стр. 16766
← Джавами‘ следующие страницы →
Джавами‘ · id 8322
مجلة البحوث الإسلامية
مجموعة من المؤلفين
Полный текст (48 258 стр.). Показаны 16766–16805 · переход к 16771.
стр. 16767
هـ) موقف الأخفش من لغات العرب:
علينا بعد الصورة العامة السابقة التي عرضناها لمواقف النحويين البصريين القدامى من لغات العرب أن ننظر في نحو الأخفش نفسه - وهو منهم - لنزداد معرفة بموقفه من هذه اللغات، فمن مسائل الأخفش:
نقله كسر الشين في قوله تعالى: ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ (١) عن بني تميم أهل نجد، ونقله تسكينها عن أهل الحجاز.
روايته عن بعض العرب طفق يطفق من باب ضرب والمصدر طفوق إلى جانب اللغة المطردة على ألسنتهم وهي طفق يطفق من باب فرح يفرح والمصدر طفق، وكلا اللغتين فصيح (٢).
حكايته عن العرب أنهم يقولون: "آخذه الله بذلك وواخذه الله، لغتان" (٣).
قبوله من بكر بن وائل سكان شرق الجزيرة، والبصريون لا يطمئنون إلى لغتهم لمجاورتهم النبط والفرس، ومن عبد القيس، والبصريون لا يأخذون بلغتهم لأنهم كانوا من سكان البحرين مخالطين للهند والفرس، ومن أهل اليمن الذين لا يحتج بهم أصلا لمخالطتهم الهند والحبشة وولادة الحبشة فيهم، ومن أزد عمان الذين لم يحتج بهم البصريون لمخالطتهم الهند
стр. 16768
والفرس، ومن بني قشير الذين سكنوا اليمامة، والبصريون لا يأخذون عن أهلها لمخالطتهم تجار الأمم المقيمين عندهم، ومن حاضرة الحجاز مخالفا في ذلك منهج قومه البصريين في عدم أخذهم منها شيئا لأن الذين نقلوا اللغة صادفوا أهلها حين ابتدءوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم وفسدت ألسنتهم (١).
فقد احتج مثلا مع الكوفيين على عمل "لعل" الجر ببيت كعب بن سهم الغنوي:
فقلت ادع أخرى وارفع الصوت جهرة ... لعل أبي المغوار منك قريب
وهو من بني عقيل بن كعب (٢) من سكان البحرين.
وقبل أيضا لغة بني قشير "سخين" بالخاء للسكين (٣)، وجمعها سخاخين. ونقل قراءة أهل المدينة الشاذة "قيما" بتخفيف الياء مع تسكينها وفتح القاف في قوله تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ (٤)، وقبل هذه القراءة الشاذة بل إنها حسنة ولم أسمعها من العرب (٥).
يتضح من هذه المسائل أن الأخفش احترم لغات العرب جميعا احتراما تاما ورآها الأصل الأول الذي يركن إليه، لذلك نقلها، سواء في ذلك ما سمعه من العرب بنفسه أو ما رواه عمن سمع من العرب أو ما لم يسمعه أو يروه وإنما وجد له تعلة فحسب يتعلل بها لقبوله من قراءة شاذة ونحو ذلك.
وقد قبل هذه اللغات كلها سواء أكانت مما يقبله قومه البصريون أم يرفضونه، وهو بهذا يجدد في موقفه ويخرج عن النمط التقليدي المحافظ لقومه ليقف مع الكوفيين في اتجاههم العام إلى الاحتجاج بكل لغة مهما كانت درجتها من الفصاحة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عدم
стр. 16769
تعصبه لأهل بلده وعلى انفتاحه وإباحته ما حرموه والأخذ بما تركوه والإقرار بما أنكروه عن قصد وإرادة لا يشوبها تردد أو إحجام وعلى استعداده لقبول ما يعتقده حقا من مواقف منافسيهم حتى لو كان قومه يرونه غير ذلك، أو للانفراد بجديد لم يقل به غيره أو يسمع به هو وسواه من هذه اللغات.
على أن الأخفش خالف في الوقت نفسه بعض ما سمع من العرب الثقات مما يعني أنه كان يتخذ أحيانا موقفا مستقلا يرجح فيه ما يرى رجحانه من لغة على أخرى مع فصاحتهما واحترامه لهما، من ذلك:
النسب إلى "شية" ونحوها مما هو محذوف الفاء معتل اللام، فقد قال في النسب إليها "وشيي" على وزن "فعلي" برد فاء الكلمة وتسكين عينها وكسر لامها لمناسبة ياء النسب مع بقائها ياء، خلافا لما سمع من ناس من العرب يحتج بقولهم، على ما حكاه الأخفش نفسه عن يونس من أن حمادا الراوية حدثه أنهم يقولون في النسب إلى شية " شيوي " على وزن " علوي" بوضع الفاء موضع اللام ثم النسب، وقد خالف الأخفش في صيغته سيبويه أيضا الذي رأى أن النسب إلى شية هو "وشوي" على وزن "فعلي" برد فاء الكلمة وفتح عينها وقلب لامها واوا مكسورة (١).
стр. 16770
الأخفش في سائر دراساته النحوية:
أ) الحدود والتعاليل:
عني الأخفش بتطوير حدود أساتذة سيبويه وإخراجها عن الفطرة البسيطة إلى شيء من المفهوم الفلسفي المركب، وتقريبها من الحدود المنطقية الصريحة القائمة على ما يدخله الجنس ويخرجه الفصل والعرض
стр. 16771
الخاص والعرض العام، يظهر هذا على سبيل المثال في حده الاسم بأنه "ما جاز فيه نفعني وضرني" (١) يريد أنه ما جاز أن يخبر عنه، في حين عرفه سيبويه تعريفا يسيرا عن طريق التمثيل له فحسب فقال: "الاسم رجل وفرس وحائط" (٢).
وللأخفش إسهام في التعليل أيضا وهو في حقيقته مجاوزة مجرد النقل إلى العقل وتركيب ذهني وسبك فلسفي للأسباب يخرج بها عن العفوية اللغوية.
ومن تعليلات الأخفش العقلية تعليله لإضافة اسم الزمان إلى الفعل بقوله: "إنما أضيفت أسماء الزمان إلى الأفعال لأن الأزمنة كلها ظروف للأفعال والمصادر، والظروف أضعف الأسماء فقووها بالإضافة إلى الأفعال" (٣).
