← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 14561–14600 · переход к 14566.

стр. 14561

مراعاة مصالحها، لتتحقق هذه المصالح الكثيرة. هذا، ومن أجل ضمان تزويج الأب ابنته الصغيرة ممن في زواجها منه مصلحة لها فقد ذكر بعض العلماء لصحة تزويجه إياها شروطا أهمها: ا - ألا يكون بينها وبين والدها عداوة ظاهرة. ٢ - ألا يكون بينها وبين الزوج عداوة. ٣ - ألا يزوجها بمن في زواجها منه ضرر بين عليها كهرم ومجبوب ونحو ذلك. ٤ - أن يزوجها بكفء غير معسر بصداقها (١). وإذا زوج الأب ابنته البكر الصغيرة من كفء فقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا خيار لها إذا بلغت، وممن قال بذلك مالك والشافعي وأحمد وعامة أهل الحجاز (٢) وأبو حنيفة (٣)، وهو مذهب الحنفية؛ وذلك لأن الأب كامل الشفقة، فيلزم العقد بمباشرته له (٤). وذهب طاوس بن كيسان اليماني ﵀ إلى أن للصغيرة الخيار عند بلوغها فيما إذا زوجها الأب، واستدل ابن سماعة ﵀ لهذا القول بأن

стр. 14562

عقد الأب على الصغيرة يلزمها بموجبه تسليم نفسها للزوج بعد زوال ولاية الأب، فيجب إثبات الخيار لها عند البلوغ، قياسا على تزويج الأخ، فكما أن للصغيرة الخيار عند بلوغها فيما إذا زوجها الأخ فكذلك لها الخيار إذا بلغت عند تزويج الأب (١). ويمكن أن يجاب عن ذلك بأنه لو كان الخيار واجبا للصغيرة بعد بلوغها عند تزويج الأب لخير رسول الله ﷺ عائشة ﵂ لما بلغت كما خير نساءه لما نزلت آية التخيير (٢)، ولأن الأصل في عقد النكاح عدم الخيار (٣)، فإثباته فيه يحتاج إلى دليل مستقل، أما قياس تزويج الأب على تزويج الأخ فهو قياس مع الفارق، لأن الأب وافر الشفقة، فهو ينظر لابنته الصغيرة فوق ما ينظر لنفسه، والأب أيضا تام الولاية، فولايته تشمل النفس والمال، بخلاف الأخ (٤).

стр. 14563

تزويج غير الأب من الأولياء للبكر الصغيرة للعلماء في هذه المسألة أقوال: القول الأول: أن ذلك حق للأب وحده، ولا يجوز لغيره من الأولياء تزويجها حتى تبلغ، وهذا قول جمهور أهل العلم (١).

стр. 14564

وممن قال بهذا القول الإمام مالك في الرواية المشهورة عنه والثوري وأبو عبيد وأبو ثور وابن أبي ليلى (١)، والإمام أحمد في رواية عنه رجحها أكثر أصحابه (٢). واستدل أصحاب هذا القول بأدلة أهمها: الدليل الأول: ما رواه أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها (٣)».

стр. 14565

الدليل الثاني: ما رواه أبو موسى ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فقد أذنت، وإن أبت لم تكره (١)». الدليل الثالث: ما رواه نافع عن ابن عمر ﵄ قال: «توفي عثمان بن مظعون، وترك ابنة له من خويلة بنت حكيم، قال: وأوصى إلى أخي قدامة بن مظعون، قال عبد الله: وهما خالاي، قال: فخطبت إلى قدامة بن مظعون ابنة عثمان بن مظعون، فزوجنيها، ودخل المغيرة بن شعبة - يعني إلى أمها - فأرغبها في المال، فحطت إليه، وحطت الجارية إلى هوى أمها، فأبيا، حتى ارتفع أمرهما إلى رسول الله ﷺ ، فقال قدامة بن مظعون: يا رسول الله ابنة أخي أوصى بها إلي، فزوجتها ابن عمتها عبد الله بن عمر، فلم أقصر بها في الصلاح ولا في الكفاءة، ولكنها امرأة، وإنما حطت إلى هوى أمها، قال: فقال رسول الله ﷺ : هي يتيمة، ولا تنكح إلا بإذنها. قال: فانتزعت

стр. 14566

والله مني بعد أن ملكتها، فزوجوها المغيرة بن شعبة (١)». الدليل الرابع: ما رواه ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «اليتيمة تستأمر في نفسها، وإذنها صماتها (٢)». قالوا: معنى هذه الأحاديث: لا تزوج اليتيمة حتى تبلغ فتستأمر (٣)، لأن الصغيرة لا إذن لها، فلا تزوج حتى تبلغ، فيكون لها إذن معتبر (٤). الدليل الخامس: أنه قد ثبت نهي النبي ﷺ عن تزويج البكر حتى تستأذن، وهذا عام في كل بكر، يستثنى منه البكر الصغيرة ذات الأب، لتزويج أبي بكر ﵁

стр. 14567

ابنته عائشة ﵂ من رسول الله ﷺ وهي صغيرة ولتزويج بعض الصحابة ﵃ بعض بناتهم وهن صغيرات ويبقى النهي فيمن عداها على عمومه (١). الدليل السادس: أن غير الأب قاصر الشفقة فلا يلي تزويج الصغيرة، كالأجنبي (٢). الدليل السابع: أن الأخ والعم لا يتصرفان في مال الصغيرة، فكذلك بضعها (٣). القول الثاني: أنه يلحق بالأب الجد في جواز تزويج الصغيرة دون سائر الأولياء، لأن الجد أب أعلى (٤)، ولديه من الشفقة على الصغيرة ما لدى الأب غالبا، ولأن ولايته ولاية إيلاد فملك إجبارها كالأب، ولأن الجد يلي مال الصغيرة فكذلك تزويجها كالأب (٥)، وهذا قول الإمام الشافعي ﵀ (٦). القول الثالث: أنه يجوز لغير الأب من الأولياء تزويج الصغيرة، ولها الخيار إذا بلغت،

стр. 14568

وبهذا قال الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وعطاء وطاوس وقتادة وعبد الرزاق والأوزاعي، وقال به الإمام مالك (١)، والإمام أحمد (٢) في رواية عن كل منهما، ووافقهم في ذلك الإمام أبو حنيفة وأكثر أصحابه إلا أنهم قالوا: ليس لها الخيار إذا زوجها الجد أبو الأب (٣). واستدل أصحاب هذا القول بأدلة أهمها: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٤). قالوا: دلت الآية بمفهومها على أن لغير الأب من الأولياء ممن يحل له الزواج باليتيمة أن يتزوج بها إذا أقسط لها (٥)، واليتيمة هي من لم تبلغ، لحديث: «لا يتم بعد احتلام (٦)». قالوا: ويؤيد هذا التفسير للآية

стр. 14569

ما رواه البخاري ومسلم عن عروة بن الزبير قال: «سألت عائشة ﵂ عن قول الله تعالى: قالت: يا بن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها، تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا لهن أعلى سنتهن في الصداق (٢)». الدليل الثاني: ما روي من أنه ﷺ زوج ابنة عمه حمزة من عمر بن أبي سلمة، وهي صغيرة، وقال: «لها الخيار إذا بلغت (٣)».

