٢ - تعريفها عند المالكية:
أ - في المدونة قلت لابن القاسم: هل كان مالك يكره المسكر من النبيذ؟ قال: قال مالك ما أسكر من الأشربة كلها فهو خمر، انتهى المقصود (١).
ب - وقال الزرقاني: وهي ما خامر العقل، كما خطب بذلك عمر بن الخطاب ﵁ بحضرة الصحابة الأكابر ولم ينكره أحد فشمل كل مسكر، سميت بذلك لأنها تخمر العقل أي تغطيه وتستره، وكل شيء غطى شيئا فقد خمره كخمار المرأة لأنه يغطي رأسها، ويقال للشجر الملتف: الخمر لأنه يغطي ما تحته، أو لأنها تركت حتى أدركت. كما يقال: خمر الرأي واختمر أي ترك حتى يتبين فيه الوجه، واختمر الخبز إذا بلغ إدراكه، ولأنها استقت من المخامرة التي هي المخالطة لأنها تخالط العقل وهذا قريب من الأول، والثلاثة موجودة في الخمر لأنها تركت حتى أدركت الغليان وحد الإسكار وهي مخالطة العقل وربما غلت عليه وغطته قاله أبو عمر (٢).
٣ - تعريفها عند الشافعية:
وقال المزني: قال الشافعي: كل شراب أسكر كثيره فقليلة حرام. انتهى المقصود (٣).
وقال الرملي: وحقيقة الخمر المسكر من عصر العنب وإن لم
стр. 16417
يقذف بالزبد وتحريم غيرها بنصوص دلت على ذلك (١).
٥ - تعريفها عند الحنابلة:
قال ابن قدامة: كل مسكر حرام قليله وكثيره وهو خمر حكمه حكم عصير العنب في تحريمه ووجوب الحد على شاربه، انتهى المقصود (٢).
قال شيخ الإسلام: والخمر التي حرمها الله ورسوله وأمر النبي ﷺ بجلد شاربها. كل شراب مسكر من أي أصل سواء كان من الثمار كالعنب والرطب والتين، أو الحبوب كالحنطة والشعير، أو الطلول كالعسل أو الحيوان كألبان الخيل، بل لما أنزل الله عليه على نبيه محمد ﷺ تحريم الخمر لم يكن عندهم في المدينة من خمر العنب شيء، لأنه لم يكن في المدينة شجر عنب وإنما كانت تجلب من الشام، وكان عامة شرابهم من نبيذ التمر، وقد تواترت السنة عن النبي ﷺ وخلفاءه وأصحابه ﵃ أنه حرم كل مسكر وبين أنه خمرا (٣).
стр. 16418
ثانيا: عقوبة من ثبت عليه شرب الخمر في عهد النبي ﷺ وفي عهد الخلفاء الراشدين .
١ - روى البخاري في الصحيح بسند عن أنس بن مالك ﵁ «أن النبي ﷺ ضرب في الخمر بالجريد والنعال (١)»، وجلد أبو بكر أربعين.
وذكر ابن حجر أن هذا الحديث أخرجه البيهقي في الخلافيات
стр. 16419
من طريق جعفر بن محمد القلانسي عن آدم شيخ البخاري فيه بلفظ «أن النبي ﷺ أتى برجل شرب الخمر فضربه بجريدتين نحوا من أربعين (١)»، ثم صنع أبو بكر مثل ذلك، فلما كان عمر استشار الناس فقال له عبد الرحمن بن عوف: "أخف الحدود ثمانون ففعله عمر ". ولفظ رواية خالد التي ذكرتها إلى قوله " نحوا من أربعين " وأخرجه مسلم والنسائي أيضا من طريق محمد بن جعفر عن شعبة مثل رواية آدم إلا أنه قال: " وفعله أبو بكر فلما كان عمر - أي في خلافته - استشار الناس فقال عبد الرحمن - يعني ابن عوف -: أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر ".
وأخرج النسائي من طريق يزيد بن هارون عن شعبة " فضربه بالنعال نحوا من أربعين " ثم أتي به أبو بكر فصنع به مثل ذلك ". . ورواه همام عن قتادة بلفظ " فأمر قريبا من عشرين رجلا فجلده كل رجل جلدتين بالجريد والنعال " أخرجه أحمد والبيهقي. وهذا يجمع ما اختلف فيه على شعبة وأن جملة الضربات كانت نحو أربعين، لا أنه جلده بجريدتين أربعين، فتكون الجملة ثمانين، كما أجاب به بعض الناس ورواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ " جلد بالجريد والنعال أربعين " علقه أبو داود بسند صحيح ووصله البيهقي، وكذا أخرجه مسلم من طريق وكيع عن هشام بلفظ " كان يضرب في الخمر مثله " (٢) انتهى المقصود.
٢ - أخرج البخاري بسنده عن عقبة بن الحارث «أن النبي ﷺ أتي بنعيمان - أو بابن نعيمان - وهو سكران فشق عليه وأمر من
стр. 16420
في البيت أن يضربوه فضربوه بالجريد والنعال وكنت فيمن ضربه (١)».
٣ - أخرج البخاري بسنده عن عمير بن سعيد النخعي قال: سمعت علي بن أبي طالب ﵁ قال: ما كنت لو أقيم حدا على أحد فيموت فأجد في نفسي إلا شارب الخمر فإنه لو مات وديته وذلك أن رسول الله ﷺ لم يسنه.
٤ - أخرج البخاري بسنده عن السائب بن يزيد قال: «كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله ﷺ وإمرة أبي بكر فصدرا من خلافة عمر فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين (٢)»، وقد علق ابن حجر على قوله: " حتى كان آخر خلافة عمر فجلد أربعين " ظاهره أن التحديد بأربعين إنما وقع في آخر خلافة عمر، وليست كذلك لما في قصة خالد بن الوليد وكتابه إلى عمر ﵁ فإنه يدل على أن أمر عمر بجلد ثمانين كان في وسط إمارته، لأن خالدا مات في وسط خلافة عمر، انتهى المقصود ١٢/ ٦٩.
٥ - قال ابن حجر: أخرج النسائي بسند صحيح عن أبي سعيد «أتي النبي ﷺ بنشوان فأمر به فنهز بالأيدي وخفق بالنعال (٣)» الحديث.
ولعبد الرزاق بسند صحيح عن عبيد بن عمير أحد كبار التابعين (كان الذي يشرب الخمر في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وبعض إمارة عمر يضربونه بأيديهم ونعالهم ويصكونه (٤).
стр. 16421
٦ - قال ابن حجر: وقع في مرسل عبيد بن عمير أحد كبار التابعين فيما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عنه نحو حديث السائب وفيه: (أن عمر جعله أربعين سوطا فلما رآهم لا يتناهون جعله ستين سوطا، فلما رآهم لا يتناهون جعله ثمانين سوطا وقال: هذا أدنى الحدود) (١).
٧ - أخرج مالك في الموطأ عن ثور بن يزيد " أن عمر استشار في الخمر فقال له علي بن أبي طالب: نرى أن تجعله ثمانين، فإنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى، فجلد عمر في الخمر ثمانين ".
