وأخرج الدارقطني بسند صحيح " عن السائب بن يزيد عن عمر بن الخطاب أنه ضرب رجلا وجد منه ريح الخمر " وفي لفظ " ريح شراب ".
والحاصل أن حده عند وجود الريح مع عدم البينة والإقرار لا يستلزم اشتراط الرائحة مع أحدهما، ثم هو مذهب لبعض العلماء منهم مالك وقول للشافعي ورواية عن أحمد والأصح عن الشافعي وأكثر أهل العلم نفيه، وما ذكرناه عن عمر يعارض ما ذكرنا عنه أنه عزر من وجد منه الرائحة ويترجح لأنه أصح وإن قال ابن المنذر ثبت عن عمر أنه جلد من وجد رائحة الخمر حدا تاما، وهو أن الأصل في الحدود إذا جاء صاحبها مقرا أن يرد ويدرأ ما يستطيع فكيف يأمر ابن مسعود بالمزمزه عند عدم الرائحة ليظهر الريح فيجده، فإن صح فتأويله أنه كان رجلا مولعا بالشراب مدمنا عليه فاستجاز ذلك فيه (١) انتهى.
ويمكن أن يقال أنه إنما أمر بترترته ومزمزته لكونه لم يأت تائبا وإنما جاء به عمه ليقام عليه الحد فأراد ابن مسعود أن يستثبت في وقوع الشرب منه بالعمل المذكور لتظهر الرائحة.
стр. 16452
٢ - قال ابن فرحون:
ويجب الحد على من وجدت منه رائحة الخمر أو قاءها وحكم به عمر رضي الله تعالى عنه وفي حديث ماعز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 16453
قال: «أشربت خمرا قام فاستنهكه فلم يجد منه ريح خمر (١)» قال اللخمي: فيه دليل أن الرائحة يقضى بها، دليل آخر أن إقرار السكران غير لازم (مسألة) قال اللخمي رحمه الله تعالى: ذهب مالك رضي الله تعالى عنه وجماعة من أصحابه أن الحد يجب على من وجد منه ريح السكر، والدليل على ذلك ما روي عن السائب بن يزيد أنه حضر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو يجلد رجلا وجد منه ريح شراب فجلده الحد تاما، والدليل من جهة المعنى أن هذا معنى يعلم به صفة ما شرب المكلف وجنسه فوجب أن يكون طريقا إلى إثبات الحد، وأصل ذلك الرؤية، لما شربه بل الرائحة أقوى من معرفة حال المشروب من الرؤية، لأن الرؤية لا يعلم بها الشراب أمسكر هو أم لا وإنما يعلم ذلك برائحته.
(فصل) والكلام في ذلك يتعلق بثلاثة أمور، الأول: فيمن يجب استنكاهه. الثاني: فيمن يثبت ذلك بشهادته. الثالث: فيما يجب بذلك إذا تيقن رائحة المسكر أو أشكلت.
الأول: فيمن يجب استنكاهه، وذلك فيما يرى الحاكم منه تخليطا في قول أو مشي يشبه السكران، ففي الموازية من رواية أصبغ عن ابن القاسم أنه إذا رأى ذلك منه أمر باستنكاهه قال: لأنه قد بلغ إلى الحاكم فلا يسعه إلا تحققه، فإذا ثبت الحد حد أمامه.
(مسألة) وكذلك لو شم منه رائحة ينكرها، أو أنكرها بحضرته من ينكرها قال الباجي: فعندي أن قد تعين عليه استنكاهه
стр. 16454
وتحقق حاله، لأن هذه صفة ينكر بها حاله ويستراب بها، ويقوى بها الظن في وجوب الحد عليه فيجب بذلك اختباره وتحقق حاله كالتخليط في الكلام والمشي.
(مسألة) فإن لم يظهر منه شيء من هذه الأحوال - يريد التخليط في القول والمشي - لم يستنكه رواه أصبغ عن ابن القاسم في العتبية والموازية قال: ولا يتجسس عليه، فلا يجوز التجسس على الناس والتعرض لهم من غير ريبه.
الثاني: فيمن يثبت ذلك بشهادته، قال القاضي أبو الوليد: فأما من يثبت ذلك عليه بشهادته فإنه يحتاج إلى معرفة صفتهم وعددهم، فأما صفتهم فقد قال القاضي أبو الحسن في كتابه: إن صفة الشاهدين على الرائحة أن يكونا ممن خبر شربها في وقت ما، إما في حال كفرهما أو شرباها في إسلامهما فجلدا ثم تابا حتى يكون ممن يعرف الخمر بريحها، قال القاضي أبو الوليد: هذا عندي فيه نظر، لأن من هذه صفته معدوم قليل ولو لم تثبت الرائحة إلا بشهادة من هذه صفته لبطلت الشهادة بها في الأغلب، وقد يكون من لم يشربها قط يعرف رائحتها معرفة صحيحة بأن يخبره عنها المرة بعد المرة من قد شربها أنها هي رائحة الخمر حتى يعرف ذلك كما يعرفها الذي قد شربها.
(مسألة) وأما العدد فلا يخلو أن يكون الحاكم أمر الشهود بالاستنكاه أو فعلوا هم ذلك ابتداء، فإن كان الحاكم أمرهم بذلك فقد روى ابن حبيب عن أصبغ أنه يستحب أن يأمر شاهدين به
стр. 16455
الحد، وإن كان الشهود فعلوا ذلك من قبل أنفسهم فلا يجزئ أقل من اثنين كالشهادة على الشرب، وقد روى ابن وهب عن مالك رضي الله تعالى عنه أنه إن لم يكن مع الحاكم إلا واحد فليرفعه إلى من هو فوقه، قال القاضي أبو الوليد رحمه الله تعالى: وما رواه ابن حبيب عن أصبغ مبني على أن الحاكم يحكم بعلمه فلذلك جاز عنده علم من استنابه وإلا فقد يجب أن لا يحد في ذلك حتى يشهد عنده فيه شاهدان.