وقد امتدت عناية الأخفش بالتعليل المنطقي وإمعانه فيه حتى شمل عنده تعليل ما لم يقع في اللغة، من ذلك تعليله امتناع الفعل المضارع من الجر الذي علله سيبويه من قبل بشكل أيسر وأدنى إلى الواقع اللغوي بقوله: "وليس في الأفعال المضارعة جر، لأن المجرور داخل في المضاف إليه معاقب للتنوين وليس ذلك في هذه الأفعال" (٤)، لكن الأخفش أدلى بعلة جديدة أطول وأشد غموضا وأكثر تفلسفا فقال: "لم يدخل الأفعال جر لأنها أدلة، وليست الأدلة بالشيء الذي تدل عليه، وأما زيد وعمرو وأشباه ذلك فهو الشيء بعينه، وإنما يضاف إلى الشيء بعينه لا إلى ما يدل عليه، وليس يكون جر في شيء من الكلام إلا بالإضافة (٥).
وعلى الرغم من كل هذا فقد ظهر في نحو الأخفش معالجات
стр. 16772
لبعض الظواهر النحوية واللغوية استوحى فيها أساليب العربية في تركيب الكلام وذوق المعاني بعيدا عن منطق العلة وتفلسف البراهين وتعقيدات الجدل، وهو منهج كان الكوفيون يرتضونه ويميلون إليه كثيرا ويعملون به، ومن آيات ذلك:
قوله بزيادة "إن" بعد "ما" النافية في قول فروة بن مسيك (١) المرادي:
وما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا (٢)
وهي في هذه الحال تمنع "ما" عنده من نصب الخبر (٣).
وقوله بزيادة أصبح وأمسى وكان بين ما وفعل التعجب (٤).
وزيادة كاد في غير (٥) التعجب نحو: ما أصبح أبردها، وما أمسى أدفأها، وما كان أصح علم من تقدما، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ (٦).
فقد حرص الأخفش في هذه الأمثلة ونحوها على أن لا تكون الزيادة في بنية الجملة عبثا بل محكومة بضابط لا مفر من مراعاته وهو أن لا تؤدي بحال إلى الخروج عن الذوق وإلى تعمية المعنى، وأن تكون لفائدة هي؛ التوكيد عن طريق تثبيت المعنى وتقوية المبنى وليس لمجرد التجميل ونحوه، وأن تكون كذلك ظاهرة المعنى لا غموض فيها يدعو إلى افتعال تفسير لوجودها أو تأويل للمراد منها بل هي بسيطة تتلاءم مع الفهم الواضح لمقصود أصحابها من تركيب كلامهم وترتيب نظامه.
وقوله بحذف حرف "قد" قبل الفعل الماضي ليصح (٧) وقوعه حالا في قوله تعالى: ﴿جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ (٨).
وقوله بحذف الاسم المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه في قوله
стр. 16773
تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ (١)، ومثل هذا في التنزيل وغيره كثير، ومع ذلك فقد رأى الأخفش أن هذا الحذف مقصور على السماع وأن القياس على المسموع ممنوع، في حين رأى ابن جني أن الحذف (٢) مقيس لكثرة المسموع منه في القرآن والشعر من جهة ولسعة المجاز في العربية واستمراره على ألسنة العرب من جهة أخرى.
وقوله بحذف الاسم المشاف إليه في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ (٣) أي لكل أمة، وفي قول جرير:
يا تيم تيم عدي لا أبا لكم ... لا يوقعنكم في سوأة عمر
أي يا تيم عدي تيم (٤) عدي.
وقوله بحذف الاسمين المضاف والمضاف إليه معا في قول القائل "ضربي زيدا قائما" فقد قدر الأخفش الجملة "ضربي زيدا ضربه قائما" فحذف خبرا مضافا وضميرا مضافا إليه في حين قدر سائر النحاة الجملة "ضربي زيدا حاصل إذ كان قائما" للماضي و"إذا كان قائما" للمستقبل، فحذفوا خبرا وظرفا وفعلا ناقصا واسمه أو فعلا تاما وفاعله، وهو فيما صنع أكثر منهم انسجاما مع الأصل المقرر القاضي بأنه ينبغي تقليل المحذوف ما أمكن لتقل مخالفة الأصل (٥).
وقوله بحذف الفعل المضارع وفاعله بعد (لات) فقد رأى الأخفش أن (لات) لا تعمل شيئا فإذا جاء بعدها منصوب فهو مفعول بفعل مضارع هو أرى محذوف مع فاعله، فمعنى "لات حين مناص" لا أرى حين مناص، أو لات أرى حين مناص، وبينهما فرق في إلحاق التاء بلا على أنها حرف للتأنيث، وفي تركها على أنها حرف (٦) زائد.
стр. 16774
وقوله بحذف الجار أولا ثم حذف الضمير الذي كان مجرورا به ثم انتصب بعد حذف الجار، من قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ (١) فالأصل "لا تجزي فيه" ثم حذفت "في" فصار "لا تجزيه" ثم حذف الضمير منصوبا لا مخفوضا (٢).
وقد حرص الأخفش في هذه المسائل ونحوها على مثل الموقف الذي حرص عليه في أمثلة الزيادة، فالحذف عنده كالزيادة، كلاهما محكوم بضرورة عدم الإخلال بالمعنى، وهو مثلها قد يكون في الحروف، والأسماء، وفي الفعل، وكذلك في أشباه الجمل على نحو ما مثلنا لها جميعا.
стр. 16775
ب) العوامل:
حذا الأخفش في موقفه من العامل حذو سابقيه من رؤساء نحاة البصرة كالخليل وسيبويه فأخذ به كما أخذوا، وفعل فعلهم في عد الإعراب أثرا يجلبه العامل ظاهرا أو مقدرا، وقد حمله هذا كما حملهم على تقدير العامل إن لم يجده ظاهرا نحو: سقيا ورعيا، فقد جعلوا تقديرهما: سقاك الله سقيا ورعاك الله رعيا، ثم قاسوا عليهما ما كان مثلهما نحو: الليل الليل، والله الله في أمري (١).
ورأى الأخفش كسائر البصريين أن العامل ينبغي أن يتقدم على معموله، فإذا تأخر عنه بطل عمله فيه، لذلك لم يجز عندهم تقدم الحال على المبتدأ الذي خبره جملة فعلية فعلها عامل في الحال نحو "راكبا زيد جاء" وذلك لبعد الحال عن العامل، لكن الأخفش أجاز على ضعف "راكبا جاء زيد" لأن الحال وإن تقدمت على عاملها فهي ملتصقة به (٢).
