(د) إن أسماء الله الحسنى الواردة في الكتاب والسنة مشتقة وغير جامدة كما بين ذلك ابن القيم ﵀ في كتابه بدائع الفوائد واحتج له، وبين أن المراد بالاشتقاق هو أن الاسم دال على صفة لله تعالى وليس علما محضا كما يزعم المعتزلة (١)، وقال في نونيته:
أسماؤه أوصاف مدح كلها ... مشتقة قد حملت لمعان
وعليه فإن المحسن مشتق من أحسن يحسن إحسانا، ومعناه أن الإحسان وصف لازم له لا يخلو موجود من إحسانه طرفة عين فلا بد لكل مكون من إحسانه إليه بنعمة الإيجاد ونعمة الإمداد.
والله -جل وعلا- يحب من خلقه أن يتقربوا إليه بمقتضى معاني أسمائه، فهو الرحمن يحب الرحماء، وهو الكريم يحب الكرماء، وهو المحسن يحب المحسنين.
قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢) البقرة / ١٩٥.
وقال تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (٣) القصص / ٧٧.
وقال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (٤) الرحمن / ٦٠.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٥) النحل / ١٢٨.
والإحسان من العبد هو أعلى مقامات الدين وأرفعها كما جاء ذلك في حديث جبريل المشهور، وفسر الإحسان في الحديث بأن يعبد العبد ربه كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإن الله -جل وعلا- يراه لا يخفى عليه منه شيء.
стр. 15963
(هـ) وأختم هذه النقاط بذكر ثلاث فوائد مهمة:
الأولى: إن أسماء الله غير محصورة في عدد معين، وعليه فإن جمع بعض أهل العلم لتسعة وتسعين اسما من أسماء الله الحسنى المذكورة في الكتاب والسنة لا يعني أنهم يرون حصرها في تلك الأسماء التي ذكروها، وإنما
стр. 15964
مرادهم تقريب هذه الأسماء إلى الراغبين في حفظها وفهمها والعمل بما تقتضيه، حيث قال ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة (١)» ز
الثانية: إن أسماء الله الحسنى المذكورة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين اسما كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢).
وعليه: فإن من جمع من أهل العلم تسعة وتسعين اسما من أسماء الله وجمع غيره أسماء أخرى، فوافقه الأول في بعضها وخالفه في بعض لا يعني ذلك أن ما اختلفا فيه بعضه ليس من أسماء الله لتجاوز ذلك التسعة والتسعين، بل قد يكون ما جمعاه كله من أسماء الله وإن جاوز التسعة والتسعين، وعلى كل فالعبرة في صحة ذلك الاسم أو عدمها قيام الدليل عليه من الكتاب والسنة.
الثالثة: أسماء الله توقيفية كما نص على ذلك جمع من أهل العلم وهو الحق والصواب ولا ريب في ذلك لأن الله بالنسبة لنا غيب لم نره فلا سبيل لنا أن نسميه بغير ما سمى به نفسه أو سماه به رسوله ﷺ ولأن تسميته بغير ذلك قول عليه بغير علم وهذا من أعظم المحرمات قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (٣) إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤) الأعراف / ٣٣. ولأن تسميته بغير ما سمى به نفسه أو سماه به رسوله ﷺ أحد أنواع الإلحاد في أسماء الله، وقد توعد الله الملحدين في أسمائه بقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥) الأعراف. الآية: ١٨٠.
هذا ما أردت جمعه في هذا الموضوع، وأسأل الله أن أكون قد وفقت إلى الصواب، والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 15965
فهرس المراجع
١ - إتحاف الورى لعمر بن فهد تحقيق د. عبد الكريم علي باز، نشر مركز إحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى، الأولى ١٤٠٨ هـ.
٢ - أخبار أصبهان لأبي نعيم. الدار العلمية، الهند، الثانية ١٤٠٥ هـ.
٣ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، للألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الأولى ١٣٩٩ هـ.
٤ - بدائع الفوائد لابن القيم، دار الكتاب العربي، بيروت.
٥ - تاريخ إربل لأبي البركات ابن المستوفى الإربلي، من منشورات وزارة الثقافة والإعلام العراقية، تحقيق سامي الصقار.
٦ - تاريخ دمشق للحافظ أبي القاسم بن عساكر مصور لنسخة خطية، اعتنى بنشره مكتبة الدار، المدينة ١٤٠٧ هـ.
٧ - تحفة الودود بأحكام المولود لابن القيم، دار الكلمة الطيبة، الأولى ١٤٠٣ هـ.
٨ - التدوين في أخبار قزوين للرافعي. ط المطبعة العزيزية، حيدر أباد، الهند، ١٤٠٤ هـ.
٩ - تقريب التهذيب لابن حجر، دار الرشيد سوريا، ١٤٠٨ هـ.
١٠ - التكملة لوفيات النقلة للمنذري، ط مؤسسة الرسالة، الثالثة.
١١ - التلخيص الحبير لابن حجر، إدارة البحوث الإسلامية بالجامعة السلفية، باكستان.
١٢ - التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي، المكتب الإسلامي، بيروت.
١٣ - جامع التحصيل في أحكام المراسيل للحافظ صلاح الدين العلائي، تحقيق حمدي السلفي. الدار العربية للطباعة، العراق ١٣٩٨ هـ.
١٤ - الجامع الصغير للسيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت.
١٥ - جامع العلوم والحكم لابن رجب، دار المعرفة، بيروت.
стр. 15966
تنبيه على نشرة مكذوبة
يروجها بعض الجهلة
الحمد لله والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه. أما بعد:
فقد اطلعت على نشرة مكذوبة يروجها بعض الجهلة وقليلو العلم والبصيرة في دين الله. ونص هذه النشرة (بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد ﵊، وعلى آله وصحبه وسلم. قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١) صدق الله العظيم. أخي المسلم أختي المسلمة. مرضت فتاة عمرها (١٣) عاما مرضا شديدا عجز الطب عن علاجها وفي ذات ليلة اشتد بها المرض فبكت حتى غلبها النوم، فرأت في منامها أن السيدة زينب ﵂ وضعت في فمها قطرات، فاستيقظت من نومها، وقد شفيت من مرضها تماما. وطلبت منها السيدة زينب ﵂ أن تكتب هذه الرواية (١٣) مرة وتوزعها على المسلمين للعبرة في قدرة الخالق جلت قدرته وتجلت في آياته ومخلوقاته وتعالى عما يشركون، فنفذت الفتاة ما طلب منها وقد حصل ما يلي:
١ - النسخة الأولى وقعت بيد فقير فكتبها ووزعها وبعد مضي (١٣) يوما شاء المولى الكريم أن يغتني هذا الفقير.
