← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 17221–17260 · переход к 17226.

стр. 17221

المراجع القرآن الكريم: تفسير فتح القدير للشوكاني - ط دار الفكر. تفسير القرآن العظيم - ابن كثير الدمشقي. تفسير أضواء البيان - محمد الأمين الشنقيطي - مطبعة المدني. المراجع الحديثية: فتح الباري شرح البخاري - ابن حجر العسقلاني - طبعة رئاسة إدارات البحوث. شرح مسلم للنووي. نيل الأوطار للشوكاني طبعة إدارة البحوث. سبل السلام للصنعاني طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. عون المعبود شرح سنن أبي داود - شمس الحق العظيم الآبادي - الطبعة الهندية. شرح السنة للبغوي - تحقيق شعيب الأرناءوط - المكتب الإسلامي. سنن الترمذي تحقيق عزت عبيد الدعاس ﵀. الفتح الرباني وشرحه بلوغ الأماني على مسند الإمام أحمد - تأليف أحمد عبد الرحمن البنا - دار الحديث بالقاهرة. شرح الزرقاني على موطأ مالك. المنتقى شرح الموطأ - للباجي.

стр. 17222

المراجع الفقهية: فتح القدير على الهداية - كمال الدين بن الهمام - دار الفكر. المبسوط للسرخسي - دار المعرفة لبنان. المختارات الجلية، والفتاوى السعدية - عبد الرحمن آل سعدي. بداية المجتهد ونهاية المقتصد - ابن رشد القرطبي، دار المعرفة لبنان. المغني - ابن قدامة المقدسي، مكتبة الرياض الحديثة. المجموع شرح المهذب للنووي وتكملته للسبكي. طبعة المنيرية. رد المحتار على الدر المختار- حاشية ابن عابدين، دار الفكر. الوجيز للغزالي، وشرحه فتح العزيز للرافعي بهامش المجموع. الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع - للخطيب الشربيني، دار المعرفة. مغني المحتاج في شرح المنهاج - للخطيب الشربيني، دار الفكر. الفقه على المذاهب الأربعة - عبد الرحمن الجزيري، دار الفكر. حاشية النجدي على الروض المربع - عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير - محمد عرفة الدسوقي، دار الفكر. القوانين الفقهية - ابن جزيء، دار الفكر. الشرح الصغير على أقرب المسالك - أحمد الدردير، طبعة الشيخ راشد آل مكتوم. الكافي - أبو عمر بن عبد البر تحقيق د. محمد ولد ماديك الموريتاني، مكتبة الرياض الحديثة. المحلى - ابن حزم الأندلسي، دار الآفاق الجديدة.

стр. 17223

فقه الزكاة - د. يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة. اللباب شرح الكتاب - عبد الغني الغنيمي، دار السلام. نهاية التدريب شرح نظم الغاية والتقريب - للعمريطي بتحقيق الشيخ حسن حبنكة الميداني. شرح خطط السداد والرشاد للتتائي المالكي، وهو بحاشية الدر الثمين. شرح المورد المعين لمياره - ابن عاشر المالكي، دار الفكر. الدر الثمين شرح المورد المعين لمياره - علي بن عاشر، دار الفكر. الفروع لابن مفلح الحنبلي وتصحيح الفروع للمرداوي، عالم الكتب، مراجعة عبد الستار فراج. كشاف القناع عن متن الإقناع - الشيخ منصور البهوتي، عالم الكتب. الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد - للمرداوي، دار إحياء التراث العربي. السلسبيل في معرفة الدليل - الشيخ صالح البليهي، الطبعة الثالثة. التلخيصات لجل أحكام الزكاة - عبد العزيز المحمد السلمان. فتح الإله المالك - فتاوى الشيخ عليش. منح الجليل شرح مختصر خليل - الشيخ عليش. المدونة الكبرى - رواية سحنون. إعلام الموقعين عن رب العالمين - ابن قيم الجوزية، دار الجيل. مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية - جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم النجدي.

стр. 17224

مراجع في الاقتصاد الإسلامي والنقود: الأحكام السلطانية - للماوردي. الإيضاح والتبيان في الأكيال والأوزان - ابن الرفعة تحقيق د. محمد الخاروف، ط جامعة أم القرى. الخراج والنظم المالية في الدولة الإسلامية - د. محمد ضياء الدين الريس. النظم الإسلامية - د. صبحي الصالح. الأموال - أبو عبيد القاسم بن سلام. التراتيب الإدارية - عبد الحي الكتاني، دار الكتاب العربي. قطع المجادلة عن تغيير المعاملة - الجلال السيوطي، في كتابه الحاوي للفتاوى. تنبيه الرقود إلى أحكام النقود - ابن عابدين ضمن مجموعة رسائله. النقود العربية وعلم النميات للأب - إنستاس ماري الكرمللي. أبحاث المقريزي والبلاذري والذهبي وابن خلدون في كتاب الكرمللي. دائرة المعارف الإسلامية. فتوح البلدان للبلاذري. تاريخ الحضارة الإسلامية من نفوذ الأتراك حتى القرن الخامس - د. محمد جمال الدين سرور، دار الفكر العربي. النقود وصنج السكة في الإسلام - د. عبد الرحمن فهمي. التطبيق المعاصر للزكاة- د. شوقي إسماعيل شحاته، دار الشروق. بحوث في التاريخ الاقتصادي - لعدد من المستشرقين، تعريب توفيق اسكندر.