стр. 16776
٨٧ - وذهب كالبصريين إلى أن تغيير العامل لا يؤثر في عمله مادام معناه ملتزما، فتخفيف إن مثلا لا يمنع من إعمالها، فيقال: إن زيدا لمنطلق، بإعمالها على المعنى دون إضمار للاسم، وعلى هذا قراءة الحرميين وأبي بكر "إن كل نفس لما عليها حافظ" بإرادة معنى الثقيلة فتعمل عملها، ومثل ذلك تخفيف كأن ولكن، فتعمل جميعا مخففة كما تعمل غير مخففة (١).
هذه جملة من متابعات الأخفش التقليدية في قضية العامل، وهي لا تميزه عن غيره في هذا الموضوع بشيء، لكنه تميز في بعض الأحيان بمواقف كان لها وضع خاص يلفت النظر ويخرج به عن المعتاد والمألوف.
فهو مثلا قد قرر مستقلا أن زيادة "إن" في قولنا "ما إن هذا زيد" تحول دون نصب الخبر بما (٢).
وهو قد ناقض نفسه ونقض قاعدته التي وضعها حين قرر أن الحرف الأصلي هو الذي يعمل، ثم لم يلبث أن أعمل "أن" في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ﴾ (٣) وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ (٤) فنصب بها الفعلين مع زيادتها مستخدما القياس الواضح على عمل "من" في قولك "ما أتاني من أحد" مع زيادتها، وعلى عمل الباء الزائدة في "ليس زيد بقائم" (٥).
وهو قد تفرد بإجازة إعمال الظرف والجار والمجرور مطلقا أي سواء اعتمدا على نفي أو استفهام أو موصوف أو موصول أو صاحب خبر أو حال أو لم يعتمدا، وذلك لشبهها بالفعل في القوة، نحو: ما في الدار أحد، أفي الدار زيد؟، مررت برجل معه صقر، جاء الذي في الدار أبوه، زيد عندك أخوه، مررت بزيد عليه جبة، ونحو: عندك زيد، فقد رفع
стр. 16777
стр. 16778
ج) المقاييس:
كان الأخفش يتشدد في القياس في بعض المسائل كقومه البصريين، ومع هذا فقد كان مكثرا من استعماله مولعا به كما يقول ابن جني (١)، لذلك ألف فيه كتابه "المقاييس" وتزيد في تطبيقه على طائفة كبيرة من مسائل النحو والصرف حتى ظهر في شطر من أقيسته التسمح كالكوفيين، فقد كان يسارع إذا قيل له مثلا: ابن مثل كذا من كذا مما لم تبن العرب مثله إلى تكلف بناء ذلك ويقول: إنما سألتني أن أمثل لك، وكان يبني جميع ما يسأل عنه ويقول: مسألتك ليست بخطأ وتمثيلي عليها صواب فإن أبي صاحبك فقل له: فلو جاء فكيف ينبغي أن يكون؟ فإنه لا يجد بدا من الرجوع إليك.
وبهذا تمادى الأخفش في استعمال القياس حتى جاءت له مواقف فيه تجاوز بها القصد فاصطنع الصيغ وصنعها، وطرد القياس في الباب الواحد وأجاز في كل أفراده ما يجوز لأحدها أو بعضها بالسماع تسمحا، وقاس شيئا على شيء شبيه به شبها بعيدا، كما قاس كالكوفيين على الشاهد الواحد أو القليل النادر، مع أنه كان من الواجب أن يقف تسامحه عند الحدود التي لا يؤذن فيها للقياس بأن تكون علته خفية أو بأن يتجاوز السماع أو يضاده، لأن المراد في الحقيقة من القياس أنه إذا ورد شيء ولم يعلم كيف تكلموا به فإنك تقيسه لا أنك تقيسه مع وجود السماع (٢).
ولعل مرد تشدد الأخفش في القياس النحوي في بعض الأحيان كالبصريين وتسامحه فيه في أحيان أخرى اقتداء بالكوفيين هو إلى انتقاله من البصرة إلى بغداد واتصاله بالكوفيين فيها وتأثره بآرائهم وتسمحاتهم،
стр. 16779
ثم عودته إلى البصرة وإقامته فيها وانقطاعه بذلك عن مشافهة الكوفيين، مما أعاده ثانية إلى شيء من منهج البصريين المتشددين.
ومن مواقف الأخفش المتنوعة إزاء القياس وفيها ما تشدد فيه، وما تساهل، وما تجاوز بتساهله الحد:
- منعه إيلاء إن وأخواتها معمول (١) خبرها مع إجازة غيره ذلك قياسا على ما سمع من قول الشاعر:
فلا تلحني فيها فإن بحبها ... أخاك مصاب القلب جم بلابله
- إجازته تثنية الأعداد غير المائة والألف وجمعها قياسا على قول الشاعر:
فلن تستطيعوا أن تزيلوا الذي رسا ... لها عند عال فوق سبعين دائم (٢)
وفي حين لم يجز غيره من البصريين هذا القياس وعدوا البيت شاذا يحفظ ولا يقاس عليه (٣).
- إجازته إعراب ثاني العدد المركب إذا أضيف مع إبقاء الأول على بنائه قياسا على إحدى لغات العرب، فتقول: هذه خمسة عشرك، بفتح التاء ورفع الراء، وأخذت خمسة عشرك، بفتح التاء ونصب الراء، ونظرت إلى خمسة عشرك، بفتح التاء وجر الراء (٤).
- إبقاؤه عمل إن بعد تخفيفها قياسا (٥) على إبقاء العرب عمل يكون بعد جزمها وحذف نونها للتخفيف مع بعد ما بينهما، وجعل منه تخفيف أهل المدينة إن وإعمالها في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٦).
- قبوله الأشعار الشاذة واتخاذها أصلا للقياس، كما جرى في
стр. 16780
قول الشاعر:
فزججتها بمزجة ... زج القلوص أبي مزاده (١)
فقد جوز الأخفش وتابعه الكوفيون الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول به قياسا على هذا البيت، فأقاموا عليه قاعدتهم هذه وطردوها، في حين ذهب سيبويه إلى أنه لا يجوز الفصل بينهما إلا بالظرف في الشعر فحسب (٢).
ومع مواقف الأخفش هذه كانت له مواقف أخرى التزم بها في القياس جانب الاعتدال، وابتعد فيها عن التسمح وعن المغالاة والإبعاد على حد سواء وأدار القياس فيها بكفاءة وفقا لمقاييس المفهومات المتماثلة، واعتمد في الترجيح بين الأحكام القياسية على الذوق اللغوي والإحساس العميق بالمعاني، ومن ذلك:
- قياسه رفع الابتداء للمبتدأ والخبر سويا على إعمال إن في اسمها وخبرها معا واعتباره هذا الحكم في المقيس أقيس وأوجه وأحسن مما ذهب إليه سيبويه من أن المبتدأ مرفوع بالابتداء وأن الخبر مرفوع (٣) بالمبتدأ؛ لأنه أقرب إلى التوجيه الظاهر.
