← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

حرام دمه وماله وعرضه (١)» وقال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا (٢)» وقال ﵊: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف بها وجهه خير له من سؤال الناس أعطوه أو منعوه (٣)» «وسئل ﷺ : أي الكسب أطيب؟ فقال: عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور (٤)» وقال ﵊: «ما أكل أحد طعاما أفضل من أن يأكل من عمل يده وكان نبي الله داود يأكل من عمل يده (٥)» فهذا يبين لنا أن نظام الإسلام في المال نظام متوسط، لا مع رأس المال الغاشم من الغرب وأتباعه، ولا مع الشيوعيين الملحدين الذين استباحوا الأموال، وأهدروا حرمات أهلها، لم يبالوا بها، واستعبدوا الشعوب وقضوا عليها، واستحلوا ما حرم الله منها، فلك أن تكسب المال وتطلبه بالطرق الشرعية، وأنت أولى بمالك وبكسبك بالطريقة التي شرعها الله، وأباحها جل وعلا. والإسلام أيضا يدعو إلى الأخوة الإيمانية، وإلى النصح لله ولعباده، وإلى احترام المسلم لأخيه، لا غل ولا حسد ولا غش ولا خيانة، ولا غير ذلك من الأخلاق الذميمة، كما قال جل وعلا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٦) وقال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٧) وقال النبي ﵊: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله (٨)» الحديث، فالمسلم أخو المسلم، يجب عليه احترامه وعدم احتقاره، ويجب عليه إنصافه وإعطاؤه حقه من كل الوجوه التي شرعها الله ، وقال ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا (٩)» وقال ﷺ : «المؤمن مرآة أخيه المؤمن (١٠)» فأنت يا أخي مرآة أخيك، وأنت لبنة من البناء الذي قام عليه بنيان الأخوة الإيمانية، فاتق الله في حق أخيك، واعرف حقه، وعامله بالحق والنصح والصدق، وعليك أن تأخذ الإسلام كله ولا تأخذ جانبا دون جانب، لا تأخذ العقيدة وتدع الأحكام والأعمال، ولا تأخذ الأعمال والأحكام وتدع العقيدة، بل خذ الإسلام كله، خذه عقيدة، وعملا، وعبادة، وجهادا، واجتماعا، وسياسة، واقتصادا وغير ذلك، خذه من كل الوجوه، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (١١) قال جماعة من السلف: معنى ذلك: ادخلوا في السلم جميعه، يعني: في الإسلام، يقال للإسلام سلم؛ لأنه طريق السلامة، وطريق النجاة في الدنيا والآخرة، فهو سلم وإسلام،

стр. 1752

فالإسلام يدعو إلى السلم، يدعو إلى حقن الدماء بما شرع من الحدود والقصاص والجهاد الشرعي الصادق، فهو سلم وإسلام، وأمن وإيمان؛ ولهذا قال جل وعلا: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (١) أي: ادخلوا في جميع شعب الإيمان، لا تأخذوا بعضا وتدعوا بعضا، عليكم أن تأخذوا بالإسلام كله، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (٢) يعني: المعاصي التي حرمها الله فإن الشيطان يدعو إلى المعاصي وإلى ترك دين الله كله، فهو أعدى عدو؛ ولهذا يجب على المسلم أن يتمسك بالإسلام كله، وأن يدين بالإسلام كله، وأن يعتصم بحبل الله ، وأن يحذر أسباب الفرقة والاختلاف في جميع الأحوال، فعليك أن تحكم شرع الله في العبادات، وفي المعاملات، وفي النكاح والطلاق، وفي النفقات، وفي الرضاع، وفي السلم والحرب، ومع العدو والصديق، وفي الجنايات، وفي كل شيء. دين الله يجب أن يحكم في كل شيء، وإياك أن توالي أخاك لأنه وافقك في كذا، وتعادي الآخر لأنه خالفك في رأي أو في مسألة، فليس هذا من الإنصاف، فالصحابة ﵃ اختلفوا في مسائل ومع ذلك لم يؤثر ذلك في الصفاء بينهم والموالاة والمحبة ﵃ وأرضاهم. فالمؤمن يعمل بشرع الله، ويدين بالحق، ويقدمه على كل أحد بالدليل، ولكن لا يحمله ذلك على ظلم أخيه وعدم إنصافه إذا خالفه في الرأي في مسائل الاجتهاد التي قد يخفى دليلها، وهكذا في المسائل التي قد يختلف في تأويل النص فيها، فإنه قد يعذر، فعليك أن تنصح له، وأن تحب له الخير، ولا يحملك ذلك على العداء والانشقاق، وتمكين العدو منك ومن أخيك، ولا حول ولا قوة إلا بالله. الإسلام دين العدالة، ودين الحكم بالحق والإحسان، دين المساواة إلا فيما استثنى الله ، ففيه الدعوة إلى كل خير، وفيه الدعوة إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، والإنصاف والعدالة والبعد عن كل خلق ذميم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٤). والخلاصة: أن الواجب على الداعية الإسلامي أن يدعو إلى الإسلام كله، ولا يفرق بين الناس، وأن لا يكون متعصبا لمذهب دون مذهب، أو لقبيلة دون قبيلة، أو لشيخه أو رئيسه أو غير ذلك، بل الواجب أن يكون هدفه إثبات الحق وإيضاحه، واستقامة الناس عليه، وإن خالف رأي فلان أو فلان أو فلان، ولما نشأ في الناس من يتعصب للمذاهب

стр. 1753

ويقول: إن مذهب فلان أولى من مذهب فلان، جاءت الفرقة والاختلاف، حتى آل ببعض الناس هذا الأمر إلى ألا يصلي مع من هو على غير مذهبه، فلا يصلي الشافعي خلف الحنفي، ولا الحنفي خلف المالكي ولا خلف الحنبلي، وهكذا وقع من بعض المتطرفين المتعصبين، وهذا من البلاء ومن اتباع خطوات الشيطان، فالأئمة أئمة هدى: الشافعي، ومالك، وأحمد، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، وأشباههم كلهم أئمة هدى ودعاة حق، دعوا الناس إلى دين الله، وأرشدوهم إلى الحق، ووقع هناك مسائل بينهم، اختلفوا فيها؛ لخفاء الدليل على بعضهم، فهم بين مجتهد مصيب له أجران، وبين مجتهد أخطأ الحق فله أجر واحد، فعليك أن تعرف لهم قدرهم وفضلهم، وأن تترحم عليهم، وأن تعرف أنهم أئمة الإسلام ودعاة الهدى، ولكن لا يحملك ذلك على التعصب والتقليد الأعمى، فتقول: مذهب فلان أولى بالحق بكل حال، أو مذهب فلان أولى بالحق لكل حال لا يخطئ، لا، هذا غلط. عليك أن تأخذ بالحق، وأن تتبع الحق إذا ظهر دليله ولو خالف فلانا أو فلانا، وعليك ألا تتعصب وتقلد تقليدا أعمى، بل تعرف للأئمة فضلهم وقدرهم، ولكن مع ذلك تحتاط لنفسك ودينك، فتأخذ بالحق وترضى به، وترشد إليه إذا طلب منك، وتخاف الله وتراقبه جل وعلا، وتنصف من نفسك، مع إيمانك بأن الحق واحد، وأن المجتهدين إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد - أعني مجتهدي أهل السنة أهل العلم والإيمان والهدى - كما صح بذلك الخبر عن رسول الله ﷺ . * * *

стр. 1754

أما المقصود من الدعوة والهدف منها فالمقصود والهدف إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وإرشادهم إلى الحق حتى يأخذوا به، وينجوا من النار، وينجوا من غضب الله، وإخراج الكافر من ظلمة الكفر إلى النور والهدى، وإخراج الجاهل من ظلمة الجهل

стр. 1755

إلى نور العلم، والعاصي من ظلمة المعصية إلى نور الطاعة، هذا هو المقصود من الدعوة، كما قال جل وعلا: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (١) فالرسل بعثوا ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، ودعاة الحق كذلك يقومون بالدعوة وينشطون لها؛ لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولإنقاذهم من النار ومن طاعة الشيطان، ولإنقاذهم من طاعة الهوى إلى طاعة الله ورسوله. . أما أخلاق الدعاة وصفاتهم التي ينبغي أن يكونوا عليها فقد أوضحها الله جل وعلا في آيات كثيرة منها الإخلاص، فيجب على الداعية أن يكون مخلصا لله لا يريد رياء ولا سمعة ولا ثناء الناس ولا حمدهم، إنما يدعو إلى الله يريد وجهه ، كما قال سبحانه ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) وقال : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ (٣) فعليك أن تخلص لله ، هذا أهم الأخلاق، هذا أعظم الصفات أنت تكون في دعوتك تريد وجه الله والدار الآخرة. الأمر الثاني: أن تكون على بينة في دعوتك، أي على علم، لا تكن جاهلا بما تدعو إليه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (٤) فلا بد من العلم، فالعلم فريضة، فإياك أن تدعو على جهالة، وإياك أن تتكلم فيما لا تعلم، فالجاهل يهدم ولا يبني، ويفسد ولا يصلح، فاتق الله يا عبد الله، إياك أن تقول على الله بغير علم، لا تدعو إلى شيء إلا بعد العلم به والبصيرة بما قاله الله ورسوله، فلا بد من بصيرة وهي العلم، فعلى طالب العلم وعلى الداعية أن يتبصر فيما يدعو إليه، وأن ينظر فيما يدعو إليه ودليله، فإن ظهر له الحق وعرفه دعا إلى ذلك، سواء كان ذلك فعلا أو تركا، فيدعو إلى الفعل إذا كان طاعة لله ورسوله، ويدعو إلى ترك ما نهى الله عنه ورسوله على بينة وبصيرة.

