مجلة البحوث الإسلامية
مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - الرياض
الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء
رئيس التحرير
د. محمد بن سعد الشويعر
مجلة فصلية تعنى بالبحوث الإسلامية
تصدر كل أربعة أشهر مؤقتا
стр. 14667
المحتويات
الافتتاحية:
حول اجتياح حاكم العراق للكويت سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧
بحث اللجنة:
حكم إقامة المسافر اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٣٣
الفتاوى:
فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٧٩
فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ١٣٣
стр. 14668
البحوث:
وجوب الرفق بالحيوان الشيخ عبد الله بن حمد العبودي ١٤٩
بيان الحكمة في التشريع الإسلامي محمد محمد شتا أبو سعد ١٦٩
وسطية أهل السنة في القدر د. عواد عبد الله المعتق ٢١٣
بعض ما يلاحظ على كتاب (مفتاح كنوز السنة) محمد عبد الله حياني ٢٥٣
من قرارات هيئة كبار العلماء والمجامع الفقهية ٢٩٧
نصيحة للدعاة وطلبة العلم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٠٩
نصيحة في فضل صلاة الاستسقاء سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣١٣
فضل صيام رمضان وقيامه مع بيان أحكام مهمة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣١٧
стр. 14669
صفحة فارغة
стр. 14670
الافتتاحية
عن اجتياح حاكم العراق للكويت
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. . أما بعد:
فإن الله جل وعلا وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، يبتلي عباده بالسراء والضراء، والشدة والرخاء، حتى يميز الخبيث من الطيب، وحتى يتضح أهل الإيمان والتقوى، من أهل النفاق والزيغ، والكفر والضلال، وحتى يتبين الصابرون المجاهدون من غيرهم، وحتى يظهر للناس من يريد الحق، ويطلب إقامته، ممن يريد خلاف ذلك، قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (١). ومعنى الفتنة هنا الاختبار والامتحان، ليتبين بعد الامتحان الصادقون من الكاذبين، والأبرار من الفجار، والأخيار من الأشرار، وطالب الحق من طالب غيره. ويرجع من أراد الله له السعادة إلى ما عرفه صح الحق، ويستمر من سبقت له الشقاوة في باطله وضلاله، قال جل وعلا: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢). ومعنى بلوناهم: اختبرناهم بالحسنات بالنعم من العز والظهور في الأرض، والمال والثروة، وغير هذا مما يعتبر من النعم. والسيئات يعني المصائب التي تصيب الناس من فقر وحاجة وخوف وحروب وغير ذلك " لعلهم يرجعون " المعنى ليرجعوا إلى الحق
стр. 14671
والصواب، ويستقيموا على الهدى، وقال جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١) يعني اتقوها بالعمل الصالح والاستقامة على طاعة الله والجهاد في سبيله، ولزوم الحق.
والفتنة يدخل فيها الحروب، ويدخل فيها الشبهات، التي يزيغ بها كثير عن الحق، ويدخل فيها الشهوات المحرمة، إلى أنواع أخرى من الفتن.
فأهل الإيمان يتقونها بطاعة الله ورسوله، والفقه في الدين، والإعداد لها قبل وقوعها، حتى إذا وقعت فإذا هم على بينة وبصيرة، وعلى عدة، ويقول جل وعلا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢) المعنى: أنه شديد العقاب لمن خالف أمره، وارتكب نهيه، ولم ينقد لشرعه سبحانه، وقال : ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٣). فالإنسان يفتن بالمال والولد، ويمتحن فإن اتقى الله في المال والولد فله السعادة، وإن مال مع المال إلى الشهوات المحرمة، وإيثار العاجلة هلك. وهكذا إن مال مع الولد إلى ما حرم الله، وإلى متابعة الهوى هلك مع من هلك.
وقال : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (٤)، ومعنى ولنبلونكم: لنختبرنكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم حتى نعلم علما ظاهرا، والله سبحانه يعلم كل شيء، ولا يخفى عليه شيء، وقد سبق علمه بكل شيء، كما قال تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٥).
وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٦). فهو عليم بكل شيء، ولكنه يبلوهما حتى يعلم المجاهدين منهم، والصابرين علما
стр. 14672
ظاهرا يشاهده الناس، ويعلمه الناس، ويعلمه هو سبحانه علما ظاهرا موجودا، بعدما كان في الغياب، يعلمه ظاهرا موجودا في الوجود، وهذا هو معنى قوله : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ (١) نعلمه علما ظاهرا موجودا في العالم.
وفي الحادي عشر من المحرم من السنة الهجرية ١٤١١ هـ، الثاني من أغسطس من الشهور الميلادية ١٩٩٠ م، جرى ما جرى من عدوان حاكم العراق على دولة الكويت المجاورة له، واجتاحها بجيوشه المدمرة الظالمة، واستحل الدماء والأموال وانتهك الأعراض، وشرد أهل البلاد، وجرت فتنة عظيمة بسبب هذا الظلم والعدوان، واستنكر العالم هذا البلاء، وهذا الحدث الظالم، وحشد الجيوش على الحدود السعودية. وبذل الناس الجهود الكبيرة من رؤساء الدول، ومن مجلس الأمن، ومن غيرهم لحاكم العراق ليخرج من هذا الظلم، ويسحب جيشه من هذه البلاد التي احتلها ظلما، فلم يستجب، وأصر على ظلمه وعدوانه لحكمة بالغة ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (٢) له سبحانه الحكمة البالغة في كل شيء، قد سبق في علمه جل وعلا، أنه لا بد من حرب، وأن هذا البلاء الذي وقع، لا يتخلص منه بمجرد الحلول السلمية، وهو القائل سبحانه في كتابه العظيم: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٣)، ويقول سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤) ونرجو أن يكون فيما وقع الخير، وأن يكون في ذلك الخير لنا وللمسلمين جميعا، والشر على أعداء الإسلام، لأنه سبحانه أعلم وأحكم، ونرجو أن يكون فيما حدث عظة لنا ولغيرنا في الرجوع إلى الله والاستقامة على دينه، وحساب النفوس وجهادها لله، والإعداد الكامل لأعدائنا أعداء الإسلام.
стр. 14673
فالامتحان يفيد المؤمنين والعقلاء، ويوجب حساب النفس وجهادها، ويوجب على كل مسلم أن يحاسب نفسه، ويجاهدها لله، وأن يستقيم على أمره، وأن يتباعد عن نهيه، ويوجب على الدول الإسلامية أن تحاسب أنفسها أيضا، وأن تستقيم على دين الله. ومتى استقام العباد على الحق، وأصلحوا أنفسهم، وجاهدوها لله، وبذلوا المستطاع في نصر الحق، يسر الله أمورهم، ونصرهم على عدوهم، كما قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١). ويقول : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
ويقول سبحانه وبحمده: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٤).
ويقول : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (٥).
يعني بسبب إيمانهم الصادق، وعملهم الصالح يستخلفون في الأرض ويمكن الله لهم دينهم ويبدلهم من بعد خوفهم أمنا.
стр. 14674
فالواجب هو الاستقامة على أمر الله، وعلاج الفتن بما أمر الله به من التقوى والاستقامة والجهاد الصادق والإخلاص لله والصبر والمصابرة. . هكذا يجب.
стр. 14675
وقد بين الله لعباده أسباب النجاة، ووسائل النصر، فقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢) ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٣).
فأمرهم سبحانه عند لقاء الأعداء وعند وجود العدوان، وعند مباشرة الجهاد بصفات عظيمة:
أولها: الثبات على الحق والاستقامة عليه، فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ (٤) فالثبات على الحق لا بد منه، والصبر عليه كما في الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥).