стр. 14570

الدليل الثالث: أن غير الأب من الأولياء له حق ولاية النكاح للكبيرة، فكذلك له حق ولاية تزويج الصغيرة كالأب (١). الدليل الرابع: قالوا: إن النكاح يتضمن المصالح، وهي لا تتحقق إلا بين المتكافئين عادة، والكفء لا يوجد في كل وقت وإنما يظفر به في وقت دون وقت، والولاية لعلة الحاجة، فيجب إثباتها لغير الأب على الصغيرة، إحرازا لهذه المصلحة، مع أن أصل القرابة داعية إلى الشفقة، غير أن في هذه القرابة قصورا أظهرناه في إثبات الخيار لها إذا بلغت (٢). القول الرابع: أنه يجوز لغير الأب أن يزوج الصغيرة، ولها الخيار إذا بلغت، وليس للزوج أن يدخل بها قبل أن تبلغ فتختار، وهذا قول إسحاق بن راهويه ﵀ (٣).

стр. 14571

القول الخامس: أنه يجوز لغير الأب أن يزوج الصغيرة، ولا خيار لها إذا بلغت، لأنه عقد بولاية مستحقة بالقرابة، فلا يثبت فيه خيار البلوغ كعقد الأب، وهذا لأن القرابة سبب كامل لاستحقاق الولاية، والقريب هنا قائم مقام الأب في التصرف في النفس، كالوصي في التصرف في المال، فكما أن عقد الوصي يلزم ويكون كعقد الأب فيما قام فعله مقامه، فكذلك عقد الولي، وهذا قول عروة بن الزبير وحماد بن أبي سليمان وأبي يوسف صاحب أبي حنيفة (١). القول السادس: أن اليتيمة إذا بلغت تسع سنين صح تزويجها بإذنها، ولا خيار لها إذا بلغت، ولا يصح تزويجها قبل ذلك، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو المنصوص في أكثر أجوبته، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه إبراهيم بن مفلح وغيرهما، وروي نحو هذا القول عن الإمام مالك في حق اليتيمة المحتاجة إلى النكاح. واستدل أصحاب هذا القول بالآية التي استدل بها أصحاب القول الثالث وبتفسير عائشة ﵂ لها. واستدلوا أيضا بالأحاديث التي فيها النهي عن تزويج اليتيمة حتى تستأذن، والتي استدل بها أصحاب القول الأول. قالوا: الآية صريحة في صحة تزويج اليتيمة، وهي من دون سن البلوغ، لحديث «لا يتم بعد احتلام (٢)»، والأحاديث أوجبت استئمار أو

стр. 14572

استئذان اليتيمة، فهذا يدل على أن المراد بذلك اليتيمة التي لها إذن صحيح، وقد انتفى ذلك فيمن لم تبلغ تسعا بالاتفاق، فيحمل على بنت تسع سنين إلى البلوغ، لأنها صغيرة مميزة، يصح لفظها مع إذن وليها، كما يصح تصرفها في البيع وغيره بإذن وليها، لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (١)، ولأنه يصح إسلامها وصومها وحجها وصلاتها وغير ذلك لما في جميع ذلك من المصلحة لها، فإذا زوجها الولي بإذنها من كفء جاز، وكان هذا تصرفا بإذنها، وهو مصلحة لها (٢). واستدلوا أيضا بما روي عن ابن عمر ﵄ مرفوعا «إذا أتى على الجارية تسع سنين فهي امرأة (٣)». وبما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: «إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة (٤)». واستدلوا كذلك بما روي أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب أم كلثوم بنت أبي بكر بعد موته إلى عائشة ﵂، فأجابته، فكرهته الجارية، فتزوجها طلحة بن عبيد الله (٥). وذكروا أن سنها حين خطبها عمر أقل من عشر سنوات، لأنها إنما ولدت بعد موت أبيها، وإنما كانت ولاية عمر عشرا (٦).

стр. 14573

قال الموفق بعد ذكره لهذا الأثر: " ولم ينكره منكر، فدل ذلك على اتفاقهم على صحة تزويجها قبل بلوغها بولاية غير أبيها (١). والراجح في هذه المسألة هو القول الأخير، لأن فيه جمعا بين الأدلة، واستعمالا لجميع النصوص الواردة في المسألة (٢)، والجمع بين الأدلة، وإعمالها جميعا، أولى من إهمال بعضها، ولأن في تزويج الصغيرة مصالح منها عدم فوات الأكفاء، وصلاح المعيشة، ولأن اليتيمة قد تحتاج إلى الزواج أكثر من ذات الأب، فقد تحتاج إلى من ينفق عليها أو يحفظ حقوقها ويرعاها ونحو ذلك، ولأن هذا القول هو أوسط الأقوال وأعدلها، فلا تمنع اليتيمة المميزة التي تطيق النكاح عادة من الزواج حتى تبلغ، مع أنها قد تكون في أمس الحاجة إلى ذلك، ولا تزوج ويدخل بها الزوج ثم تخير بعد ذلك، لما في ذلك من الضرر البين عليها، وأيضا فإن الأصل في عقد النكاح عدم الخيار (٣)، فالقول به فيه يحتاج إلى ليل صحيح، وهو غير موجود. والله أعلم.

стр. 14574

٣ - تزويج الوصي للبكر الصغيرة قبل أن نتكلم عن حكم تزويج الوصي للبكر الصغيرة يحسن أن نتكلم عن أصل هذه المسألة وهو هل تصح الوصية بالتزويج أم لا؟ وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال: القول الأول: أن التزويج خاص بالأولياء، فإذا توفي الأقرب منهم انتقلت ولاية النكاح

стр. 14575

إلى من يليه، فلا يصح لأحد من الأولياء أن يوصي بها، وهذا قول جمهور أهل العلم (١)، وممن قال به الشعبي والنخعي والثوري (٢)، والإمام أبو حنيفة في الرواية المشهورة عنه، ومحمد بن الحسن (٣)، والإمام الشافعي (٤)، والإمام أحمد في رواية عنه (٥)، وهو مذهب الحنفية (٦)، والظاهرية (٧)، لأنها ولاية تنتقل إلى غيره شرعا، وهي حق لم تنتقل إليه، فلم يجز أن يوصي بحق غيره كالحضانة (٨)، ولأن الولاية يشبه أن تكون جعلت للعصبة للعار عليهم، والوصي لا عار ولا ضرر عليه في تضييع المرأة ووضعها عند من لا يكافؤها، فلم تثبت له الولاية كالأجنبي (٩). القول الثاني: أنه يصح للولي أن يوصي بالتزويج، وهذا قول شريح والحسن وحماد بن أبي سليمان (١٠)، والإمام أبي حنيفة في رواية عنه (١١)، والإمام أحمد في رواية عنه أيضا (١٢)، وهو مذهب المالكية (١٣) لإقرار النبي ﷺ قدامة بن مظعون لما زوج ابنة أخيه عثمان لما أوصى إليه بتزويجها، فلم ينكر النبي ﷺ التزويج بموجب الوصية، وإنما أنكر تزويجها بغير إذنها، ولأن ولاية التزويج ثابتة للولي

