← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

والتباين هو ما يصيران فيه من القول والفعل إلى ما لا يحل لهما ولا يحسن ويمتنعان كل واحد منهما من الرجعة ويتماديان فيما ليس لهما، لا يعطيان حقا ولا يتطوعان ولا واحد منهما بأمر يصيران به في معنى الأزواج غيرهما، فإذا كان هكذا بعث حكما من أهله وحكما من أهلها ولا يبعث الحكمان إلا مأمونين وبرضا الزوجين ويوكلهما الزوجان بأن يجمعا أو يفرقا إذا رأيا ذلك. أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي - رحمه الله تعالى - قال أخبرنا الثقفي عن أيوب عن محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي في هذه الآية ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (١) ثم قال للحكمين هل تدريان ما عليكما؟ إذا رأيتما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا. قالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي، وقال الرجل: أما الفرقة فلا. فقال علي - رضي الله تعالى عنه -: كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به. قال فقول علي - رضي الله تعالى عنه - يدل على ما وصفت من أن ليس للحاكم أن يبعث حكمين دون رضا المرأة والرجل بحكمهما وعلى أن الحكمين إنما هما وكيلان للرجل والمرأة بالنظر بينهما في الجمع والفرقة. فإن قال قائل: ما دل على ذلك؟ قلنا: لو كان الحكم إلى علي - رضي الله تعالى عنه - دون الرجل والمرأة بعث هو حكمين، ولم يقل: ابعثوا حكمين، فإن قال قائل: فقد يحتمل أن يقول ابعثوا حكمين فيجوز حكمهما بتسمية الله إياهما حكمين. كما يجوز حكم الحاكم الذي يصيره الإمام فمن سماه الله ﵎ حاكما أكثر معنى، أو يكونا كالشاهدين إذا رفعا شيئا إلى الإمام أنفذه عليهما، أو يقول: ابعثوا حكمين أي دلوني منكم على حكمين صالحين كما تدلوني على تعديل الشهود. قلنا: الظاهر ما وصفنا، والذي يمنعنا من أن نحيله عنه مع ظهوره أن قول علي ﵁ للزوج: كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به. يدل على أنه ليس للحكمين أن يحكما إلا بأن يفوض الزوجان ذلك إليهما، وذلك أن المرأة فوضت، وامتنع الزوج من تفويض الطلاق فقال علي ﵁: كذبت حتى تقر بمثل الذي أقرت به. يذهب إلى أنه إن لم يقر لم يلزمه الطلاق وإن رأياه: ولو كان يلزمه طلاق بأمر الحاكم أو تفويض المرأة لقال له: لا أبالي أقررت أم سكت. وأمر الحكمين أن يحكما بما رأياه. اه (٢) وذكر الشيرازي قولين في المذهب أحدهما: أنهما وكيلان والثاني: أنهما حاكمان، فقال: فإن ادعى كل واحد منهما النشوز على الآخر أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة ليعرف الظالم منهما فيمنع من الظلم، فإن بلغا إلى الشتم والضرب بعث الحاكم حكمين للإصلاح أو التفريق لقوله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (٣) واختلف قوله في الحكمين، فقال في أحد القولين: هما وكيلان فلا يملكان التفريق إلا بإذنهما لأن الطلاق إلى الزوج وبذل المال إلى الزوجة فلا يجوز إلا بإذنهما، وقال في القول الآخر: هما حاكمان فلهما أن يفعلا ما يريان من الجمع والتفريق بعوض وغير عوض لقوله ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٤) فسماهما حكمين ولم يعتبر رضا الزوجين.

стр. 1507

وروى أبو عبيدة أن عليا ﵁ بعث رجلين فقال لهما: أتدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، فقال الرجل: أما هذا فلا، فقال: كذبت لا والله ولا تبرح حتى ترضى بكتاب الله لك وعليك. فقالت المرأة رضيت بكتاب الله لي وعلي. ولأنه وقع الشقاق واشتبه الظالم منهما فجاز التفريق بينهما من غير رضاهما كما لو قذفها وتلاعنا. والمتسحب أن يكون حكما من أهله وحكما من أهلها للآية، لأنه روى أنه وقع بين عقيل بن أبي طالب وبين زوجته شقاق وكانت من بني أمية فبعث عثمان - رضي الله تعالى عنه - حكما من أهله وهو ابن عباس - رضي الله تعالى عنه -، وحكما من أهلها وهو معاوية - رضي الله تعالى عنه - ولأن الحكمين من أهلهما أعرف بالحال. وإن كان من غير أهلهما جاز لأنهما في أحد القولين حاكمان، وفي الآخر وكيلان، إلا أنه يحتاج فيه إلى الرأي والنظر في الجمع والتفريق، ولا يكمل لذلك إلا ذكران عدلان. فإن قلنا: إنهما حاكمان لم يجز أن يكونا إلا فقيهين، وإن قلنا: إنهما وكيلان جاز أن يكونا من العامة. اه (١). والمشهور لدى الحنابلة أنهما وكيلان لا حاكمان قال المرداوي: اعلم أن الصحيح من المذهب: أن الحكمين وكيلان عن الزوجين لا يرسلان برضاهما وتوكيلهما فإن امتنعا من التوكيل لم يجبرا عليه. قال الزركشي هذا هو المشهور عند الأصحاب، حتى أن القاضي في الجامع الصغير - والشريف أبا جعفر، وابن البنا لم يذكروا فيه خلافا. ورضيه أبو الخطاب. قال في تجريد العناية: هذه أشهر. وقطع به في الوجيز، والمنور ومنتخب الأزجي وغيرهم. . وقدمه في الهداية، والمذهب ومسبوك الذهب، والمستوعب، والخلاصة، والهادي، والمحرر، والرعايتين، والحاوي الصغير، والنظم، والفروع، وغيرهم. وعنه: أن الزوج إن وكل في الطلاق بعوض أو غيره أو كلت المرأة في بذل العوض برضاها، وإلا جعل الحاكم إليهما ذلك - فهذا يدل على أنهما حكمان يفعلان ما يريان من جمع أو تفريق بعوض أو غيره من غير رضا الزوجين. قال الزركشي: وهو ظاهر الآية الكريمة. . انتهى. . واختاره ابن هبيرة والشيخ تقي الدين رحمهما الله. . وهو ظاهر كلام الخرقي قال في الفروع، وأطلقهما في الكافي، والشرح. اهـ (٢).

стр. 1508

وقال ابن القيم حكم رسول الله ﷺ بين الزوجين يقع الشقاق بينهما. روى أبو داود في سننه من حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - «" أن حبيبة بنت سهل كانت عند ثابت بن قيس بن شماس. فضربها فكسر بعضها، فأتت النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بعد الصبح. فدعا النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ثابتا فقال " خذ بعض مالها وفارقها " فقال: ويصلح ذلك يا رسول الله؟ قال: " نعم " قال: فإني أصدقتها حديقتين وهما بيدها، فقال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم: " خذهما وفارقها " ففعل (١)». وقد حكم الله بين الزوجين يقع الشقاق بينهما بقوله تعالى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (٢) وقد اختلف السلف والخلف في الحكمين: هل هما حاكمان أو وكيلان؟ على قولين: أحدهما أنهما وكيلان وهو قول أبي حنيفة والشافعي في قول وأحمد في رواية. الثاني أنهما حاكمان. وهذا قول أهل المدينة، ومالك، وأحمد في الرواية الأخرى والشافعي في القول الآخر. وهذا هو الصحيح. والعجب كل العجب ممن يقول: هما وكيلان، لا حاكمان، والله تعالى قد نصبهما حكمين، وجعل نصبهما إلى غير الزوجين. ولو كانا وكيلين لقال فليبعث وكيلا من أهله ولتبعث وكيلا من أهلها، وأيضا: فلو كانا وكيلين لم يختصا بأن يكونا من الأهل. وأيضا: فإنه جعل الحكم إليهما، فقال تعالى ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (٣) والوكيلان لا إرادة لهما إنما يتصرفان بإرادة موكليهما، وأيضا: فإن الوكيل لا يسمى حكما في لغة القرآن، ولا في لسان الشارع، ولا في العرف العام ولا الخاص وأيضا: فالحكم من له ولاية الحكم والإلزام، وليس للوكيل شيء من ذلك. وأيضا: فإن الحكم أبلغ من حاكم لأنه صفة مشبهة باسم الفاعل دالة على الثبوت. ولا خلاف بين أهل العربية في ذلك. فإذا كان الحاكم لا يصدق على الوكيل المحض فكيف بما هو أبلغ منه؟ وأيضا: فإنه خاطب بذلك غير الزوجين، وكيف يصح أن يوكل على الرجل والمرأة غيرهما؟ وهذا يحوج إلى تقدير الآية هكذا: وإن خفتم شقاق بينهما: فمروهما أن يوكلا وكيلين: وكيلا من أهله ووكيلا من أهلها. ومعلوم

стр. 1509

بعد لفظ الآية ومعناها عن هذا التقدير، وأنها لا تدل عليه بوجه، بل هي دالة على خلافه، وهذا بحمد الله واضح. - وبعث عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه - عبد الله بن عباس ومعاوية حكمين بين عقيل بن أبي طالب وامرأته فاطمة بنت عتبة بن ربيعة، فقيل لهما " إن رأيتما أن تفرقا فرقتما " وصح عن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - أنه قال للحكمين بين الزوجين " عليكما أن رأيتما أن تفرقا فرقتما وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما " فهذا عثمان، وعلي وابن عباس ومعاوية جعلوا الحكم إلى الحكمين ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف، وإنما يعرف الخلاف بين التابعين فمن بعدهم. والله أعلم. وإذا قلنا: إنهما وكيلان فهل يجبر الزوجان على توكيل الزوج في الفرقة بعوض وغيره وتوكيل الزوجة في بذل العوض، أو لا يجبران؟ على روايتين: فإن قلنا: يجبران، فلم يوكلا، جعل الحاكم ذلك إلى الحكمين بغير رضا الزوجين. وإن قلنا: إنهما حكمان لم يحتج إلى رضا الزوجين، وعلى هذا النزاع: ينبني ما لو غاب الزوجان أو أحدهما، فإن قيل إنهما وكيلان: لم ينقطع نظر الحكمين، وإن قيل: حكمان انقطع نظرهما لعدم الحكم على الغائب، وقيل يبقى نظرهما على قولين، لأنهما يتصرفان بحظهما، فهما كالناظرين، وإن جن الزوجان انقطع نظر الحكمين، وإن قيل: إنهما وكيلان، لأنهما فرع الموكلين، ولم ينقطع إن قيل: إنهما حكمان لأن الحاكم يلي على المجنون وقيل: ينقطع أيضا لأنهما منصوبان عنهما، فكأنما وكيلان ولا ريب أنهما حكمان، فيهما شائبة الوكالة، ووكيلان منصوبان للحكم، فمن العلماء من رجح جانب الوكالة، ومنهم من اعتبر الأمرين. اهـ (١)

