لعلنا نكون بعد هذا قد وفقنا في الكلام عن الأخفش، وأن تكون محاولتنا في هذا البحث والحكم عليه ووضعه في موضعه الصحيح من مسيرة النحو عبر القرون الطويلة المتعاقبة قد تكللت بالنجاح أو بشيء منه، فإن نكن وفقنا فالفضل لله والحمد له، وإلا نكن فلعل حديثنا هذا خطوة إلى الأمام تعين غيرنا على أن يفيض ويفيد ويصل إلى ما لم نصل إليه ويوفق فيما جانبنا فيه التوفيق.
стр. 16802
صفحة فارغة
стр. 16803
صفحة فارغة
стр. 16804
صفحة فارغة
стр. 16805
صفحة فارغة
стр. 16806
صفحة فارغة
стр. 16807
صفحة فارغة
стр. 16808
صفحة فارغة
стр. 16809
صفحة فارغة
стр. 16810
صفحة فارغة
стр. 16811
صفحة فارغة
стр. 16812
صفحة فارغة
стр. 16813
صفحة فارغة
стр. 16814
صفحة فارغة
стр. 16815
المصادر والمراجع
الأزهري - خالد - شرح التصريح على التوضيح (القاهرة: عيسى البابي الحلبي، د. ت).
الإستراباذي - الرضي - شرحه على شافية ابن الحاجب، تحقيق محمد نور الحسن وزميليه (القاهرة: مطبعة حجازي، ١٣٥٦هـ).
الإستراباذي - الرضي - شرحه على كافية ابن الحاجب (إستانبول ١٣٢٥ هـ).
الأشموني - أبو الحسن - شرحه على ألفية ابن مالك (القاهرة: عيسى البابي الحلبي، د. ت).
الأصفهاني - أبو الفرج - الأغاني - تحقيق عبد الله العلايلي وزميله - ط٣، (بيروت: ٦٤ - ١٩٦٦م).
ابن الأنباري - أبو البركات - البيان في غريب إعراب القرآن - تحقيق د. طه عبد الحميد طه - مراجعة مصطفى السقا (القاهرة: دار الكتاب العربي ١٩٦٩م).
ابن الأنباري - أبو البركات - نزهة الألباء في طبقات الأدباء - تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم (القاهرة: دار نهضة مصر - ١٩٦٧م).
الأنصاري - د. أحمد مكي - سيبويه والقراءات (القاهرة: دار المعارف، ١٩٧٢م).
الأنصاري - ابن هشام - شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، ط٧ (القاهرة: مطبعة السعادة، ١٩٥٣م).
стр. 16816
- الأنصاري - ابن هشام - مغني اللبيب عن كتاب الأعاريب - تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد (القاهرة: مطبعة المدني، د. ت) وتحقيق د. مازن المبارك وزميله (بيروت: دار الفكر، ١٩٧٩م).
بروكلمان - كارل - تاريخ الأدب العربي - ترجمة د. رمضان عبد التواب (القاهرة: دار المعارف، ١٩٧٥م).
الجاحظ. عمرو - الحيوان - تحقيق عبد السلام هارون - ط٢ (القاهرة: مصطفى البابي الحلبي، ١٩٦٥م).
ابن جني - أبو الفتح - الخصائص - تحقيق محمد علي النجار (القاهرة: دار الكتب المصرية، ١٩٥٢م).
ابن جني - أبو الفتح - المنصف شرح تفسير المازني - تحقيق إبراهيم مصطفى وعبد الله أمين (القاهرة: مصطفى البابي الحلبي، ١٩٦٠م).
الحديثي د. خديجة - أبنية الصرف في كتاب سيبويه (بغداد: ١٩٦٥م).
الحريري - القاسم بن علي - المقامات الحريرية (بيروت: ١٩٦٥م).
الحموي - ياقوت - معجم الأدباء - تحقيق مرجليوت - الطبعة الأخيرة (القاهرة: عيسي البابي الحلبي، ١٩٣٦م).