٢ - النسخة الثانية وقعت في يد عامل فأهملها وبعد مضي (١٣) يوما فقد عمله.
٣ - النسخة الثالثة وقعت في يد أحد الأغنياء فرفض كتابتها وبعد مضي (١٣) يوما فقد كل ما يملك من ثروة.
стр. 15967
بادر أخي المسلم أختي المسلمة بعد الإطلاع على هذه الرواية في كتابتها (١٣) مرة وتوزيعها على الناس قد تنال ما تتمنى من المولى الكريم جل شأنه وتعاظمت قدرته. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين). اهـ.
ولما اطلعت على هذه النشرة المفتراة، رأيت أن من الواجب التنبيه على أن ما زعمه كاتبها من ترتب فوائد ومصالح لمن قام بكتابتها وترويجها، وترتب مضار لمن أهملها ولم يقم بنشرها، كذب لا أساس له من الصحة، بل هي من مفتريات الكذابين والدجالين الذين يريدون صرف المسلمين عن الاعتماد على ربهم سبحانه في جلب النفع ودفع الضر وحده لا شريك له مع الأخذ بالأسباب الشرعية والمباحة إلى الاعتماد والاتجاه إلى غيره في طلب جلب النفع ودفع الضر والأخذ بالأسباب الباطلة غير المباحة وغير المشروعة وإلى ما يدعو إلى التعلق على غير الله سبحانه وعبادة سواه. ولا شك أن هذا من كيد أعداء المسلمين الذين يريدون صرفهم عن دينهم الحق بأي وسيلة كانت. وعلى المسلمين أن يحذروا هذه المكائد ولا ينخدعوا بها كما أنه يجب على المسلم ألا يغتر بهذه النشرة المزعومة وأمثالها من النشرات التي تروج بين حين وآخر وسبق التنبيه على عدد منها ولا يجوز للمسلم كتابة هذه النشرة وأمثالها والقيام بتوزيعها بأي حال من الأحوال، بل القيام بذلك منكر يأثم من فعله، ويخشى عليه من العقوبة العاجلة والآجلة. لأن هذه من البدع والبدع شرها عظيم وعواقبها وخيمة وهذه النشرة على هذا الوجه من البدع المنكرة، ومن وسائل الشرك، والغلو في أهل البيت وغيرهم من الأموات، ودعوتهم من دون الله والاستغاثة بهم واعتقاد أنهم ينفعون ويضرون من دعاهم أو استغاث بهم، ومن الكذب على الله سبحانه، وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (١) وقال النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٢)»، متفق على صحته. فالواجب على جميع المسلمين الذين تقع في أيديهم هذه النشرة وأمثالها تمزيقها وإتلافها وتحذير الناس منها، وعدم الالتفات إلى ما جاء فيها من
стр. 15968
وعد أو وعيد؛ لأنها نشرات مكذوبة لا أساس لها من الصحة ولا يترتب عليها خير ولا شر، ولكن يأثم من افتراها ومن كتبها ووزعها ومن دعا إليها وروجها بين المسلمين؛ لأن ذلك كله من باب التعاون على الإثم والعدوان الذي نهي الله عنه في محكم كتابه بقوله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١).
نسأل الله لنا وللمسلمين السلامة والعافية من كل شر، وحسبنا الله ونعم الوكيل على من افترى هذه النشرة وأمثالها وأدخل في شرع الله ما ليس منه، ونسأل الله أن يعامله بما يستحق لكذبه على الله، وترويجه الكذب، ودعوته الناس إلى وسائل الشرك، والغلو في الأموات، والاشتغال بما يضرهم ولا ينفعه، وللنصيحة لله ولعباده جرى التنبيه على ذلك.
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 15969
حديث شريف
«عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به (١)»
رواه مسلم
المشرف العام
سماحة الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
لجنة الإشراف
الدكتور
عبد العزيز بن محمد العبد المنعم
الدكتور
عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين
الشيخ
أحمد بن عبد الرزاق الدويش
الدكتور
محمد بن سعد الشويعر
стр. 15972
مجلة البحوث الإسلامية
مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - الرياض
الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء
رئيس التحرير
د. محمد بن سعد الشويعر
مجلة فصلية تعنى بالبحوث الإسلامية
تصدر كل أربعة أشهر مؤقتا
стр. 15973
المحتويات
الافتتاحية:
العناية بالتراث الإسلامي الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧
بحث اللجنة:
أنواع البيوع التي يستعملها كثير من الناس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٢١
الفتاوى:
فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١١٣
فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ١٦٧
стр. 15974
البحوث:
ذم الغلو د / الوليد بن عبد الرحمن آل فريان ١٧٩
بعض أنواع الشرك الأصغر د. عواد بن عبد الله المعتق ١٩٧
المبادرة والمسابقة إلى الأعمال الصالحة د / عبد الله بن مرحول السوالمة ٢٤٧
بطلان أدلة المجاز مصطفى عيد الصياصنة ٢٩٩
الرضاع وأحكامه محمد عودة السلمان ٣١٩
حكم الاستعانة بالكفار في قتال الكفار الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٥١
стр. 15975
صفحة فارغة
стр. 15976
الافتتاحية
العناية بالتراث الإسلامي (١)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين. .
أما بعد:
فإن مما لا شك فيه أن التراث الإسلامي أمره مهم والعناية به واجبة، وعلى رأس هذا التراث كتاب الله وسنة رسوله محمد ﵊، فهما أعظم تراث، وأفضل تراث، وأنفع تراث، وهما أصل دين الإسلام وأساسه، خلفهما لنا رسولنا ونبينا وإمامنا محمد بن عبد الله عليه من ربه الصلاة والتسليم، والله يقول في كتابه العظيم: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (٢)، وعلى رأس المصطفين رسوله الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، ثم صحابته الكرام ثم أتباعهم بإحسان، جعلنا الله وإياكم من أتباعهم بإحسان.