الثالث: فيما يجب بشهادة الاستنكاه، ولا يخلو أن يكون الشهود متيقنين للرائحة أو شاكين فيها فإن كانوا متيقنين للرائحة فلا يخلو أن يتفقوا على أنها رائحة مسكر أو على أنها غير رائحة مسكر أو يختلفوا في ذلك، فإن اتفقوا على أنها غير رائحة مسكر فلا نعلم في المذهب خلافا في وجوب ترك الحد، وإن اتفقوا على أنها رائحة مسكر وجب الحد عليه، وإن اختلفوا في ذلك فقال بعضهم: رائحة مسكر، وقال بعضهم: ليس برائحة مسكر فقد قال ابن حبيب: إذا اجتمع منهم اثنان على أنها رائحة مسكر حد، ووجه ذلك أن الشهادة قد قامت وكملت ولا يؤثر في ذلك نفي من نفى مقتضاها كما لو شهد شاهدان أنهما رأياه شرب خمرا وقال آخران: لم يشرب خمرا.
(مسألة) فإن شك الشهود في الرائحة هل هي رائحة مسكر أو غيره نظرت حاله فإن كان من أهل السفه نكل، وإن كان من أهل العدل خلي سبيله حكاه ابن القاسم في العتبية
стр. 16456
والموازية، ووجه ذلك أن من عرف بالسفه والشر والتخليط خيف أن يكون ما شك فيه مما حرم عليه ووجب أن يزجر عن التسمية بذلك لكي لا يتطرق بذلك إلى إظهار معصية وأما من كان من أهل العدل فتبعد عنه الريبة والله أعلم.
مسألة: قال القاضي أبو الوليد رحمه الله تعالى: فإذا ثبت ذلك فإن الحد يتعلق بما يقع به النظر من تجاوز الشراب من الفم إلى الحلق.
مسألة: ولو شهد شاهدان أنه قاء خمرا وجب عليه الحد، لأنه لا يتقيئها حتى يشربها، وقد روي نحو هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وسيأتي في باب القضاء بالسياسة صفة الشهادة وصفة الضارب والضرب وما يضاف إلى الحد إن شاء الله تعالى.
٣ - جاء في المنهاج وشرحه نهاية المحتاج: "ويحد بإقراره وشهادة رجلين" أو علم السيد دون غيره كما مر نظيره في السرقة "لا بريح خمر" وهيئة "سكر وقيء" لاحتمال أنه احتقن أو أسعط بها أو أنه شربها لعذر من غلط أو إكراه، أما حد عثمان بالقيء فاجتهاد له " ويكفي في إقرار وشهادة شرب خمرا " أو شرب مما شرب منه غيره فسكر، وسواء أقال وهو مختار عالم أم لا، كما في نحو بيع وطلاق؛ إذ الأصل عدم الإكراه والغالب من حال الشارب علمه بما يشرب.
"وقيل يشترط في كل من المقر والشاهد أن يقول: شربها وهو
стр. 16457
عالم به مختار لاحتمال ما مر كالشهادة بالزنا؛ إذ العقوبة لا تثبت إلا بتعيين، وفسر الأول بأن الزنا قد يطلق على مقدماته كما في الخبر على أنهم سامحوا في الخمر لسهولة حدها ما لم يسامحوا في غيرها لا سيما مع أن الابتداء بكثرة شربها يقتضي التوسع في سبب الزجر عنها فوسع فيه ما لم يوسع في غيره.
ويعتبر على الثاني زيادة من غير ضرورة احترازا من الإساغة والشرب لنحو عطش أو تداو (١) انتهى.
стр. 16458
٤ - وقال ابن قدامة:
ولا يجب الحد حتى يثبت شربه بأحد شيئين: الإقرار والبينة ويكفي في الإقرار مرة واحدة في قول عامة أهل العلم؛ لأنه حد لا يتضمن إتلافا فأشبه حد القذف، وإذا رجع عن إقراره قبل رجوعه، لأنه حد لله سبحانه فقبل رجوعه عنه كسائر الحدود ولا يعتبر مع الإقرار وجود الرائحة.
وحكي عن أبي حنيفة: لا حد عليه إلا أن توجد رائحة، ولا يصح لأنه أحد بينتي الشرب فلم يعتبر معه وجود الرائحة كالشهادة، ولأنه قد يقر بعد زوال الرائحة عنه، ولأنه إقرار بحد فاكتفي به كسائر الحدود.
(فصل) ولا يجب الحد بوجود رائحة الخمر من فيه في قول أكثر أهل العلم منهم الثوري وأبو حنيفة والشافعي، وروى أبو طالب عن أحمد أنه يحد بذلك وهو قول مالك، لأن ابن مسعود
стр. 16459
جلد رجلا وجد منه رائحة الخمر.
وروي عن عمر أنه قال: إني وجدت من عبيد الله ريح شراب فأقر أنه شرب الطلا، فقال عمر: إني سائل عنه فإن كان يسكر جلدته. ولأن الرائحة تدل على شربه فجرى مجرى الإقرار.
والأول أولى، لأن الرائحة يحتمل أنه تمضمض بها وحسبها ماء فلما صارت إلى فيه مجها وظنها لا تسكر، أو كان مكرها أو أكل نبقا بالغا أو شرب شراب التفاح فإنه يكون منه كرائحة الخمر، وإذا احتمل ذلك لم يجب الحد الذي يدرأ بالشبهات وحديث عمر حجة لنا فإنه لم يحده بوجود الرائحة ولو وجب ذلك لبادر إليه عمر.
(فصل) وإن وجد سكران أو تقيأ الخمر فعن أحمد لا حد عليه لاحتمال أن يكون مكرها أو لم يعلم أنها تسكر وهذا مذهب الشافعي، ورواية أبي طالب عنه في الحد بالرائحة يدل على وجوب الحد ها هنا بطريق الأولى، لأن ذلك لا يكون إلا بعد شربها فأشبه ما لو قام البينة عليه بشربها.