стр. 17225

بعض النظم النقدية والمصرفية - د. فؤاد دهمان، طبعة جامعة دمشق. النقود في الإسلام - د. رفيق المصري بحث مقدم لندوة اقتصاديات النقود، طبع المركز العالمي للاقتصاد الإسلامي. الموسوعة العربية الميسرة. إمتاع الأحداق والنفوس في أحكام النقود والفلوس - الشيخ ألفا هاشم الفوتي المدني. الورق النقدي - الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع. الفوائد المصرفية والربا - د. حسن عبد الله الأمين، مطبوعات الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية. نظم مبحث حكم زكاة الفلوس والكاغد - محمد الحسن الشنقيطي، مطابع الأمل الأردن. المذهب الاقتصادي في الإسلام - د. محمد شوقي الفنجري، دار عكاظ. المجلات: الحرس الوطني - اليمامة - المنار، مجمع البحوث الإسلامية، البلاغ.

стр. 17226

صفحة فارغة

стр. 17227

ذميم الشعر في التصور الإسلامي بقلم: مصطفى عيد الصياصنة ما دام الشعر، في جوهره وحقيقة صنعته ودلالته، لا يعدو أن يكون، بأبسط المفاهيم وأقربها، تعبيرا عن تجربة شعورية في صورة موحية، ميزته على سواه من سائر الكلام وضروبه، تكمن في روعة الصورة، وظلال العبارة، وعمق اللمسة، ودفق الخيال. فقد أوضح النبي ﷺ ، أن الشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، وأن مدار الحكم فيه إنما يكون على المدلول والأثر، لا على صورة الشكل وكنه الصنعة:

стр. 17228

أ- فعن عبد الله بن عمرو بن العاص وعائشة ﵄، أن النبي ﷺ قال: «الشعر بمنزلة الكلام، حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام (١)». ب- وعن عائشة ﵂ قالت: «ذكر عند رسول الله ﷺ الشعر، فقال رسول الله ﷺ : هو كلام، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح (٢)». ج- وقد نقل عنها أنها كانت تقول: (الشعر منه حسن ومنه قبيح، خذ الحسن، ودع القبيح) (٣). د- كما نقل عن الإمام الشافعي قوله: (الشعر كلام، حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيحه، غير أنه كلام باق سائر، فذلك فضله على الكلام) (٤).

стр. 17229

امتداحه ﷺ الشعر ودوره: وقد امتدح النبي ﷺ الشعر، ونبه إلى خطورة فن صناعة الكلمة، في توجيه مسيرة الحياة، والتأثير في الناس، وإبلاغهم صوت الدعوة ونصاعة الحق:

стр. 17230

أ- فعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فجعل يتكلم بكلام، فقال رسول الله ﷺ : إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكمة (١)» وفي رواية "حكما"، وعند ابن ماجه حكما). ب- وعن أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس ﵃ أن النبي ﷺ قال: «إن من الشعر لحكمة (٢)». قال الحافظ ابن حجر: (إن من الشعر لحكمة معناه: أي قولا صادقا مطابقا للحق، وقيل: أصل الحكمة المنع، فالمعنى: إن من الشعر كلاما نافعا يمنع من السفه، ونقل عن ابن التين قوله: مفهومه أن بعض الشعر ليس كذلك؛ لأن (من) تبعيضية). ج- عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «البيان من الله، والعي من الشيطان، وليس البيان كثرة الكلام، لكن البيان الفصل في الحق، وليس العي قلة الكلام، ولكن من سفه

стр. 17231

الحق (١)» ولا شك أن الشعر من أرفع أساليب البيان وأقدرها على إبراز المخبوء من أوجه الحق ونصرته.

стр. 17232

امتداحه ﷺ شعراء الفضيلة والطهارة: كما امتدح ﵊ شعراء بأسمائهم، وذلك لما في شعرهم من الحكمة والحث على الفضيلة والخير، والترهيب من الرذيلة والفساد، أو لما عهد منهم من نصرة أهل الحق وطهارة اللسان: أ - فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم (١)». ب- وعن الهيثم بن أبي سنان، أنه سمع أبا هريرة ﵁ في قصصه يذكر النبي ﷺ يقول: «إن أخا لكم لا يقول الرفث - يعني عبد الله بن رواحة - قال: وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الفجر ساطع (٢) أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالكافرين المضاجع »

стр. 17233

إدراك السلف الصالح لأهمية الشعر ودوره: وقد كان سلفنا الصالح - رضوان الله عليهم أجمعين -، على معرفة تامة بأهمية هذا اللون من ألوان البيان - أعني الشعر - ودوره في تقويم اللسان، ورفد النفس بفضائل الخصال وكرائم الأخلاق، ودفعها إلى التعلق بمعالي الأمور، والطموح إلى بلوغ ذرى المجد وسنام الرفعة، وعقلها عن الوقوع في مهاوي الرذيلة ودرك الفساد، هذا بالإضافة إلى إمداده المسلم بما هو في أمس الحاجة إليه، من الأداة اللازمة لفهم كتاب الله وسنة رسوله الكريم ﷺ ، ولذا دعوا إلى تعليمه وفهمه وروايته: - أ- فعن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: قال أبو بكر الصديق ﵁: (ربما قال الشاعر الكلمة الطيبة) (١). ب- وعن عبد الله بن عباس قال: قال عمر بن الخطاب: (تعلموا الشعر، فإن فيه محاسن تبتغى ومساوئ تتقى، وحكمة للحكماء، ويدل على مكارم الأخلاق) (٢). ج- وعن عباد بن راشد قال: جاء رجل إلى الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄، فقال: (إني أتعلم القرآن، وإن أبي يأمرني أن أتعلم الشعر)، فقال: (تعلم القرآن، وخذ من الشعر ما ترضي به أباك) (٣). د- وعن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: (الشعر ديوان العرب، وهو أول علم العرب،. . . عليكم بشعر الجاهلية شعر