فكتاب الله فيه الهدى والنور، وهو أعظم التراث، وأفضل التراث وأصدقه، فيه الهدى والنور، فيه الدلالة على كل خير، والتحذير من كل شر، فيه الدعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال والتحذير من سيئ الأخلاق وسيئ الأعمال، يقول الله عز
стр. 15977
وجل في وصف نبيه ﷺ في سورة القلم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١) وصف نبيه ﷺ بأنه (على خلق عظيم) وهذا الخلق العظيم وصفته السيدة عائشة ﵂ بقولها: «كان خلقه القرآن (٢)» لما سئلت عن ذلك، والأمر كما قال الله عنه، فإن خلقه هو القرآن، ممتثلا لأوامره، وينتهي عن نواهيه، ويدعو إليه، ويعمل بالصفات التي أثنى على أهلها القرآن، ويبتعد عن الصفات التي ذم أهلها القرآن، هكذا كان ﷺ ، على هذا الخلق العظيم، من امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، والدعوة إلى سبيله، كان ﷺ مثلا أعلى في الأخلاق الفاضلة، والأعمال الصالحة، والصفات الحميدة، فهو خير الناس، وأفضلهم، وأكملهم علما وسيرة وخلقا، وأصدقهم قيلا، وأحسنهم عملا، ﵊، وهو ﷺ يدعو إلى ما يدعو إليه القرآن العظيم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٣) ويقول سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٤) ويقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ (٥) فهو تبيان لكل شيء أوضح الله فيه كل شيء إجمالا وتفصيلا وجعله هدى وشفاء، جعله سبحانه هدى وشفاء للناس، شفاء لما في الصدور، من أمراض الشرك والكفر والحسد والكبر والنفاق، وشفاء للأبدان من أمراض كثيرة تستعصي على الأطباء ويشفيها القرآن، يقول جل وعلا:
стр. 15978
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، ويقول جل وعلا: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (٢).
فالواجب على أهل الإسلام العناية بهذا الكتاب العظيم، وحفظه والمذاكرة فيه، وتدبر معانيه، ونقل ألفاظه ومعانيه للناس كما أنزل؛ لأن فيه الهدى والنور، فيه الدلالة على كل خير، فيه الدعوة لكل ما ينفع العباد والبلاد، وفيه الترهيب من كل سوء.
ولهذا أوصى ﷺ في خطبة حجة الوداع بهذا الكتاب العظيم فيما رواه مسلم في الصحيح من حديث جابر ﵁، أنه ﷺ خطب الناس يوم عرفة، وقال في خطبته: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله (٣)». وفي رواية الحاكم وغيره: «كتاب الله وسنتي».
فالاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ هو السبيل الوحيد للنجاة وهو الصراط المستقيم، فالواجب على أهل الإسلام بل على جميع المكلفين أن يدخلوا في دين الله وأن يلتزموا بدين الله وأن يعتصموا بهذا الكتاب العظيم والسنة المطهرة، وذلك فرض على جميع المكلفين من الجن والإنس، من العرب والعجم، من الذكور والإناث، والأغنياء والفقراء، والحكام والمحكومين، فرض عليهم جميعا أن يدخلوا في دين الله، وهو الإسلام، كما
стр. 15979
قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (١)، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ (٢). فرض عليهم أن يدخلوا في دين الله وأن يعتصموا بكتابه وهو القرآن، وبسنة الرسول الصحيحة الثابتة عنه ﷺ وليس لهم أن يحيدوا عن ذلك.
فالواجب على اليهود والنصارى، وعلى جميع المشركين، وعلى جميع أصناف الكفرة - الواجب على الجميع أن يدخلوا في دين الله وأن يلتزموا به، وهذا هو التراث الذي فيه سعادتهم إذا عقلوا.
وعلى أهل الإسلام الذين من الله عليهم بالإسلام أن يحمدوا الله على ذلك ويشكروه وأن يستقيموا على دينهم، وأن يحفظوا تراثهم العظيم، ويتواصوا به كثيرا ويتدبروه ويتعقلوه ويعملوا به، كما قال : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٤)، وقال : ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٥).
فالواجب على جميع المكلفين أن يدخلوا في دين الله (الإسلام) وأن يلتزموا به، وأن يخضعوا لأوامر الله وينتهوا عن نواهيه ويلتزموا بهذا الكتاب العظيم فيدينوا به، ويؤمنوا به، ويعملوا به مع سنة الرسول ﷺ فإنها الوحي الثاني.
стр. 15980
وهذا التراث هو أعظم تراث ولا نجاة للعالم ولا سعادة للعالم إلا بحفظ هذا التراث والتفقه فيه، والاستقامة عليه، والدعوة إليه علما وعملا، وعقيدة، وخلقا، وسيرة، فكتاب الله فيه الهدى والنور، وفي سنة رسوله ﷺ بيان ما قد يخفى، مع بيان أحكام جاءت بها السنة لم تذكر في كتاب الله، وأحكام فصلتها السنة لم تفصل في كتاب الله، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١)، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢).
فالله أنزل الكتاب عليه تبيانا لكل شيء، وأمره سبحانه أن يبين للناس وأن يشرح لهم ما قد يخفى عليهم، وأن يوضح لهم ما قد يختلفون فيه، حتى يرجعوا إلى الصواب، وحتى يستقيموا على الهدى. وقد بلغ البلاغ المبين ﵊، وأدى الأمانة ونصح الأمة، حتى قال لهم يوم عرفة بعد ما خطبهم وبين لهم ما يجب عليهم في حجهم، وبين لهم أمورا أخرى تهمهم وتهم المسلمين جميعا فيما يتعلق بالربا وأمور الجاهلية وبتحريم الدماء والأموال والأعراض، وما يتعلق بالنساء والوصية بهن خيرا وبيان حقوقهن على أزواجهن وحق أزواجهن عليهن - قال بعد ذلك وبعد ما أوصاهم بالقرآن: «وأنتم تسألون عني فما أنتم
стр. 15981
قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فرفع أصبعه إلى السماء فقال: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد (١)»، يستشهد ربه وهو فوق العرش، فوق جميع المخلوقات ، يستشهده عليهم، وكل عالم يشهد، وكل مسلم يشهد بأنه بلغ الرسالة، وكل مسلم عرف دين الله يشهد لهذا النبي الكريم أنه أدى الرسالة وأدى الأمانة وبلغ البلاغ المبين ﵊.