стр. 14576

فجازت وصيته بها، كولاية المال، ولأنه يجوز أن يستنيب فيها في حياته، فجاز أن يستنيب فيها بعد موته، كولاية المال (١). قال ابن قدامة بعد أن رجح هذا القول: فعلى هذا تجوز الوصية بالنكاح من كل ذي ولاية، سواء كان مجبرا كالأب أو غير مجبر كغيره " (٢). القول الثالث: أنه إن كان للموصى بتزويجها عصبة لم تصح الوصية، لأن الوصي يسقط حقهم بوصيته، وإن لم يكن لها عصبة جاز لعدم ذلك، وبهذا قال الإمام أحمد في رواية عنه، اختارها ابن حامد من أصحابه. القول الرابع: أنه يجوز للولي أن يوصي بالتزويج، لكن لا يجوز للوصي أن يزوج المرأة إلا بموافقة وليها، فإن اختلفا رفعا أمرهما إلى السلطان، وهذا قول الإمام الزهري ﵀ (٣). وروى ابن الجعد عن الحارث العكلي أنه قال: النكاح إلى الولي ولكن يشاور الوصي (٤). والأقرب في هذه المسألة أنه يجوز للأب دون سائر الأولياء الوصية بتزويج بناته، وحديث ابن عمر ﵄ نص في صحة وصية الأب بذلك، حيث أقر ﷺ وصية عثمان بن مظعون لأخيه قدامة بتزويج ابنته، ولو كانت

стр. 14577

الوصية بالتزويج لا تجوز لأنكر ذلك ﷺ ، ولما أقرهم عليه، لأنه ﵊ لا يسكت عن إنكار المنكر، ولا يقر على باطل. وأيضا فإن الأب لا يعدل عن الأقارب إلى غيرهم أو عن الأقرب من العصبة إلى الأبعد منهم إلا لمصلحة راجحة، إما لأن هذا الذي أوصى إليه لديه من الشفقة على بناته ما ليس عند غيره أو لأنه أتقى من غيره ونحو ذلك، أو لما يعرف عن الولي الأقرب الذي ستنتقل إليه الولاية إن لم يوص من الفسق مما قد يحمله على ظلم موليته. والله أعلم. أما حكم تزويج الوصي للصغيرة فقد اختلف فيه القائلون بصحة الوصية بالتزويج على قولين: القول الأول: أن الوصي يقوم مقام الموصي، فإن كان الموصي يجوز له تزويج الصغيرة الموصى بتزويجها، جاز للوصي تزويجها، وإن كان يحتاج إلى إذنها فالوصي كذلك، وبهذا قال الإمام أبو حنيفة في رواية عنه (١)، وهو قول أكثر الحنابلة، قال المرداوي: " هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب ". واستدل أصحاب هذا القول بأن الوصي قائم مقام الولي، فيأخذ حكمه، كالوكيل (٢). القول الثاني: أن الوصي لا يملك الإجبار إلا إذا عين له الأب الزوج أو أذن له في الإجبار، وهذا مذهب المالكية.

стр. 14578

والراجح في هذه المسألة أن الوصي لا يملك تزويج الصغيرة بغير إذنها. إذ ليس عنده من الشفقة ما عند الأب، ولأن الصحيح أن غير الأب من الأولياء لا يجوز له تزويج اليتيمة بغير إذنها، مع أنه قريب لها، فمن باب أولى أن لا يجوز ذلك للوصي الذي هو بعيد عن المرأة غالبا. لكن قد يقال: بأنه يجوز للوصي أن يزوج الصغيرة إذا بلغت تسع سنين بإذنها، وقد سبق أن هذا القول هو الصحيح في مسألة تزويج غير الأب والجد من الأولياء لليتيمة، وهذه يتيمة، فيلحق الوصي بهم في الحكم، ومما يؤيد ذلك حديث ابن عمر حينما زوجه قدامة بن مظعون ابنة أخيه عثمان بن مظعون بدون إذنها، وكان وصي أبيها، فرد النبي ﷺ نكاحه، وقال: «هي يتيمة، ولا تنكح إلا بإذنها (١)»، وقدامة ﵁ إنما زوجها بالوصية لا بالقرابة، فقد كان هناك من هو أولى بتزويجها من قدامة لولا الوصية، كأخيها السائب بن عثمان بن مظعون، وهو صحابي بدري عاش إلى زمن أبي بكر ﵁ (٢)، وأيضا فإن قدامة وابن عمر نصا في هذا الحديث على الوصية، فدل على أن قدامة إنما زوج ابنة أخيه بموجبها، وإلا كان ذكرهما للوصية ضائعا (٣)، والنبي ﷺ لم ينكر على قدامة تزويج اليتيمة مطلقا، وإنما أنكر عليه تزويجها بغير إذنها، وأمره ألا يزوجها إلا بإذنها (٤)، واليتيمة من لم تبلغ، لحديث: «لا يتم بعد احتلام (٥)»، فحديث ابن عمر صريح في صحة تزويج الوصي لليتيمة المميزة قبل بلوغها إذا أذنت، وعدم جواز تزويج اليتيمة غير المميزة، لأنه ليس لها إذن معتبر، وقد جاء النهي في هذا الحديث وغيره عن تزويج اليتيمة بغير إذنها. والله أعلم.

стр. 14579

تزويج الثيب الصغيرة للعلماء في هذه المسألة أقوال: القول الأول: أنه لا يجوز تزويجها بغير رضاها، وأنها لا تزوج حتى تبلغ فتأذن، وبهذا قال الإمام الشافعي (١)، وهو وجه في مذهب الحنابلة. واستدل أصحاب هذا القول بأدلة كثيرة أهمها: الدليل الأول: ما رواه ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها (٢)»، وفي رواية «الأيم أحق بنفسها (٣)». الدليل الثاني: ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تنكح البكر حتى تستأذن، ولا الثيب حتى تستأمر، فقيل: يا رسول الله كيف إذنها؟ قال: إذا سكتت (٤)»، وفي رواية: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن (٥)».