ابن خلكان - أحمد بن محمد - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان - تحقيق د. إحسان عباس (بيروت: دار صادر، ١٩٧٨م).
الرازي - محمد بن أبي بكر - مختار الصحاح -
стр. 16817
- تحقيق محمود خاطر بك (القاهرة: المطبعة الأميرية، ١٩٢٢م).
ابن رشيق - أبو علي الحسن - العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده - تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد - ط٤، (بيروت: دار الجيل، ١٩٧٢م).
الزبيدي - محمد - طبقات النحويين واللغويين - تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم (القاهرة: الخانجي، ١٩٥٤م).
الزجاجي - أبو القاسم - الإيضاح في علل النحو - تحقيق د. مازن المبارك (القاهرة: مطبعة المدني، ١٩٥٩م).
الزركلي - خير الدين - الأعلم - ط٣، (بيروت: ١٩٦٩م).
الزمخشري - محمود بن عمر - المفصل - تحقيق محمد بدر الدين النعساني (القاهرة: مطبعة التقدم، ١٣٢٣هـ).
سيبويه - أبو بشر عمرو - الكتاب (القاهرة: مطبعة بولاق، ١٣١٦هـ).
السيرافي - أبو السعيد - أخبار النحويين البصريين - تحقيق فرتسى كرنكو (بيروت: ١٩٣٦م).
السيوطي - جلال الدين - الأشباه والنظائر - تحقيق طه سعد (القاهرة: ١٩٧٥م).
السيوطي - جلال الدين - الاقتراح في أصول النحو - ط٢، (حيدر آباد: ١٣٥٩هـ).
السيوطي - جلال الدين - بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة - تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم (القاهرة: عيسى البابي الحلبي، ١٩٦٤م).
стр. 16818
- السيوطي - جلال الدين - المزهر في علوم اللغة وأنواعها - تحقيق محمد أحمد جاد المولى وزميليه - ط٣ (القاهرة: عيسى البابي الحلبي، د. ت).
السيوطي - جلال الدين - همع الهوامع شرح جمع الجوامع (بيروت: دار المعرفة، د. ت).
الشنقيطي - أحمد الأمين - الدرر اللوامع على همع الهوامع شرح جمع الجوامع (القاهرة: مطبعة كردستان، ١٣٢٨هـ).
الصبان - محمد - حاشيته على شرح الأشموني (القاهرة: عيسى البابي الحلبي، د. ت).
ضيف - د. شوقي - المدارس النحوية (القاهرة: دار المعارف، ١٩٦٨م).
ابن أبي طالب - مكي - مشكل إعراب القرآن - تحقيق ياسين محمد السنواس (دمشق: مجمع اللغة العربية، ١٩٧٤م).
عبد الباقي - محمد فؤاد - المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم (بيروت: د. ت).
عبد الحميد - محمد محي الدين - منتهى الأرب بتحقيق شرح شذور الذهب - ط١٠، (القاهرة: مطبعة السعادة، ١٩٦٥م).
العدوي - محمد عبادة - حاشيته على شرح شذور الذهب (القاهرة: عيسى البابي الحلبي، د. ت).
ابن عقيل - بهاء الدين عبد الله - شرحه على ألفية ابن مالك - تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد - ط٧ (القاهرة: مطبعة السعادة، ١٩٥٣م).
стр. 16819
- العكبري - أبو البقاء - التبيان في إعراب القرآن - تحقيق علي محمد البجاوي (القاهرة: عيسى البابي الحلبي، ١٩٧٦م).
ابن فارس - أحمد - الصاحبي - تحقيق السيد أحمد صقر (القاهرة: عيسى البابي الحلبي د. ت).
الفراء - أبو زكريا - معاني القرآن - جـ١ - تحقيق أحمد يوسف نجاتي ومحمد علي النجار - ط٢، (القاهرة: الهيئة العامة المصرية الكتاب، ١٩٨٠م).
الفيروزآبادي - مجد الدين محمد - القاموس المحيط - ط٢، (القاهرة: مصطفي البابي الحلبي، ١٩٥٢م).
