وعدد السكان: لا يخفى أن الأرض هي أهم المصادر التي يعتمد عليها إنتاج الغذاء للأحياء جميعا. كما لا يخفى أن عدد سكان العالم في ازدياد كبير، وأن إهمال الأرض وعدم استغلال مواردها وخيراتها سيؤدي حتما إلى نقص الإنتاج الزراعي، وهو بدوره يؤدي إلى تقليص الإنتاج الحيواني بنسبة كبيرة.

стр. 14509

فإذا كان سكان العالم يزدادون بنسبة كبيرة، ومع ذلك ينقص الإنتاج الغذائي بنسبة كبيرة أيضا، فإن هذا يعني وقوع المجاعات، والكوارث البشرية المخيفة، ومن هنا فقد لجأت الدول إلى الوسائل والأساليب غير المشروعة لمعالجة هذه المشاكل، كتحديد النسل أو السطو على الأراضي، واستعمار البلاد والعلاج المشروع الحاسم إنما يكمن في الانتفاع بالوسائل التقنية الحديثة التي توصل الإنسان إلى صنعها في استخراج خزائن الأرض والإفادة من خيراتها، وتوزيع ذخائرها وكنوزها توزيعا عادلا، لا أن يلجأ إلى هذا الأساليب التقنية في منع النسل، والإجهاض والقضاء على العنصر البشري. ومن الغريب جدا أن يلجأ إلى مثل هذه الوسائل في العالم الإسلامي الذي ينتمي إلى أكمل الشرائع وأفضلها. إذ مع كون ذلك مخالفا لمقاصد الشريعة فإنه ليس له ما يراه في الواقع، وذلك لأنه من غير المقبول البتة أن تهمل آلاف الهكتارات بل ملايين الهكتارات من الأراضي الزراعية ولا يلتفت إلى إصلاحها، وتوفير الغذاء منها مع وجود الإمكانات والقدرات لاستغلال ذلك ثم يلجأ إلى تحديد النسل بحجة أن نسبة السكان في تزايد مستمر. وحتى يتضح لنا ما تزخر به البلاد الإسلامية من ثروات متنوعة، وخاصة الثروة الزراعية والحيوانية نستعرض فيما يلي ملخصا لبعض تجارب استصلاح الأراضي الزراعية في الوطن العربي لعام ١٤٠٤هـ / ١٩٨٤ م وقد قام بنشر هذه التجارب معهد البحوث والدراسات العربية ببغداد، التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بإشراف عدد من المتخصصين.

стр. 14510

ونكتفي هنا بذكر أكبر الدول العربية من حيث المساحة. وبنحو هذه النسب يمكن أن نحكم على باقي البلاد الإسلامية المترامية الأطراف، إن المسلمين لو أدركوا أهمية الزراعة، وفقهوا حكم تعمير الأراضي، وإصلاحها وعرفوا فضل الزرع والغرس، وأجر الزراعة لتحولت صحاريهم الشاسعة الميتة إلى سهول خضراء، ولدبت الحياة في رمالها، ولأصبحت أفنية بيوتهم وساحاتهم، وجزر شوارعهم، وجوانب طرقاتهم حدائق غناء تسر الناظرين، وتمتع القاطنين والعابرين. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ (١). والحمد لله رب العالمين.

стр. 14511

المراجع:

стр. 14512

جرير بن عبد الله البجلي السفير القائد اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا محمد رسول الله ﷺ اللواء الركن: محمود شيت خطاب (١). نسبه. . أيامه الأولى: هو جرير بن عبد الله بن جابر وهو الشليل، بن مالك بن نصر بن ثعلبة بن جشم بن عويف بن خزيمة بن حرب بن علي بن مالك بن سعد بن نذير بن قسر بن عبقر بن أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ. وبنو عمرو بن الغوث بن نبت هم أخو الأزد بن الغوث بن نبت بن زيد بن كهلان بن سبأ (٢). والأزد وبجيلة من قبائل قحطان، وكذلك خثعم وبنو همدان وبنو الهان وبنو الأشعر وبنو طيئ وهو مذحج، وبنو خولان وبنو المغافر وبنو عاملة وبنو جذام وبنو لخم وبنو كندة وبنو حمير: لأن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، من قبائل اليمن (٣). نسب بنو بجيلة إلى أمهم بجيلة بنت صعب بن علي بن سعد العشيرة (٤).