стр. 14580

قالوا: المراد بالأيم في الحديثين " الثيب " بدليل التصريح بذلك في الروايات الأخرى، ولورودها في الحديثين في مقابل البكر (١). الدليل الثالث: ما رواه عدي بن عدي الكندي عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «شاوروا النساء في أنفسهن، فقيل له: يا رسول الله إن البكر تستحي، قال: الثيب تعرب عن نفسها، والبكر رضاها صمتها (٢)». قالوا: عموم هذه الأحاديث يدل على أن الثيب صغيرة أو كبيرة لا تزوج إلا بإذنها (٣). الدليل الرابع: أن الثيوبة دليل العلم بمصالح النكاح، لأن الثيب قد اختبرت المقصود،

стр. 14581

فزالت الجهالة بأمر النكاح، والثيوبة عادة إنما تحصل بعد العقل والتمييز، وهذا كاف لدفع ولاية الإجبار عن الثيب الصغيرة، كما أن من اختبر أمر المال لا يثبت عليه إجبار فيه (١). الدليل الخامس: أن في تأخر تزويجها فائدة، وهي أنها مجربة للنكاح، فإذا أخرت حتى تبلغ ويعتبر إذنها، اختارت لنفسها حينئذ ما فيه مصلحتها، فيجب التأخير لذلك، بخلاف البكر، لأنها جاهلة بأمر النكاح (٢). القول الثاني: أنه يجوز لأبيها أن يزوجها بغير رضاها، وبهذا قال الإمام مالك وهو مذهب الحنفية (٣)، ووجه في مذهب الحنابلة. واستدل أصحاب هذا القول بأدلة أهمها: الدليل الأول: ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها (٤)».

стр. 14582

الدليل الثاني: ما رواه أبو موسى ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فقد أذنت، وإن أبت لم تكره (١)». قالوا: الحديثان يدلان بمنطوقهما على أن اليتيمة تستأذن، ويدلان بمفهوم المخالفة على أن غير اليتيمة، وهي ذات الأب، بكرا كانت أو ثيبا لا تستأذن إلا ما أجمع عليه عامة أهل العلم من استئمار الثيب البالغ (٢). الدليل الثالث: أن العلة في الإجبار هي الصغر، لقصور عقل الصغير، بدليل أنه غير مخاطب بالتكاليف الشرعية، ولا يصح تصرفه في ماله، وهذه العلة موجودة في الثيب الصغيرة، فيصح إجبارها على النكاح قياسا على البكر الصغيرة وعلى الغلام الصغير (٣)، وعلى القول بأن كلا من الصغر والبكارة علة للإجبار، فإن الحكم إذا ثبت بعلتين مستقلتين فزالت إحداهما ثبت الحكم بالأخرى (٤). قالوا: والأخبار التي تدل على وجوب استئمار الثيب، وكونها أحق بنفسها من وليها محمولة على الثيب الكبيرة، فإنه جعلها أحق بنفسها من وليها، والصغيرة لا حق لها، لقصور عقلها (٥). القول الثالث: أنه يجوز تزويج بنت تسع سنين بإذنها، ولا يجوز تزويجها قبل ذلك، لأن من تم لها تسع سنين لها إذن صحيح، فلا يصح تزويجها بغير إذنها، وهذا القول وجه في مذهب الحنابلة.

стр. 14583

القول الرابع: أن من دون تسع سنين يجوز لأبيها أن يزوجها، ولا إذن لها فيعتبر، لأنها صغيرة، «أما بنت تسع فأكثر فلا تزوج إلا بإذنها»، وهذا القول وجه في مذهب الحنابلة. وأقرب هذه الأقوال إلى الصواب والله أعلم هو القول الأول، لأن عمومات الأحاديث السابقة التي ذكرت ضمن أدلة هذا القول تدل على اعتبار الثيوبة وصفا يمتنع معه الإجبار، وهي صريحة في ذلك، وليس هنالك دليل صحيح صريح يدل على أن الثيب المذكورة في هذه الأحاديث يراد بها الثيب الكبيرة بل هي عامة في الكبيرة والصغيرة، ولا يصح التخصيص بدون دليل. ويمكن أن تناقش أدلة القول الثاني بما يلي: (أ) أنهم استدلوا بمفهوم حديثي أبي هريرة وأبي موسى ﵄، وهذا المفهوم مخالف لمنطوق الأحاديث التي استدل بها أصحاب القول الأول ودلالة المفهوم ضعيفة، فتقدم دلالة المنطوق على دلالة المفهوم، ولضعف دلالة المفهوم فقد ذهب بعض العلماء إلى أن المفهوم ليس بحجة أصلا (١). (ب) أما قولهم بأن علة الإجبار هي الصغر فقط، أو الصغر والبكارة، فإذا انتفت إحداهما تعلق الحكم بالأخرى فغير صحيح، بل الصحيح أن علة الإجبار هي الصغر والبكارة معا، وأنه لا بد لصحة الإجبار من وجودهما معا، فإذا انتفت إحداهما لم يصح الإجبار؛ لأن النصوص الشرعية أوجبت استئذان الثيب مطلقا، وأوجبت أيضا استئذان البكر،

стр. 14584

فحملت البكر على البكر الكبيرة، لتزويج أبي بكر ﵁ ابنته أم المؤمنين عائشة ﵂ وهي صغيرة من رسول الله ﷺ ، ولتزويج بعض الصحابة ﵃ بناتهم وهن صغيرات، والله أعلم.

стр. 14585

الخاتمة: الحمد لله وحده وبعد: فمن خلال هذا البحث المتواضع تبين لي أمور أهمها: ١ - أنه يجوز للأب أن يزوج ابنته الصغيرة التي لم تبلغ تسع سنين، ولا خيار لها إذا بلغت إذا زوجها من كفء، وقد أجمع أهل العلم على هذه المسألة في حق من لم تبلغ تسع سنين، ولم يخالف فيها سوى أفراد من العلماء، وقد يكون الإجماع سابقا لخلافهم. ٢ - أن الراجح في مسألة " تزويج غير الأب من الأولياء للبكر الصغيرة " أنه يجوز للولي تزويجها إذا بلغت تسع سنين بإذنها ولا خيار لها إذا بلغت، وليس له تزويجها قبل ذلك. ٣ - أن الصحيح جواز وصية الأب دون غيره بتزويج ابنته، وأنه يجوز لوصي الأب تزويج الصغيرة إذا بلغت تسع سنين بإذنها، ولا خيار لها إذا بلغت، وليس له تزويجها قبل ذلك. ٤ - أن القول الصحيح في مسألة: " تزويج الثيب الصغيرة " أنه لا يجوز للأب ولا لغيره تزويجها بغير رضاها، وأنها لا تزوج حتى تبلغ فتأذن. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 14586