الفيومي - أحمد - المصباح المنير - تحقيق د. عبد العظيم الشناوي (القاهرة: دار المعارف ١٩٧٧م).
القاضي - عبد الفتاح - القراءات الشاذة وتوجيهها من لغة العرب (القاهرة: عيسى البابي الحلبي، ١٩٥٢م).
القرطبي - ابن مضاء - الرد على النحاة - تحقيق د. شوقي ضيف (القاهرة: دار الفكر العربي، ١٩٤٧م).
قطرب - مقدمة كتب الأزمنة - (الجزء المنشور في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق ١٩٢٢ م).
القفطي - إنباه الرواة على أنباه النحاة - تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم (القاهرة: دار الكتب المصرية، ١٩٥٢م).
اللغوي - أبو الطيب - مراتب النحويين - تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم (القاهرة: مطبعة نهضة مصر، ١٩٥٥م).
ابن مالك - محمد - الألفية - ط٢ (القاهرة: دار الكتب المصرية، ١٩٣٠م).
стр. 16820
- المخزومي - د. مهدي - الخليل بن أحمد الفراهيدي أعماله ومنهجه - ط٢ (بيروت: دار الرائد العربي ١٩٨٦م).
ابن منظور - محمد - لسان العرب (بيروت: دار صادر، د. ت).
النحاس - أبو الجعفر - إعراب القرآن - تحقيق د. زهير غازي زاهد - ط٢، (مكتبة النهضة العربية، ١٩٨٥م).
النفاخ - أحمد راتب - فهرس شواهد سيبويه (بيروت: ١٩٧٠م).
هارون - عبد السلام - معجم شواهد العربية (القاهرة: مطبعة الخانجي، ١٩٧٢م).
الورد، د. عبد الأمير - منهج الأخفش الأوسط في الدراسة النحوية (بغداد: ١٩٧٥م).
ابن يعيش، موفق الدين يعيش - شرحه على مفصل الزمخشري (القاهرة: المطبعة المنيريه، د. ت).
стр. 16821
حديث شريف
وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله قال: «إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها! قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم (١)»
متفق عليه
والأثرة: الانفراد بالشيء عمن له فيه حق.
المشرف العام
سماحة الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
مفتي عام المملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء
لجنة الإشراف
الدكتور
عبد العزيز بن محمد العبد المنعم
الدكتور
عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين
الشيخ
أحمد بن عبد الرزاق الدويش
الدكتور
محمد بن سعد الشويعر
стр. 16824
مجلة البحوث الإسلامية
مجلة دورية تصدر عن رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء
الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء
رئيس التحرير
د. محمد بن سعد الشويعر
مجلة فصلية تعنى بالبحوث الإسلامية
تصدر كل أربعة أشهر مؤقتا
стр. 16825
المحتويات
الافتتاحية:
حقيقة التوحيد والشرك سماحة / الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧
بحث الفوائد الربوية اللجنة الدائمة ٢٧
الفتاوى:
فتاوى اللجنة اللجنة الدائمة ٧٧
فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ١٣٣
стр. 16826
البحوث:
تفصيل المقال على حديث "كل أمر ذي بال" د / عبد الغفور عبد الحق البلوشي ١٥١
أوراق النقود ونصاب الورق النقدي محمد بن علي بن حسين الحريري ٢٣٩
ذميم الشعر في التصور الإسلامي مصطفى عيد الصياصنة ٣٤٥
حول توظيف النساء في الدوائر الحكومية سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٧٩
стр. 16827
صفحة فارغة
стр. 16828
الافتتاحية
حقيقة التوحيد والشرك (١)
سماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي العربي المكي ثم المدني، وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله، واهتدى بهداه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الله خلق الخلق ليعبدوه وحده لا شريك له، وأرسل الرسل لبيان هذه الحكمة، والدعوة إليها، وبيان تفصيلها وبيان ما يضادها، هكذا جاءت الكتب السماوية، وأرسلت الرسل البشرية من عند الله للجن والإنس، وجعل الله سبحانه هذه الدار طريقا للآخرة، ومعبرا لها، فمن عمرها بطاعة الله وتوحيده واتباع رسله عليهم الصلاة والسلام انتقل من دار العمل وهي الدنيا إلى دار الجزاء وهي الآخرة، وصار إلى دار النعيم والحبرة والسرور، دار الكرامة والسعادة، دار لا يفنى نعيمها، ولا يموت أهلها، ولا تبلى ثيابهم، ولا يخلق شبابهم، بل في نعيم دائم، وصحة دائمة، وشباب مستمر، وحياة طيبة سعيدة، ونعيم لا ينفد، ينادى فيهم من عند الله : «يا أهل الجنة إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا (٢)»
стр. 16829
هذه حالهم، ولهم فيها ما يشتهون، ولهم فيها ما يدعون. ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ (١) ولهم فيها لقاء مع الله كما يشاء، ورؤية وجهه الكريم جل وعلا.