وأهل الإيمان لا تشغلهم الشدائد عن الحق، بل يلزمون الحق في الشدة والرخاء.
والثاني: ذكر الله جل وعلا: ذكر الله بالقلب واللسان والعمل: بالقلب تعظيما له سبحانه، ومحبة له وخوفا منه، وثقة به، وإخلاصا له، واعتمادا عليه ، وإيمانا بأنه الناصر، والنصر من عنده، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (٦)، وإنما الأسباب تعين على ذلك، فما شرع الله من إعداد وسلاح وغير ذلك من الأسباب، كلها تعين على ذلك، وهي بشرى من عند الله، كما قال الله عندما أمد رسوله ﷺ بالملائكة: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٧).
стр. 14676
وفي آية آل عمران: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (١).
فالمؤمن عند الشدائد يذكر الله ويعظمه، ويعلم أنه الناصر، وأنه الضار النافع، وأن بيده كل شيء، فبيده سبحانه الضر والنفع، وبيده سبحانه العز والنصر، وبيده جل وعلا تصريف الأمور لا يغيب عن علمه شيء ولا يعجزه شيء .
وعلق على ذلك الفلاح فقال عز من قائل: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢) فبذكر الله بالقلب واللسان والعمل الفلاح والظفر والخير كله.
فالمؤمنون في الشدة والرخاء يلزمون ذكر الله وتعظيمه والإخلاص له وإقامة حقه وترك معصيته، فيذكرون الله بإقامة الصلوات والمحافظة عليها وحفظ الجوارح عن ما حرم الله، وحفظ اللسان عن ما حرم الله، وذلك بأداء الحقوق، والكف عما حرم الله، إلى غير ذلك مما يرضيه سبحانه، ويباعد عن غضبه.
وذكر الله سبحانه يكون بالقلب واللسان والعمل كما تقدم، وفي ذلك الفلاح والفوز والسعادة والظفر.
- ثم قال سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٣) هذه هي الصفة الثالثة، وطاعة الله ورسوله هي من ذكر الله جل وعلا، ولكن نص عليها لعظمها وذلك بفعل الأوامر، وترك النواهي في الجهاد وغيره.
- ثم ذكر جل وعلا الصفة الرابعة وهي: الالتفاف والاجتماع والتعاون وعدم الفشل، فقال : ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (٤)
стр. 14677
فالواجب على المسلمين التعاون والاتفاق والصدق في جهاد الأعداء، وإخراج الظلمة مما وقعوا فيه، لا بد من الاتفاق والصبر وذكر الله، والتعاون ضد العدو. والعدو قد يكون مسلما، وقد يكون كافرا، وقد يكون مسلما باغيا، وقد أمر الله بقتال الباغي حتى يفيء إلى أمر الله، كما قال جل وعلا: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١). هذا إن كان مؤمنا، فكيف إذا كان كافرا بعثيا ظالما. ومعنى حتى تفيء إلى أمر الله: حتى ترجع إلى الحق وترد ما ظلمت وتستقيم مع العدالة.
- ثم قال سبحانه: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢) وهذه صفة خامسة فلا بد من الصبر في جهاد الأعداء وقتالهم، وبذل المستطاع في ذلك، وقال سبحانه في آية البقرة في صفة المؤمنين: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ (٣) يعني حين القتال، ثم قال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٤) وقال الله سبحانه لنبيه ﷺ : ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (٥)، والصبر أنواع ثلاثة:
- صبر على طاعة الله بالجهاد وأداء الحقوق.
- وصبر عن معاصي الله بالكف عن ما حرم الله قولا وعملا.
- ونوع ثالث هو: الصبر على قضاء الله وقدره، مما يصيب الناس من جراح أو قتل أو مرض أو غير ذلك، لا بد من الصبر وتعاطي أسباب النصر، وأسباب العافية.
- ثم ذكر صفة سادسة وسابعة فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ (٦) أي لا تكونوا في جهادكم متكبرين ولا مرائين، بل يجب على المؤمنين في جهادهم لعدوهم الإخلاص لله،
стр. 14678
والصدق والتواضع وسؤاله النصر جل وعلا.
- وقد ذكر الله أمرا ثامنا وحذر منه، وهو الصد عن سبيل الله، وهو من صفة أعداء الله، فهم يصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجا. أما المؤمنون فيجاهدون في تواضع لله مخلصين له سبحانه، لا متكبرين ولا مرائين، يدعون إلى سبيل الله من صد عنه، يدعون الناس إلى الحق والهدى، وإلى طاعة الله ورسوله. . هكذا المؤمنون الصادقون أينما كانوا.
وهذه الفتنة أعني عدوان حاكم العراق، على الكويت، قد اشتبه فيها الأمر على بعض الناس، إذ ظن بعض الناس أن الأولى فيها الاعتزال، وعدم القتال مع هؤلاء أو هؤلاء، وهذا قد جرى في أول فتنة وقعت بعد رسول الله ﷺ ، وهي الفتنة التي وقعت بين أهل الشام وأهل العراق بسبب مقتل عثمان ﵁ الذي قتل ظلما من فئة بغت عليه، وتعدت والتبست عليها الأمور، ودخل فيها من هو حاقد على الإسلام، والتبست الأمور على بعض الناس حتى اشتبهت الأمور، وبقتل عثمان ﵁ ظلما وعدوانا حصل بسبب ذلك فتنة عظيمة، فبايع الناس عليا ﵁ بالخلافة، وقام معاوية ﵁ وجماعة يطالبون بدم عثمان، وبايعه كثير من الناس على ذلك، وعظمت الفتنة واشتدت البلية، وانقسم المسلمون قسمين بسبب هذه الفتنة: طائفة انحازوا إلى معاوية ﵁، وهم أهل الشام يطالبون عليا ﵁ بتسليم القتلة.
وطائفة أخرى هم علي ﵁ وأصحابه طلبوا من معاوية وأصحابه الهدوء والصبر، وبعد تمام الأمر واستقرار الخلافة ينظر في أمر القتلة.
واشتد الأمر، وجرى ما جرى من حرب الجمل وصفين، وظن بعض الناس في ذلك الوقت أن الأولى عدم الدخول في هذه الفتنة، واعتزل بعض الصحابة ذلك، فلم يكونوا مع علي ولا مع معاوية.
والفتنة اليوم كذلك حصل فيها اشتباه، لأن وقوع الفتن يسبب اشتباها كثيرا على الناس، وليس كل إنسان عنده العلم
стр. 14679
الكافي بما ينبغي أن يفعل. فقد يقع له شبه تحول بينه وبين فهم الصواب. وهذه الفتنة التي وقعت الآن ليست مما يعتزل فيها، لأن الحق فيها واضح، والقاعدة أن الفتنة التي ينبغي عدم الدخول فيها هي المشتبهة التي لا يتضح فيها الحق من الباطل، والتي قال فيها الرسول ﷺ : «ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به (١)» رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁.
ويقول ﷺ : «إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا، ويصبح كافرا. فالقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فكسروا قسيكم وقطعوا أوتاركم واضربوا بسيوفكم الحجارة فإن دخل على أحدكم فليكن كخير ابني آدم (٢)» رواه ابن ماجه وأبو داود (٣). فهذه الفتن التي تشتبه، ولا يتضح للمؤمن فيها الحق من الباطل، هي التي يشرع البعد عنها وعدم الدخول فيها.
