← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

٢ - ما في صحيح مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر قال «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط ولا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه (١)» إلى آخر الحديث. ٣ - ما روى الشافعي بإسناده إلى أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال «الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة (٢)». ٤ - ما في سنن أبي داود بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قسمت الأرض وحدت فلا شفعة فيها (٣)». ٥ - ما في الموطأ بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم فإذا صرفت الطرق ووقعت الحدود فلا شفعة (٤)». ٦ - ما ذكره سعيد بن منصور بإسناده إلى عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃ قال: إذا صرفت الحدود وعرف الناس حدودهم فلا شفعة بينهم. فهذه الأحاديث والآثار تدل على أن الشفعة مشروعة فيما هو مشاع غير مقسوم، ولأن الضرر اللاحق بالشركة هو ما توجبه من التزاحم في المرافق والحقوق والأحداث والتغيير والإفضاء إلى التقاسم الموجب لنقص قيمة الملك بالقسمة. أما إذا قسمت الأرض فوقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة حينئذ لانتفاء الضرر بذلك. ووجه القائلون بذلك القول حصر الشفعة للشريك دون غيره، وأجابوا عن الأحاديث الواردة بالشفعة للجار فقال ابن القيم ﵀: قالوا: وقد فرق الله بين الشريك والجار شرعا وقدرا ففي الشركة حقوق لا توجد في الجوار فإن الملك في الشركة مختلط وفي الجوار متميز ولكل من الشريكين على صاحبه مطالبة شرعية ومنع شرعي أما المطالبة ففي القسمة وأما المنع فمن التصرف، فلما كانت الشركة محلا للطلب ومحلا للمنع كانت محلا للاستحقاق بخلاف الجوار فلم يجز إلحاق الجار بالشريك وبينهما هذا الاختلاف، والمعنى الذي وجبت به الشفعة رفع مؤونة المقاسمة وهي مؤونة كثيرة، والشريك لما باع حصته من غير شريكه فهذا الدخيل قد عرضه لمؤونة عظيمة فمكنه الشارع من التخلص منها بانتزاع الشقص على وجه لا يضر بالبائع ولا بالمشتري، ولم يمكنه الشارع من الانتزاع قبل البيع لأن شريكه مثله ومساو له في الدرجة فلا يستحق عليه شيئا إلا ولصاحبه مثل ذلك الحق عليه فإذا باع صار المشتري دخيلا والشريك أصيل فرجح جانبه وثبت له الاستحقاق، قالوا: وكما أن الشارع يقصد رفع الضرر عن الجار فهو أيضا رفع الضرر عن المشتري ولا يزيل ضرر الجار بإدخال الضرر على المشتري فإنه محتاج إلى دار يسكنها هو وعياله، فإذا سلط الجار على إخراجه وانتزع داره منه أضرارا بينا. وأي دار اشتراها وله جار فحاله معه هكذا وتطلبه دارا لا جوار لها كالمتعذر عليه أو كالمتعسر فكان من تمام حكمة الشارع أن أسقط الشفعة بوقوع الحدود وتصريف الطرق لئلا يضر

стр. 1542

الناس بعضهم بعضا، ويتعذر على من أراد شراء دار لها جار أن يتم له مقصوده، وهذا بخلاف الشريك وأن المشتري لا يمكنه الانتفاع بالحصة التي اشتراها والشريك يمكنه ذلك بانضمامها إلى ملكه فليس على المشتري ضرر في انتزاعها منه وإعطائه ما اشتراها به. قالوا: وحينئذ تعين حمل أحاديث شفعة الجوار على مثل ما دلت عليه أحاديث شفعة الشركة فيكون لفظ الجار فيها مرادا به الشريك. ووجه هذا الإطلاق المعنى والاستعمال. أما المعنى فإن كل جزء من ملك الشريك مجاور لملك صاحبه فهما جاران حقيقة، وأما الاستعمال فإنهما خليطان متجاوران ولذا سميت الزوجة جاره كما قال الأعشي: أجارتنا بيني فإنك طالقة ... . . . . . . . . فتسمية الشريك جارا أولى وأحرى. وقال حمل بن مالك: كنت بين جارتين لي. . هذا إن لم يحتمل إلا إثبات الشفعة فأما إن كان المراد بالحق فيها حق الجار على جاره فلا حجة فيها على إثبات الشفعة وأيضا فإنه إنما أثبت له على البائع حق العرض عليه إذا أراد البيع، فأين ثبوت حق الانتزاع. اهـ (١). وقد ناقش القائلون بثبوت الشفعة للجار هذه الأدلة بما يأتي: ١ - بالنسبة لحديث جابر فإن قوله: «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (٢)». . فقد ذكر أبو حاتم بأنه مدرج من قول جابر، قالوا ويؤيد ذلك أن مسلما لم يخرج هذه الزيادة، وأجيب عن ذلك بأن الأصل أن كل ما ذكره في الحديث فهو منه حتى يثبت الإدراج بدليل، فضلا عن أن هذه الزيادة قد وردت في حديث آخر كحديث أبي هريرة. ٢ - وأما القول بأن العقار إذا كان مقسوما معروف الحدود مصرفة طرقه فلا ضرر على مالكه بتداول الأيدي لمجاورة فغير صحيح. ذلك أن في الضرر الذي قصد الشارع رفعه ضرر سوء الجوار فإن الجار قد يسيء الجوار غالبا فيعلى الجدار ويتتبع العثار ويمنع الضوء ويشرف على العورة ويطلع على العثرة ويؤذي جاره بأنواع الأذى وقد أجمعت الأدلة على ثبوت الشفعة للشريك لدفع الضرر الناشيء عنه اشتراك في الغالب فإذا ثبتت الشفعة في الشركة في العقار لإفضائها إلى المجاورة فحقيقة المجاورة أولى بالثبوت فيها. ٣ - وأما الاحتجاج بما في صحيح البخاري: «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (٣)» فعلى فرض انتفاء الإدراج من جابر فإن الجار المشترك مع غيره في مرفق خاص ما، مثل أن يكون طريقهما واحدا أو أن يشتركا في شرب أو مسيل أو نحو ذلك من المرافق الخاصة لا يعتبر مقاسما مقاسمة كلية بل هو شريك لجاره في بعض حقوق ملكه، وإذا كان طريقهما واحدا لم تكن الحدود كلها واقعة بل

стр. 1543

بعضها حاصل وبعضها منتف إذ وقوع الحدود من كل وجه يستلزم أو يتضمن تصريف الطرق (١). ٤ - وأما القول بأن الشفعة شرعت للشريك لدفع ضرر المقاسمة فغير مسلم به، فمشروعيتها لرفع الضرر مطلقا سواء كان الضرر ناتجا عن المقاسمة أم عن الاشتراك. وتخصيص الشفعة برفع ضرر معين دون غيره من الأضرار تخصيص يحتاج إلى ما يسنده شرعا، وأيضا فلو كانت الشفعة مشروعة لدفع ضرر المقاسمة فقط لثبتت مشروعيتها في المنقولات المشتركة لرفع ضرر المقاسمة فيها.

стр. 1544

أدلة القائلين بثبوت الشفعة بحق المبيع والجوار ومناقشتها استدل القائلون بثبوت الشفعة بالمرافق الخاصة وبالجوار بما يأتي: ١ - ما روى البخاري في صحيحه عن عمرو بن الشريد قال: وقفت على سعد بن أبي وقاص فجاء المسور بن مخرمة فوضع يده على إحدى منكبي إذ جاء أبو رافع مولى النبي ﷺ فقال يا سعد ابتع مني بيتي في دراك، فقال سعد والله ما ابتاعها فقال المسور والله لتبتاعنها فقال سعد والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة أو مقطعة فقال أبو رافع: لقد أعطيت بها خمسمائة دينار ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الجار أحق بسقبه (١)» ما أعطيتكها بأربعة وأنا أعطي بها خمسمائة دينار فأعطاه إياها. وجه الدلالة من ذلك قوله: الجار أحق بسقبه أي بقربه أي إن الجار أحق بالدار من غيره لقربه ويدل على أن المقصود بأحقية الجار شفعته الأحاديث الآتية: ٢ - روى أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا (٢)» وقد حسنه الترمذي. ٣ - روى أحمد وأبو داود والترمذي وصححه عن سمرة أن النبي ﷺ قال «جار الدار أحق بالدار من غيره (٣)»

стр. 1545

٤ - روى أحمد والنسائي وابن ماجه عن الشريد بن سويد قال: «قلت يا رسول الله أرضي ليس لأحد فيها شرك ولا قسم إلا الجوار فقال " الجار أحق بسقبه ما كان (١)». كما استدلوا من جهة المعنى بقولهم: واللفظ لابن القيم ﵀ إن حق الأصيل وهو الجار أسبق من حق الدخيل، وكل معنى اقتضى ثبوت الشفعة للشريك فمثله في حق الجار، فإن الناس يتفاوتون في الجوار تفاوتا فاحشا ويتأذى بعضهم ببعض ويقع بينهم من العداوة ما هو معهود والضرر بذلك دائم متأبد ولا يندفع ذلك إلا برضا الجار إن شاء أقر الدخيل على جواره وإن شاء انتزع الملك بثمنه واستراح من مؤونة المجاورة ومفسدتها، وإذا كان الجار يخاف التأذي على وجه اللزوم كان كالشريك يخاف التأذي بشريكه على وجه اللزوم. . . فوجب بحكم عناية الشارع ورعايته لمصالح العباد إزالة الضررين جميعا على وجه لا يضر البائع. اه (٢).