وقد روى سعيد حدثنا هشيم حدثنا المغيرة عن الشعبي قال: " لما كان من أمر قدامة ما كان جاء علقمة الخصي فقال: أشهد أني رأيته يتقيؤها، فقال عمر: من قاءها فقد شربها فضربه الحد".
وروى حصين بن المنذر الرقاشي قال: شهدت عثمان وأتي بالوليد بن عقبة فشهد عليه حمران ورجل آخر، فشهد أحدهما أنه
стр. 16460
رآه شربها وشهد الآخر أنه رآه يتقيؤها، فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها فقال لعلي: أقم عليه الحد، فأمر علي عبد الله بن جعفر فضربه، رواه مسلم. وفي رواية له " فقال عثمان لقد تنطعت في الشهادة وهذا بمحضر من علماء الصحابة وسادتهم ولم ينكر فكان إجماعا، ولأنه يكفي في الشهادة عليه أنه شربها ولا يتقيؤها أو لا يسكر منها حتى شربها. "
(فصل) وأما البينة فلا تكون إلا رجلين عدلين مسلمين يشهدان أنه مسكر ولا يحتاجان إلى بيان نوعه، لأنه لا ينقسم إلى ما يوجب الحد وإلى ما لا يوجبه بخلاف الزنا فإنه يطلق على الصريح وعلى دواعيه ولهذا قال النبي ﷺ : «العينان تزنيان واليدان تزنيان والفرج يصدق ذلك أو يكذبه (١)» فلهذا احتاج الشاهدان إلى تفسيره، وفي مسألتنا لا يسمى غير المسكر مسكرا فلم يفتقر إلى ذكر نوعه ولا يفتقر في الشهادة إلى ذكر عدم الإكراه ولا إلى ذكر علمه أنه مسكر، لأن الظاهر الاختيار والعلم وما عداهما نادر بعيد فلم يحتج إلى بيانه ولذلك لا نعتبر ذلك في شيء من الشهادات ولم يعتبره عثمان في الشهادة على الوليد بن عقبة ولا اعتبره عمر في الشهادة على قدامة بن مظعون ولا في الشهادة على المغيرة بن شعبة، ولو شهدا بعتق أو طلاق لم يفتقر إلى ذكر الاختيار كذا ها هنا (٢) انتهى.
وجاء في حاشية المقنع على قوله: "وهل يجب الحد بوجود
стр. 16461
الرائحة على روايتين" إحداهما: لا يحد، وهو قول عامة أهل العلم منهم الثوري وأبو حنيفة والشافعي، وعنه يحد وهو قول مالك، لأن ابن مسعود ﵁ جلد رجلا وجد منه رائحة الخمر وعنه يحد إذا لم يدع شبهة. قال ابن أبي موسى: وهي أظهر عن أحمد واختارها ابن عبدوس في تذكرته والشيخ تقي الدين.
ووجه الأول أنه يحتمل أنه تمضمض بها أو ظنها ماء فلما صارت في فيه مجها أو ظنها لا تسكر أو كان مكرها (١) انتهى.
وجاء في الإنصاف على قول ابن قدامة "وهل يحد بوجود الرائحة على روايتين" وأطلقهما في مسبوك الذهب وتجريد العناية ونهاية ابن رزين إحداهما: لا يحد وهو المذهب صححه المصنف والشارح وابن منجا في شرحه وصاحب الخلاصة والتصحيح وغيره، وجزم به في الوجيز والمنور. . والرواية الثانية: يحد إذا لم يدع شبهة. قال ابن أبي موسى في الإرشاد: هذه أظهر عن الإمام أحمد ﵀ واختارها ابن عبدوس في تذكرته والشيخ تقي الدين ﵀ وقدمها في المستوعب، وعنه يحد وإن ادعى شبهة ذكرها في الفروع وذكر هذه المسألة في باب حد الزنا وأطلقا في تجريد العناية، ونقل الجماعة عن الإمام أحمد ﵀: يؤدب برائحته واختاره الخلال كالحاضر مع من شربه.
فائدتان: إحداهما لو وجد سكران وقد تقيأ الخمر فقيل: حكمه حكم الرائحة، وقدمه في الفصول وجزم به في الرعاية
стр. 16462
الكبرى.
وقيل: يحد هنا وإن لم نحده بالرائحة، واختاره المصنف والشارح وهو ظاهر كلامه في الإرشاد، وهذا المذهب على ما اصطلحناه في المقدمة وأطلقهما في الفروع.
والثانية: يثبت شربه للخمر بإقراره مرة على الصحيح من المذهب كحد القذف، جزم به في الفصول والمذهب والحاوي الصغير والمغني والشرح وقدمه في الفروع.
وعنه مرتين، واختاره القاضي وأصحابه وصححه الناظم واختاره ابن عبدوس في تذكرته وقدمه في المحرر والنظم والرعايتين وجزم به في المنور وغيره، وجعل أبو الخطاب أن بقية الحدود لا يثبت إلا بإقراره مرتين. وقال في عيون المسائل في حد الخمر بمرتين، وإن سلمناه فلأنه لا يتضمن إتلافا بخلاف حد السرقة، قال في الفروع: ولم يفرقوا بين حد القذف وغيره، لأنه حق آدمي كالقود فدل على رواية فيه قال وهذا متجه.
ويثبت أيضا شربها بشهادة عدلين مطلقا على الصحيح من المذهب، وقيل ويعتبر قولهما، عالما بتحريمه واختياره وأطلقهما في الرعاية الكبرى (١) انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والحد واجب إذا قامت البينة أو اعترف الشارب، فإن وجدت منه رائحة الخمر أو رئي وهو يتقايؤها ونحو ذلك فقد قيل لا يقام عليه الحد،
стр. 16463
لاحتمال أنه شرب ما ليس بخمر أو شربها جاهلا بها أو مكرها ونحو ذلك.
وقيل: يجلد إذا عرف أن ذلك مسكر وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة كعثمان وعلي وابن مسعود وعليه تدل سنة رسول الله ﷺ وهو الذي اصطلح عليه الناس وهو مذهب مالك وأحمد في غالب نصوصه (١) انتهى.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: وحكم عمر وابن مسعود ﵄ ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة بوجوب الحد برائحة الخمر من في الرجل أو قيئه خمرا، اعتمادا على القرينة الظاهرة (٢) انتهى.
