← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 17291–17330 · переход к 17296.

стр. 17291

﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (١)، وقال في المنافقين: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (٢)، وهكذا أشباههم كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (٣)، هؤلاء هم الغافلون حقا، وهم أشباه الأنعام بل هم أضل منها، كما وصفهم الله في آيات بينات، وحجج نيرات، وبراهين ساطعات، ومع ذلك لم يفهموها ولم يعقلوها، واستمروا على كفرهم وضلالهم، حتى حاربوه ﷺ يوم بدر، ويوم أحد، ويوم الخندق " يوم الأحزاب "، استمروا في كفرهم وضلالهم، ولم تنفع فيهم الآيات، ولم يستفيقوا من غفلتهم وإعراضهم، ولله الحكمة البالغة والحجة الدامغة. ثم إنه سبحانه أظهر نبيه، وأعز دينه، وقهر الأعداء، فغزاهم ﷺ يوم الفتح، ونصره الله عليهم، وفتح بلادهم، ودخلوا في دين الله أفواجا، وعند ذلك أظهر ﵊ توحيد الإلهية، وقبله الناس، ودخلوا في الحق، ثم قامت ضده هوازن، وأهل الطائف؛ فأظهره الله عليهم، وشتت شملهم، واستولى ﵊ على نسائهم وذرياتهم وأموالهم، وجعل الله العاقبة والنصر لنبيه ﷺ ، ولعباده المؤمنين فالحمد لله على ذلك. والنوع الثاني: توحيد الأسماء والصفات، وهو أيضا من جنس توحيد الربوبية، قد أقروا به وعرفوه. وتوحيد الربوبية يستلزمه؛ لأن من كان هو

стр. 17292

الخلاق الرزاق والمالك لكل شيء، فهو المستحق لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهو الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، لا شريك له، ولا شبيه له، ولا تدركه الأبصار، وهو السميع العليم، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١)، وكما قال : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٣) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٤) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٥)، وهم أي الكفار يعرفون ربهم بأسمائه وصفاته، وقد كابر بعضهم فأكذبهم الله بقوله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ (٦). النوع الثالث: هو توحيد الله بالعبادة، وهو معنى لا إله إلا الله، فإن معناه لا معبود حق إلا الله، فهي تنفي العبادة بجميع أنواعها عن غير الله، وتثبتها لله وحده . وهذه الكلمة هي أصل الدين وأساسه كله، وهي الكلمة التي دعا إليها النبي ﷺ قومه، ودعا إليها عمه أبا طالب فلم يسلم ومات على دين قومه. وقد أوضح الله معناها في مواضع كثيرة من الكتاب الكريم منها قوله سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٧)، وقوله -جل وعلا-: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٨)، وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٩).

стр. 17293

وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (١) الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وكلها تفسر هذه الكلمة، وتوضح أن معناها: إبطال العبادة لغير الله، وإثبات العبادة بحق لله وحده -جل وعلا-، كما قال سبحانه في سورة الحج: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٢)، وقال في سورة لقمان: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٣). فالله هو الحق، وله دعوة الحق، وعبادته هي الحق دون كل ما سواه ، فلا يستغاث إلا به، ولا ينذر إلا له، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يطلب الشفاء إلا منه، ولا يطاف إلا ببيته العتيق، إلى غير هذا من أنواع العبادة، وهو الحق، ودينه الحق ، ومن أتقن هذه الأنواع الثلاثة: أعني أنواع التوحيد، وحفظها واستقام على معناها، علم أن الله هو الواحد حقا، وأنه هو المستحق للعبادة دون جميع خلقه، ومن ضيع واحدا منها أضاع الجميع، فهي متلازمة، لا إسلام إلا بها جميعا، ومن أنكر صفات الله وأسماءه فلا دين له، ومن زعم أن مع الله مصرفا للكون يدبر الأمور، فهو كافر مشرك في الربوبية بإجماع أهل العلم. ومن أقر بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، ولكن لم يعبد الله وحده، بل عبد معه سواه من المشايخ أو الأنبياء أو الملائكة أو الجن أو الكواكب أو الأصنام أو غير ذلك فقد أشرك بالله وكفر به سبحانه،

стр. 17294

ولا تنفعه بقية الأقسام، لا توحيد الربوبية، ولا توحيد الأسماء والصفات، حتى يجمع بين الثلاثة، فيقر بأن الله ربه هو الخالق الرازق المالك لجميع الأمور، ويقر بما كفر به المشركون، وحتى يؤمن بأنه سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العلى، لا شبيه له، ولا شريك له، كما قال : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٢) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٣) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٥)، وقال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٦). بقي الأمر الثالث: وهو توحيد العبادة، وهو معنى لا إله إلا الله، وهو الأساس العظيم لدعوة الرسل؛ لأن النوعين الآخرين لم ينكرهما المشركون كما تقدم، وإنما أنكروا هذا النوع وهو توحيد العبادة، لما قال لهم: قولوا لا إله إلا الله، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (٧)، وقالوا أيضا: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (٨)، وقبلها قوله سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٩) ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (١٠)، فكذبهم الله بقوله: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١١). وهذا النوع هو توحيد العبادة، وهو الذي أنكره المشركون الأولون، وينكره المشركون اليوم، ولا يؤمنون به، بل عبدوا مع الله سواه، فعبدوا الأشجار والأحجار وعبدوا الأصنام، وعبدوا الأولياء والصالحين،

стр. 17295

واستغاثوا بهم، ونذروا لهم وذبحوا لهم، إلى غير هذا مما يفعله عباد القبور وعباد الأصنام والأحجار وأشباههم، وهم بذلك مشركون كفار، إذا ماتوا على ذلك لا يغفر لهم، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٣). فلا بد من تحقيق هذا النوع، وإفراد الله بالعبادة ونفي الإشراك به ، والاستقامة على ذلك، والدعوة إليه، والموالاة فيه، والمعاداة عليه، وبسبب الجهل بهذا النوع وعدم البصيرة فيه، يقع الناس في الشرك، فيحسبون أنهم مهتدون، كما قال : ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٤)، وقال في حق النصارى وأمثالهم: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ (٥) ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (٦)، فالكافر لجهله وانتكاس قلبه يحسب أنه محسن، وهو يعبد غير الله، ويدعو غير الله، ويستغيث بغير الله، ويتقرب بالذبائح والنذور لغيره ، وما ذلك إلا لجهله وقلة بصيرته، وقد أنزل الله فيهم قوله سبحانه: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٧)، وقوله : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ (٨)، فالواجب على أهل العلم وعلى طلاب العلم أن يعنوا بهذا النوع