أما ما ظهر فيه الحق، وعرف فيه المحق من المبطل، والظالم من المظلوم. فالواجب أن ينصر المظلوم، ويردع الظالم، ويردع الباغي عن بغيه، وينصر المبغي عليه، ويجاهد الكافر المعتدي، وينصر المظلوم المعتدى عليه، وفي هذا المعنى يقول الله : ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤).
ويقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٥)، ثم شرحها للناس، فقال سبحانه: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٦) ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٧)
стр. 14680
﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
فهذا وعده سبحانه لمن جاهد في سبيله ونصر الحق في هذه الآيات الكريمات، وفي قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢) وصفها بهذا الوصف العظيم إنها تجارة، وأنها تنجي من عذاب أليم، ثم فسرها بقوله سبحانه: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ (٣) ومعلوم أن الجهاد من الإيمان ولكنه خصه بالذكر لعظم شأنه ومسيس الحاجة إلى بيان فضله. فقال : ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ (٤)، بدأ بالأموال لعظم شأنها، وعموم نفعها في شراء السلاح، وتجهيز المجاهدين، وإطعامهم. ولذلك بدأ بالمال قبل النفس في أكثر الآيات. لأن نفعه أوسع، ثم قال سبحانه وبحمده: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٥). ثم فسر بعد ذلك الخير المذكور بقوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٦). كل هذا من ثواب الجهاد، ثم قال جل وعلا: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٧) وقال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٨).
стр. 14681
وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١) يعني حتى ترجع للحق، " فإن فاءت " أي رجعت للحق، ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٢).
هذا بالنسبة للمؤمنين كما جرى يوم الجمل وصفين في القتال بين المؤمنين، فقد أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا الطائفة الباغية، حتى ترجع إلى الحق، وبعد الرجوع إلى الحق ينظر في المسائل المشكلة، وتحل بالصلح والعدل، الذي شرعه الله في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ (٣) أي بالطرق الحكيمة الشرعية التي جعلها الله وسيلة لحل النزاع. و"أقسطوا" يعني اعدلوا ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٤) هذا في المؤمنين، تقاتل الفئة الباغية، وهي مؤمنة حتى ترجع فكيف إذا كانت الطائفة الباغية ظالمة كافرة، كما هو الحال في حاكم العراق، فهو بعثي ملحد، ليس من المؤمنين، وليس ممن يدعو للإيمان والحق، بل يدعو إلى مبادئ الكفر والضلال، وبدأ يتمسح بالإسلام لما جرى ما جرى، فأراد أن يلبس على الناس، ويدعو إلى الجهاد كذبا وزورا ونفاقا.
ولو كان صادقا لترك الظلم، وترك البلاد لأهلها، وأعلن توبته إلى الله من مبادئه الإلحادية، وطريقته التي يمقتها الإسلام ولعمل بمصدر التشريع في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وحينئذ تحل المشكلات بالطرق السلمية بعد ذلك.
أما أن يدعو إلى الجهاد، وهو مقيم على الظلم والعدوان، والتهديد لجيرانه، فكيف يكون هذا الجهاد الظالم؟ وهذا الجهاد الكاذب والنفاق الذي يريد به التلبيس؟!
стр. 14682
وقد قال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قالوا: يا رسول الله نصرته مظلوما فكيف أنصره ظالما؟ قال: أن تحجزه عن الظلم فذلك نصرك إياه (١)».
وذكر البراء ﵁ نصر المظلوم في الحديث الصحيح المتفق عليه، وهو قوله ﵁: «أمرنا رسول الله ﷺ بسبع وذكر منها نصر المظلوم (٢)» فنصر المظلوم واجب ومتعين على كل من استطاع ذلك، فإذا كان الظلم عظيما كان الواجب أشد. وإذا كان الظلم لفئات كثيرة، وأمة عظيمة ويخشى من ورائه ظلم آخر، وشر آخر. صار الواجب أشد وأعظم في نصر المظلوم، وفي جهاد الظالم حتى لا تنتشر الفتنة التي قام بها، وحتى لا يعظم الضرر به، باجتياحه بلادا أخرى، ولو فعل ذلك لكان الأمر أشد وأخطر، ولكانت الفتنة به أعظم وأسوأ عاقبة، ولربما جرت أمور أخرى لا يعلم خطرها إلا الله.
ولعظم الأمر وخطورته اضطرت المملكة العربية السعودية إلى الاستنصار بالجنسيات المتعددة من الدول الإسلامية وغيرها، لعظم الخطر، ووجوب الدفاع عن البلاد وأهلها، واتقاء شر هذا الظالم المجرم الملحد، وقد وفقها الله في ذلك والحمد لله على ما حصل، ونسأل الله أن يجعل العاقبة حميدة، وأن يخذل الظالم، ويسلط عليه من يكف ضرره، وأن يدير عليه دائرة السوء، وأن يهزم جمعه، ويشتت شمله، ويقينا شره وشر أمثاله، وأن ينفع بهذه الجهود، وأن يدير دائرة السوء على المعاندين والظالمين، وأن يكتب النصر لأوليائه المؤمنين، وأن يرد هذه الجنود التي تجمعت لردع هذا الظالم إلى بلادها، ويقينا شرها، فهي جاءت لأمر واحد، وهو الدفاع عن هذه البلاد وإخراج هذا الجيش الظالم من الكويت، لما في التساهل في هذا الأمر وعدم المبادرة من الخطر العظيم، لأن الظالم لديه جيش كثير مدرب، حارب به ثمان سنين لجارته إيران، وتجمع لديه جيش كثيف، ولديه نية سيئة وخبث عظيم وقد يسر الله برحمته اجتماع جيوش عظيمة لحربه ورده عن ظلمه، ولتنصر المظلوم وتعيد الحق إلى أصحابه.
стр. 14683
وأسأل الله جل وعلا أن ينفع بالأسباب ويحسن العاقبة للمظلومين. ويجعلها للجميع عظة وذكرى، والله جل وعلا يقول: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (١). فالحكومة السعودية مضطرة، ودول الخليج كذلك، إلى الاستعانة بالقوات الإسلامية والأجنبية لردع الظالم، والقضاء عليه، وإخراجه بالقوة من هذه البلاد التي احتلها، لما أبى وعاند، ولم ينقد لدعاة الحق وخروجه سلما من البلاد التي احتلها، وانسحابه عن الحدود السعودية، ثم تكون المفاوضة بعد ذلك، في مطالبه من جيرانه، فلما أبى واستكبر وعاند وركب رأسه، ولم يراع حق الجوار، ولاحق الإسلام، ولاحق الإحسان، وجب أن يقاتل وأن يجاهد، ووجب على الدولة أن تفعل ما تستطيع من الأسباب التي تعينها على قتاله وجهاده، ونسأل الله أن ينفع بهذه الأسباب، وأن ينصر الحق وحزبه، ويخذل الباطل وأهله، وأن يرد المظلومين إلى بلادهم موفقين ومهديين وأن يخذل الظالم، وأن يدير عليه دائرة السوء، وأن يهزم جمعه، ويشتت شمله، وأن يقينا شر هذه الفتنة، وأن يجعلها موعظة للمؤمنين جميعا.
ونسأل الله أن يجعلها سببا للرجوع إلى الله والاستقامة على دينه، وإعداد العدة الكافية لجهاد أعدائه.
فالمسلمون يستفيدون من الفتن والمحن الفوائد المطلوبة، ومن ذلك أن يحاسب كل واحد منا نفسه، وأن يجاهدها لله، حتى تستقيم على الحق، وحتى يدع ما حرم الله عليه، فإن الطاعات من الجيش المجاهد من أسباب النصر، والمعاصي من أسباب الخذلان.