стр. 14513

وقد اختلف النسابون في بجيلة فمنهم من جعلهم من اليمن: أغار بن إراش بن عمرو الذي هو أخو الأزد، وهو قول الكلبي وأكثر أهل النسب، ومنهم من قال: أغار بن نزار بن معد، كما ذكر ابن إسحاق (١) ولكن ابن هشام استدرك على ابن إسحاق، فذكر نسب بجيلة: أغار بن إراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد كهلان بن سبأ (٢) كالنسب الذي ذكرناه، فهو الصواب لإجماع المصادر المعتمدة كافة عليه. كما أن النبي ﷺ بعث جريرا إلى اليمن مقاتلا (٣) وداعيا (٤) وسفيرا، مما يدل على معرفته التفصيلية باليمن، فبجيلة يمانية (٥) دون شك. كان سيدا في الجاهلية (٦) وسيد قومه (٧)، واختلفوا في موعد إسلامه، فهناك من يذكر أنه أسلم قبل أربعين يوما من وفاة النبي ﷺ (٨)، وهذا خطأ لما ثبت في الصحيحين: البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال لجرير: «استنصت الناس (٩)» في حجة الوداع، وذلك قبل التحاق النبي ﷺ بالرفيق الأعلى بأكثر من ثمانين يوما (١٠). وجزم الواقدي، بأن جريرا وفد على النبي ﷺ في شهر رمضان سنة عشر الهجرية؛ وهذا خطأ أيضا، لأن جريرا يروي أنه «سمع الرسول ﷺ ينعى النجاشي»، وهذا يدل على أن إسلام جرير كان قبل سنة عشر الهجرية (١١) لأن النجاشي مات قبل ذلك.

стр. 14514

والنجاشي لقب لكل من ملك الحبشة (١). والصحيح أن جريرا أسلم سنة تسع الهجرية، وهي سنة الوفود. لقد كان جرير موضع ثقة النبي ﷺ قال جرير: «ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا ضحك (٢)»، ونال شرف الصحبة، ولكنه لم ينل شرف الجهاد تحت لواء النبي ﷺ فلا ذكر له في غزوات النبي ﷺ وسراياه.

стр. 14515

هدم ذي الخلصة أرسل النبي ﷺ جريرا لهدم ذي الخلصة وهي من الأصنام: بيضاء منقوشة، عليها كهيئة التاج، وكانت بـ (تبالة) بين مكة واليمن، على مسيرة سبع ليال من مكة، وكان سدنتها بنو أمامة من باهلة بن أعقر، وكانت تعظمها وتهدي لها خثعم وبجيلة وأزد السراة ومن قاربهن من بطون العرب - من هوازن (١). وذو الخلصة الذي فيه هذا الصنم، بيت كان يطلق عليه في الجاهلية

стр. 14516

اسم: الكعبة اليمانية (١) وقال رجل من العرب في ذي الخلصة: لو كنت يا ذا الخلص الموتورا مثلي وكان شيخك المقبورا لم تنه عن قتل العداة زورا وكان أبوه قتل، فأراد الطلب بثأره، فأتى ذا الخلصة، فاستقسم عنده بالأزلام، فخرج السهم بنهيه عن ذلك فقال هذه الأبيات، ومن الناس من ينحلها امرأ القيس بن حجر الكندي (٢). وسار جرير إلى ذي الخلصة، على رأس مائة وخمسين فارسا، فهدم الصنم والبيت وحرقهما وعاد سالما، فدعا له النبي ﷺ (٣) ودعا للذين كانوا معه (٤)، وسجد شكرا لله تعالى (٥). وعن جرير قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا تكفيني ذا الخلصة؟ فقلت: يا رسول الله ﷺ إني رجل لا أثبت على الخيل، فصك في صدري، فقال: اللهم ثبته، واجعله هاديا مهديا، فخرجت في مائة وخمسين من قومي، أتيناها، فأحرقناها (٦)». وإرسال النبي ﷺ جريرا لهدم صنم قومه وحرقه، دليل على ثقته بإيمانه العميق، لأن قوم جرير كانوا من القبائل العربية التي كانت تعظم هذا الصنم في الجاهلية، كما أن تنفيذ جرير هذا الواجب دليل على تخليه نهائيا عن عقيدته التي كان عليها قبل إسلامه، وتمسكه بالإسلام تمسكا قويا صادقا. وهكذا اقتلع جرير بذور الشرك من أصوله في تلك المنطقة، فدخل الناس في دين الله أفواجا.

