← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 17606–17645 · переход к 17611.

стр. 17606

عند الله ولي له، من أهل الجنة (١)، وأول من ابتدع هذا النوع محمد بن كرام السجستاني المجسم، عاش في أوائل القرن الثالث. حيث قال: إن الإيمان هو القول باللسان فقط دون تصديق القلب وعمل الجوارح. ولم يكن هذا النوع معروفا قبله، وهذا القول هو أفسد الأقوال وآخرها حدوثا. يقول ابن تيمية: لم يكن حدث في زمن السلف من المرجئة من يقول: الإيمان بمجرد القول بلا تصديق ولا معرفة، فإن هذا: إنما أحدثه ابن كرام، وهذا هو الذي انفرد به ابن كرام (٢) وهذه هي الطائفة الثانية من المرجئة الغلاة (٣).

стр. 17607

ثانيا: رأي المرجئة في حكم مرتكب الكبيرة مع المناقشة: (أ): رأي المرجئة في حكم مرتكب الكبيرة. اختلف المرجئة في حكم مرتكب الكبيرة، فمنهم من وافق أهل السنة كمرجئة الفقهاء حيث كان إرجاؤهم في تأخير العمل عن الإيمان فقط. يقول ابن تيمية - وهو يتكلم عن العمل هل هو داخل في الإيمان أم لا؟ -: ومما ينبغي أن يعرف أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي وإلا فالقائلون بأن الإيمان قول من الفقهاء كحماد بن أبي سليمان وهو أول من قال ذلك، ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيرهم، متفقون مع جميع علماء السنة على أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد، وإن قالوا إن إيمانهم كامل كإيمان جبريل، فهم يقولون: إن الإيمان بدون العمل المفروض، ومع فعل المحرمات، يكون صاحبه مستحقا للذم والعقاب كما تقول الجماعة، ويقولون أيضا بأن من أهل الكبائر من يدخل النار كما تقوله الجماعة (١). ومنهم من خالف أهل السنة، كالمرجئة الغلاة حيث قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة. فمن قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، وحرم ما حرم الله، وأحل ما أحل الله دخل الجنة ابتداء ولو مات من غير توبة، وإن زنى وسرق وقتل وشرب الخمر وقذف المحصنات وترك الصلاة. . إذا كان مقرا بها لا يضر وقوعه في الكبائر وركوبه الفواحش وتركه الفرائض، وإن فعل ذلك مستحلا كان كافرا بالله وخرج من إيمانه فصار من أهل النار (٢).

стр. 17608

قال الإمام أبو حنيفة: " ولا نقول إن المؤمن لا تضره الذنوب ولا نقول إنه لا يدخل النار. . كما قالت المرجئة " (١). وقال الماتريدي: " قالت المرجئة لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة " (٢). ويقول ابن تيمية - وهو يتكلم عن أصحاب الذنوب -: ". . . ولكن الأقوال المنحرفة قول من يقول بتخليدهم في النار. .، وقول غلاة المرجئة الذين يقولون: ما نعلم أحدا منهم يدخل النار بل نقف في هذا كله. وحكي عن بعض غلاة المرجئة الجزم بالنفي. . . " (٣). وهذا مبني على أصلهم الفاسد، وهو أنه لا يتصور أن الشخص يدخل الجنة والنار معا بل إذا دخل أحدهما فلا يدخل الأخرى، وبناء على هذا قالوا: " إن أهل الذنوب يدخلون الجنة ولا يدخلون النار أبدا " (٤).

стр. 17609

(ب): شبهاتهم والجواب عليها . لقد تمسك المرجئة في قولهم بهذه البدعة بشبهات منها: ما ورد في الكتاب والسنة من نصوص فيها الوعد لعباده المؤمنين، وإليك البعض منها مع الجواب. الشبهة الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١).