المراجع ١ - الإجماع لأبي بكر بن المنذر - نشر دار طيبة بالرياض عام ١٤٠٢ هـ. ٢ - الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان - نشر دار الكتب العلمية - بيروت عام ١٤٠٧ هـ. ٣ - إحكام الأحكام لابن دقيق العيد - نشر دار الكتب العلمية - بيروت. ٤ - أحكام القرآن للجصاص - نشر دار إحياء التراث العربي - بيروت. ٥ - أحكام القرآن لابن العربي - نشر دار المعرفة - بيروت. ٦ - أخبار أصبهان لأبي نعيم - نشر الدار العلمية - دلهي. ٧ - أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيمري - نشر دار عالم الكتب - بيروت. ٨ - أخبار القضاة لوكيع - نشر دار عالم الكتب - بيروت. ٩ - اختلاف العلماء للمروزي - نشر دار عالم الكتب - بيروت - عام ١٤٠٥ هـ. ١٠ - إرواء الغليل للشيخ محمد ناصر الدين الألباني - نشر المكتب الإسلامي - بيروت. ١١ - الاستيعاب لابن عبد البر - مطبوع بحاشية الإصابة - نشر دار الكتاب العربي - بيروت. ١٢ - الإفصاح لابن هبيرة - نشر المؤسسة السعيدية بالرياض. ١٣ - الإقناع للحجاوي - نشر المكتبة التجارية الكبرى بمصر. ١٤ - الإقناع للشربيني - نشر دار الخير - بيروت. ١٥ - الأم للإمام الشافعي - نشر دار المعرفة - بيروت - عام ١٣٩٣ هـ. ١٦ - الإنصاف للمرداوي - نشر دار إحياء التراث العربي - بيروت - الطبعة الأولى. ١٧ - الأوسط لابن المنذر - نسخة مصورة من مخطوطة المكتبة السليمانية بتركيا. ١٨ - بدائع الصنائع للكاساني - نشر دار الكتاب العربي - بيروت ١٤٠٢ هـ. ١٩ - بداية المجتهد لابن رشد - مطبوع مع الهداية في تخريج أحاديث البداية - نشر دار عالم الكتب - بيروت. ٢٠ - البداية والنهاية لابن كثير - نشر دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ. ٢١ - التاريخ لابن معين - نشر جامعة الملك عبد العزيز - الطبعة الأولى - ١٣٩٩ هـ. ٢٢ - تاريخ الإسلام للذهبي - نشر دار الكتاب العربي - بيروت - الطبعة الأولى - ١٤٠٨هـ.

стр. 14587

٢٣ - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي - نشر دار الكتب العلمية - بيروت. ٢٤ - تاريخ الثقات للعجلي - نشر دار الكتب العلمية - بيروت. ٢٥ - التاريخ الصغير للبخاري - نشر دار المعرفة - بيروت - الطبعة الأولى - ١٤٠٦ هـ. ٢٦ - تفسير القرآن العظيم لابن كثير - نشر دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ. ٢٧ - تقريب التهذيب لابن حجر - نشر المكتبة العلمية بالمدينة المنورة - عام ١٣٩٥ هـ. ٢٨ - التلخيص الحبير لابن حجر - نشر عبد الله هاشم المدني - المدينة المنورة ١٣٨٤ هـ. ٢٩ - التمهيد لابن عبد البر - نشر وزارة الأوقاف المغربية. ٣٠ - تهذيب التهذيب لابن حجر نشر دائرة المعارف النظامية - الهند - عام ١٣٢٥ هـ. ٣١ - تهذيب الكمال للمزي - نسخه مصورة من مخطوطة دار الكتب المصرية. ٣٢ - الثقات لابن حبان - نشر دائرة المعارف العثمانية - الهند. ٣٣ - جامع أحكام الصغار لأسروشني - تحقيق عبد الحميد البيزلي - طبع بمطبعة النجوم الخضراء - العراق. ٣٤ - جامع البيان عن تأويل القرآن للطبري - نشر دار الفكر - بيروت - عام ١٣٩٨ هـ. ٣٥ - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - نشر دار الفكر - بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ. ٣٦ - الجرح والتعديل نشر دائرة المعارف العثمانية - الهند. الطبعة الأولى. ٣٧ - حاشية العدوي على الشرح الصغير للخرشي (مطبوع بحاشية الشرح الصغير) - نشر دار صادر - بيروت. ٣٨ - الحجة على أهل المدينة لمحمد بن الحسن - نشر لجنة إحياء المعارف النعمانية - الهند. ٣٩ - الخلاصة للخزرجي - نشر مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب. الطبعة الثالثة ١٣٩٩ هـ. ٤٠ - الذرية الطاهرة - نشر الدار السلفية - الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ - بتحقيق سعد المبارك الحسن. ٤١ - رحمة الأمة للعثماني - نشر دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ. ٤٢ - رد المحتار لابن عابدين - نشر مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر - الطبعة الثانية - ١٣٨٦ هـ. ٤٣ - الروايتين والوجهين. ٤٤ - الروض المربع (مطبوع مع حاشيته للشيخ عبد الرحمن بن قاسم) - الطبعة الأولى - ١٣٩٨ هـ. ٤٥ - روضة الناظر (مطبوع مع شرحه نزهة الخاطر) - نشر مكتبة المعارف - الرياض - الطبعة الثانية ١٤٠٤ هـ. ٤٦ - رياض الصالحين للنووي - تحقيق الألباني - نشر المكتب الإسلامي - بيروت. ٤٧ - زاد المعاد لابن القيم - تحقيق شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط - نشر مؤسسة

стр. 14588

الرسالة بيروت. ٤٨ - سبل السلام للصنعاني - نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض - ١٣٩٧ هـ. ٤٩ - السلسلة - الصحيحة للألباني - نشر المكتب الإسلامي - بيروت - الطبعة الرابعة ١٤٠٥ هـ. ٥٠ - سنن أبي داود - نشر دار إحياء السنة النبوية. ٥١ - سنن الترمذي - تحقيق أحمد شاكر - نشر مطبعة البابي الحلبي بمصر - الطبعة الثانية ١٣٩٨ هـ. ٥٢ - سنن الدارقطني - نشر عبد الله هاشم المدني - المدينة المنورة. ٥٣ - سنن الدارمي - نشر دار الريان - القاهرة - تحقيق فواز أحمد وخالد السبع. ٥٤ - سنن سعيد بن منصور - نشر دار الكتب العلمية - بيروت - تحقيق الأعظمي. ٥٥ - السنن الكبرى للبيهقي - نشر دار الفكر. ٥٦ - سنن ابن ماجه - تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. ٥٧ - سنن النسائي (المجتبى) - نشر دار الكتاب العربي - بيروت. ٥٨ - سير أعلام النبلاء للذهبي - تحقيق شعيب الأرنؤوط - نشر مؤسسة الرسالة - بيروت. ٥٩ - السيرة لابن إسحاق - نشر دار الفكر - بيروت - الطبعة الأولى ١٣٩٨ هـ. ٦٠ - شرح السنة للبغوي - تحقيق شعيب الأرنؤوط - نشر المكتب الإسلامي - الطبعة الأولى ١٣٩٥ هـ. ٦١ - شرح صحيح مسلم للنووي نشر دار الإفتاء بالمملكة العربية السعودية. ٦٢ - الشرح الصغير للخرشي - نشر دار صادر - بيروت. ٦٣ - الشرح الكبير لابن أبي عمر - نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ٦٤ - شرح الزركشي على مختصر الخرقي - تحقيق الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين. ٦٥ - شرح معاني الآثار للطحاوي - نشر مطبعة الأنوار المحمدية - القاهرة. ٦٦ - شرح منتهى الإرادات للبهوتي - نشر دار الإفتاء بالمملكة العربية السعودية. ٦٧ - صحيح البخاري (مطبوع مع شرحه فتح الباري) - نشر دار الإفتاء بالمملكة العربية السعودية. ٦٨ - صحيح مسلم (مطبوع مع شرحه للنووي) نشر دار الإفتاء بالمملكة العربية السعودية. ٦٩ - الضعفاء للعقيلي - نشر دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ. ٧٠ - طبقات خليفة - نشر دار طيبة - الرياض - الطبعة الثانية - ١٤٠٢ هـ - تحقيق الدكتور أكرم العمري. ٧١ - الطبقات الكبرى لابن سعد - نشر دار صادر - بيروت. ٧٢ - عارضة الأحوذي لابن العربي - نشر دار الكتاب العربي - بيروت.