- قياسه بقية أفراد الباب على الفعلين القلبيين المتعديين "علم ورأى" الذين سمع (٤) من العرب تعديتهما بالهمزة إلى أكثر من مفعول.
- حكمه بزيادة أكاد في غير التعجب (٥) في نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ (٦) قياسا على زيادة أصبح وأمسى السماعية في باب التعجب في قول العرب: "ما أصبح أبردها، وما أمسى أدفأها" وقياسا على زيادة "كان" أم الباب القياسية بين ما وفعل التعجب كقول
стр. 16781
стр. 16782
الأخفش بين البصريين والكوفيين:
تأسس النحو على يد أهل البصرة الأوائل، فهم الذين وضعوا قواعده وقننوا قوانينه وأقاموا أسسه، ثم أسلموه لأهل الكوفة الذين شرعوا في الاشتغال به بعد مدرسة البصرة بنحو قرن كانوا في خلاله مشغولين بالسير والتراجم والأخبار والأشعار ونحو ذلك.
ويعد الأخفش واحدا من أعلام مدرسة البصرة المقدمين، وأكبر أئمتها بعد سيبويه، وهو نحوي عظيم ملأ الدنيا نحوا ولغة وخلد ذكره بما ترك من آثار وآراء ومواقف في الدرس النحوي واللغوي، فهو لم يكن دارسا معتادا ممن طواهم التاريخ فلا يذكرهم الناس إلا لماما، وإنما هو واحد من أبرز المشاهير الخالدين، بل هو أحد من تميزوا فيهم.
ويؤكد منهج الأخفش العام بصريته، وذلك على الرغم من خروجه المتكرر على بعض قواعد مدرسته البصرية، ومحاولته المستمرة الإتيان بجديد في بعض جوانب البحث النحوي، واشتهاره بالإكثار من مخالفة قومه البصريين ولا سيما أستاذه سيبويه أو بالزيادة عليهم وبمتابعة الكوفيين له في هذه المخالفات والزيادات، أو بمتابعته الكوفيين في آرائهم في كثير من الأحيان.
وكان من المفروض أن يلتزم الأخفش كغيره من نحاة البصرة بخط قومه البصريين التزاما دقيقا، وينهج نهجهم، فلا يحيد عنه ولا
стр. 16783
يخرج منه، ولكنه ذهب إلى بغداد لينتقم من الكسائي الكوفي لهزيمة أستاذه سيبويه إمام البصريين أمامه في المناظرة الشهيرة في المسألة الزنبورية، فكان ذهابه نقطة التحول الرئيسة في حياته العلمية، إذ لم يلبث أن انقلب هدفه بعد وصوله إلى عاصمة الخلافة ولقائه مع الكسائي، ونسي أو تناسى ما جاء من أجله وأصبحت الدنيا همه، وتوارى الغرض العلمي من زيارة بغداد ليحل محله الغرض الدنيوي، لما رآه فيها مما لم يألف رؤيته في البصرة من دعة العيش ورفاهة، ومن النفوذ الذي شاهد النحاة الكوفيين ينعمون به والمجد الذي عاينهم يتقلبون في أعطافه إلى جوار الخلفاء العباسيين، الذين أحبوهم وقربوهم؛ لأنهم كانوا شيعة لهم، في حين كان البصريون شيعة للأمويين فتطلع إلى أن يصبح مثلهم وينعم بنحو ما ينعمون به فيقضي سائر أيام حياته في خير ونعمة لن يتاحا له لو بقي في مدينته البصرة.
وهكذا تحول الأخفش من نحوي بصري الهوى والالتزام إلى صديق للكسائي رأس الكوفيين وللفراء إمامها ولغيرهما من أقطابهم، واستحال تحرشه بهم محبة لهم وتعلقا بهم وتقربا منهم، ثم إن الكوفيين أنفسهم لم يكرهوا ذلك، بل قربوه وصادقوه وبجلوه، وقرأ عليه الكسائي كتاب سيبويه سرا، وأطعمه بالمال وقربه منه ووكل إليه أمر تدريس أولاده، بل أتاح له أن يقوم فيما بعد بتأديب أولاد الخلفاء العباسيين وغيرهم من الأمراء والوجهاء.
كل هذا جعل هوى الكوفيين يتسرب إلى نفسه، والميل إليهم يملأ قلبه فشرع يقف معهم في آرائهم أو يقفون معه في آرائه، وكثر خروجه على قومه واختلافه معهم ومخالفته لأحكامهم، ومال إلى اللين والتساهل في
стр. 16784
مواقفه كالكوفيين، ورجع عن كثير من آرائه السابقة إرضاء لهم أو قناعة بهم، واستمر على هذا إلى أن عاد فيما بعد إلى موطنه في البصرة فعاد إليه شيء من الالتزام ومقدار من التشدد وعدم التسمح، ولعل في هذا ما يفسر اضطراب آرائه في شطر لا بأس به من فروع النحو ومسائله.
وقد تمكن الأخفش بذكائه وعلمه الواسع بلغات العرب، وبإفساحه المجال لهذه اللغات جميعا حتى للشاذ منها، وبكثرة اعتراضه على الخليل وسيبويه. . أقول: لقد تمكن بكل هذا من أن ينفذ إلى آراء مبتكرة، ومن أن يتبوأ مكانته العليا في الدرس النحوي في البصرة، بل في الكوفة أيضا التي يعد ذا تأثير فيها؛ لأنه كان أستاذ الكسائي رأس الكوفيين، الذي أقرأه كتاب سيبويه كما ذكرنا؛ ولأن الكوفيين حملوا عنه لغاته وآرائه ومخالفاته، ومضوا يتوسعون فيها ويضيفون إليها، فتكونت من حصيلة ذلك كله ومن غيره مدرستهم، وأصبح الأخفش بمثابة من أقام الأساس لها، وهذا يجعل القول بأن ديدنه كان مخالفة قومه البصريين ومتابعة أخصامهم الكوفيين فحسب - غير دقيق، فهو الذي فتح لتلميذيه الكسائي والفراء قطبي الكوفيين أبواب الخلاف واسعة على قطبي البصريين الخليل وسيبويه بما بسط من وجوهه، فتابعاه في كثير منها، ثم مضيا ومن بعدهما من نحاة الكوفة يتخذون من آرائه منطلقا إلى آرائهم الخاصة بهم.