стр. 1756

الأمر الثالث: من الأخلاق التي ينبغي لك أن تكون عليها أيها الداعية أن تكون حليما في دعوتك، رفيقا فيها، متحملا صبورا، كما فعل الرسل -عليهم الصلاة والسلام- إياك والعجلة، إياك والعنف والشدة، عليك بالصبر، عليك بالحلم، عليك بالرفق في دعوتك، وقد سبق لك بعض الدليل على ذلك، كقوله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (٢) الآية، وقوله جل وعلا في قصة موسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٣) وفي الحديث الصحيح يقول النبي ﷺ : «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به ومن ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه (٤)» فعليك يا عبد الله، أن ترفق في دعوتك، ولا تشق على الناس، ولا تنفرهم من الدين، ولا تنفرهم بغلظتك ولا بجهلك، ولا بأسلوبك العنيف المؤذي الضار، عليك أن تكون حليما صبورا، سلس القياد، لين الكلام، طيب الكلام؛ حتى تؤثر في قلب أخيك، وحتى تؤثر في قلب المدعو، وحتى يأنس لدعوتك ويلين لها، ويتأثر بها، ويثني عليك بها، ويشكرك عليها، أما العنف فهو منفر لا مقرب، ومفرق لا جامع. . . ومن الأخلاق والأوصاف التي ينبغي، بل يجب أن يكون عليها الداعية، العمل بدعوته، وأن يكون قدوة صالحة فيما يدعو إليه، ليس ممن يدعو إلى شيء ثم يتركه، أو ينهى عنه ثم يرتكبه، هذه حال الخاسرين، نعوذ بالله من ذلك، أما المؤمنون الرابحون فهم دعاة الحق يعملون به وينشطون فيه ويسارعون إليه، ويبتعدون عما ينهون عنه، قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٥) ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٦) وقال سبحانه موبخا اليهود على أمرهم الناس بالبر ونسيان أنفسهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٧).

стр. 1757

وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور فيها كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع عليه أهل النار فيقولون له يا فلان ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول بلى كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه (١)» هذه حال من دعا إلى الله وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ثم خالف قوله فعله وفعله قوله، نعوذ بالله من ذلك، فمن أهم الأخلاق ومن أعظمها في حق الداعية أن يعمل بما يدعو إليه، وأن ينتهي عما ينهى عنه، وأن يكون ذا خلق فاضل، وسيرة حميدة، وصبر ومصابرة، وإخلاص في دعوته، واجتهاد فيما يوصل الخير إلى الناس، وفيما يبعدهم من الباطل، ومع ذلك يدعو لهم بالهداية، هذا من الأخلاق الفاضلة، أن يدعو لهم بالهداية ويقول للمدعو: هداك الله، وفقك الله لقبول الحق، أعانك الله على قبول الحق، تدعوه وترشده وتصبر على الأذى، ومع ذلك تدعو له بالهداية، قال النبي ﵊ لما قيل عن دوس: إنهم عصوا، قال: «اللهم اهد دوسا وائت بهم (٢)» تدعو له بالهداية والتوفيق بقبول الحق، وتصبر وتصابر في ذلك، ولا تقنط ولا تيأس، ولا تقل إلا خيرا، لا تعنف ولا تقل كلاما سيئا ينفر من الحق، ولكن من ظلم وتعدى له شأن آخر، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٣). * فالظالم الذي يقابل الدعوة بالشر والعناد والأذى له حكم آخر، في الإمكان تأديبه على ذلك بالسجن أو غيره، ويكون تأديبه على ذلك على حسب مراتب الظلم، لكن ما دام كافا عن الأذى فعليك أن تصبر عليه، وتحتسب، وتجادله بالتي هي أحسن، وتصفح عما يتعلق بشخصك من بعض الأذى، كما صبر الرسل وأتباعهم بإحسان. * وأسأل الله أن يوفقنا جميعا لحسن الدعوة إليه، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا، وأن يمنحنا جميعا الفقه في دينه، والثبات عليه، ويجعلنا من الهداة المهتدين، والصالحين المصلحين، إنه جل وعلا جواد كريم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 1758

وعد بطائفة ناجية فضيلة الشيخ عثمان الصالح رئيس التحرير كان عبد الرحمن بن شماسة المهري عند مسلمة بن مخلد وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص. فقال عبد الله: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق هم شر من أهل الجاهلية لا يدعون الله بشيء إلا رده عليهم. . ! فقال له مسلمة: يا عقبة اسمع ما يقول عبد الله. فقال عقبة: هو أعلم. وأما أنا فسمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم. . لا يضرهم من خالفهم. . حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك (١)» *

стр. 1759

فقال عبد الله: أجل! ثم يبعث الله ريحا كريح المسك مسها مس الحرير فلا تترك نفسا في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته. ثم يبقى شرار الناس. . عليهم تقوم الساعة (١). فهذا إذن أمل بوعد. ممن؟؟ من رسول الله ﷺ : بماذا؟ بطائفة. . أو عصابة. . أو قوم. البخاري يصفهم فيقول: هم أهل العلم. . وأحمد بن حنبل يقول: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم؟ ويقول القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة. أما النووي فيقول: يحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين. وألفت نظرك قارئي العزيز وأخي في الإسلام إلى كلمة: أنواع المؤمنين، ذلك أننا إذا عدنا للنووي ﵀ وجدناه يصنفهم. . ويعدد أنواعهم فماذا يقول؟ إنه يقول: إنهم ١. شجعان مقاتلون. ٢. فقهاء. ٣. محدثون. ٤. زهاد. ٥. آمرون بالمعروف وناهون عن المنكر. ويستطرد فيقول: ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونوا متفرقين في أنحاء الأرض أخرجه مسلم.

стр. 1760

- ألا ترى أن أمتنا الحبيبة محتاجة أشد ما تكون الحاجة إلى هذه النوعية من المؤمنين. - تحتاج كل نوع على حدة. - ثم هي في أمس الحاجة لمن تتجمع فيه هذه الصفات أو بعضها. - ألا نفتقر للفقيه مقاتلا. - وإلى الزاهد آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر. - وإلى الشجاع الفقيه المحدث الزاهد الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر. ثم إذا عدنا فنظرنا لذلك نظرة زمن نعاصره. أفلا ترانا نحتاج للصحافي فقيها. . والطبيب زاهدا. وإلى الجندي في الجيش آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر. . وإلى الموظف خلف مكتبه مخلصا لله متفانيا في خدمة جمهوره من المسلمين لا يبتغي من وراء ذلك جزاء ولا شكورا. . !!. * * *

стр. 1761

نحن موعودون إذن بقوة متصلة تقاتل على أمر الله. وعد محقق. . كان في الماضي. . ويقوم في الحاضر. . وسوف يكون في المستقبل. . يعبر عن ذلك وعده ﷺ المكنون في كلمة: لا تزال. .

