خوطبوا بذلك كانوا في غاية الإقبال عليه والاشتغال به، فزجرهم عنه؛ ليقبلوا على القرآن، وعلى ذكر الله وعبادته، فمن أخذ من ذلك ما أمر به، لم يضره ما بقي عنده مما سوى ذلك).
ونقل المناوي في (فيض القدير ٥/ ٢٥٩) عن القرطبي قوله: (من غلب عليه الشعر لزمته - بحكم العادة الأدبية - الأوصاف المذمومة، وعليه يحمل الحديث).
وقد حاول الإمام الطبري جاهدا في كتابه (تهذيب الآثار) رد هذا الرأي قائلا: (لو كان هذا صحيحا لكان معناه أن امتلاء القلب من غير الشعر كأساجيع الكهان وخطب الخطباء، حتى لا يكون فيه شيء من كتاب الله ولا من علوم الدين شيء جائز، وهو قول يخرج من قاله من قول جميع الأمة، لإباحته الجهل من أمور الدين، بما لم يبح الله الجهل به).
ثم تابع قائلا: (إن الشعر كلام كسائر الكلام غيره، حسنه حسن وقبيحه قبيح، كما حسن غيره من الكلام حسن، وقبيح غيره من الكلام قبيح، غير أن له - بأنه مؤتلف النظام ومنسق الأوزان - الفضل على غيره من منثور الكلام، ولا يخرجه ذلك عن معنى غيره من الكلام أن يكون سبيله سبيله في أن ما حسن قيله وروايته من غيره حسن منه، وما قبح قيله وروايته من غير قبح منه، فأما الامتلاء من معنى منه حتى لا يخالط القلب غيره من علم القرآن وأمور الدين؛ فإن ذلك محرم من أي المعاني كان ذلك، فلا وجه لأن يخص بذلك الشعر دون غيره) (١).
٣ - ومنهم من ذهب إلى أن المقصود بذلك امتلاء جوف المرء من الشعر الذي هجا به المشركون رسول الله ﷺ ، وحجتهم أن معناه لو كان
стр. 17257
على الامتلاء من جميع أنواع الشعر، لما كان لقوله ﷺ : «إن من الشعر لحكمة (١)» معنى معقول، لأن ذلك لو كان شاملا لكل أنواع الشعر، لا على الخاص منه؛ لكان من جوفه ممتلئا من الشعر الذي هو حكمة داخلا في حظيرة الذم.
قالوا: وذلك غير جائز إضافته إلى رسول الله ﷺ ؛ لأن في ذلك إضافة ذم امتلاء القلب من الحكمة إليه.
وقالوا: وقد كان من أصحاب رسول الله ﷺ : صحابة لا نشك أن الغالب عليهم الشعر وقيله، وذلك بعلم رسول الله ﷺ ، فلم يكن لذلك من أمرهم ذاما، بل كان لهم حامدا، ولهم بقيله آمرا، منهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة وغيرهم ممن يكثر عددهم.
وقد احتج بعض هذا الفريق بالحديث الذي رواه مجالد بن سعيد عن الشعبي: أن رسول الله ﷺ قال: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا هجيت به، أو قال: من شعر هجائي (٢)» وهو حديث ضعيف. وقال الحافظ في الفتح عنه (١٠/ ٥٤٩): (وفي سنده راو لا يعرف، وأخرجه الطحاوي وابن عدي من رواية الكلبي عن أبي صالح عن أبي هريرة، وابن الكلبي واهي الحديث، وأبو صالح شيخه ما هو الذي يقال له: السمان المتفق على تخريج حديثه في الصحيح عن أبي هريرة، بل هذا آخر ضعيف يقال له: باذان).
وقد ذكر الحافظ الهيثمي هذا الحديث في (مجمع الزوائد ٨/ ١٢٠)
стр. 17258
وقال: (رواه أبو يعلى، وفيه من لم أعرفهم، والحديث مرسل، إذ أن الشعبي لم يلحق النبي ﷺ ، وراويه مجالد بن سعيد ضعيف). وقد أقر الإمام الطبري في (التهذيب ٢/ ٢٢) الحكم عليه بالضعف، وأنه لا يصلح للاستشهاد به.
كما ذكره الإمام ابن الجوزي في (الموضوعات ١/ ٢٦٠) وقال: (هذا حديث موضوع، فيه النضر بن محرز لا يتابع على هذا، ولا يعرف إلا به، قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج بالنضر، وإنما يعرف هذا الحديث بالكلبي عن أبي صالح، وليس بشيء. .).
كما ذكره الشوكاني في (الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة رقم / ٩٢٨)، والألباني في (السلسلة الضعيفة رقم / ١١١١)، وفي (السلسلة الصحيحة رقم / ٣٣٦)، وقال: لا يصح إسناده، كما ناقش فساد مدلوله، ذلك أن هذا الحديث أفاد أن النهي متوجه على الكثير من الشعر الذي فيه هجاء النبي ﷺ ، ومفاده أن القليل من الشعر الذي فيه هجاؤه ﷺ جائز، وهذا باطل، وما لزم منه باطل فهو باطل.
وممن ذهب إلى هذا الرأي يزيد بن هارون المحدث، فيما نقله عنه تلميذه أبو عبيد في كتابه (غريب الحديث ١/ ٣٦)، والطبري في (تهذيب الآثار ٢/ ٢١ - ٢٢)، وسبقهم إلى ذلك أم المؤمنين عائشة ﵂، إذ ذكر السهيلي - فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (١٠/ ٥٤٩) - في غزوة ودان عن جامع بن وهب، أنه روى فيه أن عائشة ﵂ تأولت هذا الحديث «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا (١)». .) على ما هجي به النبي ﷺ ، وأنكرت على من حمله على العموم في جميع الشعر.
وقد رد قوم هذا الرأي محتجين بأن معنى ذم الامتلاء من الشعر الذي
стр. 17259
فيه هجاء النبي ﷺ إباحة ما دون الامتلاء من ذلك، أخذا بمفهوم المخالفة، قائلين: إن من المعلوم أن قليل الشعر الذي قيل في هجاء النبي ﷺ مثل كثيره سواء بسواء، ولو كان شطر بيت، وكأن حمل وجه الحديث على امتلاء القلب فيه الترخيص في القليل منه.
وممن ذهب هذا المذهب أبو عبيد القاسم بن سلام، وعبيد الله بن محمد ابن عائشة المعروف بالعيشي، فيما نقله عنهما الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٣٠٠)، والطبري في التهذيب (٢/ ٤).