стр. 16464
سادسا: حكم من تكرر منه شربها "القتل أو الجلد".
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: أحدهما: أنه يقتل وبه قال ابن حزم ومن وافقه من أهل العلم.
والثاني: أنه لا يقتل، وبه قال جمهور أهل العلم وفيما يلي بيان القولين مع الأدلة والمناقشة.
القول الأول: أن شارب الخمر إذا شرب ثم حد ثم شرب ثم حد ثم شرب ثم حد ثم شرب الرابعة قتل وهذا يقول به ابن حزم ومن يوافقه من أهل العلم، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقيل هو محكم وقد يقال: هو تعزير يفعله الإمام عند الحاجة وقال أيضا:
стр. 16465
وطائفة يقولون إذا لم ينتهوا عن الشرب إلا بالقتل جاز ذلك) انتهى المقصود (١).
والحجة لهذا القول:
١ - قال ابن حزم: نا أحمد بن قاسم، نا أبو قاسم بن محمد بن قاسم، نا جدي قاسم بن أصبغ، نا الحارث - هو ابن أبي أسامة - نا عبد الوهاب بن عطاء، أنا قرة بن خالد عن الحسن بن عبد الله بن النصري عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: " ائتوني برجل أقيم عليه حدا في الخمر فإن لم أقتله فأنا كاذب) انتهى.
وهذا الحديث رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر وقال: قال رسول الله ﷺ : «من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فاقتلوه (٢)». قال عبد الله: ائتوني برجل قد شرب الخمر في الرابعة فلكم علي أن أقتله.
وأجيب عن هذا الحديث بأنه منقطع فلا حجة لهم فيه قال ابن حجر: وهذا منقطع، لأن الحسن لم يسمع من عبد الله بن عمر كما جزم به ابن المديني وغيره فلا حجة فيه، وإذ لم يصح هذا عن عبد الله بن عمرو لم يبق لمن رد الإجماع على ترك القتل متمسك حتى ولو ثبت عن عبد الله بن عمرو لكان عذره أنه لم يبلغه النسخ، وعد ذلك من نزره المخالف، وقد جاء عن
стр. 16466
عبد الله بن عمرو أشد من الأول فأخرج سعيد بن منصور عنه بسند لين قال: لو رأيت أحدا يشرب الخمر واستطعت أن أقتله لقتلته (١) انتهى.
٢ - عن معاوية ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا شربوا الخمر فاجلدوهم ثم إذا شربوا فاجلدوهم ثم إذا شربوا الرابعة فاقتلوهم (٢)» رواه الخمسة إلا النسائي، قال الشوكاني: قال البخاري: هو أصح ما في هذا الباب، وأخرجه أيضا الشافعي والدارمي وابن المنذر وابن حبان وصححه من حديث أبي هريرة، وأخرجه ابن أبي شيبة من رواية أبي سعيد والمحفوظ أنه عن معاوية وأخرجه أبو داود من رواية أبان العطار وفيه فإن شربوا يعني بعد الرابعة فاقتلوهم. ورواه أيضا أبو داود من حديث ابن عمر قال: وأحسبه قال في الخامسة ثم إن شربها فاقتلوه، قال: وكذا في حديث غطيف في الخامسة. انتهى (٣).
٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن سكر فاجلدوه ثم إن سكر فاجلدوه ثم إن سكر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاضربوا عنقه (٤)». رواه الخمسة إلا الترمذي.
وأجيب عن هذه الأحاديث وما في معناها أن القتل منسوخ وأدلة النسخ:
стр. 16467
١ - قال الترمذي: إنما كان هذا في أول الأمر ثم نسخ بعد، هكذا روى محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي ﷺ قال: «إن شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد الرابعة فاقتلوه قال ثم أتي النبي ﷺ بعد ذلك برجل قد شرب في الرابعة فضربه ولم يقتله (١)». وأخرجه النسائي أيضا.
٢ - عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب أن النبي ﷺ قال: «من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه، فأتي برجل قد شرب فجلده ثم أتي به فجلده ثم أتي به فجلده، ورفع القتل وكان رخصة (٢)». رواه أبو داود وذكره الترمذي بمعناه وأخرجه أيضا الشافعي وعبد الرزاق، وعلقه الترمذي وأخرجه أيضا الخطيب عن ابن إسحاق عن الزهري عن قبيصة، قال سفيان بن عيينة حدث الزهري بهذا وعنده منصور بن المعتمر ومخول بن راشد فقال لهما: كونا وافدي أهل العراق بهذا الحديث. وقبيصة بن ذؤيب من أولاد الصحابة ولد عام الفتح وقيل إنه ولد أول سنه من الهجرة، ولم يذكر له سماع من رسول الله ﷺ وعده الأئمة من التابعين وذكروا أنه سمع الصحابة، قال المنذري: وإذا ثبت أن مولده أول سنة من الهجرة أمكن أن يكون سمع من النبي ﷺ وقد قيل أنه أتي به النبي ﷺ وهو غلام يدعو له. وذكر عن الزهري أنه كان إذا ذكر قبيصة بن ذؤيب قال: كان من علماء هذه الأمة، وأما أبوه ذؤيب بن حلحلة
стр. 16468
فله صحبة. انتهى. ورجال الحديث مع إرساله ثقات وأعله الطحاوي بما أخرجه من طريق الأوزاعي أن الزهري راويه قال: بلغني عن قبيصة ولم يذكر أنه سمع منه.
وعورض بأنه رواه ابن وهب عن يونس قال: أخبرني الزهري أن قبيصة حدثه أنه بلغه عن النبي ﷺ ، ويونس أحفظ لحديث الزهري من الأوزاعي، وأخرج عبد الرزاق عن ابن المنكدر مثله. انتهى (١) من كلام الشوكاني.