стр. 17234

الحجاز) (١). هـ- كما نقل عنه قوله ﵁: (إذا قرأ أحدكم شيئا من القرآن، فلم يدر ما تفسيره، فليلتمسه في الشعر، فإنه ديوان العرب). ووعن ابن أبي الزناد، قال: قيل لسعيد بن المسيب: إن ناسا يكرهون الشعر، قال: (نسكوا نسكا أعجميا) (٢). ز- وروي عن عبد الملك بن مروان، أنه قال لمؤدب أولاده: (علمهم الشعر يمجدوا) (٣).

стр. 17235

مساهمة الشعر في حركة الدعوة: - ومن هذا المنطلق، ووفق هذا التوجه فقد كان النبي ﷺ يجعل الشعر رفيقا ملازما لحركة الدعوة، يرصد ما تمر به من أحداث عظام، لها بصماتها المشرقة على صفحة التاريخ وجبهة الزمن، مستلهما - في الوقت ذاته - الآفاق السامقة لمستقبل وضاء وفق نهج راشد وشرعة سديدة: - أ- فيوم دخل النبي ﷺ مكة في عمرة القضاء، كان عبد الله بن رواحة يتقدم الصفوف، وهو ينشد مهددا كفار قريش متوعدا سادتها بأن يفسحوا الطريق رحبا، أمام جحافل المسلمين، قبل أن يحل بهم ما لا تحمد عقباه، والنبي ﷺ مثلوج الصدر مما يقول: - فعن أنس بن مالك ﵁: «أن رسول الله ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه ويقول:

стр. 17236

خلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله (١) ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله فقال له عمر: يا ابن رواحة، بين يدي رسول الله ﷺ ، وفي حرم الله تقول الشعر؟ فقال رسول الله ﷺ : خل عنه يا عمر، فلهي أسرع فيهم من نضح النبل». ب - ويوم فتح مكة، دخلها النبي الكريم من كداء، وقد تصدت نساء قريش لخيول المسلمين تلطمها بخمرهن، لتردها عن مطاردة فلول الشرك المنهزمة، فكان مما أعجب النبي ﷺ من هذا المشهد موافقته لما كان قد تنبأ به حسان بن ثابت ﵁ في شعره حين هجا أبا سفيان بن الحارث: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال. «لما دخل رسول الله ﷺ مكة، جعل النساء يلطمن وجوه الخيل بالخمر، فتبسم رسول الله ﷺ ، ونظر إلى أبي بكر وقال: كيف قال حسان؟ فأنشده: - عدمنا خيلنا وإن لم تروها ... تثير النقع موعدها كداء (٢) ينازعن الأعنة مصعدات ... يلطمهن بالخمر النساء

стр. 17237

فقال رسول الله ﷺ : ادخلوها من حيث قال حسان. فدخل رسول الله ﷺ من كداء». قلت: وفي هذا من إكرام النبي ﷺ لحسان وشعره ما فيه، إذ أصر ﵊ على دخول المسلمين مكة من الموضع الذي ذكره حسان، كما أن في تلطيم النساء لوجوه الخيل - حين دخولها - تصديق الواقع لنبوءته في ذلك ﵁، وهذا من قبيل الرصد التنبؤي لما سيكون فكان. ج- وقد رصد لنا الشعر أيضا أن بيتين لكعب بن مالك ﵁ كانا السبب في إسلام دوس، فعن محمد بن سيرين قال: «أنبئت أن رسول الله ﷺ بينا هو يسير على ناقة، وشنقها بزمامها حتى وضعت رأسها عند قادمة الرحل، فقال: "أين كعب "؟ فقال كعب: هأناذا يا رسول الله. قال: "خذ" - وفي رواية: "أنشد" - فقال: - قضينا من تهامة كل ريب ... وخيبر ثم أجممنا السيوفا (١) نخيرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهن دوسا أو ثقيفا

стр. 17238

قال: فأنشد الكلمة كلها، فقال رسول الله ﷺ : والذي نفس محمد بيده لهي أشد عليهم من رشق النبل. قال ابن سيرين: نبئت أن دوسا إنما أسلمت بكلمة كعب هذه». د- وقد اتخذ الصحابيان الجليلان: عامر بن الأكوع وعلي بن أبي طالب من الشعر بلسما يشحذ في نفسيهما كل طاقات الشجاعة ويستثير فيهما روح المغامرة حين منازلتهما (مرحب) ملك يهود، عام خيبر: عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: «لما قدمنا خيبر خرج ملكهم (مرحب) يخطر بسيفه ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب (١) إذا الحروب أقبلت تلهب وقال وبرز له عمي فقال: - قد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مغامر قال: فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يسفل له - يضربه من أسفله - فرجع سيفه على نفسه، فقطع أكحله فكانت فيها نفسه. قال سلمة: فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبي ﷺ يقولون: بطل عمل عامر، قتل نفسه، قال: فأتيت النبي ﷺ وأنا أبكي فقلت: يا رسول