قال ابن حجر (٢): وهذا معضل، وقد وصله النسائي والطحاوي من طريق يحيى بن فليح عن ثور عن عكرمة عن ابن عباس مطولا ولفظه: «أن الشراب كانوا يضربون على عهد رسول الله ﷺ بالأيدي والنعال والعصا حتى توفي، فكانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم، فقال أبو بكر: لو فرضنا لهم حدا فتوخى نحو ما كانوا يضربون في عهد النبي ﷺ فجلدهم أربعين حتى توفي، ثم كان عمر فجلدهم كذلك حتى أتي برجل» فذكر قصة وأنه تأول قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (٣) وإن ابن عباس ناظره في ذلك واحتج ببقية الآية وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ (٤) والذي يرتكب ما حرمه الله ليس بمتق، فقال عمر: ما ترون؟ فقال علي. . " فذكره وزاد بعد قوله:
стр. 16422
" وإذا هذى افترى " " وعلى المفتري ثمانون جلدة فأمر عمر فجلده ثمانين " ولهذا الأثر عن علي طرق أخرى، منها ما أخرجه الطبراني والطحاوي والبيهقي من طريق أسامة بن زيد عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن " أن رجلا من بني كلب يقال له ابن دبره أخبره أن أبا بكر كان يجلد في الخمر أربعين، وكان عمر يجلد فيها أربعين، قال: " فبعثني خالد بن الوليد إلى عمر فقلت: إن الناس قد انهمكوا في الخمر واستخفوا العقوبة، فقال عمر لمن حوله ما ترون؟ قال: " ووجدت عنده عليا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف في المسجد فقال علي. . . . "، فذكر مثل رواية ثور الموصلة، ومنها ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن عكرمة: " أن عمر شاور الناس في الخمر فقال له علي: إن السكران إذا سكر هذى " الحديث. ومنها ما أخرجه ابن أبي شيبة من رواية أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال: " شرب نفر من أهل الشام الخمر وتأولوا الآية المذكورة فاستشار عمر فيهم فقلت: أرى أن تستتيبهم فإن تابوا ضربتهم ثمانين ثمانين، وإلا ضربت أعناقهم لأنهم استحلوا ما حرم الله فاستتابهم فتابوا فضربهم ثمانين ثمانين "، وأخرج أبو داود والنسائي من حديث عبد الرحمن بن أزهر في قصة الشارب الذي ضربه النبي ﷺ بحنين وفيه: " فلما كان عمر كتب إليه خالد بن الوليد: إن الناس قد انهمكوا في الشرب وتحاقروا العقوبة، قال وعنده المهاجرون والأنصار، فسألهم واجتمعوا على أن يضربه ثمانين، وقال علي: فذكر مثله ".
стр. 16423
وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج ومعمر عن ابن شهاب قال: " فرض أبو بكر في الخمر أربعين سوطا وفرض فيها عمر ثمانين "، قال الطحاوي: جاءت الأخبار متواترة عن علي أن النبي ﷺ لم يسن في الخمر شيئا. ويؤيده فذكر الأحاديث التي ليس فيها تقييد بعدد: حديث أبي هريرة، وحديث عقبة بن الحارث المتقدمين، وحديث عبد الرحمن بن أزهر: «أن النبي ﷺ أتي برجل قد شرب الخمر فقال للناس: اضربوه فمنهم من ضربه بالنعال ومنهم من ضربه بالعصا ومنهم من ضربه بالجريد ثم أخذ رسول الله ﷺ ترابا فرمى به في وجهه (١)». وتعقب بأنه قد ورد في بعض طرقه ما يخالف قوله وهو ما عند أبي داود والنسائي في هذا الحديث " ثم أتي أبو بكر بسكران فتوخى الذي كان من ضربهم عند رسول الله ﷺ فضربه أربعين، ثم أتي عمر بسكران فضربه أربعين " فإنه يدل على أنه وإن لم يكن في الخبر تنصيص على عدد معين ففيما اعتمده أبو بكر حجة على ذلك، ويؤيده ما أخرجه مسلم من طريق حضين - بمهملة وضاد معجمة مصغر - بن المنذر " أن عثمان أمر عليا بجلد الوليد بن عقبة في الخمر فقال لعبد الله بن جعفر: اجلده فجلده، فلما بلغ أربعين قال: أمسك، جلد رسول الله ﷺ أربعين وجلد أبو بكر أربعين وجلد عمر ثمانين وكل سنة، وهذا أحب إلي" فإن فيه الجزم بأن النبي ﷺ جلد أربعين، وسائر الأخبار ليس فيها عدد إلا بعض الروايات الماضية عن أنس ففيها نحو أربعين والجمع بينها أن عليا أطلق الأربعين فهو حجة
стр. 16424
على من ذكرها بلفظ التقريب، وادعى الطحاوي أن رواية أبي ساسان هذه ضعيفة لمخالفتها الآثار المذكورة، ولأن راويها عبد الله بن فيروز المعروف بالداناج بنون وجيم ضعيف، وتعقبه البيهقي بأنه حديث صحيح مخرج في المسانيد والسنن، وأن الترمذي سأل البخاري عنه فقواه وقد صححه مسلم وتلقاه الناس بالقبول، وقال ابن عبد البر: إنه أثبت شيء في هذا الباب.
قال البيهقي وصحة الحديث إنما تعرف بثقة رجاله، وقد عرفهم حفاظ الحديث وقبلوهم، وتضعيفه الداناج لا يقبل؛ لأن الجرح بعد ثبوت التعديل لا يقبل إلا مفسرا، ومخالفة الراوي غيره في بعض ألفاظ الحديث لا تقتضي تضعيفه ولا سيما مع ظهور الجمع، قلت: وثق الداناج المذكور أبو زرعة والنسائي، وقد ثبت عن علي في هذه القصة من وجه آخر أنه جلد الوليد أربعين ثم ساق من طريق هشام بن يوسف عن معمر وقال: أخرجه البخاري، وهو كما قال، وقد تقدم في مناقب عثمان وأن بعض الرواة قال فيه: إنه جلد ثمانين وذكرت ما قيل في ذلك هناك، وطعن الطحاوي ومن تبعه في رواية أبي ساسان أيضا بأن عليا قال: " وهذا أحب إلي" أي جلد أربعين مع أن عليا جلد النجاشي الشاعر في خلافته ثمانين، وبأن ابن أبي شيبة أخرج من وجه آخر عن علي أن حد النبيذ ثمانون.
والجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما أنه لا تصح أسانيد شيء من ذلك عن علي. والثاني على تقدير ثبوته فإنه يجوز أن ذلك يختلف بحال الشارب
стр. 16425
وأن حد الخمر لا ينقص عن الأربعين ولا يزيد على الثمانين والحجة إنما هي في جزمه بأنه ﷺ جلد أربعين، وقد جمع الطحاوي بينهما بما أخرجه هو والطبري من طريق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين " أن عليا جلد الوليد بسوط له طرفان "، وأخرجه الطحاوي أيضا من طريق عروة مثله لكن قال: " له ذنبان أربعين جلده في الخمر في زمن عثمان ".
