← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 15926–15965 · переход к 15931.

стр. 15926

الكلام، فيحرص على إظهاره في بعض مراتب البيان وغير ذلك من الأسباب. ومن أمثلة تفاوت مراتب البيان قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (١) الآيات، فإنه أمرهم أولا بذبح بقرة وهي مسمى مطلق في غاية الإجمال، ثم بين لهم أنها ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (٢) ثم بين لهم أنها ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ (٣) ثم بين لهم أنها ﴿لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ (٤) فكان ذلك غاية البيان لهم، فحينئذ قالوا: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٥). ومن أمثلة ذلك أن الله بين مواقيت الصلاة في كتابه بقوله : ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (٦) الآية ثم بقوله : ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (٧) ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ (٨) ثم بقوله : ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (٩) ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (١٠) وبقوله : ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (١١) الآيات. وهي متفاوتة في البيان على ترتيبها الذي ذكرناه. ثم جاءت السنة في رتبة ثانية من البيان، كحديث ابن عباس وجابر وبريدة وغير هذا. ثم جاء كلام الفقهاء في رتبة ثالثة من البيان، فهي في غايته. ثم إن كتب الفقهاء

стр. 15927

متفاوتة في البيان، فبعضها أبين في ذلك من بعض، ولكن جملتها بلغت غاية البيان. ومن أمثلة ذلك قوله : ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ (١) فهذا إشارة إلى قصتهم إجمالا، ثم استقصى بيانها في باقي السورة. وكذلك قوله : ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُُونَ﴾ (٢) فهو إشارة إلى قصتهما إجمالا، ثم استقصى بيانها في سياق السيرة. وكذلك قصص جماعة من الأمم مع أنبيائها، أجملها في مكان كسورة " الذاريات "، وبينها في مكان كسورة " الأعراف" و " الشعراء " و " هود" وبعضها أبين من بعض بيانا مطلقا، أو من وجه، ولهذا يستفاد من ذلك في بعض السور ما لا يستفاد من بعض، ثم استقصى القصاص بيان ذلك، مثل وهب والكسائي، والثعلبي، وأجودها كتاب وثيمة بن موسى بن

стр. 15928

الفرات، وأبلغ من ذلك بيانا معاينة قصصهم لمن عاينها عند وقوعها. وإذا نظرت في كتابنا المسمى بـ "الرياض النواضر في الأشباه والنظائر" (١) لاحت لك بارقة كبيرة من البيان ومراتبه إن شاء الله .

стр. 15929

الفصل الثالث: إذا عرفت ما قدمناه من مراتب فاعلم أن القرآن في مراتب بيانه على ذلك: فالفاتحة التي هي أم القرآن مشتملة على مقاصده الكلية من حيث الإجمال، ثم باقي القرآن يبين ذلك في رتبة ثانية من البيان، ثم السنة بينته في رتبة ثالثة من البيان، لأنها بيان القرآن، لقوله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) ثم العيان في الدنيا والآخرة بينه في رتبة رابعة، وهي غاية البيان، إذ لا أبين من العيان، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ (٢)، ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (٣)، ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ (٤)، ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٥)، ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ (٦) الآيات ونحوها. ولنشرح ذلك على وجه يظهر، وذلك من وجوه: أحدها: أن القرآن مشتمل على مقاصد الإيمان، وهي التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، كما ثبت ذلك في حديث جبريل في الحديث الصحيح، وهذا هو مقصود القرآن بالذات، ولذلك سمى إيمانا في قوله : ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ (٧) يعني بالقرآن فيما قاله بعضهم. وهذه المقاصد كلها مشار إليها في الفاتحة:

стр. 15930

أما الإيمان بالله ففي قوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) فإن إيجاب الحمد لله يقتضي أنه موجود مستحق له. وأما الإيمان بالملائكة فهو في ضمن قوله : ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) إذ العالمون من سوى الله ، ومنهم الملائكة، وأيضا في ضمن قوله : ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (٣) ومن جملة المنعم عليهم ذوي الصراط المستقيم الملائكة، لقوله في صفتهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٤) وهذا هو مقصود الصراط المستقيم. وأما الإيمان بالكتب فقد تضمنه قوله : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٥) وهو القرآن في أحد الأقوال (٦)، وهي متلازمة: فالقرآن مراد على تجميعها قصدا أو التزاما، وسؤال الهداية يستلزم الإيمان به، إذ من لا يؤمن بشيء لا يسأل الهداية إليه، والإيمان به يستلزم الإيمان بجميع كتب الله ، لأنه موافق مصدق لها، آمر بالإيمان بها. وأما الإيمان بالرسل: فقد تضمنه قوله : ﴿رَبِّ ابْنِ﴾ (٧) إذ هم صفوة العالمين، وأبين منه قوله : ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (٨) لأن الرسل صفوة المنعم عليهم. وقد بين الله ذلك في قوله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ (٩) الآية. فبدأ بهم: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ (١٠)، ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ (١١)، ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ (١٢) الآيات ونحوها.

стр. 15931

وأما الإيمان باليوم الآخر ففي قوله : ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١) يعني يوم الحساب والجزاء، وحين يدان الناس بأعمالهم: أي يجزون. وأما الإيمان بالقدر ففي قوله : ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾ (٣) إذ فيه بيان أن الإعانة على عبادته منه، والاستعانة به والهداية إليه، وإلى الأول الإشارة بقوله : ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (٤)، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٥) ونحوها، وإلى الثاني الإشارة بقوله : ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ (٦) ونحوها من الآيات المثبتة للقدر. فأما ما في القرآن من القصص وأخبار الأولين والآخرين فهو خارج مخرج التكملة للمقاصد المذكورة، وربما تضمنه قوله : ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (٧) إلى آخر السورة، لأن المخبر عنهم في القرآن لا يخرجون عن أن يكونوا منعما عليهم، أو مغضوبا عليهم، أو مهتدين، أو ضالين، فهذا وجه. والوجه الثاني أن القرآن مشتمل على الوعد والوعيد، والحلال والحرام، وغيرهما من الأحكام والقصص والأخبار: أما الوعد ففي ضمن قوله : ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٨) وقوله : ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (٩) والوعد فيه ظاهر لاشتماله على صفتي الرحمة والإنعام. وأما الوعيد ففي قوله : ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١٠) إذ فيه إشارة إلى أنه مالك يوم الحساب والجزاء، فيجازي كلا بفعله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (١١)، وأيضا قوله : ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (١٢) لأن صفتي الغضب والضلال تقتضيان ترتب الوعيد عليهما.

