← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

في أميركا بحاجة ماسة إلى إقامة المساجد هناك لاتخاذها مراكز عبادة ومراكز للتعليم. وإنني أقترح إقامة مسجدين في أمريكا، وثالث في كندا، وذلك في الأماكن التي يزدحم ويكثر عدد المسلمين فيها ليكونوا قريبين من المسلمين وتحقيقا للغاية المنشودة من إقامة هذه المساجد أقترح أن يلحق بها بناء خاص لاتخاذه مدرسة لتعليم الناشئة من أبناء المسلمين أمور دينهم الحنيف ولغتهم العربية الفصحى مع ما يتطلب من إيجاد مكتبة عربية إسلامية خاصة تابعة للمسجد والمدرسة تضم مختلف المراجع والمصادر والكتب العلمية والأدبية الإسلامية؛ لتكون مرجعا لطلاب العلم وليكون الطالب على اطلاع تام بمختلف العلوم الدينية والآداب الإسلامية. وأقترح أن يكون في المدرسة جناح خاص داخلي لهؤلاء الطلاب المسلمين، تذليلا للمصاعب التي قد تواجه المسلمين الذين يبعدون عن هذه المدارس أو المساجد وأن تبدأ المدرسة بصفوف أولية منظمة يتدرج الطالب فيها سنة بعد سنة من صف إلى صف حتى تكون مدرسة تامة ينال فيها الطالب من العلم ما يناله أخوه في وطننا الأم وحتى أن مستوى هذه المدارس لن يكون أقل من مستوى مثيلاتها في تلك البلاد المهجرية، وأقترح أن تدعهم المدرسة بمدرسين أكفاء مؤهلين لكل مادة من مواد الدراسة في هذه النقطة يتوفر مثل هؤلاء المعلمين والحمد لله ولذلك لا بد من المساهمة في توفير الأموال اللازمة ورصدها لهذه الغاية النبيلة. أما بالنسبة للمشكلة الثالثة وهي الزواج والوفيات: فبالنسبة للزواج: إن أهم ما يتعلق بهذه المشكلة هو اجتذاب الكتابيات لأبناء المسلمين في تلك البلاد أو هؤلاء الناشئة يتطلعون إلى تلك الكتابيات للزواج منهن: بحكم اختلاط البيئة والمجتمع أولا، وعدم توفر المرشدين الدينيين الذين يرشدونهم إلى الصراط السوي، فما من شك أن المدارس الأميريكية منذ الصفوف الأولى الابتدائية حتى الثانوية وفي الجامعات يكون الطلاب والطالبات فيها خليطا لذلك تنشأ عادات التعارف بما فيها من مساوئ بين هؤلاء الطلاب والطالبات بغض النظر عن دينهم وعقيدتهم، ولذلك ينجذب هؤلاء الطلاب المسلمين إلى التطلع للأجنبيات للزواج منهن، وفي هذه الحالة فإن المسلم عندما يتزوج من غير مسلمة كنصرانية أو يهودية أو ملحدة ويرتبط بها يبتعد ابتعادا كليا عن دينه ومجتمعه وعقيدته، ونكون بذلك قد خسرنا أبناءنا ونكون مسئولين أمام الله ورسوله والمؤمنين عن فسادهم وعن تحويلهم عن دينهم، بالإضافة إلى الجمعيات التبشيرية والدينية العلمانية التي تسلط أضواءها عليهم لاجتذابهم حيث تعرض عليهم بسخاء تام وتستدرجهم إلى الانضمام وراء تلك الجمعيات التي تهدف إلى القضاء على الإسلام والمسلمين.

стр. 1717

وفي هذه المنطقة الهامة أحملكم المسئولية التامة أمام الله لإنقاذ هذا الجيل المسلم من براثن الفساد والطغيان التي يتعرضون لها في تلك البلاد فإذا ما ساهمتم في القضاء عليها بإتاحة الفرص المناسبة لهم. . نكون قد تحملنا جميعا المسئولية التامة ولا بد أنكم على علم تام بالعواقب الوخيمة المتربصة لديننا الحنيف إذا لم نعمل على إيقافها قبل فوات الأوان، وأحثكم أيها الإخوة الكرام على التجاوب معي في هذه النقطة لإنقاذ أبنائنا وإرشادهم إلى الصراط المستقيم قبل فوات الأوان، وأحثكم أيها الأخوة الكرام على التجاوب معي في هذه النقطة لإنقاذ أبنائنا وإرشادهم إلى الصراط المستقيم وأكرر على مسامعكم قوله تعالى ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (١) صدق الله العظيم، لذلك لا بد من إرشاد الشباب المسلم وهدايته إلى أمور دينه ودنياه في كل ما يتعرض له حتى يتطلع أولئك الشباب المسلم إلى الزواج من المسلمات حسب تقاليدنا وشريعتنا السمحاء فنكون بذلك قد حققنا الغاية الكبرى من الحفاظ على ديننا وإسلامنا ونسلنا في المستقبل. وأما بالنسبة للوفيات: وحين ينتقل المسلم إلى جوار ربه في تلك البلاد تجري له المراسم للدفن حسب الطريقة المتبعة في تلك البلاد وهي الطريقة غير الإسلامية بسبب افتقار المسلمين لإيجاد الأماكن الإسلامية لتجهيز الميت ودفنه على الطريقة الإسلامية الشرعية، ولذلك أقترح إيجاد غرفة خاصة ضمن أبنية المسجد المقترح لهذه الغاية. إنني إذ أعرض على مسامعكم هذه الأوضاع والمشاكل والمقترحات أنقلها إليكم بأمانة وإخلاص تأمين حسب معرفتي ومشاهدتي وخبرتي الطويلة حيث إنني موجود في تلك البلاد ما ينوف عن ربع قرن، وما زلت في تلك البلاد متحملا بشرف كبير الإشراف على الأوضاع وحل مشاكل المسلمين هناك أود أن أجزم القول على مسامعكم الكريمة أنه إذا أردنا حل مشاكل المسلمين المعروضة هذه. . لا بد وأن نعمل جاهدين على تذليلها حسب ما اقترحته عليكم وإذا ساهمتم معي بشرف وإخلاص تامين نكون قد حققنا الغاية المنشودة لإعلاء صرح الإسلام والمسلمين في تلك البلاد المهجرية، وتكونوا قد عملتم على ما أوجبه ديننا الحنيف وما أمر به رسولنا الكريم بأن المسلم للمسلم وأن المسلم أخ المسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، وإنني واثق من تجاوبكم الكريم ومساهمتكم الفعالة، وقبل أن أختم رسالتي هذه أود من صميم قلبي أن أشكر كل فرد فيكم وأحييكم تحية إسلامية حارة كما أكرر شكري العميق لسكرتير عام الرابطة وصاحب المعالي الشيخ محمد صالح القزاز ومساعديه وأعضاء الرابطة الإسلامية في مكة المكرمة الذين أتاحوا لي هذه الفرصة الكريمة للالتقاء بكم في هذا الاجتماع العتيد، وأعاهدكم أنني سوف أعمل جاهدا على إعلاء كلمة الله، وإشادة صرح الإسلام

стр. 1718

والمسلمين في تلك البلاد ما وسعني من قوة وجهد، معتمدا على الله وعلى مساهمتكم الفعالة لنصرة ديننا الحنيف والله يحفظكم ويرعاكم سندا للإسلام وذخرا للمسلمين، ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١) كما أنني قد حملت أن أنقل سلامات وتحيات مسلمي مدينة باترسون في ولاية نيوجرسي الأمريكية لصاحب الجلالة الملك خالد بن عبد العزيز المعظم على دعمه ومساعدته في إنشاء المركز الإسلامي فيها، ويتجهون بكل الامتنان لصاحب المعالي الشيخ الجليل محمد صالح القزاز الأمين العام للرابطة على المساعدات التي تقدمها الرابطة للمسلمين هنا وفي جميع أمريكا والعالم، كما أنهم يطلبون الغفران والرحمة للملك المسلم الشهيد فيصل بن عبد العزيز طيب الله ثراه وأدخله فسيح جناته، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 1719

إنجلترا الحديث عن المساجد في إنجلترا واحتياجاتها ومشاكلها، يقتضينا أن نتحدث عن المسلمين في إنجلترا والظروف التي يعيشون فيها، ذلك لأنهم هم الذين أقاموا المساجد، والمشاكل التي تعترضهم هي إلى حد ما مشاكل المساجد وقدرتها على أداء رسالتها. يبلغ عدد المسلمين في إنجلترا بين ثلاثة أرباع المليون والمليون، أغلبهم نزح من دول الكومنولث البريطاني وخاصة من شبه القارة الهندية، باكستان وبنجلادش والهند، ومسلمو إنجلترا النازحون من شبه القارة الهندية يشكلون تسعين في المائة من المسلمين بها والعشرة في المائة الباقية موزعة بين الجنسيات الأخرى، ولا يوجد جاليات مسلمة من أصل عربي مستقرة هناك. . إلا جماعات من اليمن بقسميه