قال الطحاوي: ففي هذا الحديث أن عليا جلده ثمانين لأن كل سوط سوطان وتعقب بأن السند الأول منقطع فإن أبا جعفر ولد بعد موت علي بأكثر من عشرين سنة، وبأن الثاني في سنده ابن لهيعة وهو ضعيف، وهو لم يكن في الوقت المذكور مميزا، وعلى تقدير ثبوته فليس في الطريقين أن الطرفين أصاباه في كل ضربه، وقال البيهقي: يحتمل أن يكون ضربه بالطرفين عشرين فأراد بالأربعين ما اجتمع من عشرين وعشرين ويوضح ذلك قوله في بقية الخبر " وكل سنة وهذا أحب إلي " لأنه لا يقتضي التغاير، والتأويل المذكور يقتضي أن يكون كل من الفريقين جلد ثمانين فلا يبقى هناك عدد يقع التفاضل فيه.
وأما دعوى من زعم أن المراد بقوله هذا الإشارة إلى الثمانين فيلزم من ذلك أن يكون علي رجح ما فعل عمر على ما فعل النبي ﷺ وأبو بكر، وهذا لا يظن به، قاله البيهقي واستدل الطحاوي لضعف حديث أبي ساسان بما تقدم ذكره من قول علي أنه إذا سكر هذى. . . إلخ، قال: فلما اعتمد علي في ذلك على ضرب المثل واستخرج الحد بطريق الاستنباط دل على أنه لا توقيف عنده
стр. 16426
من الشارع في ذلك، فيكون جزمه بأن النبي ﷺ جلد أربعين غلطا من الراوي، إذ لو كان عنده الحديث المرفوع لم يعدل عنه إلى القياس، ولو كان عند من بحضرته من الصحابة كعمر وسائر من ذكر في ذلك شيء مرفوع لأنكروا عليه، وتعقب بأنه إنما يتجه الإنكار لو كان المنزع واحدا، فأما مع الاختلاف فلا يتجه الإنكار، وبيان ذلك أن في سياق القصة ما يقتضي أنهم كانوا يعرفون أن الحد أربعون، وإنما تشاوروا في أمر يحصل به الارتداع يزيد على ما كان مقررا ويشير إلى ذلك ما وقع من التصريح في بعض طرقه أنهم احتقروا العقوبة وانهمكوا فاقتضى رأيهم أن يضيفوا إلى الحد المذكور قدره إما اجتهادا بناء على جواز دخول القياس في الحدود فيكون الكل حدا، أو استنبطوا من النص معنى يقتضي الزيادة في الحد لا النقصان منه، أو القدر الذي زادوه كان على سبيل التعزير تحذيرا وتخويفا، لأن من احتقر العقوبة إذا عرف أنها غلظت في حقه كان أقرب إلى ارتداعه، فيحتمل أن يكونوا ارتدعوا بذلك ورجع الأمر إلى ما كان عليه قبل ذلك فرأى علي الرجوع إلى الحد المنصوص وأعرض عن الزيادة، لانتفاء سببها، ويحتمل أن يكون القدر الزائد كان عندهم خاصا بمن تمرد وظهرت منه أمارات الاشتهار بالفجور، ويدل على ذلك أن بعض طرق حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عند الدارقطني وغيره فكان عمر إذا أتي بالرجل الضعيف تكون منه الزلة جلده أربعين، قال: وكذلك عثمان جلد أربعين
стр. 16427
وثمانين، وقال المازري لو فهم الصحابة أن النبي ﷺ حد في الخمر حدا معينا لما قالوا فيه بالرأي كما لم يقولوا بالرأي في غيره، فلعلهم فهموا أنه ضرب فيه باجتهاده في حق من ضربه. انتهى.
وقد وقع التصريح بالحد المعلوم فوجب المصير إليه، ورجح القول بأن الذي اجتهدوا فيه زيادة على الحد إنما هو التعزير على القول بأنهم اجتهدوا في الحد المعين، لما يلزم منه من المخالفة التي ذكرها كما سبق تقريره. وقد أخرج عبد الرزاق عن ابن جريج أنبأنا عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول: " كان الذي يشرب الخمر يضربونه بأيديهم ونعالهم فلما كان عمر فعل ذلك حتى خشي فجعله أربعين سوطا فلما رآهم لا يتناهون جعله ثمانين سوطا وقال هذا أخف الحدود ". والجمع بين حديث علي المصرح بأن النبي ﷺ جلد أربعين وأنه سنة، وبين حديثه المذكور في هذا الباب أن النبي ﷺ لم يسنه بأن يحمل النفي على أنه لم يحد الثمانين أي لم يسن شيئا زائدا على الأربعين ويؤيده قوله: " وإنما هو شيء صنعناه نحن " يشير إلى ما أشار به على عمر، وعلى هذا فقوله: " لو مات لوديته " أي في الأربعين الزائدة، وبذلك جزم البيهقي وابن حزم ويحتمل أن يكون قوله: " لم يسنه " أي الثمانين لقوله في الرواية الأخرى: " وإنما هو شيء صنعناه " فكأنه خاف من الذي صنعوه باجتهادهم أن لا يكون مطابقا، واختص هو بذلك لكونه الذي كان أشار بذلك واستدل له ثم ظهر له أن الوقوف عند ما كان الأمر عليه أولا أولى فرجع إلى ترجيحه وأخبر بأنه لو أقام
стр. 16428
الحد ثمانين فمات المضروب وداه للعلة المذكورة، ويحتمل أن يكون الضمير في قوله: " لم يسنه " لصفة الضرب وكونها بسوط الجلد أي لم يسن الجلد بالسوط وإنما كان يضرب فيه بالنعال وغيرها مما تقدم ذكره أشار إلى ذلك البيهقي، وقال ابن حزم أيضا: لو جاء عن غير علي من الصحابة في حكم واحد أنه مسنون وأنه غير مسنون لوجب حمل أحدهما على غير ما حمل عليه الآخر فضلا عن علي مع سعة علمه وقوة فهمه، وإذا تعارض خبر عمير بن سعيد وخبر أبي ساسان فخبر أبي ساسان أولى بالقبول؛ لأنه مصرح فيه برفع الحديث عن علي، وخبر عمير موقوف على علي، وإذا تعارض المرفوع والموقوف قدم المرفوع.
وأما دعوى ضعف سند أبي ساسان فمردودة، والجمع أولى مهما أمكن من توهين الأخبار الصحيحة، وعلى تقدير أن تكون إحدى الروايتن وهما فرواية الإثبات مقدمة على رواية النفي، وقد ساعدتها رواية أنس على اختلاف ألفاظ النقلة عن قتادة، وعلى تقدير أن يكون بينهما تمام التعارض فحديث أنس سالم من ذلك.
стр. 16429
ثالثا: خلاف العلماء في أن العقوبة في شرب الخمر هل هي حد أو تعزير مع بيان ما يترتب على ذلك:
اختلف أهل العلم في عقوبة شارب الخمر على قولين: أحدهما أنها حد. والثاني أنها تعزير. والذين قالوا بأنها حد اختلفوا على قولين هما المشهوران، منهم من قال: بأنه ثمانون، ومنهم من قال: بأن الحد أربعون، وما زاد على ذلك يرجع فيه إلى اجتهاد الإمام فإن رأى
стр. 16430
الزيادة زاد وإلا فلا. وفيما يلي بيان هذه الأقوال مع الأدلة والمناقشة:
القول الأول: أنه تعزير، قال الحافظ ابن حجر أن الطبري وابن المنذر حكوا عن طائفة من أهل العلم أن الخمر لا حد فيها وإنما فيها التعزير.