ومن المعلوم أن مفهوم المخالفة هنا هو مفهوم الصفة، والأخذ به ضعيف جدا عند المحققين من أهل العلم من الأصوليين، وخاصة إذا خرج مخرج التنفير والمبالغة، من مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ (١)، فالخطاب- كما ذكر الحافظ في الفتح (١٠/ ٥٤٩) - جاء على وصف التشنيع والمبالغة، فلا يصح أن يكون له مفهوم مخالفة أصلا.
قال الإمام الطبري في التهذيب: (والصواب القول عندنا في معنى قول النبي ﷺ : «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير من أن يمتلئ شعرا هجيت به (٢)»، ولا معنى لتوهم المنكر صحة معنى هذا الخبر أن يلزمه- إن قال بتصحيحه- إباحة ما دون امتلاء الجوف من هجاء رسول الله ﷺ ، إذا كان الظاهر منه عنده إنما يدل على النهي عن الامتلاء منه، دون الدلالة على النهي عما دون الامتلاء، وأن باطنه عنده يدل على إباحة ما دون الامتلاء منه إلا لغفلة، بل في ذلك الدليل الواضح لمن تأمله بفكر صحيح، أنه من النبي ﷺ نهي عن قليل ما هجي به من الشعر وكثيره، وذلك أنه لا شك أن الامتلاء من ذلك إذا كان نظير الامتلاء من القيح
стр. 17260
الذي يورث الوري، فإن ما دون الامتلاء منه نظير ما دون الامتلاء من القيح الذي من حكمه أن يورث الامتلاء منه الوري، وذلك لا شك كله داء مكروه، وضر على الأبدان محذور، يتقيه كل ذي نظرة صحيحة، ويهرب منه كل ذي بنية سليمة، فإذا كان نظير الشعر الذي هجي به رسول الله ﷺ ، وله شبيها لتمثيل رسول الله ﷺ إياه به، فلا شك أنه قد دل بتمثيله إياه به ﵇ أولي الألباب من أمته، على أن الواجب عليهم من اتقاء قليل ذلك وكثيره، والحذر منه، نظير ما في فطرتهم وبنيتهم من اتقاء قليل ما أفسد أجوافهم وكثيره، وأورثها الداء من القيح الذي يورثها الورى كثيره).
وقال: (وبعد: فإننا لم نجعل علتنا في تصحيح المعنى الذي تأولناه الخبر الذي ذكرناه عن الشعبي وحده دون غيره من المعاني) (١).
٣ - وذهب فريق إلى أن المقصود من مثل هذه الأحاديث النهي عن قيل الشعر كله وروايته قليله وكثيره، قالوا: وذلك أن القليل من القيح في الجوف مضرة، وكل أحد من الناس لقليل ذلك وكثيره كاره أن يكون في جوفه، فإذا كان الامتلاء من الشعر نظير الامتلاء من القيح، فدون الامتلاء من الشعر نظير ما هو دون الامتلاء من القيح، وكل ذلك مكروه في الجوف، فكذلك الشعر كله مكروه أن يكون في الجوف منه شيء. .
واحتجوا لذلك بمجموعة من الأخبار، سردها الإمام الطبري في كتابه تهذيب الآثار في نحو من عشرين خبرا (٢)، وقد رد الإمام الطبري دعوى هذا الفريق، مبينا ضعف ما استندوا إليه من أخبار واهية الأسانيد، لا يحتج بمثلها في شيء من أمور الدين، إضافة إلى مخالفة مذهبهم هذا
стр. 17261
الذي ذهبوا إليه لمدلول آي الذكر الحكيم وصحيح الأثر النبوي الشريف.
قال ﵀: (وأما الذين أنكروا رواية جميع أصناف الشعر اعتلالا بالأخبار المروية في ذلك عن رسول الله، فإن الأخبار بذلك عن رسول الله واهية الأسانيد، غير جائز الاحتجاج بمثلها في الدين، والصحيح من الأخبار عنه ﷺ في ذلك ما قدمنا ذكره من أمر حسان وغيره من شعراء أصحابه بهجاء المشركين، وإعلامه إياهم أن لهم على ذلك الثواب الجزيل، واستنشاده إياهم، وتمثله أحيانا من ذلك بالبيت بعد البيت. .).
وقال أيضا: (ويقال لجميع من أنكر قيل الشعر وروايته: أرأيت قول الله جل ثناؤه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ (١) ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ (٢) ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ (٤) مختلف فيه حكم المستثنى والمستثنى منهم أم متفق؟ فإن زعموا أنه متفق خالفوا في ذلك نص حكم الله تعالى ذكره في كتابه، لأن الله - جل ثناؤه - خالف بين أحكامهم، فأخرج المستثنى من حكم الذين من قبلهم. وإن قالوا: بل هو مختلف. قيل لهم: فقد وضح إذا أن المذموم من الشعراء غير ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ (٥) وأنهم هم الذين صفتهم خلاف هذه الصفة، فأما من آمن منهم وعمل الصالحات وذكر الله كثيرا، فغير مذمومين، بل هو محمودون) (٦).
٤ - ومنهم من يرى أن الذم - في مثل هذه الأحاديث- متوجه إلى الشعر المذموم أصلا في منطق الإسلام وتصوره، ولا يشمل الشعر كافة على أي وجه كان.
стр. 17262
قال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر حديث: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا (١)»: (ظاهره العموم في كل شعر، لكنه مخصوص بما لم يكن مدحا حقا كمدح الله ورسوله، وما اشتمل على الذكر والزهد وسائر المواعظ، مما لا إفراط فيه، ويؤيده حديث عمرو بن الشريد عن أبيه عن جده عند مسلم، قال: «استنشدني النبي من شعر أمية بن أبي الصلت، فأنشدت حتى أنشدته مائة بيت (٢)») (٣).
٥ - وذهب فريق إلى إسقاط الاستدلال بالأخبار لتعارضها والقول بالاستنباط، وحجتهم أن الأخبار الموجبة للمنع قد عارضتها أخبار أخرى غيرها، مثلها في الصحة، يأمر بها النبي ﷺ المؤمنين به من شعراء الصحابة بقيل الشعر وهجاء المشركين إذا هجاهم المشركون، وتركه رواة ذلك الشعر في عصره دون الإنكار عليهم في روايتهم إياه، واستنشاده بعضهم الكثير منه، واستماعه إلى منشديه كثيرا من غير كراهة منه لذلك.