стр. 15932

وأما الحلال والحرام ونحوهما من الأحكام ففي قوله : ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١) إذ المراد بالدين الجزاء المستلزم للتكليف بأحكام الأفعال المجازى عليها من إيجاب وحظر وكراهة وندب. وكذا قوله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (٢) فصرح بلفظ التعبد الذي هو من التكليف الموجب لوجود الأحكام على المكلفين. وأما القصص والأخبار ففي قوله : ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (٣) إلى آخر السورة. ويقرره ما مر في الوجه قبله من أن المخبر عنهم إما منعم عليه أو مغضوب عليه، أو مهتد أو ضال. وما كان من الأخبار المعاديد، ففي قوله : ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤) وهي مذكورة في كتاب "العاقبة" وكتاب البعث والنشور وغيرها من كتب السنة. الوجه الثالث: أن القرآن لا يخرج عن أن يكون ثناء على الله أو عبادة له ، والفاتحة أولها ثناء وآخرها عبادة، أعني دعاء إليها. والعبادة تارة تكون بالدعاء نحو " اهدنا " وهو مخ العبادة كما صح به الحديث، ودل عليه قوله : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ (٥) الآية. وتارة بغير الدعاء نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٦) فهذه ثلاثة أوجه في بيان اشتمال الفاتحة على مقاصد القرآن من حيث الإجمال، وربما أمكن استخراج غيرها عند إمعان النظر، لكني لم أستقصه وإنما أوردت ما ظهر.

стр. 15933

خاتمة: تسمى هذه السورة "الحمد" تسمية لها بأول لفظ منها، و " الفاتحة " لافتتاح القرآن بها، و "أم القرآن " و " الكتاب " لما ذكرنا، و "السبع المثاني والقرآن العظيم " بالكتاب ونص السنة في حديث أبي بن كعب. . وسميت مثاني لأنها تثنى في الصلاة: أي يتكرر ذكرها. وقيل: لأنها نزلت مرتين بمكة والمدينة. وتسمى الواقية والشافية لأنها تقي وتشفي من اتقى واستشفى بها. والرقية لقوله -عليه الصلاة السلام- لأبي سعيد لما رقى بها اللديغ: «وما أدراك أنها رقية (١)»، ولعل لها أسماء غير ما ذكرنا، والذي استحضرناه الآن هو هذا، والله أعلم بالصواب.

стр. 15934

فصل: وردت السنة بأن قراءة إذا زلزلت تعدل نصف القرآن، وقراءة قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، وقراءة قل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن، وهذا يشبه كلامنا المذكور على الفاتحة، والكلام عليه في فصول: أحدها: أنه لا يمتنع ترتب الأجر الكثير على العمل اليسير لأسباب: منها نفاسة العمل في نفسه، كالكتابة المحررة الجيدة التي يساوي السطر منهما دينارا، كما يحكي عن بعض الكتاب أنه كان إذا سئل الصدقة كتب للسائل سطرا فيبيعه بدينار. ومنها عظم مصلحة العمل، كحركة هندسية يصلح بها

стр. 15935

قرص ببناء عظيم، أو يجري بها ماء إلى أرض، أو سقف بها اعوجاج في أمر ونحو ذلك ومنها كرم من له العمل، مثل أن يسقط سوط الملك من يده، فيناوله إياه بعض العامة، فيعطيه على ذلك مالا جزيلا. ويروى عن الشافعي ﵁ أن سوطه سقط من يده، فناوله إياه بعض العامة، فقال الشافعي لغلامه: أعطه ما معك من النفقة، فكان خمسين دينارا، وقال: لو كان معنا غيرها لأعطيناه (١)، وذلك لكرمه وسعة مروءته- ﵁. وقد يتجه غير ذلك من الأسباب. وإذا عرف ذلك فلا يبعد أن يعطي الله قارئ سورة "الزلزلة" أجر قارئ نصف القرآن ببعض هذه الأسباب خصوصا وقد ثبت بالسنة الصحيحة أن بعض القرآن أعظم وأفضل من بعض، كما ثبت أن الفاتحة أعظم السور، وآية الكرسي أعظم الآيات (٢) فقد تختص هذه السورة بخصائص يعلمها الشرع تقتضي أن يرتب على قراءتها من الأجر ذلك، كما اختص بعض الأشخاص والأزمنة والأمكنة والأحوال بخواص اختصت لأجلها بما ليس لغيرها من جنسها، وذلك كأشخاص الأنبياء والأولياء ظهر على أيديهم من المعجزات والخوارق ما لم يظهر على أيدي غيرهم من الأشخاص، وكما اختص رمضان والأشهر الحرم ويوم الجمعة وليلة القدر ويوم عرفة وعاشوراء ونحوها من الأزمنة بخصائصها المشهورة شرعا، وكما اختص المسجد الحرام بأن صلاة الفرض فيه أفضل منها في غيره وبسائر خصائصه. واختص المساجد الثلاثة بشد الرحال إليها، وتضاعف الصلاة فيها على غيرها، ونحو ذلك. وكما اختص حال الجهاد بتضاعف أجر الصوم فيها، كما جاء في الحديث: «من صام يوما في سبيل الله باعده الله عن النار سبعين خريفا (٣)»

стр. 15936

الفصل الثاني: ينبغي لمن تلا هذه السور الثلاث منفردة، أو في جملة القرآن، بادئا من أوله أو من آخره في غير الصلاة أن يكرر سورة "الزلزلة" مرتين، وسورة " الإخلاص " ثلاثا، وسورة " الكافرون " أربعا ليستكمل بذلك ثلاث ختمات، أما في الصلاة ففي تكرار السورة خلاف مشهور، وتفصيل بين الفرض والنفل. وينبغي لمن كرر هذه السور أن يكرر البسملة في أول كل سورة بعدد قراءتها مرات، لاحتمال كونها آية من كل سورة.