стр. 1720

نزحوا أساسا جريا وراء الرزق والعمل على السفن الإنجليزية التي كانت تمر بعدن، ولهذا تجد هذه الجماعات اليمنية تستوطن المدن الساحلية والصناعية مثل: كارديف عاصمة مقاطعة ويلز، وليفربول وساوث شيلد وجلاسجو وشيفيلد وبرمنجهام، وقد لوحظ أن كل جماعة يمنية تستقر في مدينة ما من مدن إنجلترا يجاورها جماعة صومالية تتناول نفس الأعمال التي يقوم بها اليمنيون إلا أن عددهم أقل، وبعد أن أصبحت الصومال عضوا في الجامعة العربية يمكن أن نقول إجمالا: إن البلاد العربية التي يوجد منها جاليات مستقرة بإنجلترا هي اليمن والصومال ونستطيع أن نقول بغير استثناء: إن المسلمين النازحين إلى إنجلترا سواء كانوا من شبه القارة الهندية أو من غيرها من البلدان الإسلامية. . هم من الطبقة العاملة المحدودي الثقافة: أو إن أردت الدقة فإن هذه هي السمة الغالبة عليهم لما هاجروا إلى إنجلترا في أول الأمر، إلا أنه بعد أن استقرت هذه الجاليات سنوات ووفد عدد من أهليهم للدراسة، رأوا أن يستقروا في إنجلترا بعد أن أتموا دراساتهم وأصبح يوجد حاليا الطبيب المسلم، والمحاسب المسلم، والمهندس المسلم، والمعلم المسلم، ورجل الأعمال المسلم، وقد لوحظ في السنوات السبع الأخيرة أن عددا من الأطباء العرب وخاصة من مصر هاجروا إلى هذه البلاد بقصد الدراسة ثم مددوا إقامتهم لعدة سنوات أغراهم بذلك توفر الآلات الحديثة وتوفر الرعاية الصحية والاجتماعية، إذ توفر لهم المستشفيات التي يعملون بها مساكن مريحة كاملة الاستعداد بأجور رمزية. . وفي الوقت نفسه يتقاضون مرتبات سخية بالنسبة لما يتقاضونه في بلادهم. وقد ترتب على استقرار هذه الجاليات الإسلامية في تلك البلاد أن وجدت محلات إسلامية تبيع لهم اللحوم والأشياء التي ألفوها في بلادهم، ويدخل في ذلك المطاعم الهندية والباكستانية التي تقدم لهم اللون الذي يحبونه. كانت الهجرة من البلاد الإسلامية إلى إنجلترا مع مطلع هذا القرن إلا أنها لم تتخذ طابع الاستقرار والإقامة، ونمت قليلا أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى، وفي خلال وعقب الحرب العالمية الثانية اتسع نطاق هذه الهجرة بشكل ملحوظ وخاصة بعد أن نالت دول الكومنولث استقلالها وأصبح من حق

стр. 1721

مواطني دول الكومنولث أن يعيشوا بين الإنجليز في بلادهم وأن يكون لهم من الحقوق ما لهم على الأقل من وجهة النظر القانونية، وإن كان الواقع الممارس يفرق بين أهل البلاد الأصليين وبين الوافدين إليها من الخارج واتسع نطاق هذه الهجرة أكثر وأكثر في السنوات العشر الأخيرة، وقد وضعت بعض القيود في العامين الأخيرين كمحاولة لصد تيار الهجرة الجارف، وتعالت أصوات كثير من الإنجليز بالدعوة إلى إعادة هؤلاء المهاجرين إلى بلادهم وسواء وجدت هذه الدعوة استجابة أو لم تجد. . فإن الجماعات الإسلامية قد استقرت هناك إلى ما شاء الله وأصبح لها وضعها وكيانها، وأخذت من يوم لآخر تتقدم بطلباتها إلى المسئولين باعتبارهم مواطنين يحق لهم أن يمارسوا نشاطهم الديني حسب عقيدتهم ودينهم، وأن يكون لهم من العادات والتقاليد ما تقبله عقيدتهم حتى وإن اختلف مع تقاليد وعادات المجتمع الذي يعيشون فيه. ولا شك أن عددا كبيرا من المسلمين قد تأثر بما هو سائر في المجتمع الإنجليزي وتابعه ونسي تقاليده وعقيدته وأخلاقه، إلا أن الحقيقة الواقعة أنه بجانب ذلك قد أقبلت مجموعات من الإنجليز الأصلاء على اعتناق الإسلام، وتطبيق منهجه في الحياة والسير على هداه سواء وافق ذلك تقاليد المجتمع الإنجليزي أو لم يوافق. حدث في السنوات الأخيرة إقبال عدد من الإنجليز على اعتناق الإسلام، ولهذه الظاهرة عدة أسباب أولها: أن الإنجليزي والأوروبي بوجه عام لم يجد في تعاليم الكنيسة ما يلبي حاجاته الروحية ويحقق له الأمن والاطمئنان النفسي الذي يتطلع إليه صاحب النفس المؤمنة، فهو وإن تحقق له من وسائل الحياة المادية ما يلبي رغبات حياته ويجعلها إلى حد ما هادئة مستقرة إلا أنه مع ذلك كله شعر بخواء روحي شديد جعل حياته يستبد بها القلق، ويعكر صفوها عدم الاطمئنان، فإذا ذهب إلى الكنيسة يتلمس فيها مخرجا من الحيرة التي تنتابه لم يجد عندها إلا رسوما وطقوسا وكلمات ميتة لم تمس قلبه ولم تحرك أشواق نفسه فانصرف عن الكنيسة يائسا حزينا ولم يعد يربطه بها إلا أمور ثلاثة: التعمير والزواج والموت، وكانت النتيجة أن انصرف أغلب الناس عن الكنيسة وأخذوا يتطلعون إلى شيء جديد يملأ الفراغ الذي يشعرون به وساعد على ذلك روح الحرية التي كفلتها لهم القوانين، فانصرف بعضهم إلى القراءة والبحث، وبعضهم إلى الملاحظة والاستقراء، وتهيأ لبعضهم أن يخالط المسلمين، إما في بلادهم وإما في قاعات الدرس في ساحة الجامعات، كل ذلك أعطاهم فرصة للبحث والدراسة والمقارنة وكثير منهم يرى وسائل الحياة المادية ميسرة له محيطة به، ولكنه لا يحس طعم السعادة التي يرى المسلم العادي الفقير المحروم من أغلب وسائل الحياة المدنية يشعر بها، وتضفي الأمن والرضى على نفسه، فجعله ذلك يفكر ويبحث، وبذلك اهتدى عدد لا بأس به إلى الإسلام وأقبلوا عليه لأنهم وجدوا

стр. 1722

فيه السلام النفسي والذي ينشدونه، وأصبح من المألوف الآن إذا ترددت على المسجد في لندن أو أحد المساجد الأخرى أن ترى شخصا أو أشخاصا من الإنجليز يقفون لله خاشعين وكثير منهم يتسابق على أداء الأذان في أوقات الصلوات حتى يملأ بكلمات الله سمعه وبصره وقلبه وجوارحه. وقد لوحظ أيضا أن المقبلين على الإسلام من الإنجليز يمثلون كل المستويات الفكرية والاجتماعية فمنهم الأستاذ في الجامعة، ومنهم الطالب ومنهم رجل الأعمال، ومنهم الكاتب وصاحب الحرفة، والرجل والمرأة والشاب والفتاة وما يتصل بهذه الظاهرة أن القائمين على أمر الثقافة والتوجيه الديني لم يجدوا، مفرا من أن ينظموا دراسات ومحاضرات في مدارسهم ومعاهدهم وجامعاتهم وكنائسهم تتحدث عن الإسلام وتعرض مثله وعقائده يحضرها عدد كبير كلهم من الشباب، وقد رأوا أن من الخير لهم أن تنظم هذه الدعوات تحت إشرافهم حتى لا يفلت الزمام من أيديهم. ومن المألوف الآن أن تجد في كل مدرسة ثانوية قسما للدراسات الدينية يقوم عليه أحد الأساتذة بالمدرسة أو المعهد ويقدم لهم دراسات عن كل دين ثم يدعون متحدثا من أهل الدين ذاته يحدثهم عن الإسلام إن كان مسلما وعن غيره إن كان غير مسلم، وعادة ما يعقب هذه المحاضرات أسئلة تعكس رغبة الشباب في المعرفة وتطلعهم إلى الوقوف على ما يدور من حولهم من مبادئ وعقائد وفلسفات، وبالطبع فإن ما يعقب هذه المحاضرات. . يكشف عن مدى الأثر الذي أحدثته إذ يتلقى المركز الإسلامي عددا من الرسائل تسأل عن كتب تتحدث عن الإسلام وعقيدته. وقد لوحظ أيضا أن جانب العقيدة في الإسلام هو الذي يتطلع السائلون إلى معرفته وأن الجانب الروحي فيه هو الذي يحظى بالاهتمام والدراسة أكثر من غيره. والذي أحب أن أنبه عليه هنا أنه على الرغم من وجود هذه الظاهرة بين الإنجليز وجذب الإسلام لعدد منهم، فإن كثيرا من المسلمين الوافدين الذين اتخذوا من بلاد الإنجليز لهم دارا، قد ذهبت صلتهم بالإسلام وشغلتهم الحياة فانساقوا يقلدون الإنجليز في أسلوب حياتهم وانعكس ذلك الأثر السيئ على أولادهم فلم يبق لهم من الإسلام إلا أسماؤهم، وهذا ما يدعونا إلى العمل الجاد للبحث عن وسيلة نحمي بها أمثال هؤلاء من الضياع الذي يتهددهم، ويحفظ على الأجيال الناشئة منهم دينهم وعقيدتهم بربطهم بثقافتهم ومثلهم وأخلاقهم وهذا يدعونا أن نتحدث عن المشاكل التي تواجه المسلمين في إنجلترا.