قالوا: وإذا كانت الروايتان عن رسول الله ﷺ صحيحتين، وكان غير جائز أن يكون ذلك منه في وقت واحد ومقام واحد، وإذا كان أحدهما دليلا على تحريم الامتلاء من الشعر، والآخر على إباحته وإطلاقه، علم أن ذلك كان منه في وقتين مختلفين، ولما لم يكن معلوما لدينا أيهما المتقدم صاحبه وجب طرحهما، والمصير أن يعرف الواجب في ذلك من جهة الاستنباط.
قالوا: وإذا كان الأمر كذلك، وكان الشعر كلاما كسائر الكلام غيره، غير أن له فضلا على غيره من الكلام المنثور بأنه موزون تستحليه الألسن وتستعذبه المسامع، ولم يكن الممتلئ جوفه خطبا ورسائل مستحقا أن
стр. 17263
يكون مذموما، كان كذلك الممتلئ جوفه شعرا غير مستحق أن يكون مذموما، كما غير مذموم المتلئ جوفه خطبا ورسائل، وهي كلها كلام كما الشعر كلام مثلها.
وقالوا: ولا معنى لقول من قال إنما عنى النبي ﷺ بالذم أن يمتلئ قلب الرجل من الشعر حتى لا يكون فيه شئ سواه من القرآن وعلم الدين، لأن ذلك لو كان معناه لوجب أن يكون من امتلأ جوفه من الخطب والرسائل وأساجيع الكهان حتى لا يكون فيه شيء من القرآن وعلم الدين غير مذموم، باعتبار أن الذم من النبي ﷺ إنما ورد علينا لمن امتلأ قلبه من الشعر خاصة، وفي إجماع المسلمين على ذم من امتلأ قلبه مما ذكرنا من الأشياء التي عددنا حتى لا يكون فيه شيء من القرآن وعلم الدين، الدليل الواضح على أن معنى قول النبي غير الذي قاله قائل هذه المقالة.
وإذا كان ذلك كذلك، فالصحيح ما قلنا، من أن ذلك كان من النبي ﷺ في وقتين مختلفين، وقد سقطت حجتهما جميعا، إذ كان لا علم عندنا بالناسخ منها والمنسوخ، وصار الأمر فيه إلى الاستنباط، دل ذلك على أن الشعر لا يختلف عن غيره باعتباره كلاما كسائر الكلام، حسنه حسن كحسن الكلام، وقبيحه قبيح كقبيح الكلام، وكونه مؤتلف النظام منسق الأوزان لا يخرجه عن معنى غيره من الكلام، أن يكون سبيله سبيله، في أن ما حسن قيله وروايته من غيره حسن منه، وما قبح قيله وروايته من غيره قبح منه.
وبعد هذا الاستعراض لمجمل مذاهب العلماء في توجيه أحاديث ذم الشعر والنهي عن قيله وروايته، نخلص إلى أن الشعر- من وجهة النظر الإسلامية - يكون مذموما مرفوضا:
стр. 17264
١ - إذا كان في هجاء النبي ﷺ أو أحد صحابته الكرام البررة، أو فيه مساس بدين الله من قريب، أو بعيد، في أصوله ومنطلقاته، أو في أحكامه وشرائعه، أو في آدابه وأخلاقياته.
٢ - إذا كان يطغى على صاحبه، ويأخذ عليه زمام أمره، ويشغل منه وقته، بحيث يصرفه عن القرآن الكريم تلاوة وتدبرا وحفظا، ويشغله عن طلب علم الدين الذي فيه نجاته وسعادته، فيغدو منقطع الصلة بحبل الله، منصرف الهمة عن دينه، فارغ القلب من خشية ربه ورجاء عفوه، معطل الجوارح عن تمثل آداب هذا الدين والانضباط بضوابط أخلاقه وسلوكياته.
٣ - إذا كان - في مجمله - لا يخرج عن دائرة الكلام المذموم والقول القبيح، كأن يكون غزلا فاحشا يلوك الأعراض المصونة، ويهتك الحرمات الطاهرة، وينزل بالحس البشري إلى مستوى البهيمية المتدنية، أو يكون هجاء مقذعا جائرا، لا يرعوي قائله عن إلصاق أبشع الصفات وأقبح الخصال بمن هم أرفع من أن تنالهم أصابع الاتهام، وتدنس ثيابهم قذارات البذاءة، أو يكون مدحا كاذبا، لا يخرج عن دائرة النفاق، ولا يتعدى نطاق التزلف والمداجاة والتملق السمج الباهت.
ذلكم هو الشعر المذموم المستبعد من دائرة الحس الإسلامي وتصوره، وتلك هي صفاته وتوجهاته.
أما إذا كان الشعر نظيفا من كل ما ذكرنا، فإنه لا يخرج - بحال - عن دائرة الشعر المباح الذي تشمله جملة الأحاديث النبوية الشريفة بالمدح، أو تكتنفه بعين الرضا والقبول.
إن كل شعر لا يصادم شيئا من المفاهيم الإيمانية من قريب أو بعيد، - كأن يحسن الشر، ويقبح الخير ويدعو إلى منكر أو ينهى عن خير - لا
стр. 17265
يمكن أن يكون مذموما مستبعدا مرفوضا، في منطق الإسلام أو تصوره.
ذلك أن دين الله ما نزل به وحيه الأمين على نبيه الكريم ﷺ ، ليكم أفواه البشر عن الكلام، ويعطل طاقاتهم المنتجة عن العمل، وإبداعهم عن الاستكشاف.
إن الله ﵎ يبارك كل يد نظيفة ولسان عف، وجهد نافع وفكر سليم، ومن قال بغير هذه المقولة، لا شك أن الدليل ينقصه، ورحابة الصدر وطلاقة الفكر تعوزه، وأعتقد أنه يكفينا للتدليل على ما نقول نقل قول من قال في بيان مدى اهتمام رجال الصدر الأول بالشعر رواية وقولا:
(وبعد، فإنه لم يكن واحد من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم بإحسان - من العرب إلا وهو للشعر قائل، أو هو له راو الرواية الغزيرة الكثيرة) (١).
стр. 17266
صفحة فارغة
стр. 17267
حول توظيف النساء في الدوائر الحكومية
لسماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم واقتفى آثارهم إلى يوم الدين أما بعد: -
فقد اطلعت على ما نشر في الصحف المحلية في الأول من شهر رمضان عام ١٤٠٠هـ من اعتزام فرع ديوان الخدمة المدنية بالمنطقة الشرقية على توظيف النساء في الدوائر الحكومية للقيام بأعمال النسخ والترجمة والأعمال الكتابية الأخرى، ثم قرأت ما كتبه الأخ الناصح محمد أحمد حساني في صحيفة الندوة في عددها الصادر في ٨/ ٩ / ١٤٠٠ هـ. تعقيبا على ذلك الخبر، وكان صادقا وناصحا للأمة في تعقيبه، فشكر الله له وأثابه، ذلك أن من المعلوم أن نزول المرأة للعمل في ميدان الرجال يؤدي إلى الاختلاط، وذلك أمر خطير جدا، له تبعاته الخطيرة، وثمراته المرة، وعواقبه الوخيمة، وهو مصادم للنصوص الشرعية التي تأمر المرأة بالقرار في بيتها، والقيام بالأعمال التي تخصها في بيتها ونحوه، مما تكون فيه بعيدة عن مخالطة الرجال.