стр. 15937

الفصل الثالث (١): في ذكر ما ظهر لي من مناسبة اختصاص هذه السور بما ذكر، أما توجيه أن " الزلزلة" تعدل نصف القرآن فلأن القرآن لا يخرج عن تقرير أمر معاش الناس ومعادهم. وهذه السورة اختصت بذكر أمر المعاد من زلزلة الأرض عند قيام الساعة، وإخراج أثقالها وهم الموتى، إشارة إلى البعث. وتحديث أخبارها، وصدور الناس عنها أشتاتا كأنهم جراد منتشر، ورؤية كل عامل ما عمل من خير أو شر، فلم تتضمن شيئا غير ذكر المعاد. فلما اختصت بجنس نصف مضمون القرآن جاز أن يقال: إنها تعدل نصف القرآن، وصار هذا كما قيل: "إن الفرائض نصف العلم " كما كان للإنسان حالتا حياة وموت، وعلم الفرائض هو العلم المتعلق بإحدى حالتيه وهو الموت، سمي نصف العلم. وأما توجيه أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن فلأن القرآن باعتبار قسمة أخرى لا يخرج عن تقرير التوحيد والنبوة وأحكام اليوم الآخر. وهذه السورة اختصت بتقرير التوحيد. وذكره، لم يذكر فيها غيره، فكانت

стр. 15938

بهذا الاعتبار تعدل ثلث القرآن، لاشتمالها على ثلث مضمونه وهو التوحيد. وهذه القسمة لا تخالف ما ذكرناه من تضمن القرآن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، لأن تقرير النبوة يتضمن إثبات الملائكة والكتب والرسل، لاستلزام النبوة نبيا يتلقى الوحي عن الله بواسطة الملك. وأما توجيه أن قل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن، فلأن الخطاب في القرآن إما للمؤمنين أو للكفار، والمؤمنون ضربان: أحدهما مؤمن بالكتاب الأول، فخوطب بالإيمان بالكتاب الثاني وهو القرآن، كقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١) يعني: يا أيها الذي آمنوا بالكتاب الأول آمنوا بمحمد والقرآن. الضرب الثاني: مؤمن بالكتاب الأول والآخر، وهم هذه الأمة، خوطبوا بتكميل الإيمان من فعل العبادات ونحوها من الفروع نحو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ (٢)، ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٣) وأشباه ذلك. والكفار أيضا ضربان: ضرب يخاطب بالدعاء إلى الإيمان نحو: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (٤) ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٥) ونحو ذلك. وضرب يخاطب بالتبرؤ مما هو عليه نحو: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٦) ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (٧) إلى آخرها. فأمر النبي ﷺ أن يخاطبهم بأنه متبرئ منهم ومما يعبدون، فكانت هذه السورة ربع القرآن بهذا الاعتبار.

стр. 15939

خاتمة: قولنا: هذه السورة تعدل نصف القرآن أو ثلثه أو ربعه يحتمل أنها تعدله في أجر قراءته، ويحتمل أنها تعدله في اقتسام مضمونه، وقد أشرنا إلى الاحتمالين جميعا، والله أعلم بالصواب (١)

стр. 15940

فصل: وردت السنة ب تأكيد أمر القلاقل: وهي سورة الكافرون والإخلاص والفلق والناس ، وبتأكيد أمر المعوذات: وهي الثلاث الأخر، وقد تكلمنا على الأولين فلنتكلم على الآخرين. وإنما سميت هذه المعوذات بكسر الواو لأن الله أنزلهما معوذات لنبيه ﵊ حين سحره لبيد بن الأعصم اليهودي، وليعوذ بها أمته، وإن كان لسورة الإخلاص سبب آخر (١)، والكلام في نكت: إحداهن: لما كانت الصفات تابعة للذات، كان اسم الذات مقدما على الصفات، وسورة الإخلاص مشتملة على اسم الذات، فلذلك قد قدمت في التعوذ على سورة الفلق والناس لاشتمالهما على أسماء الصفات نحو: رب الفلق ورب الناس ملك الناس. الثانية: معنى (أعوذ) ألجأ وألوذ ﴿بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ (٢) يعني فلق الصبح، من قوله : ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ (٣) وقول عائشة: «كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (٤)» وأضاف نفسه إلى الفلق لأنه من أعظم الآيات، ولذلك أقسم به في قوله : ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ (٥) ويقال: فلق الصبح وفرق الصبح وقد قال : ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ﴾ (٦) فأتى

стр. 15941

بمادة "فلق " و "فرق " فهما بمعنى. وقوله : ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ (١) هذا عام يتناول كل ما سوى الله ، لأنه خلقه. قوله : ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ (٢) إلى آخر السورة هو من باب عطف الخاص على العام، لأن (الغاسق) و (النفاثات) و (الحاسد) من جملة ما خلق الله . وإنما اختصت هذه بالذكر بعد العموم لأن متعلقاتها مهمة جدا، وذلك لأن قوام الإنسان ببدنه وعقله ودينه وباقي نعم الله عليه. والغاسق إذا وقب: قيل: هو الثعبان إذا وثب وضرب، وهو يفسد البدن. والنفاثات: السحارات، والسحر مفسد للعقل، لأن الإنسان إذا سحر غلب خياله على عقله فعاد يخيل له ما لا وجود له في الخارج، وهو مفسد للبدن أيضا، ولذلك وجب القود بالقتل به عند جماعة من أهل العلم (٣) والحاسد يفسد النعمة بالسعي في زوالها ببدنه ونفسه. ومن جملة النعمة الدين الحق، وقد يسعى الإنسان في إفساد الدين حسدا، كما حكى الله عن أهل الكتاب أنهم كانوا يفعلون ذلك حسدا بالمسلمين، حتى قال : ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٤) ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ (٥) الآية. وإن قيل: إن الغاسق هو القمر، فإن له- فيما يقال- تأثيرا في الأجسام الأرضية. كتقطيع الثياب الكتان، وتمديد الزروع، ودوران المد والجزر معه في بعض البحار، فلعل له تأثيرات أخرى فيها شرور. وإن قيل: إن الغاسق هو الفرج - على ما قيل- فشره ظاهر، وأكثر شرور العالم من جهته. وإن قيل: هو الليل، فإن الشر فيه ظاهر مزعج. وأما ظهوره فلانتشار