فعلى المجاهدين، وعلى المظلومين أن يصبروا ويصابروا، وأن يتقوا الله، وأن يستقيموا على دينه، وأن يحافظوا على حقه، وأن يتواصوا بالحق والصبر عليه، وبذلك يوفقون، ويحصل لهم النصر المؤزر، قال تعالى في كتابه العظيم: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٢).
стр. 14684
فمتى صبر المسلمون واتقوا ربهم، فإنه لا يضرهم كيد الأعداء، وإن جرت عليهم المحن، وإن قتل بعضهم، وإن جرح بعضهم، وإن أصابتهم شدة، فلا بد أن تكون لهم العاقبة الحميدة، بوعد الله الصادق وفضله العظيم. كما قال : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٣) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٤). وقال سبحانه وبحمده: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٥).
فيجب علينا جميعا رجالا ونساء، في هذه البلاد وغيرها، وعلى جميع المسلمين في كل مكان أن يستقيموا على دينه، وأن يحافظوا على أوامره، وينتهوا عن نواهيه، وأن يصدقوا في جهاد الأعداء، ومنها جهاد هذا العدو الظالم، حاكم العراق وجنده الظالم، وأن يكونوا يدا واحدة ضد هذا العدو الغاشم، الكافر وحزبه الملحد.
стр. 14685
ومن أسباب النصر تطبيق شريعة الله وتحكيمها في كل شيء، فالواجب على الدول الإسلامية والمنتسبة للإسلام أن تحاسب أنفسها، وأن تجاهد في الله جهاد الصادقين، وأن تحكم شريعة الله في جميع شئونها، فهي سفينة النجاة، كما أن سفينة نوح جعلها الله سفينة النجاة لأهل الأرض كلهم من الغرق، كذلك شريعة الله التي جاء بها سيدنا محمد ﷺ ، وهي الشريعة الإسلامية، هي سفينة النجاة لأهل الأرض كلهم أيضا، من استقام عليها، وحافظ عليها، كتبت له النجاة في الدنيا والآخرة، وإن أصابه بعض ما قدره الله عليه، مما يكره من شدة أو حرب أو غير ذلك، فإن له النجاة والعاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة.
стр. 14686
فالمؤمنون من قوم نوح ﵊ عندما أصابتهم الشدة، أمرهم الله سبحانه بركوب السفينة، ونجاهم الله بسبب إيمانهم، وإتباعهم لنوح ﵊.
فهكذا المؤمنون في كل زمان، لا بد لهم من صبر على الشدائد، واستقامة على الحق حتى يأتيهم الفرج من الله سبحانه، كما قال تعالى في سورة فصلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (١) ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ (٢) ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ (٣)، وقال سبحانه في سورة الأحقاف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٤) ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥).
فالواجب على جميع المسلمين في الجزيرة العربية وفي غيرها، تقوى الله رجالا ونساء، حكاما ومحكومين، وأن يستقيموا على دينه، وأن يحاسبوا أنفسهم من أين أصيبوا، فما أصابنا شيء مما نكره إلا بسبب معصية اقترفناها، كما قال : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٦).
وهذا الذي وقع بسبب تقصيرنا وسيئاتنا، فيجب علينا أن نرجع إلى الله، وأن نحاسب أنفسنا، وأن نجاهدها لله، وأن نستقيم على حقه، وأن نحذر معصيته، وأن نتواصى بالصبر، حتى ينصرنا الله، ويكفينا شر أنفسنا، وشر أعدائنا، كما قال : ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ (٧). وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٨).
стр. 14687
وقال سبحانه وبحمده: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١) وقال عز من قائل: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٣)، وقال في سورة العصر: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٤) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٥) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٦).
فهؤلاء هم الرابحون في كل مكان، وفي كل عصر، بإيمانهم العظيم، وعملهم الصالح، وتواصيهم بالحق والصبر عليه.
وهذه الفتنة هذا هو علاجها كما هو علاج كل فتنة بالصبر على الحق والجهاد والثبات عليه بشتى الوسائل الممكنة بالسلاح الممكن، والنصيحة الممكنة، وبكل طريقة أباحها الله، وشرعها لحل المشكلات، وردع الظالم، وإحقاق الحق.
وإذا خاف المظلوم من أن يغلب، واستعان بمن يأمنهم في هذا الأمر، وعرف منهم النصرة، فلا مانع من الاستنصار ببعض الأعداء الذين هم في صفنا ضد عدونا، ولقد استعان النبي ﷺ ، وهو أفضل الخلق بالمطعم بن عدي لما مات أبو طالب عم النبي ﷺ وكان كافرا وحماه من قومه، لما كان له من شهرة وقوة وشعبية. فلما توفي أبو طالب وخرج النبي ﷺ إلى الطائف يدعوهم إلى الله، لم يستطع الرجوع إلى مكة، خوفا من أهل مكة، إلا بجوار المطعم بن عدي وهو من رءوس الكفار، واستنصر به في تبليغ دعوة الله، واستجار به فأجاره ودخل في جواره.
وهكذا عندما احتاج إلى دليل يدله على طريق المدينة استأجر شخصا من
стр. 14688
الوثنيين ليدله إلى المدينة، لما أمنه على هذا الأمر.
ولما احتاج إلى اليهود بعد فتح خيبر، ولاهم نخيلها وزروعها بالنصف يزرعونها للمسلمين والمسلمون مشغولون بالجهاد لمصلحة المسلمين، ومعلوم عداوة اليهود للمسلمين، وكذلك لما احتاج إليهم ﵊ وأمنهم ولاهم على نخيل خيبر وزروعها.
فالعدو إذا كان في مصلحتنا، وضد عدونا فلا حرج علينا أن نستعين به ضد عدونا، وفي مصلحتنا حتى يخلصنا الله من عدونا، ثم يرجع عدونا إلى بلاده.
ومن عرف هذه الحقيقة، وعرف حال الظالم وغشمه، وما يخشى منه من خطر عظيم، وعرف الأدلة الشرعية، اتضح له الأمر.
ولهذا درست هيئة كبار العلماء هذا الحادث، وتأملوه من جميع الوجوه، وقرروا أنه لا حرج فيما فعلت الدولة من هذا الاستنصار، للضرورة إليه، وشدة الحاجة إلى إعانتهم للمسلمين، وللخطر العظيم الذي يهدد البلاد لو استمر هذا الظالم في غشمه، واجتياحه للبلاد، وربما ساعده قوم آخرون وتمالأوا معه على الباطل.
فالأمر في هذا جلل وعظيم، ولا يفطن إليه إلا من نور الله بصيرته، وعرف الحقائق على ما هي عليه، وعرف غشم الظالم، وما عنده من القوة التي نسأل الله أن يجعلها ضده، وأن يهلكه ويكبته، وأن يكفينا شره وشر كل الأعداء، وأن يولي على العراق رجلا صالحا يحكم فيه بشرع الله، وينفذ في شعبه أمر الله، كما نسأله سبحانه أن يقيهم شر هذا الحاكم الظالم العنيد، الذي عذبهم وآذاهم وعذب المسلمين وأحدث هذه الفتنة، وجر المسلمين إلى خطر عظيم.
نسأل الله أن يعامله بعدله، وأن يقضي عليه، وأن يريح المسلمين من فتنته، وأن يجعل العاقبة الحميدة لعباده المسلمين، وأن يرد المظلومين إلى بلادهم، وأن
стр. 14689
يصلح حالهم، وأن يقيم فيهم أمر الله، وأن يقينا وإياهم الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وقد رأيت أن أبسط القول في هذه المسألة، لإيضاح الحق، وبيان ما يجب أن يعتقد في هذا المقام، وبيان صحة موقف الدولة فيما فعلت، لأن أناسا كثيرين التبس عليهم الأمر في هذه الحالة، وشكوا في حكم الواقع وجوازه بسبب الضرورة والحاجة الشديدة، لأنهم لم يعرفوا الواقع كما ينبغي، ولعظم خطر هذا الظالم الملحد. . أعني حاكم العراق صدام حسين.