стр. 1510

الخلاصة معنى كل من النشوز والخلع لغة وشرعا أولا (أ) النشوز مصدر نشز ينشز بضم الشين وكسرها في المضارع، معناه ارتفع، وهو مأخوذ من النشز بسكون الشين وفتحها، وهو ما ارتفع من الأرض، ويطلق أيضا على ما ارتفع عن الوادي إلى الأرض، وليس بالغليظ، وقال أبو عبيد: النشز الغليظ الشديد، ويجمع النشز مطلقا عن أنشاز ونشوز، وقيل يجمع ساكن الشين على نشوز ومفتوحها عن أنشاز ونشاز بكسر النون ويتعدى بالهمزة فيقال: أنشز عظام الميت إنشازا إذا رفعها إلى مواضعها، وركب بعضها على بعض، ومنه قوله تعالى ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ (١) ويطلق النشوز على النهوض إلى الشيء بقوة ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ (٢) ويقال للدابة نشزة إذا لم يكد يستقر الراكب عليها ولا السرج على ظهرها. ونشوز الزوجين كراهية كل منهما الآخر، وسوء عشرته له، يقال: نشزت الزوجة بزوجها وعلى زوجها فهي ناشز أبغضته، وترفعت عليه وخرجت عن طاعته واستعصت عليه، ونشز الزوج على امرأته جفاها، وترفع عليها لبغضه إياها، وقد يقضي هذا إلى طلاقها، أو منعها حقها في المبيت أو النفقة مثلا. (ب) الخلع مصدر خلع يخلع على وزن منع يمنع، ويطلق لغة على معان، منها: فصل القبيلة لرجل منها لسوء حاله حتى لا تتحمل جريرته، وهو خليع ومخلوع، ويطلق على التواء العرقوب وانتقاله عن محله، ويطلق على خلع الملابس، ويطلق بمعنى النزع إلا أنه أقل منه شدة، ويطلق على فصم عروة النكاح وإنهاء الحياة الزوجية، وكلها تدور على معنى الفصل، وخص في الشرع بفصم عقدة النكاح ومفارقة الرجل زوجته بعوض منها أو من غيرها. ثانيا: إذا لم يعاشر الرجل زوجته بالمعروف بأن جفاها أو ترفع عليها، أو قصر فيما وجب لها عليه من نفقة أو بيت مثلا، أو توقع من نفسه حصول ما يسوؤها فإن لم يكن ذلك عن إساءة منها إليه، فعليه أن يمسك عن ذلك، ويعاشرها بمعروف أو يفارقها بإحسان، ولا يجوز له أن يعضلها أو يضارها ليأخذ منها شيئا أو لتتنازل له عن بعض حقوقها، لقوله تعالى ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤)

стр. 1511

وللزوجة إذا تحققت من زوجها النشوز أو الإعراض عنها، أو توقعت ذلك منه، ورغبت في البقاء معه لمصلحة تراها، أن تصالح زوجها على التنازل عن بعض حقوقها عليه، أو على مال تدفعه إليه ليبقيها في عصمته، لقوله تعالى ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (١) ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٢) ولأن سودة تنازلت عن ليلتها لعائشة لتبقى زوجة للنبي ﷺ فأقر ذلك، ولا حرج على الزوج فيما تصالحا عليه إلا أن يكون عن مضارة منه لها. ثالثا: إذا نشزت المرأة فتركت الحقوق التي ألزمها الله بها لزوجها دون أن يكون منه إليها ما يسوؤها وعظها ثم هجرها ثم أدبها، فإن أطاعته عاشرها بالمعروف، وإلا جاز له أن يضارها حتى تفتدي نفسها منه فيطلقها أو يخالعها على عوض، سواء كان نشوزها ترفعا عليه أم امتناعها من فراشه أم قولها له: لا اغتسل لك من جنابة، ولا أطأ لك فراشا، ولا أبر لك قسما، أم كان خروجا من بيته بغير إذنه أم تمكينا لأحد من فراشه، أم زناها إلى غير هذا مما يدل على سوء العشرة، وقال أبو قلابة وابن سيرين لا يحل الخلع حتى يجد على بطنها رجلا. ومنشأ الخلاف بينهما وبين الجمهور، الخلاف في المراد بالفاحشة في قوله تعالى ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٣) هل المراد بها خصوص الزنا أو كل ما يدل على سوء العشرة وترك الحقوق التي ألزمها الله لزوجها. وقال بكر بن عبد الله وعطاء والمالكية: لا يحل له أن يمسكها ويضيق عليها حتى تفتدي منه وإن أتت بفاحشة من زنا أو بذاء أو نشوز لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (٤) الآيتين وقوله ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٥) وادعوا أن الإذن في العضل إذا أتت بفاحشة منسوخ بهذه النصوص، وأجاب الجمهور عن ذلك بمنع النسخ، لا مكان الجمع بحمل الإذن في العضل والمضارة على ما إذا أتت بفاحشة، وحمل النهي عن المضارة وأخذ العوض على ما إذا لم يحصل منها نشوز. وقيل: لا يجوز أخذ الزوج العوض منها إلا إذا خافا جميعا ألا يقيما حدود الله، لكراهية كل منهما الآخر لقوله تعالى ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٦) واختيار ابن جرير، واعترض عليه بأنه يلزمه ألا يحل للزوج أخذ الفدية إذا كان سوء العشرة

стр. 1512

من قبلها فقط، وأجاب عنه بأن الأمر ليس كما ظن، فإن سوء عشرتها يقتضي كراهيته إياها وذلك يقتضي الخوف ألا يقيما حدود الله. رابعا: اتفق العلماء على بعث حكمين إذا وقع الشقاق بين الزوجين ولم يعلم الناشز منهما أو كان كل منهما ناشزا فأبى الزوج أن يمسك بمعروف أو يسرح بإحسان وأبت الزوجة أن تؤدي الحقوق التي ألزمها الله بها لزوجها، واتفقوا على أن أحد الحكمين يكون من أهل الزوج والآخر من أهلها إن أمكن وإلا فمن غيرهما حسب ما تقتضيه المصلحة، واتفقوا على أن الحكمين ينفذ ما رأياه في الصلح بينهما وعلى أنهما إذا اختلفا لم ينفذ قولهما، واختلفوا بعد ذلك في مسائل: الأولى: اختلافهم في المخاطب ببعث الحكمين في قوله تعالى ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (١) فقيل السلطان أو نائبه لأنه هو الذي إليه الفصل في الخصومات والأخذ على يد الظالم، وقيل المخطاب بذلك الزوجان، لأن الشأن شأنهما، وكل منهما أدرى بمن يحرص على استيفاء حقه والدفاع عنه، وقيل أولياء الزوجين، ويمكن أن يقال: إن الأمر ببعث الحكمين مطلق فإن قام به الزوجان فبها، وإلا بعث أولياؤهما من يقوم بالواجب، فإن لم يتم البعث من قبل أوليائهما تعين على السلطان أو نائبه بعثهما. الثانية: اختلافهم في الحكمين، هل هما وكيلان أو بمنزلة القضاة. فقيل: هما وكيلان ينفذ قولهما فيما وكلا فيه فقط، لأن الطلاق بيد الزوج لا يملكه غيره إلا بتوكيل منه ولأن التعويض عن الطلاق لا يكون إلا برضا الزوجة وطيب نفسها، ولحديث علي، وفيه " فقال الرجل: أما الفرقة فلا فقال علي: والله لا تنقلب حتى تقر بمثل ما أقرت به المرأة " فاعتبر بذلك إذنه كما أذنت، وقيل هما حاكمان فينفذ قولهما إذ هما بمنزلة السلطان، والسلطان يطلق بالضرر إذا تبين كما في مسالة العنين، ولحديث علي فإنه قال للحكمين: هل تدريان ما عليكما، إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما. ولتسمية الله المبعوثين حكمين، والحكم كالقاضي ينفذ ما حكم به من جمع أو تفريق بعوض أو بغير عوض رضي الزوجان بذلك أم كرها. وقال بعض العلماء إذا بعث السلطان أو نائبه حكمين فليس لهما إلا النظر لمعرفة المسيء منهما والنصح لهما والإصلاح بينهما، فإن تم الصلح فبها، وإلا رفعا الأمر للسلطان أو نائبه، وكانا بمنزلة الشاهدين، أما الحكم فإلى السلطان أو نائبه دونهما. الثالثة: هل الخلع طلاق أو فسخ، وهل ينفذ طلاق الحكمين إذا طلقا ثلاثا دون تفويض في ذلك من الزوج، وهل للزوج الرجعة بعد الخلع ما دامت المخالعة في العدة، وهل يجوز الخلع دون السلطان أو لا يكون إلا عن طريقه، وهل الخلع خاص بين الزوجين أو عام فيها وفي غيرها؟ في كل هذه المسائل خلاف. خامسا: اختلف العلماء في مقدار ما يؤخذ من العوض في الخلع فقيل: لا يأخذ الزوج أكثر مما أعطاها لقوله ﷺ لمن أرادت فراق زوجها " تردين