стр. 17239

الله، بطل عمل عامر؟ قال رسول الله ﷺ : من قال ذلك؟ قال: قلت: ناس من أصحابك. قال: كذب من قال ذلك، بل له أجره مرتين، ثم أرسلني إلى علي وهو أرمد، فقال: لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. قال: فأتيت عليا، فجئت أقوده وهو أرمد حتى أتيت به رسول الله ﷺ ، فبسق في عينيه فبرأ وأعطاه الراية، وخرج مرحب فقال: قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فقال علي: أنا الذي سمتني أمي حيدرة ... كليث غابات كريه المنظرة أوفيهموا بالصاع كيل السندرة قال: فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه» هـ - وقد خلد خبيب بن عدي ﵁ قصة استشهاده على يد مشركي مكة وجلاديها ببيتين من شعره، فعن أبي هريرة ﵁ قال: «بعث النبي ﷺ سرية عينا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت، فانطلقوا، حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة، ذكروا لحي من هذيل، يقال لهم: (بنو لحيان)، فتبعوهم بقريب من مائة رام. . . فقاتلوهم، فرموهم حتى قتلوا عاصما في سبعة نفر بالنبل، وبقي خبيب وزيد ورجل آخر،

стр. 17240

فأعطوهم العهد والميثاق، فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم، فلما استمكنوا منهم، حلوا أوتار قسيهم فربطوهم بها. . . وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة، فاشترى خبيبا بنو الحارث بن عامر. . . فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه، قال: دعوني أصلي ركعتين، ثم انصرف إليهم، فقال: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت، فكان أول من سن الركعتين عند القتل، وقال: اللهم أحصهم عددا، وقال: - فلست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي شق كان في الله مصرعي (١) وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله)». قلت: ويسمى ذلك اليوم الذي غدر فيه بهذه العصبة المؤمنة بـ (يوم الرجيع)، وكان ذلك سنة ثلاث للهجرة، والرجيع: ماء لهذيل بناحية الحجاز على صدور الهدأة (موضع بين عسفان ومكة). أما مقتل خبيب فقد كان بالتنعيم؛ إذ خرجوا به بعد أن حشدوا لذلك نساءهم وأطفالهم، وصلبوه على خشبة، بعد أن أوثقوه، وقد خلد خبيب هذه الملحمة بشعره حتى غدا شعره فيها أذيع من الملحمة نفسها. كما رصد حسان بن ثابت بشعره قطع النبي ﷺ لنخل بني النضير وتحريقه له.

стр. 17241

رعاية الشعراء وتشجيعهم: - ولما يحظى به الشعر من المنزلة العظيمة في مجال الدعوة إلى الله والمشاركة في تشييد بناء المجتمع المسلم، ولكونه من أمضى أسلحة مقارعة الخصوم وكبح جماحه، فقد كان النبي ﷺ يشجع الشعراء على الذب عن الدعوة ومقارعة أهل الباطل ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا: أ- فقد كان النبي ﷺ يحث حسان بن ثابت على مقارعة المشركين بشعره، ويدعو له أن يكون جبريل ﵇ سنده وعضده: فعن البراء بن عازب ﵁ «أن رسول الله ﷺ قال يوم قريظة لحسان: اهج المشركين فإن جبريل معك (١)». وفي رواية أخرى: «اهجهم وهاجهم وجبريل معك (٢)». ب - وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يا حسان، أجب عن رسول الله، اللهم أيده بروح القدس (٣)». ج- وكثيرا ما كان ﵊ ينصب لحسان منبرا وسط مسجده الشريف، يقوم عليه منافسا من هجا رسول الله ﷺ من شعراء قريش وصناديد السلطة والسيادة فيها، عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يضع لحسان منبرا في المسجد، فيقوم عليه يهجو من

стр. 17242

قال في رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : إن روح القدس مع حسان ما نافح عن رسول الله (١)». د- وعندما لح المشركون في هجاء الإسلام ونبيه وأهله، فزع المسلمون إلى رسول الله ﷺ يشكون إليه ذلك، فأمرهم ﵊ أن يردوا عليهم الصاع بمثله، فراحوا يعلمون بعضهم بعضا الشعر لمواجهة هجمة قريش والتصدي لجبروتها: عن عمار بن ياسر ﵁ قال: «لما هجانا المشركون شكونا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: قولوا لهم كما يقولون لكم. قال: فلقد رأيتنا نعلمه إلى أهل المدينة (٢)».

стр. 17243

المصطفى ﵊ يعد شعر شعراء الصف الإسلامي جهادا في سبيل الله: وكان ﷺ يعد شعر هؤلاء الشعراء جهادا في سبيل الله، كالجهاد بالسيف والمال: أ- فعن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، «أنه قال للنبي ﷺ : إن الله قد أنزل في الشعر ما أنزل. فقال ﷺ : إن المؤمن يجاهد

стр. 17244

بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل (١)» ب- وعن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: «اهجوا بالشعر، إن المؤمن يجاهد بنفسه وماله، والذي نفس محمد بيده، كأنما تنضحونهم بالنبل (٢)». جـ- وعن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم (٣)» وفي رواية للنسائي: «جاهدوا بأيديكم وألسنتكم وأموالكم (٤)».