стр. 1546

المناقشة أجاب القائلون بحصر الشفعة في الشريك دون غيره بما يأتي: ١ - بالنسبة لحديث أبي رافع ﵁ فقد ذكر الحافظ ابن حجر في معرض شرحه هذا الحديث وإيراده وجه استدلال الحنفية به على ثبوت الشفعة للجار حقيقة في المجاورة مجازا في الشريك قال ما نصه: إن محل ذلك عند التجرد وقد قامت القرينة هنا على المجاز فاعتبر للجمع بين حديثي جابر وأبي رافع، فحديث جابر صريح في اختصاص الشفعة بالشريك، وحديث أبي رافع مصروف الظاهر اتفاقا، لأنه يقتضي أن يكون الجار أحق من كل أحد حتى من الشريك. والذين قالوا بشفعة الجار قدموا الشريك مطلقا، ثم المشارك في الطريق، ثم الجار على من ليس بمجاور، فعلى هذا يتعين تأويل قوله (أحق) بالحمل على الفضل أو التعهد ونحو ذلك. اه (١). ٢ - بالنسبة لحديث جابر «الجار أحق بشفعة جاره (٢)» الخ، فقال الترمذي: لا نعلم أحدا روى هذا الحديث غير عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر، وقد تكلم شعبة في عبد الملك من أجل هذا الحديث - ثم قال - سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: لا أعلم أحدا رواه عن عطاء غير عبد الملك تفرد به ويروى عن جابر خلاف هذا. اهـ. . . قال شعبة سها فيه عبد الملك، فإن روى

стр. 1547

حديثا مثله طرحت حديثه، ثم ترك شعبة التحديث عنه. وقال أحمد: هذا الحديث منكر. وقال ابن معين: لم يروه غير عبد الملك وقد أنكروه عليه. اه (١). وقد أجاب ابن القيم ﵀ عن الطعن في حديث جابر فقال: إن عبد الملك هذا حافظ ثقة صدوق ولم يتعرض له أحد بجرح البتة، وأثنى عليه أئمة زمانه ومن بعدهم، وإنما أنكر عليه من أنكر هذا الحديث ظنا منهم أنه مخالف لرواية الزهري عن أبي سلمة عن جابر عن النبي ﷺ «الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (٢)». ولا تحتمل مخالفة العرزمي لمثل الزهري وقد صح هذا من رواية جابر عن الزهري عن أبي سلمه عنه ومن رواية ابن جريج عن أبي الزبير عنه. ومن حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عنه، فخالفهم العرزمي، ولهذا شهد الأئمة بإنكار حديثه ولم يقدموه على حديث هؤلاء - إلى أن قال - وحديث جابر الذي أنكره من أنكره على عبد الملك صريح فيه، فإنه قال: «الجار أحق بسقبه ينتظر به وإن كان غائبا طريقهما واحدا (٣)» فأثبت الشفعة بالجوار مع اتحاد الطريق ونفاها به مع اختلاف الطريق بقوله: «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (٤)» فمفهوم حديث عبد الملك هو بعنيه منطوق حديث أبي سلمة فأحدهما يصدق الآخر ويوافقه لا يعارضه ويناقضه، وجابر روى اللفظين - إلى أن قال - وحديث أبي رافع الذي رواه البخاري يدل على مثل ما دل عليه حديث عبد الملك فإنه دل على الأخذ بالجوار حالة الشركة في الطريق فإن البيتين كانا في نفس دار سعد والطريق واحد بلا ريب. اه (٥). ٣ - وأما حديث الشريد بن سويد فقال الخطابي: قد تكلم أهل الحديث في إسناده واضطراب الرواة عنه فقال بعضهم عن عمرو بن الشريد عن أبي رافع، وقال بعضهم عن أبيه عن أبي رافع وأرسله بعضهم. وذكر ابن قدامة ﵀ عن ابن المنذر قوله: الثابت عن رسول الله ﷺ حديث جابر الذي رويناه وما عداه من الأحاديث فيها مقال (٦). وأجيب عن ذلك بما ذكره ابن القيم ﵀ عن البخاري بخصوص حديث الشريد بن سويد أو عمرو بن الشريد قال: قال البخاري هو أصح عندي من رواية عمرو عن أبي رافع - يعني حديث أبي رافع مع سعد ابن أبي وقاص - وقال أيضا. كلا الحديثين عندي صحيح (٧).

стр. 1548

وقال ابن حزم في معرض مناقشته الأحاديث والآثار التي استدل بها أهل هذا القول ما نصه: ثم نظرنا في حديث عمرو بن الشريد عن أبي رافع عن أبيه فوجدناه لا متعلق لهم به لأنه ليس فيه إلا الجار أحق بصقبه وليس فيه للشفعة ذكر ولا أثر، وقد حدثنا همام، حدثنا عباس بن أصبغ، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى بن كعب الثقفي قال: سمعت عمرو بن الشريد يحدث عن الشريد عن النبي ﷺ قال: «المرء أحق وأولى بصقبه (١)» قلت لعمرو: ما صقبه؟ قال الشفعة، قلت: زعم الناس أنها الجوار قال: الناس يقولون ذلك، فهذا راوي الحديث عمرو بن الشريد لا يرى الشفعة بالجوار ولا يرى لفظ ما روى يقتضي ذلك، فبطل كل ما موهوا به. ثم لو صحت هذه الأحاديث ببيان واضح أن الشفعة للجار لكان حكمه ﵊ وقوله وقضاؤه «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (٢)» يقضي على ذلك كله ويرفع فكيف ولا بيان في شيء منها. اهـ (٣). ٤ - وأما حديث سمرة ففي سماع الحسن من سمرة مقال معروف لدى علماء الحديث. قال يحيى بن معين لم يسمع الحسن من سمرة وإنما هي صحيفة وقعت إليه، وقال غيره: لم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة، وقد أجاب عن ذلك ابن القيم ﵀ حيث قال: قد صح سماع الحسن من سمرة وغاية هذا أنه كتاب ولم تزل الأمة تعمل بالكتب قديما وحديثا، وأجمع الصحابة على العمل بالكتب وكذلك الخلفاء بعدهم وليس اعتماد الناس في العلم إلا على الكتب، فإن لم يعمل بما فيها تعطلت الشريعة وقد كان رسول الله ﷺ يكتب كتبه إلى الآفاق والنواحي فيعمل بها من تصل إليه ولا يقول هذا كتاب، وكذلك خلفاؤه من بعده والناس على اليوم. فرد السنن بهذا الخيال البارد الفاسد من أبطل الباطل والحفظ يخون والكتاب لا يخون. اهـ (٤). ويمكن أن يجاب عن قول ابن القيم ﵀ بأن الغالب على طالب العلم أن يسجل كل ما عن له من صحيح وضعيف وما له وجه وما لا وجه له، على أمل أن يتم له النظر لأبعاد ما لا وجه له ولا صحة، ويحتمل أن يعجله الأجل قبل ذلك بخلاف ما يؤلفه طالب العلم وينشره بين الناس فإنه بنشره يعتبر في حكم المقتنع بوجاهته وصحة ما فيه مما يراه، وكذا ما يكتبه الوالي إلى عماله أو غيرهم فإنه يكتب ما يكتب عن اقتناع بوجاهة ما كتبه. ٥ - وأما الاحتجاج على مشروعية الشفعة للجار بالمعنى فقد أجاب على ذلك ابن القيم ﵀ وسبق نقل ذلك عنه (٥)

стр. 1549

٤ - الشفعة فيما انتقل إلى الغير بعوض غير مسمى إذا انتقل ما يجب فيه الشفعة للغير بعوض غير مسمى فقد ذهب الحنفية إلى نفي الشفعة فيه قال في الهداية: ولا شفعة في الدار التي يتزوج الرجل عليها أو يخالع المرأة بها أو يستأجر بها دارا أو غيرها أو يصالح بها عن دم عمد أو يعتق عليها عبدا لأن الشفعة عندنا إنما تجب في مبادلة المال بالمال لما بينا. وهذه الأعواض ليست بأموال فإيجاب الشفعة فيها خلاف المشروع وقلب الموضوع - إلى أن قال - أو يصالح عنها بإنكاره. . . لأنه يحتمل أنه بذل المال افتداء ليمينه وقطعا لشغب خصمه كما إذا أنكر صريحا. أهـ (١). وذهب المالكية إلى اثباتها قال في المدونة: قلت أرأيت إن تزوجت على شقص من دار أو خالعت امرأتي على شقص من دار أيكون في ذلك الشفعة في قول مالك؟ قال: نعم، مثل النكاح والخلع. قلت فبماذا يأخذ الشفيع في الخلع والنكاح والصلح في دم العمد الشقص؟ قال: أما في النكاح والخلع فقال لي مالك يأخذ الشفيع الشقص بقيمته وأرى الدم العمد مثله يأخذه بقيمته أهـ (٢). وذهب الشافعية إلى ثبوت الشفعة فيما أخذ بعوض غير مالي قال الشربيني على قول صاحب المنهاج: وإنما تثبت في ملك بمعاوضه ملكا لازما متأخرا عن ملك الشفيع كمبيع ومهر وعوض خلع وصلح دم ونجوم وأجرة ورأس مال مسلم. قال: بمعاوضة محضة كالبيع أو غير محضة كالمهر، أما البيع فبالنص والباقي بالقياس عليه بجامع الاشتراك في المعاوضة مع لحوق الضرر أهـ (٣). وأما الحنابلة فالصحيح من المذهب أنه لا شفعة فيه لأنه مملوك بلا مال أشبه الموهوب والموروث ولأنه يمتنع أخذه بمهر المثل وبقيمته لأنها ليست عوض الشقص. قال المرداوي: قوله ولا شفعة فيما عوضه غير المال كالصداق وعوض الخلع والصلح عن دم العمد في أحد الوجهين، وأطلقهما في الهداية والمذهب والمستوعب والتلخيص والمحرر والرعاية الكبرى والفروع والفائق وظاهر الشرح الإطلاق، أحدهما: لا شفعة في ذلك وهو الصحيح من المذهب، قال في الكافي: لا شفعة فيه في ظاهر المذهب. قال الزركشي: هذا أشهر الوجهين عن القاضي وأكثر أصحابه، قال ابن منجا: هذا أولى. قال الحارثي: أكثر الأصحاب قال بانتفاء الشفعة منهم أبو بكر وابن أبي موسى وأبو علي بن شهاب والقاضي وأبو الخطاب في رؤوس المسائل وابن عقيل والقاضي يعقوب والشريفان أبو جعفر وأبو القاسم الزبدي والعكبري وابن بكروس والمصنف وهذا هو المذهب ولذلك قدمه في السنن. أهـ وهو ظاهر كلام الخرقي وصححه في التصحيح والنظم وجزم به في العمدة والوجيز والمنور والحاوي الصغير وغيرهم وقدمه في المغني والشرح

стр. 1550

وشرح الحارثي وغيرهم. والوجه الثاني فيه الشفعة، اختاره ابن حامد وأبو الخطاب في الانتصار وابن حمدان في الرعاية الصغرى وقدمه ابن رزين في شرحه. فعلى هذا القول يأخذه بقيمته على الصحيح. أهـ (١).