стр. 17610

وجه الاستدلال: قالوا: إن الآية تدل على أن الشرك وحده لا يغفر وما دون ذلك فهو مغفور، ومرتكب الكبيرة ليس بمشرك فهو مغفور له (١). الجواب: يقال لهم: استدلالكم باطل لما يلي: (أ) أن المغفرة معلقة بالمشيئة ففيها دليل على التقسيم (٢). وهو أن من العصاة من يعذب، ومنهم من لا يعذب، وعليه فالآية حجة عليكم لا لكم. (ب) لو كانت المغفرة لكل أحد - كما تزعمون - لبطل قوله تعالى: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) فلما أثبت أنه يغفر ما دون ذلك، وأن المغفرة هي لمن يشاء دل ذلك على وقوع المغفرة العامة لما دون الشرك لكنها لبعض الناس (٤). وبذلك يتضح بطلان استدلالكم بالآية على ما تزعمونه، والله أعلم.

стр. 17611

الشبهة الثانية: قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (١) الآية. وجه الاستدلال: أن الله تعالى حكم بغفران الذنوب جميعا، ولم يشترط التوبة، وذلك يدل على أنه تعالى يغفر الذنوب قبل التوبة وبعدها (٢)، وإذا غفرت ذنوب مرتكب الكبيرة لم يدخل النار. الجواب: نقول لهم المراد بأن الله تعالى يغفر الذنوب جميعا مع التوبة.

стр. 17612

وحمل الآية على هذا المعنى أولى لوجهين. الأول: أنا إذا حملناها على هذا الوجه فقد حملناها على جميع الذنوب - على ما هو ظاهر الآية - وإن حملناها على ما ذكرتم، لم يمكن حمله على ظاهر الآية؛ لأنه تعالى لا يغفر جميع الذنوب من غير توبة؛ إذ الكفر ذنب والله لا يغفره إلا مع التوبة. الثاني: أنه تعالى ذكر عقيب هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ (١) والإنابة هي التوبة (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد ذكرنا في غير موضع أن هذه الآية في حق التائبين. . . ثم قال: الآية فيها نهي عن القنوط من رحمة الله، وإن عظمت الذنوب فلا يحل لأحد أن يقنط من رحمة الله. . ولا أن يقنط الناس من رحمة الله، والقنوط: يكون بأن يعتقد أن الله لا يغفر له؛ إما لكونه إذا تاب لا يقبل الله توبته ويغفر ذنبه، وإما أن يقول نفسه لا تطاوعه على التوبة. . فهو ييأس من توبة نفسه (٣). وإذا كانت الآية في حق التائب لم يبق فيها دلالة على ما تزعمه المرجئة، والله أعلم.

стр. 17613

الشبهة الثالثة: قول تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ (١) ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (٢). وجه الاستدلال: قالوا: قد أخبرنا الله في هذه الآية - أن النار لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فصح أن من لم يكذب

стр. 17614

ولا تولى لا يصلاها، قالوا: ووجدنا أن مرتكبي الكبائر- مما دون الشرك - كلهم لم يكذبوا ولا تولوا بل هم مصدقون معترفون بالإيمان، فصح أنهم لا يصلونها، وأن المراد بالوعيد المذكور في هذه الآية وأمثالها إنما هو فعل تلك الأفاعيل من الكفار خاصة (١). الجواب: من وجوه منها. الأول: قيل أن المراد بهذه النار: نار مخصوصة - كما قاله الزجاج - وعدم دخوله هذه النار لا يمنع من دخوله غيرها. . وقيل: لا يصلاها صلي خلود، وهذا أقرب، وعليه فمن دخل النار وخرج منها فإنه نوع من الصلي، لكنه ليس الصلي المطلق وهو صلي الخلود، لا سيما إذا كان قد لبث فيها والنار لم تأكله؛ فإنه قد ثبت أنها لا تأكل مواضع السجود (٢). الثاني: على التسليم بأن الآية تدل على أن الكفار هم المخصوصون بالعذاب، فإن هذا لا يمنع ما يحصل لبعض المؤمنين من تمحيص في النار بسبب ذنوبهم - كما دلت عليه بعض النصوص، من مثل قوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (٣). وكما ورد في الحديث الصحيح: أن فيه من يدخل النار بذنوبه ثم يخرج منها وعليه فإنه لا دلالة في الآية على ما تزعمه المرجئة، والله أعلم.