ولهذا اشتبه عليهم هذا الأمر، وظنوا واعتقدوا صحة ما فعله لجهلهم، ولالتباس الأمر عليهم، وظنهم أنه مسلم يدعو إلى الإسلام بسبب نفاقه وكذبه.
وربما كان بعضهم مأجورا من حاكم العراق، فتكلم بالباطل والحقد، لأنه شريك له في الظلم، وبعضهم جهل الأمر، وجهل الحقيقة، وتكلم بما تكلم به أولئك الظالمون، جهلا منه بالحقيقة، والتبست عليه الأمور.
هذا هو الواقع، وهو أن هذا الظالم اعتدى وظلم، وأصر على عدوانه، ولم يفئ إلى ترك الظلم. . والله قد أمرنا أن نقاتل الفئة الظالمة، ولو كانت مؤمنة حتى تفيء إلى أمر الله. فكيف إذا كانت الفئة الباغية كافرة ملحدة، فهي أولى بالقتال، وكفها عن الظلم، ونصر الفئة المظلومة المبغي عليها بما يستطيعه المسلمون من أسباب النصر والردع للظالم. . وقد حاول معه الناس ستة أشهر، وطلبوا منه أن يراجع نفسه ويخرج عن الكويت، ويرجع عن ظلمه وبغيه فأبى، فلم يبق إلا الحرب، ودعت الضرورة إلى الاستعانة بمن هو أقوى من المبغي عليه، على حرب هذا العدو الغاشم، حتى تجتمع القوى في حربه وإخراجه.
نسأل الله أن يقضي عليه، ويرد كيده في نحره، وأن يدير عليه دائرة السوء، وأن يكفي المسلمين شره وشر غيره وأن ينصرهم على أعدائهم، ويصلح حالهم، وأن يمنحهم الاستقامة على دينه، إنه سميع قريب.
стр. 14690
ومن الواجب على الجميع الاتعاظ بهذه الفتنة والاستفادة منها في إصلاح أحوالنا، والاستقامة على طاعة الله ورسوله، وأن نحاسب أنفسنا حتى نستقيم على الحق وندع ما سواه.
فالله سبحانه يجعل البلايا عظة وعبرة لمن يشاء، كما قال جل وعلا:
﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢).
كما نسأل الله سبحانه أن يجعل في هذه الحرب خيرا لنا، وأن يجعل عاقبتها حميدة.
стр. 14691
ويجب ألا ننسى ما حدث للنبي ﷺ وأصحابه يوم الأحزاب، وهم خير الناس، فقد تجمعت عليهم الأحزاب الكافرة، وجاءتهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، بقوة قوامها عشرة آلاف مقاتل، وحاصروا المدينة وقال أهل النفاق: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (١) هكذا ذكر الله عنهم سبحانه في سورة الأحزاب في قوله : ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (٢). حتى نصر الله نبيه، وأرسل الرياح التي أكفأت قدورهم، وقلعت خيامهم، وشردتهم كل مشرد، فرجعوا خائبين والحمد لله أبعد الشدة العظيمة التي وقعت على رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃.
وهكذا يوم أحد حين تجمع الكفار، وأغاروا على المدينة وحاصروها، وجرى ما جرى من جروح، وقتل لمن قتل من الصحابة، حتى أنزل نصره وتأييده وسلم الله المسلمين، وأدار على أعدائه دائرة السوء، ورجعوا إلى مكة صاغرين، وأنجى
стр. 14692
الله نبيه بعدما قتل سبعون من الصحابة، وجرح النبي ﷺ وجماعة كثيرة من أصحابه. واجتهد المشركون في قتله فوقاه الله شرهم.
ولما أستنكر المسلمون هذا الحدث قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ (١) يعني "يوم بدر ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ (٢) الآية.
ذلك أن النبي ﷺ هو والمسلمون أصابهم ما أصابهم يوم أحد بسبب أمر فعله الرماة الذين أمرهم النبي ﷺ أن يمسكوا ثغرا، وهو جبل الرماة، ولا يتركوه حتى لا يدخل منه جيش العدو، فلما رأى الرماة أن العدو قد أنكشف وانهزم، ظنوا أنها الفيصلة، فتركوا الثغر وصاروا يجمعون الغنيمة، وتركوا أمر النبي ﷺ ، فدخل العدو من ذلك الثغر، وحصل ما حصل من الهزيمة والمصيبة العظيمة على المسلمين، فأنزل الله قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ (٣) يعني تقتلونهم" ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ (٤) أي من الهزيمة للعدو، يعني بذلك الرماة، فشلوا وتنازعوا وتركوا أمر النبي ﷺ ، فلم يصبروا، وعندما وقع منهم هذا سلط الله عليهم العدو وقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٥).
فإذا كان النبي ﷺ وأصحابه يصيبهم مثل هذه الهزيمة والقتل والجراح، بسبب ما وقع من بعضهم من الذنوب، فكيف بحالنا؟
فالواجب على أهل الإسلام أينما كانوا، أن يحاسبوا أنفسهم، وأن يجاهدوها في الله، ويتفقدوا عيوبهم، ويتوبوا إلى الله منها، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (٦).
стр. 14693
والمعنى انظروا ما قدمتم للآخرة، فإن كنتم قدمتم أعمالا خيرة فاحمدوا الله عليها واسألوه الثبات وإن كنتم قدمتم أعمالا سيئة فتوبوا إلى الله منها وارجعوا إلى الحق والصواب.
فالواجب على أهل الإيمان أينما كانوا أن يتقوا الله دائمآ، ويحاسبوا أنفسهم دائما، ولا سيما وقت الشدائد وعند المحن كحالنا اليوم، يجب الرجوع إلى الله والتوبة إليه، وحساب النفس وجهادها لله، وما سلط علينا هذا العدو، إلا بذنوبنا، فلا بد من جهاد النفس، ولا بد من الضراعة إلى الله، وسؤال الله أن ينصرنا على عدونا، وأن يذل عدونا وأن يكفينا شره وشر أنفسنا وشر الشيطان.
ولا بد من الضراعة إلى الله وسؤاله التأييد كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ (١) فلا بد من الضراعة إلى الله وسؤاله جل وعلا النصر.
والنبي ﷺ يوم بدر ليلة الواقعة قام يناجي ربه، ويدعوه ويبكي، ويسأل ربه النصر حتى جاءه الصديق ﵁ بعدما سقط رداؤه، وقال حسبك يا رسول الله، إن الله ناصرك، إن الله مؤيدك، فإذا كان الرسول ﷺ وهو أفضل الناس، وسيد ولد آدم يتضرع إلى الله، فكيف بحالنا ونحن في أشد الضرورة إلى التوبة إلى الله، وإلى البكاء من خشيته، وإلى طلب النصر منه في ليلنا ونهارنا.
فالغفلة شرها عظيم، والمعاصي خطرها كبير. . فالواجب الإقلاع منها والتوبة إلى الله سبحانه، فالذي عنده تساهل في الصلاة يجب أن يحافظ عليها، ويبادر إليها، ويصلي في الجماعة، والذي يتعامل بالربا، يجب أن يترك ذلك وأن يتوب إلى الله منه، والذي عنده عقوق لوالديه يتقي الله ويبر والديه، والقاطع لأرحامه يتقي الله ويصل أرحامه، والذي يشرب المسكر يتقي الله ويقلع عن ذلك، ويتوب إلى الله، والذي يغتاب الناس يحذر ذلك، ويحفظ لسانه ويتقي الله.