стр. 1762

كما أننا من جانب آخر لدينا أمل محقق بوعد منه أيضا ﷺ بالتجديد. . واسمع الحديث وتذاكر معي مغزى أراده رسول الله ﷺ أن ينتقل إلينا عبر العصور. . وماذا أراد بأن يوحي في قلوب المؤمنين به. عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها (١)» وقال الخطيب في التاريخ: وقد اعتمد الأئمة في هذا الحديث، فروينا في المدخل للبيهقي بإسناده إلى الإمام أحمد أنه قال بعد ذكره إياه: فكان في المائة الأولى عمر بن عبد العزيز وفي الثانية الشافعي. وعده ﷺ بالتجدد على رأس كل مائة عام تحتاج لتأمل. . فحضارتنا الإسلامية لن ينطبق عليها ما يقال عن الحضارات من طفولة يعقبها شباب فكهولة. كلا. . وإنما هو التجدد. . ومعنى هذا أيضا أن هذه الأمة لا تيأس أو أنه لا ينبغي لها أن يصيبها اليأس. فطالما أنه لا تزال فيها طائفة أو عصابة أو فريق يقاتل على أمر الله يقهر عدونا. . ولا يضره من خالفه. . فكيف يتسلل إلينا اليأس؟؟

стр. 1763

والواجب الثاني. . والذي يتفرع عن وجود هذه الطائفة والتي يؤكدها حديثه ﷺ المروي عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : «افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة (١)» وفي رواية أخرى عند أبي داود «اثنتان وسبعون في النار. . وواحدة في الجنة وهي الجماعة (٢)» ومعنى هذا واضح. . فأمتنا ستفترق. . وستفترق على اثنتين وسبعين فرقة. . . ورغم ذلك فالوعد قائم. . بالتجديد والطائفة الناجية. . وواجب على العلماء خاصة والمسلمين عامة أن يفتش كل منهم. . وأن يكد بحثا عن الفرقة الناجية ليجعل موقفه بجوارها. . وأن يسخر قلبه وعقله ولسانه وماله للوقوف إلى جوار الحق حيثما كان موضعه لا يؤخره عن ذلك ارتباط بعرق. . أو جاه. . أو مال. . أو وطن. . هذا واجب بالبحث تقف له بالمرصاد زينة الشهوات المبثوثة من الشيطان ونسله في عصرنا الحاضر. . ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (٣).

стр. 1764

تلك الشهوات لم تتغير. . ولا نظنها تتغير. .! شهوات عصرهم. . شهوات عصرنا. . وهم قد اجتازوها فكانوا. . ونحن نأمل من بعدهم أن نجتازها فنكون. هذا واجب فردي يتم بالمناجاة الخالصة بين كل منا وربه. .

стр. 1765

والواجب الثالث وهو مرتب على الواجب الثاني. ألا يكتفي المسلم منا بالوقوف إلى جوار الفرقة الناجية بعد البحث والتقصي بقلبه وعقله وبمشاعره ومواقفه. . ولكن عليه أيضا أن يدعو الآخرين إلى سبيل ربه فالمسلم مرتبط ارتباطا عضويا بكل مسلم آخر، تتهاوى أمام هذا الارتباط الجبال وتعبر البحار والمحيطات. . وتلغى الحدود وتتحطم العصبيات. وهذا واجب دعوة من جانب وتصحيح من جانب آخر يجعلنا مسئولين مسئولية مباشرة عما يحدث في البيت والشارع والمدرسة وأجهزة الإعلام من النشرة والكتاب إلى المذياع والتلفاز. . والكلمة في هذا منطوقة أو مكتوبة أمانة ومسئولية باهظة لا نقف حيالها مكتوفي الأيدي خرس الألسن. . والكلمة لها في ضميرنا المسلم ما لها من خطورة التأثير المتنامي في دورة حياة المجتمع كله. واسمع هذا الحديث الشريف مصداقا لما نقول، فعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:

стр. 1766

«إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي بها بالا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي بها بالا يهوي بها في جهنم (١)». «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي بها بالا يرفعه الله بها درجات (٢)». . . «وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي بها بالا يهوي بها في جهنم (٣)». إلى هذا الحد تكون الكلمة. . تقدمه إلى طريق الجنة أو تهوي به في النار. . أليست الكلمة تؤدي إلى القرار. . والقرار إلى القرار يشكل مصير أمة. وهكذا يجري كل ذلك في باطن هذه الأمة، وبالحيوية التي تجري في عروقها وبروحها المتدفقة بالحب الشامل تحمل العطاء النابض بالرحمة والبر كافة للعالمين. وكما يقول صلوات الله وسلامه عليه: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه (٤)». . وهكذا فإنه من هذه البلاد المملكة العربية السعودية. . قادة ودعاة للحق بأفكارهم تنطلق هذه المجلة من هيئة كبار علمائها. .

стр. 1767

ومن الرئاسة العامة لبحوثها. . نداء لكل مسلم في أرجاء المعمورة. . تدعوه بحق أن يقرأ ما فيها وليرى قبسا من الدين وضوءا من الحق سداه ولحمته (لا إله إلا الله محمد رسول الله). هذه نفثات قلب يتأمل أحوالنا نحن معشر المسلمين. . وهو حديث الروح للأرواح يأمل أن يسري وأن تدركه القلوب بلا عناء وأن تلتقطه آذان واعية. . وأن تتفتح له قلوب تنعطف للإسلام روحا وليس شكلا ميتا وهو إذ يرى ما يحتاج المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها وهو كثير لا يجفل. .! ولا ييأس. . لا ييأس. . لأنه يوقن أن حل كل ذلك بين أيدينا. . وهو على الأصح في أعماق قلوبنا. . وهو حل سهل ميسور ذلك أن في أجسادنا مضغة. . إذا صلحت صلح الجسد كله ألا إنها القلب. . ألا إنها القلب. . . ألا إنها القلب. . . ولا يصلح القلب إلا التزام صادق صاف بعقيدتنا

стр. 1768

وبهذا نسترد دورنا في قيادة الإنسانية وبذلك تشرق شمس الإسلام على عالمنا من جديد ولنتل معا قوله وقوله الحق: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١). وقوله تعالى ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢).

стр. 1769

حكم تشريح جثة المسلم هيئة كبار العلماء

стр. 1770

الحمد لله وحده وبعد. . . فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورته التاسعة المنعقدة في مدينة الطائف في شهر شعبان عام ١٣٩٦ هـ. موضوع (حكم تشريح جثة مسلم من أجل تحقيق مصالح وخدمات طبية) مشفوعا بالبحث المعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ورغبة في إطلاع قراء (مجلة البحوث الإسلامية) على هذا البحث القيم ننشره بنصه:

стр. 1771

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وبعد: فبناء على ما رآه مجلس هيئة كبار العلماء في الدورة الثامنة المنعقدة بالرياض في شهر ربيع الآخر عام ٩٦ هـ من إعداد بحث في (حكم تشريح جثة مسلم من أجل تحقيق مصالح وخدمات طبية) وإدراج ذلك في جدول أعمال الدورة التاسعة - أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك وضمنته ما يلي: أولا: بيان حرمة المسلم، ووجوب تكريمه حيا وميتا، وعصمة دمه حيا. ثانيا: بيان أقسام التشريح، والحاجة الداعية إلى كل قسم منها، وما يترتب على ذلك من مصالح. ثالثا: ذكر نقول عن علماء الإسلام فيها استثناء حالات دعت الضرورة فيها إلى إباحة دم المسلم، واقتضت شق جسمه أو جثته أو قطع عضو منه حيا أو ميتا. رابعا: المقارنة بين ما أباحه علماء الإسلام من ذلك بدافع الضرورة وتحقيق المصلحة وما يجريه الأطباء على جثث الأموات لمصالح طبية أو مصالح عامة، كإثبات الحقوق وحفظ الأمن وتحقيق السلام والاطمئنان، ثم بيان ما يترتب على ذلك من منع التشريح أو إباحته. والله الموفق.

стр. 1772

الموضوع الأول بيان حرمة المسلم ووجوب تكريمه حيا أو ميتا وعصمة دمه ووجوب حقنه حيا ثبتت عصمة دم المسلم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، فلا يحل لأحد أن يسفك دم مسلم أو يجني على بشرته أو عضو من أعضائه إلا إذا ارتكب من الجرائم ما يبيح ذلك منه، أو يوجبه شرعا، كأن يقتل مؤمنا عمدا عدوانا، أو يزني وهو محصن، أو يترك دينه ويفارق الجماعة، أو يحارب الله ورسوله ويسعى في الأرض فسادا أو نحو ذلك مما أوجبت الشريعة فيه قصاصا أو حدا أو تعزيرا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ (١) إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ (٣). وعن أبي بكر ﵁ قال: «خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر قال: أتدرون أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه.

стр. 1773

قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى. قال: أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى. قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليست البلدة الحرام. قلنا: بلى. قال: فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض (١)». وعن ابن مسعود قال: قال ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين، التارك الجماعة (٢)». كما وردت نصوص كثيرة في تكريمه ورعاية حرمته بعد موته ففي سنن أبي داود وغيره أن النبي صلى الله

стр. 1774

عليه وسلم قال: «كسر عظم الميت ككسره حيا (١)» وثبت «أن النبي ﷺ نهى عن الجلوس على القبور (٢)»، إلى غير ذلك مما يدل على عصمة دم المسلم ووجوب تكريمه حيا أو ميتا حتى صار ذلك معلوما من الدين بالضرورة، فأغنى عن الاستدلال عليه. ويلتحق بالمسلم في عصمة دمه وحرمته في الجملة من كان معاهدا، سواء كان عهده عن صلح أو أمان أو اتفاق على جزية، فلا يحل دمه ولا إيذاؤه ما دام في عهده، ولا تحل إهانته بعد وفاته؛ لعموم قوله تعالى ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣) ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٤). وقوله ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (٥) ولما ثبت أن رسول الله ﷺ قال: «من قتل معاهدا في غير كنهه حرم الله عليه الجنة (٦)» وقال: «من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما (٧)» وما ثبت في حديث علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده، من أحدث حدثا فعلى نفسه، ومن أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (٨)». وما رواه أبو داود في سننه عن سليم بن عامر - رجل من حمير - أنه كان بين معاوية وبين الروم عهد وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا انقضى العهد غزاهم فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر الله أكبر، وفاء لا غدر، فنظروا فإذا هو عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية فسأله، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء (٩)» فرجع معاوية. بل جاء الإسلام بحقن دماء أولاد الكفار المحاربين ونسائهم، وتحريم التمثيل بقتلاهم في الجملة عدلا منه ورحمة، كما هو معروف في حديث بريدة بن الحصيب وغيره في ذلك، وفي سند أبي داود وغيره أن النبي ﷺ قال: «كسر عظم الميت ككسره حيا (١٠)».