وقال ابن حجر: وأخرجه الخطيب في المبهمات من طريق محمد بن إسحاق عن الزهري وقال فيه: «فأتي برجل من الأنصار يقال له نعيمان فضربه أربع مرات فرأى المسلمون أن القتل قد أخر وأن الضرب قد وجب».
وقال ابن حجر على قوله " بلغه ": والظاهر أن الذي بلغ قبيصة ذلك صحابي، فيكون الحديث على شرط الصحيح، لأن إبهام الصحابي لا يضر. وله شاهد أخرجه عبد الرزاق عن معمر قال: حدثت به ابن المنكدر فقال: ترك ذلك، قد «أتي النبي ﷺ بابن نعيمان فجلده ثلاثا ثم أتي به في الرابعة فجلده ولم يزد (٢)». ووقع عند النسائي من طريق محمد بن إسحاق عن ابن المنكدر عن جابر «فأتي رسول الله ﷺ برجل منا قد شرب في الرابعة فلم يقتله».
وأخرجه من وجه آخر عن محمد بن إسحاق بلفظ: «فإن عاد
стр. 16469
الرابعة فاضربوا عنقه، فضربه رسول الله ﷺ أربع مرات، فرأى المسلمون أن الحد قد وقع وأن القتل قد رفع (١)» انتهى.
القول الثاني:
أنه لا يقتل وأن القتل منسوخ وهذا قول جمهور العلماء، وفيما يلي بيان بعض من قال بذلك مع الأدلة والمناقشة.
قال الشوكاني: ذهب الجمهور إلى أنه لا يقتل الشارب وأن القتل منسوخ، قال الشافعي: والقتل منسوخ بهذا الحديث وغيره يعني حديث قبيصة بن أبي ذؤيب، ثم ذكر أنه لا خلاف في ذلك بين أهل العلم، وقال الخطابي: قد يراد بالأمر الوعيد ولا يراد به الفعل وإنما يقصد به الردع والتحذير وقد يحتمل أن يكون القتل في الخامسة واجبا ثم نسخ بحصول الإجماع من الأمة على أن لا يقتل. انتهى.
وحكى المنذري عن بعض أهل العلم أنه قال: أجمع المسلمون على وجوب الحد في الخمر وأجمعوا على أنه لا يقتل إذا تكرر منه إلا طائفة شاذة قالت: يقتل بعد حده أربع مرات للحديث وهو عند الكافة منسوخ. انتهى.
وقال الترمذي أنه لا يعلم في ذلك اختلافا بين أهل العلم في القديم والحديث، وذكر أيضا في آخر كتابه الجامع في العلل أن جميع ما فيه معمول به عند البعض من أهل العلم إلا حديث "إذا سكر فاجلدوه" المذكور في الباب، وحديث الجمع بين الصلاتين
стр. 16470
انتهى (١).
وقال ابن حجر: وأما ابن المنذر فقال: كان العمل فيمن شرب الخمر أن يضرب وينكل به، ثم نسخ بالأمر بجلده، فإن تكرر ذلك أربعا قتل، ثم نسخ ذلك بالأخبار الثانية وبإجماع أهل العلم إلا من شذ ممن لا يعد خلافه خلافا، انتهى (٢).
وقال شيخ الإسلام: والقتل عند أكثر العلماء منسوخ. انتهى (٣).
وقال شيخ الإسلام أيضا: وقد روي من وجوه عن النبي ﷺ قال: «من شرب الخمر فاجلدوه ثم إن شربها فاجلدوه ثم إن شربها فاجلدوه ثم إن شربها في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه (٤)» فأمر بقتل الشارب في الثالثة أو الرابعة وأكثر العلماء لا يوجبون القتل بل يجعلون هذا الحديث منسوخا وهو المشهور من مذاهب الأئمة وبعد ذكره للقول بالقتل ودليله قال: والحق ما تقدم - ثم ذكر حديث عبد الله الحمار الثابت في الصحيح وسيأتي ذكره (٥).
وقال ابن حزم وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم لا قتل وذكروا ذلك عن عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص. انتهى (٦).
стр. 16471
الأدلة
الدليل الأول:
روى ابن حزم بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا شرب الرجل فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد الرابعة فاقتلوه فأتي برجل منا فلم يقتله (١)». ونوقش بأنه لا يصح، لأنه لم يروه عن ابن المنكدر أحد متصلا إلا شريك القاضي وزياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق عن ابن المنكدر، وهما ضعيفان ذكر ذلك ابن حزم.
وقد يجاب عن ذلك أولا: بأن زيادا صدوق وثبت في روايته عن ابن إسحاق لا مطعن فيها عند أئمة الحديث. وقد يجاب عن ذلك ثانيا: (٢) بأن الضعف الذي ادعاه بعض أئمة الحديث في شريك وبعضهم في زياد يزول هنا بمتابعة أحدهما للآخر في رواية هذا الحديث عن محمد بن إسحاق، كما تزول تهمة التدليس من ابن إسحاق برواية قبيصة بن ذؤيب الآتية، لأن المدلس إذا تابعه غيره من المعتبرين صار حديثه حسنا لغيره.
الدليل الثاني:
ما رواه ابن حزم بسنده عن ابن شهاب أن قبيصة بن ذؤيب حدثه أنه بلغه عن رسول الله ﷺ أنه قال لشارب الخمر: «إن شرب فاجلدوه ثم إن شرب فاجلدوه ثم إن شرب فاجلدوه ثم إن شرب فاقتلوه. فأتي برجل قد شرب ثلاث مرات فجلده ثم أتي
стр. 16472
به في الرابعة فجلده ووضع القتل عن الناس (١)».
وناقشه ابن حزم بأنه منقطع ولا حجة في المنقطع.
وقد مضى الجواب عن ذلك في الكلام على درجة هذا الحديث عند الاستدلال به على النسخ.
الدليل الثالث:
ما رواه ابن حزم عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب «أن رجلا على عهد رسول الله ﷺ كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارا وكان يضحك رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ قد جلده في الشرب، فأتي به يوما فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به، فقال رسول الله ﷺ : لا تلعنوه فوالله ما علمته إلا يحب الله ورسوله (٢)».