стр. 15942

الهوام والشياطين فيه من الجن والإنس وغير ذلك. وأما إزعاجه فلأنه يلقى الإنسان نائما أو ساكنا فيكون له من الروع ما ليس له في النهار. الثالثة: قوله : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (١) ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ (٢) ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ (٣) الرب والملك والإله مترتبة في العموم والخصوص، فالرب أعمها، لأنه قد يكون ملكا وقد لا يكون، وكذلك الملك قد يكون إلها وهو الله وحده، وقد لا يكون. وأضاف الله نفسه إلى الناس لأنهم من أشراف العالم، كما كان الفلق من أعظم الآيات، فإذا تعوذ الإنسان بإله الناس امتنع الشيطان من الإقدام عليه امتناعا اختياريا واضطراريا لعظمة من تعوذ به، وهذا موجود في عرف الناس. ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾ (٤) أي الذي يوسوس كما بين بعد. والوسوسة في الأصل: الحركة والاضطراب، قال الأعشى: تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت ... كما يناب بريح عشرق زجل (٥) ووسوسة الشيطان حركة روحانية خفية يلقيها الشيطان إلى نفس الإنسان بواسطة جريانه منه مجرى الدم، أو كما يشاء الله : ﴿الْخَنَّاسِ﴾ (٦) الذي يوسوس تارة ويخنس: أي يميل ويسكن تارة. ويقال: إن الشيطان خاتم على قلب ابن آدم، فإذا غفل عن الذكر وسوس الشيطان (٧)، فإذا ذكر الله خنس: أي مال وسكت عن الوسوسة، ومنه ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ (٨) ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّّسِ﴾ (٩) يعني النجوم تجري في أفلاكها ثم تخنس: أي تميل للغروب أو تجري في أفلاك استقامتها ثم تميل في أفلاك تداويرها، ونحوها من أحوال رجوعها. قوله : ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ (١٠) يحتمل

стр. 15943

هذا وجهين: أحدهما أن يكون المعنى الذي يوقع الوسوسة في صدور الناس، فيكون ذلك أعم من أن يكون هو في الصدور أو خارجا عنها، الثاني: أن يكون المعنى: الذي يوسوس كائنا أو مستقرا في صدور الناس، فيكون محل الجار والمجرور نصبا على الحال، وهو أوفق للسنة الصحيحة، وهو قوله ﷺ : «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم (١)» واعلم أن الوسوسة على القلب، وإنما يعبر عنه بالصدر لأنه محل القلب كما عبر عن العقل بالقلب لأنه محله في قوله : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ (٢) وقوله : ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (٣) هذا بيان لخنس الخناس وتقسيم له إلى نوعين الجنة والناس، أي من شر الوسواس الخناس الذي هو من الجنة والناس، وهذا نص قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (٤) وهو معنى قولهم: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ (٥) في بعض الأقوال والله أعلم بالصواب.

стр. 15944

مصادر التحقيق ١ - القرآن الكريم. ٢ - الإتقان في علوم القرآن- السيوطي - القاهرة - المكتبة التجارية ١٣١٨ هـ. ٣ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل- لمحمد ناصر الدين الألباني - بيروت: المكتب الإسلامي ١٣٩٩ هـ. ٤ - تاريخ الأدب العربي- كارل بروكلمان - الأصل الألماني- ليون: إبريل ١٩٤٣ م. ٥ - تفسير القرآن الكريم (جامع البيان) - للطبري - القاهرة: مطبعة الحلبي ١٩٥٤ م. ٦ - تفسير القرآن الكريم (الجامع لأحكام القرآن- للقرطبي - القاهرة: دار الكاتب العربي ١٩٦٧ م. ٧ - جامع الأصول من أحاديث الرسول- لابن الأثير - تحقيق عبد القادر الأرناءوط - دمشق؛ مكتبة الحلواني ١٣٨٩ هـ. ٨ - جمال القراء- لعلم الدين السخاوي - تحقيق د. علي حسين البواب - مكة المكرمة: مكتبة التراث ١٤٠٨ هـ. ٩ - الدر المنثور- للسيوطي - القاهرة: المطبعة الميمنية ١٣١٤ هـ. ١٠ - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة- لابن حجر العسقلاني - تحقيق محمد سيد جاد الحق - القاهرة: دار الكتب الحديثة ١٣٨٥ هـ. ١١ - ديوان أمية بن أبي الصلت - تحقيق سيف الدين الكاتب، وأحمد عصام الكاتب - بيروت: مكتبة دار الحياة ١٩٨٠ م. ١٢ - الذيل على طبقات الحنابلة- لابن رجب - القاهرة: مطبعة السنة المحمدية ١٩٥٢ م. تحقيق محمد حامد الفقي. ١٣ - سنن الترمذي (مع عارضة الأحوذي) القاهرة: المطبعة المصرية ١٩٣١ م. ١٤ - سنن أبي داود - تحقيق عزة الدعاس وعادل السيد - سوريا - حمص: دار الحديث ١٣٨٨ هـ. ١٥ - سنن ابن ماجه - تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي - القاهرة: مكتبة الحلبي ١٩٥٢ م. ١٦ - سنن النسائي - مصورة بيروت: دار الفكر ١٣٩٨ هـ. ١٧ - سير أعلام النبلاء- للذهبي - تحقيق مجموعة من المحققين- بيروت: مؤسسة الرسالة ١٤٠١ هـ وما بعدها. ١٨ - شرح مختصر الروضة- للطوفي (الدراسة) إعداد د. إبراهيم بن عبد الله آل إبراهيم - الرياض ١٤٠٩ هـ. ١٩ - صحيح البخاري - استانبول: المكتب الإسلامي ١٩٧٩ م. ومقدمة الكتاب بتحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي - بيروت: مؤسسة الرسالة ١٤١٠ هـ.

стр. 15945

٢٠ - صحيح مسلم - تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي - القاهرة: مكتبة الحلبي. ٢١ - فتح الباري- لابن حجر العسقلاني - تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي - القاهرة: المكتبة السلفية. ٢٢ - كشف الظنون- لحاجي خليفة - مصورة ببيروت: دار العلوم الحديثة عن طبعة استانبول. ٢٣ - مجمع الأمثال- للميداني - تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد - القاهرة: المكتبة التجارية ١٩٥٩ م. ٢٤ - المستدرك على الصحيحين- للحاكم النيسابوري - سوريا - حلب: مكتب المطبوعات الإسلامية. ٢٥ - المصلحة في التشريع الإسلامي ونجم الدين الطوفي - د. مصطفى زيد - الطبعة الثانية- القاهرة - دار الفكر العربي ١٣٨٤ هـ. ٢٦ - المفردات- للراغب الأصبهاني - القاهرة: الحلبي. ٢٧ - مقاييس اللغة- لأحمد بن فارس - تحقيق عبد السلام هارون - القاهرة: مطبعة الحلبي ١٣٩١ هـ. ٢٨ - مناقب الإمام الشافعي - للبيهقي - تحقيق السيد أحمد صقر - القاهرة: دار التراث ١٩٧١ م. ٢٩ - هدية العارفين في أسماء المؤلفين- لإسماعيل باشا البغدادي - استانبول: وكالة المعارف ١٩٥١م. ٣٠ - وفيات الأعيان- لابن خلكان - تحقيق د. إحسان عباس - بيروت: دار الثقافة ١٩٦٨ م.