стр. 1775

الموضوع الثاني بيان أقسام التشريح والضرورة الداعية إلى كل منها وما يترتب على ذلك من مصالح ينقسم التشريح من حيث الغرض منه ثلاثة أقسام: أ - التشريح لمعرفة سبب الوفاة عند الاشتباه في جريمة، ويسمى الطب الشرعي. ب - التشريح لمعرفة سبب الوفاة عموما، ويسمى التشريح المرضي. ج _ التشريح لمعرفة تركيب الجسم وأعضائه وغير ذلك من أجل تعلم الطب عموما. وليس المقصود من البحث الاستقصاء في معرفة تفاصيل ما كتب عن هذه الأقسام؛ إذ ليس الغرض تعلم أنواع التشريح أو نوع منه، وإنما المقصود معرفة الحاجة إليه ومداها، وما يترتب عليه من مصالح عامة أو خاصة تحول الحكم عليه بالمنع أو الجواز، فكان من المناسب، الوقوف بالبيان عند الحد الذي يمكن معه الحكم. ففي القسم الأول يقوم الطبيب الشرعي بتشريح الجثة عند الاشتباه في جريمة ليعرف ما إذا كانت الوفاة بخنق أو وخز أو ضرب بمحدد أو سقي سم أو غير ذلك من ألوان الاعتداء، فتثبت الجريمة في نفسها ثم يبحث في المتهم عن أمارات قد تصله بالجريمة أو تنتهي إلى اعترافه بها، وفي هذا إثبات للحق والحد من الاعتداء وردع من تسول له نفسه أن يقتل خفية أو بوسائل يرى فيها الخلاص من ضبطه وعقوبته، وبهذا تحقن الدماء وتحفظ النفوس ويعم الأمن والاطمئنان، وقد ينتهي التشريح بإثبات الوفاة بسبب عادي لا اعتداء فيه أو باعتداء من الشخص على نفسه، ويتأكد ذلك بمعرفة أحواله والأمور الملابسة له مما قد يحدث له أزمات ومضايقات نفسية؛ وبهذا تذهب الظنون والأوهام، ويخلى سبيل المتهم، وربما يعثر على بعض الجثة، وبالبحث عن باقيها يعثر

стр. 1776

على أجزاء أخرى قد تكون منها، وقد تكون من غيرها، فيعرف الطبيب الشرعي بالتشريح أوصاف كل جزء ومميزاته من حيث السن والذكورة والأنوثة، وطول العظام وقصرها وخواص الجلد، وما إلى ذلك من الأوصاف المميزة، وقد يتوصل بذلك إلى أن الأجزاء من جثة واحدة أو أكثر، وربما انتهى الأمر بالبحث والاستقصاء إلى نتيجة تعود على أولياء الدم بالخير، وعلى الأمة بالأمن والاطمئنان. وفي القسم الثاني من التشريح يعرف الطبيب المرض الذي سبب الوفاة وقد تكثر الوفاة بسبب هذا المرض ويخشى على الأمة انتشار الوباء فيها، فيبلغ الطبيب أولياء الأمور ليقوموا بما يلزم للحد من انتشار هذا المرض أو القضاء عليه. وفي القسم الثالث يقوم الطلاب بتشريح أجسام الموتى تحت إشراف الأطباء لمعرفة تركيب الجسم وأعضائه الظاهرة ومفاصلها، ومعرفة أجهزته ومكان كل جهاز منها ووظيفته وحجمه ومقاسه صحيحا أو مريضا، وعلامة مرضه وكيفية علاجه وغير ذلك مما يحتاج إلى معرفته طلاب كلية الطب في مراحل الدراسة للنهوض بهم علميا وعمليا، وإعدادهم لخدمة الأمة في مختلف الجوانب الصحية، ووقاية منها، وتشخيصا وعلاجا لها. هذه وغيرها هي الدواعي التي دعت المسئولين عامة وعلماء الطب خاصة إلى الإقدام على تشريح جثث الموتى، وترخص للمسلمين منهم في ذلك مع اعتقادهم حرمة المسلم ومن في حكمه ووجوب تكريمه، لكن هل يكفي ذلك مبررا للتشريح ومرخصا فيه أو موجبا له؟ هذا مما يتبين إن شاء الله بعد بحث الموضوعات التالية.

стр. 1777

الموضوع الثالث ذكر نقول عن علماء الإسلام فيها استثناء حالات دعت الضرورة فيها إلى إباحة دم المسلم واقتضت شق جسمه حيا أو جثته ميتا أو قطع عضو منه حيا أو ميتا تمهيد نظرا إلى أن من أقدم على التشريح من علماء الطب والمسئولين في الأمم قد بنوا ذلك على ما شعروا به من الحاجة إليه، وما اعتقدوه من المصالح الخاصة والعامة المترتبة عليه، ونظرا إلى أن علماء الإسلام قد بنوا ما استثنوه من القاعدة العامة في عصمة دم المسلم ومن في حكمه ووجوب رعاية حرمته على الحاجة والمصلحة كان لزاما علينا أن نمهد بكلمة في أنواع المصلحة ومراتبها، ثم نتبع ذلك بأقوال علماء الإسلام في المسائل المستثناة، ليتبين بذلك ما ينهض من المصالح للاعتبار وبناء الأحكام عليه وما ينزل منها عن درجة الاعتبار، فلا تبنى عليه الأحكام. فسر العلماء المصلحة بجلب المنفعة أو دفع المضرة، وقسموها من حيث شهادة نص معين لها بالاعتبار أو عليها بالإلغاء أو عدم شهادته لها أو عليها ثلاثة أقسام: الأول: مصلحة شهد لها نص معين بالاعتبار كالحدود التي شرعت نصا لحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، فهذه مصلحة معتبرة شرعا.

стр. 1778

والثاني: مصلحة شهد النص المعين بإلغائها كإيجاب صيام شهرين متتابعين كفارة على من جامع من الملوك ومن في حكمهم عمدا في نهار رمضان وهو صائم ولم ير العتق مجزئا لكونه غير رادع لمثله، لسهولته بالنسبة له فهذه مصلحة ملغاة. والثالث: مصلحة لم يشهد لها نص معين باعتبارها ولا إلغائها ومثلوا لها بإلزام الولاة رعيتهم بدفع ضرائب عند شدة الحاجة إليها، ويسمى هذا القسم بالمصلحة المرسلة، وفي الاحتجاج بها خلاف مشهور بين أئمة الفقهاء فمنهم من اعتبرها ومنهم من ألغاها، ومنهم من اعتبرها إذا كانت واقعة في رتبة الضرورات دون الحاجات والتحسينات. وذلك أنها تقسم من حيث القوة إلى ثلاث مراتب: واقعة في رتبة الضرورات وواقعة في رتبة الحاجات، وواقعة في رتبة التحسينات، فأقواها الأولى ثم الثانية ثم الثالثة. وقد ذكر الغزالي (١) تفصيل ذلك وفيما يلي نصه: الأصل الرابع من الأصول الموهومة: الاستصلاح وقد اختلف العلماء في جواز اتباع المصلحة المرسلة ولا بد من كشف معنى المصلحة وأقسامها فنقول: المصلحة بالإضافة إلى شهادة الشرع ثلاثة أقسام: قسم شهد الشرع لاعتبارها. وقسم شهد لبطلانها. وقسم لم يشهد الشرع لا لبطلانها ولا لاعتبارها. أما ما شهد الشرع لاعتبارها فهي حجة ويرجع حاصلها إلى القياس وهو اقتباس الحكم من معقول النص والإجماع، وسنقيم الدليل عليه في القطب الرابع فإنه نظر في كيفية استثمار الأحكام من الأصول المثمرة ومثاله حكمنا أن كل ما أسكر من مشروب أو مأكول فيحرم قياسا على الخمر؛ لأنها حرمت لحفظ العقل الذي هو مناط التكليف فتحريم الشرع الخمر دليل على ملاحظة هذه المصلحة.