стр. 17296

أعظم عناية، لكثرة الجهل به، ووقوع أكثر الخلق في ضده. أما النوعان الآخران: فهما بحمد الله من أوضح الأشياء وأبينها، لكن هذا النوع -أعني توحيد العبادة- يشتبه على أكثر الناس بسبب الشبه الكثيرة التي يروجها أعداء الله، ويلبسون بها على كثير من الناس، والأمر فيها بحمد الله واضح لمن نور الله بصيرته، وهي شبه باطلة لا وجه لها. فالحق واضح أبلج، وهو وجوب إخلاص العبادة لله وحده، دون كل ما سواه، كما قال : ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١)، وقال : ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣)، ويقول : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٤) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٥)، ويقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٦) في آيات كثيرات كلها دالة على وجوب إخلاص العبادة لله وحده، وأن صرف العبادة لغير الله شرك وكفر، وهكذا لو اعتقد أن شخصا أو جمادا يصلح أن يعبد كفر وإن لم يعبده، فلو اعتقد أن هذا الصنم أو هذا الشخص كجبرائيل، أو النبي محمد ﷺ ، أو الشيخ عبد القادر الجيلاني، أو البدوي، أو الحسين، أو علي بن أبي طالب، لو اعتقد أن واحدا منهم أو غيرهم يصلح

стр. 17297

للعبادة، وأنه لا باس أن يدعى من دون الله، ولا بأس أن يستغاث به صار كافرا، وإن لم يفعل شيئا. وهكذا لو اعتقد أنهم يعلمون الغيب، أو يتصرفون في الكون، كان كافرا بهذا الاعتقاد عند جميع أهل العلم، فكيف إذا دعاهم من دون الله، أو استغاث بهم أو نذر لهم؛ فإنه يكون بذلك مشركا شركا أكبر. وهكذا إذا سجد لهم، أو صلى لهم، أو صام لهم؛ صار بذلك مشركا شركا أكبر، نسأل الله السلامة من ذلك. وضد التوحيد الشرك، وهو أنواع ثلاثة، والحقيقة أنه نوعان: شرك أكبر، وشرك أصغر. فالشرك الأكبر: هو ما يتضمن صرف العبادة لغير الله أو بعضها، أو يتضمن جحد شيء مما أوجب الله من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، كالصلاة، وصوم رمضان. أو يتضمن جحد شيء مما حرم الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة، كالزنا، والخمر، ونحوها. أو يتضمن طاعة المخلوق في معصية الخالق على وجه الاستحلال لذلك، وأنه يجوز أن يطاع فلان أو فلانة فيما يخالف دين الله ، من رئيس أو وزير أو عالم أو غيرهم، فكل ما يتضمن صرف بعض العبادة لغير الله كدعاء الأولياء والاستغاثة بهم والنذر لهم، أو يتضمن استحلال ما حرم الله، أو إسقاط ما أوجب الله، كاعتقاد أن الصلاة لا تجب، أو الصوم لا يجب، أو الحج مع الاستطاعة لا يجب، أو الزكاة لا تجب، أو اعتقد أن مثل هذا غير مشروع مطلقا، كان هذا كفرا أكبر، وشركا أكبر، لأنه يتضمن تكذيب الله ورسوله. وهكذا لو اعتقد حل ما حرم الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة، كاستحلال الزنا والخمر، وعقوق الوالدين، أو استحل قطع الطريق، أو

стр. 17298

اللواط، أو أكل الربا، وما أشبه ذلك من الأمور المعروف تحريمها بالنص والإجماع؛ إذا اعتقد حلها كفر إجماعا، نسأل الله العافية، وصار حكمه حكم المشركين شركا أكبر. وهكذا من استهزأ بالدين وسخر به، حكمه حكمهم، وكفره كفر أكبر، كما قال الله : ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (١) ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢)، وهكذا لو استهان بشيء مما عظمه الله احتقارا له، وازدراء له، كأن يستهين بالمصحف، أو يبول عليه، أو يطأ عليه، أو يقعد عليه، أو ما أشبه ذلك استهانة به، كفر إجماعا؛ لأنه بذلك يكون منتقصا لله محتقرا له، لأن القرآن كرمه ، فمن استهان به فقد استهان بالله ، وهذه الأمور قد أوضحها العلماء في باب حكم المرتد، ففي كل مذهب من المذاهب الأربعة ذكروا بابا سموه: باب حكم المرتد، أوضحوا فيه جميع أنواع الكفر والضلال، وهو باب جدير بالعناية، ولا سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه أنواع الردة، والتبس الأمر في ذلك على كثير من الناس، فمن عني به حق العناية عرف نواقض الإسلام، وأسباب الردة، وأنواع الكفر والضلال. والنوع الثاني: الشرك الأصغر، وهو ما ثبت بالنصوص تسميته شركا، لكنه لم يبلغ درجة الشرك الأكبر، فهذا يسمى شركا أصغر، مثل: الرياء والسمعة، كمن يقرأ يرائي، أو يصلي يرائي، أو يدعو إلى الله يرائي، ونحو ذلك، فقد ثبت في الحديث أنه ﷺ قال: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: الرياء، يقول الله يوم القيامة للمرائين:»

стр. 17299

اذهبوا إلى من كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم من جزاء رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن محمود بن لبيد الأشهلي الأنصاري ﵁، ورواه الطبراني أيضا والبيهقي وجماعة مرسلا عن محمود المذكور، وهو صحابي صغير لم يسمع من النبي ﷺ ، ولكن مرسلات الصحابة صحيحة وحجة عند أهل العلم، وبعضهم حكاه إجماعا. ومن ذلك قول العبد ما شاء الله وشاء فلان، أو لولا الله وفلان، أو هذا من الله ومن فلان. هذا كله من الشرك الأصغر كما في الحديث الذي رواه أبو داود بإسناد صحيح عن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان (١)». ومن هذا ما رواه النسائي عن قتيلة أن اليهود قالوا لأصحاب النبي ﷺ : إنكم تشركون، تقولون ما شاء الله وشاء محمد، وتقولون والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا ما شاء الله ثم شاء محمد. وفي رواية للنسائي أيضا عن ابن عباس ﵄ «أن رجلا قال: يا رسول الله ما شاء الله وشئت، فقال: أجعلتني لله ندا ما شاء الله وحده (٢)». ومن ذلك ما ثبت عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣) قال: هو الشرك في هذه الأمة، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي، وتقول لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلانا. هذا كله به شرك، رواه ابن أبي حاتم بإسناد حسن.