стр. 17615

الشبهة الرابعة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١). وجه الاستدلال: قالوا الآية تدل على أن كل محسن رحمة الله قريبة منه، ومرتكب الكبيرة قد قال لا إله إلا الله فهو محسن، وإذا كان محسنا فرحمة الله قريبة منه، ومن ﵀ فلا يعذب (٢). الجواب: نقول استدلالكم باطل لما يلي: (أ) أن الآية تدل على أن رحمة الله قريب من عباده المحسنين، لكنها لا تفسر بمنع العذاب في النار لمن أخطأ منهم؛ لأن عذاب الله للمخطئ عدل، والعدل لا يضاد الرحمة. (ب) أنه لولا رحمة الله لهؤلاء المخطئين لطال عذابهم، ولكن رحمته كانت السبب في التجاوز عن كثير من خطاياهم وإدخالهم الجنة؛ لما روى أنس عن النبي ﷺ قال: «ليصيبن أقواما سفع من النار بذنوب أصابوها عقوبة، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته، يقال لهم الجهنميون (٣)» وبذلك اتضح أن الله عذب الفساق بعدله، وتجاوز عن كثير من خطاياهم برحمته. ولم يستلزم العدل انتفاء الرحمة، ولا الرحمة انتفاء العذاب بعدله سبحانه. (ج) على التسليم بما تزعمونه فإن رحمة الله مقيدة بالمشيئة؛ لما روى أبو هريرة

стр. 17616

أن النبي ﷺ قال: «تحاجت الجنة والنار. . . إلى أن قال: فقال الله تعالى للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء (١)» الحديث، وإذا كانت الرحمة مقيدة بالمشيئة لم يبق في الآية دلالة على ما تزعمونه، والله أعلم.

стр. 17617

الشبهة الخامسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (١). وجه الاستدلال: قالوا: هذه الآية صريحة في أن ماهية العذاب مختصة بمن كذب بالله تعالى وكان موليا عن دينه. ومن لم يكن مكذبا بالله تعالى ولا متوليا عن دينه لم يكن للعذاب به تعلق (٢). ومرتكب الكبيرة ليس مكذبا ولا متوليا عن دين الله؛ إذا ليس للعذاب به تعلق. الجواب: نقول: الآية تؤكد بأن الكافر المكذب المتولي هو المخصص بالعذاب الأبدي، وهذا لا يمنع من حصول بعض العذاب لمن ارتكب كبيرة أو ذنبا (٣)، ثم إن عذاب الله لمرتكب الكبيرة إنما هو تطهير ولبعض مرتكبي الكبائر حسب إرادة الله ومشيئته. وعليه فكلمة العذاب بمعناها الحقيقي لا تشمل ما يحصل لبعض مرتكبي الكبائر من تطهير، وإذا لم تشمله لم يبق في هذه الآية دلالة على عدم دخول مرتكبي الكبائر في النار، والله أعلم.

стр. 17618

الشبهة السادسة: استدلوا بعموم النصوص التي فيها الوعد لمن ارتكب الكبيرة بأن لا يخلد في النار، كقوله تعالى: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ (١). وجه الاستدلال: أن لفظ الكفور للمبالغة، فوجب أن يختص هذا الحكم بالكافر الأصلي (٢)، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٣). وجه الاستدلال: قالوا: إن هذه الآية دلت على اختصاص الخزي بالكافرين، ثم إن كل من دخل النار فقد حصل له الخزي لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ (٤) فلما لم يحصل الخزي إلا للكفار وجب ألا يحصل دخول النار إلا لهم (٥). وغيرهما من نصوص الوعيد. الجواب: يقال لهم: أولا: هذه الآيات إنما تدل على أن الكافر هو المخصص بالعذاب الأبدي. يقول القرطبي: إن الكافر يجازى بكل سوء عمله، أما المؤمن فإنه يجزى ولا يجازى؛ لأنه يثاب. فقوله: ﴿وَهَلْ نُجَازِي﴾ (٦) أي نكافئ السيئة بمثلها. وقال طاوس: هو المناقشة في الحساب أما الموحد فلا يناقش الحساب (٧). وعن قتادة عن أنس: في قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ (٨) الآية