стр. 1779

القسم الثاني: ما شهد الشرع لبطلانها، مثاله: قول بعض العلماء لبعض الملوك لما جامع في نهار رمضان إن عليك صوم شهرين متتابعين، فلما أنكر عليه حيث لم يأمره بإعتاق رقبة مع اتساع ماله قال: لو أمرته بذلك لسهل عليه واستحقر إعتاق رقبة في جنب قضاء شهوته، فكانت المصلحة في إيجاب الصوم لينزجر به فهذا قول باطل، ومخالف لنص الكتاب بالمصلحة، وفتح هذا الباب يؤدي إلى تغيير جميع حدود الشرائع ونصوصها بسبب تغير الأحوال، ثم إذا عرف ذلك من صنيع العلماء لم تحصل الثقة للملوك بفتواهم وظنوا أن كل ما يفتون به فهو تحريف من جهتهم بالرأي. القسم الثالث: ما لم يشهد له من الشرع بالبطلان ولا بالاعتبار نص معين وهذا في محل النظر، فلنقدم على تمثيله تقسيما آخر وهو أن المصلحة باعتبار قوتها في ذاتها تنقسم إلى ما هي في رتبة الحاجات، وإلى ما يتعلق بالتحسينات والتزيينات وتتقاعد أيضا عن رتبة الحاجات، ويتعلق بأذيال كل قسم من الأقسام ما يجري منها مجرى التكملة والتتمة لها. ولنفهم أولا معنى المصلحة، ثم أمثلة مراتبها: أما المصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة، ولسنا نعني به ذلك فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم، وأنفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة، وإذا أطلقنا المعنى المخيل والمناسب في كتاب القياس أردنا به هذا الجنس، وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات فهي أقوى المراتب في المصالح، ومثاله قضاء الشرع بقتل الكافر المضل وعقوبته المبتدع الداعي إلى بدعته، فإن هذا يفوت على الخلق دينهم، وقضاؤه بإيجاب القصاص إذ به حفظ النفوس، وإيجاب حد الشرب إذ به حفظ العقول التي هي ملاك التكليف، وإيجاب حد الزنا إذ به حفظ النسل والأنساب، وإيجاب زجر الغصاب والسراق إذ به يحصل حفظ الأموال التي هي معاش الخلق وهم مضطرون إليها، وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل ألا تشتمل عليه ملة من الملل وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق، ولذلك لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر، والقتل، والزنا، والسرقة، وشرب المسكر، أما ما يجري مجرى التكملة والتتمة لهذه المرتبة فكقولنا: المماثلة مرعية في استيفاء القصاص لأنه مشروع للزجر والتشفي ولا يحصل ذلك إلا بالمثل، وكقولنا: القليل من الخمر إنما حرم لأنه يدعو إلى الكثير فيقاس عليه النبيذ فهذا دون الأول، ولذلك اختلفت فيه الشرائع، أما تحريم السكر فلا تنفك عنه شريعة؛ لأن السكر يسد باب التكليف والتعبد.

стр. 1780

الرتبة الثانية: ما يقع في رتبة الحاجات من المصالح والمناسبات كتسليط الولي على تزويج الصغيرة والصغير، فلذلك لا ضرورة إليه، لكنه يحتاج إليه في اقتناء المصالح وتقييد الاكتفاء خيفة من الفوات واستغناما للصلاح المنتظر في المأكل، وليس هذا كتسليط الولي على تربيته وإرضاعه وشراء الملبوس والمطعوم لأجله فإن ذلك ضرورة لا يتصور فيها اختلاف المطلوب بها مصالح الخلق، أما النكاح في حال الصغر فلا يرهق إليه توقان شهوة ولا حاجة تناسل، بل يحتاج إليه لصلاح المعيشة باشتباك العشائر، والتظاهر بالأصهار وأمور من هذا الجنس لا ضرورة إليها، أما ما يجري مجرى التتمة لهذه الرتبة فهو كقولنا لا تزوج الصغيرة إلا من كفء بمهر مثل، فإنه أيضا مناسب، ولكنه دون أصل الحاجة إلى النكاح ولهذا اختلف العلماء فيه. الرتبة الثالثة: ما لا يرجع إلى ضرورة ولا إلى حاجة، ولكن يقع موقع التحسن والتزيين والتيسير للمزايا والمزائد ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات مثاله: سلب العبد أهلية الشهادة مع قبول فتواه وروايته، من حيث أن العبد نازل القدر والرتبة، ضعيف الحال والمنزلة باستسخار المالك إياه. فلا يليق بمنصبه التصدي للشهادة، أما سلب ولايته فهو من مرتبة الحاجات لأن ذلك مناسب للمصلحة إذ ولاية الأطفال تستدعي استغراقا وفراغا، والعبد مستغرق بالخدمة، فتفويض أمر الطفل إليه إضرار بالطفل، أما الشهادة فتتفق أحيانا كالرواية والفتوى ولكن قول القائل: سلب منصب الشهادة لخسة قدرة ليس كقوله: سلب ذلك لسقوط الجمعة عنه، فإن ذلك لا يشم منه رائحة مناسبة أصلا وهذا لا ينفك عن الانتظام لو صرح به الشرع، ولكن تنتفي مناسبته بالرواية والفتوى بل ذلك ينقص عن المناسب إلى أن يعتذر عنه، والمناسب قد يكون منقوصا فيترك أو يحترز عنه بعذر أو تقييد كتقييد النكاح بالولي لو أمكن تعليله بفتور رأيها في انتفاء الأزواج وسرعة الاغترار بالظواهر لكان واقعا في الرتبة الثانية، ولكن لا يصح ذلك في سلب عبارتها وفي نكاح الكفء، فهو في الرتبة الثالثة؛ لأن الأليق بمحاسن العادات استحياء النساء عن مباشرة العقد لأن ذلك يشعر بتوقان نفسها إلى الرجال، ولا يليق ذلك بالمروءة، ففوض الشرع ذلك إلى الولي حملا للخلق على أحسن المناهج وكذلك تقييد النكاح بالشهادة لو أمكن تعليله بالإثبات عند النزاع لكان من قبيل الحاجات، ولكن سقوط الشهادة على رضاها يضعف هذا المعنى فهو لتفخيم أمر النكاح وتمييزه عن السفاح بالإعلان والإظهار عند من له رتبة ومنزلة، وعلى الجملة فيلحق برتبة التحسينات، فإذا عرفت هذه الأقسام فنقول: الواقع في الرتبتين الأخيرتين لا يجوز الحكم بمجرده إن لم يعتضد بشهادة أصل كأن يجري مجرى الضروريات فلا يبعد أن يؤدي إلى اجتهاد مجتهد، وإن لم يشهد له الشرع بالرأي فهو كالاستحسان، فإن اعتضد بأصل فذاك قياس. أما الواقع في رتبة الضرورات فلا بعد في أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، وإن لم يشهد له أصل معين ومثاله: أن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين فلو كففنا عنهم لصدمونا، وغلبوا على دار الإسلام وقتلوا كافة المسلمين، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلما معصوما لم يذنب ذنبا وهذا لا عهد به في الشرع ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم، ثم يقتلون الأسارى أيضا، فيجوز أن يقول قائل: هذا الأسير