стр. 1723

إننا نجد المسلم في هذه البلاد يواجه بلون من الحياة تختلف كل الاختلاف عما عهده في بلاده ويضطر إلى الحياة في مجتمع له من المثل والأخلاق والتقاليد والعقائد ما يقف على طرف النقيض من مثله وأخلاقه وعقائده ويصاب لهذا بنوع من الضيق والحيرة ويحاول البحث عن مخرج من هذه الصعوبات وبعضهم لا يلبث أن يتغلب على ما يواجه من عقبات ويشق طريقه ويحتفظ بدينه ومثله وأخلاقه، إلا أن كثيرا منهم تأخذ بلبه المغريات، ويؤثر الحياة السهلة على المشقة في تحقيق نموذج يتفق مع عقيدته ويستنيم إلى الراحة، فيجرفه التيار ويخوض مع الناس فيما يخوضون فيه ويشاركهم في تفكيرهم وطعامهم وشرابهم ومنهج حياتهم، ولا فرق بينه وبينهم إلا في لون بشرته واسمه إن آثر الاحتفاظ به والصعوبات التي تعترض المسلم ويمكن أن نسميها مشاكل هي: الطعام والشراب. . التعليم والتربية. . المساجد والوسائل التي تعين على القيام بواجباته الدينية والصعوبة الأولى هي أقلها إذ تلبث الجماعات الإسلامية أن أنشأت لنفسها أماكن تشتري منها ما تحتاجه من طعام وشراب لا يحرمه الإسلام فأنشئت المتاجر والمجازر والمطاعم للإيفاء بهذا الغرض وساعد على سهولة التغلب على هذه الصعوبة أن العمل فيها يدر على القائمين به ربحا وفيرا، إلا أن كثيرين منهم نسي الهدف الديني من عمله واهتم بجانب المنفعة المادية، وحرصا منه على زيادة الربح استباح لنفسه أن يقدم في مطعمه المشروبات المحرمة، فإذا ما لفت نظره إلى ذلك العمل الذي لا يتفق مع الإسلام انتحل لنفسه المعاذير بأنه يعيش في مجتمع غير إسلامي ويأتيه أناس غير مسلمين يرغبون في هذا الشراب، وواضح أنها مجرد معاذير يقدمها لك حتى تكف عنه - وهذه ولا شك ظاهرة مؤسفة. التعليم هو مشكلة المشاكل التي تواجه النشء الجديد في إنجلترا حيث يذهب الطفل إلى المدرسة من سن الخامسة ويتلقى منذ البداية فيما يتلقى التعاليم المسيحية وتراثها مع مجموعة الأطفال الآخرين والمدرسة تقدم للأطفال هذه التراتيل تلقائيا لأنه جزء من منهاجها، وتزيد المدارس التابعة للكنيسة أن تأخذ الأطفال إلى الكنيسة مباشرة ولا تتسامح مدارس الكنيسة في الإعفاء من الذهاب إلى الكنيسة، والأب السعيد هو الذي يتنبه إلى الأمر منذ البداية فيستطيع أن يحول بين طفله وبين الانتساب إلى مدارس الكنيسة، ويقدم لطفله منذ اللحظة الأولى المعلومات التي تشعره أنه مسلم وأن ما يقوله الإنجليز لأبنائهم غير ما نقوله نحن لأبنائنا، ومن حق الأب المسلم في مدارس

стр. 1724

الحكومة أن يمنع طفله من المشاركة في درس التراتيل الدينية، إلا أن قليلا منهم هو الذي يتنبه إلى هذا الأمر منذ البداية وإحساسا بالخطر الذي يترتب على الذهاب إلى المدرسة وهو أمر لا مفر منه. . بدأ التفكير في إنشاء فصول لتعليم أولاد المسلمين مبادئ دينهم وتلقينهم آيات من القرآن الكريم، وتدريبهم على الصلوات. . إلى جانب الأمور الأخرى اللازم معرفتها، وقد قامت عدة من المؤسسات الإسلامية بمباشرة هذا اللون من التعليم حماية للنشء من التعرض لزلزلة العقيدة الذي يترتب على ترك الطفل بدون توجيه منذ البداية. ويدير المركز الإسلامي مجموعة من الفصول الدراسية في أحياء لندن المختلفة وضواحيها بالتعاون مع الجمعيات الإسلامية المحلية، واستطاعت بعض المنظمات الإسلامية أن تبعث ببعض المدرسين إلى عدد من المدارس لتعليم أبناء المسلمين إلا أن قصر الوقت المسموح به لا يعطي النتيجة المرجوة من هذا العمل، وسواء كانت الدراسة في آخر الأسبوع أو في آخر النهار بعد انتهاء اليوم الدراسي، أو قبيل وبعد وقت الدراسة في المدارس. . فإن هذه الدراسة لا تفي بالغرض المرجو، وإنما هي خطوة حتى نتمكن من إدارة وإنشاء مدارس إسلامية خالصة. وتحقيق هذا ممكن إداريا وفنيا إذا تضافرت جهود الهيئات الإسلامية في العالم العربي على إبرازه للوجود وتقديم خدمة لأبناء المسلمين في إنجلترا وفيما سواها من البلاد التي بها أقليات إسلامية وتواجه ظروفا مماثلة، وحسبنا أن نعلم أن القانون البريطاني يسمح بإقامة مدارس خاصة للجاليات، وإذا ما استطاعت الجالية أن تقدم المكان المناسب ليكون مدرسة فإن وزارة التربية تتحمل ثمانين في المائة من النفقات التي يحتاجها البناء والموظفون والأدوات، ولو رأت الرابطة أن تتبنى مثل هذا المشروع وتدعو المؤسسات الإسلامية الأخرى في العالم العربي والإسلامي إلى المشاركة فيه. . فإنها وإياهم سيحمون الجيل الجديد في بلد مثل إنجلترا من الابتعاد عن دينه وأخلاقه، والأمر سهل بالنسبة للتنفيذ إذا ما أمكن أن توجد الأماكن الصالحة، فإن المدرسة تقدم المنهج الذي تقدمه مدارس الحكومة الإنجليزية مضافا إليه اللغة العربية والدين الإسلامي عقيدته وعبادته وأخلاقه وتاريخه وحضارته، وتحت يدي منهج معد قدم لمجلس سفراء الدول الإسلامية في لندن سنة ١٩٧٠ وقدمت نسخة منه للأمانة العامة لوزراء خارجية الدول الإسلامية بجدة ويمكن تقديم نسخة منه عند الطلب، وإذا استطعنا أن نفعل شيئا جديا في هذا الحقل فإنا سنحفظ على الأجيال المسلمة القادمة في هذه البلاد دينها وعقيدتها ما أن استقر المسلمون في المناطق التي يعيشون فيها اندفعوا بوحي من الإحساس بالخطر في تأليف جمعيات إسلامية تمثل المسلمين في المنطقة وكان الهدف الرئيسي من تأليف هذه الجمعيات أن

стр. 1725

تتعاون على تحقيق هدفين: الأول إيجاد مكان للصلاة يتخذ مسجدا بصورة من الصور ويلحق به الاستعدادات الخاصة بالوضوء وما يلزم المسلم عمله إذا تعرض لحدث سعيد أو مؤلم كالزواج والموت، وهما من طبيعة الحياة. . ولهذا تألف عدد من الجمعيات بعدد الأحياء التي يعيش فيها مسلمون وكثيرا ما تحمل هذه الجمعيات أسماء البلاد التي وفد منها الأعضاء المؤسسون لها، وأخذت تستأجر بعض الأماكن أو تشتريها إن أمكنتها ظروفها المالية، وتباشر فيها الصلوات وتعلم فيها الأطفال، ومن المؤسف أن هذه الأماكن لم يتوفر فيها ما يجب توفره في المسجد من النظافة وحسن الاستعداد، ولا تلبث الجمعية أن تبحث عن شخص يؤم الصلاة ويعلم الأطفال والمحفوظ منهم هو الذي يعثر على شخص يحفظ القرآن وإن لم يفهم ما يعني، ولم يكن له دراية بالفقه وأمور التشريع وأهداف الإسلام ومناهجه، فما دام يحفظ القرآن ويطلق لحيته فهو إمام المسجد، وعلى هذا الأساس قام بالإمامة في عدد من المساجد جماعة كبيرة، ولا يلبث الخلاف أن ينشب بين أعضاء الجمعية تنازعا على الرئاسة وقد يأخذ الإمام جانبا دون جانب، ثم يضطر إلى ترك المكان، وقد يجدون شخصا آخر يؤم الصلاة وقد لا يجدون، وقد تنضب موارد الجمعية فتعجز عن أداء راتب الإمام فيضطر للبحث عن مكان آخر وهكذا دواليك. . ليس هناك تخطيط ولا إعداد، وإنما هو شيء خير من لا شيء. ونظرا لضعف الموارد المالية وعدم الفهم الصحيح نشأت مجموعة من الناس تحترف الإمامة بالمساجد وتعيش عليها، وحسبها أن تؤم الصلاة وتقرأ القرآن أما شرح الإسلام للمسلمين وبيان مثله وآدابه وسلوكه فليس هناك ما يعين على تقديمه، وبالطبع فالعجز بالنسبة لتقديم الإسلام لغير المسلمين أو الإجابة على الاستفسارات التي تقدم أكثر وضوحا ويمكن أن يقال بوجه عام: إن المساجد في انجلترا تعاني من عدم الكفاءات الدينية التي تتولى الإمامة، وتعاني من الضعف المالي الذي يعجز القائمين عليها عن الوفاء بالتزامات المسجد، وقد يكون هذا سببا في النقص الأول أيضا، والمسجد في بلد مثل إنجلترا مطالب بأداء وظائف كثيرة إلى جانب وظيفته التقليدية، ولا يمكن أن يقوم بذلك إلا بوجود الإمام المستنير وهذا يدفعنا إلى أن نفكر جديا في وسيلة إعداد الدعاة إعدادا يتفق مع متطلبات العصر، ويجب أن ينطلق هذا التفكير من القائمين على التوجيه الديني في العالم الإسلامي، وإعداد تخطيط جديد لتخريج أفواج من الدعاة مزودين بزاد كاف من المعرفة ورحابة الأفق والقدرة على مواجهة الأحداث الجديدة بعقل مستنير ودين متين وخلق قويم وقلب متفتح نقي وإدراك واع لظروف الحياة من حولهم ويا حبذا لو اتخذت الخطوة الأولى في مؤتمرنا هذا. هذا من ناحية الإمام وهو حجر الزاوية في نجاح المسجد، أما من ناحية الإدارة فإن الشعور بالمسئولية يدعونا أن نضع لها من الترتيبات والضمانات ما يحميها من الأهواء الشخصية ويرتفع بها فوق رغبات النفس وحب الرياسة