стр. 14517

السفير بعث رسول الله جريرا إلى ذي الكلاع بن ناكور بن حبيب بن مالك بن حسان بن تبع (١) وذي عمرو (٢) باليمن يدعوهما إلى الإسلام، فأسلما، وأسلمت ضريبة بنت أبرهة بن الصباح امرأة ذي الكلاع (٣) ويبدو أن النبي ﷺ بعث جريرا إلى اليمن سنة إحدى عشرة الهجرية. وكان النبي ﷺ كتب إلى ذي الكلاع مع جرير (٤)، ولم يرو نص الكتاب، وكان ذو عمرو يهوديا، ووفد ذو الكلاع على عمر بن الخطاب ﵁، فأغزاه الشام، فلم يزل بها حتى قتل بصفين مع معاوية بن أبي سفيان (٥)، ومعركة صفين كانت سنة سبع وثلاثين الهجرية (٦) (٦٥٧ م). وتوفي رسول الله ﷺ وجرير في اليمن، فأخبره ذو عمرو بوفاته ﷺ ، فخرج جرير إلى المدينة المنورة (٧). وهكذا نهض جرير بواجبه سفيرا بنجاح، كما نهض بواجبه داعيا بنجاح أيضا.

стр. 14518

المجاهد ١ - في ردة اليمن: عاد جرير إلى المدينة المنورة بعد انتقال النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى، فأخبر أبا بكر الصديق بارتداد من ارتد وثبات من ثبت على الإسلام. ورد أبو بكر جريرا إلى بجيلة قومه، وأمره أن يستنفر من قومه من ثبت على الإسلام، ويقاتل بهم من ارتد عن الإسلام، وأن يأتي خثعم فيقاتل من خرج غضبة لذي الخلصة، فخرج جرير وفعل ما أمره، فلم يقم له أحد إلا نفر يسير، فقتلهم وتتبعهم (١). ولم يقتصر نشاط جرير خلال هذه السنة - سنة اثنتي عشرة الهجرية - على الجهاد، بل شمل الإدارة أيضا، فبعث خالد بن الوليد عماله لقبض الجزية، وكان جرير عامله على بانقيا وبسما، فنزل على المنعة وقبض الجزية (٢)، واكتتب عمال الخراج، وكتبوا البراءات لأهل الخراج من نسخة واحدة وهذا نصها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ براءة لمن كان في كذا وكذا من الجزية، التي صالحهم عليها الأمير خالد بن الوليد، وقد قبضت الذي صالحهم عليه خالد، وخالد والمسلمون لكم يد على من بدل صلح خالد، ما أقررتم بالجزية، وكففتم. أمانكم أمان، وصلحكم صلح، نحن لكم على الوفاء.

стр. 14519

وأشهدوا لهم النفر من الصحابة الذي كان خالد أشهدهم: وكان جرير أحد الشهود على هذه الوثيقة (١).

стр. 14520

٢ - في العراق: ونزل خالد الحيرة، واستقام له أمر ما بين الفلاليج إلى أسفل السواد، وفرق سواد الحيرة يومئذ على جماعة من رجاله، كان بينهم جرير (١). وشهد جرير معارك الفتح بعد الحيرة، وفي معركة (المصيخ) التي كانت بقيادة خالد بن الوليد، قتل جرير عبد العزى بن أبي رهم بن قراوش أخا أوس مناة، من النمر، وكان معه كتاب من أبي بكر الصديق بإسلامه، فوداه أبو بكر وأوصى بأولاده (٢)، ومن الواضح أن جريرا قتله خطأ، إذ لم يكن يعلم بإسلامه ولا بكتاب أبي بكر الصديق الذي معه.