والأدلة الصريحة الصحيحة الدالة على تحريم الخلوة بالأجنبية، وتحريم النظر إليها، وتحريم الوسائل الموصلة إلى الوقوع فيما حرم الله: أدلة كثيرة محكمة قاضية بتحريم الاختلاط المؤدي إلى ما لا تحمد عقباه.
منها قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١) ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ (٢)
стр. 17268
وقال سبحانه:. . . ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (١) الآية. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢)، وقال الله - جل وعلا -: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (٣) ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ (٤) إلى أن قال سبحانه: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥) وقال ﷺ : «إياكم والدخول على النساء - يعني الأجنبيات - قال رجال من الأنصار: (أفرأيت الحمو) قال الحمو الموت (٦)»، ونهى الإسلام عن الخلوة بالمرأة الأجنبية على الإطلاق إلا مع ذي محرم، وعن السفر إلا مع ذي محرم، سدا لذريعة الفساد، وإغلاقا لباب الإثم، وحسما لأسباب الشر، وحماية للنوعين من مكايد الشيطان، ولهذا صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء (٧)»، وصح عنه ﷺ أنه قال: «اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء (٨)»، وقال ﷺ : «لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما (٩)». وهذه الآيات والأحاديث صريحة الدلالة في وجوب القرار في البيت، والابتعاد عن
стр. 17269
الاختلاط المؤدي إلى الفساد، وتقويض الأسر، وخراب المجتمعات، فما الذي يلجئنا إلى مخالفتها، والوقوع فيما يغضب الله ويحل بالأمة بأسه وعقابه، ألا نعتبر فيما وقع في المجتمعات التي سبقت إلى هذا الأمر الخطير، وصارت تتحسر على ما فعلت وتتمنى أن تعود إلى حالنا التي نحن عليها الآن. . لماذا لا ننظر إلى وضع المرأة في بعض البلدان الإسلامية المجاورة، كيف أصبحت مهانة، مبتذلة بسبب إخراجها من بيتها، وجعلها تعمل في غير وظيفتها، لقد نادى العقلاء هناك وفي البلدان الغربية بوجوب إعادة المرأة إلى وضعها الطبيعي الذي هيأها الله له وركبها عليه جسميا ونفسيا وعقليا، ولكن بعدما فات الأوان.
ألا فليتق الله المسئولون في ديوان الخدمة المدنية، والرئاسة العامة لتعليم البنات، وليراقبوه سبحانه فلا يفتحوا على الأمة بابا عظيما من أبواب الشر، إذا فتح كان من الصعب إغلاقه.
وليعلموا أن النصح لهذا البلد حكومة وشعبا هو العمل على ما يبقيه مجتمعا متماسكا قويا سائرا على نهج الكتاب والسنة، وسد أبواب الضعف والوهن ومنافذ الشرور والفتن، ولا سيما ونحن في عصر تكالب الأعداء فيه على المسلمين، وأصبحنا أشد ما نكون حاجة إلى عون الله، ودفعه عنا شرور أعدائنا ومكائدهم، فلا يجوز لنا أن نفتح أبوابا من الشر مغلقة.
ولعل في كلمتي هذه ما يذكر المسئولين في ديوان الخدمة المدنية والرئاسة العامة لتعليم البنات بما يجب عليهم من مراعاة أمر الله ورسوله، والنظر فيما تمليه المصلحة العامة لهذه الأمة، والاستفادة مما قاله الأخ محمد أحمد حساني من أن عملية نقص الموظفين لا تعالج بالدعوة إلى إشراك النساء في وظائف الرجال سدا للذريعة، وقفلا لباب المحاذير، بل إن العلاج الصحيح يكون بإيجاد الحوافز لآلاف الشبان الذين لا يجدون في العمل الحكومي ما يشجع للالتحاق به،
стр. 17270
فيتجهون إلى العمل الحر، أو إلى المؤسسات والشركات، ومن هنا منطلق العلاج الصحيح، وهو تبسيط إجراءات تعيين الموظفين، وعدم التعقيد في الطلبات، وإعطاء الموظف ما يستحق مقابل جهده، وعندها سوف يكون لدى كل إدارة فائض من الموظفين.
هذا وإنني مطمئن - إن شاء الله - إلى أن المسئولين بعد قراءتهم لهذه الكلمة سيرجعون عما فكروا فيه من تشغيل المرأة بأعمال الرجال إذا علموا أن ذلك محرم بالكتاب والسنة، ومصادم للفطرة السليمة، ومن أقوى الأسباب في تخلخل المجتمع وتداعي بنيانه، وهو مع ذلك أمنية غالية لأعداء المسلمين يعملون لها منذ عشرات السنين، وينفقون لتحقيقها الأموال الطائلة، ويبذلون لذلك الجهود المضنية، ونرجو أن لا يكون أبناؤنا وإخواننا معينين لهم، أو محققين لأغراضهم.
أسأل الله أن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من مكائد الأعداء، ومخططاتهم المدمرة، وأن يوفق المسئولين فيها إلى حمل الناس على ما يصلح شئونهم في الدنيا والآخرة، تنفيذا لأمر ربهم وخالقهم والعالم بمصالحهم، وأن يوفق المسئولين في ديوان الخدمة المدنية والرئاسة العامة لتعليم البنات لكل ما فيه صلاح العباد والبلاد في أمر المعاش والمعاد، وأن يعيذنا وإياهم وسائر المسلمين من مضلات الفتن وأسباب النقم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعهم بإحسان.
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 17271
وجوب نصر المسلمين المظلومين في البوسنة وغيرها
على جميع المسلمين وغيرهم حسب الاستطاعة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فإن من عرف أحوال المسلمين في البوسنة والهرسك، وما جرى عليهم من الظلم من الكروات والصرب وأنصارهم يتألم كثيرا ويحزن كثيرا لخذلان إخوانهم لهم، وعدم نصرهم النصر الكافي الذي يمكنهم من الدفاع عن أنفسهم واستعادة ما أخذه عدوهم من أرضهم، وقد أوجب الله سبحانه نصر المظلومين وردع الظالمين من المسلمين وغيرهم، كما قال الله : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١) الآية.