стр. 1551

الشفعة بشركة الوقف اختلف العلماء ﵏ في جواز الشفعة في الوقف. فذهب الحنفية إلى أن لا شفعة للوقف ولا في الوقف لأنه لا مالك له معين قال في الدر المختار ما نصه: ولا شفعة في الوقف ولا له نوازل ولا بجواره. قال المصنف: قلت وحمل شيخنا الرملي الأول على الأخذ به والثاني على أخذه بنفسه إذا بيع، وأما إذا بيع بجواره أو كان بعض المبيع ملكا وبعضه وقفا وبيع الملك فلا شفعة للوقف. وقال في الحاشية: قوله أو كان بعض المبيع ملكا إلخ. حاصله أنه لا شفعة له بجوار ولا بشركة فهو صريح بالقسمين كما أشار إليه الشارح بنقل عبارة النوازل ونبهنا عليه. قوله فلا شفعة للوقف إذ لا مالك له. أهـ (١). . وقال الكاساني في معرض تعداده شروط الأخذ بالشفعة ما نصه: ومنها ملك الشفيع وقت الشراء في الدار التي يأخذها بالشفعة، لأن سبب الاستحقاق جوار الملك والسبب إنما ينعقد سببا عن وجود الشرط، والانعقاد أمر زائد على الوجود فإذا لم يوجد عند البيع كيف ينعقد سببا فلا شفعة له بدار يسكنها بالإيجار والإعارة ولا بدار باعها قبل الشراء ولا بدار جعلها مسجدا ولا بدار جعلها وقفا وقضى القاضي بجوازه أو لم يقض على قول من يجيز الوقف لأنه زال ملكه عنها لا إلى أحد. أهـ (٢). وذهب المالكية إلا أنه لا شفعة بالوقف إلا للواقف نفسه بشرط أن يضيف ما يأخذ بالشفعة إلا ما أوقفه أو أن يجعل ذلك للناظر بأن ينص في ولايته على الأخذ بالشفعة ليضاف إلى الوقف أو أن يؤول الوقف إلى الموقوف عليهم فلهم حق الأخذ بالشفعة ولو لم يوقفوا أو أن يؤول النظر أو الاستحقاق إلى بيت المال فللسلطان الأخذ له بالشفعة. قال أبو البركات أحمد الدردير في معرض تعداد من يجوز لهم الأخذ بالشفعة ما نصه: أو كان الشفيع محبسا لحصته قبل بيع شريكه فله الأخذ بالشفعة ليحبس الشقص المأخوذ أيضا قال منها دار بين رجلين حبس أحدهما نصيبه على رجل وولده وولد ولده فباع شريكه في الدار نصيبه فليس للذي

стр. 1552

حبس ولا للمحبس عليه أخذ بالشفعة إلا أن يأخذ المحبس فيجعله في مثل ما جعل نصيبه الأول. انتهى. وهذا إذا لم يكن مرجعها له وإلا فله الأخذ ولو لم يحبس، كأن يوقف على عشرة مدة حياتهم أو يوقف مدة معينة فله الأخذ مطلقا، كسلطان له الأخذ بالشفعة لبيت المال، قال سحنون في المرتد: يقتل وقد وجبت له شفعة أن للسلطان أن يأخذها إن شاء لبيت المال. أهـ (١). وذهب الشافعية إلى أن الوقف إن كان عاما كالوقف على الفقراء والمساكين ونحو ذلك فلا شفعة به وإن كان خاصا فلا شفعة لواقفه لزوال ملكه عنه، وقد اختلف علماء الشافعية في ثبوت الموقوف عليه العين لاختلاف ما نقل عن الشافعي ﵀ هل يملك الموقوف عليه رقبة الوقف أم لا؟ قال في المجموع: وأما إذا كانت حصة الخليط وقفا لنظر في الوقف فإن كان عاما كالوقف على الفقراء والمساكين أو كان خاصا لا يملك كالوقف على جامع فلا يستحق به شفعة في المبيع، وإن كان خاصا على مالك الوقف على رجل بعينه أو على جماعة بأعيانهم فلا يملك به الواقف شفعة لزوال ملكه من الوقف، فأما الموقف عليه فقد اختلف عليه قول الشافعي هل يكون مالكا لرقبة الوقف أم لا؟ على قولين، أحدهما: يستحق به الشفعة لثبوت ملكه واستضراره بسوء المشاركة، والوجه الثاني: لا شفعة له لأنه ليس بتام الملك ولا مطلق التصرف أهـ (٢). وذهب جمهور الحنابلة إلى القول بنفي الشفعة عن الخلطة بالوقف لأن من شروط الأخذ بالشفعة أن يكون الشفيع مالكا لما يشفع به والوقف لا يعتبر ملكا تماما لمن هو بيده سواء كان ناظرا أو موقوفا عليه لأنه ليس مطلق التصرف فيه. قال ابن قدامة ﵀: ولا شفعة لشركة الوقف. ذكر القاضيان ابن أبي موسى وأبو يعلى وهو ظاهر مذهب الشافعي لأنه لا يأخذ بالشفعة فلا تجب فيه كالمجاور وغير المنقسم، ولأننا إن قلنا هو غير مملوك فالموقوف عليه غير مالك وإن قلنا هو مملوك فملكه غير تام لأنه لا يفيد إباحة التصرف في الرقبة فلا يملك به ملكا تاما. وقال أبو الخطاب إن قلنا هو مملوك وجبت به الشفعة لأنه مملوك بيع في شركة شقص فوجبت الشفعة كالطلق ولأن الضرر يندفع عنه بالشفعة كالطلق فوجبت فيه كوجوبها في الطلق. وإنما لم يستحق بالشفعة لأن الأخذ بها بيع وهو ما لا يجوز بيعه. أهـ (٣). وللشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ رأي في ثبوت الشفعة به فقد قال ما نصه:

стр. 1553

فلو باع الشريك الذي ملكه طلق فلشريكه الذي نصيبه وقف الشفعة لعموم الحديث المذكور ووجود لمعنى. بل صاحب الوقف إذا لم يثبت له شفعة يكون أعظم ضررا من صاحب الطلق لتمكن المالك من البيع بخلاف مستحق الوقف فإنه يضطر إلى بقاء الشركة. وأما استدلال الأصحاب بقولهم: إن ملكه ناقص فالحديث لم يفرق بين الذي ملكه ناقص أو كامل. ومنعنا إياه من البيع لتعلق حقوق من بعده به. فالصواب إثبات الشفعة إذا باع الشريك سواء كان شريكه صاحب ملك طلق أو مستحقا للوقف. أهـ (١). وقال المنقور نقلا عن جمع الجوامع: للوقف ثلاث صور، الأولى: إذا كان البعض وقفا والبعض ملكا فبيع الملك هل يأخذ رب الوقف بالشفعة؟ على وجهين. والثانية: إذا كان كذلك وبيع الوقف حيث جاز بيعه هل يأخذ الشريك بالملك؟ على وجهين. المختار نعم. الثالثة: إذا كان الكل وقفا وبيع البعض حيث جاز بيعه فهل يجوز لرب الوقف الآخر الأخذ بها؟ على وجهين، الصحيح لا يجوز. اهـ (٢). ولعل مصدر الاختلاف في ذلك الخلاف، هل لجهات الوقف شخصية اعتبارية تكون أهلا للإلزام والالتزام كالحال في جماعة المسلمين حيث يتكافؤون ويسعى بذمتهم أدناهم فيكون الوقف ملكا لهم، فإذا تصرف بعضهم أو النائب عنهم وهو الناظر تصرفا فيه مصلحة للوقف وغبطة لجهاته كان كتصرفهم جميعا، أم أن الوقف لا مالك له في الحقيقة وأن الشخصية الاعتبارية وهم وخيال لا مجال لها في واقع الأمر وحقيقته؟

стр. 1554

شفعة غير المسلم اتفق الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك والشافعي على القول بجواز شفعة غير المسلم على المسلم. قال السرخسي: والذكر والأنثى والحر والمملوك والمسلم والكافر في حق الشفعة سواء لأنه من المعاملات وإنما ينبني الاستحقاق على سبب متصور في حق هؤلاء وثبوت الحكم بثبوت سببه. أهـ (١). وفي المدونة ما نصه: قيل لابن القاسم هل لأهل الذمة شفعة في قول مالك؟ فقال: سألت مالكا عن المسلم والنصراني تكون الدار