أما من خالف الرسل في هذه الدار، وتابع الهوى والشيطان، فإنه ينتقل من هذه الدار إلى دار الجزاء، دار الهوان والخسران، والعذاب والآلام والجحيم، التي أهلها في عذاب وشقاء دائم، ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ (٢)، كما قال : ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ (٣)، وقال فيها أيضا: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (٤)، وقال فيها جل وعلا: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ (٥). والمقصود أن هذه الدار هي دار العمل، وهي دار التقرب إلى الله بما يرضيه، وهي دار الجهاد للنفوس، وهي دار المحاسبة، ودار التفقه والتبصر في الدين، والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر عليه، والعلم والعمل، والعبادة والمجاهدة، قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُون﴾ (٦) ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (٧) ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٨)، فخلق الله الجن والإنس وهما الثقلان لعبادته ، لم يخلقهم سبحانه لحاجة به إليهم، فإنه سبحانه هو الغني بذاته عن كل ما سواه، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٩) ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (١٠) ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ (١١).
стр. 16830
ولم يخلقهم ليتكثر بهم من قلة، أو يعتز بهم من ذلة، ولكنه خلقهم سبحانه لحكمة عظيمة، وهي أن يعبدوه ويعظموه، ويخشوه ويثنوا عليه سبحانه بما هو أهله، ويعلموا أسماءه وصفاته، ويثنوا عليه بذلك، ويصبروا على ما ابتلاهم به، وليجاهدوا في سبيله، وليتفكروا في عظمته، وما يستحق عليهم من العمل، كما قال : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٤)، فأنت يا عبد الله مخلوق في هذا الدار لا لتبقى فيها، ولا لتخلد فيها، ولكنك خلقت فيها لتنقل منها بعد العمل، وقد تنقل منها قبل العمل، وأنت صغير لم تبلغ، ولم يجب عليك العمل لحكمة بالغة.
فالمقصود أنها دار ممزوجة بالشر والخير، ممزوجة بالأخلاط من الصلحاء وغيرهم، ممزوجة بالأكدار، والأفراح، والنافع والضار، وفيها الطيب والخبيث، والمرض والصحة، والغنى والفقر، والكافر والمؤمن، والعاصي والمستقيم، وفيها أنواع من المخلوقات خلقت لمصلحة الثقلين، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٥).
стр. 16831
والمقصود من هذه الخليقة - كما تقدم - أن يعظم الله، وأن يطاع في هذا الدار، وأن يعظم أمره ونهيه، وأن يعبد وحده بطاعة أوامره، وترك نواهيه، وقصده سبحانه في طلب الحاجات، وعند الملمات، ورفع الشكاوى إليه، وطلب الغوث منه، والاستعانة به في كل شيء، وفي كل أمر من أمور الدنيا والآخرة.