стр. 1513

إليه ما أخذت منه " قالت نعم وزيادة، فقال ﷺ " أما الزيادة فلا " ويمكن أن يخصص عموم نصوص الافتداء بهذا الحديث، لما فيها من الاحتمال. وقيل: يجوز بأكثر مما أعطاها لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١) ولما رواه الدارقطني عن أبي سعيد الخدري في مخالعة الأنصاري لأخته «أن النبي ﷺ قال لها: " تردين عليه حديقته ويطلقك "، قالت نعم وأزيده، قال: " ردي عليه حديقته وزيديه (٢)». ويمكن أن يقال إن هذا الحديث مقابل لحديث منع الزيادة على ما أعطاها، وعلى هذا يتم الاستدلال بعموم الآية على جواز أخذه ما تراضيا عليه أو حكم به حاكم ولو كان أزيد مما دفع لها أو يقال: في كل من الحديثين مقال، فيتم الاستدلال بعموم الآية على ما ذكر. سادسا: لم نقف على تحديد مدة تضرب للناشز، عقوبة لها وتأديبا أو زجرا لها عن النشوز عسى أن ترجع عن تقصريها في حقوق زوجها وتطيعه في أداء ما وجب عليها له شرعا، ويظهر أن ضرب مدة للنشوز وتحديدها من باب التعزير، وهو مما يختلف باختلاف الظروف والأحوال، وما يترتب عليه من أضرار قد تربو على سوء عشرتها للزوج وقد تنقص عنه، وما يرجى من جدوى التعزير وصلاح الأحوال به، وما يخشى من سوء عاقبة الزيادة في التعزير من توتر العلاقات بين أسر المجتمع، وما قد يحدث عن شدته للنواشز من الانحدار إلى ما لا تحمد مغبته. سابعا: ذهب بعض العلماء إلى أن حكم ولي الأمر أو نائبه بما يراه من جمع أو تفريق بعوض أو بغير عوض نافذ سواء رضي الزوج بالطلاق أم أبى، ورضيت الزوجة بدفع العوض أم كرهت رعاية لمصلحة الأسرة خاصة ومصلحة المجتمع الإسلامي عامة، ورأوا أن هذا نظير التفريق بالعنة والإيلاء والعسر بالنفقة وطول الغيبة، وغير ذلك مما يلجأ فيه إلى التفريق لدفع المضرة والقضاء على مادة الفساد وذرائعه. وذهب آخرون على أنه لا يجوز التفريق إلا برضا الزوج، لأن الطلاق جعل بيده شرعا فلا يكون إلا منه أو بتوكيله، ولا يجوز أخذ عوض من الزوجة عن الفراق إلا برضاها وعن طيب نفس منها، لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٣) ولحديث: " إن «أموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا (٤)» ولحديث «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه (٥)». ويمكن أن يقال: إن هذه النصوص عامة دخلها التخصيص والاستثناء منها بالأدلة التفصيلية فليكن التفريق بالطلاق أو الفسخ من غير رضا الزوج، وكذا أخذ العوض من الزوجة مستثنى من عموم هذه

стр. 1514

النصوص كذلك بما ذكر من أدلة الرأي الأول، جمعا بين الأدلة بدلا من ضرب بعضها ببعض ومن وقوف المسلمين منها موقف الحيرة أو الاختلاف. هذا ما تيسر إيراده، وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. . . اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو اللجنة ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ

стр. 1515

ملخص قرار هيئة كبار العلماء المتعلق بمسالة النشوز والخلع بعد: اطلاع المجلس على ما أعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء من أقوال أهل العلم وأدلتهم ومناقشتها وبعد تداول الرأي في ذلك قرر المجلس بالإجماع ما يلي: أن يبدأ القاضي بنصح الزوجة وترغيبها في الانقياد لزوجها وطاعته وتخويفها من إثم النشوز وعقوبته وأنها إن أصرت فلا نفقة لها عليه ولا كسوة ولا سكنى، ونحو ذلك من الأمور التي يرى أنها تكون دافعة الزوجة إلى العودة لزوجها، ورادعة لها من الاستمرار في نشوزها، فإن استمرت على نفرتها وعدم الاستجابة عرض عليهما الصلح، فإن لم يقبلا ذلك نصح الزوج بمفارقتها وبين له أن عودتها إليه أمر بعيد، ولعل الخير في غيرها ونحو ذلك مما يدفع الزوج إلى مفارقتها، فإن أصر على إمساكها وامتنع من مفارقتها واستمر الشقاق بينهما بعث القاضي حكمين عدلين ممن يعرف حالة الزوجين من أهلهما حيث أمكن ذلك، فإن لم يتيسر فمن غير أهلهما ممن يصلح لهذا الشأن، فإن تيسر الصلح بين الزوجين على أيديهما فبها وإلا أفهم القاضي الزوج أنه يجب عليه مخالعتها على أن تسلمه الزوجة ما أصدقها، فإن أبى أن يطلق حكم القاضي بما رآه الحكمان من التفريق بعوض أو بغير عوض، فإن لم يتفق الحكمان أو لم يوجدا وتعذرت العشرة بالمعروف بين الزوجين نظر القاضي في أمرهما وفسخ النكاح حسبما يراه شرعا بعوض أو بغير عوض، والأصل في ذلك الكتاب والسنة والأثر والمعنى. أما الكتاب فقوله تعالى ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١) ويدخل في هذا العموم الزوجان في حالة النشوز والقاضي إذا تولى النظر في دعواهما، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ (٢) الآية، والوعظ كما يكون من الزوج لزوجته الناشز يكون من القاضي لما فيه من تحقيق المصلحة. وقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٣) فكما أن الإصلاح مشروع إذا كان النشوز من الزوج فهو

стр. 1516

مشروع إذا كان من الزوجة أو منهما. وقوله تعالى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (١) الآية وهذه الآية عامة في مشروعية الأخذ بما يريانه من جمع أو تفريق بعوض أو بغير عوض. وقوله تعالى ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٢). وأما السنة فما روى البخاري في الصحيح عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ «قال: جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق إلا أني أخاف الكفر في الإسلام فقال رسول الله ﷺ " أفتردين عليه حديقته؟ " قالت نعم، فردت عليه فأمره ففارقها (٣)». وقوله ﷺ «لا ضرر ولا ضرار (٤)» فهذا يدل بعمومه على مشروعية الخلع عند عدم الوئام بين الزوجين وخشية الضرر. وأما الأثر فما رواه عبد الرازق عن معمر عن ابن طاوس عن عكرمة بن خالد عن ابن عباس قال بعثت أنا ومعاوية حكمين قال معمر بلغني أن عثمان بعثهما وقال إن رأيتما أن تجمعا جمعتما وإن رأيتما أن تفرقا ففرقا. ورواه النسائي أيضا. وما رواه الدارقطني من حديث محمد بن سيرين عن عبيدة قال جاء رجل وامرأة إلى علي مع كل واحد منهما فئام من الناس فأمرهم فبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها وقال للحكمين هل تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما فقالت المرأة رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي، وقال الزوج: أما الفرقة فلا. فقال علي: كذبت والله لا تبرح حتى تقر بمثل الذي أقرت به. ورواه النسائي في السنن الكبرى ورواه الشافعي والبيهقي وقال ابن حجر: إسناده صحيح، وما أخرجه الطبري في تفسيره عن ابن عباس ﵄ في الحكمين أنه قال: فإن اجتمع أمرهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز. وأما المعنى: فإن بقاءها ناشزا مع طول المدة أمر غير محمود شرعا لأنه ينافي المودة والإخاء وما أمر الله من الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان مع ما يترتب على الإمساك من المضار والمفاسد والظلم والإثم وما ينشأ عنه من القطيعة بين الأسر وتوليد العداوة والبغضاء، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه. . .

стр. 1517

مجلة البحوث الإسلامية اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء حكم الشفعة بالمرافق الخاصة هيئة كبار العلماء

стр. 1518

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد وآله وصحبه وبعد: فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الثامنة مسألة " الشفعة بالمرافق الخاصة " وقد قدمت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في الموضوع للمجلس هذا نصه: الحمد لله: وحده، وبعد: فبناء على ما تقرر في الدورة السابعة لهيئة كبار العلماء المنعقدة في النصف الأول من شهر شعبان عام ١٣٩٥ هـ من إدراج موضوع الشفعة بالمرافق الخاصة في جدول أعمال الدورة الثامنة المتقرر انعقادها في أول ربيع الثاني عام ١٣٩٦ هـ وحيث إن دراسة أي موضوع يستلزم إعداد بحث فيه، فقد أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في الموضوع يشتمل على تعريف الشفعة في اللغة وفي الاصطلاح الشرعي، وعلى مستند مشروعيتها وحكمة ذلك، وعلى مجموعة من مسائل الشفعة مما هي موضع خلاف بين أهل العلم وفي مقدمة ذلك الشفعة بالمرافق الخاصة، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. . .

стр. 1519

حكم الشفعة بالمرافق الخاصة الشفعة في اللغة الشفعة: من شفع يشفع شفعا كمنع بمعنى الضم والزيادة، وتطلق أيضا فيراد بها المال المشفوع فيه وتطلق ويراد بها تملك ذلك المال، قال في المصباح المنير: شفعت الشيء شفعا من باب نفع ضممته إلى الفرد وشفعت الركعة جعلتها ثنتين، ومن هنا اشتقت الشفعة وهي مثال غرفة لأن صاحبها يشفع ماله بها، وهي اسم للملك المشفوع مثل اللقمة اسم للشيء الملقوم، وتستعمل بمعنى التملك لذلك الملك ومنه قولهم: من ثبت له شفعة فأخر الطلب بغير عذر بطلت شفعته، ففي هذا المثال جمع بين المعنيين فإن الأولى للمال والثانية للتملك. اهـ. وفي لسان العرب: الشفع من الأعداد ما كان زوجا تقول كان وترا فشفعته بآخر، وشفعة الضحى: ركعتا الضحى - إلى أن قال: - وسئل أبو العباس عن اشتقاقها في اللغة قال: الشفعة الزيادة، وهو أن يشفعك فيما تطلب حتى تضمه إلى ما عندك فتزيده، وتشفعه بها أي أن تزيده بها أي إنه كان وترا واحدا فضم إليه ما زاده وشفعه به. اهـ.

стр. 1520

الشفعة في الاصطلاح الشرعي اختلف الفقهاء - رحمهم الله تعالى - في تعريف الشفعة تبعا لاختلافهم في موجباتها وشروطها وفيمن لهم حق الشفعة، فذهب الحنفية إلى أن الشفعة حق تملك المرء ما بيع من عقار أو ما هو في حكم العقار مما هو متصل بعقاره من شركة أو جوار بمثل الثمن الذي قام عليه المشتري، وذلك لدفع ضرر الشراكة أو الجوار. وذهب المالكية إلى أن الشفعة استحقاق شريك أخذ مبيع شريكه بثمنه. قوله: شريك قيد أخرج به الجار والشريك في حق المبيع. وقوله: مبيع قيد أخرج الموهوب بلا عوض وكذا الموروث (١) وذهب الشافعية إلى أن الشفعة استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه المنتقل عنه من يد من انتقلت إليه بمثل العوض المسمى (٢). وذهب الحنابلة: إلى أن الشفعة استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه من يد من انتقلت إليه إن كان مثله أو دونه بعوض مالي بثمنه الذي استقر عليه العقد، فقوله: الشريك قيد خرج به الجار والشريك في حق المبيع. وقوله: إن كان مثله أو دونه قيد خرج به الكافر فلا شفعة له على مسلم، وقوله: بثمنه الذي استقر عليه العقد خرج به الموهوب والموروث وما كان صداقا أو عوض خلع أو نحوهما (٣). مما تقدم تتضح العلاقة بين المعنيين اللغوي والشرعي، فإذا كانت الشفعة لغة بمعنى الضم والزيادة فإن الشفيع بانتزاعه حصة شريكه من يد من انتقلت إليه بضم تلك الحصة إلى ما عنده فيزيد بها تملكه، فالضم والزيادة موجودان في المعنيين اللغوي والشرعي، غير أن الشفعة في عرف الشرع اعتبر فيها قيود جعلتها أخص من معناها في اللغة.