стр. 14521

٣ - في أرض الشام: لما غادر خالد بن الوليد العراق إلى أرض الشام، كان أحد الذين استصحبهم معه من صحابة رسول الله ﷺ والذين كانوا بإمرته في العراق، جريرا، فشهد معه معارك خالد كافة في طريقه إلى الشام. وفي معركة اليرموك الحاسمة التي كانت سنة ثلاث عشرة الهجرية (١)، برز

стр. 14522

اسم جرير أحد الفدائيين الفرسان من المهاجرين والأنصار، وهم مائة فارس، انتخبهم خالد من بين أفراد جيش المسلمين في اليرموك، كل فارس منهم يرد جيشا وحده (١)، للتأثير بهم في معنويات الروم قبيل معركة اليرموك الحاسمة. ولم يذكر المؤرخون شيئا عن دور جرير في معركة اليرموك، ويبدو أنه كان دورا مشرفا.

стр. 14523

٤ - في العراق ثانية: عاد جرير من أرض الشام إلى المدينة مبشرا بانتصار المسلمين على الروم في معركة اليرموك (١). وكان أبو بكر الصديق قد مضى إلى ربه، وكان عمر بن الخطاب قد خلفه، فطلب منه جرير أن يجمع له بجيلة قومه تحقيقا لوعد النبي ﷺ بجمع بجيلة لجرير. وكتب عمر إلى عماله: " إنه من كان ينسب إلى بجيلة في الجاهلية، وثبت عليه في الإسلام، فأخرجوه إلى جرير، ففعلوا ذلك. ولما اجتمعوا أمرهم عمر بالعراق، فأبوا إلا الشام، فعزم عمر على العراق وينفلهم ربع الخمس، فأجابوا، فسيرهم عمر إلى المثنى بن حارثة الشيباني (٢) بالعراق، لأن عمر ندب الناس إلى المثنى لما بلغه خبر وقعة أبي عبيد الثقفي في الجسر (٣) وكان فيمن ندب بجيلة (٤). وتوجه جرير على رأس بجيلة إلى المثنى في العراق، فكتب المثنى إلى جرير: " إنا جاءنا أمر لم نستطع معه المقام حتى تقدموا علينا، فعجلوا اللحاق بنا، وموعدكم البويب (٥) وكان جرير ممدا له (٦).

стр. 14524

وانتهى جرير إلى المثنى، فشهد تحت لواء المثنى معركة البويب التي انتصر فيها المسلمون على الفرس انتصارا عظيما (١). وبعد معركة البويب استأذن جرير المثنى في مطاردة الفرس المنهزمين، فكتب جرير إلى المثنى: " إن الله قد سلم وكفى، ووجه لنا ما رأيت، وليس دون القوم شيء، فأذن لنا بالإقدام "، فأذن المثنى لجرير ولآخرين في مطاردة المنهزمين، فأغار حتى بلغ (ساباط) (٢)، فتحصن أهل ساباط منهم واستباحوا (القريات) (٣) دونها، ورماهم أهل الحصن بساباط عن حصنهم، وكان أول من دخل حصنهم ثلاثة قواد، أحدهم جرير، وقد تبعهم أوزاع من الناس، ثم عادوا إلى المثنى (٤). ويبدو أن بعض الخلافات نشبت بين المثنى وجرير بعد معركة البويب. فقد أقبل جرير حتى إذا مر قريبا من المثنى، كتب إليه جرير: " إني لست فاعلا إلا أن يأمرني بذلك أمير المؤمنين، أنت أمير وأنا أمير ". ثم سار جرير فلقيه مهران بن باذان - وكان من عظماء فارس - عند النخيلة (٥)، قد قطع إليه الجسر، فاقتتلا قتالا شديدا. فشد أحد المسلمين (٦) على مهران فطعنه، فوقع عن دابته، فاقتحم عليه جرير واجتز رأسه، واختصما في سلبه، ثم اصطلحا، فأخذ جرير سلاح مهران، وأخد الثاني منطقته (٧). وحين اصطدم مهران بجرير في ساحة القتال، وأصبحا في تماس شديد،