стр. 14589

٧٣ - العدة للمقدسي - نشر مكتبة الرياض - الرياض. ٧٤ - عمدة القاري للعيني - نشر دار الفكر - بيروت. ٧٥ - غاية المقصود في أحكام العقود للديربي الشافعي - الطبعة الثانية. ٧٦ - غاية المنتهى لمرعي بن يوسف - نشر المؤسسة السعيدية بالرياض - الطبعة الثانية. ٧٧ - فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم - مطبعة الحكومة - مكة المكرمة - الطبعة الأولى عام ١٣٩٩ هـ. ٧٨ - فتح الباري لابن حجر - نشر دار الإفتاء بالمملكة العربية السعودية. ٧٩ - فتح القدير لابن الهمام - نشر دار الفكر - الطبعة الثانية. ٨٠ - فضائل الصحابة للإمام أحمد - نشر جامعة أم القرى - تحقيق وصي الله بن محمد عباس. ٨١ - قوانين الأحكام الشرعية لابن جزي الغرناطي - نشر دار العلم للملايين - بيروت. ٨٢ - الكافي لابن عبد البر - نشر دار الكتب العلمية بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ. ٨٣ - الكافي لابن قدامة - نشر المكتب الإسلامي - بيروت - الطبعة الثانية ١٣٩٩ هـ. ٨٤ - كافي المبتدي للبعلي (مطبوع مع شرحه الروض الندي) - نشر المؤسسة السعيدية. ٨٥ - الكامل لابن عدي - نشر دار الفكر - بيروت - الطبعة الثانية ١٤٠٥ هـ. ٨٦ - كشف الأستار عن زوائد البزار للهيثمي - تحقيق الأعظمي - نشر مؤسسة الرسالة - بيروت. ٨٧ - كشف المخدرات للبعلي - نشر المؤسسة السعيدية بالرياض. ٨٨ - كفاية الطالب الرباني لأبي الحسن المالكي (مطبوع مع حاشيته للعدوي) - نشر دار المعرفة - بيروت. ٨٩ - لسان الميزان لابن حجر - نشر مؤسسة الأعلمي - بيروت - الطبعة الثالثة ١٤٠٦ هـ. ٩٠ - المبدع لابن مفلح - نشر المكتب الإسلامي - بيروت. ٩١ - المبسوط للسرخسي - نشر دار الفكر - بيروت - ١٤٠٩ هـ. ٩٢ - الأسماء المبهمة للخطيب - نشر مكتبة الخانجي - القاهرة - الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ. ٩٣ - مجمع الزوائد للهيثمي - نشر دار الكتاب العربي - بيروت - الطبعة الثالثة ١٤٠٢ هـ. ٩٤ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية - جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم - مطابع دار العربية - بيروت - تصوير الطبعة الأولى. ٩٥ - المحلى لابن حزم - تحقيق أحمد شاكر - نشر دار التراث - القاهرة. ٩٦ - المدونة الإمام مالك - رواية سحنون عن ابن القاسم - نشر دار الفكر - بيروت ١٤٠٦هـ. ٩٧ - المراسيل لابن أبي حاتم - نشر دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ. ٩٨ - مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود - نشر دار المعرفة - بيروت.

стр. 14590

٩٩ - مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح تحقيق الدكتور فضل الرحمن دين محمد - نشر الدار العلمية - دلهي. ١٠٠ - مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله - نشر المكتب الإسلامي - بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ. ١٠١ - مسائل الإمام أحمد رواية ابن هانئ - نشر المكتب الإسلامي - بيروت - الطبعة الأولى. ١٠٢ - المستدرك للحاكم - نشر دار الكتاب العربي - بيروت. ١٠٣ - المستصفى للغزالي - نشر دار صادر - بيروت. ١٠٤ - مسند أحمد - نشر المكتب الإسلامي - بيروت. ١٠٥ - مسند ابن الجعد - تحقيق الدكتور عبد المهدي بن عبد القادر - نشر مكتبة الفلاح - الكويت. ١٠٦ - مسند أبي داود الطيالسي - نشر دار الكتاب اللبناني. ١٠٧ - مسند أبي يعلى - تحقيق حسين سليم - نشر دار المأمون - دمشق - الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ. ١٠٨ - مشكل الآثار للطحاوي - نشر مجلس دائرة المعارف النظامية - الهند - ١٣٣٣ هـ. ١٠٩ - مصنف ابن أبي شيبة - نشر الدار السلفية - الهند. ١١٠ - مصنف عبد الرزاق - تحقيق الأعظمي - نشر المجلس العلمي - الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ. ١١١ - معالم السنن للخطابي - تحقيق أحمد شاكر ومحمد الفقي - نشر دار المعرفة - بيروت. ١١٢ - المعجم الصغير للطبراني - نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة. ١١٣ - المعجم الكبير للطبراني - تحقيق حمدي السلفي - الطبعة الثانية. ١١٤ - المعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان - تحقيق الدكتور أكرم العمري - نشر مكتبة الدار بالمدينة المنورة. ١١٥ - المغني لابن قدامة - نشر مكتبة الرياض الحديثة بالرياض. ١١٦ - مغني المحتاج للشربيني - نشر دار الفكر - بيروت. ١١٧ - مغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة في الأحكام لابن عبد الهادي - توزيع دار الإفتاء بالرياض. ١١٨ - المقدمات لابن رشد - نشر إدارة إحياء التراث الإسلامي - قطر - الطبعة الأولى ١٣٩٩ هـ. ١١٩ - المقنع للموفق ابن قدامة - نشر دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى ١٣٩٩ هـ. ١٢٠ - منار السبيل لابن ضويان - نشر المكتب الإسلامي - بيروت - الطبعة الرابعة ١٣٩٩ هـ.