فعلينا جميعا معشر المسلمين، ومعشر طلاب العلم ومعشر العلماء، على الجميع أن يعظموا هذا التراث العظيم، وأن يحببوه إلى الناس ويذكروهم بهذا التراث ويتمسكوا به، ويعضوا عليه بالنواجذ، ويعملوا به مع سنة الرسول ﷺ ، فإنها الوحي الثاني، الموضح لكتاب الله، والدال على أحكام أخرى، أوحاها الله لنبيه ﵊. وهذا التراث العظيم، كتاب الله وسنة رسوله ﵊: هما أعظم التراث، وهما أهم التراث والواجب العناية بهما، والوصية بهما والتمسك بهما قولا وعملا وعقيدة، في السر والجهر، في الشدة والرخاء، في الصحة والمرض، في السفر والإقامة، من الذكور والإناث، من العرب والعجم، من الجن والإنس، من الحكام والمحكومين، من الأغنياء والفقراء، على هؤلاء جميعا أن يعملوا بهذا القرآن وسنة رسول الله المطهرة، وأن يحفظوا هذا التراث حفظا يتضمن العمل والنصيحة، والدعوة إلى هذا التراث والاستقامة على معناه
стр. 15982
والحرص على تبليغه لجميع العالم، وبكل الطرق وبجميع الوسائل المرئية والمسموعة والمقروءة، يقول : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١).
ويقول : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢)، ويقول جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٣) ويقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٤)»، ويقول ﷺ : «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا (٥)». ويقول ﷺ «لما بعث عليا إلى خيبر وأمره أن يدعو أهلها - وهم اليهود - إلى الإسلام قال ﷺ : فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (٦)» متفق على صحته.
فسيرته ﷺ وأقواله وأعماله وتقريراته كلها من التراث وكلها من السنة، فالواجب العناية بذلك، والحرص على كتب السنة، فكتب السنة من أعظم التراث، وإن السنة التي جاءت عن الرسول ﷺ من قوله وعمله وتقريراته وغزواته وغير ذلك يجب على أهل الإسلام والعلماء على الوجه الأخص والحكام وطلبة العلم العناية بها، ومن ذلك الكتب الإسلامية المشتملة على
стр. 15983
تفسير كتاب الله وبيان معناه، والمشتملة على أحاديث الرسول ﷺ ومغازيه وغير ذلك، كالصحيحين، والسنن الأربع، وموطأ مالك، ومسند أحمد، وكتب الحديث، فإنها أعظم التراث، وأفضل التراث، وأهم التراث بعد كتاب الله، وإنها الحافظة للسنة، والمبلغة لها وهي الوحي الثاني. فالواجب على أهل الإسلام العناية بها وبأصولها ومخطوطاتها الصحيحة؛ لأنها مرجع يرجع إليها عند الحاجة، عند الاختلاف.
стр. 15984
ومن أعظم العناية بالتراث، العناية بالمخطوطات الحديثية، والمخطوطات التفسيرية، والمخطوطات الفقهية لأئمة الإسلام المعروفين المحتج بهم والمعمول بأقوالهم، فالعناية بها من أهم العناية، وهكذا كتب اللغة العربية والقواعد العربية، وكتب التاريخ الإسلامي، والسيرة النبوية، كلها تجب العناية بها، حتى تنقل سليمة صافية، سليمة من عبث العابثين وكذب الكذابين، وفد عني علماء الإسلام في ذلك، وبينوا ما أدخله الكذابون في أحاديث الرسول ﷺ ، وما وضعه الواضعون من الكتب الباطلة، فقد عني أهل العلم بذلك، فعلينا أيضا أن نسير على نهجهم، وعلينا أن نعنى بهذا التراث العظيم ونبين الحق من الباطل ونبين الصالح من الزائف، ونحرص على العناية بالكتب السليمة المفيدة، من كتب الحديث والتفسير والفقه الإسلامي، والقواعد العربية وغيرها من الكتب النافعة، حتى الكتب الأخرى التي تنفع المسلمين في أمور دنياهم والمتلقاة عن
стр. 15985
أهل الثقة والبصيرة في شئونهم؛ لأن الناس في حاجة إلى أن يعرفوا شئون دنياهم ويستعينوا بها على طاعة الله، وكل شيء ينفع المسلمين ويعينهم على حفظ دينهم، وحفظ كتاب ربهم وسنة نبيهم ﵊، ويعينهم على الإعداد للأعداء - فهو مهم، ومن التراث الذي يجب أن يحفظ ويعتنى به، والله يقول سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (١).
فالكتب التي ألفها الأقدمون من المسلمين أو ألفها غير المسلمين وتنفع المسلمين وتعينهم على الإعداد لعدوهم في شتى العلوم الدنيوية يعتنى بها أيضا إن كانت تنفع المسلمين وتعينهم على إعداد القوة والاجتهاد فيما ينفعهم في دينهم، ويقوي جندهم وجهادهم ضد عدوهم.
ومن أعظم ذلك العناية أيضا بأخلاق النبي ﷺ ، وسيرة أصحابه وسيرة أهل العلم حتى يقتدى بهم في الخير؛ لأن العلم المقصود منه العمل، علينا أن نعنى بالسلف الأخيار وعلى رأسهم نبينا محمد ﵊ في أخلاقه وسيرته، وقيامه، وصلاته، وغير ذلك، وسيرة أصحابه وأعمالهم الطيبة وغزواتهم وجهادهم وتعليمهم وإرشادهم وما كانوا عليه من بث العلم، ونشره، وحلقات العلم في المساجد وما كان عليه أهل العلم من النشاط في ذلك، والعناية بذلك حتى يتأسى الآخر بالأول، وحتى يلحق الآخر بالأول، بالعمل الصالح والعلم النافع
стр. 15986
والسيرة الحميدة، والبلاغ للحق وإيثاره على ما سواه، وكل أمر سلكه الأخيار القدامى مما ينفع المسلمين ويعينهم على تنفيذ أمر الله والوقوف عند حدوده يعتنى به.