стр. 1726

إنني وأنا أكتب هذا المعنى ويتمثل في خاطري الحالة المحزنة لمسجد نور الإسلام بكاديق وهو مسجد بناه المسلمون اليمنيون هناك منذ عام ١٩٤٧ بأموالهم الخاصة وأقاموا من حوله خمسة منازل ينفق من ريعها على احتياجات المسجد، وظل الأمر مستقيما حتى دب الخلاف بين أفراد الجالية وتأثر المسجد وآلت المنازل للسقوط وصار المسجد مبنى متواضعا بين مجموعة من الخرائب تصد النفس عنه وتؤذي إحساس ذوي الخلق والدين، ولو كان هناك مؤسسة عامة ترعى شئون المساجد في إنجلترا لأمكن أن يتفادى مثل هذه الحالة المحزنة وهي مثل ينطبق على كثير غيره وتفاديا لوقوع مثل هذه الأمور أقترح أن تنشأ لجنة ترعى شئون المساجد في إنجلترا يكون مقرها المركز الإسلامي بلندن، تتكون من مدير المركز وأعضاء من السفارات التي تقدم تبرعات للمساجد، وتقدم الدول المتبرعة الأموال إلى هذه اللجنة وتحال عليها الطلبات المقدمة للمساعدة، أو تقترح هي ما تراه، ويوكل إلى هذه اللجنة اتخاذ ما تراه من وسائل لحماية المساجد واختيار الأئمة الصالحين للقيام بمهمة الإمامة، وأعتقد أن هذا سيساعد كثيرا على تحسين أوضاع المساجد في إنجلترا ومساعدتها على تأدية رسالتها. وتقوم اللجنة أيضا بالإشراف على النشاط الثقافي وتقديم التوصيات بما يصح أن يطبع ويوزع ولا بأس أن ينضم إلى اللجنة بعض الأفراد المعروفين بالاستنارة والنشاط والإخلاص والفهم من أعضاء الجالية. هناك نقطة أخيرة ترتبط بحياة المسلمين في بلد كإنجلترا ويكون للإمام المستنير أثر فعال إذا ما استطاع أن يضمن معاونة بعض المؤسسات الإسلامية في تنفيذها: ذلك أن المسلمين الذين يعيشون في إنجلترا بحكم التزاماتهم الأسرية يبحثون كغيرهم في إقامة مساكن لهم ولأسرهم ويرغبون في شراء بعض المنازل، وليس أماهم إلا أن يتقدموا لشركات البناء كغيرهم من المواطنين لمعاونتهم، وبتقديمهم لشركة البناء فإنهم يقبلون شروطها التي تعني أن يقبلوا التعامل بالربا، وصورة التعامل هكذا: أن يذهب الراغب في الشراء إلى الجمعية ويبدي رغبته في شراء بيت معين يملك جزءا من ثمنه وتدفع له الشركة الباقي وتتقاضى منه شهريا مبلغا محددا لعدد من السنوات ويصل ما تسترده الشركة أضعاف ما دفعته، وهو مضطر أن يقبل وفي قبوله موافقة على التعامل بالربا ونستطيع أن نحمي المسلم من التعامل بالربا ونحقق لأصحاب رءوس الأموال منا ربحا حلالا، وذلك بأن ننشئ جمعية إسلامية للمباني تساعد المسلمين الذين يريدون شراء منازل على أن تكون الشركة شريكة للمشتري بنسبة ما تدفعه وما يسدد شهريا يعتبر جزء منه إيجارا لنصيبها والجزء الآخر يحتسب من الثمن، ويتفق على أن تؤول ملكية البيت كله إلى المشتري بعد فترة يتفق عليها وبذلك ينجو المسلم من التعامل بالربا وينمو مال صاحب الأموال نموا حلالا.

стр. 1727

ومثل هذه الصورة: رجل الأعمال المسلم الذي يتعامل مع غيره ويحتاج أن يشتري صفقة قد يلجأ إلى البنك ليدفع عنه نظير ربح معين، فلو أنشأنا شركة أو بنكا إسلاميا يتعامل مع رجال الأعمال المسلمين على أن يكون التعامل على أساس الشركات التي اعترف بها الإسلام لأنشأنا مجالا للتعامل الإسلامي يشجع الكثيرين على العمل والكسب الحلال. وصورة ذلك في الإسلام مأخوذة من أن يقدم صاحب المال ماله لصاحب الخبرة يعمل له فيه ويتقاسمان الربح حسب اتفاقهما. نسأل الله أن يلهمنا الصواب والسداد والعمل بما يقتضيه الإسلام. . .

стр. 1728

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ (١) ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ (٢) ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٣) ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ (٤) ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ (٥) صدق الله العظيم (الآيات ١٩ - ٢٣) سورة الحجر

стр. 1729

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (١)

стр. 1730

لجنة الإشراف سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز فضيلة الشيخ: إبراهيم بن صالح آل الشيخ فضيلة الشيخ: سعد بن محمد بن فريان فضيلة الشيخ: عثمان الصالح أشرف على التحرير الأساتذة: جمال النهري عبد الله البغادي أحمد أبو شلباية المراسلات: رئيس التحرير مجلة البحوث الإسلامية المملكة العربية السعودية - الرياض جنوب شارع عسير تليفون: ٤٣٥٩٧١٢ - ٤٥٩٦٠٦٢

стр. 1731

مجلة البحوث الإسلامية مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - الرياض رئيس التحرير عثمان الصالح الإشراف الفني جمال النهري مجلة فصلية تصدر كل ثلاثة أشهر المحرم صفر ربيع الأول ربيع الثاني جمادى الأولى جمادى الثانية

стр. 1732

المحتويات ١ الدعوة إلى الله وأخلاق العباد سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ٦ ٢ وعد بطائفة ناجية فضيلة الشيخ عثمان الصالح رئيس التحرير ٢٦ أبحاث هيئة كبار العلماء ٣ حكم تشريح جثة المسلم اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ٣٥ ٤ القسامة اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ٨٣ ٥ هدي التمتع والقران اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ١٨٣ كتاب العدد ٦ التسعير في نظر الشريعة الإسلامية الدكتور محمد بن أحمد الصالح ٢٣٣

стр. 1733

٧ الإسراء وفلسطين ودولة اليهود الشيخ أسعد بيوض التميمي ٢٧٧ ٨ المرسل عند الإمام الشافعي الدكتور خليل إبراهيم ملا خاطر ٢٨٩ ٩ إيجاد المعادلة بطريقة التوسط لابن الهيثم الدكتور علي عبد الله الدفاع ٣٠٣ ١٠ الواحد الصمد الأستاذ مصطفى الحديدي الطير ٣١٧ ١١ من ملفات الإفتاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ٣٢٥ ١٢ بريد المجلة التحرير ٣٤٧ ١٣ المسلمون في العالم اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ٣٧٢

стр. 1734

الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة . . عبد العزيز بن عبد الله بن باز سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه، أرسله إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين ساروا على طريقته في الدعوة إلى سبيله، وصبروا على ذلك، وجاهدوا فيه حتى أظهر الله بهم دينه، وأعلى كلمته ولو كره المشركون، وسلم تسليما كثيرا، أما بعد: فإن الله إنما خلق الجن والإنس ليعبد وحده لا شريك له، وليعظم أمره ونهيه، وليعرف بأسمائه وصفاته، كما قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) وقال :

стр. 1735

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (١) فبين سبحانه أنه خلق الخلق ليعبد، ويعظم، ويطاع أمره ونهيه؛ لأن العبادة هي توحيده وطاعته مع تعظيم أوامره ونواهيه، وبين أيضا أنه خلق السماوات والأرض، وما بينهما ليعلم أنه على كل شيء قدير، وأنه قد أحاط بكل شيء علما. فعلم بذلك أن من الحكمة في إيجاد الخليقة: أن يعرف الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأنه على كل شيء قدير، وأنه العالم بكل شيء جل وعلا، كما أن من الحكمة في خلقهم وإيجادهم أن يعبدوه ويعظموه ويقدسوه ويخضعوا لعظمته؛ إذ العبادة هي الخضوع لله جل وعلا والتذلل له، وسميت الوظائف التي أمر الله بها المكلفين من أوامر وترك نواه عبادة؛ لأنها تؤدى بالخضوع والتذلل لله . ثم لما كانت العبادة لا يمكن أن تستقل بتفاصيلها العقول، كما أنه لا يمكن أن تعرف بها الأحكام من الأوامر والنواهي على التفصيل، أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب لبيان الأمر الذي خلق الله من أجله الخلق، ولإيضاحه وتفصيله للناس حتى يعبدوا الله على بصيرة، وحتى ينتهوا عما نهاهم عنه على بصيرة، فالرسل عليهم الصلاة والسلام هم هداة الخلق، وهم أئمة الهدى ودعاة الثقلين جميعا إلى طاعة الله وعبادته، فالله سبحانه أكرم العباد بهم ورحمهم بإرسالهم إليهم، وأوضح على أيديهم الطريق السوي والصراط المستقيم حتى يكون الناس على بينة من أمرهم، وحتى لا يقولوا: ما ندري ما أراده الله منا، ما جاءنا من بشير ولا نذير، فقطع الله المعذرة، وأقام الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب، كما قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٣)، وقال : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (٤) الآية، وقال سبحانه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (٥) الآية،