стр. 14525

قال مهران: إن تسألوا عني فإني مهران ... أنا لمن أنكرني ابن باذان وكان باذان عاملا لكسرى على اليمن، وكان ابنه مهران معه في اليمن، فأتقن العربية هناك (١). وجاب المثنى السواد، وأرسل جريرا إلى ميسان، وخاض المثنى معركة (الخنافس) (٢) التي انتصر المسلمون فيها على الفرس في هذه المعركة (٣). واجتمع الفرس على يزدجرد فملكوه عليهم، وتبارى رؤساؤهم في طاعته ومعونته، فسمى الجنود لكل مسلخة كانت لكسرى أو موضع ثغر. وبلغ ذلك المثنى والمسلمين، فكتبوا إلى عمر بن الخطاب، فلم يصل الكتاب إلى عمر حتى كفر أهل السواد: من كان له منهم عهد ومن لم يكن له منهم عهد، فخرج المثنى برجاله حتى نزل بذي قار، وتنزل الناس بالطف، حتى جاءهم كتاب عمر: " أما بعد. . فاخرجوا من بين ظهري الأعاجم، وتفرقوا في المياه التي تلي الأعاجم على حدود أرضكم، ولا تدعوا في ربيعة أحدا ولا مضر ولا حلفائهم أحدا من أهل النجدات ولا فارسا إلا اجتلبتموه، فإن جاء طائعا وإلا حشرتموه. احملوا العرب على الجد إذ جد العجم، فتلقوا جدهم بجدكم ".

стр. 14526

ونزل المثنى بذي قار، ونزل الناس بالجل (١) وشراف إلى غضى (٢)، وغضى حيال البصرة، فكان جرير بغضى. فكانوا في أمواه الطف من أولها إلى آخرها مسالح بعضهم ينظر إلى بعض، ويغيث بعضهم بعضا إن كان قتال، وذلك في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة الهجرية (٣). وكان المثنى قد كتب إلى عمر يمحل (٤) بجرير، فكتب عمر إلى المثنى: " إني لم أكن لأستعملك على رجل من أصحاب محمد ﷺ يعني جريرا "، وقد وجه عمر سعد بن أبي وقاص (٥) إلى العراق في ستة آلاف أمره عليهم، وكتب إلى المثنى وجرير أن يجتمعا إلى سعد بن أبي وقاص، وأمر سعدا عليهما فسار سعد حتى نزل شراف (٦)، وسار المثنى وجرير حتى نزلا عليه، فشتا بها سعد، واجتمع إليه الناس، ومات المثنى بن حارثة ﵀ (٧). ولم يكن الخلاف بين الرجلين لنوازع شخصية، فانتهى الخلاف بينهما بموت المثنى وتأمير سعد بن أبي وقاص عليهما، وكثيرا ما تحدث مثل هذه الخلافات في أيام القتال بين القادة، لظروف الحرب الصعبة أولا ولاختلاف الاجتهادات في معالجة مشاكل القتال ثانيا. لقد كان جرير أحد قادة المثنى المقربين إليه، وقد أعانه وعاونه في تحمل أعباء قيادته، وكان التعاون بين القائدين اللامعين وثيقا والاختلاف في الرأي من أجل المصلحة العامة، ليس كالاختلاف في الرأي من أجل المصلحة الخاصة، وما اختلاف القائدين إلا اختلاف في الاجتهاد.

стр. 14527

٥ - في القادسية: وقاتلت بجيلة بقيادة جرير تحت لواء سعد بن أبي وقاص في معركة القادسية الحاسمة التي فتحت أبواب العراق للمسلمين بعد انتصارهم على الفرس، وكان تعداد بجيلة يومئذ يقدر بألفي مقاتل (١) وكان بسعد عرق النسا ودماميل، فاستخلف خالد بن عرفطة (٢) على الناس، فاختلف عليه الناس، فقال: " احملوني وأشرفوا بي على الناس " فارتقوا به، فأكب مطلعا عليهم: يأمر خالدا، فيأمر خالد الناس، وكان ممن شغب على سعد وجوه من وجوه الناس، فهم بهم سعد وأراد معاقبتهم عقابا صارما، ولكنه اكتفى بحبسهم في القصر. فقال جرير: " أما إني بايعت رسول الله ﷺ على أن أسمع وأطيع لمن ولاه الله الأمر وإن كان عبدا حبشيا " (٣) فما وافق على الفتنة، وعمل جاهدا على إطفاء نارها. وجعل سعد على ميمنة الناس جريرا (٤) في ترتيباته التعبوية للمعركة، كما جعل على الميسرة قائدا من قادته الآخرين، مما يدل على أن جريرا كان قائدا بارزا من قادة سعد في القادسية. وكان لجرير وبجيلة قومه أثر عظيم في انتصار المسلمين على الفرس في هذه المعركة الحاسمة، ففي الأول من أيام القادسية (يوم أرماث). وجه الفرس ثلاثة عشر فيلا، وفي رواية أخرى ستة عشر فيلا إلى مواقع بجيلة، ففرقت بين الكتائب وأذعرت الخيل، وكادت بجيلة أن تفنى عن بكرة أبيها