стр. 15946

صفحة فارغة

стр. 15947

إثبات أن المحسن اسم من أسماء الله الحسنى بقلم د. عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر الحمد لله عظيم الإحسان، واسع الجود والامتنان، الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ من طين خلق الإنسان، وأصلي وأسلم على رسوله القائل أحسنوا فإن الله محسن يحب الإحسان. وبعد. . . فهذه فوائد متنوعة ولطائف متفرقة، جمعت شتاتها من أماكن عديدة حول إثبات أن المحسن اسم من أسماء الله الحسنى، وذكر الأدلة على ذلك من السنة بنقل الأحاديث الدالة على ذلك، وحكم أهل العلم عليها، وبيان جواز التعبيد لله به كغيره من أسماء الله الحسنى لثبوته اسما لله، ونقل أقوال أهل العلم ممن صرح بذلك، وذكر عدد ممن سمي بـ " عبد المحسن " إلى نهاية القرن التاسع، مع فوائد أخرى، سائلا الله الكريم التوفيق والسداد. والداعي لجمع هذا الموضوع ولم شتاته هو وقوع التردد عند بعض الأفاضل من أهل العلم في صحة إطلاق هذا الاسم على الله -جل وعلا-، ولقد جمعت- بحمد الله وتوفيقه- من الأدلة والنقول عن أهل العلم في صحة تسمية الله بذلك ما فيه كفاية ومقنع وأسأله سبحانه أن يجعل عملي هذا لوجهه خالصا، ولسنة نبيه محمد ﷺ موافقا، ولعباده نافعا، إنه جواد كريم، وهذا أوان الشروع في المقصود، وقد رتبته حسب النقاط التالية:

стр. 15948

(أ) لقد صح تسمية الله بالمحسن في ثلاثة أحاديث عن النبي ﷺ أحدها: عن أنس بن مالك ﵁، وثانيها: عن شداد بن أوس ﵁، وثالثها: عن سمرة بن جندب ﵁، وبيانها كما يلي:

стр. 15949

أولا: حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا حكمتم فاعدلوا، وإذا قتلتم فأحسنوا فإن الله محسن يحب المحسنين» أخرجه ابن أبي عاصم في الديات (ص: ٤٩) وابن عدي في الكامل (٦/ ٢١٤٥) وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ١١٣) والطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد للهيثمي (٥/ ١٩٧) من طرق عن محمد بن بلال ثنا عمران القطان عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. قال الهيثمي ورجاله ثقات، وكذا قال المناوي في التيسير (١/ ٩٠) وقال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٧٦١). وهذا إسناد جيد رجاله ثقات معروفون غير محمد بن بلال وهو البصري الكندي. قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وقال الحافظ: (صدوق يغرب) أهـ وقال في صحيح الجامع (١/ ١٩٤): "حسن ". قلت: وقد رمز السيوطي في الجامع الصغير (١/ ٢٤) لضعفه فلم يصب. ثانيا: حديث شداد بن أوس ﵁ قال: حفظت من رسول الله ﷺ اثنتين قال: «إن الله محسن يحب الإحسان إلى كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته». رواه عبد الرزاق في المصنف (٤/ ٤٩٢) ومن طريقه الطبراني في الكبير (٧/ ٣٣٢) عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني عن شداد بن أوس ﵁. فذكره. ورجال إسناده كلهم ثقات، فمعمر بن راشد البصري ثقة ثبت فاضل من كبار السابعة (١) وأيوب هو السختياني ثقة ثبت حجة من الخامسة (٢)

стр. 15950

وأبو قلابة البصري هو عبد الله بن زيد الجرمي ثقة فاضل كثير الإرسال من الثالثة (١) وأبو الأشعث الصنعاني هو شراحيل بن آده ثقة من الثانية (٢). فإسناد الحديث صحيح لولا عنعنة أبي قلابة، وهو مدلس، قال الذهبي في ترجمته في الميزان: (إمام شهير من علماء التابعين، ثقة في نفسه إلا أنه مدلس عمن لم يلحقهم، وكان له صحف يحدث منها ويدلس (٣). وأورده الحافظ اابن حجر في كتابه طبقات المدلسين في الطبقة الأولى (٤). لكن الحديث صحيح ثابت بما قبله، ولذا صححه الألباني -حفظه الله-، انظر صحيح الجامع (١/ ١٢٩) والإرواء (٧/ ٢٩٣). وللحديث طريق أخرى فيها عنعنة أبي قلابة أيضا، فقد رواه البيهقي في سننه (٩/ ٢٨٠) من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد ثنا خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني عن شداد بن أوس ﵁ فذكره، لكن لفظه: «إن الله محسان كتب الإحسان على كل شيء». ثالثا: حديث سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله محسن فأحسنوا، فإذا قتل أحدكم فليحسن مقتوله، وإذا ذبح فليحد شفرته وليرح ذبيحته». رواه ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٤١٩) قال ثنا محمد بن أحمد بن الحسين الأهوازي ثنا جعفر بن محمد بن حبيب ثنا عبد الله بن رشيد، ثنا مجاعة بن الزبير أو عبيدة عن الحسن عن سمرة، فذكره، وقد ذكر ابن رجب هذا الحديث في جامع العلوم والحكم. انظر (ص: ١٤١). قلت: وإسناده ضعيف، عبد الله بن رشيد ليس بالقوي وفيه جهالة (٥). ومجاعة بن الزبير مختلف فيه وضعفه الدارقطني وغيره (٦) والحسن مختلف في

стр. 15951

سماعه من سمرة (١)، وقال المناوي في التيسير (١/ ٩٠) إسناده ضعيف. لكن الحديث صحيح، يشهد له الحديثان قبله، وقد صححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ١٢٩). قلت: فبهذه الأحاديث يعلم أن المحسن اسم من أسماء الله الحسنى دون شك أو ريب. والله أعلم.