стр. 17245

ذميم الشعر ومع هذا كله فإن لدينا - من الجانب الآخر - أحاديث متعددة وردت في النص على كراهية النبي ﷺ للشعر في بعض حالاته، واستعاذته بالله منه، ونهيه ﵊ عن إنشاده في المساجد، وتفضيله امتلاء الجوف قيحا على أن يمتلئ شعرا. أبغض الحديث: - فقد ورد عن النبي ﷺ ما يدل على أن الشعر كان أبغض الحديث إليه، وأنه كان يتعوذ منه، ويعده من نفث الشيطان، وينهى عن أن يكون

стр. 17246

صحيب الإنسان الملازم له في سفره: - أ- فعن عائشة ﵂ سئلت: «هل كان رسول الله ﷺ يتسامع عنده الشعر؟ قالت: كان أبغض الحديث إليه (١)». ب- وعن عبد الله بن مسعود وجبير بن مطعم ﵄: «أن النبي ﷺ كان يتعوذ من همزه- أي الشيطان- ونفثه، ونفخه، وقال: همزه الموت، ونفثه الشعر، ونفخه الكبرياء (٢)». ج- وعن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: «ما من راكب يخلو في مسيره

стр. 17247

بالله وذكره إلا كان ردفه ملك، ولا يخلو بشعر ونحوه إلا كان ردفه شيطان (١)». قلت: والحديث الأول محمول على بغضه ﵊ لذلك النوع من الشعر الذي تفوح منه رائحة الفحش وهتك الأعراض المصونة، والنيل من كرامات الناس بساقط القول وباطل الادعاء. قال أحمد عبد الرحمن البنا في تعليقه على هذا الحديث: "هذا محمول على ما كان فيه فحش ونحوه" (٢). أما الحديث الثاني: فإن تفسير نفث الشيطان بالشعر هو من تفسير الراوي، وهو- وإن ورد في بعض الروايات مرفوعا إلى النبي ﷺ فمحمول على أن المراد به الشعر المذموم الفاسد القبيح، قال الشيخ ناصر الدين الألباني في تعليقه على هذا الحديث: (فسر بعض الرواة همزه: بالموتة، وهو بضم الميم وفتح التاء: نوع من الجنون، (ونفخه) فسره الراوي: بالكبر، (ونفثه) فسره الراوي: بالشعر، والتفسيرات الثلاثة وردت مرفوعة إلى النبي ﷺ بسند صحيح مرسل، والمراد بالشعر: الشعر المذموم؛ لقوله ﵊: «إن من الشعر حكمة (٣)» رواه البخاري) (٤). أما بالنسبة للحديث الثالث: فإن السفر لا يناسبه ملازمة الشعر والغناء واللهو، وإنما يناسبه أن يظل المسافر المسلم متعلق القلب بالله،

стр. 17248

يرجو حفظه ويأمل خلافته له فيما ترك بعده، عائذا مما قد يلقاه من الوعثاء وسوء المنقلب في الأهل والمال والولد. إن هذه الأحاديث ليس فيها ما يهون من شأن الشعر ويحط من قدره، ويقلل من دوره ومنزلته، إذ هي تتوجه بالذم إلى نوع خاص، وفي حالات ومناسبات محددة بذاتها، لا إلى فن الشعر في عمومه وعلى إطلاقه.

стр. 17249

النهي عن اتخاذ المساجد حلبات لتناشد الأشعار: كما ورد عن النبي الكريم من الأحاديث ما يفيد نهيه عن تحويل المسجد مسرحا تتناشد فيه الأشعار، وبالأخذ المذموم منها، وعلى سبيل التفاخر والمباهاة: - أ- فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ «نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر، ونهى عن الحلق قبل الصلاة يوم الجمعة (١)». ب- وعن حكيم بن حزام أنه قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يستقاد في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود (٢)». قال الإمام المباركفوري في توجيه الحديث الأول: (هو أن ينشد كل

стр. 17250

واحد صاحبه نشيدا لنفسه أو لغيره، افتخارا أو مباهاة على وجه التفكه بما يستطاب منه، وأما ما كان في مدح حق وأهله وذم باطل، وتمهيد قواعد دينية، أو إرغاما للمخالفين، فهو حق خارج عن الذم وإن خالطه نسيب). وقال: (أما التحلق فمعناه أن يجلسوا متحلقين حلقة واحدة أو أكثر، وإن كان لمذاكرة علم، وذلك لأنه ربما قطع الصفوف، مع كونهم مأمورين بالتبكير يوم الجمعة والتراص في الصفوف الأول فالأول، ولأنه يخالف هيئة اجتماع المصلين، ولأن الاجتماع للجمعة خطب عظيم لا يسع من حضرها أن يهتم بما سواها حتى يفرغ منها) (١). ثم تكلم ﵀ عن الجمع بين الأحاديث المبيحة لإنشاد الشعر في المسجد والمانعة له فقال: (وقد جمع بين الأحاديث المبيحة لإنشاد الشعر في المسجد والناهية عنه بوجهين: الأول: حمل النهي على التنزيه، والرخصة على بيان الجواز، الثاني: حمل أحاديث الرخصة على الشعر الحسن المأذون فيه، كهجاء حسان للمشركين، ومدحه ﷺ وغير ذلك، ويحمل النهي على التفاخر والهجاء ونحو ذلك). ثم نقل عن ابن العربي قوله: (لا بأس بإنشاد الشعر في المسجد، إذا