وفي كتب النحو فيض من الفروع التي وافق فيها الكسائي والفراء بخاصة والكوفيون بعامة - الأخفش في رأيه، أو في بعض رأيه، والتي تابع الأخفش فيها الكوفيين، والتي خالف فيها سيبويه وجمهور البصريين، والتي زاد فيها عليهم، والتي وقف فيها موقفا مستقلا، وغير ذلك، من
стр. 16785
هذه الفروع.
ذهب الأخفش - ويتبعه الفراء - إلى أن الضمير في لولاي ولولاك ولولاه مبتدأ، وقد أناب العرب فيها الضمير المخفوض عن الضمير المرفوع، فأنابوا لولاي عن لولا أنا، ولولاك عن لولا أنت، ولولاه عن لولا هم قياسا على إنابتهم ضمير الرفع عن ضمير الجر في قولهم: ما أنا كأنت، خلافا لسيبويه الذي ذهب إلى أن لولاه جارة لهذه الضمائر (١).
- وذهابه إلى جواز دخول الواو على خبر كان وأخواتها إذا كان جملة؛ نحو: كان محمد ولا حق عنده، وليس شيء إلا وفيه نقص، قياسا على قول الشاعر:
ما كان من بشر إلا وميتته ... محتومة لكن الآجال تختلف
وعلى قول آخر:
ليس شيء إلا وفيه إذا ما ... قابلته عين البصير اعتبار
خلافا لسيبويه، الذي لا يجيز ذلك ويؤول ما جاء منه عن العرب على حذف الخبر (٢).
- وذهابه إلى أن لا سيما من أدوات الاستثناء، خلافا لسيبويه وجمهور البصريين في أن سي اسم لا النافية للجنس مبني على الفتح، وما بعدها إما مجرور بإضافة سي إليه وعد ما زائدة، وإما مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف وما موصولة بمعنى الذي والتقدير لا سي الذي هو زيد، وإما منصوب على التمييز (٣).
- وزيادته على البصريين في العوامل المعنوية، ففي حين رأوها اثنين هما الابتداء في المبتدأ، والتجرد من الناصب والجازم في المضارع المرفوع، أضاف إليهما العامل في الخبر، فهو معنوي عنده، وهو الابتداء،
стр. 16786
والعامل في النعت والتوكيد والبدل وهو معنوي عنده لأنه التبعية للمنعوت والمؤكد والمبدل منه (١).
- ومتابعته الكوفيين في جواز إلغاء العامل مع تقدمه على المعمول سواء أكان هذا العامل فعلا أم حرفا، فيجوز القول: ظننت زيد قائم، قياسا على قول كعب بن زهير:
أرجو وآمل أن تدنو مودتها ... وما إخال لدينا منك تنويل
وعلى قول غيره:
كذاك أدبت حتى صار من خلقي ... أني وجدت ملاك الشيمة الأدب
وكذلك ورد قول الشاعر:
لولا فوارس من ذهل وأسرتهم ... يوم الصليفاء لم يوفون بالجار
على إلغاء (٢) عمل "لم".
- تجويزه اشتقاق صيغة التعجب من غير الفعل الثلاثي مباشرة نحو: ما أتقنه وما أخطأه، كما جوز ذلك مباشرة من العاهات نحو: ما أعوره وما أعرجه، وتبعه فيهما الكسائي، خلافا لسيبويه وجمهور البصريين (٣).
- وتجويزه - وتبعه الكوفيون - حذف الجزء الثالث من جمع؛ مثل: فرزدق، فيقولون: فرادق، خلافا لسيبويه والبصريين الذين يرون القياس في جمعه فرازق بحذف الحرف الرابع (٤).
- ذهابه إلى أن وزن "هجرع" بمعنى الطويل، و"هبلع" بمعنى الأكول "هفعل" بزيادة الهاء فيهما؛ لأن الأولى مشتقة عنده من الجرع أي المكان السهل، والثانية مشتقة من البلع، خلافا لسيبويه الذي ذهب إلى أنه "فعلل" (٥).
стр. 16787
وذهابه - وتبعه الكسائي - إلى أن "من" الجارة تزاد في الإيجاب (١) مثل: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢)، ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ (٣)، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ (٤).
- قوله - وتابعه الفراء - بجواز تأخير الخبر إذا كان المبتدأ مبدوءا بأن مفتوحة الهمزة (٥) نحو: أن العلم نور قول مشهور، فقد قاسه الأخفش على مجيء الخبر مؤخرا مع أن المصدرية في نحو: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٦).
- وقوله: - وتابعه الكوفيون - إن المبتدا إذا كان اسم فاعل أغنى فاعله عن الخبر بدون اعتماد على نفي أو استفهام مثل: قائم الزيدان، وكذلك إذا كان اسم الفاعل اسما لإن؛ نحو: إن قائما الزيدان (٧).
- إجازته - وتابعه الكوفيون - حذف الاسم الموصول إذا علم؛ كقول حسان:
فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء
أي: ومن يمدحه (٨).
- ذهابه مع يونس البصري والكوفيين وتبعهم ابن مالك إلى عدم وجوب إعادة الخافض إذا عطف على الضمير المتصل المخفوض، مستدلين بقراءة حمزة من السبعة وابن عباس والحسن البصري: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (٩) بخفض (الأرحام) وعدم إعادة الباء، وذلك خلافا لأكثر البصريين الذين يأخذون بقراءة جمهور السبعة المرسومة في المصحف وهي "تساءلون به والأرحام" على تقدير "واتقوا الأرحام أن تقطعوها" (١٠).
لا يجوز عند جمهور البصريين أن نقول: "كم غلمانا عندك؟ " خلافا
стр. 16788
للكوفيين، الذين يجوزون جمع تمييز (كم) الاستفهامية كهذا المثال، وكقولنا: "كم شهودا لك؟ " وذهب الأخفش إلى جواز جمع تمييز (كم) الاستفهامية شريطة أن يكون الاستفهام والسؤال عن الجماعات والأصناف كهذين المثالين إذا أردت منهما أصنافا من الغلمان وجماعات من الشهود (١).
يستغنى عن تثنية أجمع وجمعاء بكلا وكلتا كما استغنوا بتثنية سي عن تثنية سواء، فقالوا: سيان، ولم يقولوا: سواءان، إلا نادرا، وأجاز الأخفش والكوفيون تثنية أجمع وجمعاء. فقالوا: جاء الزيدان أجمعان وجاءت الهندان جمعاوان، وهذا الخلاف جار أيضا بين الفريقين في تثنية ما وازنهما نحو: أكتع وكتعاء وأبصع (٢) وبصعاء.