أما ما ألصقه الجهلة أو الأعداء بالإسلام فيجب التنبيه عليه حتى يتبين براءة الإسلام منه وحتى لا يلصق بالتراث الإسلامي ما ليس منه، كما فعل الجهلة والمشركون من إحداث الأبنية على القبور، واتخاذ المساجد على القبور، فهذا ليس من شأن الإسلام، والإسلام يحارب هذا، يحارب البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها؛ لأنها من وسائل الشرك كما فعلت اليهود والنصارى، وتابعهم كثير من هذه الأمة: من الجهلة والمبتدعة، حتى بنوا على القبور واتخذوا عليها المساجد والقباب، وحصل الشرك بسبب ذلك، فيجب أن ينبه على أنها ليست من الإسلام، وليست من التراث الإسلامي، ويجب إنكار ذلك والقضاء عليه، وهكذا الصلاة عند القبور والدعاء عندها، وتحري القراءة عندها - من وسائل الشرك، يجب أن ينبه على هذا، ويبين أنها ليست من التراث الإسلامي، بل هي مما أحدثه الجهلة وأنكره الإسلام، وهكذا ما أحدثه بعض الناس من الاحتفال بالموالد، ويزعمون أنه من التراث، وهذا غلط ليس من التراث الإسلامي وإن فعله كثير من المسلمين في أمصار كثيرة جهلا وتقليدا، فالاحتفال بالموالد من البدع المحدثة في الدين بعد القرون المفضلة، وليس من التراث الإسلامي، وهو من التراث المبتدع، وهكذا الاحتفال بجميع الآثار التي يدعو
стр. 15987
إليها دعاة الشرك، سواء كانت صخرة أو شجرة أو غير ذلك مما يعظمه الجهال أو يتبركون به، كل هذا مما ينافي الإسلام وهو ضد الإسلام.
ولما بلغ عمر ﵁ أن أناسا يقصدون الشجرة التي بويع تحتها الرسول ﷺ ويصلون عندها خاف عليهم وأمر بقطعها سدا لذرائع الشرك، ولما بلغه أن جثة في فارس تنسب إلى دانيال نبي الله وأن هناك من يغلو فيها من الأعاجم وبلغه جيشه ذلك، أمر بأن يحفر بالليل بضعة عشر قبرا ثم يدفن في أحدها ثم تسوى ليلا حتى لا يعرف وحتى لا يغلى فيه ولا يعبد. والمقصود أن الغلو في القبور بالبناء عليها والصلاة عندها، والعكوف عليها واتخاذ المساجد عليها ليس من التراث الإسلامي، بل هو من التراث الذي نهى عنه الإسلام وأنكره وحذر منه، وهو من وسائل الشرك، وهكذا فقد توجد أصنام في بعض البلدان أو بعض الدول تنسب إلى الأنبياء أو تنسب إلى الإسلام يجب أن يعلم أنها خطأ وضلال، وأن جميع الأنبياء وجميع الرسل كلهم عليهم الصلاة والسلام دعوا إلى توحيد الله وإلى الإسلام الذي هو إخلاص العبادة لله وحده، وكلهم يحاربون الأصنام، وأولهم نوح ﵊، حارب ما يعبد من غير الله ونهى قومه عن ذلك، وحذر من عبادة ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، لما وقع الشرك بهم بسبب الغلو، فيجب التنبه لهذا الأمر، ويجب على طلاب العلم وأهله النهي عن ذلك حتى لا يدخل في
стр. 15988
الإسلام ما ليس منه، ويجب أن يعرف التراث الإسلامي وأنه ما ثبت بكتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ومما شرعه الله لعباده أو أجمع عليه المسلمون هذا هو التراث الإسلامي. أما ما ابتدعه المبتدعون وأحدثه المحدثون من عبادات أو أماكن تعظم أو أشجار وغير ذلك - فهذه لا يجوز أن تنسب إلى الإسلام ويقال إنها تراث إسلامي، بل يبين أنها بدع، وأنه من الواجب الحذر منها كما قال ﵊ في الحديث الصحيح: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (١)» متفق على صحته، وقال ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢)» أخرجه مسلم في صحيحه.
والخلاصة أن المقصود من التراث الإسلامي هو ما بعث به نبينا ﵊ من الهدى ودين الحق والكتب التي ألفت في ذلك، مما ينفعنا والمخطوطات الموجودة في ذلك، وهكذا كل ما نريده ونأخذ به ونستعين به على طاعة الله وعلى الإعداد لأعداء الله، أما ما يخالف ديننا فهو ليس من الإسلام في شيء، بل يجب أن يحارب ويبتعد عنه، ويحذر منه على حسب ما تقتضيه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة ومن إجماع أهل العلم.
وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يمنحنا وإياكم الفقه في الدين والثبات عليه، وأن يصلح أحوالنا جميعا، وأن يوفق جميع المسلمين في كل مكان للفقه في الدين والثبات
стр. 15989
عليه وأن يولي عليهم خيارهم، ويصلح قادتهم، ويوفق جميع ولاة الأمر من المسلمين إلى الأخذ بشريعته والتحاكم إليها وإنكار ما خالفها، إنه جل وعلا جواد كريم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعهم بإحسان.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
стр. 15990
صفحة فارغة
стр. 15991
أنواع البيوع التي يستعملها كثير من الناس
إعداد: اللجنة العلمية للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله وصحبه، وبعد: -
فبناء على ما جاء في الأمر السامي رقم ٣٠٨٩١ في ٢٠/ ١٢ / ١٣٩٦ هـ من الرغبة في دراسة مجلس هيئة كبار العلماء للمعاملات التي يستغلها بعض التجار في المداينات لحصولهم على مكاسب مالية بطرق ملتوية لا تتفق ومبدأ المعاملات الشرعية في البيع والاقتراض، والنظر فيما إذا كان بالإمكان إيجاد بديل للحد من جشع أمثال هؤلاء واستغلالهم للمحتاجين من الناس، وبناء على ما قرره المجلس في دورته العاشرة من إعداد بحث في هذا الموضوع فقد أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في أنواع من البيوع التي يستعملها كثير من الناس وهي قد تؤدي إلى الوقوع في الربا المحرم وهي: -
- بيع العينة والتورق.
- بيع دين السلم.
- بيع بيعتين في بيعة.
- بيع المضطر.
- بيع الإنسان ما ليس عنده وبيعه ما اشتراه قبل قبضه.
بيان ما يمكن القضاء به على جشع التجار الذين يحتالون بأنواع من البيوع المحرمة على استغلال حاجة المضطرين.