стр. 14591

١٢١ - المنتقى للباجي - نشر دار الكتاب العربي - بيروت - مصورة عن الطبعة الأولى المطبوعة بمطبعة السعادة بمصر عام ١٣٣٢ هـ. ١٢٢ - المنح الشافيات للبهوتي - تحقيق الدكتور عبد الله المطلق - إدارة إحياء التراث الإسلامي - قطر. ١٢٣ - مواهب الجليل من أدلة خليل لأحمد بن أحمد الشنقيطي - نشر إدارة إحياء التراث الإسلامي - قطر - ١٤٠٧ هـ. ١٢٤ - نزهة الخاطر لابن بدران - مطبوع مع روضة الناظر لابن قدامة - نشر مكتبة المعارف بالرياض - الطبعة الثانية ١٤٠٤ هـ. ١٢٥ - نهاية السول للبيضاوي - نشر جمعية نشر الكتب العربية بالقاهرة - وعالم الكتب - بيروت. ١٢٦ - نهاية المحتاج للرملي - نشر دار الفكر - بيروت - ١٤٠٤ هـ. ١٢٧ - نيل الأوطار للشوكاني - نشر دار الفكر - بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٢ هـ - توزيع دار الإفتاء بالرياض. ١٢٨ - نيل المآرب شرح دليل الطالب لابن أبي تغلب - نشر مكتبة الفلاح - الكويت - الطبعة الأولى - ١٤٠٣ هـ. ١٢٩ - الهادي للموفق ابن قدامة - نشر مطابع القصيم - الطبعة الأولى ١٣٩١ هـ. ١٣٠ - الهداية لأبي الخطاب - نشر مطابع القصيم - الطبعة الأولى ١٣٩٠ هـ. ١٣١ - الهداية للمرغيناني - نشر المكتبة الإسلامية.

стр. 14592

حكمة الزواج ومنافعه الدكتور: رجب سعيد شهوان. الأصل في التشريعات الإسلامية أنها خطاب تعبدي من الله لعباده، ومع هذا فلا بأس أن يستكشف الباحث - فيما وراء ذلك - الحكمة الربانية والخيرية الإنسانية من تشريعات الله لعباده، وسوف نقف في هذا البحث على حكمة الزواج ومنافعه من خلال النقاط الآتية

стр. 14593

ا - المحافظة على النسل واستمراره: يعتبر الزواج ضرورة إنسانية لحفظ النوع، وخلود الأثر، وبقاء الحياة على الأرض واستعمارها قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (١)، وتحقيق الخلافة عليها، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ (٢)، والعمارة والاستخلاف لا تتحققان بفرد واحد مهما طال عمره، ومهما أوتي من مكانة وقوة، وإنما تتحققان بالكثرة، فكان لا بد من الزواج والتوالد ليكثر النوع، فتعمر الحياة ويتحقق الاستخلاف، وهذا ما أجراه الله تعالى سنة تشريعية في آدم ﵊ وذريته قال تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (٣).

стр. 14594

ولهذا أودع الله تعالى في الإنسان فطرة حب البقاء، والحفاظ على النوع وبقاء الأثر بالزواج والنسل " وهو دافع بلغ من القوة، أن كل مخلوق يبذل أقصى تضحية في سبيل هذا الغرض " (١)، وما الميل والتجاذب بين نوعي الجنس الإنساني وغيرهما إلا سر من أسرار الله تعالى في خلقه لتحقيق هذا الهدف، قال تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٢)، قال ابن عباس: هو الولد، وقاله مجاهد والحكم وعكرمة والحسن البصري والسدي والضحاك (٣). وقد اقتضت إرادة الله تعالى، ألا يتساوى الإنسان مع الحيوان في كيفية تكاثر النوع، مع تساويهما في أصوله، وأن يضع له طريقا في التكاثر تتلاءم مع الشرف والتكريم اللذين منحهما الله على سائر مخلوقاته، فشرع الله له الزواج القائم على اختصاص الفروج والأرحام، وامتياز النفوس والأجسام، والحياطة بالشرف والأخلاق، باعتباره أفضل وسيلة لإنجاب الأبناء، واتصال الذرية، وتكاثر النوع، وامتداد الحياة الإنسانية على هذه الأرض، حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها. قال ابن الجوزي: " تأملت في فوائد النكاح ومعانيه وموضوعه، فرأيت أن الأصل الأكبر في وضعه وجود النسل " (٤). وقال ابن قدامة: " وفي النكاح فوائد منها: الولد، لأن المقصود بقاء النسل. . ليبقى جنس الإنسان " (٥). وقال الشاطبي: " النكاح مشروع للتناسل بالقصد الأول " (٦). وقال ابن القيم في الزواج: " وضع في الأصل لثلاثة أمور هي مقاصده الأصلية، أحدها: حفظ النسل ودوام النوع إلى أن تتكامل العدة التي قدر الله بروزها إلى هذا العالم " (٧).

стр. 14595

ولا يقف - الإسلام بهذه الحكمة عند حرفية النص، بل يسعى إلى وفرة النسل وكثرته، ويولي الإنجاب وتكثير النسل أهمية كبرى، لأن فيه عزة الإسلام ومباهاة الأمم قال ﵊: «تناكحوا تناسلوا، فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة (١)». ومن حكم العرب: " إنما العزة للكاثر " (٢)، ولأن فيه " تحصين الدين وإحرازه، وحفظ البلاد بالجهاد، وغير ذلك من المصالح والمقاصد العامة والخاصة " (٣). ويعتبر الزواج الشرعي، الوسيلة المأمونة لحفظ النوع الإنساني وبقائه وتكاثره على الوجه الصحيح، لأن الإعراض عن الزواج، قد يؤدي إلى انقطاع النسل، وانقراض الحياة البشرية على هذا الكوكب مع تداول الأيام، كما أن فتح الباب على غاربه، وشيوع التكاثر الإنساني خارج نظام الزواج الشرعي، قد يفضي إلى التناحر والفوضى، أو ميلاد أجيال هزيلة، أو سلالات من المعوقين، غير مؤهلة لاستمرار الحياة المنوطة بحكمة خلق الإنسان. وقد تبدو عملية تكثير النسل مشكلة عند بعض الاقتصاديين (٤)، ولكنها في حقيقة الأمر، دافع إنساني إلى مزيد التنمية وتعزيز الإنتاج والاختراع، واستكشاف خيرات الأرض وعمارتها، فليس صحيحا أن كثرة النسل تؤدي إلى ضائقة سكانية، أو ندرة اقتصادية تستوجب تحديد النسل، فهذا من الضرر المتوهم عند الفقهاء، وهو لا يقوى على معارضة المصلحة المحققة في الزواج، وهو فلسفة غربية للمكيدة بكثرة المسلمين وبركتهم في الأرض.