فإذا كانت الطائفة المؤمنة الباغية يجب أن تقاتل حتى تفيء إلى الحق فالظالمة الكافرة من باب أولى، وقال تعالى: ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (٢)، والمعنى: يجب أن لا يتولاهم أحد ولا ينصرهم، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣)
стр. 17272
وقال سبحانه: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (١).
وثبت عن النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة الأمر بنصر المظلوم، فقال ﵊: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما. قيل: يا رسول الله، نصرته مظلوما فكيف أنصره ظالما؟ قال: تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه (٢)»، فنصر المظلوم وردع الظالم من أي جنس كان واجب شرعا وعقلا وفطرة، فالواجب على جميع الدول الإسلامية وعلى مجلس الأمن وعلى مجلس هيئة الأمم أن ينصروا المظلومين في البوسنة وغيرها بالمال والسلاح والرجال، وأن يردعوا الظالمين بجميع الوسائل الرادعة حتى يقف الظالم عند حده، وحتى يعطى المظلوم جميع حقوقه، وبذلك تبرأ الذمة ويستحق الثواب الجزيل من الله من فعل ذلك ابتغاء وجهه، وبذلك أيضا يأمن العباد، وتستوفى الحقوق، ويقف الظالمون عند حدودهم، وقد قال الله في كتابه العظيم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٣) وقال سبحانه:
стр. 17273
﴿وَالْعَصْرِ﴾ (١) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣)، وقال النبي ﷺ : «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة (٤)»، وقال ﷺ : «يقول الله : يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا (٥)».
وقال ﵊: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته (٦)»، والآيات والأحاديث في وجوب نصر المظلوم وردع الظالم والتعاون على الخير والتواصي بالحق والصبر عليه كثيرة معلومة. والله المسئول أن ينصر المظلومين في كل مكان، وأن يذل الظالمين ويخذلهم، وأن يصلح أحوال المسلمين جميعا، وأن يولي عليهم خيارهم، ويصلح قادتهم، وأن ينصرهم بالحق وينصر الحق بهم، وأن يعيذ الجميع من مضلات الفتن ونزغات الشيطان، إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه. .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
مفتي عام المملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء
стр. 17274
حديث شريف عن أنس عن النبي ﷺ قال «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليهمما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلالله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار (١)»
المشرف العام
سماحة الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
مفتي عام المملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء
لجنة الإشراف
الدكتور
عبد العزيز بن محمد العبد المنعم
الدكتور
عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين
الشيخ
أحمد بن عبد الرزاق الدويش
الدكتور
محمد بن سعد الشويعر
стр. 17277
مجلة البحوث الإسلامية
مجلة دورية تصدر عن رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء
الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء
رئيس التحرير
د. محمد بن سعد الشويعر
مجلة فصلية تعنى بالبحوث الإسلامية
تصدر كل أربعة أشهر مؤقتا
стр. 17278
المحتويات
الافتتاحية:
التوحيد وأنواعه سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧
بحث التحويلات المصرفية اللجنة الدائمة ٣١
الفتاوى:
فتاوى اللجنة اللجنة الدائمة ٨٥
فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ١٣٥
стр. 17279
البحوث:
أحوال يوم القيامة د / دوخي بن زيد بن علي الحارثي ١٦٧
وسطية أهل السنة في حكم مرتكب الكبيرة بين الخوارج والمرجئة د / عواد عبد الله المعتق ٢١٩
حول الترجمة الفارسية لمعاني القرآن الكريم د / أحمد السيد الحسيسي ٢٨١
قيمة النقود وأحكام تغيراتها في الفقه الإسلامي محمد علي بن حسين الحريري ٢٩٩
الحق في الشريعة الإسلامية الأستاذ / عثمان جمعة ضميرية ٣٤٩
وجوب الصدق والنصح في المعاملات سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٧٩
стр. 17280
صفحة فارغة
стр. 17281
الافتتاحية
" التوحيد وأنواعه" (١)
سماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه، وصفوته من خلقه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله، واهتدى بهداه إلى يوم الدين.
أما بعد: -
فإني أشكر الله على ما من به من هذا اللقاء، بإخوة في الله، وبأبناء أعزاء، أسأله سبحانه أن يجعله لقاء مباركا، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعا، وأن يمنحنا الفقه في الدين والثبات عليه، وأن يصلح أحوال المسلمين جميعا في كل مكان، وأن يولي عليهم خيارهم، ويصلح قادتهم، وأن يكثر فيهم دعاة الهدى إنه جواد كريم.
ثم أشكر القائمين على هذه الجامعة: جامعة أم القرى، وعلى هذا المركز الصيفي، وعلى رأسهم الأخ الكريم صاحب الفضيلة الدكتور راشد بن راجح مدير الجامعة على دعوتهم لي لهذا اللقاء، وأسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفقنا جميعا لما فيه صلاحنا وسعادتنا في العاجل والآجل.
أيها الإخوة في الله، أيها المستمعون الكرام: سمعنا جميعا ما قرأه علينا الطالب من سورة الحشر، سمعنا آيات كريمات فيها عبرة وذكرى، يقول الله
стр. 17282
-جل وعلا-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١) إلى آخر السورة.
ومن المعلوم أن كتاب الله من أوله إلى آخره، فيه الذكرى وفيه الدعوة إلى كل خير، وفيه التذكير بأسباب النجاة والسعادة، وفيه العظة والترغيب والترهيب.
فجدير بالمسلمين جميعا أن يعتنوا بتدبره وتعقله، وأن يكثروا من تلاوته لمعرفة ما أمر الله به وما نهى عنه؛ حتى يعلم المؤمن ما أمر الله به فيمتثله، ويبتعد عما نهى الله عنه.
فكتاب الله فيه الهدى والنور، وفيه الدلالة على كل خير، والتحذير من كل شر، وفيه الدعوة إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، والتحذير من سيئ الأخلاق، وسيئ الأعمال، يقول سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٢) أي إلى الطريقة والسبيل التي هي أهدى السبل وأقومها وأصلحها، وقال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٥)، فكتاب الله فيه الهدى والنور، وفيه العظة والذكرى. فوصيتي لنفسي وللجميع ومن يسمع كلمتي أو تبلغه: العناية بهذا الكتاب العظيم، فهذا أشرف كتاب، وأعظم كتاب، وهو خاتم الكتب المنزلة من السماء، ومن تدبره وتعقله بقصد طلب الهداية، ومعرفة الحق، وفقه الله وهداه.