стр. 1555

بينهما فيبيع المسلم نصيبه هل للنصراني فيه شفعة؟ قال نعم، أرى ذلك له مثل ما لو كان شريكه مسلما. أهـ (١). وقال النووي: وأما قوله ﷺ فمن كان له شريك فهو عام يتناول المسلم والكافر والذمي فتثبت للذمي الشفعة على المسلم كما تثبت للمسلم على الذمي هذا قول الشافعي ومالك وأبي حنيفة والجمهور. أهـ (٢). وانفرد الإمام أحمد ﵀ عنهم بمنع شفعة الكافر على المسلم لأن تسليط الكافر على المسلم يعتبر سبيلا إليه قال تعالى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٣) قال ابن قدامة ﵀ على قول الخرقي " ولا شفعة لكافر على مسلم ": وجملة ذلك أن الذمي إذا باع شريكه شقصا لمسلم فلا شفعة له عليه، روي ذلك عن الحسن والشعبي وروي عن شريح وعمر بن عبد العزيز أن له الشفعة وبه قال النخعي وإياس بن معاوية وحماد بن أبي سليمان والثوري ومالك والشافعي والعنبري وأصحاب الرأي لعموم قوله ﷺ «لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه وإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به (٤)» ولأنه خيار ثابت لدفع الضرر بالشراء فاستوى فيه المسلم والكافر كالرد بالعيب. ولما روى الدارقطني في كتاب العلل بإسناده عن أنس أن النبي ﷺ قال: «لا شفعة لنصراني» وهذا يخص عموم ما احتجوا به ولأنه معنى يتملك به يترتب على وجود ملك مخصوص فلم يجب للذمي على المسلم كالزكاة ولأنه معنى يختص العقار فأشبه الاستعلاء في البنيان بحقيقة أن الشفعة إنما تثبت للمسلم دفعا للضرر عن ملكه فقدم دفع ضرره على دفع ضرر المشتري، ولا يلزم من تقديم دفع ضرر المسلم على المسلم تقديم دفع ضرر الذمي فإن حق المسلم أرجح ورعايته أولى ولأن ثبوت الشفعة في محل الإجماع على خلاف الأصل رعاية لحق الشريك المسلم وليس الذمي في معنى المسلم فيبقى فيه على مقتضى الأصل. أهـ (٥). وقال نصر ابن القيم ﵀ القول بنفي شفعة الكافر على المسلم وناقش القائلين بثبوتها ورد عليهم قولهم فقال ما نصه: ولهذا لم يثبت عن واحد من السلف لهم حق شفعة على مسلم وأخذ بذلك الإمام أحمد وهي من مفرداته التي برز بها على الثلاثة، لأن الشقص يملكه المسلم إذا أوجبنا فيه شفعة لذمي كنا قد أوجبنا على مسلم أن ينقل الملك في عقاره إلى كافر بطريق القهر للمسلم وهذا خلاف الأصول، والشفعة في الأصل إنما هي من حقوق أحد الشريكين على الآخر بمنزلة الحقوق والتي تجب للمسلم على المسلم كإجابة الدعوة وعيادة المريض وكمنعه أن يبيع على بيع أخيه أو يخطب على خطبته. قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الذمي اليهودي والنصراني ألهم شفعة؟ قال: لا، وكذلك نقل أبو طالب وصالح وأبو الحارث والأثرم كلهم عنه: ليس للذمي

стр. 1556

شفعة. زاد أبو الحارث: مع المسلم. قال الأثرم قيل له: لم؟ قال لأنه ليس له مثل حق المسلم. واحتج فيه قال الأثرم: حدثنا الطباع حدثنا هشيم أخبرنا الشيباني عن الشعبي أنه كان يقول ليس لذمي شفعة. وقال سفيان عن حميد عن أبيه إنما الشفعة لمسلم. ولا شفعة لذمي. وقال أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن زيد عن ليث عن مجاهد أنه قال: ليس ليهودي ولا لنصراني شفعة. قال الخلال أخبرني محمد بن الحسن بن هارون قال: سئل أبو عبد الله وأنا أسمع عن الشفعة للذمي قال: ليس لذمي شفعة. ليس له حق المسلم. أخبرني عصمة بن عصام حدثنا حنبل قال سمعت أبا عبد الله قال ليس ليهودي ولا لنصراني شفعة قيل: ولم؟ قال: لأن النبي ﷺ قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب (١)» وهذا مذهب شريح والحسن والشعبي واحتج الإمام أحمد بثلاث حجج. إحداهما: أن الشفعة من حقوق المسلمين بعضهم على بعض، فلا حق للذمي فيها. ونكتة هذا الاستدلال أن الشفعة من حق المالك لا من حق الملك. الحجة الثانية: قول النبي ﷺ «لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه (٢)» وتقرير الاستدلال من هذا أنه لم يجعل لهم حقا في الطريق المشترك عند تزاحمهم مع المسلمين فكيف يجعل لهم حقا إلى انتزاع ملك المسلم منه قهرا بل هذا تنبيه على المنع من انتزاع الأرض من يد المسلم وإخراجه منها لحق الكافر لنفي ضرر الشركة عنه، وضرر الشركة على الكافر أهون عند الله من تسليطه على إزالة ملك المسلم عنه قهرا. الدليل الثالث: قوله ﷺ : «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب (٣)» ووجه الاستدلال من هذا أن النبي ﷺ حكم بإخراجهم من أرضهم ونقلها إلى المسلمين لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله فكيف نسلطهم على انتزاع أراضي المسلمين منهم قهرا وإخراجهم منها!؟ وأيضا فالشفعة حق يختص العقار فلا يساوي الذمي فيه المسلم كالاستعلاء في البنيان. يوضحه أن الاستعلاء تصرف في هواء ملكه المختص به فإذا منع منه فكيف يسلط على انتزاع ملك المسلم منه قهرا وهو ممنوع من التصرف في هوائه تصرفا يستعلي فيه على المسلم. فأين هذا الاستعلاء من استعلائه عليه لإخراجه من ملكه قهرا. وأيضا فالشفعة وجبت لإزالة الضرر عن الشفيع وإن كان فيها ضرر بالمشتري فإذا كان المشتري مسلما فسلط الذمي على انتزاع ملكه منه قهرا كان فيه تقديم حق الذمي على حق المسلم وهذا ممتنع وأيضا فإنه يتضمن مع إضراره بالمسلم إضراره بالدين وتملك دار المسلمين منهم قهرا وشغلها بما يسخط الله بدل ما يرضيه وهذا خلاف قواعد الشرع. ولذلك حرم عليهم نكاح المسلمات إذ كان فيه نوع استعلاء عليهن ولذلك لم يجز القصاص بينهم وبين المسلمين، ولا حد القذف ولا يمكنون من تملك الرقيق المسلم قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٤) ومن أعظم السبيل تسليط الكافر على انتزاع أملاك المسلمين منهم وإخراجهم منها قهرا وقد قال تعالى

стр. 1557

﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ (١) - إلى أن قال - وأيضا فلو كانوا مالكين حقيقة، لما أوصى النبي ﷺ بإخراجهم من جزيرة العرب وقال: «لئن عشت لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب (٢)» هذا مع بقائهم على عهدهم وعدم نقضهم له فلو كانوا مالكين لدورهم حقيقة لما أخرجهم منها ولم ينقضوا عهدا، ولهذا احتج الإمام أحمد بذلك على أنه لا شفعة لهم على مسلم - إلى أن قال - وليس مع الموجبين للشفعة نص من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ ولا إجماع من الأمة، وغاية ما معهم إطلاقات وعمومات كقوله: «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم (٣)» وقوله «من كان له شريك في ربعة أو حائط فلا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه (٤)». ونحو ذلك مما لا يعرض فيه للمستحق وإنما سبقت الأحكام الأملاك لا لعموم الأملاك (٥) من أهل الذمة وغيرهم وليس معهم قياس استوى فيه الأصل والفرع في المقتضى للحكم فإن قياس الكافر على المسلم من أفسد القياس وكذلك قياس بعضهم من تجب له الشفعة بمن تجب عليه من أفسد القياس أيضا، ثم ذكر مجموعة من الأحكام يختلف فيها المسلم عن الكافر ثم قال: وكذلك قياس بعضهم الأخذ بالشفعة على الرد بالعيب من هذا النمط فإن الرد بالعيب من باب استدراك الظلام وأخذ الجزء الفائت الذي يترك على الثمن في مقابلته، فأين ذلك من تسليطه على انتزاع ملك المسلم منه قهرا واستيلائه عليه إلى آخر ما ذكره (٦).