стр. 14694
وهكذا يحاسب كل إنسان نفسه في كل عيوبه، ويتقي الله، وهكذا الموظف المقصر في وظيفته وفي أمانته يتقي الله ويؤدي حق الله، وحق عباده وهكذا الرؤساء كل واحد منهم سواء كان ملكا أو رئيس جمهورية أو وزيرا، كل واحد منهم عليه أن يحاسب نفسه لله، ويجاهدها لله، ويتوب إلى الله سبحانه من سيئ عمله. وهكذا كل موظف، كل جندي عليه أن يجاهد نفسه ويطيع الله ورسوله، ويطيع رئيسه في المعروف، ويتوب إلى الله من سيئات عمله، وتقصيره.
وهذا كله من أسباب النصر، والعاقبة الحميدة، فلا بد من الصدق مع الله وجهاد النفس، والتوبة الصادقة، من سائر الذنوب، من الرؤساء والمرؤوسين.
ولا بد من الدعاء والضراعة إلى الله ونطلب منه النصر والتأييد والعون على العدو، وسؤال الله أن يخذل العدو، ويرد كيده في نحره، ولا بد مع ذلك من الأسباب الحسية من قوة وجيش وسلاح، كما قال سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (١)، وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (٢). فيجب على أهل الإيمان أن يعدوا العدة المناسبة لجهاد الأعداء بكل ما يستطيعون، والله يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (٣) فعلى المسلمين أن يعدوا ما استطاعوا من القوة: من السلاح والرجال والتدريب، فإذا فعلوا ذلك كفاهم الله شر عدوهم، وجاءهم النصر من الله، يقول الله سبحانه: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٤)، ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٥)، ويقول سبحانه وبحمده: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٦).
стр. 14695
كما يجب على المسلم أن يلح في الدعاء، ويسأل ربه من خيري الدنيا والآخرة، كما قال الله : ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١). وقال جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٢)، وقال : ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣).
فعلينا أن نلح في الدعاء، ولا نستبطئ الإجابة، ولهذا جاء في الحديث الصحيح، يقول ﷺ : «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم أره يستجاب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء (٤)».
فلا ينبغي للمؤمن أن يدع الدعاء وإن تأخرت الإجابة، فالله حكيم عليم، في تأخير الإجابة يؤخرها سبحانه لحكم بالغة، حتى يتفطن الإنسان لأسباب التأخير، ويحاسب نفسه، ويجتهد في أسباب القبول من التوبة النصوح، والعناية بالمكسب الحلال، وإقبال القلب على الله وجمعه عليه سبحانه حين الدعاء، إلى غير ذلك من الفوائد العظيمة، والنتائج المفيدة.
فلو أن كل إنسان يعطى الإجابة في الحال، لفاتت هذه المصالح العظيمة. ومما يوضح ما ذكرنا أن نبي الله يعقوب ﵊ طلب من ربه أن يجمع بينه وبين ولده يوسف، فتأخرت الإجابة مدة طويلة، ومكث يوسف في السجن بضع سنين، والداعي نبي كريم، هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم الصلاة والسلام.
فعلم بذلك أن الله سبحانه له حكم عظيمة، في تأخير الإجابة وتعجيلها، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن
стр. 14696
تعجل له دعوته في الدنيا، وإما أن تدخر له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها، فقال الصحابة ﵃: يا رسول الله، إذا نكثر؟! قال: "الله أكثر (١)». . رواه الإمام أحمد في مسنده.
والمقصود أن المشروع للمسلم عندما تتأخر الإجابة أن يتأمل، ما هي الأسباب. لماذا تأخرت الإجابة؟ لماذا سلط علينا العدو؟ لماذا هذا البلاء؟
يتأمل ويحاسب نفسه ويجاهدها حتى تحصل له البصيرة بعيوب نفسه، وحتى يعالجها بالعلاج الشرعي، والدولة تعالج نقصها، والشخص يعالج نقصه ويداويه، كل داء له دواء، كما قال ذلك النبي ﷺ . ودواء الذنوب التوبة إلى الله سبحانه، والاستقامة على طاعته، هذا هو دواء الذنوب.
فالواجب على كل إنسان أن يعالج ذنبه ومعصيته بالتوبة النصوح، ويحاسب نفسه، ويعلم أن ربه سبحانه ليس بظلام للعبيد.
فالله سبحانه لم يظلمك، بل أنت الظالم لنفسك، تأمل وحاسب نفسك، وجاهدها، وهذا الحاكم الظالم، أعني حاكم العراق صدام حسين، يرمي السعودية بالصواريخ، ماذا فعلت معه السعودية؟ لقد ساعدته مساعدة عظيمة على عدوه، ساعدته بالمساعدات التي ذكرها صدام في كتابه لخادم الحرمين الشريفين وذكر أشياء كثيرة من المساعدات، وأخفى الكثير.
والمطلوب منه الآن الخروج من الكويت، وسحب جيشه منها، وبعد ذلك يحصل التفاوض في بقية المشاكل. . فهل هذا هو جزاء الإحسان للكويت بأن يخرجهم من ديارهم، وقد أحسنوا إليه كثيرا؟!
وهل جزاء ما عملت السعودية أن يضربها بالصواريخ، ويحشد جيوشه على حدودها؟
هذا هو جزاء المحسن عند صدام حسين، والله يقول سبحانه: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (٢).
стр. 14697
لقد أحسنت إليه السعودية عند الملمات، وواسته عند الشدائد، والكويت كذلك، ودول الخليج كذلك، كلهم ساعدوه ومدوه بما يستطيعون، ثم كانت هذه هي العاقبة من اللئيم الغشوم، لقد طلبوا منه أن يخرج من الكويت، وأن يسحب جيوشه منها، ثم يكون بعد ذلك التفاوض والنظر في المشاكل التي بينه وبين الكويت، وحلها بالوسائل السلمية.
لكنه من خبثه وظلمه يحث أنصاره وأذنابه على أن يؤذوا الناس في البلدان الأخرى، ثم من تدليسه ونفاقه وخبثه يضرب اليهود الآن حتى يفرق الجمع الموجود، وحتى يرفع عنه الحصار الذي وقع عليه.
لماذا ترك اليهود قبل الكويت، ويضربهم الآن، كان ينبغي له أن يضرب اليهود لأنهم هم العدو، بدل أن يضرب جيرانه، ومن أحسن إليه.
لكن خبثه وظلمه وغشمه ونفاقه ومكره، حمله على أن يضرب اليهود الآن، حتى يفرق هؤلاء المجتمعين لحربه، وحتى يخرج من هذا الحصار المحيط به، ولكنها لم ترد عليه، حتى يظل هذا الحصار، وحتى يقضي الله فيه أمره ، وحتى يخيب الله آماله، ويرد كيده في نحره بحوله وقوته سبحانه.
نسأل الله أن يرد كيده في نحره، وأن يستجيب دعوات المسلمين ضده، فهو ظالم ملبس مخادع منافق، يجمع كل شر وكل حيلة، وكل بلاء للخداع والظلم والعدوان.
ولكن نسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا أن يقضي عليه، وأن يدير عليه دائرة السوء، وأن يخذل الله أنصاره وأعوانه، وأن يرد من هو حائر في أمره إلى البصيرة، والهدى وأن يقضي على أنصاره الظالمين المعتدين، وأن يهلكهم معه، ويسلط عليهم جندا من عنده، إنه جواد كريم.