فالمقصود من خلقك وإيجادك يا عبد الله، هو توحيده سبحانه، وتعظيم أمره ونهيه، وأن تقصده وحده في حاجاتك، وتستعين به على أمر دينك ودنياك وتتبع ما جاء به رسله، وتنقاد لذلك طائعا مختارا، محبا لما أمر به، كارها لما نهى عنه، ترجو رحمة ربك، وتخشى عقابه .
والرسل أرسلوا إلى العباد ليعرفوهم هذا الحق، ويعلموهم ما يجب عليهم، وما يحرم عليهم، حتى لا يقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير، بل قد جاءتهم الرسل مبشرين ومنذرين، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٣).
فهم قد أرسلوا ليوجهوا الثقلين لما قد أرسلوا به، ويرشدوهم إلى أسباب النجاة ولينذروهم أسباب الهلاك، وليقيموا عليهم الحجة،
стр. 16832
ويقطعوا المعذرة، والله سبحانه يحب أن يمدح، ولهذا أثنى على نفسه بما هو أهله، وهو غيور على محارمه، ولهذا حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
فعليك أن تحمده سبحانه، وتثني عليه بما هو أهله، فله الحمد في الأولى والآخرة، وعليك أن تثني عليه بأسمائه وصفاته، وأن تشكره على إنعامه، وأن تصبر على ما أصابك، مع أخذك بالأسباب التي شرعها الله وأباحها لك، وعليك أن تحترم محارمه، وأن تبتعد عنها، وأن تقف عند حدوده، طاعة له سبحانه ولما جاءت به الرسل، وعليك أن تتفقه في دينك، وأن تتعلم ما خلقت له، وأن تصبر على ذلك حتى تؤدي الواجب على علم وعلى بصيرة، قال ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (١)» وقال ﷺ : «من سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة (٢)» خرجهما مسلم في صحيحه.
وأعظم الأوامر وأهمها توحيده سبحانه، وترك الإشراك به ، وهذا هو أهم الأمور، وهو أصل دين الإسلام، وهو دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم، وهو توحيد الله وإفراده بالعبادة، دون كل من سواه.
هذا هو أصل الدين، وهو دين الرسل جميعا، من أولهم نوح إلى خاتمهم محمد - عليهم الصلاة والسلام -، لا يقبل الله من أحد دينا سواه، وهو الإسلام.
وسمي إسلاما لما فيه من الاستسلام لله، والذل له، والعبودية له، والانقياد لطاعته، وهو توحيده والإخلاص له، مستسلما له - جل وعلا -، وقد أسلمت وجهك لله، وأخلصت عملك لله، ووجهت قلبك إلى الله في سرك وعلانيتك، وفي خوفك وفي رجائك، وفي قولك وفي عملك، وفي كل شأنك.
стр. 16833
تعلم أنه سبحانه هو الإله الحق، والمستحق لأن يعبد ويطاع ويعظم لا إله غيره ولا رب سواه.
وإنما تختلف الشرائع كما قال سبحانه:. . . ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (١) أما دين الله فهو واحد، وهو دين الإسلام، وهو إخلاص العبادة لله وحده، وإفراده بالعبادة: من دعاء، وخوف، ورجاء، وتوكل، ورغبة ورهبة، وصلاة وصوم وغير ذلك، كما قال سبحانه وبحمده: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢) أي: أمر ألا تعبدوا إلا إياه، وقال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣)، أخبر عباده بهذا ليقولوه وليعترفوا به. فعلمهم كيف يثنون عليه، فقال - عز من قائل -: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٥) ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٦)، علمهم هذا الثناء العظيم، ثم قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (٧) وجههم إلى هذا ، فيثنوا عليه بما هو أهله من الحمد والاعتراف بأنه رب العالمين، والمحسن إليهم، ومربيهم بالنعم، وأنه الرحمن، وأنه الرحيم، وأنه مالك يوم الدين، وهذا كله حق لربنا .
ثم قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٨) إياك نعبد وحدك، وإياك نستعين وحدك، لا رب ولا معين سواك، فجميع ما يقع من العباد هو من الله، وهو الذي سخرهم وهو الذي هيأهم لذلك، وأعانهم على ذلك، وأعطاهم القوة على ذلك، ولهذا يقول - جل وعلا -: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٩) فهو سبحانه المنعم، وهو المستعان والمعبود بالحق - جل وعلا -.