стр. 1521

مشروعية الشفعة الشفعة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) وقد

стр. 1522

ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ «قضى بالشفعة فيما لم يقسم (١)». وأما السنة فقد ورد بمشروعيتها جملة أحاديث وآثار نذكر منها ما يلي: ١ - روى البخاري في صحيحه وأبو داود والترمذي في سننهما بإسنادهم إلى جابر بن عبد الله ﵁ قال «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (٢)» ولمسلم بسنده إلى جابر قال «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شركة ما لم تقسم ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك وإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به (٣)» وفي رواية أخرى لمسلم قال «الشفعة في كل شرك من أرض أو ريع أو حائط لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ أو يدع فإن أبى فشريكه أحق به حتى يؤذنه (٤)» وفي رواية للترمذي: «من كان له شريك في حائط فلا يبيع نصيبه من ذلك حتى يعرضه على شريكه (٥)». ٢ - ولأبي داود بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا قسمت الدار وحددت فلا شفعة فيها (٦)» قال الشوكاني في النيل: ورجال إسناده ثقات ورواه ابن ماجه بمعناه. ٣ - وللترمذي بإسناده إلى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال «الشريك شفيع والشفعة في كل شيء (٧)» ورجاله ثقات إلا أنه أعل بالإرسال كما قال الترمذي. وفي رواية للطحاوي بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵄ «أن النبي ﷺ " قضى بالشفعة في كل شيء (٨)» قال الشوكاني في النيل إسناد حديث جابر لا بأس برواته كما قاله الحافظ. ٤ - وللبخاري وأبي داود والنسائي واللفظ للبخاري بإسناده إلى عمرو بن الشريد قال: «وقفت على سعد ابن أبي وقاص فجاء المسور بن مخرمة فوضع يده على إحدى منكبي إذ جاء أبو رافع مولى النبي ﷺ فقال يا سعد ابتع مني بيتي في دارك، فقال سعد: والله ابتاعهما، فقال المسور والله لتبتاعنهما، فقال سعد والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة أو مقطعة، فقال أبو رافع: لقد أعطيت بها خمسمائة دينار ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " والجار أحق بسقبه " ما أعطيتكها بأربعة آلاف وأن أعطي بها خمسمائة دينار فأعطاه إياها (٩)». ٥ - ولأحمد والأربعة بإسنادهم إلى جابر بن عبد الله ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا (١٠)» قال في البلوغ ورجاله ثقات. قال الصنعاني في شرحه: أحسن المصنف بتوثيق رجاله وعدم

стр. 1523

إعلاله وإلا فإنهم قد تكلموا في هذه الرواية بأنه انفرد بزيادة قوله: " إذا كان طريقهما واحدا " عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي. قلت: وعبد الملك ثقة مأمون لا يضر انفراده كما عرف في الأصول وعلوم الحديث. ٦ - وفي الموطأ أن عثمان بن عفان ﵁ قال: إذا وقعت الحدود في الأرض فلا شفعة فيها ولا شفعة في بئر ولا في فحل النخل. قال مالك وعلى هذا الأمر عندنا. ٧ - ولابن ماجه بسند ضعيف إلى ابن عمر ﵄ الشفعة كحل العقال ورواه ابن حزم وزاد: فإن قيدها مكانة ثبت حقه وإلا فاللوم عليه. وأخرج عبد الرازق عن شريح: إنما الشفعة لمن واثبها. وأما الإجماع، فقد أجمع أهل العلم على القول بها ولم يعرف فيها مخالف إلا ما نقل عن أبي بكر بن الأصم من إنكارها بحجة أن في إثباتها إضرارا بأرباب الأملاك حيث إن المشتري يحجم عن الشراء إذا علم أن ما يشتريه سينتزع منه فيتضرر الملاك بذلك. وقد رد ابن قدامة ﵀ شبهته في معرض بحثه إجماع الأمة على القول بالشفعة فقال: وأما الإجماع فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما بيع من أرض أو دار أو حائط والمعنى في ذلك أن أحد الشريكين إذا أراد أن يبيع نصيبه وتمكن من بيعه لشريكه وتخليصه مما كان بصدده من توقع الخلاص والاستخلاص فالذي يقتضيه حسن العشرة أن يبيعه منه ليصل إلى غرضه من بيع نصيبه وتخليص شريكه من الضرر فإذا لم يفعل ذلك وباعه لأجنبي سلط الشرع الشريك على صرف ذلك إلى نفسه. ولا نعلم أحدا خالف هذا إلا الأصم فإنه قال: لا تثبت الشفعة لأن في ذلك إضرارا بأرباب الأملاك، فإن المشتري إذا علم أنه يؤخذ منه إذا ابتاعه لم يبتعه ويتقاعد الشريك عن الشراء فيستضر المالك. وهذا ليس بشيء لمخالفته الآثار الثابتة والإجماع المنعقد قبله. والجواب عما ذكره من وجهين: أحدهما أنا نشاهد الشركاء يبيعون ولا يعدم من يشتري منهم غير شركائهم ولم يمنعهم استحقاق الشفعة من الشراء. الثاني: أنه يمكنه إذا لحقته بذلك مشقة أن يقاسم فيسقط استحقاق الشفعة. اهـ (١)

стр. 1524

دفع شبه القول بمنافاتها للقياس لقد تكلم بعض أهل العلم في الشفعة من حيث زعم بعضهم منافاتها لبعض الأصول والمبادئ الشرعية فقال السرخسي: وزعم بعض أصحابنا ﵏ أن القياس يأبى ثبوت حق الشفعة لأنه يتملك على المشتري ملكا صحيحا له بغير رضاه وذلك لا يجوز فإنه من نوع الأكل بالباطل وتأيد هذا بقوله ﷺ «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه (١)» ولأنه بالأخذ يدفع الضرر عن نفسه على وجه يلحق الضرر بالمشتري في إبطال ملكه عليه، وليس لأحد أن يدفع الضرر عن نفسه بالإضرار بغيره. اه (٢). وأورد ابن القيم ﵀ شبهة لنفاة الحكم والتعليل والقياس فقال: وحرم أخذ مال الغير إلا بطيب نفس منه ثم سلطه على أخذ عقاره وأرضه بالشفعة. وقد رد ﵀ على هذه الشبهة وعلى دعوى منافاة مشروعية الشفعة لأصول الشريعة ومبادئها فقال: من محاسن الشريعة وعدلها وقيامها بمصالح العباد ورودها بالشفعة ولا يليق به غير ذلك فإن حكمة الشارع اقتضت رفع الضرر عن المكلفين ما أمكن فإن لم يكن رفعه إلا بضرر أعظم منه بقاه على حاله، وإن أمكن رفعه بالتزام ضرر دونه رفعه به. ولما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب فإن الخلطاء يكثر فيهم بغي بعضهم على بعض: شرع الله سبحانه رفع هذا الضرر بالقسمة تارة وانفراد كل من الشريكين بنصيبه، وبالشفعة تارة وانفراد أحد الشريكين بالجملة إذا لم يكن على الآخر ضرر في ذلك فإن أراد بيع نصيبه وأخذ عوضه كان شريكه أحق به من الأجنبي وهو يصل إلى غرضه من العوض من أيهما كان، فكان الشريك أحق بدفع العوض من الأجنبي ويزول عنه ضرر الشركة ولا يتضرر البائع لأنه يصل إلى حقه من الثمن، وكان هذا من أعظم العدل وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفطر ومصالح العباد. اهـ (٣)

стр. 1525

الحكمة في مشروعية الشفعة لا شك أن الشريعة الإسلامية تهدف بتشريعاتها إلى تحقيق العدل وتعميم الرخاء وتحصيل المصالح ودرء المفاسد فهي عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه، والشفعة شرع الله شرعها تعالى بلسان رسوله ﷺ فلا شك أن لمشروعيتها حكمة اقتضاها عدله تعالى بين عباده ورحمته بين خلقه، ولا شك أن من الحكمة في مشروعيتها إزالة الضرر بين الشركاء أو الضرر مطلقا، فإن الشركات في الغالب تعتبر موطنا للخصومات ومحلا للتضرر والتعديات قال تعالى ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ (١). قال ابن القيم ﵀ ولما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب فإن الخلطاء يكثر فيهم بغي بعضهم على بعض، شرع الله سبحانه رفع هذا الضرر بالقسمة وانفراد كل من الشريكين بنصيبه، وبالشفعة تارة وانفراد أحد الشريكين بالجملة. اهـ (٢). . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الشفعة: فإنها شرعت لتكميل الملك للشفيع لما في الشركة من التضرر. اهـ (٣). ونقل علي حيدر عن مجمع الأنهر: أن الحكمة في مشروعيتها دفع ما ينشأ من سوء الجوار من الضرر على وجه التأييد كإيقاد النار، وإعلاء الجدار، وإثارة الغبار، ومنع ضوء النهار، وإقامة الدواب والصغار. اهـ (٤).

стр. 1526

وباستعراض ما تقدم من تعاريف الشفعة لدى أهل العلم وحكمة مشروعيتها يتضح ما يلي: ١ - اتفاقهم على القول بالشفعة على وجه الإجمال. ٢ - اتفاقهم على ثبوت الشفعة للشريك المسلم بشرطه. ٣ - اتفاقهم على عدم اعتبار رضا الشريك والمشفوع عليه في انتزاع الشفيع حصة شريكه من يد من انتقلت إليه. ٤ - اتفاقهم في الجملة على ثبوت الشفعة في العقار. ٥ - اختلافهم في سبب الشفعة حيث اتفق الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد على أن الشفعة خاصة للشريك فلا شفعة بجوار ولا بمرفق خاص مشترك كطريق وبئر ومسيل، وخالف في ذلك الإمام أبو حنيفة حيث أثبت الشفعة بالجوار وبالمرافق الخاصة ووافقه في ذلك الإمام أحمد في رواية عنه في الشفعة بالمرافق الخاصة. ٦ - اختلافهم في الشركة فيما لا يقبل القسمة من العقار كالحمام الصغير والحانوت. ٧ - اختلافهم في الشركة في المنقولات هل فيها شفعة؟ ٨ - اختلافهم في الكافر هل له حق الشفعة على المسلم، حيث اتفق الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي على إثبات الشفعة له على المسلم، وخالفهم في ذلك الإمام أحمد حيث منعها عنه بحجة أنه ليس له مثل حق المسلم. ٩ - اختلافهم فيما إذا انتقلت الحصة إلى الغير بعوض غير مسمى. ١٠ - اختلافهم في الوقف هل تثبت فيه وبه الشفعة؟ ١١ - اختلافهم في شفعة غير المكلف كالصبي والمجنون. ١٢ - اختلافهم في شفعة الغائب. ١٣ - اختلافهم في إرث الحق في الشفعة. وفيما يلي ذكر بعض من أقوال أهل العلم فيما اختلفوا فيه مما ذكر.