كما نسأله سبحانه أن ينصر المسلمين عليه وحزبه، وأن ينصر من نصر المسلمين عليه، وعلى أعوانه حتى يقضي الله على هذا الظالم، وحتى يخرجه من الكويت صاغرا ذليلا.
стр. 14698
كما نسأل الله سبحانه أن يولى على العراق رجلا صالحا، يخاف الله ويراقبه ويحكم في العراقيين شريعة الله، ويبسط فيهم العدل والإحسان.
وعلينا أيها الأخوة، وعلى كل مسلم في كل مكان، أن نتقي الله سبحانه، وأن نستقيم على دينه، وأن نجاهد أنفسنا في ذلك. . مع سؤاله سبحانه النصر المعجل لأوليائه، وأهل طاعته المظلومين، وأن يكبت هذا الظالم المعتدي، وأن يسلط عليه جندا من عنده، وأن يقضي عليه، وأن يولي على العراق من يخاف الله فيهم، ويحسن إليهم، ويحكم فيهم بشرع الله، إنه جل وعلا جواد كريم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. . وصلى الله على نبينا محمد عبد الله ورسوله، وعلى آله وصحبه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 14699
حكم إقامة المسافر
التي تقطع حكم السفر
إعداد: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله وصحبه. . وبعد:
فبناء على محضر مجلس هيئة كبار العلماء رقم (١٠) المتخذ في الدورة الخامسة الاستثنائية المنعقدة بمدينة الرياض في شهر ربيع أول عام ١٤٠١ هـ المتضمن طلب جمع ما تيسر من أقوال العلماء في حكم إقامة المسافر التي تقطع حكم السفر.
أعدت اللجنة الدائمة بحثا مختصرا في الموضوع شمل نقولا عن بعض العلماء. وفيما يلي تلك النقول. . والله المستعان:
١ - قال البخاري ﵀ في صحيحه:
"باب ما جاء في التقصير، وكم يقيم حتى يقصر "
١٠٨٠ - حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا أبو عوانة عن عاصم وحصين عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: «أقام النبي ﷺ تسعة عشر يقصر، فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا (١)».
(الحديث ١٠٨٠ - طرفاه في: ٤٢٩٨، ٤٢٩٩).
١٠٨١ - حدثنا أبو معمر قال حدثنا عبد الوارث قال حدثنا يحيى بن أبي إسحاق قال سمعت أنسا يقول «خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة. قلت: أقمتم بمكة شيئا؟ قال أقمنا بها عشرا (٢)».
стр. 14700
(الحديث ١٠٨١ - طرفه في: ٤٢٩٧).
وقال ابن حجر ﵀ في شرح ذلك (١):
(باب ما جاء في التقصير) تقول: قصرت الصلاة بفتحتين مخففا قصرا، وقصرتها بالتشديد تقصيرا، وأقصرتها إقصارا، والأول أشهر في الاستعمال. والمراد به تخفيف الرباعية إلى ركعتين ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أن لا تقصير في صلاة الصبح ولا في صلاة المغرب، وقال النووي: ذهب الجمهور إلى أنه يجوز القصر في كل سفر مباح. وذهب بعض السلف إلى أنه يشترط في القصر الخوف في السفر، وبعضهم كونه سفر حج أو عمرة أو جهاد، وبعضهم كونه سفر طاعة، وعن أبي حنيفة والثوري في كل سفر سواء كان طاعة أو معصية، قوله: (وكم يقيم حتى يقصر) في هذه الترجمة إشكال لأن الإقامة ليست سببا للقصر، ولا القصر غاية للإقامة، قاله الكرماني وأجاب بأن عدد الأيام المذكورة سبب لمعرفة جواز القصر فيها ومنع الزيادة عليها، وأجاب غيره بأن المعنى وكم إقامته المغياة بالقصر؟ وحاصله كم يقيم مقصرا؟ وقيل المراد كم يقصر حتى يقيم؟ أي حتى يسمى مقيما فانقلب اللفظ، أو حتى هنا بمعنى حين أي كم يقيم حين يقصر؟ وقيل فاعل يقيم هو المسافر، والمراد إقامته في بلد ما غايتها التي إذا حصلت يقصر. قوله (عن عاصم) هو ابن سليمان، وحصين بالضم هو ابن عبد الرحمن. قوله (تسعة عشر) أي يوما بليلته، زاد في المغازي من وجه آخر عن عاصم وحده " بمكة "، وكذا رواه ابن المنذر عن طريق عبد الرحمن بن الأصبهاني عن عكرمة، وأخرجه أبو داود من هذا الوجه بلفظ "سبعة عشر" بتقديم السين، وكذا أخرجه من طريق حفص بن غياث عن عاصم قال: وقال عباد بن منصور عن عكرمة "تسع عشرة" كذا ذكرها معلقة وقد وصلها البيهقي. ولأبي داود أيضا من حديث " عمران بن حصين «غزوت مع رسول الله ﷺ عام الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين (٢)» وله من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله عن ابن
стр. 14701
عباس أقام رسول الله ﷺ بمكة عام الفتح خمسة عشر يقصر الصلاة، وجمع البيهقي بين هذا الاختلاف بأن من قال تسع عشرة عد يومي الدخول والخروج، ومن قال سبع عشرة حذفهما، ومن قال ثماني عشرة عد أحدهما.