стр. 17619

قال: من تخلد. وعن ابن جريح قال: هو من يخلد فيها (١). وإذا كانت هذه الآيات إنما تدل على اختصاص الكافر بالعذاب الأبدي فإنها لا تعتبر حجة في انتفاء العذاب عمن ارتكب كبيرة من الكبائر مما دون الشرك. ثانيا: لو سلمنا بقولكم واستدلالكم بهذه الآيات وأمثالها، فما ترون أن نصنع بالآيات التي استدل بها الوعيدية على عذاب الله للعصاة (نصوص الوعيد)!. مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ (٢) ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٤) إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ (٥). ماذا نصنع بهذه الآيات؟ هل نضرب عنها صفحا؟، هذا لا يمكن؛ لأنه إيمان ببعض الكتاب وكفر ببعضه، هل نخصصها بأدلتكم؟، فإن قالوا: نعم، قلنا: ولماذا لا تخصصون أنتم؟ وذلك بالموازنة؛ ليتم الإيمان بالجميع (٦).

стр. 17620

الشبهة السابعة: حديث معاذ قال: «كنت رديف رسول الله ﷺ فقال: هل تدري ما حق الله على العباد؟، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. . ثم قال: هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه؟، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق العباد على الله أن لا يعذبهم (١)»، (٢). وجه الاستدلال: الحديث يدل على أن الله وعد من عبده ولم يشرك به شيئا بعدم العذاب، ومرتكب الكبيرة قد عبد الله ولم يشرك به شيئا إذا سيشمله الوعد بعدم العذاب. الجواب: من وجوه منها: (أ) أن المراد بالعبادة فعل الطاعات واجتناب المعاصي (٣)، والموحد الفاعل للطاعات المجتنب للمعاصي لا يعتبر من أهل الكبائر، وعليه فلا دلالة في الحديث. (ب) المراد بقوله: أن لا يعذبهم قيل: المراد ترك دخول نار الشرك، وقيل: ترك تعذيب جميع بدن الموحدين، لأن النار لا تحرق مواضع السجود. وقيل: ليس ذلك لكل من وحد وعبد بل يختص بمن أخلص، والإخلاص يقتضي تحقيق القلب بمعناه، ولا يتصور حصول التحقيق مع الإصرار على المعصية؛ لامتلاء القلب بمحبة الله تعالى وخشيته فتنبعث الجوارح إلى الطاعة وتنكف عن المعصية (٤). وعلى ذلك فإنه لا دلالة في الحديث.

стр. 17621

(ج) على التسليم بما تزعمونه، فإن تطهير أهل الكبائر من خطاياهم لا يعتبر عذابا على حقيقته، ولذا فإنه لا منافاة بين تطهيرهم من الخطايا وبين قوله: أن لا يعذبهم، وبذلك يتضح خطأ استدلالكم بالحديث على عدم دخول أهل الكبائر النار، والله أعلم.

стр. 17622

الشبهة الثامنة: ما روي عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال: «أتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟، قال: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار (١)»، (٢). وجه الاستدلال: في الحديث وعد لمن مات لا يشرك بالله شيئا بدخول الجنة، ومرتكب الكبيرة لا يشرك بالله شيئا، فلو مات على ذلك فإن الوعد سيشمله بدخول الجنة. الجواب: يقال لهم: المراد بقوله: دخل الجنة أن مصيره الجنة، لكن إن لم يكن صاحب كبيرة مات مصرا عليها دخل الجنة أولا، وإن كان صاحب كبيرة مات مصرا عليها فهو تحت المشيئة، فإن عفي عنه دخل الجنة أولا، وإلا عذب ثم أخرج من النار وأدخل الجنة (٣). والله أعلم.