стр. 1527

الاشتراك فيما لا يقبل القسمة من العقار اختلف أهل العلم في ثبوت الشفعة بالشركة فيما لا يقبل القسمة من العقار كالحمام الصغير والحانوت، فذهب جمهور الشافعية والحنابلة إلى أن الشركة في ذلك لا تعتبر سببا للأخذ بالشفعة: لأن الشفعة مشروعة لدفع ضرر مؤونة القسمة واستحداث المرافق وهذا غير موجود فيما لا يقبل القسمة،

стр. 1528

فانتفت الشفعة، قال في المنهاج: وكل ما لو قسم منفعته المقصودة كحمام ورحى لا شفعة فيه على الأصح. اهـ (١). وقال في المجموع: ولا تجب إلا فيما تجب قسمته عند الطلب، فأما ما لا تجب قسمته كالرحى والبئر الصغيرة والدار الصغيرة فلا تثبت فيه الشفعة، وقال أبو العباس: تثبت فيه الشفعة لأنه عقار فتثبت فيه الشفعة قياسا على ما تجب قسمته، والمذهب الأول لما روى عن أمير المؤمنين عثمان ﵁ أنه قال: لا شفعة في بئر والأرف تقطع كل شفعة ولأن الشفعة إنما تثبت للضرر الذي يلحقه بالمقاسمة وذلك لا يوجد فيما لا يقسم. اهـ (٢). وذكر الشربيني: وجه الخلاف في المذهب في ذلك فقال: هذا الخلاف مبني على ما مر من أن علة ثبوت الشفعة دفع ضرر مؤونة القسمة واستحداث المرافق الخ. . والثاني مبني على أن العلة دفع ضرر الشركة فيما يدوم وكل من الضررين حاصل قبل البيع، ومن حق الراغب فيه من الشريكين أن يخلص صاحبه منهما بالبيع له فإذا باع لغيره سلطه الشرع على أخذه منه لما روى مسلم عن جابر: «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شركة ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به (٣)» اه" (٤). وقال ابن قدامة ﵀: الشرط الثالث أن يكون المبيع مما يمكن قسمته فأما ما لا يمكن قسمته من العقار كالحمام الصغير والرحى الصغيرة والعضادة والطريق الضيقة والعراص الضيقة فعن أحمد روايتان، إحداهما: لا شفعة فيه وبه قال يحيى بن سعيد وربيعة والشافعي. . والثانية فيها الشفعة - إلى أن قال - والأول ظاهر المذهب لما روى عن النبي ﷺ أنه قال «لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة» والمنقبة الطريق الضيقة، رواه أبو الخطاب في رؤوس المسائل، وروي عن عثمان ﵁ أنه قال: لا شفعة في بئر ولا فحل. ولأن إثبات الشفعة في هذا يضر بالبائع لأنه لا يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعة في نصيبه بالقسمة، وقد يمنع المشتري لأجل الشفيع فيتضرر البائع وقد يمتنع البيع فتسقط الشفعة فيؤدي إثباتها إلى نفيها، ويمكن أن يقال: إن الشفعة إنما تثبت لدفع الضرر الذي يلحقه بالمقاسمة لما يحتاج إليه من إحداث المرافق الخاصة ولا يوجد هذا فيما لا ينقسم. وقولهم: إن الضرر ههنا أكثر لتأبده، قلنا إلا أن الضرر في محل الوفاق من غير جنس هذا الضرر وهو ضرر الحاجة إلى إحداث المرافق الخاصة فلا يمكن التعدية، وفي الشفعة ههنا ضرر غير موجود في محل الوفاق وهو ما ذكرناه فتعذر الإلحاق. اه (٥). وقد اختلفت الرواية عن الإمام مالك ﵀ في ذلك قال أبو عبد الله المواق: قال ابن رشد الشفعة إنما تكون فيما ينقسم من الأصول دون ما لا ينقسم وهذا أمر اختلف فيه أصحاب مالك في المدونة

стр. 1529

قال مالك: إذا كانت نخلة بين رجلين فباع أحدهما حصته فلا شفعة لصاحبه فيها، وفي المدونة أيضا قال مالك: في الحمام الشفعة، وهو أحق أن تكون فيه الشفعة من الأرض لما في قسم ذلك من الضرر، وقاله مالك وأصحابه أجمع. اهـ (١). وذهب الحنفية ومن وافقهم من الشافعية والمالكية والحنابلة إلى ثبوت الشفعة في العقار مطلقا سواء أمكن قسمته أم لم تمكن، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره من أصحابه كما اختاره بعض أصحاب الشافعي كأبي العباس بن سريج وهو رواية المهذب عن الإمام مالك ﵀. قال السرخسي: واستحقاق الشفعة في الحمام والرحى قولنا - وذكر توجيه ذلك - بأنه لدفع ضرر البادئ بسوء المجاورة على الدوام وذلك فيما لا يحتمل القسمة موجود لاتصال أحد المالكين بالآخر على وجه التأبيد، والقرار وحجتنا في ذلك ما رويناه من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال «الشفعة في كل شيء ربع أو حائط (٢)» ولأن الحمام لو كان مهدوما فباع أحد الشريكين نصيبه كان للشريك الشفعة وما يستحق بالشفعة مهدوما يستحق بالشفعة مثبتا كالشقص من الجدار ثم أجاب عن القول بأن علة الشفعة دفع ضرر مؤونة القسمة وأنه لا قسمة فيما لا يقبلها فقال: وبهذا يتبين أن مؤونة المقاسمة إن كانت لا تلحقه في الحال فقد تلحقه في الثاني وهو ما بعد الانهدام إذا طلب أحدهما قسمة الأرض بينهما. اهـ (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: اتفق الأئمة على ثبوت الشفعة في العقار الذي يقبل القسمة قسمة الإجبار كالقرية والبستان ونحو ذلك، وتنازعوا فيما لا يقبل قسمة الإجبار وإنما يقسم بضرر أو رد عوض فيحتاج إلى التراضي، هل تثبت فيه الشفعة؟ على قولين: أحدهما: تثبت وهو مذهب أبي حنيفة واختاره بعض أصحاب الشافعي كابن سريج وطائفة من أصحاب أحمد كأبي الوفاء بن عقيل وهي رواية المهذب عن مالك وهذا القول هو الصواب كما سنبينه إن شاء الله. والثاني: لا تثبت فيه الشفعة - ثم قال - والقول الأول أصح فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من كان له شريك في أرض أو ربعة أو حائط فلا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به (٤)»، ولم يشترط النبي ﷺ في الأرض والربعة والحائط أن يكون مما يقبل القسمة فلا يجوز تقييد كلام رسول الله ﷺ بغير دلالة من كلامه لا سيما وقد ذكر هذا في باب تأسيس إثبات الشفعة وليس عنه لفظ صحيح صريح في الشفعة أثبت من هذا ففي الصحيحين عن النبي ﷺ «أنه قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (٥)» فلم يمنع الشفعة إلا مع إقامة الحدود وصرف الطرق وهذا الحديث في الصحيح عن جابر وفي السنن عنه عن النبي ﷺ أنه قال «الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن

стр. 1530

كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا (١)» فإذا قضى بها للاشتراك في الطريق فلأن يقضى بها للاشتراك في رقبة الملك أولى وأحرى - إلى أن قال - وأيضا فمن المعلوم أنه إذا أثبت النبي ﷺ الشفعة فيما يقبل القسمة فما لا يقبل القسمة أولى بثبوت الشفعة فيه، فإن الضرر فيما يقبل القسمة يمكن رفعه بالمقاسمة وما لا يمكن فيه القسمة يكون ضرر المشاركة فيه أشد، وظن من ظن أنها تثبت لرفع ضرر المقاسمة لا لضرر المشاركة كلام ظاهر البطلان فإنه قد ثبت بالنص والإجماع أنه إذا طلب أحد الشريكين القسمة فيما يقبلها وجبت إجابته إلى المقاسمة. ولو كان ضرر المشاركة (٢) أقوى لم يرفع أدنى الضررين بالتزام أعلاهما ولم يوجب الله ورسوله الدخول في الشيء الكثير لرفع الشيء القليل فإن شريعة الله منزهة عن مثل هذا. وأما قولهم هذا يستلزم ضرر الشريك البائع، فجوابه: أنه إذ طلب المقاسمة ولم يمكن قسمة العين فإن العين تباع ويجبر الممتنع على البيع ويقسم الثمن بينهما، وهذا مذهب جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد. اهـ (٣). وقال ابن قدامة ﵀ في معرض توجيه القول بثبوت الشفعة فيما لا تمكن قسمته بعد أن ذكر أنه رواية عن الإمام أحمد ﵀ ووجه هذا عموم قوله ﷺ : «الشفعة فيما لم تقسم (٤)» وسائر الألفاظ العامة ولأن الشفعة ثبتت لإزالة ضرر المشاركة والضرر في هذا النوع أكثر لأنه يتأبد ضرره. اهـ (٥). وسئل الشيخ حمد بن ناصر والشيخ عبد الله بن الشيخ محمد - رحمهما الله - عن الشفعة في أرض لا تمكن قسمتها إجبارا فأجابا: هذه المسألة اختلف الفقهاء فيها وفيها قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد. الأولى: أن الشفعة لا تثبت إلا في المبيع الذي تمكن قسمته فأما مالا تمكن قسمته من العقار كالحمام الصغير والعضادة والطريق الضيقة فلا شفعة فيه وبه قال يحيى بن سعيد والشافعي، وهذا هو المذهب عند المتأخرين من الحنابلة، قال الموفق في المغني: وهو ظاهر المذهب لما روى عن النبي ﷺ أنه قال: «لا شفعة في فناء ولا في طريق في منقبة» والمنقبة الطريق الضيق رواه أبو الخطاب في رؤوس المسائل. والرواية الثانية: تثبت الشفعة فيه وهو قول أبي حنيفة والثوري وابن سريج ورواية عن مالك واختاره ابن عقيل وأبو محمد الجوزي والشيخ تقي الدين، قال الحارثي وهو الحق لعموم قوله ﷺ : «الشفعة فيما لم يقسم (٦)» وسائر الألفاظ ولأن الشفعة تثبت لإزالة الضرر بالمشاركة والضرر في هذا النوع أكثر لأنه يتأبد ضرره وهذا هو المفتى به عندنا وهو الراجح. اه (٧). وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ إجابة لسؤال وجه إليه عن رأيه في اشتراط أن تكون الشفعة في أرض تجب قسمتها ما نصه: وأما المسألة الثانية وهي أنهم ﵏ لم يثبتوا الشفعة إلا في العقار الذي يمكن قسمته دون ما لا تمكن قسمته فهذا ضعيف أيضا لأن حديث جابر المرفوع «قضى صلى الله عليه