стр. 15952

(ب) وقد جاء تسمية الله بهذا الاسم في أقوال بعض المحققين من أهل العلم منهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقد قال: "وكان شيخ الإسلام الهروي قد سمى أهل بلده بعامة أسماء الله الحسنى وكذلك أهل بيتنا غلب على أسمائهم التعبيد لله كعبد الله وعبد الرحمن وعبد الغني والسلام والقاهر واللطيف والحكيم والعزيز والرحيم والمحسن. . . " (١). وقال في موضع آخر: (. . . لأنه سبحانه بر جواد محسن يعطي العبد ما يناسبه. .) (٢). وكذلك وقع في كلام العلامة ابن القيم تسمية الله بهذا الاسم في مواضع عديدة من مؤلفاته. فقد قال في بدائع الفوائد في تفسيره لسورة الناس: (فتأمل هذه الجلالة وهذه العظمة التي تضمنتها هذه الألفاظ الثلاثة على أبدع نظام وأحسن سياق رب الناس ملك الناس إله الناس وقد اشتملت هذه الإضافات الثلاث على جميع قواعد الإيمان وتضمنت معاني أسمائه الحسنى، أما تضمنها لمعاني أسمائه الحسنى فإن الرب هو القادر الخالق البارئ المصور الحي القيوم العليم السميع البصير المحسن. . إلى غير ذلك من معاني ربوبيته التي له منها ما يستحقه من الأسماء الحسنى. .) (٣).

стр. 15953

وقال في مدارج السالكين وهو بصدد ذكره لأسماء الله وما تقتضيه (. . واسم البر المحسن المعطي المنان ونحوها تقتضي آثارها وموجباتها) (١). وقال في طريق الهجرتين: (وإقرار قلوبنا بأن الله الذي لا إله إلا هو. . . وأنه حكيم كريم جواد محسن. . ولا أحد أحب إليه الإحسان منه فهو محسن يحب المحسنين. .) (٢). وقال في نونيته الكافية الشافية (٣) وهو بصدد أسماء الله وصفاته: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... فالبر حينئذ له نوعان وصف وفعل فهو بر محسن ... مولى الجميل ودائم الإحسان وكذلك الوهاب من أسمائه ... فانظر مواهبه مدى الأزمان ونقل القرطبي وابن حجر عن ابن حزم عده لأسماء الله الحسنى التي جمعها من القرآن والسنة، وكان من ضمن هذه الأسماء اسم المحسن ولما ساقها القرطبي نقلا عن ابن حزم قال: "وفاته الصادق. . إلخ) مما يشعر أن القرطبي مقر له فيما ذكر من أسماء، وكذلك كلام ابن حجر يشعر بأنه مقر له فيما ذكر في أسماء حيث علق على الأسماء التي نقلها عن ابن حزم بأن سبعة وستين اسما منها مأخوذة من القرآن وباقيها ملتقط من الأحاديث (٤). ثم إني لم أقف على كلام ابن حزم المشار إليه في شيء من كتبه وذلك بعد التتبع الذي وقفت عليه في كتبه من قوله يخالف ما نقلاه عنه حيث قال في فصله: (فلا يحل أن يسمى الله القديم ولا الحنان. . ولا المحسن. . ولا بشيء لم يسم به نفسه أصلا وإن كان في غاية المدح).

стр. 15954

فهذا يناقض ما نقلاه عنه، وعلى كل إن كان ما نقلاه عنه صحيحا وأحسبه كذلك فالجمع بين النقلين يسير، بحيث يقال إن ابن حزم كان يرى أن المحسن ليس اسما من أسماء الله لعدم بلوغ النص إليه أو لعدم ثبوته عنده ثم بلغه النص- أو ثبت عنده- الدال على صحة تسمية الله بالمحسن فصار إليه، والله أعلم.

стр. 15955

(جـ) ما صح تسمية الله به جاز التعبيد لله به ، بل اتفق أهل العلم على استحسان الأسماء المضافة إلى الله كعبد الله وعبد الرحمن وما أشبه ذلك، واتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله كعبد العزى وعبد هبل وعبد عمرو وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حكى ذلك ابن حزم، ونقله عنه ابن القيم (١). وقد سمي بعبد المحسن عدد من ذوي الفضل والعلم وغيرهم، وقد جمعت ما وقفت عليه ممن سمي بذلك إلى نهاية القرن التاسع- دون تقص دقيق- واقتصرت على الذين وجد لهم تراجم، وقد يأتي في ذكر أحد المترجمين أن من آبائه من سمي بعبد المحسن فلم أعد ذلك، وهاهي أسماؤهم: ١ - عبد المحسن بن عمرو بن يحيى بن سعيد أبو القاسم الصفار، روى عن أبي بكر أحمد بن عمرو بن جابر الرملي المتوفى سنة ٣٣٣ هـ (٢). ٢ - عبد المحسن بن محمد بن أحمد بن غالب الصوري الشاعر المشهور ت ٤١٩ هـ (٣). ٣ - عبد المحسن بن علي بن الحسن القزويني. سمع مع أبيه أبا منصور المقومي سنة ت ٤٨٢ هـ (٤). ٤ - عبد المحسن بن محمد بن علي البغدادي المعروف بالشيحي المحدث التاجر السفار أبو منصور ت ٤٨٩ هـ (٥).

стр. 15956

٥ - عبد المحسن بن صدقة بن عبد الله أبو المواهب المصري الشاعر ت ٥٠٣ هـ (١). ٦ - عبد المحسن بن عبد المنعم بن علي الكفرطاي الشيرازي الشافعي ت ٥٦٠ هـ (٢). ٧ - عبد المحسن بن تريك الأزجي أبو الفضل ت ٣٧٥ هـ (٣). ٨ - عبد المحسن (طغدي) بن ختلع بن عبد الله أبو محمد الأميري البغدادي الفرضي يسمى طغدي ويسمى عبد المحسن وهو بطغدي أشهر ت ٥٨٩ هـ (٤). ٩ - عبد المحسن بن علي بن الفراش، توفي بعد ٥٩٠ هـ بقليل (٥). ١٠ - عبد المحسن بن أحمد بن وهب الزابي أبو منصور البزاز ت ٥٩٧ هـ (٦). ١١ - عبد المحسن بن شفاء بن أبي المعالي التراسي الحميري ت ٦٠١ هـ (٧). ١٢ - عبد المحسن بن إسماعيل الوزير الصدر شرف الدين بن المحلى الفلكي ت ٦٠٤ (٨). ١٣ - عبد المحسن بن يعيش بن إبراهيم بن يحيى الحراني الفقيه الحنبلي ت ٦١١ هـ (٩). ١٤ - عبد المحسن بن أبي القاسم عبد المنعم بن إبراهيم رشيد الدين أبو محمد ابن النقار المصري ت ٦١٣ هـ. ١٥ - عبد المحسن بن نصر الله بن كثير الفقيه زين الدين ابن البياع الشامي