стр. 1781

مقتول بكل حال، فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع، لأنا نعلم قطعا أن مقصود الشرع تقليل القتل، كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على التقليل وكان هذا التفاتا إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصود الشرع، لا بدليل واحد وأصل معين، بل بأدلة خارجة عن الحصر، لكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق وهو قتل من لم يذنب غريب لم يشهد له أصل معين فهذا مثال مصلحة غير مأخوذ بطريق القياس على أصل معين، وانقدح اعتبارها باعتبار ثلاثة أوصاف كلها ضرورية قطعية كلية، وليس في معناها ما لو تترس الكفار في قلعة بمسلم، إذ لا يحل رمي الترس، إذ لا ضرورة وفينا غنية عن القلعة فنعدل عنها، إذ لم نقطع بظفرنا بها؛ لأنها ليست قطعية بل ظنية، وليس في معناها جماعة في سفينة لو طرحوا واحدا منهم لنجوا وإلا غرقوا بجملتهم لأنها ليست كلية إذ يحصل بها هلاك عدد محصور، وليس ذلك كاستئصال كافة المسلمين؛ لأنه ليس يتعين واحد للإغراق إلا أن يتعين بالقرعة، ولا أصل لها، وكذلك جماعة في مخمصة لو أكلوا واحدا بالقرعة لنجوا فلا رخصة فيه؛ لأن المصلحة ليست كلية، وليس في معناها قطع اليد للأكلة حفظا للروح، فإنه تنقدح الرخصة فيه لأنه إضرار به لمصلحته، وقد شهد الشرع للإضرار بشخص في قصد صلاحه كالفصد والحجامة وغيرهما، وكذا قطع المضطر قطعة من فخذه إلى أن يجد الطعام فهو كقطع اليد، لكن ربما يكون القطع سببا ظاهرا في الهلاك فيمنع منه؛ لأنه ليس فيه يقين الخلاص، فلا تكون المصلحة قطعية، وبعد أن ذكر حكم الضرب في التهمة وقتل الزنديق ولو تاب، والساعي في الأرض بالفساد بالدعوة إلى البدعة، وإغراء الظلمة بالناس وأموالهم وحرماتهم ودمائهم وإثارة الفتن. . . قال: فإن قيل فإذا تترس الكفار بالمسلمين فلا نقطع بتسلطهم على استئصال الإسلام لو لم يقصد الترس بل يدرك ذلك بغلبة الظن (قلنا): لا جرم، ذكر العراقيون في المذهب وجهين في تلك المسألة وعللوا بأن ذلك مظنون، ونحن إنما نجوز ذلك عند القطع أو الظن القريب من القطع (١). والظن القريب من القطع إذا صار كليا وعظم الخطر فيه فتحتقر الأشخاص الجزئية بالإضافة إليه، (فإن قيل): إن توقفنا عن الساعي في الأرض بالفساد ضررا كليا بتعريض أموال المسلمين ودماءهم للهلاك وغلب ذلك على الظن بما عرف من طبيعته وعادته المجربة طول عمره (قلنا): لا يبعد أن يؤدي اجتهاد مجتهد إلى قتله إذا كان كذلك بل هو أولى من الترس، فإنه لم يذنب ذنبا، وهذا قد ظهرت منه جرائم توجب العقوبة وإن لم توجب القتل، وكأنه التحق بالحيوانات الضارية، لما عرف من طبيعته وسجيته (فإن قيل): كيف يجوز المصير إلى هذا في هذه المسألة وفي مسألة الترس وقد قدمتم أن المصلحة إذا خالفت النص لم تتبع كإيجاب صوم شهرين على الملوك إذا جامعوا في نهار رمضان وهذا يخالف قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٣) وأي ذنب لمسلم يتترس به كافر؟ فإن زعمتم أنا نخصص العموم بصورة ليس فيها حظر كلي فلنخصص العتق بصورة يحصل بها الانزجار عن الجناية حتى يخرج عنها الملوك، فإذا غاية الأمر في مسألة الترس أن يقطع باستئصال أهل الإسلام، فما

стр. 1782

بالنا نقتل من لم يذنب قصدا ونجعله فداء للمسلمين، ونخالف النص في قتل النفس التي حرم الله تعالى (قلنا) لهذا نرى المسألة في محل الاجتهاد ولا يبعد المنع من ذلك، ويتأيد بمسألة السفينة وأنه يلزم منه قتل ثلث الأمة لاستصلاح ثلثيها ترجيحا للكثرة إذ لا خلاف في أن كافرا لو قصد قتل عدو محصور كعشرة مثلا وتترس بمسلم فلا يجوز لهم قتل الترس في الدفع، بل حكمهم كحكم عشرة أكرهوا على قتل أو اضطروا في مخمصة إلى أكل واحد، وإنما نشأ هذا من الكثرة، ومن كونه كليا، لكن للكلي الذي لا يحصر حكم آخر أقوى من الترجيح بكثرة العدد وكذلك لو اشتبهت أخته بنساء بلدة حل له النكاح، ولو اشتبهت بعشرة وعشرين لم يحل، ولا خلاف أنهم لو تترسوا بنسائهم وذراريهم قاتلناهم، وإن كان التحريم عاما، لكن نخصصه بغير هذه الصورة، فكذلك هاهنا التخصيص ممكن. وقول القائل: هذا سفك دم محرم معصوم يعارضه أن في الكف عنه إهلاك دماء معصومة لا حصر لها، ونحن نعلم أن الشرع يؤثر الكلي على الجزئي، فإن حفظ أهل الإسلام عن اصطلام الكفار أهم في مقصود الشرع من حفظ دم مسلم واحد، فهذا مقطوع به من مقصود الشرع، والمقطوع به لا يحتاج إلى شهادة أصل. اهـ وبعد ما تقدم من التمهيد بالحديث عن المصالح، وبيان ما يصلح منها للاعتبار وبناء الأحكام عليه، وما لا يصلح لذلك نذكر مسائل فقهية لا تعدو أن تكون نظرية اجتهادية، وقد بنى الفقهاء حكمهم فيها نفيا وإثباتا على رعاية المصلحة. ومن هذه المسائل ضرب من تترس به الكفار من أسارى المسلمين مثلا في الحرب، وشق بطن امرأة ماتت وفي بطنها ولد علم أنه حي بالأمارات، ورمي أحد ركاب سفينة خشي عليهم الغرق، فيرمى أحدهم بقرعة لينجو الباقون، وأكل مضطر من جثة إنسان ميت إنقاذا لنفسه من الهلاك، وتبييت المشركين أو رميهم بالمنجنيق ونحوه مما يعم الهلاك به وفيهم النساء والصبيان، وفيما يلي بيان أقوال فقهاء الإسلام في هذه المسائل، وما بنوه عليه من الدليل والمصلحة.

стр. 1783

المسألة الأولى: ضرب أو رمي من تترس به الكفار من أسارى المسلمين سبق في التمهيد أن ذكر الغزالي هذه المسألة، وبين أنها مبنية على مصلحة واقعة في رتبة الضرورات، حيث إن رمي الكفار وقتلهم بما يستتبع قتل أسارى المسلمين أو إصابتهم فيه نصر المسلمين وحفظ دينهم وديارهم ونفوسهم وأموالهم وأعراضهم، وهذه من الضرورات التي اتفقت الشرائع على حفظها، وفيه أيضا تقديم المصلحة العامة للإسلام وللأمة على المصلحة الخاصة، وهي حفظ دماء

стр. 1784

المسلمين الذين تترس بهم الكفار، وهذا يتفق مع قاعدة تقديم أقوى المصلحتين عند تعارضهما، وارتكاب أدنى المفسدتين وأخفهما تفاديا لأشدهما، فكان رمي الكفار قصدا بما يستتبع قتل متترسهم من المسلمين متفقا مع مقاصد الشريعة، لكن لما تعارضت مصلحة حفظ دماء أسرى المسلمين أو من بين الكفار من المسلمين حين الحرب ومصلحة الجهاد وما يترتب عليه من منافع وما يترتب على تركه من مضار، كانت المسألة مثار خلاف بين الفقهاء، فرأى بعضهم قتال الكفار بما يعم كالرمي بالمنجنيق والإغراق والغازات الخانقة وأمثالها إن لم يتغلب عليهم إلا بذلك، رعاية للمصلحة العامة، ورأى آخرون أنه لا يجوز رميهم وقتالهم بما يعم، وفيما يلي نصوص يتبين منها خلاف الفقهاء في ذلك وما استند إليه كل منهم من دليل أو تعليل. قال السرخسي: ولا بأس بإرساله الماء إلى مدينة أهل الحرب وإحراقهم بالنار ورميهم بالمنجنيق، وإن كان فيهم أطفال أو ناس من المسلمين أسرى أو تجار. وقال الحسن بن زياد ﵀: إذا علم أن فيهم مسلم وأنه يتلف بهذا الصنع لم يحل له ذلك؛ لأن الإقدام على قتل المسلم حرام وترك قتل الكافر جائز. ألا ترى أن للإمام أن لا يقتل الأسارى لمنفعة المسلمين فكان مراعاة جانب المسلم أولى من هذا الوجه، ولكنا نقول أمرنا بقتالهم فلو اعتبرنا هذا المعنى لأدى إلى سد باب القتال معهم، فإن حصونهم ومدائنهم قل ما تخلو من مسلم عادة، ولأنه يجوز لنا أن نفعل ذلك بهم وإن كان فيهم نساؤهم وصبيانهم، وكما لا يحل قتل المسلم لا يحل قتل نسائهم وصبيانهم، ثم لا يمتنع ذلك لمكان نسائهم وصبيانهم فكذلك لمكان المسلم فلا يستقيم منع هذا. وقد روينا «أن النبي ﷺ نصب المنجنيق على الطائف وأمر أسامة بن زيد ﵁ بأن يحرق، وحرق حصن عوف بن مالك». وكذلك إن تترسوا بأطفال المسلمين فلا بأس بالرمي إليهم وإن كان الرامي يعلم أنه يصيب المسلم وعلى قول الحسن ﵁ لا يحل له ذلك وهو قول الشافعي لما بينا أن التحرز عن قتل المسلم فرض وترك الرمي إليهم جائز. ولكنا نقول: القتال معهم فرض وإذا تركنا ذلك لما فعلوا أدى إلى سد باب القتال معهم ولأنه يتضرر المسلمون بذلك فإنهم يمتنعون من الرمي لما أنهم تترسوا بأطفال المسلمين فيجترئون بذلك على المسلمين وربما يصيبون منهم إذا تمكنوا من الدنو من المسلمين والضرر مدفوع، إلا أن على المسلم الرامي أن يقصد به الحربي؛ لأنه لو قدر على التمييز بين الحربي والمسلم فعلا كان ذلك مستحقا عليه، فإذا عجز عن ذلك كان عليه أن يميز بقصده لأنه وسع مثله اهـ.