стр. 17300

فهذا وأشباهه من جنس الشرك الأصغر، وهكذا الحلف بغير الله، كالحلف بالكعبة، والأنبياء، والأمانة، وحياة فلان، وبشرف فلان، ونحو ذلك، فهذا من الشرك الأصغر لما ثبت في المسند بإسناد صحيح عن عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «من حلف بشيء دون الله فقد أشرك (١)». وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي ﵏ بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك (٢)». وهذا يحتمل أن يكون شكا من الراوي، ويحتمل أن أو بمعنى الواو، والمعنى فقد كفر وأشرك. ومن هذا ما رواه الشيخان عن عمر -رضي الله تعالى عنه-، عن النبي ﷺ أنه قال: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت (٣)». والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وهذه أنواع من الشرك الأصغر، وقد يكون أكبر على حسب ما يكون في قلب صاحبه، فإذا كان في قلب الحالف بالنبي أو البدوي أو الشيخ فلان أنه مثل الله، أو أنه يدعى مع الله، أو أنه يتصرف في الكون مع الله أو نحو ذلك، صار شركا أكبر بهذه العقيدة، أما إذا كان الحالف بغير الله لم يقصد هذا القصد، وإنما جرى على لسانه من غير هذا القصد لكونه اعتاد ذلك، كان ذلك شركا أصغر. وهناك شرك يقال له: الشرك الخفي، ذكر بعض أهل العلم أنه قسم ثالث، واحتج عليه بقوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ قال: «ألا أنبئكم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟، قالوا بلى يا رسول الله!، قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل إليه (٤)» خرجه الإمام أحمد.

стр. 17301

والصواب: أن هذا ليس قسما ثالثا، بل هو من الشرك الأصغر، وهو قد يكون خفيا لأنه يقوم بالقلوب، كما في هذا الحديث، وكالذي يقرأ يرائي، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يرائي، أو يجاهد يرائي، أو نحو ذلك. وقد يكون خفيا من جهة الحكم الشرعي بالنسبة إلى بعض الناس كالأنواع التي في حديث ابن عباس السابق. وقد يكون خفيا وهو من الشرك الأكبر كاعتقاد المنافقين، فإنهم يراءون بأعمالهم الظاهرة وكفرهم خفي لم يظهروه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلًا﴾ (١) ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ (٢) الآية، والآيات في كفرهم وريائهم كثيرة، نسأل الله العافية. وبما ذكرنا يعلم أن الشرك الخفي لا يخرج عن النوعين السابقين: شرك أكبر، وشرك أصغر وإن سمي خفيا. فالشرك يكون خفيا، ويكون جليا. فالجلي: دعاء الأموات، والاستغاثة بالأموات والنذر لهم، ونحو ذلك. والخفي: ما يكون في قلوب المنافقين يصلون مع الناس، ويصومون مع الناس، وهم في الباطن كفار يعتقدون جواز عبادة الأوثان والأصنام، وهم على دين المشركين. فهذا هو الشرك الخفي الأكبر، لأنه في القلوب. وهكذا الشرك الخفي الأصغر، كالذي يقصد بقراءته ثناء الناس، أو بصلاته، أو بصدقته، أو ما أشبه ذلك. فهذا شرك خفي، لكنه شرك أصغر. فاتضح بهذا أن الشرك شركان: أكبر وأصغر، وكل منهما يكون خفيا كشرك المنافقين وهو أكبر، ويكون خفيا أصغر كالذي يقوم يرائي في

стр. 17302

صلاته أو صدقته أو دعائه لله، أو دعوته إلى الله، أو أمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر، أو نحو ذلك. فالواجب على كل مؤمن أن يحذر ذلك، وأن يبتعد عن هذه الأنواع، ولا سيما الشرك الأكبر، فإنه أعظم ذنب عصي الله به، وأعظم جريمة وقع فيها الخلق، وهو الذي قال الله فيه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١)، وقال فيه سبحانه وبحمده: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ (٢)، وقال فيه سبحانه أيضا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣). فمن مات عليه فهو من أهل النار جزما، والجنة عليه حرام، وهو مخلد في النار أبد الآباد، نعوذ بالله من ذلك. أما الشرك الأصغر فهو أكبر من الكبائر، وصاحبه على خطر عظيم، لكن قد يمحى عن صاحبه برجحان الحسنات، وقد يعاقب عليه ببعض العقوبات، لكن لا يخلد في النار خلود الكفار، فليس هو مما يوجب الخلود في النار، وليس مما يحبط الأعمال، ولكن يحبط العمل الذي قارنه. فالشرك الأصغر يحبط العمل المقارن له، كمن يصلي يرائي فلا أجر له، بل عليه إثم. وهكذا من قرأ يرائي فلا أجر له بل عليه إثم، بخلاف الشرك الأكبر والكفر الأكبر فإنهما يحبطان جميع الأعمال، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤).

стр. 17303

فالواجب على الرجال والنساء، وعلى العالم والمتعلم، وعلى كل مسلم، أن يعنى بهذا الأمر ويتبصر فيه، حتى يعلم حقيقة التوحيد بأنواعه، وحتى يعلم حقيقة الشرك بنوعيه: الأكبر والأصغر، وحتى يبادر بالتوبة الصادقة مما قد يقع منه من الشرك الأكبر أو الشرك الأصغر، وحتى يلزم التوحيد، ويستقيم عليه، وحتى يستمر في طاعة الله، وأداء حقه، فإن التوحيد له حقوق، وهي أداء الفرائض، وترك المناهي، فلا بد مع التوحيد من أداء الفرائض، وترك المناهي، ولا بد أيضا من ترك الإشراك كله: صغيره وكبيره. فالشرك الأكبر ينافي التوحيد، وينافي الإسلام كليا، والشرك الأصغر ينافي كماله الواجب، فلا بد من ترك هذا وهذا. فعلينا جميعا أن نعنى بهذا الأمر، ونتفقه فيه، ونبلغه للناس بكل عناية وبكل إيضاح، حتى يكون المسلم على بينة من هذه الأمور العظيمة. والله المسئول أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع، والعمل الصالح، وأن يمنحنا والمسلمين جميعا الفقه في دينه، والثبات عليه، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، ويجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين، إنه سميع قريب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 17304