стр. 17251

كان في مدح دين وإقامة الشرع، وإن كان فيه الخمر ممدوحة بصفاتها الخبيثة من طيب رائحة وحسن لون وغير ذلك مما يذكره من يعرفها، وقد مدح فيه كعب بن زهير رسول الله ﷺ فقال: - بانت سعاد فقلبي اليوم متبول. . إلى قوله في صفة ريقها: تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلول). وعلق على كلامه قائلا: (العراق: وهذه القصيدة قد رويناها من طرق لا يصح منها شيء، وذكرها ابن إسحاق بسند منقطع، وعلى تقدير ثبوت هذه القصيدة عن كعب وإنشاده بين يدي النبي ﷺ ، فليس فيها مدح الخمر، وإنما فيها مدح ريقها وتشبيهه بالراح) ا. هـ (١). وقد تحدث الإمام أبو جعفر الطحاوي في كتابه (شرح معاني الآثار) عن اختلاف العلماء حول إنشاد الشعر في المساجد، إذ ذهب قوم إلى كراهة ذلك، محتجين بحديثي عمرو بن شعيب وحكيم بن حزام السالفين، ولم ير آخرون في إنشاده الشعر في المسجد بأسا، إذا كان ذلك الشعر مما لا بأس براويته وإنشاده في غير المسجد، واحتجوا بما روي عن النبي الله ﷺ من أنه كان يضع لحسان منبرا في المسجد ينشد عليه، وبما روي من حديث حسان حين مر به عمر وهو ينشد الشعر في المسجد، فزجره، فقال له حسان: (قد كنت أنشد فيه الشعر، وفيه من هو خير منك) وذلك بحضرة أصحاب رسول الله ﷺ ، دون أن ينكر عليه ذلك منهم أحد، ثم ذهب ﵀ إلى توجيه الأحاديث التي تفيد المنع أو الكراهة فقال: ١ - قد يجوز أن يكون الرسول ﷺ أراد بذلك الشعر الذي نهى عنه أن

стр. 17252

ينشد في المسجد هو الشعر الذي كانت قريش تهجوه به. ٢ - ويجوز أن يكون هو من الشعر الذي تؤتى فيه النساء وترزأ فيه الأموال، على ما رويناه من جواب الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ لابن الزبير ﵁ حين أنكر عليهم إنشاده حول الكعبة. ٣ - وقد يجوز أيضا أن يكون أراد بذلك الشعر الذي يغلب على المسجد، حتى يكون كل من فيه أو أكثر من فيه متشاغلا بذلك (١). وقال السيوطي في (شرح سنن النسائي ٢/ ٤٨): (قوله: نهي عن تناشد الأشعار. أي المذمومة. . . ولما كان الغالب في الشعر المذموم أطلق النهي، وقيل: النهي محمول على التنزيه، وما جاء من نشدان الأشعار فيه محمول على بيان الجواز). وجاء في كتاب (المنهيات) لأبي عبد الله محمد بن علي الترمذي: (أما إنشاد الأشعار، فإذا كان من الشعر الذي فيه قوام الدين ويرجع إلى محمود الأمر فهو خارج عن النهي، فقد فعله حسان بن ثابت في مسجد رسول الله ﷺ ، وفي حرم الله تعالى حين دخل مكة، وفعله عبد الله بن رواحة في مسجد رسول الله ﷺ ، وفي حرم الله حين دخل مكة، والحرم مسجد كله، وما كان فيه تشبيب ومباح أن يبسط؛ فالمسجد معظم ومنزه عن ذلك، لأنه للذكر بني؛ لقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (٣).

стр. 17253

قبيح الشعر: ومن الشعر ما يكون امتلاء الجوف قيحا وصديدا أفضل من امتلائه منه، ألا وهو ذلك النمط من الشعر الذي لا يبشر بخير، ولا ينم عن فضيلة، شعر ساقط المعنى، خبيث الهدف، فاسد الدلالة والفكرة، وقد نهى النبي الكريم ﷺ عن الانشغال بهذا النمط من الشعر، وإضاعة الوقت في حفظه وتدارسه، وعندما عرض له في بعض أسفاره شاعر من شعراء هذا الاتجاه أعرض عنه، وصد عن سماعه، بل وأمر أصحابه أن يبعدوه عنه، قائلا: «خذوا الشيطان، أمسكوا الشيطان (١)». أ- فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا (٢)». ب - وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «لأن يمتلئ جوف رجل قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا (٣)». ج- وعن عوف بن مالك قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: لأن

стр. 17254

يمتلئ جوف أحدكم من عانته إلى هامته قيحا يتخضخض خير له من أن يمتلئ شعرا (١)». د- وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «بينا نحن نسير مع رسول الله ﷺ بالعرج، إذ عرض شاعر ينشد، فقال رسول الله ﷺ : خذوا الشيطان، أو: أمسكوا الشيطان، لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير من أن يمتلئ شعرا (٢)». وقد ذهب العلماء في توجيه هذه الأحاديث والتوفيق بينها وبين الأحاديث المبيحة لقول الشعر وروايته وإنشاده والمادحة له مذاهب شتى: ١ - فمنهم من ذهب إلى أن المراد بهذه الأحاديث ذم الشعر الذي يشغل صاحبه عن القرآن وذكر الله، فيكون الغالب عليه، أما إذا كان القرآن وذكر الله وطلب العلم وتدارسه هو الغالب عليه فليس جوف مثل