يرى جمهور البصريين أن البدل إن كان غير دال على الإحاطة فإنه يمنع بدل الكل من الكل، وقول الشاعر: -
بكم قريش كفينا كل معضلة ... وأم نهج الهدى من كان ضليلا
محل خلاف، فهذا الجمهور لا يثبتون بدل الكل فيه؛ لأن البدل في البيت غير دال على الإحاطة، والأخفش والكوفيون يقولون به تمسكا بهذا البيت ويرون أن قريشا بدل كل من ضمير الحاضر وهو الكاف في "بكم" على الرغم من أن البدل لم يدل على الإحاطة، فهم لا يشترطون ذلك فيه (٣).
"يا تميم كلهم أو كلكم" هذا مثال لتابع التوكيد المعنوي المضاف الذي يجب نصبه عند النحاة، ويوجد مع تابع المنادى في هذا المثال ضمير، وهذا الضمير يجوز أن يؤتى به دالا على الغيبة باعتبار الأصل، فيقال: "كلهم"، وأن يؤتى به دالا على الحضور باعتبارالحال فيقال:
стр. 16789
"كلكم"، لكن الأخفش منع مراعاة الحال وقال في "يا تميم كلكم" يجوز رفع التوكيد ونصبه، فإن رفع فهو مبتدأ وخبره محذوف أي "كلكم مدعو" وإن نصب فبفعل محذوف أي "كلكم دعوت" (١).
"ثم" حرف عطف يفيد الجمع والترتيب والمهلة، وذهب الأخفش إلى أن "ثم" قد تتخلف عن التراخي بدليل قولك: "أعجبني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب" لأن ثم في هذا القول جاءت في الترتيب الإخباري ولا تراخي بين الإخبارين (٢).
قال الشاعر:
لكنه شاقه أن قيل ذا رجب ... يا ليت عدة حول كله رجب
توكيد النكرة "حول" توكيدا معنويا بـ"كله" كما في هذا البيت صحيح، لكنه شاذ عند جمهور البصريين، لأنه نادر أو قليل فيحفظ ولا يقاس عليه، وقد تابعهم ابن هشام على ذلك في بعض كتبه كالشذور والقطر.
ورأى الأخفش وجمهور الكوفيين أن توكيد النكرة توكيدا معنويا صحيح مطرد شريطة أن يكون هذا النوع من التوكيد للنكرة مفيدا، وأنشدوا هذا البيت ونحوه دليلا على ذلك، وقد تابعهم ابن هشام على رأيهم هذا في بعض كتبه الأخرى كالتوضيح، واختار هذا الرأي أيضا ابن مالك والرضي الإستراباذي والشاطبي (٣).
بعد هذه الأمثلة الكثيرة يمكن القول إن الأخفش قد التقى في مسائل كثيرة مع الكوفيين من خلال التأثير المتبادل بينهم وبينه، لكن تأثيره فيهم وإعانته لهم على تحقيق غرضهم في إنشاء مذهب خاص بهم مغاير في أطره العامة وفي كثير من فروعه لمذهب البصريين - كانا أشد وضوحا وأكثر ظهورا.
стр. 16790
وقد بدا تأثر الأخفش بالكوفيين خاصة في المسائل التي كان له فيها أولا رأي كرأي البصريين ثم ما لبث أن تركه إلى رأي آخر يماثل رأيهم، ومن العسير فيما عدا هذا أن نحدد أي المسائل وافق فيه الكوفيين وأيها وافقوه فيه.
стр. 16791
اضطراب آراء الأخفش:
مما يلفت النظر في نحو الأخفش ظاهرة اضطراب آرائه وورود أكثر من رأي له في المسألة الواحدة، فقد رأيناه أحيانا يقول في مسألة برأي يتفق مع رأي سيبويه والبصريين فيها، وبرأي آخر يماثل رأي الكوفيين، وبثالث يستقل به ولا يحذو فيه حذو أحد، وهو في هذا الاضطراب لم يكن نسيج وحده بين النحاة، فقد اضطربت مواقفهم أيضا، لكنه زاد عليهم في ذلك حتى كان أبو علي يقول إذا سمع اضطراب آرائه وتناقضها: "عكر الشيخ" (١) وقال عنه ابن جني: " كان أبو الحسن ركابا لهذا الثبج (٢) آخذا به غير محتشم منه وأكثر كلامه في عامة كتبه عليه" (٣).
وقال عنه السيوطي "كان أبو الحسن الأخفش يقع له ذلك كثيرا حتى إن أبا علي كان إذا عرض له قول عنه يقول: لا بد من النظر في إلزامه إياه؛ لأن مذاهبه كثيرة" (٤) ولعل ذلك كان منه في أكثر الأحيان حرصا على الوصول إلى الأحسن والأدق من الآراء في المسائل، وجريا على الزيادة في التمحيص والنظر من أجل الإبداع والتطوير والوصول إلى الجديد عن طريق التجديد، ولكي يخرج عما يراه قاصرا إلى ما يراه صحيحا، أو عما يراه ناقصا إلى ما يراه أكمل منه وأشمل، أو عما يراه سطحيا أو تقليديا إلى ما يراه أعمق وأكثر جدة وابتكارا وإبداعا.
стр. 16792
وربما كان ذلك في بعض الأحيان مظهرا من مظاهر التردد لتعدد الأدلة أمامه في المسألة الواحدة، ولانعدام القدرة على الجزم فيها والقطع بأحدها وطرح ما سواه.
ويبدو لي أن سبب اضطراب رأي الأخفش في طائفة كبيرة من المسائل وخلافه مع البصريين وزيادته عليهم، ومتابعته للكوفيين أو متابعتهم له، مما يشاهد كثيرا في الكتب النحوية في الفروع الخلافية هو نفسه السبب الذي ذكرناه من قبل ورددنا إليه مراوحته بين التشدد في القياس تأثرا بالبصريين وتساهله فيه متابعا الكوفيين.
وخلاصة هذا السبب في هذه الأمور جميعا هو اتصاله بالكوفيين في بغداد بعد رحيله إليها من البصرة واختلاطه بهم ومصادقته لأئمتهم وتأثره باتجاهاتهم المتسامحة، ثم عودته إلى البصرة وابتعاده بذلك عن الكوفيين في بغداد مما أعاده إلى جو التشدد والالتزام الدقيق في الدرس النحوي في شتى مناحيه.
وأيا ما كان الأمر فإن من المسائل الكثيرة التي تعدد رأيه فيها:
- ذهابه تارة إلى إهمال "لات" وقوله: إن العمل الموجود بعدها هو لغيرها وليس لها فإذا وليها مرفوع فمبتدأ خبره محذوف، وإذا وليها منصوب فبإضمار فعل، وذهابه طورا آخر إلى أن "لات" تعمل عمل "إن" فتنصب الاسم وترفع الخبر.