صفحة فارغة

стр. 17305

التحويلات المصرفية إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الحمد لله وحده. . وبعد: سبق بحث ما يتعلق بعمليات الودائع والحسابات المختلفة وإيجار الخزائن الحديدية وعمليات الائتمان - الإقراض، الاعتماد البسيط، الاعتماد المستندي، الضمان بأنواعه - وبقي البحث فيما يتعلق بعمليات " التحويلات المصرفية والبريدية، وعمليات تظهير الأوراق التجارية وخصمها وتحصيلها "، وقبل الدخول في البحث يحسن بنا التمهيد لذلك بتعداد أهم الأوراق التجارية، وتعريف كل ورقة بذكر خصائصها وما يميزها عن غيرها. والله ولي التوفيق. الأوراق التجارية: نظرا للتوسع العالمي في نطاق التجارة الدولية، وحيث إن النقود القائمة أيا كان نوعها وكيفها وكمها - عاجزة عن مسايرة التطور التجاري والحركات السريعة الضخمة في نطاق الصفق في الأسواق العالمية، فقد وجد رجال المال والأعمال أنفسهم في حاجة ملحة إلى ما يساير هذا التطور في نطاق التبادل المالي، وذلك بإيجاد عملات مساعدة تكون عونا للتاجر في استيفاء حقوقه وسداد ما عليه من التزامات، ولو لم يتم له تسويق بضاعته التي باعها أو اشتراها، كما أنها تعفيه من الاحتفاظ بمبالغ نقدية يقابل بها حركاته التجارية الخالية من التوقيتات المعينة، حيث يتضرر بتجميدها، فكانت هذه المبررات مصدر ابتكار ما يسمى بالأوراق التجارية.

стр. 17306

فالأوراق التجارية أوراق مالية لها صفة القبول والتداول في عالم التجارة، وفي ذلك يقول الدكتور علي سليمان العيدي بعد أن استعرض المعنى العام للورقة التجارية ما نصه: نخلص من ذلك أنه من أجل اعتبار السند ورقة تجارية لا بد أن يتجه الحق المالي فيه بذاته، وأن يكون هذا الحق منصبا على مبلغ من النقود، وأن يكون السند قابلا للتداول بسهولة، وأن يجري استعماله كأداة للوفاء بدل النقود، وأن يستحق الأداء بعد أجل قصير أو عند الاطلاع أي ألا يكون طويل الأجل. وعلى ضوء ما قدمناه يمكننا تعريف الورقة التجارية بأنها: سند محرر وفقا للشكل الذي رسمه القانون، يمثل بذاته التزاما بأداء مبلغ من النقود قابل للتداول عن طريق التظهير أو التسليم، ويستحق الأداء بعد أجل قصير أو عند الاطلاع، ويستعمل كأداة للوفاء بدل النقود. ا. هـ (١). ونظرا إلى أن الأوراق التجارية تتفق مع الأوراق النقدية في تسهيل التعامل التجاري من حيث التداول والقبول بل إن بعضهم كان يطلق عليها على سبيل التجوز صفة النقد - نظرا لذلك فإنه يتعين عقد مقارنة بين الورقة التجارية والورقة النقدية حتى تتضح حقيقة كل منهما فلا يلتبس الأمر بينهما، وبالتالي يتجلى الأمر في صحة نسبة الأحكام الخاصة بالورقة النقدية إلى الورقة التجارية وعدم صحتها. لئن قيل بوجود شبه بين الورقتين فإن بينهما تفاوتا واختلافا جوهريا يتضح فيما يلي: ١ - لا يجوز رفض الورقة النقدية في تسوية الديون لما لها من قوة إبراء مطلق، بينما يجوز للدائن رفض تسوية ديون بأوراق تجارية حيث إنها لا تعتبر في الجملة إلزامية.

стр. 17307

٢ - ليس للأوراق النقدية مجال في خصم شيء منها عند القيام بتسوية الديون بها لكونها نقودا حقيقية تحمل الإبراء العام المطلق، في حين أنه يجوز اشتراط خصم شيء من الورقة التجارية إذا كانت كمبيالة لتعجيل وفاء قيمتها في عرف التعامل المصرفي. ٣ - الأوراق التجارية محدود زمن التعامل بها بمدة معينة فيها، في حين أنه لا حد للتعامل بالأوراق النقدية ما لم تر جهة الإصدار إبدال غيرها بها. ٤ - تصدر الأوراق النقدية من قبل جهة معينة يغلب عليها أن تكون حكومية أو للحكومة حق الإشراف عليها، في حين أن الأوراق التجارية تصدر من جهات مختلفة ومن أفراد إلا أنه يشترط لمصدرها أن يكون ذا أهلية تجارية. ٥ - تصدر الأوراق النقدية بصورة سلسلة لها وحدات مختلفة المبالغ مثل فئات الريال والخمسة والعشرة والخمسين والمائة، في حين أنه لا يوجد مثل ذلك في الأوراق التجارية، حيث تصدر بمبالغ مختلفة لا مجال لتوحيدها في فئات محددة ولا مجال لحصرها. ٦ - الورقة النقدية نقد قائم بذاته تضيع قيمته بضياعها مهما كان لدى حاملها من طرق الإثبات، في حين أن الورقة التجارية سند بدين تبقى قيمته في حال ضياعه إذا أثبت محتواه مالكه. والأوراق التجارية ليست محصورة في أوراق معينة؛ لأن الفكر التجاري مرن مرونة الحركة التجارية العالمية، فهو مصنع يعطي للتجارة ما تحتاجه من أسباب القدرة على الحركة برا وبحرا وجوا وأثيرا، إلا أن المراقبين من خبراء المال والاقتصاد يكادون يجمعون على أنه حتى الآن لم يخرج الفكر التجاري

стр. 17308

من الأوراق التجارية أهم من أوراق الكمبيالة والشيك والسند الإذني بدليل أن علماء الاقتصاد ورجال التنظيمات المالية والتجارية يكادون يقتصرون في بحوثهم عن الأوراق التجارية على هذه الأنواع الثلاثة. وفيما يلي دراسة موجزة لها.

стр. 17309

الكمبيالة: . الكمبيالة أمر مكتوب وفقا لأوضاع معينة حددتها التنظيمات التجارية يتوجه بها شخص يسمى الساحب إلى شخص آخر يسمى المسحوب عليه طالبا منه دفع مبلغ معين من النقود في تاريخ معين أو قابل للتعيين لإذن شخص ثالث يسمى المستفيد أو لحامله. وصورتها: الرياض في - تاريخ تحرير الكمبيالة - المبلغ بالأرقام. . . . . . . . . . ريالا سعوديا إلى السيد فلان بن فلان في يوم كذا من شهر كذا سنة كذا ادفعوا بمقتضى هذه الكمبيالة لأمر السيد فلان المبلغ المرقوم أعلاه وقدره. . . . . . . . . . . . . . والقيمة وصلتنا بضاعة. توقيع الساحب.