واستدلوا بأحاديث الباب فإنها ساكتة عن تعيين عدد الضرب وأصرحها حديث أنس ولم يجزم فيه بالأربعين في أرجح الطرق عنه وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا ابن جريج ومعمر سئل ابن شهاب: كم جلد رسول الله ﷺ في الخمر؟ فقال: لم يكن فرض فيها حدا، كان يأمر من حضره أن يضربوه بأيديهم ونعالهم حتى يقول لهم ارفعوا، وورد أنه لم يضربه أصلا وذلك فيما أخرجه أبو داود والنسائي بسند قوي عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ لم يوقت في الخمر حدا قال ابن عباس: وشرب رجل فسكر فانطلق به إلى رسول الله ﷺ فلما حاذى دار العباس انفلت فدخل على العباس فالتزمه فذكر ذلك للنبي ﷺ فضحك ولم يأمر فيه بشيء " وأخرج الطبري من وجه آخر عن ابن عباس: ما ضرب رسول الله ﷺ في الخمر إلا أخيرا، ولقد غزا تبوك فغشى حجرته من الليل سكران فقال: ليقم إليه رجل فيأخذ بيده حتى يرده إلى رحله.
والجواب: إن الإجماع انعقد بعد ذلك على وجوب الحد لأن أبا بكر تحرى ما كان النبي ﷺ ضرب السكران فصير حدا واستمرا عليه. وكذلك استمر من بعده، وإن اختلفوا في العدد
стр. 16431
وجمع القرطبي بين الأخبار بأنه لم يكن أولا في الشرب حد وعلى ذلك يحمل حديث ابن عباس في الذي استجار بالعباس، ثم شرع فيه التعزير على ما في سائر الأحاديث التي لا تقدير فيها، ثم شرع الحد ولم يطلع أكثرهم على تعينيه صريحا مع اعتقادهم أن فيه الحد المعين ومن ثم توخى أبو بكر ما فعل بحضرة النبي ﷺ فاستقر عليه الأمر، ثم رأى عمر ومن وافقه الزيادة على الأربعين إما حدا بطريق الاستنباط وإما تعزيرا. انتهى المقصود من كلام ابن حجر (١).
القول الثاني: أنها حد وأنه ثمانون، وهو مذهب الحنفية والمالكية والمقدم عند الحنابلة، ففي بداية المبتدي: وحد الخمر والسكر إلى ثمانين سوطا (٢)، وفي قوانين الأحكام الفقهية: وهو ثمانون جلدة للحر (٣)، وقال ابن قدامة: إحداهما أنه ثمانون، وبهذا قال مالك والثوري وأبو حنيفة ومن تبعهم (٤). انتهى.
واستدل لهذا بإجماع الصحابة فإنه روي " أن عمر استشار الناس في حد الخمر فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعله كأخف الحدود ثمانين، فضرب عمر ثمانين وكتب به إلى خالد وأبي عبيدة بالشام "، وروي عن علي في المشورة " أنه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى فحدوه حد المفتري " روى ذلك الجوزجاني والدارقطني وغيرهما انتهى من كلام ابن قدامة (٥).
стр. 16432
ونوقش هذا الدليل بما يلي:
أولا: أن فعل النبي ﷺ حجة لا يجوز تركه بفعل غيره ولا ينعقد الإجماع على ما خالف فعل النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، فتحمل الزيادة من عمر على أنها تعزير يجوز فعلها إذا رآه الإمام ذكر هذا الوجه ابن قدامة (١).
ثانيا: إن عليا أشار على عمر بذلك ثم رجع علي عن ذلك واقتصر على الأربعين، لأنها القدر الذي اتفقوا عليه في زمن أبي بكر، مستندين إلى تقدير ما فعل النبي ﷺ ، وأما الذي أشار به فقد تبين من سياق قصته أنه أشار بذلك ردعا للذين انهمكوا، لأن في بعض طرق القصة كما تقدم " أنهم احتقروا العقوبة " (٢).
القول الثالث: إنه أربعون، وما زاد عن ذلك يرجع فيه إلى اجتهاد الإمام، وبهذا قال الشافعي وهو الرواية الثانية عن الإمام أحمد وبه قال أبو ثور وداود ومن وافقهم من أهل العلم، قال الشيرازي وقال الشافعي وأبو ثور وداود: الحد في ذلك أربعون - ومضى إلى أن قال - فإن رأى الإمام أن يبلغ بحد الحر ثمانين وبحد العبد أربعين جاز (٣)، انتهى.
وقال ابن قدامه: والرواية الثانية أن الحد أربعون، وهو اختيار أبي بكر ومذهب الشافعي (٤)، انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية وهذا أوجه القولين (٥).
стр. 16433
واستدل لهذا القول بما روى أبو ساسان قال: " لما شهد على الوليد بن عقبة قال عثمان لعلي: دونك ابن عمك فاجلده، قال: قم يا حسن فاجلده، قال: فيما أنت وذاك ول هذا غيري، قال: ولكنك ضعفت وعجزت ووهنت، فقال: قم يا عبد الله بن جعفر فاجلده، وعلي يعد ذلك فعد أربعين وقال: «جلد رسول الله ﷺ في الخمر أربعين وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين، وكل سنة (١)» أخرجه البيهقي.
وأخرج مسلم عن حصين بن المنذر قال: " شهدت عثمان بن عفان أتي بالوليد وقد صلى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم، فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر وشهد آخر أنه رآه يتقيؤها، فقال عثمان: إنه لم يتقيؤها حتى يشربها، فقال: يا علي قم فاجلده، فقال علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها، فكأنه وجد عليه فقال: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين فقال: أمسك ثم قال: «جلد النبي ﷺ وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة، وهذا أحب إلي (٢)».
وأما كون الزيادة عن الأربعين راجعة إلى رأي الإمام فقد استدلوا لذلك ما رواه أبو وبرة الكلبي قال: " أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر ﵁ فأتيته ومعه عثمان وعبد الرحمن بن عوف وعلي وطلحة والزبير ﵃، فقلت: إن خالد بن الوليد ﵁ يقرأ عليك السلام ويقول إن الناس قد
стр. 16434
انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فيه، قال عمر: هم هؤلاء عندك فسلهم، فقال: تراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانين، فقال عمر: بلغ صاحبك ما قالوا، فجلد خالد ثمانين وجلد عمر ثمانين وقال: وكان عمر إذا أتي بالرجل الضعيف الذي كانت منه الزلة جلده أربعين " (١).