وفيما يلي الكلام على كل منها والله الموفق.
стр. 15992
- تمهيد -
أولا: الأصل في المعاملات الإباحة حتى يثبت من أدلة الشرع ما يخرجها عن هذا الأصل.
ثانيا: من القواعد الفقهية العامة المتفق عليها أن الأمور تعتبر بمقاصدها لقول النبي ﷺ «إنما الأعمال بالنيات. (١)». . . . . الحديث، وعلى هذا يجب سد ذرائع الشر والفساد، وإبطال الحيل التي يتوصل بها إلى تحليل المحرمات، وإباحة المنكرات.
ثالثا: الأصل في المعاوضات المالية التقابض، ويجب ذلك فيما إذا كان العوضان ربويين، ولو اختلفا صنفا لحديث عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد (٢)» رواه أحمد ومسلم، غير أن الدليل من القرآن والسنة القولية والعملية قد دل على جواز تأجيل أحد العوضين في الجملة إذا كان الثمن ذهبا أو فضة، وكان الآخر طعاما أو عقارا أو عروضا أخرى أو كان كل من العوضين أو أحدهما غير ربوي، قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٣) الآيتين. وروى ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم (٤)» رواه الجماعة، وعن أنس ﵁ قال: «رهن النبي ﷺ درعا عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرا وإهالة (٥)» رواه أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجه، وعن عائشة ﵂ «أن النبي
стр. 15993
- ﷺ اشترى طعاما من يهودي إلى أجل ورهنه درعا من حديد (١)» وفي لفظ «توفي رسول ﷺ الله ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير (٢)» رواهما البخاري ومسلم.
لكن من ضعف في نفسه الوازع الديني، وأصيب بداء الجشع من التجار ومن في حكمهم قد يتبايعون بيوعا صورية، يحاولون بها إحلال ما حرم الله من الربا، وقد ينتهزون فرص الحاجة أو الضرورة فيبيعون بأسعار باهظة إلى أجل أو يشترون بضاعة مؤجلة بثمن بخس منقود إلى غير ذلك مما فيه تحكم الموسر بالمعسر، واستغلال ظروف حاجة الضعفاء والمضطرين فاقتضى ذلك بحث أنواع من عقود البيع لبيان ما يجوز منها وما يمتنع أو تحوم حوله الريبة وتبصير الناس بذلك، وبعث الوعي فيهم، والنصح لهم ثم إيجاد الحلول الناجحة لكف عبث العابثين والقضاء على حيل المحتالين للتلاعب بالشريعة والإضرار بالناس وأكل أموالهم بالباطل. ومن البيوع التي قد يدخلها انتهاز الفرص والاستغلال ويتأتى فيها التمويه والاحتيال بيوع الآجال والعينة والتورق وبيع المسلم فيه وبيع المضطر وبيع بيعتين في بيعة وبيع الإنسان ما ليس عنده وبيع ما اشتراه قبل قبضه، وفيما يلي تحديد معنى كل منها وذكر آراء الفقهاء في حكمه مع التوجيه والمناقشة وبيان ما قد يدخله من احتيال يغير حكمه.
стр. 15994
(العينة والتورق)
تعريف العينة والتورق لغة وشرعا:
العينة: بكسر العين المهملة ثم ياء تحتية ساكنة ثم نون قال الجوهري: العينة بالكسر السلف، وقال في القاموس: وعين أخذ بالعينة بالكسر أي السلف أو أعطى بها، قال: والتاجر باع سلعته بثمن إلى أجل ثم اشتراها منه بأقل من ذلك الثمن. اهـ.
قال الرافعي: وبيع العينة هو أن يبيع شيئا من غيره بثمن مؤجل ويسلمه إلى المشتري ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن نقد أقل من ذلك القدر اهـ. قال ابن رسلان في شرح السنن: وسميت هذه المبايعة عينة لحصول النقد لصاحب العينة لأن العين هو المال الحاضر، والمشتري إنما يشتري بها ليبيعها بعين حاضرة، تصل إليه من فوره ليصل بها إلى مقصوده. اهـ. من نيل الأوطار.
وأما التورق فقال صاحب القاموس:
وتورقت الناقة أكلت الورق، وما زلت منك موارقا: قريبا مدانيا، والتجارة مورقة للمال كمجلبة: مكثرة.
ويأتي زيادة بيان لذلك فيما نقل من آراء الفقهاء في الفقرة الثانية إن شاء الله.
آراء الفقهاء في حكم العينة والتورق مع التوجيه والمناقشة:
أ - قال صاحب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١) في الكلام على ما حرم احتياطا لما فيه من شبهة الربا، لحديث «الحلال بين والحرام بين
стр. 15995
وبينهما أمور مشتبهات (١)» وحديث «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (٢)».
قال: وعلى هذا يخرج ما إذا باع رجل شيئا نقدا أو نسيئة وقبضه المشتري ولم ينقد ثمنه أنه لا يجوز لبائعه أن يشتريه من مشتريه بأقل من ثمنه الذي باعه منه عندنا، وعند الشافعي ﵀ يجوز.
وجه قوله أن هذا بيع لمستجمع شرائط جوازه، وخلا عن الشروط المفسدة إياه فلا معنى للحكم بفساده كما إذا اشتراه بعد نقد الثمن.
ولنا ما روي أن امرأة جاءت إلى سيدتنا عائشة ﵂ وقالت: (إني ابتعت خادما من زيد بن أرقم بثمانمائة ثم بعتها منه بستمائة، فقالت سيدتنا عائشة ﵂: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت أبلغي زيدا أن الله تعالى قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب.
ووجه الاستدلال به من وجهين:
أحدهما: أنها ألحقت بزيد وعيدا لا يوقف عليه بالرأي، وهو بطلان الطاعة بما سوى الردة فالظاهر أنها قالته سماعا من رسول الله ﷺ ولا يلتحق الوعيد إلا بمباشرة المعصية فدل على فساد البيع لأن البيع الفاسد معصية.