стр. 1531

وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم (١)» - وهو في الصحيح - صريح في عموم الشفعة في كل عقار لم يقسم سواء أمكنت قسمته بلا ضرر أم لا. ومن جهة المعنى الذي أثبت الشارع الشفعة فيه للشريك لإزالة ضرر الشركة وهذا المعنى موجود في الأرض التي لا يمكن قسمتها أكثر من غيرها لتمكنه في غيرها بإزالة ضرر الشركة في القسمة فيما يقسم بلا ضرر وأما ما لا يمكن قسمته إلا بضرر فهو أعظم ضررا من غيره فكيف لا تثبت به وهذا هو الصحيح وهو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد. اهـ (٢)

стр. 1532

الاشتراك في المنقولات لا يخلو أمر المنقول من حالين: إما أن يكون متصلا بالأرض كالبناء والغراس مما يباع مع الأرض فهذا يؤخذ بالشفعة تبعا لأصله قال ابن قدامة ﵀ بعد أن حكاه قولا واحدا في المذهب بغير خلاف: ولا نعرف فيه بين من أثبت الشفعة خلافا. اه (١). وإما أن يكون منفصلا عنه: كالزرع والثمرة وغيرهما من المنقولات، فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الشفعة لا تثبت فيه تبعا ولا منفردا لأن الشفعة بيع في الحقيقة وما كان منفصلا لا يدخل في البيع تبعا. قال الشربيني في شرحه قول صاحب المنهاج: لا تثبت في منقول. ما نصه: لا تثبت الشفعة في منقول كالحيوان والثياب سواء أبيعت وحدها أم مضمومة إلى أرض للحديث المار فإنه يخصها بما تدخله القسمة والحدود والطرق وهذا لا يكون في المنقولات، ولأن المنقول لا يدوم بخلاف العقار فيتأبد فيه ضرر المشاركة والشفعة تملك بالقهر فناسب مشروعيتها عند شدة الضرر، والمراد بالمنقول ابتداء لتخرج الدار إذا انهدمت بعد ثبوت الشفعة فإن نقضها يؤخذ بالشفعة. اهـ. وقال أيضا في شرحه قول صاحب المنهاج: وكذا ثمر لم يؤبر في الأصح. ما نصه: ويأخذ الشفيع الشجر بثمرة حدثت بعد البيع ولم تؤبر عند الأخذ لأنها قد تبعت الأصل في البيع فتبعته في الأخذ بخلاف ما إذا أبرت عنده فلا يأخذها لانتقاء التبعية. أما المؤبرة عند البيع إذا دخلت بالشرط فلا تؤخذ لما سبق من انتفاء التبعية فتخرج بحصتها من الثمن. اه (٢). وقال ابن قدامة ﵀ القسم الثاني ما لا تثبت فيه الشفعة تبعا ولا مفردا وهو الزرع والثمرة الظاهرة تباع مع الأرض فإنه لا يؤخذ بالشفعة مع الأصل، ثم ذكر توجيه ذلك بقوله: لأنه لا يدخل في البيع

стр. 1533

تبعا فلا يؤخذ بالشفعة كقماش الدار وعكسه البناء والغراس وتحقيقه أن الشفعة بيع في الحقيقة لكن الشارع جعل له سلطان الأخذ بغير رضا المشتري فإن بيع الشجر وفيه ثمرة غير ظاهرة كالطلع غير المؤبر دخل في الشفعة لأنها تتبع في البيع فأشبهت الغراس في الأرض، وأما ما بيع مفردا من الأرض فلا شفعة فيه سواء كان مما ينقل كالحيوان والثياب والسفن والحجارة والزرع والثمار أو لا ينقل كالبناء والغراس إذا بيع مفردا وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي. اهـ (١). وذهب الحنفية إلى أن الثمرة في الأرض تابعة للأرض في استحقاق الشفعة استحسانا إذا شرطها المبتاع، وأما القياس فإن الشفيع لا يأخذها لأنها في حكم المنفصل أشبه المتاع في الدار قال في الهداية: ومن ابتاع أرضا وعلى نخلها ثمر أخذها الشفيع بثمرها، ومعناها إذا ذكر الثمر في البيع لأنه لا يدخل من غير ذكر وهذا الذي ذكره استحسان، وفي القياس لا يأخذه لأنه ليس يتبع، ألا يرى أنه لا يدخل في البيع من غير ذكر فأشبه المتاع في الدار، وجه الاستحسان أنه باعتبار الاتصال صار تبعا للعقار كالبناء في الدار وما كان مركبا فيه فيأخذه الشفيع. اه (٢). وأما ما كان منفصلا عن الأرض كأثاث الدار والعروض والسفن والحيوانات وغير ذلك من المنقولات فلا شفعة فيها لأن الشفعة إنما وجبت لدفع ضرر سوء الجوار على الدوام والملك في المنقول لا يدوم مثل دوامة في العقار فلا تلحق به (٣). واختلفت الروايات عن الإمام مالك ﵀ في الثمرة على الأرض هل تؤخذ بالشفعة أم لا؟ قال ابن رشد: فتحصيل مذهب مالك أنها في ثلاثة أنواع: أحدها مقصود وهو العقار من الدور والحوانيت والبساتين. . والثاني ما يعلق بالعقار مما هو ثابت لا ينقل ولا يحول كالبئر. . والثالث ما تعلق بهذه كالثمار وفيها عنه خلاف. اه (٤). وقد ذكر ابن رشد: في مقدماته أن النخل يوم الابتياع لا تخلو من ثلاثة أوجه، الأول: ألا يكون فيها ثمرة أصلا أو يكون فيها ثمرة إلا أنها لم تؤبر، وهذه الحال لا خلاف في أن الشفيع يأخذ النخل بثمرته، الثاني أن يكون فيها يوم الابتياع ثمرة مؤبرة وقد ذكر الخلاف في استحقاق الثمرة تبعا للأصل فذكر أن قول المدنيين في المدونة وهو قول أشهب وأكثر الرواة أنه لا حق للشفيع في الثمرة إذا لم يدركها حتى أبرت وأصل الخلاف في ذلك هل الأخذ بالشفعة كالأخذ بالبيع أو أن الثمرة تصير غلة بالإبار، الثالث أن يكون في النخل يوم الابتياع ثمرة قد أزهت وهذا الوجه كالوجه الثاني فيه الخلاف بين أصحاب مالك وقد قال ابن القاسم في المدونة: أن الشفيع أحق بها ما لم تجد ويأخذها الشفيع بحكم الاستحقاق لا بحكم الشفعة (٥). .

стр. 1534

وأما المنقولات المنفصلة كالسفن والحيوانات والأثاث وغيرها فلا شفعة فيها. قال في المدونة: قلت ولا شفعة في دين ولا حيوان ولا سفن ولا بر ولا طعام ولا في شيء من العروض ولا سارية ولا حجر ولا في شيء من الأشياء سوى ما ذكرت لي كان مما يقسم أو لا يقسم في قول مالك؟ قال: نعم لا شفعة في ذلك ولا شفعة فيما ذكرت لك. اه (١). وذهب بعض أهل العلم إلى أن الشفعة ثابتة في كل شيء حتى في الثوب لما روى الترمذي بسند جيد عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس مرفوعا: «الشريك شفيع والشفعة في كل شيء (٢)» ورواه مرسلا وصحح المرسل. قال الحافظ: ورواه الطحاوي بلفظ: «قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل شيء» ورجاله ثقات (٣). ولأن الشفعة شرعت لدفع ضرر المشاركة. وهذا القول رواية عن الإمام أحمد. قال ابن قدامة ﵀ في معرض كلامه على الشفعة في المنقولات ما نصه: واختلف عن مالك وعطاء فقالا مرة كذلك ومرة قالا الشفعة في كل شيء حتى في الثوب، قال ابن أبي موسى وقد روى عن أبي عبد الله رواية أخرى أن الشفعة واجبة فيما لا ينقسم كالحجارة والسيف والحيوان وما في معنى ذلك. اه (٤). وقال في حاشية الروض المربع للشيخ عبد الله العنقري على قول الشارح فلا شفعة في منقول كسيف ونحوه ما نصه: قوله فلا شفعة في منقول إلى قوله ونحوها. قال في الإنصاف: والرواية الثانية فيه الشفعة اختاره ابن عقيل وأبو محمد الجوزي والشيخ تقي الدين قال الحارثي: وهو الحق، وعنه يجب في كل مال حاشا منقولا ينقسم. اه (٥). وممن قال بذلك ابن حزم ففي المحلى ما نصه: الشفعة واجبة في كل جزء بيع مشاعا غير مقسوم بين اثنين فصاعدا من أي شيء كان مما ينقسم ومما لا ينقسم من أرض أو شجرة واحدة فأكثر أو عبد أو ثوب أو أمة أو من سيف أو من طعام أو من حيوان أو من أي شيء بيع. اه (٦).