стр. 17310

ومن ذلك يتضح أن للكمبيالة أركانا ثلاثة، ساحبا ومسحوبا عليه ومستفيدا، وقد تكون هذه الأطراف الثلاثة أشخاصا طبيعية، وقد تكون أشخاصا اعتبارية. ثم إن هناك ما يسمى بالكمبيالة المالية، وهذا النوع من الكمبيالات يسمح بالاقتصار فيها على ركنين هما: الساحب والمسحوب عليه، ويكون الساحب في هذا النوع هو المستفيد، وإلى هذا يشير الدكتور علي البارودي فيقول: وقد ينشئ البنك بنفسه الكمبيالة في معاملاته مع عملائه ويسمونها الكمبيالة المالية تمييزا لها عن الكمبيالة العادية التي ينشئها التجار، فإذا أقرض البنك عميله مبلغا من النقود فإنه يسحب على هذا العميل كمبيالة فيقبلها العميل. -إلى أن قال- فإذا شاء البنك أن يستوفي دينه قبل ميعاد الاستحقاق فإنه يستطيع أن يخصم هذه الكمبيالة بنك آخر أو في البنك المركزي، أهـ (١). ويجب أن تشتمل الكمبيالة على بيانات معينة حددتها التنظيمات في كل دولة، ومن ذلك ما جاء في نظام الأوراق التجارية السعودي الصادر به المرسوم الملكي رقم ٣٧ وتاريخ ١١/ ١٠ / ١٣٨٣هـ فقد جاءت المادة (١) بالنص التالي: المادة (١) - تشتمل الكمبيالة على البيانات الآتية: (أ) كلمة كمبيالة مكتوبة في متن الصك وباللغة التي كتبت بها. (ب) أمر غير معلق على شرط بوفاء مبلغ معين من النقود. (ج) اسم من يلزمه الوفاء المسحوب عليه. (د) ميعاد الاستحقاق. (هـ) مكان الوفاء. (و) اسم من يجب الوفاء له أو لأمره.

стр. 17311

(ز) تاريخ ومكان إنشاء الكمبيالة. (ح) توقيع من أنشأ الكمبيالة - الساحب -. وذكرت المادة الثانية أن الورقة لا تعتبر كمبيالة حتى تستوفي البيانات المذكورة في المادة الأولى واستثنت من ذلك ما يلي: (أ) إذا خلت الكمبيالة من بيان ميعاد الاستحقاق اعتبرت مستحقة الوفاء لدى الاطلاع عليها. (ب) إذا خلت من بيان مكان الوفاء أو من بيان موطن المسحوب عليه اعتبر المكان المبين بجانب اسم المسحوب عليه مكان وفائها وموطنا للمسحوب عليه. (ج) إذا خلت من بيان مكان إنشائها اعتبرت منشأة في المكان المبين بجانب اسم الساحب. ا. هـ. والغالب أن يكون المسحوب عليه مدينا للساحب بما يقابل قيمة الكمبيالة -مقابل الوفاء- وأن يكون الساحب مدينا للمستفيد بمثل ذلك، ويذكر الأستاذان أمين بدر وعلي حسن يونس أن ذلك لا يلزم. ومع ذلك فقد نص نظام الأوراق التجارية السعودي على ضرورة أن يكون المسحوب عليه مدينا للساحب بما يكفي للوفاء فقد جاءت المادتان التاسعة والعشرون والثلاثون بالنص التالي: المادة (٢٩) - على ساحب الكمبيالة أو من سحب الكمبيالة له لحسابه أن يوجد لدى المسحوب عليه مقابل وفائها ولكن ذلك لا يعفي الساحب لحساب غيره من مسؤليته شخصيا قبل مظهريها وحامليها.

стр. 17312

المادة (٣٠) - يعتبر مقابل الوفاء موجودا إذا كان المسحوب عليه مدينا للساحب أو للأمر بالسحب في ميعاد استحقاق الكمبيالة بمبلغ معين من النقود واجب الأداء ومساوي على الأقل لمبلغ الكمبيالة. ا. هـ. وساحب الكمبيالة بتوقيعه عليها ملتزما بدفع قيمتها لحاملها عند حلول أجل دفعها كما أن كل من وقع عليها بالقبول يعتبر متضامنا مع ساحبها في الالتزام بدفعها إذا امتنع من ذلك المسحوب عليه، ولا ينعقد التزام المسحوب عليه بدفعها إلا بتوقيعه عليها بالقبول وتسليمها لحاملها ولا يلزم المسحوب عليه أن يوقع عليها بالقبول بل يعتبر ذلك منه على سبيل الاختيار حتى لو كان مدينا للساحب. ومتى تم قبول المسحوب عليه الكمبيالة أصبحت أداة قابلة للتداول يستطيع المستفيد أن يصرف قيمتها حالا من المسحوب عليه أو من أي بنك بعد خصم العمولة وسعر الفائدة عن مدة الاستحقاق. ولتصوير وجه اعتبارها شبه عملة قابلة للتداول يقول الدكتور محمد عبد الله العربي ما نصه: متى تم قبول المسحوب عليه للكمبيالة، أي أشر عليها بما يفيد قبوله للوفاء بها في ميعاد الاستحقاق أصبحت الكمبيالة أداة قابلة للتداول، فيستطيع المستفيد أن يصرف قيمتها فورا من البنك المسحوب عليه أو من أي بنك آخر بعد خصم العمولة والفائدة عن مدة الاستحقاق. المهم أن الكمبيالة المقبولة تصبح عملة قابلة للتداول، فهي تثبت مبلغا من عملة إحدى الدول قابلا للوفاء في تاريخ معين فلكل ذي مصلحة في سداد دين تجاري بعملة هذه الدولة أن يشتريها ويسدد بها دينه. ا. هـ (١). والقول بأن الكمبيالة عملة قابلة للتداول ليس على إطلاقه فليس

стр. 17313

للكمبيالة كل صفات النقد فهي ليست مبرئة إبراء تاما، وليست قيمتها في ذاتها بحيث لو فقدت ضاعت قيمتها، وإنما هي سند بدين متى ضاع ذلك السند صار لصاحبه حق إثباته بأي طريق من طرق الإثبات المعتبرة، وإلى هذا تشير المادة السادسة عشرة من نظام الأوراق التجارية السعودي بما نصه: وإذا فقد شخص حيازة كمبيالة نتيجة حادثة ما فلا يلزم حاملها بالتخلي عنها متى أثبت حقه فيها وفقا للأحكام السابقة إلا إذا كان حصل عليها بسوء نية أو ارتكب في سبيل الحصول عليها خطأ جسيما. ا. هـ.