- قوله برأي الخليل وسيبويه في أن جازم جواب الشرط هو الأداة والشرط معا، وقوله أيضا برأي الكوفيين في أن الشرط والجواب تجازما كما ترافع المبتدأ والخبر، واستقلاله بالقول إن جازم الشرط الأداة وجازم الجواب الشرط (١).
стр. 16793
- قوله مرة إن اللغة تواضع واصطلاح، وقوله مرة أخرى إنها وحي وتوقيف، وتابعه في قوليه أبو علي الفارسي، والتوفيق رأي الأشعري، والاصطلاح رأي المعتزلة (١).
- "ما" التعجبية في قولنا "ما أحسن زيدا" اسم بالإجماع بدليل عود الضمير في الفعل "أحسن" عليها، والضمائر لا تعود إلا إلى الأسماء، وعدها سيبويه وجمهور البصريين نكرة بمعنى شيء، وإنما جاز الابتداء بها مع أنها نكرة لتضمنها معنى التعجب والجملة الفعلية بعدها خبر.
وعدها الأخفش اسما موصولا بمعنى الذي، والجملة الفعلية بعدها صلة الموصول، وخبر المبتدأ محذوف وجوبا، والتقدير "الذي أحسن زيدا شيء عظيم".
وعدها الأخفش في قول آخر له نكرة بمعنى شيء والجملة بعدها في محل رفع نعت؛ لأن الجمل بعد النكرات صفات، وهذا النعت هو أحد مسوغي الابتداء بما النكرة، وتضمنها معنى التعجب هو المسوغ الآخر، وخبر المبتدأ محذوف وجوبا والتقدير "شيء أحسن زيدا شيء عظيم" (٢).
стр. 16794
تأثير الأخفش فيهن أتى بعده من أئمة الدرس النحوي واللغوي:
كان للأخفش تأثير لا ينكر في خالفيه من علماء العربية البصريين والكوفيين والبغداديين وفيمن أتى بعدهم من أهل المدارس المتعاقبة في المشرق والمغرب.
وكان لا بد أن يحدث هذا التأثير، فقد قال الكسائي في الرجل (لم يكن في القوم - يعني البصريين - أعلم من الأخفش) (١)، وقال الفراء عنه حين نعته أحدهم بسيد أهل اللغة: (أما ما دام الأخفش يعيش
стр. 16795
فلا) (١)، وقال الفراء عنه أيضا حين علم بعزمه على الخروج إلى الري (لئن كان خرج فقد خرج معه النحو كله) (٢).
فإذا كان هذا مقدار إعجاب قطبي الكوفة بالأخفش البصري، وإذا كانت هذه أقوالهما فيه وهي قد بلغت ذروة المدح وقمة الثناء، فإن ذلك يعني بوضوح أنهما اطلعا على علمه واستفادا منه، وأنهما يدعوان نحاة الكوفة المعاصرين ومن بعدهم إلى الاقتداء بهما في الحرص على علم الأخفش والاستفادة منه.
ولقد ظهر تأثير الأخفش أيضا فيمن أتى بعده من أهل بغداد ومن غيرهم، سواء أكانوا من اللغويين أم من أهل النحو والبلاغة وغيرهما من علوم اللسان، فلقد أثر في أبي علي الفارسي الذي اتصل بكتبه ونقل عنها وعول عليها، وفي ابن جني الذي طبع "خصائصه" بطابع "مقاييس" الأخفش وملأ "مصنفه على تصريف المازني " بآرائه الصرفية، وفي ابن السراج الذي أكثر من الرواية عنه في "أصوله" واعتمد عليه في الاحتجاج، وفي السكاكي الذي جعل آراءه واحدا من مصادره الرئيسة في كتابه البلاغي "مفتاح العلوم" وجعل أيضا مفتاحه هذا معرضا لمواقف الأخفش في علم العروض والقوافي التي تابع فيها خطى الخليل ولآرائه التي خالفها فيها، وفي ابن فارس في "مقاييسه" وفي الجوهري في "صحاحه". وفي الرازي في "مختاره من الصحاح". وفي ابن منظور في مصنفه "لسان العرب" وهي جميعا مليئة بروايات الأخفش اللغوية والنحوية والصرفية والبلاغية والعروضية.
وقد أورد أحد الباحثين إحصاء غريبا طريفا، بين فيه من تأثروا بالأخفش في مختلف العصور وأحصى عدد المسائل التي تأثر
стр. 16796
أكثرهم به فيها فقال: "إن ابن مالك كان أكثرهم تأثرا وقد نيف ما وافقه فيه على أربعين مسألة، ثم وليه أبو علي الذي نيف ما وافق الأخفش فيه على ثلاثين مسألة، ثم المبرد في ثلاث وعشرين، ثم الفراء في سبع عشرة، ثم الكسائي في ثلاث عشرة، ثم ابن عصفور في إحدى عشرة، ثم هشام الضرير في عشر، ثم المازني وابن جني في تسع لكل منهما، ثم السيرافي في ثمان، ثم الزجاج وابن السراج في سبع عند كل منهما، ثم أبو حيان في ست، ثم الجرمي وابن يعيش والشلوبين، ثم ابن كيسان، ثم ابن هشام وابن برهان والطوال وثعلب والأشموني والربعي، ثم النحاس وابن درستويه والسيوطي وقطرب والرماني والزجاجي وابن السيد وابن طاهر وابن خروف، ثم أبو حاتم السجستاني وابن مضار والدماميني وابن الطراوة وابن الأنباري والبغدادي وابن قتيبة وخالد الأزهري وابن القطاع الصقلي وابن أبي الربيع وابن الصائغ وابن بابشاذ والعكبري وعضد الدولة وابن أم قاسم المرادي والصفار والسهيلي والأخفش الصغير والجزولي والميداني والصبان " (١).
ومن أمثلة تأثير الأخفش - وهي أكثر من أن تحصى - في نحاة بصريين وكوفيين وبغداديين وأندلسيين:
- منعه توكيد "اختصم الزيدان والهندان" فلا يقال: "كلاهما وكلتاهما" لعدم الفائدة؛ لأن الاختصام لا يكون إلا بين اثنين أو اثنتين، وقد تابعه على هذا الفراء وهشام وأبو علي الفارسي (٢).
- وإجازته توكيد المحذوف والعطف عليه فيجوز "جاءني الذي ضربت نفسه" و"جاءني الذي ضربت وعمرا" ومشى عليه الكسائي (٣).
стр. 16797
- وذهابه إلى أن اسم الفعل لا محل له من الإعراب، وقد تابعه على هذا طائفة من النحاة واختاره ابن مالك (١).