وأما رواية "خمسة عشر" فضعفها النووي في الخلاصة، وليس بجيد لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك عن عبيد الله كذلك، وإذا ثبت أنها صحيحة فليحمل على أن الراوي ظن أن الأصل رواية سبعة عشر فحذف منها يومي الدخول والخروج فذكر أنها خمسة عشر، واقتضى ذلك أن رواية تسعة عشر أرجح الروايات، وبهذا أخذ إسحاق بن راهويه، ويرجحها أيضا أنها أكثر ما وردت به الروايات الصحيحة، وأخذ الثوري وأهل الكوفة برواية خمسة عشر لكونها أقل ما ورد، فيحمل ما زاد على أنه وقع اتفاقا. وأخذ الشافعي بحديث عمران بن حصين لكن محله عنده فيمن لم يزمع الإقامة، فإنه إذا مضت عليه المدة المذكورة وجب عليه الإتمام، فإن أزمع الإقامة في أول الحال على أربعة أيام أتم، على خلاف بين أصحابه في دخول يومي الدخول والخروج فيها أولا، وحجته حديث أنس الذي يليه. قوله: (فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا) ظاهره أن السفر إذا زاد على تسعة عشر لزم الإتمام، وليس ذلك المراد، وقد صرح أبو يعلى عن شيبان عن أبي عوانة في هذا الحديث بالمراد ولفظه "إذا سافرنا فأقمنا في موضع تسعة عشر" ويؤيده صدر الحديث وهو قوله "أقام " وللترمذي من وجه آخر عن عاصم " فإذا أقمنا أكثر من ذلك صلينا أربعا". قوله في حديث أنس "خرجنا من المدينة في رواية شعبة عن يحيى بن أبي إسحاق عند مسلم إلى الحج " قوله: (فكان يصلي ركعتين ركعتين) في رواية البيهقي من طريق علي بن عاصم عن يحيى بن أبي إسحاق عن أنس "إلا في المغرب " قوله: (أقمنا بها عشرا) لا يعارض ذلك حديث ابن عباس المذكور، لأن حديث ابن عباس كان في فتح مكة وحديث أنس في حجة الوداع وسيأتي بعد باب من حديث ابن عباس قدم النبي صلى
стр. 14702
الله عليه وسلم وأصحابه لصبح رابعة" الحديث. ولا شك أنه خرج من مكة صبح الرابع عشر فتكون مدة الإقامة بمكة وضواحيها عشرة أيام بلياليها كما قال أنس وتكون مدة إقامته بمكة أربعة أيام سواء لأنه خرج منها في اليوم الثامن فصلى الظهر بمنى، ومن ثم قال الشافعي:
إن المسافر إذا أقام ببلدة قصر أربعة أيام، وقال أحمد: إحدى وعشرين صلاة. وأما قول ابن رشيد: أراد البخاري أن يبين أن حديث أنس داخل في حديث ابن عباس لأن إقامة عشر داخل في إقامة تسع عشرة- فأشار بذلك إلى أن الأخذ بالزائد متعين- ففيه نظر لأن ذلك إنما يجيء على اتحاد القصتين، والحق أنهما مختلفان، فالمدة التي في حديث ابن عباس يسوغ الاستدلال بها على من لم ينو الإقامة، بل كان مترددا متى يتهيأ له فراغ حاجته يرحل، والمدة التي في حديث أنس يستدل بها على من نوى الإقامة، لأنه ﷺ في أيام الحج كان جازما بالإقامة تلك المدة، ووجه الدلالة من حديث ابن عباس لما كان الأصل في المقيم الإتمام. فلما لم يجئ عنه ﷺ أنه أقام في حال السفر أكثر من تلك المدة جعلها غاية للقصر، وقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال كثيرة كما سيأتي، وفيه أن الإقامة في أثناء السفر تسمى إقامة، وإطلاق اسم البلد على ما جاورها وقرب منها لأن منى وعرفة ليستا من مكة، أما عرفة فلأنها خارج الحرم فليست من مكة قطعا، وأما منى ففيها احتمال، والظاهر أنها ليست من مكة إلا إن قلنا إن اسم مكة يشمل جميع الحرم، قال أحمد بن حنبل ليس لحديث أنس وجه إلا أنه حسب أيام إقامته ﷺ في حجته منذ دخل مكة إلى أن خرج منها لا وجه له إلا هذا. وقال المحب الطبري: أطلق على ذلك إقامة بمكة، لأن هذه المواضع مواضع النسك وهي في حكم التابع لمكة لأنها المقصود بالأصالة لا يتجه سوى ذلك كما قال الإمام أحمد والله أعلم. وزعم الطحاوي أن الشافعي لم يسبق إلى أن المسافر يصير بنية إقامته أربعة أيام مقيما وقد قال أحمد نحو ما قال الشافعي، وهي رواية عن مالك.
стр. 14703
٢ - قال النووي ﵀ في شرحه للأحاديث الواردة في صحيح مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها قولها: (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر) اختلف العلماء في القصر في السفر فقال الشافعي ومالك بن أنس وأكثر العلماء يجوز القصر والإتمام والقصر أفضل ولنا قول أن الإتمام أفضل ووجه أنهما سواء والصحيح المشهور أن القصر أفضل وقال أبو حنيفة وكثيرون القصر واجب ولا يجوز الإتمام ويحتجون بهذا الحديث وبأن أكثر فعل النبي ﷺ وأصحابه كان القصر واحتج الشافعي وموافقوه بالأحاديث المشهورة في صحيح مسلم وغيره أن الصحابة ﵃ كانوا يسافرون مع رسول الله ﷺ ، فمنهم القاصر ومنهم المتمم ومنهم الصائم ومنهم المفطر لا يعيب بعضهم على بعض وبأن عثمان كان يتم وكذلك عائشة وغيرها وهو ظاهر قول الله :. . . ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (١). . . وهذا يقتضي رفع الجناح والإباحة. وأما حديث فرضت الصلاة ركعتين فمعناه فرضت ركعتين لمن أراد الاقتصار عليهما فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتيم وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار وتثبت دلائل جواز الإتمام فوجب المصير إليها والجمع بين دلائل الشرع قوله: (فقلت لعروة ما بال عائشة تتم في السفر فقال: إنها تأولت كما تأول عثمان) اختلف العلماء في تأويلهما، فالصحيح الذي عليه المحققون أنهما رأيا القصر جائزا والإتمام جائزا فأخذا بأحد الجائزين وهو الإتمام وقيل لأن عثمان إمام المؤمنين وعائشة أمهم فكأنهما في منازلهما وأبطله المحققون بأن النبي ﷺ كان أولى بذلك منهما وكذلك أبو بكر وعمر ﵄ وقيل لأن عثمان تأهل بمكة وأبطلوه بأن النبي ﷺ سافر بأزواجه وقصر وقيل فعل ذلك من أجل الأعراب الذين حضروا معه لئلا يظنوا أن فرض الصلاة ركعتان أبدا حضرا وسفرا وأبطلوه بأن هذا المعنى كان موجودا في زمن النبي ﷺ بل
стр. 14704
اشتهر أمر الصلاة في زمن عثمان أكثر مما كان وقيل لأن عثمان نوى الإقامة بمكة بعد الحج وأبطلوه بأن الإقامة بمكة حرام على المهاجر فوق ثلاث وقيل كان لعثمان أرض بمنى أبطلوه بأن ذلك لا يقتضي الإتمام والإقامة والصواب الأول ثم مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد والجمهور أنه يجوز القصر في كل سفر مباح وشرط بعض السلف كونه سفر خوف وبعضهم كونه سفر حج أو عمرة أو غزو وبعضهم كونه سفر طاعة قال الشافعي ومالك وأحمد والأكثرون ولا يجوز في سفر المعصية وجوزه أبو حنيفة والثوري، ثم قال الشافعي ومالك وأصحابهما والليث والأوزاعي وفقهاء أصحاب الحديث وغيرهم لا يجوز القصر إلا في مسيرة مرحلتين قاصدتين وهي ثمانية وأربعون ميلا هاشمية، والميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربع وعشرون إصبعا معترضة معتدلة والأصبع ست شعيرات معترضات معتدلات وقال أبو حنيفة والكوفيون لا يقصر في أقل من ثلاث مراحل وروي عن عثمان وابن مسعود وحذيفة وقال داود وأهل الظاهر يجوز في السفر الطويل والقصير حتى لو كان ثلاثة أميال قصر. قوله "عن عبد الله بن بابيه " هو بباء موحدة ثم ألف موحدة أخرى مفتوحة ثم مثناة تحت ويقال فيه ابن باباه وابن بابي بكسر الباء الثانية. قوله: «عجبت ما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ فقال صدقة تصدق الله تعالى بها عليكم فاقبلوا صدقته (١)» هكذا هو في بعض الأصول ما عجبت وفي بعضها عجبت مما عجبت وهو المشهور المعروف وفيه جواز قول تصدق الله علينا واللهم تصدق علينا وقد كرهه بعض السلف وهو غلط ظاهر وقد أوضحته في أواخر كتاب الأذكار وفيه جواز القصر في غير الخوف وفيه أن المفضول إذا رأى الفاضل يعمل شيئا يشكل عليه يسأله عنه والله أعلم).
قوله في الحضر ركعة وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد جميعا عن القاسم بن مالك قال: عمرو حدثنا قاسم بن مالك المزني حدثنا أيوب بن عائذ الطائي عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن ابن عباس قال: إن الله فرض الصلاة على لسان نبيكم ﷺ على المسافر ركعتين وعلى
стр. 14705
المقيم أربعا وفي الخوف ركعة.
حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن موسى بن سلمة الهذلي قال سألت ابن عباس كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصل مع الإمام؟ فقال: ركعتين سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلما (١).