وناقش ابن حزم هذا الحديث قائلا: وأما حديث زيد بن أسلم الذي من طريق معمر عنه فمنقطع، ثم لو صح لما كانت فيه حجة لأنه ليس فيه أن ذلك كان بعد أمر رسول الله ﷺ بالقتل فإذ ليس ذلك فيه فاليقين الثابت لا يحل تركه للضعيف الذي لا يصح ولو صح لكان ظنا فسقط التعليق به جملة.
ولو أن إنسانا يجلده النبي ﷺ في الخمر ثلاث مرات قبل أن يأمر بقتله في الرابعة لكان مقتضى أمره ﷺ استئناف جلده بعد ذلك ثلاث مرات ولا بد، لأنه ﵊ حين لفظ بالحديث المذكور أمر في المستأنف بضربه إن شرب ثم بضربه إن شرب ثانية ثم بضربه ثالثة ثم بقتله رابعة هذا نص حديثه وكلامه
стр. 16473
عليه الصلاة والسلام، فإنما كان يكون حجة لو بين أنه أتي به أربع مرات بعد أمره ﵊ بقتله في الرابعة، وهكذا القول سواء بسواء في حديث عمر الذي من طريق سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم.
وأجيب عن ذلك بما يلي:
أولا: هذا الحديث أخرجه البخاري في الصحيح فقال: حدثنا يحيى بن بكير حدثني الليث قال حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب «أن رجلا كان على عهد رسول الله ﷺ كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارا وكان يضحك رسول الله، وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب، فأتي به يوما فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ : لا تلعنوه فوالله ما علمته إلا أنه يحب الله ورسوله (١)».
قال ابن حجر على هذا الحديث: وفيه ما يدل على نسخ الأمر الوارد بقتل شارب الخمر إذا تكرر منه إلى الرابعة أو الخامسة، فقد ذكر ابن عبد البر أنه أتي به أكثر من خمسين مرة. انتهى (٢).
ثانيا: أن بعض الصحابة عمل بالناسخ فأخرج عبد الرزاق في مصنفه بسند لين عن عمر بن الخطاب أنه جلد أبا محجن الثقفي في الخمر ثمان مرار، وأورد نحو ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وأخرج حماد بن سلمة في مصنفه من طريق أخرى رجالها
стр. 16474
ثقات أن عمر جلد أبا محجن في الخمر أربع مرار ثم قال له: "أنت خليع"، فقال: أما إذ خلعتني فلا أشربها أبدا. انتهى، ذكر ذلك ابن حجر (١).
ثالثا: سبق نقول عن أهل العلم بالقول بالنسخ، وذكر الشافعي أنه مما لا اختلاف فيه.
رابعا: إذا كان ثابتا فقد مضى حديث جابر عند الترمذي والنسائي وفيه بيان أن القتل كان متقدما وأن تركه كان متأخرا.
الدليل الرابع:
قوله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو نفس بنفس (٢)».
وجه الدلالة أنه لا يجوز أن يقتل أحد لم يذكر في هذا الخبر، ذكر ذلك ابن حزم، وقد يجاب عن ذلك بأن هذا مسلم لو لم يرد دليل يدل على القتل وقد ورد، ويناقش ذلك بتسليم ورود القتل ولكنه نسخ وقد تقدم بيان ذلك.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن عبد الرحمن الغديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 16475
سابعا: نجاسة الخمر
اختلف أهل العلم في نجاسة الخمر فمنهم من قال إنها نجسة، ومنهم من قال إنها طاهرة، وفيما يلي ذكر نقول عن أهل العلم لكل قول مع بيان أدلتهم ومناقشتها:
القول الأول: أنها نجسة، وممن قال بهذا القول جمهور العلماء:
أ - جاء في الهداية أنها نجسة نجاسة غليظة كالبول لثبوتها
стр. 16476
بالدلائل القطعية (١).
ب - قال القرطبي: فهم الجمهور من تحريم الخمر واستخباث الشرع لها وإطلاق الرجس عليها والأمر باجتنابها الحكم بنجاستها (٢). انتهى.
جـ - قال ابن العربي على قوله رجس هو النجس - إلى أن قال: ولا خلاف في ذلك بين الناس إلا ما يؤثر عن ربيعة أنه قال: أنها محرمة وهي طاهرة كالحرير عند مالك وهو محرم مع أنه طاهر انتهى المقصود (٣).
د - قال ابن قدامة: والخمر نجسة في قول عامة أهل العلم، انتهى المقصود (٤).
هـ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والحشيشة المسكرة حرام ومن استحل السكر منها فقد كفر، بل في أصح قولي العلماء أنها نجسة كالخمر، والخمر كالبول والحشيشة كالعذرة. انتهى (٥).
واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والأثر والمعنى.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٦).
وجه الدلالة ما ذكره الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀
стр. 16477
تعالى قال: يفهم من هذه الآية الكريمة أن الخمر نجسة العين لأن الله تعالى قال: إنها رجس، والرجس في كلام العرب كل مستقذر تعافه النفس، وقيل أن أصله من الركس وهو العذرة والنتن، قال بعض العلماء: ويدل لهذا مفهوم المخالفة في قوله تعالى في شراب أهل الجنة ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ (١) لأن وصفه لشراب أهل الجنة بأنه طهور يفهم منه أن خمر الدنيا ليس كذلك، ومما يؤيد هذا أن كل الأوصاف التي مدح بها الله تعالى خمر الآخرة منفية عن خمر الدنيا كقوله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ (٢) وقوله ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ (٣) بخلاف خمر الدنيا ففيها غول يغتال العقول، وأهلها يصدعون أي يصيبهم الصداع الذي هو وجع الرأس بسببها (٤). انتهى المقصود.
وأما السنة فما رواه البخاري وغيره عن أبي ثعلبة الخشني قال: قلت: «يا نبي الله إنا بأرض قوم من أهل الكتاب أفنأكل في آنيتهم قال: أما ما ذكرت من أهل الكتاب فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها (٥)».