والثاني: أنها ﵂ سمت ذلك بيع سوء وشراء سوء، والفاسد هو الذي يوصف بذلك لا الصحيح، ولأن في هذا البيع شبهة بالربا؛ لأن الثمن الثاني يصير قصاصا بالثمن الأول فبقي من الثمن الأول زيادة لا يقابلها عوض في عقد المعاوضة، وهو: تفسير الربا إلا أن الزيادة ثبتت بمجموع العقدين فكان الثابت بأحدهما شبهة والشبهة في هذا الباب ملحقة بالحقيقة، بخلاف ما إذا نقد الثمن لأن المقاصة لا تتحقق بعد الثمن فلا تتمكن الشبهة بالعقد، ولو نقد الثمن كله إلا شيئا قليلا فهو على الخلاف.
ولو اشترى ما باع بمثل ما باع قبل نقد الثمن جاز بالإجماع لانعدام
стр. 15996
الشبهة وكذا لو اشتراه بأكثر مما باع قبل نقد الثمن، ولأن فساد العقد معدول به عن القياس وإنما عرفناه بالأثر، والأثر جاء في الشراء بأقل من الثمن الأول فبقي ما وراءه على أصل القياس.
هذا إذا اشتراه بجنس الثمن الأول فإن اشتراه بخلاف الجنس جاز؛ لأن الربا لا يتحقق عند اختلاف الجنس إلا في الدراهم والدنانير خاصة استحسانا، والقياس أن لا يجوز (١) لأنهما جنسان مختلفان حقيقة فالتحقا بسائر الأجناس المختلفة.
وجه الاستحسان أنهما في الثمنية كجنس واحد فيتحقق الربا بمجموع العقدين فكان في العقد الثاني شبهة الربا وهي الربا من وجه، ولو تعيب المبيع في يد المشتري فباعه من بائعه بأقل مما باعه جاز؛ لأن نقصان الثمن يكون بمقابلة نقصان العيب فيلتحق النقصان بالعدم، كأنه باعه بمثل ما اشتراه فلا تتحقق شبهة الربا.
- قال صاحب بداية المبتدي علي بن أبي بكر:
ومن اشترى جارية بألف درهم حالة أو نسيئة فقبضها ثم باعها من البائع بخمسمائة قبل أن ينقد الثمن الأول لا يجوز البيع الثاني، وقال الشافعي ﵀: يجوز لأن الملك قد تم فيها القبض فصار البيع من البائع ومن غيره سواء، وصار كما لو باعه بمثل الثمن الأول أو بالزيادة أو بالعرض.
ولنا قول عائشة ﵂ لتلك المرأة وقد باعت بستمائة بعد ما اشترت بثمانمائة: (بئسما شريت واشتريت، أبلغي زيد بن أرقم أن الله تعالى أبطل حجه وجهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب). ولأن الثمن لم يدخل في ضمانه فإذا وصل إليه المبيع ووقعت المقاصة بقي له فضل خمسمائة وذلك بلا عوض، بخلاف ما إذا باع بالعرض لأن الفضل إنما
стр. 15997
يظهر عند المجانسة.
وقال ابن الهمام في شرح فتح القدير:
قوله ومن باع جارية بألف درهم حالة أو نسيئة فقبضها ثم باعها من البائع قبل نقد الثمن بمثل الثمن أو أكثر جاز، وإن باعها من البائع بأقل لا يجوز عندنا، وكذا لو اشترى عبده أو مكاتبه ولو اشترى ولده أو والده أو زوجته فكذلك عنده، وعندهما يجوز لتباين الأملاك وكان كما لو اشتراه آخر وهو يقول كل منهم بمنزلة الآخر، ولذا لا تقبل شهادة أحدهما للآخر، ولو اشترى وكيل البائع بأقل من الثمن الأول جاز عنده خلافا لهما لأن تصرف الوكيل عنده يقع لنفسه، فلذا يجوز للمسلم أن يوكل ذميا بشراء خمر وبيعها عنده، ولكن ينتقل الملك إلى الموكل حكما فكان كما لو اشترى لنفسه فمات فورثه البائع، وعندهما عقد الوكيل كعقده، ولو اشتراه وارثه يجوز في ظاهر الرواية عنهم، وعند أبي يوسف لا يجوز، ولو باعه المشتري من رجل أو وهبه ثم اشتراه البائع من ذلك الرجل يجوز لاختلاف الأسباب بلا شبهة، وبه تختلف المسببات وبقولنا قال مالك وأحمد، وقيد بقوله قبل نقد الثمن لأن ما بعده يجوز بالإجماع بأقل من الثمن وكذا لو باعه بعرض قيمته أقل من الثمن، وقال الشافعي ﵀: يجوز كيفما كان كما لو باعه من غير البائع بأقل من الثمن أو منه بمثل الثمن الأول أو أكثر، وبعرض قيمته أقل من الثمن بجامع قيام الملك فيه لأنه هو المطلق في الأصول التي عينها وتقييده بالعرض دون أن يقول كما لو باعه بخلاف جنسه وقيمته أقل، لأن هـ لو باعه بذهب قيمته أقل من دراهم الثمن لا يجوز عندنا استحسانا خلافا لزفر، وقياسه على العرض بجامع أنه خلاف جنسه فإن الذهب جنس آخر بالنسبة إلى الدراهم. وجه الاستحسان أنهما جنس واحد من حيث كونهما ثمنا ومن حيث وجب ضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة، فبطل البيع احتياطا وألزم أن اعتبارهما جنسا واحدا يوجب التفاضل بينهما احتياطا والجواب أنه
стр. 15998
مقتضى الوجه ذلك ولكن في التفاضل عند بيع أحدهما بعين الآخر إجماع (ولنا قول عائشة) إلى آخر ما نقله المصنف عن عائشة يفيد أن المرأة هي التي باعت زيدا بعد أن اشترت منه وحصل له الربح لأن شريت معناه بعت قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ (١) أي باعوه وهو رواية أبي حنيفة فإنه روى في مسنده عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأة أبي السفر أن امرأة قالت لعائشة ﵂: إن زيد بن أرقم باعني جارية بثمانمائة درهم ثم اشتراها مني بستمائة، فقالت: (أبلغيه عني أن الله أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب) ففي هذا أن الذي باع زيد ثم استرد وحصل الربح له، ولكن رواية غير أبي حنيفة من أئمة الحديث عكسه.