стр. 1558

شفعة غير المكلف من صبي أو مجنون ذهب جمهور أهل العلم منهم الحسن وعطاء وأبو حنيفة ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وسوار والعنبري إلى القول بثبوت الشفعة للصبي والمجنون يتولاها وليه إن رأى له في ذلك مصلحة وغبطة. قال السرخسي: والصغير كالكبير في استحقاق الشفعة - ثم ذكر توجيه ذلك فقال: ولكنا نقول سبب الاستحقاق متحقق في حق الصغير وهو الشركة أو الجوار من حيث اتصال حق ملكه بالمبيع على وجه التأبيد فيكون مساويا للكبير في الاستحقاق به - ثم قال: ثبت له حق الشفعة ثم يقوم بالطلب من يقوم مقامه شرعا في استيفاء حقوقه. . . فإن لم يكن له أحد من هؤلاء فهو على شفعته إذ أدرك لأن الحق قد ثبت له ولا يتمكن من استيفائه قبل الإدراك أهـ (١). وفي المدونة: قلت أرأيت لو أن صبيا وجبت له الشفعة من يأخذ له بشفعته؟ قال الوالد قيل فإن لم يكن

стр. 1559

له والد قال فالوصي، قيل فإن لم يكن له وصي قال فالسلطان، قلت: فإن كان في موضع لا سلطان فيه ولا أب له ولا وصي قال فهو على شفعته إذا بلغ، قال وهذا كله قول مالك. أهـ. وقال ابن قدامة ﵀ على قول الخرقي: وللصغير إذا كبر المطالبة بالشفعة ما نصه: وجملة ذلك أنه إذا بيع في شركة الصغير شقص ثبتت له الشفعة في قول عامة الفقهاء، منهم الحسن وعطاء ومالك والأوزاعي والشافعي وسوار والعنبري وأصحاب الرأي، ثم قال بعد مناقشة القائلين بمنع شفعة الصبي: إذا ثبت هذا فإن ظاهر قول الخرقي أن للصغير إذا كبر الأخذ بها سواء عفا عنها الولي أو لم يعف وسواء كان الحظ في الأخذ بها أو في تركها، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور، له الشفعة إذا بلغ فاختار ولم يفرق وهذا قول الأوزاعي وزفر ومحمد ابن الحسن وحكاه بعض أصحاب الشافعي عنه، لأن المستحق للشفعة يملك الأخذ بها سواء كان الحظ فيها أو لم يكن فلم يسقط بترك غيره كالغائب إذا ترك وكيله الأخذ بها - إلى أن قال - والحكم في المجنون المطبق كالحكم في الصغير سواء، لأنه محجور عليه لحظه، وكذلك السفيه لذلك. وأما المغمى عليه فلا ولاية عليه وحكمه حكم الغائب والمجنون، ينتظر إفاقته. أهـ (١). وذهب بعض أهل العلم إلى القول بمنع الصغير من الشفعة حيث لا يمكنه أخذها في الحال ولا يمكن الانتظار بها حتى يبلغ لما في ذلك من الإضرار بالمشتري، وليس لوليه أخذها لأنه لا يملك العفو عنها فهو لا يملك الأخذ بها. ويروى هذا القول عن النخعي والحارث العكلي وابن أبي ليلى. وقد رد ابن قدامة ﵀ على أهل هذا القول فقال ما نصه: قولهم لا يمكن الأخذ غير صحيح، فإن الولي يأخذ بها كما يرد المعيب، وقولهم لا يمكنه العفو يبطل بالوكيل فيها وبالرد بالعيب، فإن ولي الصبي لا يمكنه العفو ويمكنه الرد، ولأن في الأخذ تحصيلا للملك للصبي ونظرا له وفي العفو تضييع وتفريط في حقه، ولا يلزم من ملك ما فيه الحظ ملك ما فيه التضييع ولأن العفو إسقاط لحقه والأخذ استيفاء له - إلى أن قال -: وما ذكروه من الضرر في الانتظار يبطل بالغائب. أهـ (٢)

стр. 1560

شفعة الغائب ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الغائب على حقه في الشفعة وإن طالت غيبته، روي ذلك عن شريح والحسن وعطاء وبه قال الأئمة الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والليث والثوري والأوزاعي والعنبري لعموم قوله ﷺ : «الشفعة فيما لم يقسم (١)» قال ابن رشد:

стр. 1561

فإن الذي له الشفعة رجلان: حاضر أو غائب، فأما الغائب فأجمع العلماء على أن الغائب على شفعته ما لم يعلم ببيع شريكه، واختلفوا إذا علم وهو غائب، فقال قوم: تسقط شفعته، وقال قوم: لا تسقط وهو مذهب مالك والحجة له ما روي عن النبي ﷺ من حديث جابر أنه قال: «الجار أحق بصقبه أو قال: بشفعته ينتظر بها إذا كان غائبا (١)» وأيضا فإن الغائب في الأكثر معوق عن الأخذ بالشفعة فوجب عذره. وعمدة الفريق الثاني أن سكوته مع العلم قرينة تدل على رضاه بإسقاطها. أهـ (٢). وفي المدونة: قلت أرأيت الغائب إذا علم بالشراء وهو شفيع ولم يقدم يطلب الشفعة حتى متى تكون له الشفعة؟ قال قال مالك: لا تقطع عن الغائب الشفعة بغيبته. قلت علم أو لم يعلم؟ قال: ليس ذلك عندي إلا فيما علم وأما فيما لم يعلم فليس فيه كلام ولو كان حاضرا. أهـ (٣). وقال ابن قدامة ﵀ على قول الخرقي: ومن كان غائبا وعلم بالبيع وقت قدومه فله الشفعة وإن طالت غيبته. ما نصه: وجملة ذلك أن الغائب له شفعة في قول أكثر أهل العلم. وذكر توجيه القول بذلك فقال: ولنا عموم قوله ﵇: «الشفعة فيما لم يقسم (٤)» سائر الأحاديث ولأن الشفعة حق مالي وجد سببه بالنسبة إلى الغائب فتثبت له كالإرث ولأنه الشريك لم يعلم بالبيع فتثبت له الشفعة عند علمه كالحاضر إذا كتم عنه البيع والغائب غيبة قريبة. أهـ (٥). وذهب بعض أهل العلم إلى القول بمنع الغائب من الشفعة لما فيه من الإضرار بالمشتري بامتناعه عن التصرف في ملكه حسب اختياره خشية انتزاعه منه، وهذا القول مروي عن النخعي والحارث العكلي والبتي. ورد ابن قدامة القول بتضرر المشتري بأن ضرره يندفع بإيجاب القيمة له. وقد يرد على ذلك بأن غيبته ما دامت غير محددة بحيث تصل إلى عشر سنين أو أكثر فإن تضرر المشتري ببقاء مشتراه معلقا حتى يحضر فيقرر رغبته في الشفعة من عدمها لا يقابل برد القيمة إليه لما في ذلك من تعطل هذه القيمة عن الإدارة، فضلا عما في ذلك من تعطيل هذا العقار عن التعمير لتكون منفعته العامة والخاصة أكثر.

стр. 1562

شفعة الوارث اختلف العلماء - رحمهم الله تعالى- في جواز شفعة الوارث من عدمه تبعا لاختلافهم في متعلق حق الشفعة هل هو متعلق بالملك فيورث أم بالمالك فيمتنع إرثه لموت صاحبه وقد تحصل من اختلافهم في المسألة ثلاثة أقوال. أحدها: إذا لم يأخذها الشفيع قبل موته فلا يجوز لوارثه أخذها مطلقا سواء طالب بها مورثه أم لم يطالب بها. لأن سبب أخذه الشفعة زال بموته وهو الملك، وقيام السبب إلى وقت الأخذ شرط لثبوت الحق في ذلك وقد قال بهذا القول جمهور أهل الرأي. قال السرخسي: وإذا مات الشفيع بعد البيع وقبل أن يأخذ بالشفعة لم يكن لوارثه حق الأخذ بالشفعة عندنا - ثم علل ذلك بقوله -: ونحن نقول مجرد الرأي والمشيئة لا يتصور فيه الإرث لأنه لا يبقى بعد موته ليخلفه الوارث فيه والثابت له بالشفعة مجرد المشيئة بين أن يأخذ أو يترك ثم السبب الذي به كان يأخذ بالشفعة يزول بموته وهو ملكه وقيام السبب إلى وقت الأخذ شرط لثبوت حق الأخذ له. أهـ (١). وقال في الدر المختار: ويبطلها موت الشفيع قبل الأخذ بعد الطلب أو قبله ولا تورث خلافا للشافعي. قال في الحاشية: قوله ويبطلها موت الشفيع إلخ. لأنها مجرد حق التملك وهو لا يبقى بعد موت صاحب الحق فكيف يورث. اهـ (٢). أحدهما أن حق الشفعة لا يورث إلا إذا طالب بها الشفيع قبل موته لأن الحق متعلق بالمالك دون الملك فحيث مات قبل طلب حقه في الشفعة فإن موته مسقط لذلك الحق، وهذا قول جمهور العلماء من الحنابلة وغيرهم. . قال ابن قدامة ﵀ في كلامه على قول الخرقي: والشفعة لا تورث إلا أن يكون الميت طالب بها ما نصه: وجملة ذلك أن الشفيع إذا مات قبل الأخذ بها لم يخل من حالين: الثاني أن يموت قبل الطلب بها فتسقط ولا تنتقل إلى الورثة. وقال أحمد الموت يبطل ثلاثة أشياء: الشفعة، والحد إذا مات المقذوف، والخيار إذا مات الذي اشترط الخيار، لم يكن للورثة هذه الثلاثة الأشياء إنما هي بالطلب فإذا لم يطلب فليس تجب إلا أن يشهد أني على حقي من كذا وكذا وأني قد طلبته فإذا مات بعده كان لوارثه الطلب به. وروي بسقوطه بالموت عن الحسن وابن سيرين والشعبي والنخعي وبه قال الثوري وإسحاق وأصحاب الرأي - ثم ذكر المستند لذلك فقال: ولنا أنه حق فسخ ثبت لا لفوات جزء فلم يورث كالرجوع في الهبة ولأنه نوع خيار جعل للتمليك أشبه خيار القبول.