стр. 1736

فبين سبحانه أنه أرسل الرسل وأنزل معهم الكتب ليحكم بين الناس بالحق والقسط، وليوضح للناس ما اختلفوا فيه من الشرائع والعقائد من توحيد الله وشريعته ، فإن قوله : ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (١) يعني على الحق لم يختلفوا من عهد آدم ﵊ إلى نوح. . كان الناس على الهدى كما قال ابن عباس ﵄ وجماعة من السلف والخلف، ثم وقع الشرك في قوم نوح، فاختلفوا فيما بينهم، واختلفوا فيما يجب عليهم من حق الله، فلما وقع الشرك والاختلاف أرسل الله نوحا ﵊، وبعده الرسل، كما قال : ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣) فالله أنزل الكتاب ليبين حكم الله فيما اختلف فيه الناس، وليبين شرعه فيما جهله الناس، وليأمر الناس بالتزام شرع الله والوقوف عند حدوده، وينهى الناس عما يضرهم في العاجل والآجل، وقد ختم الرسل جل وعلا بأفضلهم وإمامهم وبسيدهم نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، عليه وعليهم من ربهم أفضل الصلاة والتسليم، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، ودعا إلى الله سرا وجهرا، وأوذي في الله أشد الأذى، ولكنه صبر على ذلك، كما صبر من قبله من الرسل عليهم الصلاة والسلام، صبر كما صبروا، وبلغ كما بلغوا، ولكنه أوذي أكثر، وصبر أكثر، وقام بأعباء الرسالة أكمل قيام عليه وعليهم الصلاة والسلام، مكث ثلاثا وعشرين سنة يبلغ رسالات الله ويدعو إليه، وينشر أحكامه، منها ثلاث عشرة سنة في أم القرى (مكة المكرمة) أولا بالسر، ثم بالجهر صدع بالحق، وأوذي وصبر على الدعوة وعلى أذى الناس، مع أنهم يعرفون صدقه وأمانته ويعرفون فضله ونسبه ومكانته، ولكنه الهوى والحسد والعناد من الأكابر، والجهل والتقليد من العامة، فالأكابر جحدوا واستكبروا وحسدوا، والعامة قلدوا واتبعوا وأساءوا، فأوذي بسبب ذلك أشد الأذى ﵊. ويدلنا على أن الأكابر قد عرفوا الحق وعاندوا، قوله سبحانه: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٤)

стр. 1737

فبين سبحانه أنهم لا يكذبون رسول الله ﷺ بل يعلمون صدقه وأمانته في الباطن، وكانوا يسمونه الأمين قبل أن يوحى إليه ﵊ ولكنهم جحدوا الحق حسدا وبغيا عليه ﵊ لكنه ﵊ لم يبال بذلك ولم يكترث به، بل صبر واحتسب وسار في الطريق، ولم يزل داعيا إلى الله جل وعلا، صابرا على الأذى، مجاهدا بالدعوة، كافا عن الأذى، متحملا له، صافحا عما يصدر منهم حسب الإمكان، حتى اشتد الأمر، وعزموا على قتله ﵊، فعند ذلك أذن الله له بالخروج إلى المدينة، فهاجر إليها ﵊، وصارت عاصمة الإسلام الأولى، وظهر فيها دين الله، وصار للمسلمين بها دولة وقوة، واستمر ﵊ في الدعوة وإيضاح الحق، وشرع في الجهاد بالسيف، وأرسل الرسل يدعون الناس إلى الخير والهدى، ويشرحون لهم دعوة نبيهم محمد ﵊ وبعث السرايا، وغزا الغزوات المعروفة حتى أظهر الله دينه على يديه، وحتى أكمل الله به الدين، وأتم عليه وعلى أمته النعمة، ثم توفي ﵊ بعدما أكمل الله به الدين، وبلغ البلاغ المبين ﵊ فتحمل أصحابه من بعده الأمانة، وساروا على الطريق، فدعوا إلى الله ، وانتشروا في أرجاء المعمورة دعاة للحق ومجاهدين في سبيل الله ، لا يخشون في الله لومة لائم ﴿يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ (١) جل وعلا، فانتشروا في الأرض غزاة مجاهدين، ودعاة مهتدين وصالحين مصلحين، ينشرون دين الله، ويعلمون الناس شريعته ويوضحون لهم العقيدة التي بعث الله بها الرسل، وهي إخلاص العبادة لله وحده، وترك عبادة ما سواه من الأشجار والأحجار والأصنام وغير ذلك، فلا يدعى إلا الله وحده، ولا يستغاث إلا به ولا يحكم إلا شرعه ولا يصلى إلا له، ولا ينذر إلا له، إلى غير ذلك من العبادات، وأوضحوا للناس أن العبادة حق لله، وتلوا عليهم ما ورد في ذلك من الآيات مثل قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (٢)، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٣)، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٤)، ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٥)، ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٦) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٧).

стр. 1738

وصبروا على ذلك صبرا عظيما، وجاهدوا في الله جهادا كبيرا ﵃ وأرضاهم، وتبعهم على ذلك أئمة الهدى من التابعين وأتباع التابعين من العرب وغير العرب، ساروا في هذه السبيل، سبيل الدعوة إلى الله ، وتحملوا أعباءها، وأدوا الأمانة، مع الصدق والصبر والإخلاص في الجهاد في سبيل الله، وقتال من خرج عن دينه، وصد عن سبيله ولم يؤد الجزية التي فرضها الله إذا كان من أهلها. فهم حملة الدعوة وأئمة الهدى بعد رسول الله ﷺ ، وهكذا أتباع الصحابة من التابعين وأتباع التابعين وأئمة الهدى ساروا على هذا الطريق كما تقدم، وصبروا في ذلك وانتشر دين الله وعلت كلمته على أيدي الصحابة ومن تبعهم من أهل العلم والإيمان من العرب والعجم من هذه الجزيرة جنوبها وشمالها، ومن غير الجزيرة، ومن سائر أرجاء الدنيا ممن كتب الله له السعادة، ودخل في دين الله، وشارك في الدعوة والجهاد وصبر على ذلك وصارت لهم السيادة والقيادة والأمانة في الدين؛ بسبب صبرهم وإيمانهم وجهادهم في سبيل الله ، وصدق فيهم قوله سبحانه فيما ذكر في بني إسرائيل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (١). صدق هذا في أصحاب الرسول ﷺ وفيمن سار على سبيلهم، صاروا أئمة وهداة ودعاة للحق وأعلاما يقتدى بهم بسبب صبرهم وإيقانهم، فإن بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، فأصحاب الرسول ﵊ وأتباعه بإحسان إلى يومنا هذا هم الأئمة وهم الهداة، وهم القادة في سبيل الحق؛ وبذلك يتضح لكل طالب علم أن الدعوة إلى الله من أهم المهمات، وأن الأمة في كل زمان ومكان في أشد الحاجة إليها، بل في أشد الضرورة إلى ذلك. ويتلخص الكلام في الدعوة إلى الله في أمور: الأمر الأول: حكمها وفضلها.

стр. 1739

الأمر الثاني: كيفية أدائها وأساليبها. الأمر الثالث: بيان الأمر الذي يدعى إليه. الأمر الرابع: بيان الأخلاق والصفات التي ينبغي للدعاة أن يتخلقوا بها وأن يسيروا عليها. فنقول وبالله المستعان وعليه التكلان وهو المعين والموفق لعباده . * * *

стр. 1740

الأمر الأول: بيان حكم الدعوة إلى الله وبيان فضلها أما حكمها، فقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب الدعوة إلى الله ، وأنها من الفرائض، والأدلة في ذلك كثيرة، منها قوله سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١)، ومنها قوله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢)، ومنها قوله : ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣)، ومنها قوله سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٤) فبين - سبحانه - أن أتباع الرسول ﷺ هم الدعاة إلى الله، وهم أهل البصائر، والواجب كما هو معلوم هو اتباعه، والسير على منهاجه ﵊ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٥) وصرح العلماء أن

стр. 1741

الدعوة إلى الله فرض كفاية بالنسبة إلى الأقطار التي يقوم فيها الدعاة، فإن كل قطر وكل إقليم يحتاج إلى الدعوة وإلى النشاط فيها، فهي فرض كفاية إذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين ذلك الواجب، وصارت الدعوة في حق الباقين سنة مؤكدة، وعملا صالحا جليلا. وإذا لم يقم أهل الإقليم، أو أهل القطر المعين بالدعوة على التمام، صار الإثم عاما، وصار الواجب على الجميع، وعلى كل إنسان أن يقوم بالدعوة حسب طاقته وإمكانه، أما بالنظر إلى عموم البلاد، فالواجب أن يوجد طائفة منتصبة تقوم بالدعوة إلى الله جل وعلا في أرجاء المعمورة، تبلغ رسالات الله، وتبين أمر الله بالطرق الممكنة، فإن الرسول ﷺ قد بعث الدعاة، وأرسل الكتب إلى الناس، وإلى الملوك والرؤساء ودعاهم إلى الله . وفي وقتنا اليوم قد يسر الله أمر الدعوة أكثر بطرق لم تحصل لمن قبلنا، فأمور الدعوة اليوم متيسرة أكثر من طرق كثيرة، وإقامة الحجة على الناس اليوم ممكنة بطرق متنوعة عن طريق الإذاعة، وعن طريق التلفزة، وعن طريق الصحافة، من طرق شتى، فالواجب على أهل العلم والإيمان، وعلى خلفاء الرسول أن يقوموا بهذا الواجب، وأن يتكاتفوا فيه، وأن يبلغوا رسالات الله إلى عباد الله، ولا يخشوا في الله لومة لائم، ولا يحابوا في ذلك كبيرا ولا صغيرا ولا غنيا ولا فقيرا، بل يبلغون أمر الله إلى عباد الله كما أنزل الله وكما شرع الله، وقد يكون ذلك فرض عين إذا كنت في مكان ليس فيه من يؤدي ذلك سواك، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه يكون فرض عين، ويكون فرض كفاية، فإذا كنت في مكان ليس فيه من يقوى على هذا الأمر، ويبلغ أمر الله سواك، فالواجب عليك أنت أن تقوم بذلك، فأما إذا وجد من يقوم بالدعوة والتبليغ والأمر والنهي غيرك، فإنه يكون حينئذ في حقك سنة، وإذا بادرت إليه وحرصت عليه كنت بذلك منافسا في الخيرات، وسابقا إلى الطاعات، ومما احتج به على أنها فرض كفاية قوله جل وعلا: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ (١) الآية.