стр. 17314

خصائص الكمبيالة: مما تقدم نستطيع استظهار الخصائص التالية: (أ) الكمبيالة ورقة تجارية تشبه النقد من حيث صلاحها للتداول والقبول. (ب) الغالب على الكمبيالة أن تشتمل على أطراف ثلاثة ساحب ومسحوب عليه ومستفيد إلا أنه يجوز اقتصارها على طرفين هما ساحب وهو المستفيد ومسحوب عليه كما هو الشأن في الكمبيالة المالية. (ج) لا يشترط لصحة الكمبيالة أن يكون المسحوب عليه مدينا للساحب، وإنما يشترط لاعتبارها قبول المسحوب عليه وتوقيعه عليها بذلك. (د) لا يلزم المسحوب عليه قبول الكمبيالة إلا أنه متى قبلها ووقع عليها بذلك وسلمها لحاملها لزمه سدادها في وقتها المحدد له. (هـ) لا تعتبر الكمبيالة مبرئة إبراء تاما لذمة صاحبها وإنما تبقى مسئوليته حتى يتم سدادها. (و) يعتبر الموقعون عليها بالقبول مسئولين عن سداد قيمتها مسئولية تضامنية. (ز) لا تعتبر الكمبيالة ورقة تسقط قيمتها بفقدها، وإنما هي سند بدين يثبت بإحدى طرق الإثبات المعتبرة.

стр. 17315

(حـ) يشترط كثير من الأنظمة التجارية النص في سند الكمبيالة على وصول القيمة.

стр. 17316

الوصف الشرعي للكمبيالة: ذهبت الموسوعة الفقهية الكويتية إلى القول بأن الكمبيالة يعتبرها الفقه الإسلامي حوالة إذا كانت مسحوبة على مدين بقيمتها، أما إذا لم يكن المسحوب عليه مدينا للساحب بقيمتها فجمهور أهل العلم يعتبرونها وكالة؛ لأن من شروط الحوالة أن يكون المحال عليه مدينا بما يقابلها. أما الحنفية فحيث إنهم لا يشترطون مديونية المحال عليه للمحيل فإنهم يعتبرون الكمبيالة حوالة مطلقا إلا أنهم يشترطون لنفاذها قبول المسحوب عليه (١).

стр. 17317

الشيك: الشيك هو أمر مكتوب وفقا لأوضاع معينة حددتها الأنظمة يطلب به شخص يسمى الساحب من شخص آخر يسمى المسحوب عليه أن يدفع بمقتضاه أو بمجرد الاطلاع عليه مبلغا معينا من النقود للساحب أو لشخص معين أو لإذن شخص معين أو لحامله. وصورته. يذكر في هامش الشيك رقم الحساب الجاري واسم صاحبه. المبلغ بالرقم هـ ريال الرياض في / / ١٣ هـ مؤسسة النقد العربي السعودي ادفعوا بموجب هذا الشيك لأمر السيد /. . . . . . . . . . . . . . . . . . أو لحامله مبلغ ((يكتب بالحروف)) نمرة. . . . . . . . . . . . . . . . . . . إمضاء الساحب (١).

стр. 17318

ويجب أن يشتمل الشيك على بيانات معينة حددتها كل دولة في أنظمتها، وقد جاء النص عليها في نظام الأوراق التجارية السعودي بما يأتي: المادة (٩١) يشتمل الشيك على البيانات الآتية: (أ) كلمة شيك مكتوبة في متن الصك باللغة التي كتب بها. (ب) أمر غير معلق على شرط بوفاء مبلغ معين من النقود. (ج) اسم من يلزمه الوفاء ((المسحوب عليه)). (د) مكان الوفاء. (هـ) تاريخ ومكان إنشاء الشيك. (و) توقيع من أنشأ الشيك -الساحب-. وقد نصت المادة الثانية والتسعون على سلب الصفة الشيكية من الشيك إذا خلا من البيانات المذكورة في المادة السابقة إلا في حالتين هما: (أ) إذا خلا الشيك من بيان مكان وفائه اعتبر مستحق الوفاء في المكان المبين بجانب اسم المسحوب عليه فإذا تعددت الأماكن المبينة بجانب اسم المسحوب عليه اعتبر الشيك مستحق الوفاء في أول مكان منها. وإذا خلا الشيك من هذه البيانات أو من أي بيان آخر اعتبر مستحق الوفاء في المكان الذي يقع فيه المحل الرئيسي للمسحوب عليه. (ب) إذا خلا الشيك من بيان مكان الإنشاء اعتبر منشأ في المكان المبين بجانب اسم الساحب. ا. هـ.

стр. 17319

خصائص الشيك: مما تقدم نستطيع استظهار الخصائص التالية للشيك. (أ) الشيك ورقة تجارية تشبه النقد من حيث صلاحه للتداول والقبول. (ب) الغالب على الشيك أن يشتمل على أطراف ثلاثة هي الساحب

стр. 17320

والمسحوب عليه والمستفيد. ويجوز اقتصاره على طرفين هما الساحب وهو المستفيد والمسحوب عليه، وإلى هذا تشير المادة السادسة والتسعون من نظام الأوراق التجارية السعودي حيث تقول: يجوز سحب الشيك لأمر الساحب نفسه، ويجوز سحبه لحساب شخص آخر، ولا يجوز سحبه على الساحب نفسه ما لم يكن مسحوبا بين فروع بنك يسيطر عليه مركز رئيسي واحد ويشترط ألا يكون الشيك مستحق الوفاء لحامله. (ج) يشترط لسحب الشيك أن يكون المسحوب عليه مدينا للساحب بما لا يقل عن قيمته، ومع ذلك فيعتبر الشيك صحيحا ولو لم يكن المسحوب عليه مدينا للساحب إلا أنه يعتبر من ضمان الساحب نفسه فضلا عما في سحبه على غير مدين به من الإجرام الموجب للعقوبة. ا. هـ. (د) إذا كان المسحوب عليه غير مدين بمثل قيمته فلا يلزمه اعتماده. (هـ) لا يعتبر الشيك مبرئا صاحبه إبراء تاما من قيمته حتى يتم سداده. (و) لحامل الشيك الرجوع على الملتزمين مجتمعين أو منفردين إذا قدم في ميعاده النظامي ولم تدفع قيمته. (ز) لا يعتبر الشيك ورقة نقدية تضيع قيمتها بفقدها وإنما هو سند بدين يثبت بإحدى طرق الإثبات المعتبرة في حال ضياعه. (ح) لا يشترط لصحة الشيك النص على وصول قيمته للساحب كما هو الشأن في الكمبيالة. (ط) لا يعتبر لصحة الشيك ووجوب دفعه لدى الاطلاع رضا المسحوب عليه إلا إذا كان غير مدين للساحب بمثل قيمته.

стр. 17321

(ى) لا يعتبر لصحة الشيك انتفاء رصيده أو نقصانه لدى المسحوب عليه.