стр. 17255

هذا ممن امتلأ بالشعر، ودخل تحت مضمون الذم، ولو كان يروي شعرا كثيرا أو يقوله، وممن ذهب هذا المذهب أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه (غريب الحديث)، والإمام البخاري في صحيحه، إذ عقد بابا في كتاب الأدب منه بعنوان: (باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر)، والإمام النووي في (شرح صحيح مسلم) والإمام القرطبي ﵏ جميعا -. (قال أبو عبيد: سمعت يزيد بن هارون يحدث بحديث، أن النبي ﷺ قال: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا (١)» يعني: من الشعر الذي هجي به النبي ﷺ . ولكن وجهه عندي: أن يمتلئ قلبه من الشعر حتى يغلب عليه، فيشغله عن القرآن وذكر الله، فيكون الغالب عليه من أي شعر كان، فإذا كان القرآن والعلم الغالبين عليه، فليس جوف هذا ممتلئا من الشعر عندنا (٢). وقال الحافظ في (الفتح ١٠/ ٥٤٨) تعليقا على عنونة الإمام البخاري لهذه الأحاديث بهذه العبارة: (هو في هذا الحمل متابع لأبي عبيد، ووجهه أن الذم إذا كان للامتلاء، وهو الذي لا بقية معه، دل على أن ما دون ذلك لا يدخله الذم). أما الإمام النووي فقد ذهب إلى القول: (هذا الحديث محمول على التجرد للشعر، بحيث يغلب عليه، فيشغله عن القرآن والذكر) (٣). ويبدو أن الحافظ ابن حجر ممن يميلون إلى هذا الوجه، فقد قال في (الفتح ١٠/ ٥٥٠): (مناسبة هذه المبالغة في ذم الشعر، أن الذين

стр. 17256

خوطبوا بذلك كانوا في غاية الإقبال عليه والاشتغال به، فزجرهم عنه؛ ليقبلوا على القرآن، وعلى ذكر الله وعبادته، فمن أخذ من ذلك ما أمر به، لم يضره ما بقي عنده مما سوى ذلك). ونقل المناوي في (فيض القدير ٥/ ٢٥٩) عن القرطبي قوله: (من غلب عليه الشعر لزمته - بحكم العادة الأدبية - الأوصاف المذمومة، وعليه يحمل الحديث). وقد حاول الإمام الطبري جاهدا في كتابه (تهذيب الآثار) رد هذا الرأي قائلا: (لو كان هذا صحيحا لكان معناه أن امتلاء القلب من غير الشعر كأساجيع الكهان وخطب الخطباء، حتى لا يكون فيه شيء من كتاب الله ولا من علوم الدين شيء جائز، وهو قول يخرج من قاله من قول جميع الأمة، لإباحته الجهل من أمور الدين، بما لم يبح الله الجهل به). ثم تابع قائلا: (إن الشعر كلام كسائر الكلام غيره، حسنه حسن وقبيحه قبيح، كما حسن غيره من الكلام حسن، وقبيح غيره من الكلام قبيح، غير أن له - بأنه مؤتلف النظام ومنسق الأوزان - الفضل على غيره من منثور الكلام، ولا يخرجه ذلك عن معنى غيره من الكلام أن يكون سبيله سبيله في أن ما حسن قيله وروايته من غيره حسن منه، وما قبح قيله وروايته من غير قبح منه، فأما الامتلاء من معنى منه حتى لا يخالط القلب غيره من علم القرآن وأمور الدين؛ فإن ذلك محرم من أي المعاني كان ذلك، فلا وجه لأن يخص بذلك الشعر دون غيره) (١). ٣ - ومنهم من ذهب إلى أن المقصود بذلك امتلاء جوف المرء من الشعر الذي هجا به المشركون رسول الله ﷺ ، وحجتهم أن معناه لو كان

стр. 17257

على الامتلاء من جميع أنواع الشعر، لما كان لقوله ﷺ : «إن من الشعر لحكمة (١)» معنى معقول، لأن ذلك لو كان شاملا لكل أنواع الشعر، لا على الخاص منه؛ لكان من جوفه ممتلئا من الشعر الذي هو حكمة داخلا في حظيرة الذم. قالوا: وذلك غير جائز إضافته إلى رسول الله ﷺ ؛ لأن في ذلك إضافة ذم امتلاء القلب من الحكمة إليه. وقالوا: وقد كان من أصحاب رسول الله ﷺ : صحابة لا نشك أن الغالب عليهم الشعر وقيله، وذلك بعلم رسول الله ﷺ ، فلم يكن لذلك من أمرهم ذاما، بل كان لهم حامدا، ولهم بقيله آمرا، منهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة وغيرهم ممن يكثر عددهم. وقد احتج بعض هذا الفريق بالحديث الذي رواه مجالد بن سعيد عن الشعبي: أن رسول الله ﷺ قال: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا هجيت به، أو قال: من شعر هجائي (٢)» وهو حديث ضعيف. وقال الحافظ في الفتح عنه (١٠/ ٥٤٩): (وفي سنده راو لا يعرف، وأخرجه الطحاوي وابن عدي من رواية الكلبي عن أبي صالح عن أبي هريرة، وابن الكلبي واهي الحديث، وأبو صالح شيخه ما هو الذي يقال له: السمان المتفق على تخريج حديثه في الصحيح عن أبي هريرة، بل هذا آخر ضعيف يقال له: باذان). وقد ذكر الحافظ الهيثمي هذا الحديث في (مجمع الزوائد ٨/ ١٢٠)