стр. 1742

قال الحافظ ابن كثير عند هذه الآية وجماعة؛ ما معناه: ولتكن منكم أمة منتصبة لهذا الأمر العظيم، تدعو إلى الله، وتنشر دينه، وتبلغ أمره ، ومعلوم أيضا أن الرسول ﵊ دعا إلى الله، وقام بأمر الله في مكة حسب طاقته، وقام الصحابة كذلك ﵃ وأرضاهم بذلك حسب طاقتهم، ثم لما هاجروا قاموا بالدعوة أكثر وأبلغ، ولما انتشروا في البلاد بعد وفاته ﵊ قاموا بذلك أيضا ﵃ وأرضاهم- كل على قدر طاقته وعلى قدر علمه، فعند قلة الدعاة، وعند كثرة المنكرات، وعند غلبة الجهل - كحالنا اليوم - تكون الدعوة فرض عين على كل واحد بحسب طاقته، وإذا كان في محل محدود كقرية ومدينة ونحو ذلك، ووجد فيها من تولى هذا الأمر، وقام به وبلغ أمر الله كفى، وصار التبليغ في حق غيره سنة؛ لأنه قد أقيمت الحجة على يد غيره ونفذ أمر الله على يد سواه. ولكن بالنسبة إلى بقية أرض الله، وإلى بقية الناس، يجب على العلماء حسب طاقتهم، وعلى ولاة الأمر حسب طاقتهم، أن يبلغوا أمر الله بكل ما يستطيعون، وهذا فرض عين عليه على حسب الطاقة والقدرة. وبهذا يعلم أن كونها فرض عين، وكونها فرض كفاية أمر نسبي يختلف، فقد تكون الدعوة فرض عين بالنسبة إلى أقوام وإلى أشخاص، وسنة بالنسبة إلى أشخاص وإلى أقوام؛ لأنه وجد في محلهم وفي مكانهم من قام بالأمر وكفى عنهم. أما بالنسبة إلى ولاة الأمور ومن لهم القدرة الواسعة، فعليهم من الواجب أكثر، وعليهم أن يبلغوا الدعوة إلى ما استطاعوا من الأقطار، حسب الإمكان بالطرق الممكنة، وباللغات الحية التي ينطق بها الناس، يجب أن يبلغوا أمر الله بتلك اللغات حتى يصل دين الله إلى كل أحد باللغة التي يعرفها، باللغة العربية وبغيرها، فإن الأمر الآن ممكن وميسور بالطرق التي تقدم بيانها، طرق الإذاعة والتلفزة والصحافة، وغير ذلك من الطرق التي تيسرت اليوم، ولم تتيسر في السابق، كما أنه يجب على الخطباء في الاحتفالات، وفي الجمع، وفي غير ذلك أن يبلغوا ما استطاعوا من أمر الله ، وأن ينشروا دين الله حسب طاقتهم، وحسب علمهم؛ ونظرا إلى انتشار الدعوة إلى المبادئ الهدامة وإلى الإلحاد، وإنكار رب العباد، وإنكار الرسالات، وإنكار الآخرة، وانتشار الدعوة النصرانية في الكثير من البلدان، وغير ذلك من الدعوات المضللة - نظرا إلى هذا فإن الدعوة إلى الله اليوم أصبحت فرضا عاما، وواجبا على جميع العلماء، وعلى جميع الحكام الذين يدينون بالإسلام، فرض عليهم أن يبلغوا دين الله حسب الطاقة

стр. 1743

والإمكان بالكتابة والخطابة، وبالإذاعة وبكل وسيلة استطاعوا، وأن لا يتقاعسوا عن ذلك، أو يتكلوا على زيد أو عمرو، فإن الحاجة، بل الضرورة ماسة اليوم إلى التعاون والاشتراك، والتكاتف في هذا الأمر العظيم أكثر مما كان قبل ذلك؛ لأن أعداء الله قد تكاتفوا وتعاونوا بكل وسيلة للصد عن سبيل الله، والتشكيك في دينه، ودعوة الناس إلى ما يخرجهم من دين الله ، فوجب على أهل الإسلام أن يقابلوا هذا النشاط المضل، وهذا النشاط الملحد بنشاط إسلامي، وبدعوة إسلامية على شتى المستويات، وبجميع الوسائل وبجميع الطرق الممكنة، وهذا من باب أداء ما أوجب الله على عباده من الدعوة إلى سبيله. * * *

стр. 1744

فضل الدعوة وقد ورد في فضل الدعوة والدعاة آيات وأحاديث كثيرة، كما أنه ورد في إرسال النبي ﷺ الدعاة أحاديث لا تخفى على أهل العلم، ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١). فهذه الآية الكريمة فيها التنويه بالدعاة، والثناء عليهم، وأنه لا أحد أحسن قولا منهم، وعلى رأسهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، ثم أتباعهم على حسب مراتبهم في الدعوة والحلم والفضل، فأنت يا عبد الله، يكفيك شرفا أن تكون من أتباع الرسل، ومن المنتظمين في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) المعنى: لا أحد أحسن قولا منه؛ لكونه دعا إلى الله، وأرشد إليه وعمل بما يدعو إليه، يعني: دعا إلى الحق وعمل به، وأنكر الباطل وحذر منه وتركه، ومع ذلك صرح بما هو عليه، لم يخجل، بل قال: إنني من المسلمين، مغتبطا وفرحا بما من الله به عليه، ليس كمن يستنكف عن ذلك

стр. 1745

ويكره أن ينطق بأنه مسلم، أو بأنه يدعو إلى الإسلام، لمراعاة فلان أو مجاملة فلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، بل المؤمن الداعي إلى الله القوي الإيمان، البصير بأمر الله يصرح بحق الله، وينشط في الدعوة إلى الله، ويعمل بما يدعو إليه، ويحذر ما ينهى عنه، فيكون من أسرع الناس إلى ما يدعو إليه، ومن أبعد الناس عن كل ما ينهى عنه، ومع ذلك يصرح بأنه مسلم، وبأنه يدعو إلى الإسلام، ويغتبط بذلك ويفرح به، كما قال : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (١) فالفرح برحمة الله وفضله فرح الاغتباط، فرح السرور، أمر مشروع، أما الفرح المنهي عنه فهو فرح الكبر، والفرح هذا هو المنهي عنه، كما قال في قصة قارون: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ (٢) هذا فرح الكبر والتعالي على الناس والتعاظم، وهذا هو الذي ينهى عنه. . . أما فرح الاغتباط والسرور بدين الله، والفرح بهداية الله، والاستبشار بذلك والتصريح بذلك ليعلم، فأمر مشروع وممدوح ومحمود. فهذه الآية الكريمة من أوضح الآيات في الدلالة على فضل الدعوة، وأنها من أهم القربات، ومن أفضل الطاعات، وأن أهلها في غاية من الشرف وفي أرفع مكانة، وعلى رأسهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأكملهم في ذلك خاتمهم وإمامهم وسيدهم نبينا محمد -عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام- ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٣) فبين سبحانه أن الرسول ﷺ يدعو على بصيرة، وأن أتباعه كذلك، فهذا فيه فضل الدعوة، وأن أتباع الرسول ﷺ هم الدعاة إلى سبيله على بصيرة، والبصيرة: هي العلم بما يدعو إليه وما ينهى عنه، وفي هذا شرف لهم وتفضيل، وقال النبي الكريم ﵊: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٤)» رواه مسلم في الصحيح، وقال ﵊: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا (٥)» أخرجه مسلم أيضا. وهذا يدل على فضل الدعوة إلى الله ، وصح عنه ﵇ أنه قال لعلي ﵁ وأرضاه: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (٦)» متفق على صحته. وهذا أيضا يدلنا على فضل الدعوة إلى الله وما فيها من الخير العظيم، وأن الداعي إلى الله جل وعلا يعطى مثل أجور من هداه الله على يديه، ولو كان آلاف الملايين، وتعطى أيها الداعية مثل أجورهم. فهنيئا لك أيها الداعية إلى الله بهذا الخير

стр. 1746

العظيم، وبهذا يتضح أيضا أن الرسول ﵊ يعطى مثل أجور أتباعه، فيا لها من نعمة عظيمة يعطى نبينا ﵊ مثل أجور أتباعه إلى يوم القيامة؛ لأنه بلغهم رسالة الله، ودلهم على الخير ﵊، وهكذا الرسل يعطون مثل أجور أتباعهم -عليهم الصلاة والسلام- وأنت كذلك أيها الداعية في كل زمان تعطى مثل أجور أتباعك والقابلين لدعوتك، فاغتنم هذا الخير العظيم وسارع إليه.