стр. 1563

الحال الثاني إذا طالب بالشفعة ثم مات فإن حق الشفعة ينتقل إلى الورثة قولا واحدا، ذكره أبو الخطاب وقد ذكرنا نص أحمد عليه، لأن الحق يتقرر بالطلب ولذلك لا يسقط بتأخير الأخذ بعده وقبله يسقط. وقال القاضي يصير الشقص ملكا للشفيع بنفس المطالبة، وقد ذكرنا أن الصحيح غير هذا فإنه لو صار ملكا للشفيع لم يصح العفو عن الشفعة بعد طلبها كما لا يصح العفو عنها بعد الأخذ بها. فإذا ثبت هذا فإن الحق ينتقل إلى جميع الورثة على حسب مواريثهم، لأنه حق مالي موروث فينتقل إلى جميعهم كسائر الحقوق المالية. أهـ (١). القول الثالث ثبوت الشفعة للورثة إذا مات مورثهم قبل العفو والأخذ لكون الشفعة حقا متعلقا بالملك الموروث فهي حق من حقوقه، وقد قال بهذا القول مالك والشافعي والعنبري وغيرهم وذكر أبو الخطاب من الحنابلة أن هذا القول يمكن تخريجه لأنه خيار ثابت لدفع الضرر عن المال فيورث كخيار الرد بالعيب قال الشيرازي: وإذا مات الشفيع قبل الأخذ والعفو انتقل حقه من الشفعة إلى ورثته لأنه قبض استحقه بعقد البيع فانتقل إلى الورثة كقبض المشتري في البيع ولأنه خيار ثابت لدفع الضرر عن المال فورث كالرد بالعيب (٢). وقال ابن رشد في معرض ذكره جملة من أحكام الشفعة هي موضع خلاف بين أهل العلم ما نصه: فمن ذلك اختلافهم في ميراث حق الشفعة فذهب الكوفيون إلى أنه لا يورث كما أنه لا يباع، وذهب مالك والشافعي وأهل الحجاز إلى أنها موروثة قياسا على الأموال (٣). وقد رد ابن قدامة ﵀ على أبي الخطاب في قياسه الشفعة على خيار الرد بالعيب فقال: ولنا أنه حق فسخ ثبت لا لفوات جزء فلم يورث كالرجع في الهبة ولأنه نوع خيار جعل للتمليك أشبه خيار القبول، فأما خيار الرد بالعيب فإنه لاستدراك جزء فات من المبيع. أهـ (٤). هذا ما تيسر ذكره، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ

стр. 1564

ملخص قرار هيئة كبار العلماء المتعلق بمسألة الشفعة فيما لا يمكن قسمته من العقار الحمد لله بعد الإطلاع على البحث المعد في (مسألة الشفعة فيما لا تمكن قسمته من العقار) من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وبعد تداول الرأي والمناقشة من الأعضاء وتبادل وجهات النظر قرر المجلس بالأكثرية: أن الشفعة تثبت بالشركة في المرافق الخاصة، كالبئر والطريق والمسيل ونحوها. كما تثبت الشفعة فيما لا تمكن قسمته من العقار كالبيت والحانوت الصغيرين ونحوهما لعموم الأدلة في ذلك، ولدخول ذلك تحت مناط الأخذ بالشفعة وهو دفع الضرر عن الشريك في المبيع وفي حق المبيع ولأن النصوص الشرعية في مشروعية الشفعة تتناول ذلك. ومن ذلك ما رواه الترمذي بإسناده إلى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الشريك شفيع والشفعة في كل شيء (١)» وفي رواية الطحاوي بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ «قضى بالشفعة في كل شيء (٢)» قال الحافظ: حديث جابر لا بأس برواته. ولما روى الإمام أحمد والأربعة بإسنادهم إلى جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا (٣)» قال في البلوغ ورجاله ثقات. ولما روى البخاري في صحيحه وأبو داود والترمذي في سننهما بإسنادهم إلى جابر بن عبد الله ﵄ قال: «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (٤)» ووجه الاستدلال بذلك ما ذكره ابن القيم ﵀ في كتابه أعلام الموقعين: أن الجار المشترك مع غيره في مرفق خاص ما مثل أن يكون طريقهما واحدا أو أن يشتركا في شرب أو مسيل أو نحو ذلك من المرافق الخاصة لا يعتبر مقاسما كلية، بل هو شريك لجاره في بعض حقوق ملكه، وإذا كان طريقهما واحد لم تكن الحدود كلها واقعة بل بعضها حاصل وبعضها منتف إذ وقوع الحدود من كل وجه يستلزم أو يتضمن تصريف الطرق. أهـ. وبالله التوفيق وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. . .

стр. 1565

وجهة نظر المخالفين بالنسبة إلى الشفعة بالشركة في المرافق هو أن الشفعة لا تثبت إلا في العقار المشترك شركة مشاعة، ولا تثبت بالاشتراك في المرافق كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وبالله التوفيق.

стр. 1566

محمد المعتصم الدعوة الإصلاحية في الجزيرة العربية وحركة الجامعة الإسلامية في منتصف القرن الثاني عشر الهجري. . ظهرت في الجزيرة العربية الدعوة الإصلاحية الكبيرة التي تزعمها الشيخ محمد بن عبد الوهاب. ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، أي على مدى قرنين من الزمان تقريبا، والكتابات تتوالى في الشرق والغرب حول هذا الموضوع: مشيرة إلى الأثر الذي أحدثته وتحدثه هذه الدعوة الإصلاحية السلفية في العالم الإسلامي. ويعتمد معظم الباحثين في هذا الميدان على المصادر التاريخية الأصلية مثل الوثائق وغيرها من الأصول التاريخية. وفي هذا المجال نعرض لأمر جديد بالنسبة لهذه الدعوة. . وهو مدى الصلة بينها وبين قيام السلطان العثماني عبد الحميد بالدعوة لفكرة " الجامعة الإسلامية " في أواخر القرن الثالث عشر الهجري.

стр. 1567

ففي السنوات الأخيرة من القرن الثالث عشر الهجري. . فكر السلطان عبد الحميد في قيام الجامعة الإسلامية، يدفعه إلى ذلك أسباب من أهمها: أن دولة الخلافة العثمانية كانت تمر في ذلك الوقت بأسوأ مراحل تاريخها. . ولم تعد تعرف باسم " الرجل المريض " فحسب. . بل وصلت إلى مرحلة " الرجل المحتضر ". فتلك دول أوربا تقتطع أجزاء من أملاكها في آسيا وأوربا. . وهذه ثورات وفتن تجتاح البلاد والشعوب التابعة للدولة العثمانية. . ثم بعد هذا. . فإن نفوذها على العالم الإسلامي بدأ ينكمش، ودورها القيادي أخذ يتقلص. ووسط هذه الدوامة من الأحداث التي هزت كيان الدولة العثمانية. . رأى السلطان عبد الحميد أن يلعب دورا؛ ربما يؤدي إلى إقالة دولته من عثرتها. . وإحياء نفوذها مرة أخرى على البلاد الإسلامية التابعة لها. وقد رأى استغلال الوازع الديني في هذه البلاد ليقيم عليه مشروعا يحيي به الخلافة الإسلامية في الأستانة مرة أخرى (١). من هنا كانت دعوة السلطان عبد الحميد لقيام فكرة " الجامعة الإسلامية " كرابطة دينية تجمع المسلمين في شتى العالم بعامة وفي المشرق الإسلامي بخاصة في جبهة واحدة. وهذه الجبهة تعمل تحت قيادة الخلافة في الأستانة " لتستظل بظلها، ولتعتصم بأمنها " (٢). وكان السلطان عبد الحميد وهو يخطط لفكرة الجامعة الإسلامية، يأمل في نجاحها لتعود له السيطرة على العالم الإسلامي وليكسب من وراء ذلك مكاسب سياسية على حساب الدين. ولماذا لا تنجح دعوته في تجميع المسلمين؟ لقد نجحت دعوات أخرى مماثلة قامت في مناطق تدين بالطاعة والولاء للخلافة العثمانية، ومع ذلك انتشرت وتوسعت وتجمع الناس حولها (٣).

стр. 1568

وحين أخذ السلطان عبد الحميد يعقد تلك المقارنة، كانت تجول في خاطره نجاح دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية. لقد وصلت إلى ما وصلت إليه بفضل الأساس الذي قامت عليه وهو الدعوة إلى الإصلاح الديني. وانتشرت دعوته انتشارا هائلا لأنها تمسكت بمبادئ السلف. وهي رغم القضاء على دولتها سياسيا بقوة الجيوش ومناورات السياسة (١)؛ فإنها ظلت صامدة. ولم يقتصر أمرها على أهل الجزيرة العربية فحسب، بل امتدت إلى خارجها. ففي المساحة الواسعة الممتدة من المحيط الهادي شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا؛ نجحت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أن تجد لها أنصارا. وانتشرت في الملايو وأندونيسيا والهند (باكستان والهند وبنجلاديش حاليا) ووادي النيل وشرق أفريقية والشمال الأفريقي وغربي أفريقية. بل ذهب الأمر إلى أكثر من ذلك حينما قامت في تلك الآونة دول إسلامية في أفريقية على أساس " الدعوة الإصلاحية " التي نادى بها الشيخ (٢). وحقيقة هامة يجب ألا تغيب عن أذهاننا، وهي أن العداء الذي قام في يوم من الأيام بين الدول العثمانية والدعوة الإصلاحية في مبدأ ظهورها. . قد امتد إلى سنوات عديدة بعد ذلك (٣). . وأصبح ذلك العداء التقليدي بالنسبة لهذه الدولة يتوارثه آل عثمان على امتداد تاريخهم وحتى زوال عهدهم بنهاية الحرب العظمى الأولى في عام ١٩٢٣ م. وعلى هذا النحو. . نجد السلطان عبد الحميد بعد حوالي نيف ومائة عام من قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوته الإصلاحية. . يأتي ليحارب الدعوة بدوره ويحاول تصفية وجودها. فإن كانت الحملات الحربية والمناورات السياسية وأساليب الدس لم تنجح في وقف تيارها. . فليستعمل لها الأسلوب الذي يناسبها - وهو القيام بدعوة دينية إصلاحية، يستقطب إليها جماهير المسلمين في أنحاء العالم. ولعل الأثر العميق الذي تركته دعوة الشيخ في نفوس السلاطين العثمانيين، هو أنها استطاعت مع الدولة السعودية الأولى أن تقف في وجه الدولة العثمانية وجها لوجه. . وتحرر قسما هاما من الإمبراطورية العثمانية وهو شبه جزيرة العرب. ثم دعوتها الشعوب العربية كي تتحرر هي الأخرى من سيطرة الباب العالي. وكانت هذه السياسة سببا في إثارة العداء والحقد اللذين توارثهما آل عثمان تجاه الدولة السعودية. وكان قيام السلطان العثماني بدعوته إلى قيام الجامعة الإسلامية لمنافسة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية يعني أنها كانت لا تزال تشكل خطورة كبيرة على زعامة الدولة العثمانية الروحية على العالم