стр. 14596

٢ - تلبية الغريزة الجنسية واعتدالها: تعتبر الغريزة الجنسية حقيقة في التكوين البشري، بحيث لا يمكن تجاهلها، بل تعتبر من أقوى الغرائز الملحة على الإنسان من داخله ومن خارجه، وبخاصة في المرحلة الباكرة من شباب الإنسان، بحيث يؤدي احتباسها إلى تصدع العقل وشرود الذهن وخلخلة العاطفة، قال ابن الجوزي: " ثم رأيت هذا المقصود الأصلي يتبعه شيء آخر، وهو استفراغ الماء الذي يؤدي دوام احتقانه، وكثرة اجتماعه، وطول احتباسه، إلى أمراض صعبة، لأنه يترقى بخاره إلى الدماغ " (١)، وقال ابن القيم في بيان حكمة النكاح: " والثاني: إخراج الماء الذي يضر احتباسه واحتقانه بجملة البدن " (٢). وقد ثبت بالفعل أنه " عندما تتحرك الغرائز وتشتد على الإنسان، تفرز تلك الغرائز مادة تتسرب بالدم إلى دماغه، تخدره، فلا يعود قادرا على التفكير الصافي " (٣). والزواج أحسن وضع جبلي لاعتدال الشهوة، لأنه " يكسر من حدة الشهوة المجنونة، لأن الإنسان يزهد بفطرته في كل شيء يملكه، فهو المنظم الطبيعي لانطلاق الشهوة وممارستها بالصورة المتوازنة التي تحول بين نحول الجسد، أو تدميره " (٤). وهو أنسب مجال حيوي لإرواء الغريزة الجنسية على الوجه الصحيح، قال ابن القيم: " والثالث: قضاء الوطر، ونيل اللذة والتمتع بالنعمة " (٥)؛ لأن به

стр. 14597

يزول أعظم اضطراب نفسي في تقلب العقل والقلب " فيهدأ البدن من فوران الاضطراب، وتسكن النفس من خيال الصراع، ويكف النظر عن التطلع إلى الحرام، وتطمئن العاطفة إلى ما أحل الله " (١)، عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن المرأة تقبل في صورة شيطان، فمن وجد من ذلك شيئا، فليأت أهله، فإن ذلك يرد ما في نفسه (٢)». ويؤكد العلم على أهمية انضباط الغريزة، وعدم التفريط أو الإفراط فيها، قال ابن الجوزي: (وليكن قصده الاستمتاع، لا إجهاد النفس في الإنزال، فإن ذلك يهدم قوته) (٣)، ويقول ألكسيس كارليل: " ومن المعروف أن الإفراط الجنسي، يعرقل النشاط العقلي، ويبدو أن العقل يحتاج إلى وجود غدد جنسية حسنة النمو، وضبط مؤقت للشهوة الجنسية، حتى يستطيع أن يبلغ منتهى قوته " (٤). وبالزواج يختص كل زوج بزوجته، لا يزاحمه فيها أحد غيره، ويرتفع التنازع والبغضاء بين الناس، ويجد كل سبيله إلى إرواء غريزته في إطار المودة والمحبة والأشواق الصادقة، ويسود الأمن الخلقي أرجاء المجتمعات البشرية. ولو ترك الحبل على الغارب في إشباع الغريزة الجنسية، لأدى هذا إلى إفراط الناس في الممارسات الجنسية، وهذا بدوره يؤدي إلى دمار الجسد ويجر على الأمة وبال الأمراض الفاتكة، كما أنه يؤدي إلى تنازع الناس وتقاتلهم، وربما أدى إلى سفك دم بعضهم بعضا، كما حدث بين قابيل وهابيل (٥)، كما أنه يؤدي إلى هبوط الإنسان من عالم السيادة والكرامة إلى حظائر الحيوان في الغاب، وتصير النساء أشبه بدورات المراحيض العامة، و " يفقد الجنس طابعه

стр. 14598

الإنساني، مع أنه وسيلة مقدسة للاندماج المشروع، من خلال حياة كريمة يرضاها الله ويحبها الجميع " (١). وهذا كله يؤدي إلى انهيار المجتمع، وتقويض أركانه، وتصدع بنيانه. وهكذا يسعى الإسلام بالزواج إلى تحقيق التوازن الجنسي، من غير إفراط أو تفريط، لتلبية الغريزة الجنسية واعتدالها، وهو موقف مغاير لموقف الكنيسة الكاثوليكية، التي وقفت منها موقف النكران، ومغاير للحضارة الغربية الحديثة، التي وقفت منها موقف الإباحية والطوفان (٢).

стр. 14599

٣ - تحقيق السكن النفسي: اقتضت حكمة الله تعالى أن يشب الأفراد على الانتماء الأسري والشعور العائلي، والاختصاص الزوجي، لتحقيق السكن النفسي، فالفرد يقبل على الحياة الاجتماعية بالتكوين، ثم يتوافق مع مهنته المناسبة، ويملك الباءة، ثم لا يلبث أن يجد في أعماقه تطلعا فطريا، وشوقا نفسيا نحو الزواج، وإحساسا غريزيا بالحاجة إلى شريك حياة، يملأ عليه قلبه وروحه، ويشاركه مشاعره من خلال أسرة مستقلة. وقد خلق الله تعالى غريزة الميل العاطفي بين الذكر والأنثى، بصورة تلقائية تنبع من أعماق النفس، يقبل من خلالها كل منهما نحو الآخر، ويتقارب منه، ويشتد إليه، تحقيقا لهذا الميل والإحساس والتطلع، ثم بالزواج يجد كل من الزوجين صديق عمره، وشريك حياته، فيتحقق لهما السكن النفسي مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (١) إن الوحدة تلحق بالإنسان الضجر والوحشة، ولهذا كان من حكمة الله

стр. 14600

في الزواج، تحقيق السكن النفسي، قال ابن عباس: " لما أسكن آدم الجنة مشى فيها مستوحشا، فلما نام خلقت حواء من ضلعه القصوى، من شقه الأيسر، ليسكن إليها، ويستأنس بها " (١)، وذلك لأن كل واحد من الزوجين يجد أنيسه وجليسه الذي يغذيه ويسليه، وينسيه وحشته وهمومه. وقد تظهر بعض الفوارق، أو المتناقضات في بداية الحياة الزوجية بين الزوجين، مما يوهم بأن الزواج لم يحقق لهما الطموح الروحي والسكن النفسي، وهذا أمر طبيعي، نظرا لاختلاف كل منهما في الطباع والعادات والميول في بادئ الأمر، إلا أنه بالتقوى والصبر منهما على بعضهما، والنية الصالحة في استمرارهما وائتلافهما، سرعان ما تتبدد وتزول كل الفوارق والعقبات، لتحل محلها السكينة والمودة والمحبة، وتقارب الطباع والنفوس والأنفاس. ذلك أنه بالعشرة الزوجية المستمرة، تتلاقى خواص الزوجين وأمزجتهما وطباعهما، حتى تكاد تصير واحدة، ويمسي كل منهما لبوسا للآخر، وظلا ظليلا له قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (٢)، وبذلك يتحول الزواج مع الزمن واستمرار العشرة - من مجرد إرواء جنسي إلى دوحة نفسية، يجد فيها الزوجان حياتهما النفسية والروحية مفعمة بالحب والأشواق والوفاق، وتختفي مظاهر البعد والشقاق بينهما. وهذا السكن النفسي له قيمة كبرى في التمتع بالحلال، وهو الفارق الحاسم بين النكاح وبين السفاح، فحياة الزوجين، ولقاؤهما وإقبالهما على بعض، وسفورهما أمام بعضهما سكينة واطمئنان، من غير توجس أو حياء، ونفورهما من هذه الطباع بغير زواج سر من أسرار الله تعالى في تأليف العواطف وتقارب النفوس، وهو رحمة وتوفيق منه بين الزوجين. قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ (٤)،
следующие страницы →