стр. 1747

كيفية الدعوة أما كيفية الدعوة وأسلوبها فقد بينها الله في كتابه الكريم، وفيما جاء في سنة نبيه ﵊ ومن أوضح ذلك قوله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) فأوضح سبحانه الكيفية التي ينبغي أن يتصف بها الداعية ويسلكها، يبدأ أولا بالحكمة، والمراد بها الأدلة المقنعة الواضحة الكاشفة للحق، والداحضة للباطل؛ ولهذا قال بعض المفسرين: المعنى: بالقرآن؛ لأنه الحكمة العظيمة؛ لأن فيه البيان والإيضاح للحق بأكمل وجه، وقال بعضهم: معناه بالأدلة من الكتاب والسنة، وبكل حال، فالحكمة كلمة عظيمة، معناها الدعوة إلى الله بالعلم والبصيرة، والأدلة الواضحة المقنعة الكاشفة للحق، والمبينة له، وهي كلمة مشتركة تطلق على معان كثيرة، تطلق على النبوة، وعلى العلم والفقه في الدين، وعلى العقل، وعلى الورع، وعلى أشياء أخرى، وهي في الأصل كما قال الشوكاني ﵀: الأمر الذي يمنع عن السفه، هذه هي الحكمة، والمعنى: أن كل كلمة، وكل مقالة تردعك عن السفه، وتزجرك عن الباطل فهي حكمة، وهكذا كل مقال واضح صريح صحيح في نفسه فهو حكمة، فالآيات القرآنية أولى

стр. 1748

بأن تسمى حكمة، وهكذا السنة الصحيحة أولى بأن تسمى حكمة بعد كتاب الله، وقد سماها الله حكمة في كتابه العظيم، كما في قوله جل وعلا: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (١)، يعني: السنة، وكما في قوله سبحانه: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٢) الآية، فالأدلة الواضحة تسمى حكمة، والكلام الواضح المصيب للحق يسمى حكمة، كما تقدم، ومن ذلك الحكمة التي تكون في فم الفرس: وهي بفتح الحاء والكاف، سميت بذلك؛ لأنها تمنع الفرس من المضي في السير، إذا جذبها صاحبها بهذه الحكمة. فالحكمة كلمة تمنع من سمعها من المضي في الباطل، وتدعوه إلى الأخذ بالحق والتأثر به، والوقوف عند الحد الذي حده الله . فعلى الداعية إلى الله أن يدعو بالحكمة، ويبدأ بها، ويعنى بها، فإذا كان المدعو عنده بعض الجفا والاعتراض دعوته بالموعظة الحسنة، بالآيات والأحاديث التي فيها الوعظ والترغيب، فإن كان عنده شبهة جادلته بالتي هي أحسن، ولا تغلظ عليه، بل تصبر عليه ولا تعجل، ولا تعنف، بل تجتهد في كشف الشبهة، وإيضاح الأدلة بالأسلوب الحسن، هكذا ينبغي لك أيها الداعية أن تتحمل وتصبر ولا تشدد؛ لأن هذا أقرب إلى الانتفاع بالحق وقبوله وتأثر المدعو، وصبره على المجادلة والمناقشة، وقد أمر الله جل وعلا موسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون أن يقولا له قولا لينا وهو أطغى الطغاة، قال الله جل وعلا في أمره لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٣)، وقال الله سبحانه في نبيه محمد ﵊: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٤) الآية، فعلم بذلك أن الأسلوب الحكيم والطريق المستقيم في الدعوة أن يكون الداعي حكيما في الدعوة، بصيرا بأسلوبها، لا يعجل ولا يعنف، بل يدعو بالحكمة، وهي المقال الواضح المصيب للحق من الآيات والأحاديث، وبالموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، هذا هو الأسلوب الذي ينبغي لك في الدعوة إلى الله ، أما الدعوة بالجهل فهذا يضر ولا ينفع، كما يأتي بيان ذلك إن شاء الله عند ذكر أخلاق الدعاة؛ لأن الدعوة مع الجهل بالأدلة قول على الله بغير علم، وهكذا الدعوة بالعنف والشدة ضررها أكثر. وإنما الواجب والمشروع هو الأخذ

стр. 1749

بما بينه الله في سوره النحل، وهو قوله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ (١) الآية. إلا إذا ظهر من المدعو العناد والظلم، فلا مانع من الإغلاظ عليه، كما قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (٢) الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٣). * أما الشيء الذي يدعى إليه، ويجب على الدعاة أن يوضحوه للناس، كما أوضحه الرسل عليهم الصلاة والسلام فهو الدعوة إلى صراط الله المستقيم، وهو الإسلام، وهو دين الله الحق، هذا هو محل الدعوة، كما قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ (٤) فسبيل الله جل وعلا هو الإسلام، وهو الصراط المستقيم، وهو دين الله الذي بعث به نبيه محمدا ﵊، هذا هو الذي تجب الدعوة إليه، لا إلى مذهب فلان ولا إلى رأي فلان، ولكن إلى دين الله، إلى صراط الله المستقيم، الذي بعث الله به نبيه وخليله محمدا ﵊، وهو ما دل عليه القرآن العظيم، والسنة المطهرة الثابتة عن رسول الله ﵊ وعلى رأس ذلك الدعوة إلى العقيدة الصحيحة، إلى الإخلاص لله وتوحيده بالعبادة، والإيمان به وبرسله، والإيمان باليوم الآخر، وبكل ما أخبر الله به ورسوله، هذا هو أساس الصراط المستقيم، وهو الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ومعنى ذلك: الدعوة إلى توحيد الله والإخلاص له، والإيمان به وبرسله عليهم الصلاة والسلام، ويدخل في ذلك الدعوة إلى الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسله، مما كان وما يكون من أمر الآخرة، وأمر آخر الزمان وغير ذلك، ويدخل في ذلك أيضا الدعوة إلى ما أوجب الله من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت إلى غير ذلك، ويدخل أيضا في ذلك الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ بما شرع الله في الطهارة والصلاة والمعاملات والنكاح والطلاق والجنايات والنفقات والحرب والسلم وفي كل شيء لأن دين الله دين شامل يشمل مصالح العباد في المعاش والمعاد ويشمل كل ما يحتاج إليه الناس في أمر دينهم ودنياهم، ويدعو إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وينهى عن سفاسف الأخلاق وعن سيئ الأعمال، فهو عبادة وقيادة، يكون عابدا ويكون قائدا للجيش، عبادة وحكم، يكون عابدا مصليا صائما ويكون حاكما بشرع الله منفذا لأحكامه ، عبادة وجهاد، يدعو إلى الله

стр. 1750

ويجاهد في سبيل الله من خرج عن دين الله، مصحف وسيف، يتأمل القرآن ويتدبره وينفذ أحكامه بالقوة ولو بالسيف إذا دعت الحاجة إليه، سياسة واجتماع، فهو يدعو إلى الأخلاق الفاضلة والأخوة الإيمانية، والجمع بين المسلمين والتأليف بينهم، كما قال جل وعلا ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١) فدين الله يدعو إلى الاجتماع وإلى السياسة الصالحة الحكيمة التي تجمع ولا تفرق، تؤلف ولا تباعد، تدعو إلى صفاء القلوب واحترام الأخوة الإسلامية والتعاون على البر والتقوى والنصح لله ولعباده، وهو أيضا يدعو إلى أداء الأمانة والحكم بالشريعة وترك الحكم بغير ما أنزل الله كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (٢) وهو أيضا، سياسة واقتصاد، كما أنه سياسة وعبادة وجهاد، فهو يدعو إلى الاقتصاد الشرعي المتوسط، ليس رأسماليا غاشما ظالما لا يبالي بالحرمات، ويجمع المال بكل وسيلة وبكل طريق، وليس اقتصادا شيوعيا إلحاديا لا يحترم أموال الناس، ولا يبالي بالضغط عليهم وظلمهم والعدوان عليهم، فليس هذا ولا هذا، بل هو وسط بين الاقتصادين، ووسط بين الطريقين، وحق بين الباطلين، فالغرب عظموا المال وغلوا في حبه وفي جمعه، حتى جمعوه بكل وسيلة، وسلكوا فيه ما حرم الله ، والشرق من الملحدين من السوفييت ومن سلك سبيلهم لم يحترموا أموال العباد، بل أخذوها واستحلوها، ولم يبالوا بما فعلوا في ذلك، بل استعبدوا العباد، واضطهدوا الشعوب، وكفروا بالله، وأنكروا الأديان، وقالوا: لا إله، والحياة: مادة، فلم يبالوا بهذا المال، ولم يكترثوا بأخذه بغير حله، ولم يكترثوا بوسائل الإبادة والاستيلاء على الأموال، والحيلولة بين الناس وبين ما فطرهم الله عليه من الكسب والانتفاع، والاستفادة من قدراتهم ومن عقولهم، وما أعطاهم الله من الأدوات، فلا هذا ولا هذا. فالإسلام جاء بحفظ المال واكتسابه بالطرق الشرعية البعيدة عن الظلم والغش والربا وظلم الناس والتعدي عليهم، كما جاء باحترام الملك الفردي والجماعي، فهو وسط بين النظامين، وبين الاقتصادين، وبين الطريقين الغاشمين، فأباح المال ودعا إليه، ودعا إلى اكتسابه بالطرق الحكيمة، من غير أن يشغل كاسبه عن طاعة الله ورسوله ﷺ ، وعن أداء ما أوجب الله عليه؛ ولهذا قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٣) وقال النبي ﵊: «كل المسلم على المسلم