وأهم ما اشتمل عليه هذا الكتاب العظيم، بيان حق الله على عباده، وبيان ضد ذلك. هذا أعظم موضوع اشتمل عليه القرآن، وهو بيان حقه
стр. 17283
سبحانه على عباده من توحيده، وإخلاص العبادة له، وإفراده بالعبادة، وبيان ضد ذلك من الشرك الأكبر، والذنب الذي لا يغفر، وأنواع الكفر والضلال.
ولو لم يكن في تدبر هذا الكتاب العظيم إلا العلم بهذا الواجب العظيم، وتدبر ما ذكره الله في ذلك، لكان ذلك خيرا عظيما، وفضلا كبيرا، فكيف وفيه الدلالة على كل خير، والترهيب من كل شر، كما تقدم.
ثم بعد ذلك العناية بالسنة، فإنها الأصل الثاني، والوحي الثاني، وفيها التفسير لكتاب الله، والدلالة على ما قد يخفى من كلامه سبحانه، فهي الموضحة لكتاب الله كما قال الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١)، ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (٢).
فهو أنزل لدعوة الناس إلى الخير، وتعليمهم سبيل النجاة، وتحذيرهم من سبل الهلاك، وأمر الله نبيه ﵊ أن يبين للناس ما أنزل إليهم، وأن يشرح لهم ما اشتبه عليهم. فلم يزل ﵊ من حين بعثه الله إلى أن توفاه سبحانه يدعو الناس إلى ما دل عليه كتاب الله، ويشرح لهم ما دل عليه، ويحذرهم مما نهى عنه. وكانت المدة من حين بعثه الله إلى أن توفاه ثلاثا وعشرين سنة، كلها دعوة وبيان وترهيب وترغيب، إلى أن نقل إلى الرفيق الأعلى ﵊.
ومحاضرتي هذه الليلة في أعظم موضوع، وأهم موضوع، وهو موضوع العقيدة، موضوع التوحيد وضده.
стр. 17284
فالتوحيد هو الأمر الذي بعث الله من أجله الرسل، وأنزل من أجله الكتب، وخلق من أجله الثقلين، وبقية الأحكام تابعة لذلك. يقول سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١).
المعنى أن يخصوه سبحانه بالعبادة، ويفردوه -جل وعلا- بها، ولم يخلقوا عبثا ولا سدى، ولا ليأكلوا ويشربوا، ولا ليعمروا القصور ونحوها، ولا لشق الأنهار، وغرس الأشجار، ولا لغير هذا من مهمات الدنيا، ولكنهم خلقوا ليعبدوا ربهم، وليعظموه، وليتمسكوا بأوامره، وينتهوا عن نواهيه، ويقفوا عند حدوده، وليوجهوا العباد إليه، ويرشدوهم إلى حقه.
وخلق لهم ما خلق من النعم ليستعينوا بها على طاعته، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (٣). والله -جل وعلا- أنزل الأمطار، وأجرى الأنهار، ويسر للعباد من أنواع الرزق وأنواع النعم ما يعينهم على طاعته، وما يكون زادا لهم إلى نهاية آجالهم؛ إقامة للحجة، وقطعا للمعذرة، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٥).
وقال سبحانه: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (٦)، وقال -جلا وعلا-: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٧).
стр. 17285
وقال سبحانه في سورة الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١)، إلى غير ذلك من الآيات الدالات على أنه سبحانه خلق الخلق ليعبدوه وحده، وأمرهم بذلك، وأرسل الرسل لهذا الأمر ليدعوا إليه، وليوضحوه للناس.
فوجب على أهل العلم خلفاء الرسل أن يبينوا للناس هذا الأمر العظيم، وأن يكون أعظم المطلوب، وأن تكون العناية به أعظم عناية؛ لأنه متى سلم صار ما بعده تابعا له، ومتى لم يوجد التوحيد لم ينفع المكلف ما حصل من أعمال وأقوال، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٤)، في آيات كثيرات.
ويؤيد هذا المعنى أنه ﵊ مكث بمكة عشر سنين يدعو الناس إلى توحيد الله، قبل أن تفرض عليه الصلاة وغيرها، كلها دعوة إلى توحيد الله، وترك الشرك وخلع الأوثان، وبيان أن الواجب على جميع الثقلين أن يعبدوا الله وحده، ويدعوا ما عليه آباؤهم وأسلافهم من الشرك.
ولهذا سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان بن حرب في أيام الهدنة، وكان أبو سفيان في وفد من قريش في تجارة بفلسطين، وصادف مجيء هرقل إلى القدس، فقيل له عنهم، فأمر بإحضارهم لسؤالهم عما يعلمون عن هذا النبي
стр. 17286
الذي بلغه خبره، وكان ذلك في وقت الهدنة، وعلى رأسهم أبو سفيان بن حرب، فسألهم عنه، وعن قوله: إنه نبي؟! «فأمر بأبي سفيان فأجلسه أمامه، وأجلسوا أصحابه خلفه، وقال لترجمانه: قل لهم إني سائله فإن كذب فليكذبوه. فسأل عن النبي ﷺ وعن أشياء كثيرة معروفة في البخاري وغيره، ومما سأل عنه أن سألهم عما يدعوهم إليه؟، فقالوا: يدعونا إلى أن نعبد الله وحده، وأن نترك ما عليه آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والصدق والصلة والعفاف، فقال لهم: إن كان كما قلتم ليملكن موضع قدمي هاتين (١)». فكان الأمر كما قال، فملك الله المسلمين الشام، وأزاح عنها الروم، ونصر الله نبيه وأيد حزبه.
والمقصود أن هذا الأصل هو الأمر العظيم، ولما تساهل فيه الناس -إلا من رحم الله- وقعوا في الشرك الأكبر، وهم يدعون الإسلام وينكرون على من رماهم بخلافه، وهم على الشرك بسبب جهلهم بهذا الأصل العظيم، فقد اتخذوا كثيرا من الأموات آلهة من دون الله يعبدونهم، ويطوفون بقبورهم، ويستغيثون بهم، ويسألونهم شفاء المرضى، وقضاء الحاجات، والنصر على الأعداء، ويقولون هذا ليس بشرك وإنما هو تعظيم للصالحين، وتوسل بهم إلى الله، ويقولون أيضا بأن الإنسان لا يدعو الله مباشرة إنما يدعو الله بواسطة الأولياء، وهم كالوزراء بالنسبة إلى الرب، كما أن الوزراء بالنسبة للملوك هم الواسطة، فشبهوا الله بخلقه، وعبدوا خلقه من دونه. ونسأل الله العافية.