стр. 1785

وفي كتاب الجهاد من بداية المجتهد لابن رشد اتفق عوام الفقهاء على جواز رمي الحصون بالمنجنيق، سواء كان فيها نساء وذرية أم لم يكن، لما جاء «أن النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف (١)»، وأما إذا كان الحصن فيه أسارى من المسلمين وأطفال من المسلمين فقالت طائفة يكف عن رميهم بالمنجنيق، وبه قال الأوزاعي، وقال الليث وذلك جائز، ومعتمد من لم يجزه قوله تعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٢) الآية) وأما من أجاز ذلك فكأنه نظر إلى المصلحة. وقال في الأم قال الشافعي ﵁: (إذا كان في حصن المشركين نساء وأطفال وأسرى مسلمون فلا بأس بأن ينصب المنجنيق على الحصن دون البيوت التي فيها الساكن إلا أن يلتحم المسلمون قريبا من الحصن فلا بأس أن ترمى بيوته وجدرانه، فإذا كان في الحصن مقاتلة محصنون رميت البيوت والحصون، وإذا تترسوا بالصبيان المسلمين أو غير المسلمين والمسلمون ملتحمون فلا بأس أن يعمدوا المقاتلة دون المسلمين والصبيان، وإن كانوا غير ملتحمين أحببت له الكف عنهم حتى يمكنهم أن يقاتلوهم غير متترسين، وهكذا إن أبرزوهم فقالوا: إن رميتمونا وقاتلتمونا قاتلناهم، والنفط والنار مثل المنجنيق وكذلك الماء والدخان. اهـ) (٣). وقال محمد الشربيني الخطيب الشافعي (فإن كان فيهم مسلم أسير أو تاجر أو نحوه جاز ذلك - أي الرمي - بما ذكره غيره على المذهب لئلا يتعطل الجهاد بحبس مسلم عندهم وقد لا يصيب المسلم وإن أصيب رزق الشهادة).

стр. 1786

تنبيه: تعبيره بالجواز لا يقتضي الكراهة سواء اضطروا إلى ذلك أم لا، وملخص ما في الروضة ثلاثة طرق: المذهب إن لم تكن ضرورة كره تحرزا من إهلاك المسلم ولا يحرم على الأظهر، وإن كان ضرورة كخوف ضررهم أو لم يحصل فتح القلعة إلا به جاز قطعا، وكالمسلم الطائفة من المسلمين كما قاله الرافعي، وقضيته عدم الجواز إذا كان في المسلمين كثرة وهو كذلك (ولو التحم حرب فتترسوا بنساء) وخناثى (وصبيان) ومجانين منهم (جاز) حينئذ (رميهم) إذا دعت الضرورة إليه، ونتوقى من ذكر لئلا يتخذوا ذلك ذريعة إلى منع الجهاد وطريقا إلى الظفر بالمسلمين؛ لأنا إن كففنا عنهم لأجل التترس بمن ذكر لا يكفون عنا فالاحتياط لنا أولى من الاحتياط لمن ذكر (وإن دفعوا بهم عن أنفسهم ولم تدع ضرورة إلى رميهم فالأظهر تركهم) وجوبا لئلا يؤدي إلى قتلهم من غير ضرورة وقد نهينا عن قتلهم، وهذا ما رجحه في المحرر. والثاني وهو المعتمد كما صححه في زوائد الروضة جواز رميهم كما يجوز نصب المنجنيق على القلعة وإن كان يصيبهم، ولئلا يتخذوا ذلك ذريعة إلى تعطيل الجهاد أو حيلة إلى استبقاء القلاع لهم، وفي ذلك فساد عظيم، واحترز المصنف بقوله دفعوا بهم عن أنفسهم عما إذا فعلوا ذلك مكرا وخديعة لعلمهم بأن شرعنا يمنع من قتل نسائهم وذراريهم فلا يوجب ذلك ترك حصارهم ولا الامتناع من رميهم وإن أفضى إلى قتل من ذكر قطعا. قاله الماوردي. قال في البحر: وشرط جواز الرمي أن يقصد بذلك التوصل إلى رجالهم. (وإن تترسوا بمسلمين) ولو واحدا أو ذميين كذلك (فإن لم تدع ضرورة إلى رميهم تركناهم) وجوبا صيانة للمسلمين وأهل الذمة، وفارق النساء والصبيان على المعتمد بأن المسلم والذمي محقونا الدم لحرمة الدين والعهد فلم يجز رميهم بلا ضرورة، والنساء والصبيان حقنوا لحق الغانمين فجاز رميهم بلا ضرورة. (وإلا) بأن دعت ضرورة إلى رميهم بأن تترسوا بهم حال التحام بالقتال بحيث لو كففنا عنهم ظفروا بنا وكثرت نكايتهم (جاز رميهم) حينئذ (في الأصح) المنصوص، ونقصد بذلك قتال المشركين ونتوقى المسلمين وأهل الذمة بحسب الإمكان؛ لأن مفسدة الإعراض أعظم من مفسدة الإقدام، ويحتمل هلاك طائفة للدفع عن بيضة الإسلام ومراعاة الأمور الكلية. والثاني المنع إذا لم يتأت رمي الكفار إلا برمي مسلم أو ذمي وكالذمي المستأمن. اهـ (١). وقال أبو محمد بن قدامة ﵀ (ج٩ ص٢٧٦ ٢٧٧). وإن تترسوا في الحرب بنسائهم وصبيانهم جاز رميهم، ويقصد المقاتلة؛ «لأن النبي ﷺ

стр. 1787

رماهم بالمنجنيق ومعهم النساء والصبيان (١)»، ولأن كف المسلمين عنهم يفضي إلى تعطيل الجهاد، لأنهم متى علموا ذلك تترسوا بهم عند خوفهم فينقطع الجهاد. وسواء كانت الحرب ملتحمة أو غير ملتحمة؛ لأن النبي ﷺ لم يكن يتحين بالرمي حال التحام الحرب. فصل: ولو وقفت امرأة في صف الكفار أو على حصنهم، فشتمت المسلمين، أو تكشفت لهم، جاز رميها قصدا؛ لما روى سعيد: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، «عن عكرمة، قال: لما حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف أشرفت امرأة، فكشفت عن قبلها، فقال: ها دونكم فارموها». فرماها رجل من المسلمين، فما أخطأ ذلك منها. ويجوز النظر إلى فرجها للحاجة إلى رميها؛ لأن ذلك من ضرورة رميها. وكذلك يجوز رميها إذا كانت تلتقط لهم السهام، أو تسقيهم، أو تحرضهم على القتال؛ لأنها في حكم المقاتل. وهكذا الحكم في الصبي والشيخ وسائر من منع من قتله منهم. فصل: وإن تترسوا بمسلم، ولم تدع حاجة إلى رميهم، لكون الحرب غير قائمة، أو لإمكان القدرة عليهم بدونه، أو للأمن من شرهم، لم يجز رميهم. فإن رماهم فأصاب مسلما، فعليه ضمانه. وإن دعت الحاجة إلى رميهم للخوف على المسلمين، جاز رميهم؛ لأنها حال ضرورة ويقصد الكفار. وإن لم يخف على المسلمين، لكن لم يقدر عليهم إلا بالرمي، فقال الأوزاعي، والليث: لا يجوز رميهم؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ (٢) الآية. قال الليث: ترك فتح حصن يقدر على فتحه أفضل من قتل مسلم بغير حق. وقال الأوزاعي: كيف يرمون من لا يرونه؟ إنما يرمون أطفال المسلمين. وقال القاضي والشافعي: يجوز رميهم إذا كانت الحرب قائمة؛ لأن تركه يفضي إلى تعطيل الجهاد (٣) اهـ وقال المرادوي في الإنصاف: قوله (وإن تترسوا بمسلمين لم يجز رميهم، إلا أن يخاف على المسلمين فيرميهم ويقصد الكفار) هذا بلا نزاع، وظاهر كلامه: أنه إذا لم يخف على المسلمين ولكن لا يقدر عليهم إلا بالرمي: عدم الجواز. وهذا المذهب نص عليه، وقدمه في الفروع. وجزم به في الوجيز. وقال القاضي: يجوز رميهم حال قيام الحرب. لأن تركه يفضي إلى تعطيل الجهاد. وجزم به في الرعاية الكبرى.