- وقوله: إن المنصوب بعد حبذا ولا حبذا حال مطلقا جامدا كان أو مشتقا، وقد أخذ بهذا أبو علي الفارسي والربعي (٢).
- وجعله الممنوع من الصرف مبنيا على الفتح في حالة الجر، وقد أخذ به المبرد (٣).
- وتعليقه الجار والمجرور في ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ (٤) بالفعل المقدر (أعجبوا)، بعينه، وقد أخذ بذلك الكسائي (٥).
стр. 16798
الأخفش في ميزان التقليد والتجديد:
إن المتأمل في مسلك الأخفش في الفروع والمسائل لا يلبث أن يقرر وهو مطمئن أن هذا الرجل كان نحويا متميزا مقتدرا صاحب رأي متفرد في كثير من الأحيان، وأنه لم يكن مقلدا فحسب في جميع أحواله، وإنما كانت له مواقف انفرد بها ونزعات أظهرت ما لديه من القدرة على الاجتهاد والابتكار.
وما عباراته وأساليبه على ما فيها من الصعوبة والوعورة بصرف النظر عما قيل في تعليل ذلك مما هو مذكور ومشهور - إلا صور لقدراته الباهرة، ولعمقه الكبير، ولدقته في التعبير والتصوير ولجدته في عرض الحقائق بصورة لم يألفها كثيرون من نظرائه ومعاصريه وأقطاب الدرس النحوي في زمانه.
ولو أن الأخفش عاش في زمان لم يكن قد مضى فيه على الدرس النحوي في البصرة والكوفة المتنافستين إلا حين يسير من الدهر - لم يسمح
стр. 16799
للتراث النحوي في البلدين بأن يتسع ويخصب كما اتسع وخصب فيهما فيما بعد، ولو أنه عاش بعد زمانه بعيد حين زاد التنافس وكثرت المدارس وتزايد العلماء واتسع البحث في هذا العلم وكثر وعمق وغرز، لكان أكثر تميزا واستقلالا واجتهادا، ولكان نحوه أكثر خصوبة وأكبر حجما؛ لأنه يشتغل حينئذ بذكائه المعهود وإمكانياته القوية في خضم إرث نحوي ضخم ومتشعب وكبير آل إليه، وهذا وذاك يجعلان الميدان أمامه واسعا والمسائل ثرة والآراء متشعبة ومجال الحديث أوسع وأرحب والنتائج أعمق وأخصب.
على كل حال لقد برز الأخفش بين أقرانه تبريزا قويا في هذا الوقت المبكر، وأجاد وأبدع وأفاد، وكان يصول ويجول في كل أحواله مقلدا ومجددا، فهو في التزامه بمنهج مدرسته وبطريقة أقرانه الأعلام يعد مقلدا بارعا أرسى معهم دعائم الدرس النحوي في مدرسته، وهو في ابتكاره ونظراته المتميزة مجدد في إطار زمانه، وهو تجديد يختلف في حد ذاته عن التجديد الذي كان من ابن مضاء وأضرابه، ممن سجلهم التاريخ فيمن ثاروا على إرث نحوي ضخم امتلأ تعقيدا وفذلكات عبر مسيرة الزمان الطويلة؛ لأنه كان تجديدا ما زال النحو إبانه غضا طريا وما زالت مسائله - وإن كثرت - أكثر صفاء من صفاء اللغويين إلى الإيغال الشديد في نقيضهما مما حمل ابن مضاء وغيره من دعاة الإصلاح على حمل لواء الانتقاء الشديد ثم التجديد الكامل.
فأمر المقارنة بين تجديد الأخفش وتجديد ابن مضاء مثلا مرهون بزمانيهما، وبمسيرة الدرس النحوي في كل من هذين الزمانين، وبين مسائل النحو فيهما وبين طبيعة هذه المسائل في كل منهما فرق كبير لا
стр. 16800
يخفى على الدارس البصير.
إنني لا أستطيع أن أقول إن الأخفش كان مقلدا بحتا، كما هو الشأن في المقلدين التقليديين، الذين لم يعرف عنهم تجديد قط من أي لون كان، أو أنه كان مجددا بحتا كما هو حال ابن مضاء على سبيل المثال، ولكني أقول وأنا مطمئن إنه كان أكثر المقلدين تجديدا، وأوسع التقليديين ابتكارا، إن صح هذان التعبيران. فقد بدت منه لمعات لم تكن لتبدو من غيره، وكانت له مواقف لم نجدها عند سواه في السابقين، وربما في اللاحقين، وهو وإن التزم في درسه النحوي بما وضع من الأصول الكلية واستقر من القضايا الشاملة كقضية العامل وقضية القياس وقضايا الحدود والعلل، ونهج في هذه الأصول والقضايا نهج أسلافه ومعاصريه ولم يحاول التصدي بالنقد أو التغيير أو التعديل لما وضع منها أو بالإنشاء والابتكاء لما يمكن أن يخترع منها أو يضاف إليها - فإنه قد انصرف بكليته بدلا من ذلك إلى الاهتمام الواسع بالفروع وإلى التعامل الكبير معها، فحوى نحوه لذلك فروعا كثيرة اجتهد فيها وأضاف إليها ما أسعفه به عقله الذكي وثقافته الواسعة) وهي فروع مبثوثة بكثرة في التراث النحوي.
وقد حوى نحوه في الوقت نفسه فروعا أخرى لم يخرج فيها عما استقرت عليه المدرسة البصرية من القواعد القائمة على أسسها الخاصة، واكتفى في هذه الفروع بأن جعلها ميدانا فسيحا عرض فيه مهارته المنطقية وأبرز عارضته الجدلية كسائر النحاة البصريين.
كما حوى نحوه فرعا غيرهما سار فيها مسار نحاة الكوفة وفق اتجاهات مدرستها التي تميل إلى التسمح وتتجاوب مع الفطرة اللغوية بمقدار أكبر من غيرها، بعيدا عن التمحل والتفلسف ونحوهما.
стр. 16801
لعلنا نكون بعد هذا قد وفقنا في الكلام عن الأخفش، وأن تكون محاولتنا في هذا البحث والحكم عليه ووضعه في موضعه الصحيح من مسيرة النحو عبر القرون الطويلة المتعاقبة قد تكللت بالنجاح أو بشيء منه، فإن نكن وفقنا فالفضل لله والحمد له، وإلا نكن فلعل حديثنا هذا خطوة إلى الأمام تعين غيرنا على أن يفيض ويفيد ويصل إلى ما لم نصل إليه ويوفق فيما جانبنا فيه التوفيق.
стр. 16802
صفحة فارغة
стр. 16803
صفحة فارغة
стр. 16804
صفحة فارغة
стр. 16805
صفحة فارغة