стр. 17287
فكل هذا من أسباب الجهل، وقلة البصيرة بهذا الأصل العظيم، فعباد البدوي، وعباد الشيخ عبد القادر، وعباد الحسين، وعباد غيرهم من الناس، أصابهم البلاء من هذا السبيل، جهلوا حقيقة التوحيد، وجهلوا دعوة الرسل، والتبست عليهم الأمور، فوقعوا في الشرك واستحسنوه، وجعلوه دينا وقربة، وأنكروا على من أنكر عليهم، وقل أن تجد في غالب الأمصار العالم البصير بهذا الأصل العظيم، بل تجد من يشار إليه بالأصابع، ويقال إنه العالم، وهو مع ذلك ممن يعظم القبور، التعظيم الذي لم يشرعه الله، ويدعو أهلها، ويستغيث بهم وينذر لهم ونحو ذلك. أما علماء الحق، علماء السنة، علماء التوحيد؛ فهم قليل في كل مكان.
فالواجب على الطلبة في هذه الجامعة، وعلى جميع الطلاب في جميع الجامعات الإسلامية أن يعتنوا بهذا الأصل، وأن يحكموه غاية الإحكام، حتى يكونوا دعاة للهدى، ومبشرين بالحق، وحتى يكونوا مبصرين للناس بحقيقة دينهم الذي بعث الله به نبيه محمدا ﵊، وبعث به الرسل جميعا.
وهذه الكلمة التي أقولها لكم الآن تتعلق بأنواع التوحيد وأنواع الشرك. والتوحيد مصدر وحد يوحد توحيدا، يعني وحد الله أي اعتقده واحدا لا شريك له في ربوبيته، ولا في أسمائه وصفاته، ولا في ألوهيته وعبادته . فهو واحد -جل وعلا- وإن لم يوحده الناس، وإنما سمي إفراد الله بالعبادة توحيدا؛ لأن العبد باعتقاده ذلك قد وحد الله واعتقده واحدا، فعامله على ضوء ذلك بإخلاص العبادة له سبحانه، ودعوته وحده، والإيمان بأنه مدبر الأمور وخالق الخلق، وأنه صاحب الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة وأنه يستحق العبادة دون كل ما سواه.
стр. 17288
وعند التفصيل تكون أنواع التوحيد ثلاثة:
توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. فتوحيد الربوبية أقر به المشركون ولم ينكروه، لكنهم لم يدخلوا به في الإسلام لأنهم لم يخصوا الله بالعبادة، ولم يقروا بتوحيد الإلهية، بل أقروا بأن ربهم هو الخالق الرازق، وأن الله هو ربهم، ولكنهم لم يوحدوه بالعبادة، فقاتلهم النبي ﷺ حتى يخلصوا العبادة لله وحده.
فتوحيد الربوبية معناه هو الإقرار بأفعال الرب، وتدبيره للعالم، وتصرفه فيه، هذا يسمى توحيد الربوبية، وهو الاعتراف بأنه الخلاق الرزاق مدبر الأمور ومصرفها، يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، ويحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير.
وهذا في الجملة أقر به المشركون، كما قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (٣).
فهم معترفون بهذه الأمور، لكنهم لم يستفيدوا من هذا الإقرار في توحيد الله بالعبادة، وإخلاصها له ، بل اتخذوا معه وسائط، وزعموا أنها شفعاء وأنها تقربهم إلى الله زلفى كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٤)
стр. 17289
فقال سبحانه ردا عليهم: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١)، فهو سبحانه لا يعلم له شريكا لا في السماء ولا في الأرض، بل هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، المستحق للعبادة جل وعلا، وقال : ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٣)، ثم قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٤)، والمعنى يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، يعني ما عبدناهم لأنهم يضرون وينفعون، أو لأنهم يخلقون ويرزقون، أو لأنهم يدبرون الأمور، ولكن عبدناهم ليقربونا إلى الله زلفى، كما قالوا في الآية السابقة من سورة يونس: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٥).
وعرف بهذا أنهم لم يعتقدوا أن آلهتهم تنفع وتضر، وتحيي وتميت، وترزق وتعطي وتمنع؛ وإنما عبدوهم ليشفعوا لهم وليقربوهم إلى الله زلفى، فاللات والعزى ومناة والمسيح ومريم والصالحون من العباد، كل هؤلاء ما عبدهم المشركون الأولون لأنهم ينفعون ويضرون؛ بل عبدوهم لأنهم يرجون شفاعتهم، وأن يقربوهم إلى الله زلفى، فحكم الله عليهم بالشرك في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٦)، وقال في آية الزمر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (٧) فحكم عليهم بالكفر والكذب حين قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فبين أنهم كذبة في زعمهم أنهم
стр. 17290
يقربونهم إلى الله زلفى، كفرة بهذا العمل، وهو عبادتهم إياهم بالذبح والنذر والدعاء والاستغاثة ونحو ذلك.
وقد دعاهم ﷺ عشر سنين يقول لهم: يا قوم قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، فأعرض عنه الأكثرون، ولم يهتد إلا الأقلون، ثم أجمع رأيهم على قتله، فأنجاه الله من شرهم ومن كيدهم، وهاجر إلى المدينة ﵊، فأقام بها شريعة الله ودعا فيها إلى الله، وتقبل الدعوة الأنصار ﵃، وجاهدوا معه ﵊، وجاهد معه المهاجرون من قريش ومن غيرهم، حتى أظهر الله دينه، وأعلى كلمته، وأذل الكفر وأهله.
وهذا النوع الذي أقر به المشركون هو توحيد الربوبية، وهو توحيد الله بأفعاله من خلق ورزق وتدبير وإحياء وإماتة وغير ذلك من أفعاله سبحانه كما سبق.
وهو حجة عليهم في إنكارهم توحيد الله بالعبادة لأنه يستلزمه، ويدل عليه ويوجبه، فلهذا أقام الله الحجة عليهم بهذا الإقرار فقال: ﴿فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (١)، وفي الآيات الأخرى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٢)، ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٣).