وأما بيان ما يترتب على القول بأنها تعزير وحد، فعلى القول بأنها حد لا يدخله العفو والإسقاط والصلح، لأنه من حقوق الله جل وعلا وإذا مات المضروب ثمانين عند من يقول بذلك وأربعين عند من يقول بهذا فإنه يموت هدرا لا دية له، وعلى القول بأنها تعزير يدخله العفو والإسقاط والصلح من جهة أصلية عند من يقول بأنه تعزير، وما ذاد على الأربعين ففيه الدية، وفيما يلي نقول عن أهل العلم في ذلك:
١ - قال الشيرازى: فإن جلده أربعين ومات لم يضمن، لأن الحق قتله وإن جلده ثمانين ومات ضمن نصف الدية، لأن نصفه حد ونصفه تعزير وسقط النصف بالحد ووجب النصف بالتعزير. انتهى المقصود (٢).
٢ - قال الخرقي: مسألة فإن مات في جلده فالحق قتله يعني ليس على أحد ضمان قال ابن قدامة. وهذا قول مالك
стр. 16435
وأصاحب الرأي وبه قال الشافعي إن لم يزد على الأربعين، وإن زاد على الأربعين فمات فعليه الضمان، لأن ذلك تعزير إنما يفعله الإمام برأيه وفي قدر الضمان قولان:
أحدهما: نصف الدية، لأنه تلف من فعلين مضمون وغير مضمون فكان عليه نصف الضمان، والثاني: تقسط الدية على عدد الضربات كلها فيجب من الدية بقدر زيادته على الأربعين، وروي عن علي ﵁ أنه قال: " ما كنت لأقيم حدا على أحد فيموت فأجد في نفسي منه شيئا إلا صاحب الخمر ولو مات وديته، لأن النبي ﷺ لم يسنه لنا ".
ولنا أنه حد وجب لله فلم يجب ضمان من مات به كسائر الحدود، وما زاد على الأربعين قد ذكرنا أنه من الحد وإن كان تعزيرا فالتعزير يجب وهو بمنزلة الحد.
وأما حديث علي فقد صح عنه أنه قال: جلد رسول الله ﷺ أربعين وأبو بكر أربعين وثبت الحد بالإجماع فلم يعد فيه شبهة (١).
стр. 16436
رابعا: هل تجوز تجزئة عقوبة شارب الخمر ؟
الكلام في تجزئة عقوبة شارب الخمر مبني على الكلام في أن العقوبة هل حد أو تعزير - وقد سبق بيانه - فعلى القول بأنها تعزير يقال بجواز التجزئة، لأن التعزير يدخله الاجتهاد وكذلك القول فيما زاد عن الأربعين عند من يقول بأن الحد أربعين وما زاد
стр. 16437
عليها فهو تعزير، وعلى القول بأنها حد وإن الحد لا يدخله الاجتهاد لا تجوز التجزئة.
ونظرا إلى أن الحكم بتجزئة العقوبة أو عدمها ينبني على قاعدة أصولية وهي تمييزها ما يدخله الاجتهاد وما لا يدخله، فإننا ننقلها عن بعض علماء الأصول في ذلك، ومنها يتحدد ما فيه للاجتهاد وما لا مجال فيه للاجتهاد.
قال الشاطبي: مجال الاجتهاد المعتبر هي ما ترددت بين طرفين وضح في كل واحد منهما قصد الشارع في الإثبات في أحدهما والنفي في الآخر فلم تنصرف البتة إلى طرف النفي ولا إلى طرف الإثبات.
وبيانه أن نقول: لا تخلو أفعال المكلف وتروكه إما أن يأتي فيها خطاب من الشارع أو لا، فإن لم يأت فيها خطاب فإما أن يكون على البراءة الأصلية ويكون فرضا غير موجود والبراءة الأصلية في الحقيقة راجعة إلى خطاب الشارع بالعفو أو غيره.
وإن أتى فيها خطاب فإما أن يظهر فيه للشارع قصد في النفي أو في الإثبات أو لا، فإن لم يظهر له قصد البتة فهو قسم المتشابهات، وإن ظهر فتارة يكون قطعيا وتارة يكون غير قطعي.
فأما القطعي فلا مجال للنظر فيه بعد وضوح الحق في النفي أو في الإثبات وليس محلا للاجتهاد وهو قسم الواضحات، لأنه واضح الحكم حقيقة والخارج عنه مخطئ قطعا.
وأما غير القطعي فلا يكون كذلك إلا مع دخول احتمال فيه
стр. 16438
أن يقصد الشارع معارضة أو لا فليس من الواضحات بإطلاق، بل بالإضافة إلى ما هو أخفى فيه كما أنه يعد غير واضح بالنسبة إلى ما هو أوضح منه، لأن مراتب الظنون في النفي والإثبات تختلف بالأشد والأضعف حتى تتنهي إما إلى العلم وإما إلى الشك إلا أن هذا الاحتمال تارة يقوى في إحدى الجهتين وتارة لا يقوى، فإن لم يقو رجع إلى قسم المتشابهات، والمقدم عليه حائم حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وإن قوي في إحدى الجهتين فهو قسم المجتهدات وهو الواضح الإضافي بالنسبة إليه في نفسه وبالنسبة إلى أنظار المجتهدين.
فإن كان المقدم عليه من أهل الاجتهاد فواضح في حقه في النفي أو في الإثبات إن قلنا أن كل مجتهد مصيب، وأما على قول المخطئة فالمقدم عليه إن كان مصيبا في نفس الأمر فواضح وإلا فمعذور.
وقد تقرر من هذا الأصل أن قسم المتشابهات مركب من تعارض النفي والإثبات إذا لو لم يتعارضا لكان من قسم الواضحات، وأن الواضح بإطلاق لم يتعارض فيه نفي مع إثبات بل هو إما منفي قطعا وإما مثبت قطعا، وأن الإضافي إنما صار إضافيا لأنه مذبذب بين الطرفين الواضحين فيقرب عند بعض من أحد الطرفين وعند بعض من الطرف الآخر، وربما جعله بعض الناس من قسم المتشابهات فهو قسم غير مستقر في نفسه، فلذلك صار إضافيا لتفاوت مراتب الظنون في القوة والضعف ويجري مجرى النفي في أحد الطرفين إثبات ضد الآخر فيه، فثبوت
стр. 16439
العلم مع نفيه نقيضان كوقوع التكليف وعدمه، وكالوجوب وعدمه، وما أشبه ذلك وثبوت العلم مع ثبوت الظن أو الشك ضدان كالوجوب مع الندب أو الإباحة أو التحريم وما أشبه ذلك، وهذا الأصل واضح في نفسه غير محتاج إلى إثباته بدليل، ولكن لا بد من التأنيس فيه بأمثلة يستعان بها على فهمه وتنزيله والتمرن فيه إن شاء الله فمن ذلك أنه نهى عن بيع الغرر ورأينا العلماء أجمعوا على منع بيع الأجنة والطير في الهواء، والسمك في الماء، وعلى جواز بيع الجبة التي حشوها مغيب عن الأبصار، ولو بيع حشوها بانفراده لامتنع، وعلى جواز كراء الدار مشاهرة مع احتمال أن يكون الشهر ثلاثين أو تسعة وعشرين، وعلى دخول الحمام مع اختلاف عادة الناس في استعمال الماء وطول اللبث، وعلى شرب الماء من السقاء مع اختلاف العادات في مقدار الري، فهذان طرفان في اعتبار الضرر وعدم اعتباره، لكثرته في الأول وقلته مع عدم الانفكاك عنه في الثاني، فكل مسألة وقع الخلاف فيها في باب الغرر فهي متوسطة بين الطرفين آخذة بشبهة من كل واحد منهما فمن أجاز مال إلى جانب اليسارة ومن منع مال إلى الجانب الآخر.