стр. 17623

الشبهة التاسعة: ما روي عن أبي ذر ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ وعليه ثوب أبيض، وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ فقال: ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم

стр. 17624

مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟، قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟، قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟، قال: وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر (٢)». وجه الاستدلال: في الحديث وعد لمن قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك بدخول الجنة. وإن ارتكب بعض الكبائر كالزنا والسرقة. إذا مرتكب الكبيرة الذي قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك يشمله هذا الوعد بدخول الجنة. الجواب - قال الإمام البخاري - بعد روايته هذا الحديث: هذا عند الموت أو قبله إذا تاب وندم وقال لا إله إلا الله غفر له (٣). وقيل: إن الحديث محمول على من وحد ربه ومات على ذلك تائبا من الذنوب التي أشير إليها في الحديث، فإنه موعود بهذا الحديث بدخول الجنة ابتداء. . وأما من تلبس بالذنوب المذكورة أو غيرها مما دون الشرك ومات من غير توبة فهو تحت المشيئة، إن شاء الله عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه على قدر ذنبه ثم أخرجه من النار وأدخله الجنة. ويدل على ذلك حديث عبادة بن الصامت في كتاب الإيمان، فإن فيه: «ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله تعالى، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه (٤)»

стр. 17625

إذا المراد بالحديث: من قال لا إله إلا الله تائبا نادما على ما حصل منه من الذنوب ثم مات على ذلك فإنه يدخل الجنة؛ لأن التوبة تجب ما قبلها. أو المراد: أن مصيره الجنة ابتداء إن قالها تائبا ومات على ذلك أو النار ثم الجنة؛ إذ أنه لا يخلد في النار (١). وبذلك يتضح خطأ استدلالهم بالحديث، والله أعلم.

стр. 17626

(ج): في ذكر بعض اللوازم التي تؤكد بطلان هذه البدعة (بدعة المرجئة في مرتكب الكبيرة). بعد عرض أمثلة من شبهاتهم والجواب عنها، نشير إلى بعض اللوازم التي تؤكد بطلان هذه البدعة، فنقول وبالله التوفيق. إن قول المرجئة: مرتكب الكبيرة لا يدخل النار - قول باطل لما تظافر من الأدلة التي تؤكد بطلانه ولما يستلزمه من اللوازم الباطلة والتي منها: أولا: إنكار عدل الله؛ لأنهم جعلوا الظالمين والمجرمين المنتهكين للحرمات سواء مع البررة الأتقياء الذين التزموا شرع الله وأقروا عدله في الأرض. فخالفوا بذلك النصوص الصريحة من كتاب الله، والتي تؤكد بأن الله تعالى لم يجعل الفساق كالمؤمنين. حيث يقول سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (١)، ويقول سبحانه: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (٢).

стр. 17627

بل إن الله لم يسو بين الطائفتين من المؤمنين حيث فضل بعضهم على بعض بحسب الإيمان والعمل الذي قدموه، حيث يقول سبحانه: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (١) الآية. ويقول - سبحانه -: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (٢) الآية. فإذا كان سبحانه لم يسو بين المؤمنين بل فضل بعضهم على بعض بحسب العمل الذي قدموه فكيف يسوي بين المؤمنين والفساق (٣). وقد ناقشهم الملطي ﵀ وألزمهم الحجة حيث قال: أخبرونا عن قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٤) الآية، وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٥). أهذا شيء قاله على حقيقة القول أم على المجاز؟ فإن قالوا: على المجاز، جعلوا إخبار الله عن وعده على المجاز وهذا كفر ممن قاله؛ لأن أحدا لا يتيقن حينئذ بخبره إذا لم يكن له حقيقة وصحة، وإن قالوا على الحقيقة، قيل لهم: أخبر الله أنه