стр. 1788

المسألة الثانية: شق بطن امرأة ماتت وفي بطنها ولد علم أنه حي شق بطن الميتة لإخراج ولدها الحي فيه انتهاك لحرمتها ومخالفة للأدلة التي دلت على وجوب تكريمها وحرمة إيذائها، لكن فيه الإبقاء على حياة الحمل المعصوم، وترك شق بطنها فيه تكريمها والمحافظة على حرمتها لكن يلزمه القضاء على حياته ومخالفة للأدلة الدالة على ذلك، فكان هذا التعارض منشأ اختلاف بين الفقهاء، فمنهم من منع شق بطنها رعاية لمصلحة تكريمها ورأى أنها لا تهان لمصلحة غيرها، ومنهم من أجاز أو أوجب شق بطنها إن لم يمكن إخراج الولد منها حيا إلا بذلك إيثارا لجانب الحي على جانب الميت، ويمكن أن يقال إن رعاية عصمة الدم آكد من رعاية حرمة الميت، فإن الاعتداء على الميت بقطع رقبته أو عضو من أعضائه مثلا لا يوجب قصاصا ولا دية وإنما يوجب تعمده تعزيرا بخلاف قتل الحي مسلما أو ذميا فإنه يوجب في الجملة قصاصا أو دية، والمسألة على كل حال اجتهادية، ويلتحق بذلك شق بطن من مات لإخراج ما قد بلعه من الدنانير أو دراهم أو نحوهما، حيث وقع فيه الخلاف أيضا، فمنهم من منعه رعاية لحرمة الميت، ومنهم من أجازه رعاية لحق المال، وفيما يلي أقوال بعض الفقهاء في ذلك. قال ابن المواق: (وبقر عن مال كثر ولو بشاهد ويمين) (١). سحنون: ويبقر عن دنانير في بطن الميت إلا على ما قل. عبد الحق: في كون ما قل دون ربع دينار أو نصاب الزكاة خلاف. وأجاب أبو عمران عن مقيم شاهد على ميت لم يدفن أنه بلع دنانير يحلف ليبقر بطنه قائلا اختلف في القصاص بشاهد واحد (لا عن جنين) من المدونة. قال مالك: لا يبقر بطن الميتة إذا كان جنينها يضطرب في بطنها. وقال سحنون: إن كملت حياته ورجي خلاصه بقر. وقال ابن عبد الحكم: رأيت رجلا مبقورا على ناقة مبقورة. قال سند: وإذا بقر فمن خاصرتها اليسرى. ابن يونس: الصواب عندي البقر لأن الميت لا يؤلمه. وقد رأى أهل العلم قطع الصلاة خوف وقوع صبي أو أعمى في بئر، وقطع الصلاة فيه إثم ولكن أبيح لإحياء نفس فكذلك يباح بقر الميتة لإحياء ولدها الذي يتحقق

стр. 1789

موته إن ترك، والواقع في البئر قد يحيا فكان البقر أولى. ويحمل قول عائشة: «كسر عظام الميت ككسرها حيا (١)» إذا فعل ذلك عبثا، وأما لأمر هو واجب فلا. ألا ترى الحي لو أصابه أمر في جوفه يتحقق أن حياته باستخراجه لبقر عليه ولم يكن آثما في فعل ذلك بنفسه أو بولده أو عبده مع أن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت. قال اللخمي: إن كان الجنين في وقت لو أسقطته وهي حية لم يعش لم يبقر، وإن كان في شهر يعيش فيه الولد إذا وضعته كالتي دخلت في السابع أو التاسع أو العاشر وكان متى بقر عليه رجيت حياته، فقال مالك: لا يبقر عليه. وقال أشهب وسحنون: يبقر عليه وهو أحسن، وإحياء نفس أولى من صيانة ميت (وتؤولت أيضا على البقر إن رجي) (٢). أما اللخمي وابن يونس فقد اختارا البقر كما تقدم مصرحين بأنه خلاف قول مالك وذكر ابن عرفة في المسألة ثلاثة أقوال (وإن قدر على إخراجه من محله فعل) قال مالك: إن قدر على أن يستخرج الولد من حيث يخرج في الحياة فعل. اهـ (ج٢ من شرح ابن المواق على مختصر خليل). قال أحمد الدردير: و (بقر) أي شق بطن ميت (عن مال) له أو لغيره ابتلعه حيا (كثر) بأن كان نصابا (ولو) ثبت (بشاهد ويمين) ومحل التقييد بالكثير إذا ابتلعه لخوف عليه أو لمداواة، أما لقصد حرمان الوارث فيبقر ولو قل (لا) يبقر (عن جنين) رجي لإخراجه ولا تدفن به إلا بعد تحقق موته ولو تغيرت (وتؤولت أيضا على البقر) وهو قول سحنون وقد تأولها عليه عبد الوهاب (إن رجي) خلاصه حيا وكان في السابع أو التاسع فأكثر (وإن قدر على إخراجه من محله) بحيلة (فعل) اللخمي: وهو مما لا يستطاع. اهـ وقال النووي في المجموع على قول الشيرازي في (٣). (وإن ماتت امرأة وفي جوفها جنين حي شق جوفها لأنه استبقاء حي بإتلاف جزء من الميت فأشبه إذا اضطر إلى أكل جزء من الميت). (الشرح) هذه المسألة مشهورة في كتب الأصحاب، وذكر صاحب الحاوي أنه ليس للشافعي فيها نص، قال الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والماوردي والمحاملي وابن الصباغ وخلائق من الأصحاب: قال ابن سريج: إذا ماتت امرأة وفي جوفها جنين حي شق جوفها وأخرج، فأطلق ابن سريج المسألة، قال أبو حامد والماوردي والمحاملي وابن الصباغ: وقال بعض أصحابنا: ليس هو كما أطلقها ابن سريج، بل يعرض على القوابل، فإن قلن: هذا الولد إذا أخرج يرجى حياته، وهو أن يكون له ستة أشهر فصاعدا شق جوفها وأخرج، وإن قلن لا يرجى

стр. 1790

بأن يكون له دون ستة أشهر لم يشق؛ لأنه لا معنى لانتهاك حرمتها فيما لا فائدة فيه قال الماوردي: وقول ابن سريج هو قول أبي حنيفة وأكثر الفقهاء. (قلت): وقطع به القاضي أبو الطيب في تعليقه والعبدري في الكفاية وذكر القاضي حسين والفوراني والمتولي والبغوي وغيرهم في الذي لا يرجى حياته وجهين: (أحدهما) يشق، (والثاني) لا يشق، قال البغوي: وهو الأصح، قال جمهور الأصحاب: فإذا قلنا لا يشق لم تدفن حتى تسكن حركة الجنين، ويعلم أنه قد مات، هكذا صرح به الأصحاب في جميع الطرق. . . ومختصر المسألة إن رجي حياة الجنين وجب شق جوفها وإخراجه، وإلا فثلاثة أوجه (أصحها) لا تشق ولا تدفن حتى يموت (والثاني) تشق ويخرج (والثالث) يثقل بطنها بشيء ليموت وهو غلط، وإذا قلنا يشق جوفها شق في الوقت الذي يقال إنه أمكن له، هكذا قاله الشيخ أبو حامد. اهـ وقال النووي في الروضة (١): ولو ابتلع في حياته مالا، ثم مات وطلب صاحبه الرد شق جوفه ويرد، قال في العدة: إلا أن يضمن الورثة مثله أو قيمته فلا ينبش على الأصح، وقال القاضي أبو الطيب: لا ينبش بكل حال، ويجب الغرم في تركته، ولو ابتلع مال نفسه ومات فهل يخرج؟ وجهان، قال الجرجاني: الأصح يخرج. قلت: وصححه أيضا العبدري، وصحح الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب في كتاب المجرد عدم الإخراج، وقطع به المحاملي في المقنع، وهو مفهوم كلام صاحب التنبيه وهو الأصح، والله أعلم. وحيث قلنا يشق جوفه ويخرج، فلو دفن قبل الشق ينبش كذلك. اهـ وقال أبو محمد بن قدامة (٢) قال: والمرأة إذا ماتت، وفي بطنها ولد يتحرك، فلا يشق بطنها، ويسطو عليه القوابل، فيخرجنه. معنى يسطو القوابل أن يدخلن أيديهن في فرجها، فيخرجن الولد من مخرجه. والمذهب أنه لا يشق بطن الميتة لإخراج ولدها، مسلمة كانت أو ذمية، وتخرجه القوابل إن علمت حياته بحركة. وإن لم يوجد نساء لم يسط الرجال عليه، وتترك أمه حتى يتيقن موته، ثم تدفن. ومذهب مالك وإسحاق قريب من هذا، ويحتمل أن يشق بطن الأم، إن غلب على الظن أن الجنين يحيا، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه إتلاف جزء من الميت لإبقاء حي، فجاز، كما لو خرج بعضه حيا، ولم يمكن خروج بقيته إلا بشق، ولأنه يشق لإخراج المال منه، فلإبقاء الحي أولى.
следующие страницы →