ومن تدبر هذا الأمر الذي أقروا به، استفاد لو عقل أن هذا المتصف بهذه الصفات هو المستحق لأن يعبد، ما دام هو الخلاق وهو الرازق وهو المحيي وهو المميت وهو المعطي وهو المانع وهو المدبر للأمور، وهو العالم بكل شيء والقادر على كل شيء، فكيف تصرف العبادة لغيره، بل كيف يرجى غيره، ويخاف غيره، لو عقل أولئك الكفار، ولكنهم لا يعقلون:
стр. 17291
﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (١)، وقال في المنافقين: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (٢)، وهكذا أشباههم كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (٣)، هؤلاء هم الغافلون حقا، وهم أشباه الأنعام بل هم أضل منها، كما وصفهم الله في آيات بينات، وحجج نيرات، وبراهين ساطعات، ومع ذلك لم يفهموها ولم يعقلوها، واستمروا على كفرهم وضلالهم، حتى حاربوه ﷺ يوم بدر، ويوم أحد، ويوم الخندق " يوم الأحزاب "، استمروا في كفرهم وضلالهم، ولم تنفع فيهم الآيات، ولم يستفيقوا من غفلتهم وإعراضهم، ولله الحكمة البالغة والحجة الدامغة.
ثم إنه سبحانه أظهر نبيه، وأعز دينه، وقهر الأعداء، فغزاهم ﷺ يوم الفتح، ونصره الله عليهم، وفتح بلادهم، ودخلوا في دين الله أفواجا، وعند ذلك أظهر ﵊ توحيد الإلهية، وقبله الناس، ودخلوا في الحق، ثم قامت ضده هوازن، وأهل الطائف؛ فأظهره الله عليهم، وشتت شملهم، واستولى ﵊ على نسائهم وذرياتهم وأموالهم، وجعل الله العاقبة والنصر لنبيه ﷺ ، ولعباده المؤمنين فالحمد لله على ذلك.
والنوع الثاني: توحيد الأسماء والصفات، وهو أيضا من جنس توحيد الربوبية، قد أقروا به وعرفوه. وتوحيد الربوبية يستلزمه؛ لأن من كان هو
стр. 17292
الخلاق الرزاق والمالك لكل شيء، فهو المستحق لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهو الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، لا شريك له، ولا شبيه له، ولا تدركه الأبصار، وهو السميع العليم، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١)، وكما قال : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٣) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٤) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٥)، وهم أي الكفار يعرفون ربهم بأسمائه وصفاته، وقد كابر بعضهم فأكذبهم الله بقوله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ (٦).
النوع الثالث: هو توحيد الله بالعبادة، وهو معنى لا إله إلا الله، فإن معناه لا معبود حق إلا الله، فهي تنفي العبادة بجميع أنواعها عن غير الله، وتثبتها لله وحده .
وهذه الكلمة هي أصل الدين وأساسه كله، وهي الكلمة التي دعا إليها النبي ﷺ قومه، ودعا إليها عمه أبا طالب فلم يسلم ومات على دين قومه.
وقد أوضح الله معناها في مواضع كثيرة من الكتاب الكريم منها قوله سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٧)، وقوله -جل وعلا-: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٨)، وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٩).
стр. 17293
وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (١) الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وكلها تفسر هذه الكلمة، وتوضح أن معناها: إبطال العبادة لغير الله، وإثبات العبادة بحق لله وحده -جل وعلا-، كما قال سبحانه في سورة الحج: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٢)، وقال في سورة لقمان: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٣).
فالله هو الحق، وله دعوة الحق، وعبادته هي الحق دون كل ما سواه ، فلا يستغاث إلا به، ولا ينذر إلا له، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يطلب الشفاء إلا منه، ولا يطاف إلا ببيته العتيق، إلى غير هذا من أنواع العبادة، وهو الحق، ودينه الحق ، ومن أتقن هذه الأنواع الثلاثة: أعني أنواع التوحيد، وحفظها واستقام على معناها، علم أن الله هو الواحد حقا، وأنه هو المستحق للعبادة دون جميع خلقه، ومن ضيع واحدا منها أضاع الجميع، فهي متلازمة، لا إسلام إلا بها جميعا، ومن أنكر صفات الله وأسماءه فلا دين له، ومن زعم أن مع الله مصرفا للكون يدبر الأمور، فهو كافر مشرك في الربوبية بإجماع أهل العلم.
ومن أقر بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، ولكن لم يعبد الله وحده، بل عبد معه سواه من المشايخ أو الأنبياء أو الملائكة أو الجن أو الكواكب أو الأصنام أو غير ذلك فقد أشرك بالله وكفر به سبحانه،
стр. 17294
ولا تنفعه بقية الأقسام، لا توحيد الربوبية، ولا توحيد الأسماء والصفات، حتى يجمع بين الثلاثة، فيقر بأن الله ربه هو الخالق الرازق المالك لجميع الأمور، ويقر بما كفر به المشركون، وحتى يؤمن بأنه سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العلى، لا شبيه له، ولا شريك له، كما قال : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٢) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٣) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٥)، وقال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٦).
بقي الأمر الثالث: وهو توحيد العبادة، وهو معنى لا إله إلا الله، وهو الأساس العظيم لدعوة الرسل؛ لأن النوعين الآخرين لم ينكرهما المشركون كما تقدم، وإنما أنكروا هذا النوع وهو توحيد العبادة، لما قال لهم: قولوا لا إله إلا الله، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (٧)، وقالوا أيضا: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (٨)، وقبلها قوله سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٩) ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (١٠)، فكذبهم الله بقوله: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١١).
وهذا النوع هو توحيد العبادة، وهو الذي أنكره المشركون الأولون، وينكره المشركون اليوم، ولا يؤمنون به، بل عبدوا مع الله سواه، فعبدوا الأشجار والأحجار وعبدوا الأصنام، وعبدوا الأولياء والصالحين،
стр. 17295
واستغاثوا بهم، ونذروا لهم وذبحوا لهم، إلى غير هذا مما يفعله عباد القبور وعباد الأصنام والأحجار وأشباههم، وهم بذلك مشركون كفار، إذا ماتوا على ذلك لا يغفر لهم، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٣).
فلا بد من تحقيق هذا النوع، وإفراد الله بالعبادة ونفي الإشراك به ، والاستقامة على ذلك، والدعوة إليه، والموالاة فيه، والمعاداة عليه، وبسبب الجهل بهذا النوع وعدم البصيرة فيه، يقع الناس في الشرك، فيحسبون أنهم مهتدون، كما قال : ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٤)، وقال في حق النصارى وأمثالهم: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ (٥) ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (٦)، فالكافر لجهله وانتكاس قلبه يحسب أنه محسن، وهو يعبد غير الله، ويدعو غير الله، ويستغيث بغير الله، ويتقرب بالذبائح والنذور لغيره ، وما ذلك إلا لجهله وقلة بصيرته، وقد أنزل الله فيهم قوله سبحانه: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٧)، وقوله : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ (٨)، فالواجب على أهل العلم وعلى طلاب العلم أن يعنوا بهذا النوع