وفي لفظ لأحمد عن أبي ثعلبة الخشني قال: قلت يا رسول الله: «إن أرضنا أرض أهل كتاب وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر فكيف أصنع بآنيتهم وقدورهم قال: إن لم تجدوا غيرهما فارحضوها واطبخوا فيها واشربوا (٦)». وعنه من طريق أخرى قال: «قلت يا رسول الله: إنا أهل سفر نمر باليهود والنصارى والمجوس
стр. 16478
ولا نجد غير آنيتهم قال فإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها بالماء ثم كلوا فيها واشربوا (١)».
وجه الدلالة ما ذكره الخطابي بقوله: والأصل في هذا أنه إذا كان معلوما من حال المشركين أنهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر. فإنه لا يجوز استعمالها إلا بعد الغسل والتنظيف (٢).
وقد يناقش ذلك بأن الأمر بغسلها من أجل أنهم يأكلون من لحم الخنزير لا من أجل نجاسة الخمر.
وقد يجاب عن ذلك بأن نجاسة الخمر كانت متقررة عند الصحابة ولهذا سأل أبو ثعلبة الخشني عن المخرج من ذلك وكان السؤال عن أمرين والجواب عنهما ولو لم تكن الخمر نجسة لما أمر بغسل الإناء الذي شرب فيه الخمر.
وأما الأثر فروى ابن عساكر في تاريخه بسنده عن عمر ﵁ كتب إلى خالد بن الوليد ﵁ أنه بلغني أنك تدلك بالخمر والله قد حرم ظاهر الخمر وباطنها وقد حرم مس الخمر كما حرم شربها فلا تمسوها أجسادكم فإنها نجس (٣).
وأما المعنى: -
١ - أن الله تعالى حرمها لعينها فكانت نجسة كالخنزير (٤).
стр. 16479
٢ - إن من تمام تحريمها وكمال الردع عنها الحكم بنجاستها حتى يتقذرها العبد فكيف عنها قربا بالنجاسة وشربا بالتحريم فالحكم بنجاستها يوجب التحريم (١).
القول الثاني: أنها طاهرة، قال القرطبي بعد ذكره لقول من قالها إنها نجسة قال: وخالفهم في ذلك ربيعة والليث بن سعد والمزني صاحب الشافعي وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين فرأوا أنها طاهرة، وأن المحرم إنما هو شربها، وقد استدل سعيد بن الحداد القروي على طهارتها بسفكها في طرق المدينة. قال ولو كانت نجسة لما فعل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، ولنهى النبي ﷺ عنه كما نهى عن التخلي في الطريق (٢). انتهى.
وقد يناقش هذا الاستدلال بالوجوه الآتية:
الوجه الأول: قد يقال المواضع التي أريق فيها الخمر ليست مواضع للصلاة بل هي مسالك استطراق فإما أن يقال بأنه لا يشق الاحتراز منها أو لا، وعلى القول بأنه لا يشق الاحتراز منها ووطئها المار فإنه يطهره ما بعده، فروى الإمام أحمد وأبو داود أن امرأة قالت لأم سلمة: «إني أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر فقالت: قال رسول الله ﷺ يطهره ما بعده (٣)»، وروى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا وطئ أحدكم
стр. 16480
بنعله الأذى فإن التراب لهما طهور (١)». وفي لفظ: «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه فطهورها التراب (٢)».
وروى أبو داود أيضا عن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: «يا رسول الله إن لنا طريقا إلى المسجد منتنة كيف نفعل إذا تطهرنا؟ قال: أوليس بعدها طريق أطيب منها، قالت: قلت: بلى، قال: فهذه بهذه (٣)». وروى الترمذي مثله عن أم سلمة.
الوجه الثاني: قد يقال إن إراقتها في الأسواق فيه زجر بليغ ليرى الناس الخمر التي تعلقت بها نفوسهم تراق فيبادروا إلى الامتثال فمن كان عنده شيء منها عرف أنه لا ينتفع به بأي وجه من وجوه الانتفاع.
الوجه الثالث: وقد يقال إن الخمر لما أريقت في الطرقات ضربتها الرياح وخالطها التراب فزالت منها المادة المسكرة فتكون متخللة بنفسها، وقد ذكر العلماء أن الخمر إذا تخللت بنفسها أنها طاهرة، وقد مضى الكلام مفصلا على ذلك في البحث الذي أعد في موضوع " الاستحالة " والذي بحثه المجلس في دورته التاسعة.
الوجه الرابع: وقد يقال إنها قليلة بحيث يسهل التحرز منها بالنسبة لمن يمر مع الطريق الذي أريقت فيه.
الوجه الخامس: أن التغوط في الأسواق لا يتناسب مع المروءة ولأنه لو ساغ لكل أحد أن يتغوط في السوق لأدى ذلك إلى ضرر
стр. 16481
على الناس واستمر الناس عليه إلى الأبد وقد قال ﷺ : «من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليهم لعنتهم».
وبناء على ذلك لا يقال لو كانت نجسة لنهى عن إراقتها في الأسواق كنهيه ﷺ عن التغوط في الأسواق.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن عبد الرحمن الغديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 16482
ثامنا: هل ينطبق على الكلونيا تعريف الخمر أو لا ؟
وما حكم شربها واستعمالها على كل من التقديرين؟
وهل يحكم بنجاستها على تقدير أنها خمر أو لا؟
كل أنواع الكلونيا تحتوي على كحول فيما نعلم ولكن نسبة هذا الكحول متفاوتة وليس كل ما فيه كحول يسكر شاربه، وعلى هذا إذا بلغت نسبة الكحول في نوع من أنواعها حدا يجعل كثيرها مسكرا فإنه ينطبق عليها تعريف الخمر عند جمهور الفقهاء فتسمى خمرا أيضا، ويحرم شرب قليلها وكثيرها، ويحد شاربها، ويجري فيها الخلاف في نجاستها، ولا ينطبق عليها تعريف الخمر عند أبي حنيفة ومن يوافقه من أهل العلم فلا تسمى خمرا ولكن يحرم شرب الكثير منها دون القليل.