стр. 17628

لا يستوي عنده الولي والعدو. ويقال لهم: أخبرونا عمن زنى وأتى شيئا من الكبائر، أترون عليه توبة أم لا؟ فإن قالوا: لا، بان جهلهم، وإن قالوا: نعم، قيل لهم: لأي شيء يتوب؟ فإن قالوا: يقبل الله توبته ويغفر ذنبه، تركوا قولهم وجعلوا لأهل المعاصي توبة وغفرانا مما اجترموا، وإن قالوا: لا يحتاجون إلى غفران ولا توبة عليهم: خرجوا من دين الإسلام وخالفوا الجماعة (١). ثانيا: كما يلزم من قولهم فتح الباب للمجرمين والفساق للتمادي في فسقهم وضلالهم؛ لأن المجرم أو الفاسق إذا علم بأن جريمته أو فسقه لن يضره فلن يتركه. ثالثا: كما يلزم أيضا بطلان التكليف بالفروع جملة، وضياع آيات الوعيد هباء، وصيرورتها كذبا وخداعا، تعالى الله عن ذلك (٢). ولا شك أن هذا كله باطل. وإذا كان كذلك فما يستلزمه مثله. وعليه فالقول بأن مرتكب الكبيرة لا يدخل النار مطلقا باطل. والله أعلم.

стр. 17629

المبحث الثالث: الذين توسطوا في حكم مرتكب الكبيرة (وهم أهل السنة والجماعة) تمهيد: بعد أن ذكرنا رأي الخوارج الذي هو في غاية الإفراط، والمرجئة الغلاة الذي هو في غاية التفريط. نذكر الرأي الوسط، وهو رأي أهل السنة والجماعة. وقبل بيان رأيهم نشير إلى المراد بكلمة وسط، والمراد بأهل السنة والجماعة، فنقول وبالله التوفيق. (أ): في المراد بكلمة وسط - الوسط: يأتي ويراد به العدل؛ لما روى أبو سعيد «عن النبي ﷺ في قوله تعالى: قال: عدلا (٢)». كما يأتي، ويراد به الخير، قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ (٣) الآية أي خيرهم (٤). واللفظتان وإن اختلفتا فالمعنى واحد؛ لأن العدل خير، والخير عدل (٥). والمراد بالوسط هنا: هو العدل بين الإفراط والتفريط. وهو محمود؛ لمجانبته الغلو والتقصير (٦). (ب) المراد بأهل السنة والجماعة: هم الذين تمسكوا بالإسلام المحض الخالص عن الشوب حيث التزموا طريقة الرسول ﷺ وأصحابه في الإيمان والعمل، واجتمعوا على الحق، المعنيون بقوله ﷺ : «ألا إن من كان قبلكم

стр. 17630

من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاثة وسبعين، اثنتان وسبعون في النار، واحدة في الجنة وهي الجماعة (١)». وفي رواية «قالوا: من هي يا رسول الله ? قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي (٢)». وسموا بأهل السنة والجماعة؛ لتمسكهم بسنته ﷺ وتقديمها على غيرها من السنن، ولاجتماعهم على الحق، وقيل للزومهم جماعة المسلمين (٣). بعد هذا التمهيد: نشير إلى أن التناول لرأي أهل السنة - كما يلي: أولا: حكم مرتكب الكبيرة - عند أهل السنة - في الدنيا. ثانيا: حكم مرتكب الكبيرة - عند أهل السنة - في الآخرة.

стр. 17631

أولا: حكم مرتكب الكبيرة - عند أهل السنة - في الدنيا: لبيان رأيهم نشير إلى شيء من أقوالهم: يقول الإمام أحمد: ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله ولا لكبيرة أتاها (١). ويقول ابن تيمية: وقد صرح أحمد في غير موضع أن أهل الكبائر معهم إيمان (٢). ويقول ابن تيمية: ومن أصول أهل السنة أن الدين والإيمان قول