стр. 1751

حرام دمه وماله وعرضه (١)» وقال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا (٢)» وقال ﵊: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف بها وجهه خير له من سؤال الناس أعطوه أو منعوه (٣)» «وسئل ﷺ : أي الكسب أطيب؟ فقال: عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور (٤)» وقال ﵊: «ما أكل أحد طعاما أفضل من أن يأكل من عمل يده وكان نبي الله داود يأكل من عمل يده (٥)» فهذا يبين لنا أن نظام الإسلام في المال نظام متوسط، لا مع رأس المال الغاشم من الغرب وأتباعه، ولا مع الشيوعيين الملحدين الذين استباحوا الأموال، وأهدروا حرمات أهلها، لم يبالوا بها، واستعبدوا الشعوب وقضوا عليها، واستحلوا ما حرم الله منها، فلك أن تكسب المال وتطلبه بالطرق الشرعية، وأنت أولى بمالك وبكسبك بالطريقة التي شرعها الله، وأباحها جل وعلا. والإسلام أيضا يدعو إلى الأخوة الإيمانية، وإلى النصح لله ولعباده، وإلى احترام المسلم لأخيه، لا غل ولا حسد ولا غش ولا خيانة، ولا غير ذلك من الأخلاق الذميمة، كما قال جل وعلا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٦) وقال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٧) وقال النبي ﵊: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله (٨)» الحديث، فالمسلم أخو المسلم، يجب عليه احترامه وعدم احتقاره، ويجب عليه إنصافه وإعطاؤه حقه من كل الوجوه التي شرعها الله ، وقال ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا (٩)» وقال ﷺ : «المؤمن مرآة أخيه المؤمن (١٠)» فأنت يا أخي مرآة أخيك، وأنت لبنة من البناء الذي قام عليه بنيان الأخوة الإيمانية، فاتق الله في حق أخيك، واعرف حقه، وعامله بالحق والنصح والصدق، وعليك أن تأخذ الإسلام كله ولا تأخذ جانبا دون جانب، لا تأخذ العقيدة وتدع الأحكام والأعمال، ولا تأخذ الأعمال والأحكام وتدع العقيدة، بل خذ الإسلام كله، خذه عقيدة، وعملا، وعبادة، وجهادا، واجتماعا، وسياسة، واقتصادا وغير ذلك، خذه من كل الوجوه، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (١١) قال جماعة من السلف: معنى ذلك: ادخلوا في السلم جميعه، يعني: في الإسلام، يقال للإسلام سلم؛ لأنه طريق السلامة، وطريق النجاة في الدنيا والآخرة، فهو سلم وإسلام،

стр. 1752

فالإسلام يدعو إلى السلم، يدعو إلى حقن الدماء بما شرع من الحدود والقصاص والجهاد الشرعي الصادق، فهو سلم وإسلام، وأمن وإيمان؛ ولهذا قال جل وعلا: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (١) أي: ادخلوا في جميع شعب الإيمان، لا تأخذوا بعضا وتدعوا بعضا، عليكم أن تأخذوا بالإسلام كله، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (٢) يعني: المعاصي التي حرمها الله فإن الشيطان يدعو إلى المعاصي وإلى ترك دين الله كله، فهو أعدى عدو؛ ولهذا يجب على المسلم أن يتمسك بالإسلام كله، وأن يدين بالإسلام كله، وأن يعتصم بحبل الله ، وأن يحذر أسباب الفرقة والاختلاف في جميع الأحوال، فعليك أن تحكم شرع الله في العبادات، وفي المعاملات، وفي النكاح والطلاق، وفي النفقات، وفي الرضاع، وفي السلم والحرب، ومع العدو والصديق، وفي الجنايات، وفي كل شيء. دين الله يجب أن يحكم في كل شيء، وإياك أن توالي أخاك لأنه وافقك في كذا، وتعادي الآخر لأنه خالفك في رأي أو في مسألة، فليس هذا من الإنصاف، فالصحابة ﵃ اختلفوا في مسائل ومع ذلك لم يؤثر ذلك في الصفاء بينهم والموالاة والمحبة ﵃ وأرضاهم. فالمؤمن يعمل بشرع الله، ويدين بالحق، ويقدمه على كل أحد بالدليل، ولكن لا يحمله ذلك على ظلم أخيه وعدم إنصافه إذا خالفه في الرأي في مسائل الاجتهاد التي قد يخفى دليلها، وهكذا في المسائل التي قد يختلف في تأويل النص فيها، فإنه قد يعذر، فعليك أن تنصح له، وأن تحب له الخير، ولا يحملك ذلك على العداء والانشقاق، وتمكين العدو منك ومن أخيك، ولا حول ولا قوة إلا بالله. الإسلام دين العدالة، ودين الحكم بالحق والإحسان، دين المساواة إلا فيما استثنى الله ، ففيه الدعوة إلى كل خير، وفيه الدعوة إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، والإنصاف والعدالة والبعد عن كل خلق ذميم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٤). والخلاصة: أن الواجب على الداعية الإسلامي أن يدعو إلى الإسلام كله، ولا يفرق بين الناس، وأن لا يكون متعصبا لمذهب دون مذهب، أو لقبيلة دون قبيلة، أو لشيخه أو رئيسه أو غير ذلك، بل الواجب أن يكون هدفه إثبات الحق وإيضاحه، واستقامة الناس عليه، وإن خالف رأي فلان أو فلان أو فلان، ولما نشأ في الناس من يتعصب للمذاهب

стр. 1753

ويقول: إن مذهب فلان أولى من مذهب فلان، جاءت الفرقة والاختلاف، حتى آل ببعض الناس هذا الأمر إلى ألا يصلي مع من هو على غير مذهبه، فلا يصلي الشافعي خلف الحنفي، ولا الحنفي خلف المالكي ولا خلف الحنبلي، وهكذا وقع من بعض المتطرفين المتعصبين، وهذا من البلاء ومن اتباع خطوات الشيطان، فالأئمة أئمة هدى: الشافعي، ومالك، وأحمد، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، وأشباههم كلهم أئمة هدى ودعاة حق، دعوا الناس إلى دين الله، وأرشدوهم إلى الحق، ووقع هناك مسائل بينهم، اختلفوا فيها؛ لخفاء الدليل على بعضهم، فهم بين مجتهد مصيب له أجران، وبين مجتهد أخطأ الحق فله أجر واحد، فعليك أن تعرف لهم قدرهم وفضلهم، وأن تترحم عليهم، وأن تعرف أنهم أئمة الإسلام ودعاة الهدى، ولكن لا يحملك ذلك على التعصب والتقليد الأعمى، فتقول: مذهب فلان أولى بالحق بكل حال، أو مذهب فلان أولى بالحق لكل حال لا يخطئ، لا، هذا غلط. عليك أن تأخذ بالحق، وأن تتبع الحق إذا ظهر دليله ولو خالف فلانا أو فلانا، وعليك ألا تتعصب وتقلد تقليدا أعمى، بل تعرف للأئمة فضلهم وقدرهم، ولكن مع ذلك تحتاط لنفسك ودينك، فتأخذ بالحق وترضى به، وترشد إليه إذا طلب منك، وتخاف الله وتراقبه جل وعلا، وتنصف من نفسك، مع إيمانك بأن الحق واحد، وأن المجتهدين إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد - أعني مجتهدي أهل السنة أهل العلم والإيمان والهدى - كما صح بذلك الخبر عن رسول الله ﷺ . * * *

стр. 1754

أما المقصود من الدعوة والهدف منها فالمقصود والهدف إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وإرشادهم إلى الحق حتى يأخذوا به، وينجوا من النار، وينجوا من غضب الله، وإخراج الكافر من ظلمة الكفر إلى النور والهدى، وإخراج الجاهل من ظلمة الجهل

стр. 1755

إلى نور العلم، والعاصي من ظلمة المعصية إلى نور الطاعة، هذا هو المقصود من الدعوة، كما قال جل وعلا: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (١) فالرسل بعثوا ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، ودعاة الحق كذلك يقومون بالدعوة وينشطون لها؛ لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولإنقاذهم من النار ومن طاعة الشيطان، ولإنقاذهم من طاعة الهوى إلى طاعة الله ورسوله. . أما أخلاق الدعاة وصفاتهم التي ينبغي أن يكونوا عليها فقد أوضحها الله جل وعلا في آيات كثيرة منها الإخلاص، فيجب على الداعية أن يكون مخلصا لله لا يريد رياء ولا سمعة ولا ثناء الناس ولا حمدهم، إنما يدعو إلى الله يريد وجهه ، كما قال سبحانه ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) وقال : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ (٣) فعليك أن تخلص لله ، هذا أهم الأخلاق، هذا أعظم الصفات أنت تكون في دعوتك تريد وجه الله والدار الآخرة. الأمر الثاني: أن تكون على بينة في دعوتك، أي على علم، لا تكن جاهلا بما تدعو إليه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (٤) فلا بد من العلم، فالعلم فريضة، فإياك أن تدعو على جهالة، وإياك أن تتكلم فيما لا تعلم، فالجاهل يهدم ولا يبني، ويفسد ولا يصلح، فاتق الله يا عبد الله، إياك أن تقول على الله بغير علم، لا تدعو إلى شيء إلا بعد العلم به والبصيرة بما قاله الله ورسوله، فلا بد من بصيرة وهي العلم، فعلى طالب العلم وعلى الداعية أن يتبصر فيما يدعو إليه، وأن ينظر فيما يدعو إليه ودليله، فإن ظهر له الحق وعرفه دعا إلى ذلك، سواء كان ذلك فعلا أو تركا، فيدعو إلى الفعل إذا كان طاعة لله ورسوله، ويدعو إلى ترك ما نهى الله عنه ورسوله على بينة وبصيرة.
следующие страницы →