وإذا لم تبلغ درجة أن يسكر شرب كثيرها فلا ينطبق عليها تعريف الخمر عند جميع الفقهاء ولا تسمى خمرا ولا يحرم شربها ولا استعمالها للتطهير ولا لطيب رائحتها ولا يحكم بنجاستها.
стр. 16483
وتقدير النسبة التي إذا بلغتها يكون كثيرها مسكرا يتوقف على تحليلها ويرجع إلى رأي أهل الخبرة في ذلك هذا ما تيسر ذكره.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن عبد الرحمن الغديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 16484
الفتاوى
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
في هذه الزاوية تجيب اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما يرد إليها من أسئلة واستفتاءات تهم المسلمين في شئونهم الدينية والاجتماعية.
стр. 16485
السؤال الثاني من الفتوى رقم ٨٨٤
س: يقول بعض العلماء إنه وردت أحاديث في فضيلة نصف شعبان وصيامه وإحياء ليلة النصف منه، هل هذه الأحاديث صحيحة أو لا؟ إن كان هناك صحيح فبينوه لنا بيانا شافيا، وإن كان غير ذلك فأرجو منكم الإيضاح، أثابكم الله؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد:
جـ: وردت أحاديث صحيحة في فضيلة صوم أيام كثيرة من شعبان إلا أنها لم تخص بعضا من أيامه دون بعض، فمنها ما في الصحيحين أن عائشة ﵂ قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان، فكان يصوم شعبان كله إلا قليلا (١)»، وفي حديث أسامة بن زيد أنه «قال للنبي ﷺ : " لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع الأعمال فيه إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم (٢)». رواه الإمام أحمد والنسائي.
ولم يصح حديث أنه ﷺ كان يتحرى صيام يوم بعينه من شعبان، أو كان يخص أياما منه بالصوم، لكن وردت أحاديث ضعيفة في قيام ليلة النصف من شعبان وصيام نهارها، منها ما رواه ابن ماجه في سننه عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا كان ليلة نصف شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها، فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول: ألا مستغفر فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه ألا كذا حتى يطلع الفجر (٣)». وقد صحح ابن حبان بعض ما ورد من الأحاديث في فضل
стр. 16486
إحياء ليلة النصف من شعبان، من ذلك ما رواه في صحيحه عن عائشة أنها قالت: «فقدت رسول الله ﷺ ، فخرجت فإذا هو في البقيع رافع رأسه، فقال: أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله، فقلت يا رسول الله: ظننت أنك أتيت بعض نسائك فقال: " إن الله ﵎ ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب (١)» وقد ضعف البخاري وغيره هذا الحديث.
وأكثر العلماء يرون ضعف ما ورد في فضل ليلة النصف من شعبان وصوم يومها، وقد عرف عند علماء الحديث تساهل ابن حبان في تصحيح الأحاديث، وبالجملة فإنه لم يصح شيء من الأحاديث التي وردت في فضيلة إحياء ليلة النصف من شعبان وصوم يومها عند المحققين من علماء الحديث، وكذا أنكروا قيامها وتخصيص يومها بالصيام، وقالوا إن ذلك بدعه، وعظم جماعة من العباد تلك الليلة اعتمادا على ما ورد من الأحاديث الضعيفة واشتهر عنهم ذلك فتابعهم عليه الناس، تحسينا للظن بهم، بل قال بعضهم لفرط تعظيمه لليلة النصف من شعبان إنها الليلة المباركة التي أنزل فيها القرآن وأنها يفرق فيها كل أمر حكيم، وجعل ذلك تفسيرا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ (٢) ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٣) وهذا من الخطأ المبين، ومن تحريف القرآن عن مواضعه، فإن المراد بالليلة المباركة في الآية ليلة القدر، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٤) وليلة القدر في شهر رمضان للأحاديث الواردة في ذلك، لقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (٥).
стр. 16487
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
стр. 16488
السؤال الأول من الفتوى رقم ٧٩٢٩
س: سؤالي عن ليلة النصف من شعبان هل هذه الآية التي في سورة الدخان ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (١) هل المقصود بها ليلة النصف من شعبان أم المراد بها ليلة القدر سبع وعشرين من رمضان المبارك، وهل يستحب في ليلة النصف من شعبان العبادة والذكر والقيام وقراءة القرآن وصيام يوم أربعة عشر من شعبان؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد:
جـ: أولا: الصحيح أن الليلة المذكورة في هذه الآية هي ليلة القدر وليست ليلة النصف من شعبان.
ثانيا: لا يستحب تخصيص ليلة النصف من شعبان بشيء من العبادة مما ذكرت أو غيره، بل هي كغيرها من الليالي الأخرى وتخصيصها بشيء من العبادات بدعة.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 16489
فتوى رقم ٩٧٦٠
س: إن أبي قد أوصاني في حياته أن أعمل صدقة حسب استطاعتي وذلك ليلة النصف من شعبان من كل سنة وفعلا كنت أعملها إلى حد الآن، غير أن بعض الناس لاموني على ذلك يقولون: قد لا يجوز ذلك، فهل هذه الصدقة ليلة النصف من شعبان جائزة حسب وصية أبي أم غير جائزة أفتونا جزاكم الله خيرا؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد:
جـ: تخصيص هذه الصدقة بنصف شعبان من كل سنة بدعة غير جائزة ولو أوصى بذلك والدك، وعليك أن تنفذ هذه الصدقة لكن لا تخص بها النصف من شعبان بل اجعلها كل سنة في شهر من شهور السنة دون تخصيص شهر معين، والأفضل في رمضان.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 16490
السؤال الثاني من الفتوى رقم ١٠٨٠٣
س: في اليوم العاشر من المحرم بعض الناس يوسعون الطعام على أهله ويبينون الخطباء فضائله الدينية والدنيوية ماذا حيثية، وهكذا بعض الناس يقولون بالتجارب طعمه البركة في المال؟