стр. 1569

الإسلامي. فإنه رغم مرور أكثر من قرن على قيام هذه الدعوة الإصلاحية إلا أنها كانت تنتزع قسما كبيرا من نفوذ آل عثمان الديني، وتضم إلى جانبها قطاعا هاما من المسلمين الخاضعين لدولتهم. ومن هنا قرر السلطان عبد الحميد القيام بعمل إيجابي في مواجهة نشاط هذه الدعوة ووقفها عند حدها. وتحقيقا لهذا الهدف. . تعددت اجتماعات السلطان عبد الحميد منذ عام ١٢٧٧ هـ ١٨٦٠ م - لبحث ما يمكن اتخاذه من إجراءات لوقف تيار دعوة الشيخ. . ومنعه من الوصول إلى المسلمين في أنحاء العالم. وفي نفس الوقت إقناعهم بفكرة الجامعة الإسلامية كبديل لهذه الدعوة. وفي اجتماع سري عقده في الأستانة في أول صفر ١٢٧٧ هـ ١٩ أغسطس ١٨٦٠ م توصل الحاضرون إلى قرارات فيما يتعلق بهذا الأمر وهي: ١ - دعوة عدد من كبار الشخصيات في العالم الإسلامي، والتي تتمتع بمركز أدبي ونفوذ روحي في بلادها لزيارة الأستانة بدعوة من السلطان عبد الحميد. وهناك يعرض السلطان عليهم فكرة الجامعة الإسلامية - بوصفهم رعايا للدولة العثمانية - ويطلب إليهم استعمال نفوذهم في التأثير على مواطنيهم لينضووا تحت لواء الفكرة الجديدة، ويحاربوا أي اتجاه ديني آخر يستأثر باهتمامهم. ٢ - إرسال دعاة من قبل الخلافة العثمانية إلى سائر البلاد الإسلامية، وخاصة في تلك التي وصلت إليها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومحاولة فض المسلمين من حولها. ٣ - حشد العلماء والكتاب للكتابة ضد دعوة الشيخ، واتهامها بتهم جسيمة تنافي الدين فيكون ذلك سببا في بغض المسلمين لها. وقد تم تنفيذ ما انتهى إليه أمر ذلك الاجتماع. . ووصل بالفعل إلى الأستانة عدد من الشخصيات المعروفة في العالم الإسلامي آنذاك، ومن ذوي التأثير والفاعلية أمثال جمال الدين الأفغاني وأبو الهدى الصيادي وغيرهما. وهناك قربهم السلطان عبد الحميد إليه، وأغدق عليهم، وعرض عليهم مشروع الجامعة الإسلامية (١). وفي نفس الوقت، قامت الدولة العثمانية بإرسال عدد من الدعاة من قبلها إلى سائر البلاد الإسلامية

стр. 1570

لإقناع المسلمين بفكرة الجامعة الإسلامية على نطاق واسع، فوصل هؤلاء المبعوثون إلى مصر والسودان والمغرب والهند (الهند وباكستان وبنجلاديش حاليا) وأفغانستان والملايو للقيام برسالتهم التي تم الاتفاق على أهدافها في اجتماع السلطان عبد الحميد برجاله. هذه الأهداف تقضي بإقناع المسلمين في تلك الأقطار بأن السبيل الوحيد إلى إصلاح حالهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي هو إصلاح دينهم. وأن الجامعة الإسلامية قامت لهذا الغرض لتعيد إلى المسلمين قوتهم وحمايتهم من خطر الوقوع في قبضة الدول الغربية. وفي نفس الوقت يحذرون المسلمين مغبة " التردي في دعوة الوهابيين " وإلصاق التهم والمفتريات ضدها حتى يدللوا على صحة مفترياتهم واتهاماتهم. وتحقيقا لأسباب دعوة السلطان عبد الحميد ونجاحها. . بادر السلطان في تنفيذ عدد من المشروعات الإصلاحية في العالم الإسلامي لإشعار المسلمين بجديته في أمر إصلاحه لأمور المسلمين. فكان أن نفذ مشروع سكة حديد الحجاز، والإغداق بلا حساب على إصلاح المسجد الحرام، وإدخال التحسينات عليه. وقد وجدت الدعوة إلى الجامعة الإسلامية، وهي على ذلك النحو من الاتجاه الديني تقبلا في أول الأمر من الشعوب الإسلامية لشعورها بالحاجة الفعلية إلى التضامن لمواجهة ما كان يمر بالعالم الإسلامي من أحداث. واستجابت تلك الشعوب لدعوة السلطان عبد الحميد التي استغل فيها مشاعر المسلمين بوصفه حامي حمى الإسلام وخليفة المسلمين، وخادم الحرمين الشريفين. وفي اتجاه آخر نشطت الدولة العثمانية في تكتيل دعاتها وكتابها وعدد من الشخصيات الإسلامية والسائرين في ركابها لتأليف الكتب ونشر الرسائل على نفقتها ضد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته. فظهر عدد كبير من تلك الكتابات التي رصد لها مبالغ طائلة، تلصق الاتهامات بالشيخ، لتشوه بقدر الإمكان أمر الدعوة الإصلاحية التي نادى بها. وكان التركيز في تلك الحملة العدائية يتلخص في القول بأن دعوة الشيخ ما هي إلا دعوة إلى دين جديد. . وأن القائمين عليها قد أبطلوا الحج إلى بيت الله الحرام (١). واستمرت الحملة على ذلك النحو - وهي تجد من السلطان عبد الحميد العون والمساعدة والتشجيع. وكانت المؤلفات والرسائل التي تصدر في هذا الموضوع توزع في شتى أنحاء العالم الإسلامي. والقصد من ذلك غزوه فكريا على نطاق واسع في محاولة لتحطيم دعوة الشيخ وإزالة مكانتها من نفوس المسلمين.

стр. 1571

لكن المسلمين شعروا بعد قليل بالهدف الحقيقي من وراء فكرة الجامعة الإسلامية. وهو أن السلطان عبد الحميد قد اتخذ من مشروعه هذا وسيلة لتحقيق أغراض سياسية ومصلحة ذاتية. فلم يكن أمر الجامعة هذه إلا لتأكيد ملك السلطان وتثبيت عرشه وحكمه المطلق. . ولوقف نشاط الدعوات الإصلاحية الحقيقية التي قامت داخل الإمبراطورية العثمانية. وأن السلطان استغل الوازع الديني في نفوس المسلمين ليفرض سيطرته عليهم، ويعيد تشديد قبضة الأتراك على بلادهم (١). وكان الفرق ظاهرا بين فكرة " الجامعة الإسلامية " والدعوة التي خاصمتها وهي دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. فحركة الجامعة الإسلامية تفرق بين المسلمين عنصريا ليسود عنصر على عنصر، ودعوة الشيخ الإصلاحية تدعو إلى خلق وعي إسلامي حقيقي في المجتمعات الإسلامية لتنهض من كبوتها، ولتطهر الدين من البدع (٢). حتى الكتاب والدعاة الذين سخرهم السلطان عبد الحميد لمهاجمة دعوة الشيخ. . هؤلاء ما لبث أن كشف بعضهم الآخر. . وأوضح زيف ما يزعمه الآخرون بخصوص هذه الدعوة الإصلاحية. من ذلك ما كتبه المؤرخ التركي أحمد جودت؛ وهو من خصوم دعوة الشيخ؛ كتب معلقا على كتابات من زاملوه في الحملة على الشيخ ودعوته يقول: (إن الرد على الوهابيين يستوجب من الذين يتصدون لهم ثقافة واسعة ومعرفة بأحوال البلاد العربية، الدينية والسياسية والاجتماعية، ووقوفا على علوم الدين، واطلاعا واسعا على الحركات الفلسفية، ومقدرة على الجدل والإقناع، وأسلوبا بارعا في الكتابة. وكل أولئك مفقود عند العلماء الذين قاموا يردون على الوهابية ردودا مشحونة بالسخف والهراء ويقدمون إليها بأيديهم الوسيلة إلى السخر منهم ومحاربتهم بسلاحهم) (٣). وكان طبيعيا ألا تستمر فكرة الجامعة الإسلامية وهي على ذلك النحو من الاستغلال للدين وللمسلمين. فما لبث أن احتضرت بعد سنوات قليلة من قيامها. ثم كانت نهايتها مع الحرب العالمية الأولى. واستمرت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب باقية، قائمة على خدمة الإسلام، تحقق فكرة ابن خلدون القائلة: (بأن العرب البدو يستطيعون أن يؤلفوا قوة لها نشاطها ولها شأنها متى انقادوا إلى الدين. فمن يقارن بين مراحل ظهور الدين الإسلامي وانتشاره وبين مراحل ظهور الحركة الوهابية وانتشارها، وما سبق ظهورهما من جاهلية. . يجد أوجه الشبه واضحة) (٤).

стр. 1572

إن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي جعل وحدانية الله فوق كل شيء. . وحررت الدين من البدع. . قد تجاوبت أصداؤها في كل العالم الإسلامي من الهند شرقا إلى إفريقية الغربية وساحل الأطلسي غربا. وهي كحركة إسلامية تصحيحية لما انتشر من البدع والخرافات التي شوهت الإسلام وجرحت جماله قد أصبح لها أثر فعال في الحركات الإسلامية التي نشأت في المنطقة في أواخر القرن التاسع عشر والعشرين.