стр. 1535

٣ - الجوار لا يخلو أمر الجار من حالين: إما أن يكون شريكا لجاره في مرافق خاصة كشرب ومسيل وطريق غير نافذ ونحو ذلك وإما ألا يشاركه في شيء من ذلك فإن كان شريكا لجاره في المرافق

стр. 1536

الخاصة فقد ذهب جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة إلى القول بعدم الشفعة في ذلك لما في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال " إنما جعل النبي ﷺ «الشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (١)» ولما روى مسلم في صحيحه عن جابر أن النبي ﷺ قال «الشفعة في كل شرك في أرض أو ربع أو حائط (٢)» حيث دل الحديثان على حصر الشفعة فيما هو مشترك ولم يقسم فإذا قسم فلا شفعة ولأن الشفعة مشروعة لرفع ضرر الاشتراك والمقاسمة ولما في المقاسمة من احتمال نقص قيمة حصة الشريك بعد المقاسمة لما تستلزمه المقاسمة في الغالب من إحداث مرافق خاصة لما يقتسم. قال في المدونة: قلت لابن القاسم أرأيت لو أن قوما اقتسموا دارا بينهم فعرف كل رجل منهم بيوته ومقاصيره إلا أن المساحة بينهم لم يقتسموها أتكون الشفعة بينهم أم لا في قول مالك؟ قال قال مالك: لا شفعة بينهم إذا اقتسموا، قلت وإن لم يقتسموا المساحة وقد اقتسموا البيوت فلا شفعة بينهم في قول مالك؟ قال: نعم. . . قلت أرأيت السكة غير النافذة تكون فيها دار لقوم فباع بعضهم داره أيكون لأصحاب السكة الشفعة أم لا في قول مالك؟ قال لا شفعة لهم عند مالك. قلت ولا تكون الشفعة في قول مالك بالشركة في الطريق؟ قال نعم لا شفعة بينهم إذا كانوا شركاء في طريق. ألا ترى أن مالكا قال لا شفعة بينهم إذا اقتسموا الدار. اه (٣). وقال ابن رشد في معرض تعداد ما لا شفعة فيه: وكذلك لا شفعة عنده في الطريق ولا في عرصة الدار. اه (٤). وقال الشربيني على قول صاحب المنهاج: ولا شفعة إلا لشريك. ما نصه: ولا شفعة إلا لشريك في رقبة العقار فلا تثبت للجار لخبر البخاري المار ولا للشريك في غير رقبة العقار كالشريك في المنفعة فقط. . ولو باع دارا وله شريك في ممرها فقط التابع لها فإن كان دربا غير نافذ فلا شفعة له فيها لانتفاء الشركة فيها. اهـ (٥). وقال النووي: وأما المقسوم فهل تثبت فيه الشفعة بالجوار، فيه خلاف. فذهب الشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء لا تثبت بالجوار وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، ويحيى الأنصاري، وأبي الزناد، وربيعة، ومالك، والأوزاعي، والمغيرة بن عبد الرحمن، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، اه (٦). - وذكر ابن قدامة ﵀ أن الشفعة لا تثبت إلا بشروط أربعة أحدها: أن يكون الملك مشاعا غير مقسوم فأما الجار فلا شفعة له ثم ذكر من اختار هذا القول من أهل العلم ومن خالفه كأبي حنيفة وغيره ثم

стр. 1537

وجه القول بحصر الشفعة في الملك غير المقسوم فقال: ولنا قول النبي ﷺ «الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (١)» وروى ابن جريج عن الزهري، عن سعيد بن المسيب أو عن أبي سلمة أو عنهما قال قال رسول الله ﷺ «إذا قسمت الأرض وحددت فلا شفعة (٢)» رواه أبو داود. ولأن الشفعة تثبت في موضع الوفاق على خلاف الأصل لمعنى معدوم في محل النزاع فلا تثبت فيه، وبيان انتفاء المعنى هو أن الشريك ربما دخل عليه شريك فيتأذى به فتدعوه الحاجة إلى مقاسمته أو يطلب الداخل المقاسمة فيدخل الضرر على الشريك بنقص قيمة ملكه وما يحتاج إلى إحداثه من المرافق وهذا لا يوجد في المقسوم - إلى أن قال - إذا ثبت هذا فلا فرق بين كون الطريق مفرده أو مشتركة. قال أحمد في رواية ابن القاسم في رجل له أرض تشرب هي وأرض غيره من نهر واحد فلا شفعة له من أجل الشرب إذا وقعت الحدود فلا شفعة. اهـ (٣). وقال البهوتي ﵀: ومن أرضه بجوار أرض لآخر ويشربان من نهر أو بئر واحدة فلا شفعة بذلك. اهـ (٤). وذهب الحنفية: ومن وافقهم من أهل العلم إلى أن الشفعة تثبت للخليط في حق المبيع إذا لم يكن ثم من يحجبه عنه كوجود خليط في المبيع نفسه وذلك لما روى الحسن عن سمرة أن النبي ﷺ قال «جار الدار أحق بالدار (٥)» رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وعن جابر أن النبي ﷺ قال «الجار أحق بداره ينتظر به إذا كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا (٦)» رواه الترمذي وقال حديث حسن. وقال الحافظ في البلوغ رواه أحمد والأربعة ورجاله ثقات. ولأن اتصال ملكه به يدوم ويتأبد فهو مظنة التضرر بالاختلاط في حقوق المبيع كالشركة. قال في الهداية في معرض توجيهه القول بثبوت الشفعة للخليط في حق المبيع ثم للجار ما نصه: ولنا ما روينا ولأن ملكه متصل بملك الدخيل اتصال تأبيد وقرار فيثبت له حق الشفعة عند وجود المعاوضة بالمال اعتبارا بمورد الشرع. وهذا لأن الاتصال على هذه الصفة إنما انتصب سببا فيه لدفع ضرر الجوار إذ هو مادة المضار على ما عرف وقطع هذه المادة بتملك الأصل أولى. اهـ (٧). - وقد قال بثبوت الشفعة بالشركة في مصالح العقار بعض الحنابلة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وصاحب الفائق وهو اختيار الحارثي. قال أبو الحسن المرداوي: وهو ظاهر كلام الإمام أحمد ﵀ في رواية أبي طالب وقد سأله عن الشفعة. فقال إذا كان طريقهما واحدا لم يقتسموا فإذا صرفت الطرق وعرفت الحدود فلا شفعة وهذا هو الذي اختاره الحارثي. . . وذكر ظاهر كلام الإمام أحمد المتقدم

стр. 1538

ثم قال وهذا الصحيح الذي يتعين المصير إليه ثم ذكر أدلته وقال في هذا المذهب جمعا بين الأخبار دون غيره فيكون أولى بالصواب. اهـ (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد تناوع الناس في شفعة الجار على ثلاثة أقوال، أعدلها هذا القول إنه إن كان شريكا في حقوق الملك ثبتت له الشفعة وإلا فلا. اهـ (٢). وقال ابن القيم ﵀: والصواب القول الوسط الجامع بين الأدلة الذي لا يحتمل سواه وهو قول البصريين وغيرهم من فقهاء الحديث أنه إن كان بين الجارين حق مشترك من حقوق الأملاك من طريق أو ماء أو نحو ذلك ثبتت الشفعة، وإن لم يكن بينهما حق مشترك البتة بل كان واحد منهما متميزا ملكه وحقوق ملكه فلا شفعة وهذا الذي نص عليه أحمد في رواية أبي طالب فإنه سأله عن الشفعة لمن هي؟ فقال: إذا كان طريقهما واحدا، فإذا صرفت الطرق وعرفت الحدود فلا شفعة، وهو قول عمر بن عبد العزيز وقول القاضيين: سوار بن عبيد الله، وعبيد الله بن الحسن العنبري - إلى أن قال - والقياس الصحيح يقتضي هذا القول فإن الاشتراك في حقوق الملك شقيق الاشتراك في الملك، والضرر الحاصل بالشركة فيها كالضرر الحاصل بالشركة في الملك أو أقرب إليه، ورفعه مصلحة للشريك من غير مضرة على البائع ولا على المشتري، فالمعنى الذي وجبت لأجله شفعة الخلطة في الملك موجود في الخلطة في حقوقه، فهذا المذهب أوسط المذاهب وأجمعها للأدلة وأقربها إلى العدل وعليه يحمل الاختلاف عن عمر ﵁ حيث قال: لا شفعة فيما إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق، وحيث أثبتها فيما إذا لم تصرف الطرق، فإنه قد روى عنه هذا وهذا. وكذلك ما روى عن علي - رضي اله عنه - فإنه قال: إذا حدت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة، ومن تأمل أحاديث شفعة الجار رآها صريحة في ذلك وتبين له بطلان حملها على الشريك وعلى حق الجوار غير الشفعة وأجاب ﵀ عن حديث أبي هريرة: «فإذا وقعت الحدود فلا شفعة (٣)» بأن تصريف الطرق داخل في وقوع الحدود، فإن الطريق إذا كانت مشتركة لم تكن الحدود كلها واقعة بل بعضها حاصل وبعضها منتف فوقوع الحدود من كل وجه يستلزم أو يتضمن تصريف الطرق (٤). وسئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ هل تثبت الشفعة بالشركة في الطريق والبئر والشركة في السيل فأجاب: تثبت للجار إذا كان شريكا في الطريق والبئر ولا تثبت الشفعة بالشركة بالجدار ولا بالشركة في السيل. وأجاب ابنه عبد الله بما نصه: قولك هل تثبت الشفعة بالشركة في البئر والطريق ومسيل الماء فالمفتى به عندنا أنها تثبت بذلك كما هو اختيار الشيخ تقي الدين وغيره من العلماء. اه وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ عن ثبوت الشفعة بالشركة بالسيل فأجاب: المذهب عدم ثبوت الشفعة بالطريق والسيل مثله واختيار الشيخ التشفيع بمرافق الأملاك من الطرق والبئر والسيل وهو الذي

стр. 1539

عليه الفتوى عند أئمة الدعوة لحديث «الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا (١)» ولمفهوم حديث «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (٢)» وهو الذي نفتي به. اهـ (٣). وقال ابن حزم: والشفعة واجبة وإن كانت الأجزاء مقسومة إذا كان الطريق إليها واحدا متملكا نافذا أو غير نافذ لهم، فإن قسم الطريق أو كان نافذا غير متملك لهم فلا شفعة حينئذ كان ملاصقا أو لم يكن. برهان ذلك قول رسول الله ﷺ «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (٤)». . فلم يقطعها ﵇ إلا باجتماع الأمرين وقوع الحدود وصرف الطرق لا بأحدهما دون الآخر. اهـ (٥). وأما الجار غير الشريك فقد ذهب الحنفية إلى القول بحقه في الأخذ بالشفعة على شرط انتقاء من هو أحق منه بها، كالخليط في المبيع أو في حقه، وذهب إلى القول بذلك ابن شبرمة والثوري وابن أبي ليلى. قال في الهداية: الشفعة واجبة للخليط في حق المبيع ثم للخليط في حق المبيع كالشرب والطريق ثم للجار. أفاد هذا اللفظ ثبوت حق الشفعة لكل واحد من هؤلاء وأفاد الترتيب. أما الثبوت فلقوله ﵊ «الشفعة لشريك لم يقاسم» ولقوله ﵊ «جار الدار أحق بالدار ينتظر له وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا (٦)» ولقوله ﵊ «الجار أحق بسقبه " قيل يا رسول الله ما سقبه؟ قال " شفعته (٧)» ويروى «الجار أحق بشفعته (٨)» - إلى أن قال - وأما الترتيب فلقوله ﵊ «الشريك أحق من الخليط والخليط أحق من الشفيع» فالشريك في نفس المبيع والخليط في حقوق المبيع والشفيع هو الجار. اه (٩).