стр. 16834
فأنت يا عبد الله إذا جاءتك نعمة على يد صغير أو كبير أو مملوك أو ملك أو غيره، فكله من نعم الله - جل وعلا -، وهو الذي ساق ذلك ويسره سبحانه، خلق من جاء بها وساقها على يديه، وحرك قلبه ليأتيك بها، وأعطاه القوة والقلب والعقل، وجعل في قلبه ما جعل حتى أوصلها إليك.
فكل النعم من الله - جل وعلا - مهما كانت الوسائل، وهو المعبود بالحق، وهو الخالق للعباد، وهو مربيهم بالنعم، وهو الحاكم بينهم في الدنيا والآخرة، وهو الموصوف بصفات الكمال المنزه عن صفات النقص والعيب، واحد في ربوبيته، واحد في ألوهيته، واحد في أسمائه وصفاته، - جل وعلا -، وهو سبحانه له التوحيد من جميع الوجوه، له الوحدانية في خلقه العباد، وتدبيره لهم، ورزقه لهم، وتصريفه لشئونهم، لا يشاركه في ذلك أحد ، يدبر الأمر - جل وعلا -، كما قال - جل وعلا -: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٣) ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ (٤)، فهو المستحق للعبادة لكمال إنعامه، وكمال إحسانه، ولكونه الخلاق والرزاق، ولكونه مصرف الأمور ومدبرها، ولكونه الكامل في ذاته وصفاته وأسمائه، فلهذا استحق العبادة على جميع العباد واستحق الخضوع عليهم، والعبادة هي الخضوع والذل، وسمي الدين عبادة لأن العبد يؤديه بخضوع لله، وذل بين يديه، ولهذا قيل للإسلام عبادة.
стр. 16835
تقول العرب: طريق معبد، يعني مذلل، قد وطئته الأقدام، حتى صار لها أثر بين يعرف، ويقال: بعير معبد أي قد شد ورحل عليه حتى صار له أثر فصار معبدا.
والعبد هو: الذليل المنقاد لله، المعظم لحرماته، وكلما كان العبد أكمل معرفة بالله وأكمل إيمانا به، صار أكمل عبادة.
ولهذا كان الرسل أكمل الناس عبادة؛ لأنهم أكملهم معرفة وعلما بالله وتعظيما له من غيرهم، صلوات الله وسلامه عليهم، ولهذا وصف الله نبيه محمدا ﷺ بالعبودية في أشرف مقاماته، فقال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ (٣)، إلى غير ذلك.
فالعبودية مقام عظيم وشريف، ثم زادهم الله فضلا من عنده سبحانه بالرسالة التي أرسلهم بها، فاجتمع لهم فضلان: فضل الرسالة، وفضل العبودية الخاصة، فأكمل الناس في عبادتهم لله وتقواهم له هم الرسل والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، ثم يليهم الصديقون الذين كمل تصديقهم لله ولرسله، واستقاموا على أمره، وصاروا خير الناس بعد الأنبياء، وعلى رأسهم أبو بكر الصديق ﵁، فهو رأس الصديقين، وأكملهم صديقية، بفضله وتقواه، وسبقه إلى الخيرات، وقيامه بأمر الله خير قيام، وكونه قرين رسول الله ﷺ وصاحبه في الغار، ومساعده بكل ما استطاع من قوة ﵁ وأرضاه -.
стр. 16836
فالمقصود أن مقام العبودية، ومقام الرسالة هما أشرف المقامات، فإذا ذهبت الرسالة بفضلها بقي مقام الصديقية بالعبادة.
فأكمل الناس إيمانا وصلاحا وتقوى وهدى، هم الرسل والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - لكمال علمهم بالله، وعبادتهم له، وذلهم لعظمته - جل وعلا -، ثم يليهم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون، كما قال - جل وعلا -: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (١)، ولا بد مع توحيد الله من تصديق رسله، ولهذا لما بعث الله نبيه محمدا ﵊ صار يدعو الناس أولا إلى توحيد الله وإلى الإيمان بأنه رسوله ﵊.