стр. 17632

وعمل. . إلى أن قال: وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر. . ولا يسلبون الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلية. . ويقولون: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم (١). وسئل - ابن تيمية - عن العبد المؤمن هل يكفر بالمعصية أم لا؟. فأجاب بقوله: لا يكفر بمجرد الذنب؛ فإنه ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف أن الزاني غير المحصن يجلد ولا يقتل، والشارب يجلد، والقاذف يجلد، والسارق يقطع، ولو كانوا كفارا: لكانوا مرتدين، ووجب قتلهم، وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع السلف (٢). وقال الإمام الطحاوي: ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله (٣). وقال ابن أبي العز - في شرحه هذه العبارة -: أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرا ينقل عن الملة بالكلية كما قالت الخوارج. . . (٤) وقال أبو الحسن الأشعري: وأجمعوا - يعني السلف - على أن المؤمن بالله وسائر ما دعاه النبي ﷺ إلى الإيمان به لا يخرجه عنه شيء من المعاصي ولا يحبط إيمانه إلا الكفر، وأن العصاة من أهل القبلة مأمورون بسائر الشرائع غير خارجين عن الإيمان بمعاصيهم (٥). من هذه النصوص يتضح أن أهل السنة يرون أن مرتكب الكبيرة من

стр. 17633

أهل القبلة مؤمن ناقص الإيمان - مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته - وهو المذهب الوسط، فلم يعطوه الاسم المطلق كما قالت المرجئة، ولم يسلبوه مطلق الاسم كما قالت الخوارج. أدلتهم: وقد أيدوا قولهم بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (١) الآية. قال الشيخ ابن سعدي: في قوله " أخيه " دليل على أن القاتل لا يكفر، لأن المراد بالأخوة هنا: أخوة الإيمان، فلم يخرج بالقتل منها، ومن باب أولى أن سائر المعاصي التي هي دون الكفر لا يكفر بها فاعلها، وإنما ينقص بذلك إيمانه (٢). ومن الكتاب - أيضا - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٣). يقول ابن كثير: يقول تعالى آمرا بالإصلاح بين الفئتين الباغيتين بعضهم على بعض: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (٤)

стр. 17634

فسماهم مؤمنين مع الاقتتال؛ وبهذا استدل البخاري وغيره على أنه لا يخرج من الإيمان بالمعصية وإن عظمت، لا كما يقوله الخوارج ومن تابعهم (١). ومن السنة ما يلي: ١ - عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال - وحوله عصابة من أصحابه -: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، فبايعناه على ذلك (٢)». وجه الدلالة: هو أن النبي ﷺ لم يحكم على مرتكبي هذه الكبائر بالكفر. وهذا يتناول جميع الكبائر - عدا الشرك - للأدلة التي جاء فيها أن الله لا يغفر أن يشرك به أبدا. ويقول النووي: وقوله ﷺ : «ومن أصاب شيئا من ذلك (٣)» إلى آخره. المراد به ما سوى الشرك، وإلا فالمشرك لا يغفر له. . إلى أن قال: وفي هذا الحديث فوائد منها: تحريم هذه المذكورات. ومنها: الدلالة لمذهب أهل الحق أن المعاصي غير الكفر لا يقطع لصاحبها بالنار إذا مات ولم يتب منها بل هو في مشيئة الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه، خلافا للخوارج والمعتزلة؛ فإن الخوارج يكفرون بالمعاصي (٤).

стр. 17635

٢ - كذلك من السنة ما روى البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁: «أن رجلا كان على عهد رسول الله ﷺ كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارا، وكان يضحك رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب، فأتي به يوما فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به. فقال ﷺ : لا تلعنوه فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله (١)»، يقول ابن حجر - في شرحه -: ". . . وفيه الرد على من زعم أن مرتكب الكبيرة كافر، لثبوت النهي عن لعنه، والأمر بالدعاء له، وفيه أنه لا تنافي بين ارتكاب النهي وثبوت محبة الله ورسوله في قلب المرتكب؛ لأنه ﷺ أخبر بأن المذكور يحب الله ورسوله، ويؤخذ منه تأكيد ما تقدم: أن نفي الإيمان عن شارب الخمر لا يراد به زواله بالكلية بل نفي كماله - كما تقدم " (٢) وغيرها من الأدلة الكثيرة وإنما اكتفيت بما ذكرت إيثارا للإيجاز.