стр. 17322

الفرق بين الشيك والكمبيالة: لا شك أن الشيك يشبه الكمبيالة في كثير من خصائصها كما أنه يختلف عنها في بعض خصائصه، وفيما تقدم لنا يتضح أن الشيك يشبه الكمبيالة فيما يلي: (أ) افتراض وجود ثلاثة أطراف هي الساحب والمسحوب عليه والمستفيد في الغالب. (ب) وجود علاقتين حقوقيتين إحداهما بين الساحب والمسحوب عليه وهي الرصيد الدائن وهو ما يسمى بمقابل الوفاء. الثانية بين الساحب والمستفيد وهي وصول قيمة الكمبيالة أو الشيك. (ج) قدرتهما على القيام بتسوية ما يرتبانه من علاقات قانونية بين المتعاملين بهما بعملية وفاء واحدة. ويختلف الشيك عن الكمبيالة فيما يلي: (أ) أن الشيك يسحب عادة على مصرف ويندر أن يسحب على فرد عادي أو مؤسسة غير مصرفية في حين أن الكمبيالة تسحب على أي جهة أو فرد أهل للالتزام بها. (ب) أن الشيك واجب الدفع دائما لدى الاطلاع عليه ولا يجوز تأجيل دفعه بينما يغلب على الكمبيالة ألا تكون مستحقة الوفاء عند الاطلاع وإنما يجب وفاؤها بعد وقت يجري تعيينه فيها.

стр. 17323

(ج) يشترط لسحب الشيك أن يكون المسحوب عليه مدينا للساحب بما لا يقل عن قيمته فإن سحب شيك على غير مدين به اعتبر ذلك جريمة توجب العقوبة وتبقى للشيك قيمته المالية في ذمة ساحبه. وعليه فإنه لا يجوز للمسحوب عليه أن يؤشر على الشيك بالقبول لأنه طالما كان مستكملا لشروط اعتباره كان واجب الدفع على المسحوب عليه رضي ذلك أم سخط وإلى هذا تشير المادة (١٠٠) من نظام الأوراق التجارية السعودي حيث تقول: لا يجوز للمسحوب عليه أن يوقع على شيك بالقبول وكل قبول مكتوب عليه يعتبر كأن لم يكن، ومع ذلك يجوز للمسحوب عليه أن يؤشر على الشيك باعتماده، وتفيد هذه العبارة وجود مقابل وفاء في تاريخ التأشير ولا يجوز للمسحوب عليه رفض اعتماد الشيك إذا كان لديه مقابل وفاء يكفي لدفع قيمته ويعتبر توقيع المسحوب عليه على صدر الشيك بمثابة اعتماد. ا. هـ. على أن كثيرا من علماء الاقتصاد يرون أن التفرقة بينهما عسيرة في حال ما إذا كان ساحب الكمبيالة دائنا للمسحوب عليه بقيمتها وكان النص فيها على الدفع حال الاطلاع، وفي ذلك يقول الدكتور أمين بدر بعد أن استعرض الفروق بينهما وناقشها مناقشة أذابت كثيرا منها وقربت بعضها لمقابله، قال ما نصه: وبالاختصار فإن التمييز بين الشيك والكمبيالة قد يغدو في بعض الصور عسيرا. ا. هـ (١). وبمزيد من التأمل يمكن القول إن الكمبيالة قد تكون على حال من

стр. 17324

الإجراء بحيث يصعب التمييز بينهما وبين الشيك كأن يكون سحبها على مدين بها وأن تكون واجبة الدفع وأن يكون سحبها على مصرف، وقد تختلف عن خصائص الشيك بالنسبة لنوع المسحوب عليه ووجود أجل معين لوجوب دفعها وانتفاء مديونية المسحوبة عليه بقيمتها وحينئذ يبدو الفرق بينهما واضحا جليا. ونظرا إلى أن الشيك قد تعترضه بعض المخاطر من ضياع أو سرقة أو نحوهما؛ فقد ابتدع النظام المصرفي ما يسمى بالشيك المسطر وذلك بوضع خطين متوازيين على وجه إشارة إلى تعيين أن يكون الوفاء بهذا الشيك لأحد البنوك لا لفرد أو شخص آخر فيكون على المستفيد منه أن يظهره لأحد البنوك ليتولى تحصيله لحسابه. ويكون الشيك المسطر عاما إذا لم يرد بين الخطين إشارة أو وردت عبارة صاحب مصرف أو ما يعادلها. ويكون خاصا إذا كتب بين الخطين اسم صاحب مصرف بالذات وفي ذلك تقول المادة (١١٢) من نظام الأوراق التجارية السعودي ما نصه: لا يجوز للمسحوب عليه أن يوفي شيكا مسطرا تسطيرا عاما إلا إلى أحد عملائه أو إلى بنك، ولا يجوز أن يوفي شيكا مسطرا تسطيرا خاصا إلا إلى البنك المكتوب اسمه فيما بين الخطين وإلى عميل هذا البنك إذا كان هذا الأخير هو المسحوب عليه ومع ذلك يجوز للبنك المكتوب اسمه بين الخطين أن يعهد إلى بنك آخر قبض قيمة الشيك. ا. هـ. وهناك وسيلة أخرى لاتقاء مخاطر ضياع الشيك أو سرقته أو تزويره، وهي اشتراط قيد قيمته في الحساب الجاري بدلا من دفعها بالنقود ويعترض

стр. 17325

لهذه الطريقة وجود حساب جار لحامل الشيك لدى المسحوب عليه. وفي هذا تقول المادة (١١٣) من نظام الأوراق التجارية السعودي ما نصه: يجوز لساحب الشيك أو لحامله أن يشترط عدم وفائه نقدا بأن يضع عبارة للقيد في الحساب أو أية عبارة أخرى تفيد نفس المعنى. وفي هذه الحالة لا يكون للمسحوب عليه إلا تسوية قيمة الشيك بطريق قيود كتابية كالقيد في الحساب أو النقل المصرفي أو المقاصة، وتقوم هذه القيود مقام الوفاء ولا يعتد بشطب بيان ((للقيد في الحساب)). وهناك ما يسمى بالشيك السياحي ويذكر الأستاذ علي جمال الدين عوض أن أول نشأته كانت عام ١٨٩١م بسب رحلة قام بها رئيس شركة أمريكان اكسبريس للسياحة إلى أوروبا فصادفه فيها متاعب راجعة إلى كيفية حصوله على مال يقوم بشئون حياته في هذه الرحلة فابتكر نظام الشيكات السياحية حتى ذاع استعمالها فأصبحت البنوك تصدر شيكات سياحية قابلة للصرف لدى جميع البنوك الأخرى ويذكر الأستاذ علي جمال الدين عوض أن الصورة الغالبة للشيك هي أن يصدر الشيك بفئات نقدية معينة وعلى الصك مكان يوقع فيه العميل عند استلام الشيك ومكان آخر يوقع فيه عند قبض قيمته أمام البنك الذي يدفع هذه القيمة ليتحقق من تطابق التوقيعين ومن أن الذي يستوفى القيمة هو ذات المستفيد الذي استلم الشيك ممن أصدره، وبعد الوفاء بقيمة الشيك السياحي تسوى العملية بين البنوك المشتركة في إصداره وتنفيذه بطريق المقاصة. ويذكر الأستاذ علي عوض: أن كثيرا من الشراح يستبعد الشيك السياحي من تعريف الشيك إذا تخلف بيان