فلا بد من أمرين: توحيد الله والإخلاص، ولا بد مع ذلك من تصديق الرسل - عليهم الصلاة والسلام -.
فمن وحد الله ولم يصدق الرسل فهو كافر، ومن صدقهم ولم يوحد الله فهو كافر، فلا بد من أمرين: توحيد الله، وتصديق رسله - عليهم الصلاة والسلام -.
والاختلاف في هذا المقام هو في الشرائع، وأما توحيد الله والإخلاص له، وترك الإشراك به، وتصديق رسله، فهو أمر لا اختلاف فيه بين الأنبياء، بل لا إسلام ولا دين ولا هدى ولا نجاة إلا بتوحيد الله وإفراده بالعبادة، والإيمان بما جاء به رسله - عليهم الصلاة والسلام -، جملة وتفصيلا.
فمن وحد الله - جل وعلا -، ولم يصدق نوحا في زمانه أو إبراهيم في زمانه أو هودا أو صالحا أو إسماعيل أو إسحاق أو يعقوب أو من بعدهم
стр. 16837
إلى نبينا محمد ﷺ فهو كافر بالله ، حتى يصدق جميع الرسل، مع توحيده لله .
فالإسلام في زمن آدم هو توحيد الله مع اتباع شريعة آدم ﵊، والإسلام في زمن نوح هو توحيد الله مع اتباع شريعة نوح ﵊، والإسلام في زمن هود هو توحيد الله مع اتباع شريعة هود ﵊، والإسلام في زمن صالح هو توحيد الله مع اتباع شريعة صالح ﵊، حتى جاء نبينا محمد ﷺ ، فكان الإسلام في زمانه هو توحيد الله مع الإيمان بما جاء به محمد ﷺ واتباع شريعته.
فاليهود والنصارى لما لم يصدقوا محمدا ﵊ صاروا بذلك كفارا ضلالا، وإن فرضنا أن بعضهم وحد الله فإنهم ضالون كفار بإجماع المسلمين؛ لعدم إيمانهم بمحمد ﷺ ، فلو قال شخص: إني أعبد الله وحده، وأصدق محمدا في كل شيء إلا في تحريم الزنا، بأن جعله مباحا؛ فإنه يكون بهذا كافرا حلال الدم والمال بإجماع المسلمين، وهكذا لو قال: إنه يوحد الله ويعبده وحده دون كل من سواه، ويصدق الرسل جميعا، وعلى رأسهم محمد إلا في تحريم اللواط، وهو إتيان الذكور؛ صار كافرا حلال الدم والمال بإجماع المسلمين، بعد إقامة الحجة عليه إذا كان مثله يجهل ذلك، ولم ينفعه توحيده ولا إيمانه؛ لأنه كذب الرسول، وكذب الله في بعض الشيء.
وهكذا لو وحد الله، وصدق الرسل، ولكن استهزأ بالرسول في شيء، أو استنقصه في شيء، أو بعض الرسل، صار كافرا بذلك، كما قال - جل وعلا -:. . . ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (١) ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢)، ثم إن ضد هذا التوحيد هو
стр. 16838
الشرك بالله ، فإن كل شيء له ضد، والضد يبين بالضد، قال بعض الشعراء:
والضد يظهر حسنه الضد ... وبضدها تتميز الأشياء
فالشرك بالله هو ضد التوحيد الذي بعث الله به الرسل - عليهم الصلاة والسلام -، فالمشرك مشرك؛ لأنه أشرك مع الله غيره فيما يتعلق بالعبادة لله وحده، أو فيما يتعلق بملكه وتدبيره العباد، أو بعدم تصديقه فيما أخبر أو فيما شرع، فصار بذلك مشركا بالله، وفيما وقع منه من الشرك.