стр. 1540

أدلة القائلين بقصر الشفعة على الشريك في المبيع دون الجار. . . أو الشريك في حق المبيع ومناقشتها استدل القائلون بقصر الشفعة على الشريك في المبيع دون الشريك في حق المبيع أو الجار بما يأتي: ١ - ما في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال «قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (١)» وفي لفظ «إنما جعل النبي ﷺ الشفعة في كل ما لم يقسم (٢)» الخ.

стр. 1541

٢ - ما في صحيح مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر قال «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط ولا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه (١)» إلى آخر الحديث. ٣ - ما روى الشافعي بإسناده إلى أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال «الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة (٢)». ٤ - ما في سنن أبي داود بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قسمت الأرض وحدت فلا شفعة فيها (٣)». ٥ - ما في الموطأ بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم فإذا صرفت الطرق ووقعت الحدود فلا شفعة (٤)». ٦ - ما ذكره سعيد بن منصور بإسناده إلى عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃ قال: إذا صرفت الحدود وعرف الناس حدودهم فلا شفعة بينهم. فهذه الأحاديث والآثار تدل على أن الشفعة مشروعة فيما هو مشاع غير مقسوم، ولأن الضرر اللاحق بالشركة هو ما توجبه من التزاحم في المرافق والحقوق والأحداث والتغيير والإفضاء إلى التقاسم الموجب لنقص قيمة الملك بالقسمة. أما إذا قسمت الأرض فوقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة حينئذ لانتفاء الضرر بذلك. ووجه القائلون بذلك القول حصر الشفعة للشريك دون غيره، وأجابوا عن الأحاديث الواردة بالشفعة للجار فقال ابن القيم ﵀: قالوا: وقد فرق الله بين الشريك والجار شرعا وقدرا ففي الشركة حقوق لا توجد في الجوار فإن الملك في الشركة مختلط وفي الجوار متميز ولكل من الشريكين على صاحبه مطالبة شرعية ومنع شرعي أما المطالبة ففي القسمة وأما المنع فمن التصرف، فلما كانت الشركة محلا للطلب ومحلا للمنع كانت محلا للاستحقاق بخلاف الجوار فلم يجز إلحاق الجار بالشريك وبينهما هذا الاختلاف، والمعنى الذي وجبت به الشفعة رفع مؤونة المقاسمة وهي مؤونة كثيرة، والشريك لما باع حصته من غير شريكه فهذا الدخيل قد عرضه لمؤونة عظيمة فمكنه الشارع من التخلص منها بانتزاع الشقص على وجه لا يضر بالبائع ولا بالمشتري، ولم يمكنه الشارع من الانتزاع قبل البيع لأن شريكه مثله ومساو له في الدرجة فلا يستحق عليه شيئا إلا ولصاحبه مثل ذلك الحق عليه فإذا باع صار المشتري دخيلا والشريك أصيل فرجح جانبه وثبت له الاستحقاق، قالوا: وكما أن الشارع يقصد رفع الضرر عن الجار فهو أيضا رفع الضرر عن المشتري ولا يزيل ضرر الجار بإدخال الضرر على المشتري فإنه محتاج إلى دار يسكنها هو وعياله، فإذا سلط الجار على إخراجه وانتزع داره منه أضرارا بينا. وأي دار اشتراها وله جار فحاله معه هكذا وتطلبه دارا لا جوار لها كالمتعذر عليه أو كالمتعسر فكان من تمام حكمة الشارع أن أسقط الشفعة بوقوع الحدود وتصريف الطرق لئلا يضر

стр. 1542

الناس بعضهم بعضا، ويتعذر على من أراد شراء دار لها جار أن يتم له مقصوده، وهذا بخلاف الشريك وأن المشتري لا يمكنه الانتفاع بالحصة التي اشتراها والشريك يمكنه ذلك بانضمامها إلى ملكه فليس على المشتري ضرر في انتزاعها منه وإعطائه ما اشتراها به. قالوا: وحينئذ تعين حمل أحاديث شفعة الجوار على مثل ما دلت عليه أحاديث شفعة الشركة فيكون لفظ الجار فيها مرادا به الشريك. ووجه هذا الإطلاق المعنى والاستعمال. أما المعنى فإن كل جزء من ملك الشريك مجاور لملك صاحبه فهما جاران حقيقة، وأما الاستعمال فإنهما خليطان متجاوران ولذا سميت الزوجة جاره كما قال الأعشي: أجارتنا بيني فإنك طالقة ... . . . . . . . . فتسمية الشريك جارا أولى وأحرى. وقال حمل بن مالك: كنت بين جارتين لي. . هذا إن لم يحتمل إلا إثبات الشفعة فأما إن كان المراد بالحق فيها حق الجار على جاره فلا حجة فيها على إثبات الشفعة وأيضا فإنه إنما أثبت له على البائع حق العرض عليه إذا أراد البيع، فأين ثبوت حق الانتزاع. اهـ (١). وقد ناقش القائلون بثبوت الشفعة للجار هذه الأدلة بما يأتي: ١ - بالنسبة لحديث جابر فإن قوله: «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (٢)». . فقد ذكر أبو حاتم بأنه مدرج من قول جابر، قالوا ويؤيد ذلك أن مسلما لم يخرج هذه الزيادة، وأجيب عن ذلك بأن الأصل أن كل ما ذكره في الحديث فهو منه حتى يثبت الإدراج بدليل، فضلا عن أن هذه الزيادة قد وردت في حديث آخر كحديث أبي هريرة. ٢ - وأما القول بأن العقار إذا كان مقسوما معروف الحدود مصرفة طرقه فلا ضرر على مالكه بتداول الأيدي لمجاورة فغير صحيح. ذلك أن في الضرر الذي قصد الشارع رفعه ضرر سوء الجوار فإن الجار قد يسيء الجوار غالبا فيعلى الجدار ويتتبع العثار ويمنع الضوء ويشرف على العورة ويطلع على العثرة ويؤذي جاره بأنواع الأذى وقد أجمعت الأدلة على ثبوت الشفعة للشريك لدفع الضرر الناشيء عنه اشتراك في الغالب فإذا ثبتت الشفعة في الشركة في العقار لإفضائها إلى المجاورة فحقيقة المجاورة أولى بالثبوت فيها. ٣ - وأما الاحتجاج بما في صحيح البخاري: «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (٣)» فعلى فرض انتفاء الإدراج من جابر فإن الجار المشترك مع غيره في مرفق خاص ما، مثل أن يكون طريقهما واحدا أو أن يشتركا في شرب أو مسيل أو نحو ذلك من المرافق الخاصة لا يعتبر مقاسما مقاسمة كلية بل هو شريك لجاره في بعض حقوق ملكه، وإذا كان طريقهما واحدا لم تكن الحدود كلها واقعة بل

стр. 1543

بعضها حاصل وبعضها منتف إذ وقوع الحدود من كل وجه يستلزم أو يتضمن تصريف الطرق (١). ٤ - وأما القول بأن الشفعة شرعت للشريك لدفع ضرر المقاسمة فغير مسلم به، فمشروعيتها لرفع الضرر مطلقا سواء كان الضرر ناتجا عن المقاسمة أم عن الاشتراك. وتخصيص الشفعة برفع ضرر معين دون غيره من الأضرار تخصيص يحتاج إلى ما يسنده شرعا، وأيضا فلو كانت الشفعة مشروعة لدفع ضرر المقاسمة فقط لثبتت مشروعيتها في المنقولات المشتركة لرفع ضرر المقاسمة فيها.

стр. 1544

أدلة القائلين بثبوت الشفعة بحق المبيع والجوار ومناقشتها استدل القائلون بثبوت الشفعة بالمرافق الخاصة وبالجوار بما يأتي: ١ - ما روى البخاري في صحيحه عن عمرو بن الشريد قال: وقفت على سعد بن أبي وقاص فجاء المسور بن مخرمة فوضع يده على إحدى منكبي إذ جاء أبو رافع مولى النبي ﷺ فقال يا سعد ابتع مني بيتي في دراك، فقال سعد والله ما ابتاعها فقال المسور والله لتبتاعنها فقال سعد والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة أو مقطعة فقال أبو رافع: لقد أعطيت بها خمسمائة دينار ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الجار أحق بسقبه (١)» ما أعطيتكها بأربعة وأنا أعطي بها خمسمائة دينار فأعطاه إياها. وجه الدلالة من ذلك قوله: الجار أحق بسقبه أي بقربه أي إن الجار أحق بالدار من غيره لقربه ويدل على أن المقصود بأحقية الجار شفعته الأحاديث الآتية: ٢ - روى أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا (٢)» وقد حسنه الترمذي. ٣ - روى أحمد وأبو داود والترمذي وصححه عن سمرة أن النبي ﷺ قال «جار الدار أحق بالدار من غيره (٣)»

стр. 1545

٤ - روى أحمد والنسائي وابن ماجه عن الشريد بن سويد قال: «قلت يا رسول الله أرضي ليس لأحد فيها شرك ولا قسم إلا الجوار فقال " الجار أحق بسقبه ما كان (١)». كما استدلوا من جهة المعنى بقولهم: واللفظ لابن القيم ﵀ إن حق الأصيل وهو الجار أسبق من حق الدخيل، وكل معنى اقتضى ثبوت الشفعة للشريك فمثله في حق الجار، فإن الناس يتفاوتون في الجوار تفاوتا فاحشا ويتأذى بعضهم ببعض ويقع بينهم من العداوة ما هو معهود والضرر بذلك دائم متأبد ولا يندفع ذلك إلا برضا الجار إن شاء أقر الدخيل على جواره وإن شاء انتزع الملك بثمنه واستراح من مؤونة المجاورة ومفسدتها، وإذا كان الجار يخاف التأذي على وجه اللزوم كان كالشريك يخاف التأذي بشريكه على وجه اللزوم. . . فوجب بحكم عناية الشارع ورعايته لمصالح العباد إزالة الضررين جميعا على وجه لا يضر البائع. اه (٢).
следующие страницы →