روى الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة هي وأم ولد زيد بن أرقم، فقالت أم ولد زيد لعائشة: إني بعت من زيد غلاما بثمانمائة درهم نسيئة واشتريته بستمائة نقدا، فقالت: أبلغي زيدا أن قد أبطلت جهادك مع رسول الله ﷺ إلا أن تتوب بئس ما اشتريت، وبئس ما شريت. وهذا فيه أن الذي حصل له الربح هي المرأة، قال ابن عبد الهادي في التنقيح: هذا إسناد جيد وإن كان الشافعي قال: لا يثبت مثله عن عائشة، وقول الدارقطني في العالية هي مجهولة لا يحتج بها فيه نظر، فقد خالفه غير واحد ولولا أن عند أم المؤمنين علما من رسول الله ﷺ أن هذا محرم لم تستجز أن تقول مثل هذا الكلام بالاجتهاد. وقال غيره: هذا مما لا يدرك بالرأي، والمراد بالعالية امرأة أبي إسحاق السبيعي التي ذكر أنها دخلت مع أم الولد على عائشة، قال ابن الجوزي: قالوا: إن العالية امرأة مجهولة لا يحتج بنقل خبرها، قلنا هي امرأة جليلة القدر ذكرها ابن سعد في الطبقات فقال العالية بنت أنفع بن شراحيل امرأة ابن إسحاق السبيعي سمعت من عائشة، وقولها بئس ما
стр. 15999
شريت: أي بعت، قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ (١) أي باعوه. وإنما ذمت العقد الأول لأنه وسيلة، وذمت الثاني لأن المقصود الفساد.
وروى هذا الحديث على هذا النحو عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر والثوري عن أبي إسحاق عن امرأته أنها دخلت على عائشة في نسوة فسألتها امرأة فقالت: كانت لي جارية فبعتها من زيد بن أرقم بثمانمائة إلى العطاء ثم ابتعتها منه بستمائة، فنقدته الستمائة وكتب لي عليه بثمانمائة فقالت عائشة: إلى قولها (إلا أن تتوب)، وزاد: فقالت المرأة لعائشة: أرأيت إن أخذت رأس مالي ورددت عليه الفضل؟ فقالت ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (٢) لا يقال: إن قول عائشة وردها لجهالة الأجل وهو البيع إلى العطاء، فإن عائشة كانت ترى جواز الأجل إلى العطاء ذكره في الأسرار وغيره، والذي عقل من معنى النهي أنه استربح ما ليس في ضمانه، «ونهى رسول الله ﷺ عن ربح ما لم يضمن (٣)»، وهذا لأن الثمن لا يدخل في ضمانه قبل القبض، فإذا عاد إليه الملك الذي زال عنه بعينه وبقي له بعض الثمن فهو ربح حصل لا على ضمانه من جهة من باعه، وهذا لا يوجد فيما إذا اشتراه بمثل الثمن أو أكثر فبطل إلحاق الشافعي بذلك، بخلاف ما لو باعه المشتري من غير البائع فاشتراه البائع منه؛ لأن اختلاف الأسباب يوجب اختلاف الأعيان حكما، وكذا لو دخل في المبيع عيب فاشتراه البائع بأقل لأن الملك لم يعد إليه بالصفة التي خرج فلا يتحقق ربح ما لم يضمن، بل يجعل النقصان بمقابلة الجزء الذي احتبس عند المشتري سواء كان ذلك النقصان بقدر ذلك العيب أو دونه. حتى لو كان النقصان نقصان سعر فهو غير معتبر في العقود؛ لأنه فتور في رغبات الناس فيه ليس من فوات جزء من العين؛ ولذلك إذا اشتراه بجنس آخر غير الثمن جاز؛ لأن الربح لا يتحقق عينه مع اختلاف الجنس لأن الفضل إنما يظهر بالتقويم، والبيع لا يعقب ذلك بخلافه بجنس الثمن الأول لظهوره بلا تقويم، وقد أورد عليه تجويز كون إنكار عائشة لوقوع
стр. 16000
البيع الثاني قبل قبض المبيع؛ إذ القبض لم يذكر في الحديث، قلنا: لا يصح هذا لأنها ذمته لأجل الربا بقرينة تلاوة آية الربا وليس في بيع المبيع قبل القبض ربا، ولا يخفى ضعف هذا الجواب؛ لأن تلاوة الآية ظاهر في كونها لاشتمالها على قبول التوبة جوابا لقول المرأة: أرأيت إن أخذت رأس مالي ورددت عليه الفضل، كان هذا مع التوبة فتلت آية ظاهرة في قبول التوبة وإن كان سوقها في القرآن في الربا. وأورد عليه طلب الفرق بين النهي عن بيع الولد الكائن مع أمه مفردا لم يوجب الفساد فلما أوجبه هذا النهي أجيب بأن النهي إذا كان لأمر يرجع إلى نفس البيع أوجبه وإن كان لأمر خارج لا، والنهي فيما ذكر للتفريق لا لنفس البيع، حتى لو فرق بينهما بغير البيع أثم، فيكره البيع في نفسه كالبيع وقت النداء وهنا هو لشبهة الربا وهو مخصوص بالبيع، ولشبهة الربا حكم حقيقة.
قال صاحب مواهب الجليل لشرح مختصر خليل الحطاب:
(فصل) جاز لمطلوب منه سلعة أن يشريها ليبيعها بمال (ش) لما فرغ ﵀ من الكلام على بيوع الآجال التي لا تخص أحدا أعقبها ببيع أهل العينة لاتهام بعض الناس فيها، وهذا الفصل يعرف عند أصحابنا ببيع أهل العينة، والعينة بكسر العين وهو فعلة من العون؛ لأن البائع يستعين بالمشتري على تحصيل مقاصده، وقيل من العناء وهو تجشم المشقة، وقال عياض في كتاب الصرف: سميت بذلك لحصول العين وهو النقد لبائعها وقد باعها لتأخير. وقال قبله: هو أن يبيع الرجل الرجل السلعة بثمن معلوم إلى أجل ثم يشتريها منه بأقل من ذلك الثمن أو يشريها بحضرته من أجنبي ليبيعها من طالب العينة بثمن أكثر مما اشتراها به إلى أجل، ثم يبيعها هذا المشتري الأخير من البائع الأول نقدا بأقل مما اشتراها به، وخفف هذا الوجه بعضهم ورآه أخف من الأول، وقال ابن عرفة: بيع أهل العينة هو البيع المتحيل به على دفع عين في أكثر منها. اهـ.
وقسم ابن رشد (في رسم حلف أن لا يبيع من سماع ابن القاسم من كتاب السلم