стр. 14528

بعد فرار خيلها ذعرا من الفيلة، ولكن مشاة (الرجالة) بجيلة ثبتوا في مواضعهم ثبات الأبطال، وأعانهم على الثبات تدارك سعد لهم ببني أسد الذين هاجموا الفيلة وحماتها هجوما عنيفا بقيادة طليحة الأسدي، فاستطاعوا بمعاونة ربيعة بقيادة الأشعث بن قيس الكندي بعد جهد جهيد وعناء شديد أن يجعلوا الفيلة والقوات الفارسية التي تساندها تولي الأدبار (١). وتركت بجيلة كثيرا من الشهداء في ساحة المعركة، ولكن ثباتها المدهش العنيد، أتاح للمسلمين تدارك الموقف الخطير الذي كان نتيجة من نتائج هجوم فيلة الفرس على قواتهم. وفي ليلة اليوم الرابع من أيام القادسية (ليلة الهرير) حملت بجيلة على القوات الفارسية مع من حمل عليها من القبائل العربية، غير منتظرة أمر سعد بالحملة، فعذرها سعد قائلا: " اللهم اغفرها لهم وانصرهم " فقضوا في تلك الليلة على عدد ضخم من الفرس، وفي بلاء بجيلة بقيادة جرير، قال سعد: وما أرجو بجيلة غير أني ... أؤمل أجرهم يوم الحساب فقد لقيت خيولهم خيولا ... وقد وقع الفوارس في ضراب وقد دلفت بعرصتهم فيول ... كأن زهاءها إبل جراب (٢) وكان سعد في شعره هذا يرد على قول جرير: أنا جرير كنيتي أبو عمرو ... قد نصر الله وسعد في القصر ولما فر الفرس من ساحة المعركة، وجه سعد عياض بن غنم (٣)، وجعل على مقدمته هاشم بن عتبة بن أبي وقاص (٤) وعلى ميمنته جرير وعلى ميسرته

стр. 14529

زهرة بن حوية التميمي (١)، وتخلف سعد لما به من الوجع، فطارد المسلمون الفرس إلى (ساباط) قريبا من المدائن، فأشفق الناس من أن يكون للعدو كمين، ولكن هاشم بن عتبة تغلغل في مطاردته للفرس حتى وصل إلى (جلولاء) وكان بها جماعة من الفرس استطاع المسلمون تشتيتهم (٢). لقد كان لبجيلة وعلى رأسها جرير، آثار باقية في معركة القادسية الحاسمة التي دارت رحاها بين المسلمين من جهة والفرس من جهة أخرى سنة أربع عشرة الهجرية، فكانت بجيلة بين القبائل العربية التي أحسنت غاية الإحسان في ذلك اليوم، وأبلت فيه أحسن البلاء. كما كان جرير بين القادة الآخرين الذين أحسنوا غاية الإحسان في ذلك اليوم، وأبلوا فيه أحسن البلاء، مما زين صفحات التاريخ ولا يزال يزينها حتى اليوم، وستبقى تلك الصفحات المشرفة ما بقي التاريخ.

стр. 14530

٦ - الفاتح: وشهد جرير مع قومه معركة فتح (المدائن) عاصمة كسرى تحت لواء سعد بن أبي وقاص، كما شهد معركة فتح جلولاء تحت راية هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري، فلما استطاع المسلمون إحراز النصر على القوات الفارسية في جلولاء ضم هاشم إلى بجيلة خيلا كثيفة وجعلهم بقيادة جرير، وأبقاهم قوة ساترة في جلولاء لتكون بين المسلمين والفرس حماية للمسلمين فهاجم جرير (خانقين) وكان فيها فلول من الفرس، فقتل بعضهم وفر الباقي (١).
следующие страницы →