стр. 17258

وقال: (رواه أبو يعلى، وفيه من لم أعرفهم، والحديث مرسل، إذ أن الشعبي لم يلحق النبي ﷺ ، وراويه مجالد بن سعيد ضعيف). وقد أقر الإمام الطبري في (التهذيب ٢/ ٢٢) الحكم عليه بالضعف، وأنه لا يصلح للاستشهاد به. كما ذكره الإمام ابن الجوزي في (الموضوعات ١/ ٢٦٠) وقال: (هذا حديث موضوع، فيه النضر بن محرز لا يتابع على هذا، ولا يعرف إلا به، قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج بالنضر، وإنما يعرف هذا الحديث بالكلبي عن أبي صالح، وليس بشيء. .). كما ذكره الشوكاني في (الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة رقم / ٩٢٨)، والألباني في (السلسلة الضعيفة رقم / ١١١١)، وفي (السلسلة الصحيحة رقم / ٣٣٦)، وقال: لا يصح إسناده، كما ناقش فساد مدلوله، ذلك أن هذا الحديث أفاد أن النهي متوجه على الكثير من الشعر الذي فيه هجاء النبي ﷺ ، ومفاده أن القليل من الشعر الذي فيه هجاؤه ﷺ جائز، وهذا باطل، وما لزم منه باطل فهو باطل. وممن ذهب إلى هذا الرأي يزيد بن هارون المحدث، فيما نقله عنه تلميذه أبو عبيد في كتابه (غريب الحديث ١/ ٣٦)، والطبري في (تهذيب الآثار ٢/ ٢١ - ٢٢)، وسبقهم إلى ذلك أم المؤمنين عائشة ﵂، إذ ذكر السهيلي - فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (١٠/ ٥٤٩) - في غزوة ودان عن جامع بن وهب، أنه روى فيه أن عائشة ﵂ تأولت هذا الحديث «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا (١)». .) على ما هجي به النبي ﷺ ، وأنكرت على من حمله على العموم في جميع الشعر. وقد رد قوم هذا الرأي محتجين بأن معنى ذم الامتلاء من الشعر الذي

стр. 17259

فيه هجاء النبي ﷺ إباحة ما دون الامتلاء من ذلك، أخذا بمفهوم المخالفة، قائلين: إن من المعلوم أن قليل الشعر الذي قيل في هجاء النبي ﷺ مثل كثيره سواء بسواء، ولو كان شطر بيت، وكأن حمل وجه الحديث على امتلاء القلب فيه الترخيص في القليل منه. وممن ذهب هذا المذهب أبو عبيد القاسم بن سلام، وعبيد الله بن محمد ابن عائشة المعروف بالعيشي، فيما نقله عنهما الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٣٠٠)، والطبري في التهذيب (٢/ ٤). ومن المعلوم أن مفهوم المخالفة هنا هو مفهوم الصفة، والأخذ به ضعيف جدا عند المحققين من أهل العلم من الأصوليين، وخاصة إذا خرج مخرج التنفير والمبالغة، من مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ (١)، فالخطاب- كما ذكر الحافظ في الفتح (١٠/ ٥٤٩) - جاء على وصف التشنيع والمبالغة، فلا يصح أن يكون له مفهوم مخالفة أصلا. قال الإمام الطبري في التهذيب: (والصواب القول عندنا في معنى قول النبي ﷺ : «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير من أن يمتلئ شعرا هجيت به (٢)»، ولا معنى لتوهم المنكر صحة معنى هذا الخبر أن يلزمه- إن قال بتصحيحه- إباحة ما دون امتلاء الجوف من هجاء رسول الله ﷺ ، إذا كان الظاهر منه عنده إنما يدل على النهي عن الامتلاء منه، دون الدلالة على النهي عما دون الامتلاء، وأن باطنه عنده يدل على إباحة ما دون الامتلاء منه إلا لغفلة، بل في ذلك الدليل الواضح لمن تأمله بفكر صحيح، أنه من النبي ﷺ نهي عن قليل ما هجي به من الشعر وكثيره، وذلك أنه لا شك أن الامتلاء من ذلك إذا كان نظير الامتلاء من القيح

стр. 17260

الذي يورث الوري، فإن ما دون الامتلاء منه نظير ما دون الامتلاء من القيح الذي من حكمه أن يورث الامتلاء منه الوري، وذلك لا شك كله داء مكروه، وضر على الأبدان محذور، يتقيه كل ذي نظرة صحيحة، ويهرب منه كل ذي بنية سليمة، فإذا كان نظير الشعر الذي هجي به رسول الله ﷺ ، وله شبيها لتمثيل رسول الله ﷺ إياه به، فلا شك أنه قد دل بتمثيله إياه به ﵇ أولي الألباب من أمته، على أن الواجب عليهم من اتقاء قليل ذلك وكثيره، والحذر منه، نظير ما في فطرتهم وبنيتهم من اتقاء قليل ما أفسد أجوافهم وكثيره، وأورثها الداء من القيح الذي يورثها الورى كثيره). وقال: (وبعد: فإننا لم نجعل علتنا في تصحيح المعنى الذي تأولناه الخبر الذي ذكرناه عن الشعبي وحده دون غيره من المعاني) (١). ٣ - وذهب فريق إلى أن المقصود من مثل هذه الأحاديث النهي عن قيل الشعر كله وروايته قليله وكثيره، قالوا: وذلك أن القليل من القيح في الجوف مضرة، وكل أحد من الناس لقليل ذلك وكثيره كاره أن يكون في جوفه، فإذا كان الامتلاء من الشعر نظير الامتلاء من القيح، فدون الامتلاء من الشعر نظير ما هو دون الامتلاء من القيح، وكل ذلك مكروه في الجوف، فكذلك الشعر كله مكروه أن يكون في الجوف منه شيء. . واحتجوا لذلك بمجموعة من الأخبار، سردها الإمام الطبري في كتابه تهذيب الآثار في نحو من عشرين خبرا (٢)، وقد رد الإمام الطبري دعوى هذا الفريق، مبينا ضعف ما استندوا إليه من أخبار واهية الأسانيد، لا يحتج بمثلها في شيء من أمور الدين، إضافة إلى مخالفة مذهبهم هذا
следующие страницы →