- ومضى في ذكر الأمثلة إلى أن قال - ولعلك لا تجد خلافا واقعا بين العقلاء معتدا به في العقليات أو في النقليات - لا مبنيا على الظن ولا على القطع - إلا دائرا بين طرفين لا يختلف فيهما أصحاب الاختلاف (١).
стр. 16440
ونظرا إلى أن الحدود لا تثبت إلا بتوقيف في أصلها وكيفيتها فلا يدخل اجتهاد، أما العقوبات التي تعتبر تعزيرا لا حدودا فإنها محل اجتهاد الإمام فيجوز فيها التجزئة إذا رأى المصلحة في ذلك.
стр. 16441
خامسا: ما يثبت به شربها من شهادة أو رائحة أو قيء ونحو ذلك .
يثبت شرب الخمر بشهادة الشهود والإقرار والرائحة والسكر والقيء، ونظرا إلى أن الرائحة والقيء من قرائن الأحوال التي يثبت بها الشرب عند من يقول بالاستدلال بها على ذلك فإننا نذكر نقولا عن أهل العلم بالعمل بالقرائن، ثم نذكر أدلة العمل بها من الكتاب والسنة وطائفة من أمثلة العمل بها وبعد ذلك نتكلم على هذه الأدلة الخمسة مبينين خلاف العلماء في كل دليل ومستندهم مع المناقشة:
أ - أما كلام العلماء فمن ذلك ما جاء في معين الحكام قال بعض العلماء: على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت، فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح وهو قوة التهمة ولا خلاف في الحكم بها وقد جاء العمل بها في مسائل اتفق عليها الطوائف الأربع انتهى.
وقال ابن فرحون نقلا عن ابن العربي ما يتفق مع هذا الكلام (١).
وقال ابن القيم: ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى
стр. 16442
والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما.
والنوع الثاني فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرا، فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلي معرفة حكم الله ورسوله - ومضى في ذكر الأدلة والأمثلة إلى أن قال - ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله. انتهى (١).
ب - وأما ما يدل على ذلك من الكتاب فمنه قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٢) ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣) ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (٤).
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ على هذه الآية: يفهم من هذه الآية لزوم الحكم بالقرينة الواضحة الدالة على صدق أحد الخصمين وكذب الآخر؛ لأن ذكر الله لهذه القصة في معرض تسليم الاستدلال بتلك القرينة على براءة يوسف يدل على
стр. 16443
أن الحكم بمثل ذلك حق وصواب، لأن كون القميص مشقوقا من جهة دبره دليل واضح على أنه هارب عنها وهي تنوشه من خلفه، ولكنه تعالى بين في موضع آخر أن محل العمل بالقرينة ما لم تعارضها قرينة أقوى منها فإن عارضها قرينة أقوى منها بطلت وذلك في قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (١) لأن أولاد يعقوب لما جعلوا يوسف في غيابة الجب جعلوا على قميصه دم سخلة ليكون وجود الدم على قميصه قرينة على صدقهم في دعواهم أنه أكله الذئب، ولاشك أن الدم قرينة على افتراس الذئب له، ولكن يعقوب أبطل قرينتهم هذه بقرنية أقوى منها وهي عدم شق القميص فقال: سبحان الله! متى كان الذئب حليما يأكل يوسف ولا يشق قميصه؟!، ولذا صرح بتكذيبه لهم في قوله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (٢)
وهذه الآيات المذكورة أصل في الحكم بالقرائن (٣) انتهى.
والأظهر أن تكذيب يعقوب لبنيه في دعواهم أن الذئب أكل يوسف ليس من أجل كون الدم ليس دم إنسان، ولا من أجل كون الثوب لم يخرق، لأن هذين الأمرين منقولا عن بني إسرائيل ونحوهم وأخبارهم لا تصدق ولا تكذب ولا يعتمد عليها إلا بدليل يدل على صحتها، وإنما كذبهم لأمر آخر إما لكون الرؤيا
стр. 16444
التي رآها يوسف في سجود الكواكب والشمس والقمر له لم تتحقق بعد، وإما لوحي أوحاه الله إليه عرف منة ما يدل على كذبهم في دعواهم.
ج - وأما الأدلة من السنة فمن ذلك:
١ - أنه ﷺ حكم باللوث في القسامة وجوز للمدعين أن يحلفوا خمسين يمينا ويستحقوا دم القتيل في حديث حويصة ومحيصة.
٢ - أنه ﷺ أمر الزبير أن يقرر عم حيي بن أخطب بالعذاب على إخراج المال الذي غيبه وادعى نفاده فقال: «العهد قريب والمال أكثر من ذلك».
٣ - أنه ﷺ أمر الملتقط أن يدفع اللقطة إلى واصفها وجعل وصفه لعفاصها ووكائها قائما مقام البينة.
٤ - حكم رسول الله ﷺ وخلفاؤه من بعده بالقافة وجعلها دليلا على ثبوت النسب وليس فيها إلا مجرد الأمارات والعلامات.
٥ - ابنا عفراء تداعيا قتل أبي جهل يوم بدر، فقال لهما رسول الله ﷺ : هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا، فقال ﷺ : أرياني سيفيكما، فلما نظر فيهما قال لأحدهما: هذا قتله، وحكم له بسلبه (١).
د - وأما المسائل التطبيقية للعمل بها فقد ذكر صاحب معين الحكام وابن فرحون والإمام ابن القيم مسائل كثيرة نذكر
стр. 16445
منها ما يلي:
الأولى: أن الفقهاء كلهم يقولون بجواز وطء المرأة إذا أهديت إليه ليلة الزفاف وإن لم يشهد عنده عدلان من الرجال أن هذه فلانة بنت فلان التي عقدت عليها، وإن لم يستنطق النساء أن هذه امرأته، اعتمادا على الظاهرة المنزلة منزلة الشهادة.
الثانية: أن الناس قديما وحديثا لم يزالوا يعتمدون في الصبيان والإماء المرسل معهم الهدايا، وأنها مرسلة إليهم فيقبلون أموالهم ويأكلون الطعام المرسل به، ونقل القرافي أن خبر الكافر في ذلك كاف.
الثالثة: أنهم يعتبرون إذن الصبيان في الدخول إلى المنزل.
الرابعة: أن الضيف يشرب من كوز صاحب البيت ويتكئ على وسادته ويقضي حاجته في مرحاضه من غير استئذان ولا يعد متصرفا في ملكه بغير إذنه.
الخامسة: جواز أخذ ما يسقط من الإنسان إذا لم يعرف صاحبه مما لا يتبعه كالفلس والتمرة والعصا التافهة الثمن ونحو ذلك.