стр. 1573

عبد العزيز المسند الحرب والصلح في الإسلام يفضل الإسلام دائما السلم، ويميل إلى الصلح ما دام ممكنا، يدعو إليه، ويقبله حين التفاوض، ولو لم تكن الشروط والبنود كلها في صف المسلمين. وذلك لما في الحرب من ويلات وما تخلفه من آثار مؤلمة، ولكن إذا دعا الداعي فالمسلمون أسود، أركان حرب، صبر في اللقاء، صدق في العمل، يرون أن القتال جهاد في سبيل الله، نتيجته لهم فإما النصر وإما الشهادة. . . عن ذلك يقدمون على الحرب ولسان حالهم يقول: إذا لم يكن إلا الأسنة مركبا ... فما حيلة المضطر إلا ركوبها وقد حفل التاريخ بالأمثلة والشواهد على ذلك و (صلح الحديبية) حدث مهم في تلك الفترة من تاريخ المسلمين، وسنستعرض جوانب منه في هذا البحث.

стр. 1574

الوضع العام المسلمون الذين يحترمون المشاعر المقدسة، ويقدرونها حق قدرها ويعبدون الله عندها بعيدون عن (مكة) ومحرومون من الاقتراب منها وهم في دارهم الجديدة (المدينة المنورة). . وقريش في (مكة) يدعون أنهم حماتها، وسادات المقدسات، وهم لا يعرفون التعبد حولها، بل يعصون الله عندها، ويصدون عنها أحق الناس بها. . . والمسلمون ينتظرون الفرج ويستبطئون الإذن لهم بالاعتمار إلى البيت الحرام والطواف حول الكعبة، ولكن انتظارهم يطول. وتعلن قريش أن البيت مفتوح لكل أحد فيسارع المسلمون إلى الاستجابة ويقولون: نحن أولى الناس بالبيت فيقررون السفر إلى مكة بقصد العمرة واحترام البيت ورب البيت، وطبقا للشروط والترتيبات التي وضعها القرشيون لمن يريد أن يعتمر.

стр. 1575

مفاجأة محزنة توجه رسول الله ﷺ إلى مكة سائقا معه الهدي احتراما للبيت وتأكيدا لهدفه وصدق نيته، وليس معه سوى ألف ونيف ليس معهم سلاح. . . لكنه عندما قرب من مكة جاءته الأخبار بأن قريشا قررت صده عن البيت، وأنهم جمعوا له الجموع واستعدوا للحرب. . فلم يصدق ما سمع حتى رأى بنفسه الدليل على ما بيت له حينما لقيه خالد بن الوليد بمائتي فارس مقدمة لجيش القرشيين. . عند

стр. 1576

ذلك سارع رسول الله ﷺ لتغيير خط سيره ومال بمن معه ذات اليمين، ثم أمر بالنزول فجمع أصحابه. . فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال. «أما بعد: فإنه بلغني أن قريشا قد جمعت جموعها تريد أن تصدنا عن البيت فأشيروا علي بما ترون. .! أترون أن نعمد إلى الرأس - يريد أهل مكة - أو نعمد إلى الذين أعانوهم فنخالفهم إلى منازلهم فإن جلسوا جلسوا موتورين مهزومين وإن طلبونا طلبوا طلبا مدانيا ضعيفا فأخزاهم الله (١)». فقام أبو بكر وقال: نرى يا رسول الله أن نعمد إلى الرأس فإن الله - جل ثناؤه - ناصرك وإن الله معينك ومظهرك.

стр. 1577

احترام البيت أمر رسول الله ﷺ بالرحيل وتوجه إلى البيت وعندما اقترب من حدود الحرم بركت ناقته فقال الناس: خلأت. . - يعني حرنت وامتنعت - فقال رسول الله ﷺ . «ما خلأت وما الخلاء بعادتها ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة. . لا تدعوني قريش إلى تعظيم المحارم فيسبقوني إليه. . .! هلموا ها هنا (١)». . . فتأخر عن حدود الحرم وأخذ ذات اليمين حتى نزل في الحديبية على مقربة من الحرم وصار إذا حضر وقت الصلاة يأتي هو وأصحابه راجلين فيدخلون الحرم ويصلون ثم يعودون إلى منازلهم. . .

стр. 1578

بدء المفاوضات عندما علمت قريش بما فعل محمد. . اختارت رجلا من عقلائها هو حليس بن علقمة فبعثته لمقابلة محمد ومعرفة ما لديه. . فلما أخبر باسمه رسول الله ﷺ قال: «هذا رجل من قوم يعظمون الهدي فابعثوا له الهدي حتى يراه (١)» فسيقت الإبل في وجهه عليها علامات قلائد تدل على أنها مهداة للبيت. . فوقف مكانه يستعرضها فلم يكلم أصحاب رسول الله كلمة واحدة بل عاد أدراجه إلى مكة فقالت له قريش: ما وراءك؟ قال: أتى القوم بالهدي والقلائد. . وأقبلوا قاصدين البيت معظمين لحرماته ليس معهم سلاح فلا أراهم يصدون عن قصدهم. فشتمه قريش وقالوا له: إنما أنت أعرابي لا علم لك بهذه الأمور ولقد أخطأنا ببعثك أنت إليهم. ثم اختاروا عروة بن مسعود الثقفي الذي اشتهر بينهم بالعدالة والرأي وقالوا له: انطلق إلى محمد ولا نؤتى من قبل رأيك. . . فسار إليه عروة وقابله وقال له: يا محمد. .! جمعت أوباش الناس ثم سرت بهم إلى عترتك وبيضتك التي تفلقت عنك لتبيد خضراءهم. . تعلم أنني جئتك من عند كعب بن لؤي وعامر ابن لؤي قد لبسوا جلود النمور عند العوذ المطافيل يقسمون لا تعرض لهم خطة إلا عرضوا لك أمر منها. فقال رسول الله ﷺ : «إنا لم نأت لقتال. ولكن أردنا أن نقضي عمرتنا وننحر هدينا فهل لك أن تأتي قومك فإنهم أهلي وإن الحرب قد أخافتهم، وإنه لا خير لهم أن تأكل الحرب منهم إلا ما قد أكلت فيجعلون بيني وبينهم مدة يزيد فيها نسلهم ويؤمن فيها شرهم ويخلوا بيني وبين البيت فنقضي عمرتنا وننحر هدينا ويخلوا بيني وبين الناس فإن أصابوني فذلك الذي يريدون. .! وإن أظهرني الله عليهم اختاروا لأنفسهم إما قاتلوا معدين وإما دخلوا في السلم وافرين. . فإني والله لأقاتلن على هذا الأمر الأحمر والأسود حتى يمضي أمر الله أو تنفرد سالفتي. . . - رقبتي - (٢)». . . فلما سمع عروة مقالته رجع إلى قريش فقال: (تعلمن أنكم أخوالي وعشيرتي وأحب الناس إلي، ولقد استنفرت لكم الناس في المجامع فلما لم ينصروكم أتيتكم بأهلي حتى سكنت بين

стр. 1579

أظهركم إرادة أن أواسيكم، ولقد تعلمن أني أحب الحياة بعدكم، وتعلمن أني قد رأيت العظماء، وقدمت على الملوك، فأقسم بالله أني ما رأيت ملكا ولا عظيما أعظم في أصحابه من محمد. إن منهم رجل يتكلم حتى يستأذنه في الكلام فإن أذن له تكلم، وإن لم يأذن له سكت. ثم إنه ليتوضأ فيبتدرون وضوءه يصبونه على رؤوسهم يتخذونه حنانا). فلما سمعوا مقالة عروة داخلهم الرعب وفكروا في الأمر، وتراجعوا. . . وتشاوروا واجتمعوا الرجل والرجلين والجماعة والرهط. لقد شكوا في خبر الرسول الأول ولكن أنى لهم أن يشكوا في خبر عروة الرجل المخلص لهم العاقل المجرب. إذا في الأمر جديد، والمسألة تستحق التفكير. . وقد يتغير الرأي وتتحول القوة إلى ضعف. . والعنجهية إلى تودد. . والكبرياء إلى هوان. .

стр. 1580

ساعة الصفر أما في الجانب الآخر وفي جيش المسلمين فإنهم بعد سماعهم لحديث عروة، وموقفه المتصلب، وإدلاله بقوة قريش وتأكيده لتصميمهم بدأوا يتأكدون أن قريشا ستبيتهم وستبدأ القتال. . لكن قائدهم رسول الله ﷺ لم يأذن لهم بالقتال ولا باقتحام الحرم ولا بالمجابهة. وحتى يبلغ الأمر غايته يأتي خبر طائر من مكة ينبئ بأن عثمان بن عفان قد قتل، وقد غدر به أهل مكة. - وكان بعثه رسول الله ﷺ ليطمئن المستضعفين من المسلمين المتخلفين بمكة ويتفقد أحوالهم ويزور أهلا له هناك - عند ذلك ثارت ثائرة المسلمين واجتمعوا حول قائدهم يطلبون منه الإذن لهم بالقتال، ويؤكدون له خبر الغدر بعثمان، ويؤيد ذلك أن قريشا بعثت بخمسين فارسا يطوفون بجيش المسلمين ويعتدون على من شذ منهم. . . فوافق رسول الله على رد الاعتداء واستخلاص عثمان، والأخذ بدمه إن يكن قتل. . وهناك في الحديبية وعلى مقربة من حدود الحرم وقف رسول الله ﷺ تحت شجرة يبايعه أصحابه على الجهاد حتى الموت. . فيتقدم الرجل ويتلفظ بالمبايعة وهو يصافح رسول الله. . ولما انتهت المبايعة بآخر مصافح من الجند وضع رسول الله يده اليسرى على اليمنى وقال: هذه عن عثمان. . لقد كانت القلوب مخلصة حقا وكانت العزيمة صادقة والرغبة في الاستشهاد جامحة. . فأنزل الله في ذلك الموقف قرآنا يتلى على مدى الدهر حيث يقول:
следующие страницы →