وتوحيد الله الذي هو معنى لا إله إلا الله، يعني أنه لا معبود بحق إلا الله، فهي تنفي العبادة من غير الله بالحق، وتثبتها لله وحده، كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٤)، فتوحيد الله هو إفراده بالعبادة عن إيمان، وعن صدق، وعن عمل، لا مجرد كلام، ومع اعتقاده بأن عبادة غيره باطلة، وأن عباد غيره مشركون، ومع البراءة منهم، كما قال : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ (٦) ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ (٧)
стр. 16839
فتبرأ من عباد غير الله ومما يعبدون.
فالمقصود أنه لا بد من توحيد الله بإفراده بالعبادة، والبراءة من عبادة غيره، وعابدي غيره، ولا بد من اعتقاد بطلان الشرك، وأن الواجب على جميع العباد من جن وإنس، أن يخصوا الله بالعبادة، ويؤدوا حق هذا التوحيد بتحكيم شريعة الله، فإن الله هو الحاكم، ومن توحيده الإيمان والتصديق بذلك، فهو الحاكم في الدنيا بشريعته، وفي الآخرة بنفسه كما قال - جل وعلا -:. . . ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (١)، وقال تعالى:. . . ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٣) وصرف بعض العبادة للأولياء أو الأنبياء أو الشمس والقمر، أو الجن أو الملائكة، أو الأصنام أو الأشجار، أو غير ذلك؛ كل هذا ناقض لتوحيد الله، ومبطل له.
وإذا علم أن الله سبحانه بعث نبيه محمدا ﷺ والأنبياء قبله إلى أمم يعبدون غير الله، منهم من يعبد الأنبياء والصالحين، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد الأصنام المنحوتة، ومنهم من يعبد الكواكب إلى غير ذلك، فقد دعوهم كلهم إلى توحيد الله، والإيمان به سبحانه، وأن يقولوا: لا إله إلا الله، وأن يبرءوا مما يخالفها، وأن يبرءوا من عابدي غير الله، ومن معبوداتهم، وأن من صرف بعض العبادة لغيره فما وحده، كما قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٤).
стр. 16840
وبهذا تعلم أن ما يصنع حول القبور المعبودة من دون الله، مثل: قبر البدوي، والحسين بمصر وأشباه ذلك، وما يقع من بعض الجهال من الحجاج وغيرهم، عند قبر النبي ﷺ من طلب المدد والنصر على الأعداء، والاستغاثة به، والشكوى إليه ونحو ذلك، أن هذه عبادة لغير الله ، وأن هذا شرك الجاهلية الأولى، وهكذا ما قد يقع من بعض الصوفية من اعتقادهم أن بعض الأولياء يتصرف في الكون ويدبر هذا العالم والعياذ بالله شرك أكبر في الربوبية.
وهكذا ما يقع من اعتقاد بعض الناس، أن بعض المخلوقات له صلة بالرب ، وأن يستغني بذلك عن متابعة الرسول محمد ﷺ أو أنه يعلم الغيب، أو أنه يتصرف في الكائنات، وما أشبه ذلك، فإنه كفر بالله أكبر، وشرك ظاهر، يخرج صاحبه من الملة الإسلامية إن كان ينتسب إليها.
فلا توحيد، ولا إسلام، ولا إيمان، ولا نجاة إلا بإفراد الله بالعبادة، والإيمان بأنه مالك الملك، ومدبر الأمور، وأنه كامل في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله، لا شريك له، ولا شبيه له، ولا يقاس بخلقه ، فله الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، وهو مدبر الملك - جل وعلا - لا شريك له، ولا معقب لحكمه.
هذا هو توحيد الله، وهذا هو إفراده بالعبادة، وهذا هو دين الرسل كلهم، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) يعني إياك نوحد ونطيع ونرجوك ونخافك، كما قال ابن عباس ﵄: نعبدك وحدك، ونرجوك ونخافك.
وإياك نستعين على طاعتك، وفي جميع أمورنا. فالعبادة هي توحيد الله والإخلاص له في طاعة أوامره، وترك نواهيه سبحانه