هـ - وأما الأدلة التي يستدل بها على شربها فقد سبق أنها الشهادة والإقرار والرائحة والقيء والسكر، فأما الشهادة فيشترط
стр. 16446
أن لا يقل عدد الشهود عن رجلين تتوفر فيهما شروط الشهادة ويزيد أبو حنيفة وأبو يوسف على هذا بأن تكون الرائحة قائمة وقت تحمل الشهادة، ويخالفهما محمد فلا يشترط ذلك.
وأما الإقرار فيكفي مرة واحدة في المذاهب الأربعة، ويرى أبو يوسف أن كل إقرار يسقط بالرجوع فعدد الإقرار فيه كعدد الشهود فلا بد من الإقرار مرتين عنده، وأما الرائحة فالمقدم في مذهب الإمام أحمد ﵀ أنه لا يجب الحد بوجود الرائحة، وبها قال أبو حنيفة والشافعي رحمهما الله تعالى، ويخالفهم مالك ﵀ فيرى وجوب الحد بوجود الرائحة، وقوله هذا رواية عن أحمد ﵀.
وكذلك القيء لا يعتبر وجوده دليلا شرعيا عند أبي حنيفة، وهو مذهب الشافعي ﵀ ورواية عن أحمد ﵀، ويخالفهم مالك ﵀ وهو الرواية الثانية في مذهب أحمد ﵀ وهو القول بوجوب الحد اعتمادا على القيء.
وأما السكر فالشافعي ومن وافقه يرون عدم حده، والرواية المقدمة في مذهب أحمد ومن يقول بها من العلماء أنه يحد.
стр. 16447
وفيما يلي نقول عن فقهاء الإسلام في ذلك مع أدلتهم ومناقشتها:
١ - جاء في البداية وشرحها الهداية (ومن شرب الخمر فأخذ وريحها موجودة وجاءوا به سكران فشهد الشهود عليه بذلك فعليه الحد وكذلك إذا أقر وريحها موجودة) لأن جناية الشرب قد ظهرت ولم يتقادم العهد والأصل في قوله عليه الصلاة والسلام
стр. 16448
«من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه (١)».
وإن أقر بعد ذهاب رائحتها لم يحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وقال محمد ﵀: يحد، وكذلك إذا شهدوا عليه بعد ما ذهب ريحها، والسكر لم يحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. وقال محمد ﵀: يحد، فالتقادم يمنع قبول الشهادة بالاتفاق غير أنه مقدر بالزمان عنده اعتبارا بحد الزنا، وهذا لأن التأخير يتحقق بمضي الزمن والرائحة قد تكون من غيره كما قيل:
يقولون لي أني شربت مدامة ... فقلت لهم لا بل أكلت السفرجلا
وعندهما يقدر بزوال الرائحة لقول ابن مسعود ﵁ فيه: فإن وجدتم رائحة الخمر فاجلدوه.
ولأن قيام الأثر من أقوى دلالة القرب، وإنما يصار إلى التقدير بالزمان عند تعذر اعتباره، والتمييز بين الروائح ممكن للمستدل وإنما تشتبه على الجهال. وأما الإقرار فالتقادم لا يبطله عند محمد ﵀ كما في حد الزنا على ما مر تقريره، وعندهم لا يقام الحد إلا عند قيام الرائحة، لأن حد الشرب ثبت بإجماع الصحابة ﵃ ولا إجماع إلا برأي ابن مسعود ﵁، وقد شرط قيام الرائحة على ما روينا.
فإن أخذه الشهود وريحها توجد منه وهو سكران فذهبوا به من مصر إلى مصر فيه الإمام فانقطع ذلك قبل أن ينتهوا به صرف قولهم جميعا، لأن هذا عذر كبعد المسافة في حد الزنا والشاهد
стр. 16449
لا يتهم في مثله.
(ولا حد على من وجد منه رائحة الخمر أو تقيأها) لأن الرائحة محتملة وكذا الشرب قد يقع عن إكراه أو اضطرار. ويثبت الشرب بشهادة شاهدين ويثبت بالإقرار مرة واحدة، (وعن أبي يوسف ﵀ أنه يشترط الإقرار مرتين وهو نظير الاختلاف في السرقة. . ولا تقبل فيه شهادة النساء مع الرجال) لأن فيها شبهة البدلية وتهمة الضلال والنسيان. انتهى (١).
وقال ابن الهمام على قول صاحب الهداية: (والرائحة قد تكون من غيره. . فظهر أن رائحة الخمر مما تلتبس بغيرها فلا يناط شيء من الأحكام بوجودها ولا بذهابها، ولو سلمنا أنها لا تلتبس على ذوي المعرفة فلا موجب لتقييد العمل بالبينة بوجودها، لأن المعقول تقييد قبولها بعدم التهمة والتهمة لا تتحقق في الشهادة بسبب وقوعها بعد ذهاب الرائحة بل بسب تأخير الأداء تأخيرا يعد تفريطا وذلك منتفي في تأخير يوم ونحوه وبه تذهب الرائحة.
أجاب المصنف وغيره بما حاصله: أن اشتراط قيام الرائحة لقبول الشهادة عرف من قول ابن مسعود، وهو ما روى عبد الرزاق حدثنا سفيان الثوري عن يحيى بن عبد الله التميمي الجابر عن أبي ماجد الحنفي قال: " جاء رجل بابن أخ له سكران إلى عبد الله بن مسعود فقال عبد الله: ترتروه ومزمزوه واستنكهوه
стр. 16450
ففعلوا، فرفعه إلى السجن ثم عاد به من الغد ودعا بسوط ثم أمر به فدقت ثمرته بين حجرين حتى صارت درة ثم قال للجلاد: اجلد وأرجع يدك وأعط كل عضو حقه ".
ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني ورواه إسحاق بن راهويه أخبرنا جرير عن عبد الحميد عن يحيى بن عبد الله الجابر به.
ودفع بأن محل النزاع كون الشهادة لا يعمل بها إلا مع قيام الرائحة، والحديث المذكور عن ابن مسعود ليس فيه شهادة منع من العمل بها لعدم الرائحة وقت أدائها بفعل ولا إقرار إنما فيه أنه حده بظهور الرائحة بالترترة والمزمزة، والمزمزة: التحريك بعنف والترترة والتلتلة: التحريك، وهما بتاءين متتاليتن من فوق، قال ذو الرمة يصف بعيرا:
بعيد مساف الخطو غوج شمردل ... تقطع أنفاس المهارى تلاتله
أي حركاته، والمساف جمع مسافة. والغوج بالغين المعجمة الواسع الصدر، ومعنى تقطيع تلاتله أنفاس المهارى: أنه إذا باراها في السير أظهر في أنفاسها الضيق والتتابع لما يجهدها، وإنما فعله لأن بالتحرك تظهر الرائحة من المعدة التي كانت خفت وكان ذلك مذهبه، ويدل عليه ما في الصحيحين: " عن ابن مسعود أنه قرأ سورة يوسف فقال رجل: ما هكذا أنزلت فقال عبد الله: والله لقد قرأتها على رسول الله ﷺ فقال: أحسنت فبينما هو يكلمه إذ وجد منه رائحة الخمر فقال: أتشرب الخمر وتكذب بالكتاب فضربه الحد.