стр. 17326

من البيانات اللازمة للشيك، وهو أمر غالب حيث لا يتضمن تاريخ السحب ومكان الإصدار واسم المسحوب عليه، كما ينكر عليه وصف السند الإذني أو السند لحامله كما يعرفه القانون التجاري إذ هو لا يتضمن تعهد البنك بالدفع حتى ولو تضمن أمرا للمسحوب عليه. لأن تعهد الساحب ضمنا بالوفاء عند تخلف المسحوب عليه لا يكفي لاعتبار الورقة سندا تجاريا صرفيا، كما أن وظيفة الشيك السياحي تختلف عن وظيفة السند الإذني أو السند للحامل لأن الشيك السياحي يستهدف مجرد نقل النقود ولا يستخدم أداة للائتمان وهي الوظيفة الأساسية للسندات التجارية، ومن هذا ندرك أن الشيك السياحي ورقة ابتكرها العرف وأقر حكمها بعيدا عن الأحكام التي وضعها التشريع للأوراق التي قد تشتبه بها. ا. هـ (١).

стр. 17327

الوصف الفقهي الإسلامي: مر بنا أن من خصائص الشيك أنه ليس ورقة نقدية وإنما هو وثيقة بدين تقضي بإحالته من ذمة ساحبه إلى ذمة المسحوب عليه مع بقاء مسئولية ساحبه حتى سداده. وأنه ينبغي ألا يسحب إلا على من لديه مقابل وفائه، وأنه لا يلزم لاعتباره شيكا قبول المسحوب عليه وهذه الخصائص هي خصائص الحوالة فإذا قيل بأن الشيك حوالة كان لهذا القول وجاهته ولم يرد عليه إلا مسألة ضمان الساحب قيمة الشيك حتى يتم سداده لأن الحوالة نقل الدين من ذمة إلى ذمة بمعنى براءة ذمة المحيل من المدين إذا كانت الإحالة على مليء، وقد أجابت الموسوعة الفقهية الكويتية عن هذا الاعتراض بأن الساحب يعتبر محيلا بمبلغ الشيك وضامنا سداده (١). وقد يقال بأن الشيك يعتبر في حكم ورقة نقدية وفي ذلك تقول

стр. 17328

الموسوعة الفقهية الكويتية في معرض توجيه القول بأن تسلم الشيك من المصرف بمثابة تسلم قيمته ما نصه: فإذا نظرنا إلى أن الشيكات تعتبر في نظر الناس وعرفهم وثقتهم بمثابة النقود الورقية وأنه يجرى تداولها بينهم كالنقود تظهيرا وتحويلا وأنها محمية في قوانين جميع الدول من حيث إن سحب الشيك على جهة ليس للساحب فيها رصيد يفي بقيمة الشيك المسحوب يعتبر جريمة شديدة تعاقب عليها قوانين العقوبات في الدول جميعا، إذا نظرنا إلى هذه الاعتبارات يمكن القول معها بأن تسليم المصرف الوسيط شيكا بقيمة ما قبض من طالب التحويل يعتبر بمثابة دفع بدل الصرف في المجلس. ا. هـ (١).

стр. 17329

السند الإذني السند الإذني عبارة عن التزام مكتوب وفقا لأوضاع معينة حددتها الأنظمة يتضمن تعهد شخص معين يسمى المحرر بدفع مبلغ معين من النقود في تاريخ معين أو قابل للتعيين لأمر أو لإذن شخص يسمى المستفيد. وصورته: اسم المدين: هـ ريالـ في يوم كذا شهر كذا سنة كذا ندفع بموجب هذا السند الإذني إلى وتحت إذن السيد. . . . . . . . ابن. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المبلغ المرقوم أعلاه وقدره. . . . . . . . . . . . . والقيمة وصلتنا والدفع والتقاضي في / / تحريرا في. . . /. . . /. . . المقر بما فيه (١) ويجب أن يشتمل السند الإذني على بيانات معينة جاء النص عليها في المادة السابعة والثمانين من نظام الأوراق التجارية السعودي حيث نصت على ما يلي: يشتمل السند الأمر على البيانات الآتية: (أ) شرط الأمر أو عبارة سند الأمر مكتوبة في متن السند وباللغة التي كتب بها.

стр. 17330

(ب) تعهد غير معلق على شرط بوفاء مبلغ معين من النقود. (ج) ميعاد الاستحقاق. (د) مكان الوفاء. (هـ) اسم من يجب الوفاء له أو لأمره. (و) تاريخ إنشاء السند ومكان إنشائه. (ز) توقيع من أنشأ السند - المحرر-. كما أن السند الإذني لا يعتبر صحيحا إذا خلا من البيانات المذكورة في المادة (٨٧) إلا في ثلاث حالات أبانتها المادة (٨٨) من نظام الأوراق التجارية السعودية بما يلي: المادة - ٨٨ - السند الخالي من أحد البيانات المذكورة في المادة السابقة لا يعتبر سندا لأمر إلا في الأحوال الآتية: (أ) إذا خلا السند من ميعاد الاستحقاق اعتبر واجب الوفاء لدى الاطلاع عليه. (ب) إذا خلا بيان مكان الوفاء أو موطن المحرر اعتبر مكان إنشاء السند مكانا للوفاء ومكانا للمحرر. (ج) إذا خلا بيان مكان الإنشاء اعتبر منشأ في المكان المبين بجانب اسم المحرر. وقد ذكر الدكتور محمد أمين بدر أن السند الإذني يفترق عن الكمبيالة في أنه لا يتضمن عند إنشائه إلا شخصين: المحرر وهو المدين، والمستفيد وهو الدائن ويتفرع عن هذا الفارق الجوهري سلسلة من فوارق أخرى فلا محل في السند الإذني لمقابل الوفاء ولا مجال فيه للقبول؛ لأن محرر السند ملتزم مقدما بدفع قيمته في ميعاد الاستحقاق (١).
следующие страницы →