стр. 15957

الأصل المصري الشافعي ت ٦٢١ هـ (١). ١٦ - عبد المحسن بن خطيب الموصل أبي الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد أبو القاسم بن الطوسي الموصلي ت ٦٢٢ هـ (٢). ١٧ - عبد المحسن بن أبي العميد بن خالد بن عبد الغفار الأبهري الشافعي ت ٦٢٤ (٣). ١٨ - عبد المحسن بن عبد الكريم بن ظافر بن رافع الحصري المصري الحنبلي الفقيه ت ٦٢٥ (٤). ١٩ - عبد المحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن علي الخزرجي المصري الشافعي عرف بابن الدجاجي، ت ٦٢٦. ٢٠ - عبد المحسن بن أبي عبد الله بن علي بن عيسى أبو محمد العشيشي الشامي ثم المصري الفامي ت ٦٣٣ هـ (٥). ٢١ - عبد المحسن بن عبد الله الفاضلي الزمام ت ٦٣٤ هـ (٦). ٢٢ - عبد المحسن بن أبي القاسم بن خلف بن رافع المسكي. ت ٦٣٦ هـ (٧). ٢٣ - عبد المحسن بن حمود التنوخي الحلبي الكاتب المنشئ ت ٦٤٣ هـ (٨). ٢٤ - عبد المحسن بن عبد الرحمن بن محمد الكندي الدشناوي، سمع الحديث من بهاء الدين ابن بنت الجميزي سنة ٦٥٤ هـ (٩). ٢٥ - عبد المحسن بن عبد الله بن الحسين بن رواحة الأنصاري، تقلد كتابة

стр. 15958

الجيش للملك الطاهر بحلب، روى عنه ابن أخيه عبد الله بن الحسين المتوفى ٦٤٦ هـ (١). ٢٦ - عبد المحسن بن أبي العلاء مرتفع بن حسن بن عبد الله الخثعمي المصري الشافعي الأثري السراج ت ٦٥٦ هـ (٢). ٢٧ - عبد المحسن بن علي بن أبي الفتوح بن إبراهيم الأنصاري المصري أبو محمد المعروف بابن الزهر، ت ٦٦٥ هـ (٣). ٢٨ - عبد المحسن بن هبة الله بن أبي المنصور الفوي زكي الدين، توفي في عشر التسعين وستمائة (٤). ٢٩ - عبد المحسن بن موسى بن سليمان المالكي المفتي نبيه الدين، كان حيا سنة ٦٨٧ هـ (٥). ٣٠ - عبد المحسن بن عبد الرحمن بن الحسين بن هارون البكري الأرمنتي ت ٦٩٤ هـ (٦). ٣١ - عبد المحسن بن محمد بن أحمد هبة الله بن أحمد بن يحيى بن جراده العقيلي. ت ٧٠٤ (٧). ٣٢ - عبد المحسن بن عبد القدوس بن إبراهيم الشعراوي أبو أحمد الحنبلي ت ٧١٩ هـ (٨). ٣٣ - عبد المحسن بن عيسى بن جعفر الأرمنتي. ت ٧٢٩ هـ (٩). ٣٤ - عبد المحسن بن علي بن محمد بن عبد الغني بن تيمية الحراني. ت ٧٣٠ هـ (١٠).

стр. 15959

٣٥ - عبد المحسن بن عبد اللطيف بن محمد بن الحسين بن رزين ت ٧٣٣ هـ (١). ٣٦ - عبد المحسن بن عبد العزيز المخزومي. ت ٧٣٥ هـ (٢). ٣٧ - عبد المحسن بن أحمد بن محمد بن علي بن الصابوني أبو الفضل ت ٧٣٦ هـ (٣). ٣٨ - عبد المحسن بن محمد القيصري فقيه حنفي عروضي من الروم ت ٧٥٥ هـ (٤). ٣٩ - عبد المحسن بن الحسن بن سليمان الباريني جمال الدين من القرن الثامن (٥). ٤٠ - عبد المحسن بن حمود الحلبي أمين الدين، كاتب السر للكامل سيف الدين أبي الفتوح المتوفى سنة ٧٤٦ هـ. ٤١ - عبد المحسن بن محمد بن عبد المحسن قوام الدين أبو مسلم الفالي الشافعي ت ٨٢٤ هـ (٦). ٤٢ - عبد المحسن بن حسان البغدادي القطفني الباطايني الأديب كان حيا ٨٣٥ هـ (٧). ٤٣ - عبد المحسن بن البغدادي ثم المكي ت ٨٤٨ هـ (٨). ٤٤ - عبد المحسن بن عبد الصمد بن لطف الله بن محمد بن حسن الشرواني الشافعي ت ٨٨٩ هـ (٩).

стр. 15960

٤٥ - عبد المحسن بن أحمد بن البدر حسين بن الأهدل اسمه محمد وسماه والده عبد المحسن تبركا بعبد المحسن الشاذلي فلم يحسن بذلك صنعا، كان حيا سنة ٨٩٣ هـ (١). ٤٦ - عبد المحسن بن أحمد بن أبي بكر عبد الله بن ظهيرة القرشي المكي ت ٨٩٨ هـ (٢). ٤٧ - عبد المحسن بن علي بن عمر اليماني، من القرن التاسع (٣). ٤٨ - عبد المحسن بن إبراهيم بن فتوح القوصي أبو محمد المشطاوي (٤). ٤٩ - عبد المحسن بن محمد بن علي شهدايله (٥). فهؤلاء من وقفت على ذكرهم إلى نهاية القرن التاسع ممن سموا بعبد المحسن، ولم أقصد حصر من سمي بذلك، ثم إن هذا الذي جمعت هنا كتب في مثله غير واحد من أهل العلم، وأفردوا فيه التصانيف، ومما صنف في ذلك: - كتاب (من اسمه عطاء من رواة الحديث) للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني ت ٣٦٠ هـ، وهو مطبوع. - كتاب (من اسمه صالح) لأبي موسى محمد بن أبي بكر المديني الأصبهاني ت ٥٨١ هـ. - كتاب (المحمدون من الشعراء وأشعارهم)، لعلي بن يوسف القفطي ت ٦٤٦ هـ، وهو مطبوع. - كتاب (العقد المثمن فيمن اسمه عبد المؤمن) لعبد المؤمن بن خلف الدمياطي ت ٧٠٥. - كتاب (من اسمه حسين) لجمال الدين حسين بن علي السبكي ت ٧٢٢ هـ. - كتاب (الألماس فيمن اسمه عباس) لعباس بن محمد بن محمد بن

стр. 15961

إبراهيم بن الحسين السملالي ت ١٣٧٨ هـ.