стр. 16451
وأخرج الدارقطني بسند صحيح " عن السائب بن يزيد عن عمر بن الخطاب أنه ضرب رجلا وجد منه ريح الخمر " وفي لفظ " ريح شراب ".
والحاصل أن حده عند وجود الريح مع عدم البينة والإقرار لا يستلزم اشتراط الرائحة مع أحدهما، ثم هو مذهب لبعض العلماء منهم مالك وقول للشافعي ورواية عن أحمد والأصح عن الشافعي وأكثر أهل العلم نفيه، وما ذكرناه عن عمر يعارض ما ذكرنا عنه أنه عزر من وجد منه الرائحة ويترجح لأنه أصح وإن قال ابن المنذر ثبت عن عمر أنه جلد من وجد رائحة الخمر حدا تاما، وهو أن الأصل في الحدود إذا جاء صاحبها مقرا أن يرد ويدرأ ما يستطيع فكيف يأمر ابن مسعود بالمزمزه عند عدم الرائحة ليظهر الريح فيجده، فإن صح فتأويله أنه كان رجلا مولعا بالشراب مدمنا عليه فاستجاز ذلك فيه (١) انتهى.
ويمكن أن يقال أنه إنما أمر بترترته ومزمزته لكونه لم يأت تائبا وإنما جاء به عمه ليقام عليه الحد فأراد ابن مسعود أن يستثبت في وقوع الشرب منه بالعمل المذكور لتظهر الرائحة.
стр. 16452
٢ - قال ابن فرحون:
ويجب الحد على من وجدت منه رائحة الخمر أو قاءها وحكم به عمر رضي الله تعالى عنه وفي حديث ماعز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 16453
قال: «أشربت خمرا قام فاستنهكه فلم يجد منه ريح خمر (١)» قال اللخمي: فيه دليل أن الرائحة يقضى بها، دليل آخر أن إقرار السكران غير لازم (مسألة) قال اللخمي رحمه الله تعالى: ذهب مالك رضي الله تعالى عنه وجماعة من أصحابه أن الحد يجب على من وجد منه ريح السكر، والدليل على ذلك ما روي عن السائب بن يزيد أنه حضر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو يجلد رجلا وجد منه ريح شراب فجلده الحد تاما، والدليل من جهة المعنى أن هذا معنى يعلم به صفة ما شرب المكلف وجنسه فوجب أن يكون طريقا إلى إثبات الحد، وأصل ذلك الرؤية، لما شربه بل الرائحة أقوى من معرفة حال المشروب من الرؤية، لأن الرؤية لا يعلم بها الشراب أمسكر هو أم لا وإنما يعلم ذلك برائحته.
(فصل) والكلام في ذلك يتعلق بثلاثة أمور، الأول: فيمن يجب استنكاهه. الثاني: فيمن يثبت ذلك بشهادته. الثالث: فيما يجب بذلك إذا تيقن رائحة المسكر أو أشكلت.
الأول: فيمن يجب استنكاهه، وذلك فيما يرى الحاكم منه تخليطا في قول أو مشي يشبه السكران، ففي الموازية من رواية أصبغ عن ابن القاسم أنه إذا رأى ذلك منه أمر باستنكاهه قال: لأنه قد بلغ إلى الحاكم فلا يسعه إلا تحققه، فإذا ثبت الحد حد أمامه.
(مسألة) وكذلك لو شم منه رائحة ينكرها، أو أنكرها بحضرته من ينكرها قال الباجي: فعندي أن قد تعين عليه استنكاهه
стр. 16454
وتحقق حاله، لأن هذه صفة ينكر بها حاله ويستراب بها، ويقوى بها الظن في وجوب الحد عليه فيجب بذلك اختباره وتحقق حاله كالتخليط في الكلام والمشي.
(مسألة) فإن لم يظهر منه شيء من هذه الأحوال - يريد التخليط في القول والمشي - لم يستنكه رواه أصبغ عن ابن القاسم في العتبية والموازية قال: ولا يتجسس عليه، فلا يجوز التجسس على الناس والتعرض لهم من غير ريبه.
الثاني: فيمن يثبت ذلك بشهادته، قال القاضي أبو الوليد: فأما من يثبت ذلك عليه بشهادته فإنه يحتاج إلى معرفة صفتهم وعددهم، فأما صفتهم فقد قال القاضي أبو الحسن في كتابه: إن صفة الشاهدين على الرائحة أن يكونا ممن خبر شربها في وقت ما، إما في حال كفرهما أو شرباها في إسلامهما فجلدا ثم تابا حتى يكون ممن يعرف الخمر بريحها، قال القاضي أبو الوليد: هذا عندي فيه نظر، لأن من هذه صفته معدوم قليل ولو لم تثبت الرائحة إلا بشهادة من هذه صفته لبطلت الشهادة بها في الأغلب، وقد يكون من لم يشربها قط يعرف رائحتها معرفة صحيحة بأن يخبره عنها المرة بعد المرة من قد شربها أنها هي رائحة الخمر حتى يعرف ذلك كما يعرفها الذي قد شربها.
(مسألة) وأما العدد فلا يخلو أن يكون الحاكم أمر الشهود بالاستنكاه أو فعلوا هم ذلك ابتداء، فإن كان الحاكم أمرهم بذلك فقد روى ابن حبيب عن أصبغ أنه يستحب أن يأمر شاهدين به
стр. 16455
الحد، وإن كان الشهود فعلوا ذلك من قبل أنفسهم فلا يجزئ أقل من اثنين كالشهادة على الشرب، وقد روى ابن وهب عن مالك رضي الله تعالى عنه أنه إن لم يكن مع الحاكم إلا واحد فليرفعه إلى من هو فوقه، قال القاضي أبو الوليد رحمه الله تعالى: وما رواه ابن حبيب عن أصبغ مبني على أن الحاكم يحكم بعلمه فلذلك جاز عنده علم من استنابه وإلا فقد يجب أن لا يحد في ذلك حتى يشهد عنده فيه شاهدان.
الثالث: فيما يجب بشهادة الاستنكاه، ولا يخلو أن يكون الشهود متيقنين للرائحة أو شاكين فيها فإن كانوا متيقنين للرائحة فلا يخلو أن يتفقوا على أنها رائحة مسكر أو على أنها غير رائحة مسكر أو يختلفوا في ذلك، فإن اتفقوا على أنها غير رائحة مسكر فلا نعلم في المذهب خلافا في وجوب ترك الحد، وإن اتفقوا على أنها رائحة مسكر وجب الحد عليه، وإن اختلفوا في ذلك فقال بعضهم: رائحة مسكر، وقال بعضهم: ليس برائحة مسكر فقد قال ابن حبيب: إذا اجتمع منهم اثنان على أنها رائحة مسكر حد، ووجه ذلك أن الشهادة قد قامت وكملت ولا يؤثر في ذلك نفي من نفى مقتضاها كما لو شهد شاهدان أنهما رأياه شرب خمرا وقال آخران: لم يشرب خمرا.
(مسألة) فإن شك الشهود في الرائحة هل هي رائحة مسكر أو غيره نظرت حاله فإن كان من أهل السفه نكل، وإن كان من أهل العدل خلي سبيله حكاه ابن القاسم في العتبية