стр. 15962

(د) إن أسماء الله الحسنى الواردة في الكتاب والسنة مشتقة وغير جامدة كما بين ذلك ابن القيم ﵀ في كتابه بدائع الفوائد واحتج له، وبين أن المراد بالاشتقاق هو أن الاسم دال على صفة لله تعالى وليس علما محضا كما يزعم المعتزلة (١)، وقال في نونيته: أسماؤه أوصاف مدح كلها ... مشتقة قد حملت لمعان وعليه فإن المحسن مشتق من أحسن يحسن إحسانا، ومعناه أن الإحسان وصف لازم له لا يخلو موجود من إحسانه طرفة عين فلا بد لكل مكون من إحسانه إليه بنعمة الإيجاد ونعمة الإمداد. والله -جل وعلا- يحب من خلقه أن يتقربوا إليه بمقتضى معاني أسمائه، فهو الرحمن يحب الرحماء، وهو الكريم يحب الكرماء، وهو المحسن يحب المحسنين. قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢) البقرة / ١٩٥. وقال تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (٣) القصص / ٧٧. وقال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (٤) الرحمن / ٦٠. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٥) النحل / ١٢٨. والإحسان من العبد هو أعلى مقامات الدين وأرفعها كما جاء ذلك في حديث جبريل المشهور، وفسر الإحسان في الحديث بأن يعبد العبد ربه كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإن الله -جل وعلا- يراه لا يخفى عليه منه شيء.

стр. 15963

(هـ) وأختم هذه النقاط بذكر ثلاث فوائد مهمة: الأولى: إن أسماء الله غير محصورة في عدد معين، وعليه فإن جمع بعض أهل العلم لتسعة وتسعين اسما من أسماء الله الحسنى المذكورة في الكتاب والسنة لا يعني أنهم يرون حصرها في تلك الأسماء التي ذكروها، وإنما

стр. 15964

مرادهم تقريب هذه الأسماء إلى الراغبين في حفظها وفهمها والعمل بما تقتضيه، حيث قال ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة (١)» ز الثانية: إن أسماء الله الحسنى المذكورة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين اسما كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢). وعليه: فإن من جمع من أهل العلم تسعة وتسعين اسما من أسماء الله وجمع غيره أسماء أخرى، فوافقه الأول في بعضها وخالفه في بعض لا يعني ذلك أن ما اختلفا فيه بعضه ليس من أسماء الله لتجاوز ذلك التسعة والتسعين، بل قد يكون ما جمعاه كله من أسماء الله وإن جاوز التسعة والتسعين، وعلى كل فالعبرة في صحة ذلك الاسم أو عدمها قيام الدليل عليه من الكتاب والسنة. الثالثة: أسماء الله توقيفية كما نص على ذلك جمع من أهل العلم وهو الحق والصواب ولا ريب في ذلك لأن الله بالنسبة لنا غيب لم نره فلا سبيل لنا أن نسميه بغير ما سمى به نفسه أو سماه به رسوله ﷺ ولأن تسميته بغير ذلك قول عليه بغير علم وهذا من أعظم المحرمات قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (٣) إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤) الأعراف / ٣٣. ولأن تسميته بغير ما سمى به نفسه أو سماه به رسوله ﷺ أحد أنواع الإلحاد في أسماء الله، وقد توعد الله الملحدين في أسمائه بقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥) الأعراف. الآية: ١٨٠. هذا ما أردت جمعه في هذا الموضوع، وأسأل الله أن أكون قد وفقت إلى الصواب، والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 15965

فهرس المراجع ١ - إتحاف الورى لعمر بن فهد تحقيق د. عبد الكريم علي باز، نشر مركز إحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى، الأولى ١٤٠٨ هـ. ٢ - أخبار أصبهان لأبي نعيم. الدار العلمية، الهند، الثانية ١٤٠٥ هـ. ٣ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، للألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الأولى ١٣٩٩ هـ. ٤ - بدائع الفوائد لابن القيم، دار الكتاب العربي، بيروت. ٥ - تاريخ إربل لأبي البركات ابن المستوفى الإربلي، من منشورات وزارة الثقافة والإعلام العراقية، تحقيق سامي الصقار. ٦ - تاريخ دمشق للحافظ أبي القاسم بن عساكر مصور لنسخة خطية، اعتنى بنشره مكتبة الدار، المدينة ١٤٠٧ هـ. ٧ - تحفة الودود بأحكام المولود لابن القيم، دار الكلمة الطيبة، الأولى ١٤٠٣ هـ. ٨ - التدوين في أخبار قزوين للرافعي. ط المطبعة العزيزية، حيدر أباد، الهند، ١٤٠٤ هـ. ٩ - تقريب التهذيب لابن حجر، دار الرشيد سوريا، ١٤٠٨ هـ. ١٠ - التكملة لوفيات النقلة للمنذري، ط مؤسسة الرسالة، الثالثة. ١١ - التلخيص الحبير لابن حجر، إدارة البحوث الإسلامية بالجامعة السلفية، باكستان. ١٢ - التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي، المكتب الإسلامي، بيروت. ١٣ - جامع التحصيل في أحكام المراسيل للحافظ صلاح الدين العلائي، تحقيق حمدي السلفي. الدار العربية للطباعة، العراق ١٣٩٨ هـ. ١٤ - الجامع الصغير للسيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت. ١٥ - جامع العلوم والحكم لابن رجب، دار المعرفة، بيروت.
следующие страницы →