стр. 17636

ثانيا: حكم مرتكب الكبيرة - عند أهل السنة - في الآخرة: بعد أن بينا رأى أهل السنة في مرتكب الكبيرة في الدنيا نشير إلى رأيهم فيه في الآخرة - والمراد بيان حكمهم في مرتكب الكبيرة الذي مات من غير توبة؛ إذ من المعلوم أن التوبة تجب ما قبلها، وأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. ولمعرفة رأيهم نذكر شيئا من أقوالهم في ذلك. يقول الإمام أحمد ﵀: والشفاعة يوم القيامة حق، يشفع قوم في قوم فلا يصيرون إلى النار، ويخرج قوم من النار بشفاعة الشافعين، ويخرج قوم من النار بعدما دخلوها ولبثوا فيها ما شاء الله ثم يخرجهم من

стр. 17637

النار، وقوم يخلدون فيها أبدا، وهم أهل الشرك والتكذيب والجحود والكفر بالله (١). ويقول ابن تيمية: وهم - أي أهل السنة - في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد وسط بين الوعيدية الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار، ويخرجونهم من الإيمان بالكلية، ويكذبون بشفاعة النبي ﷺ . وبين المرجئة الذين يقولون: إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء. . ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية، فيؤمن أهل السنة والجماعة بأن فساق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله، وليس معهم جميع الإيمان الواجب الذي يستوجبون به الجنة، وأنهم لا يخلدون في النار بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان أو مثقال خردلة من إيمان، وأن النبي ﷺ ادخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته (٢). ويقول الإمام الطحاوي: وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله عارفين وهم في مشيئته وحكمه إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر في كتابه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣). وإن شاء عذبهم في النار بعدله ثم يخرجهم منها برحمته، وبشفاعة الشافعين من أهل طاعته ثم يبعثهم إلى جنته (٤). ومن هذه النصوص يتضح: أن أهل السنة وسط في حكم مرتكب الكبيرة الذي مات من غير توبة: فلم يقولوا: بعدم دخوله النار كما قالت

стр. 17638

المرجئة. ولم يقولوا بتخليده فيها - كما قالت الخوارج - وإنما قالوا: هو تحت مشيئة الله، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه بقدر ذنبه ثم أخرجه من النار وأدخله الجنة، فلا يخلد في النار. أدلتهم: وقد أيدوا قولهم بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، وإيثارا للإيجاز نذكر شيئا منها.

стр. 17639

(أ) أدلتهم من الكتاب: ١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١). يقول ابن جرير: ". . . وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة في مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شركا بالله " (٢). وقال ابن الجوزي: والمراد من الآية أن لا يغفر لمشرك مات على شركه، وفي قوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) نعمة عظيمة من وجهين، أحدهما: أنها تقتضي أن كل ميت على ذنب دون الشرك لا يقطع عليه بالعذاب وإن مات مصرا. الثاني: أن تعليقه بالمشيئة فيه نفع للمسلمين وهو أن يكونوا على خوف وطمع (٤). ٢ - ومن الكتاب أيضا: قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥). يقول ابن كثير - في تفسير هذه الآية -: لما بين تعالى حال المنافقين المتخلفين عن الغزاة رغبة عنها. . شرع في بيان حال المذنبين الذين تأخروا عن الجهاد كسلا وميلا إلى الراحة مع إيمانهم وتصديقهم

стр. 17640

بالحق. فقال: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ (١) أي أقروا بها واعترفوا فيما بينهم وبين ربهم ولهم أعمال أخرى صالحة خلطوا هذه بتلك، فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه (٢). وقال ابن سعدي: ". . فهذه الآية دالة على أن المخلط المعترف النادم الذي لم يتب نصوحا أنه تحت الخوف والرجاء وهو إلى السلامة أقرب " (٣). وقال أبو بكر الجزائري: إن من هداية هذه الآية: (الرجاء لأهل التوحيد الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا بأن يغفر الله لهم ويرحمهم) (٤).

стр. 17641

(ب): أدلتهم من السنة: وهي كثيرة منها: ١ - حديث عبادة بن الصامت السابق ذكره آنفا. فإن فيه: «ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه (١)». يقول النووي: وفي هذا الحديث فوائد منها: ". . . الدلالة لمذهب أهل الحق أن المعاصي غير الكفر لا يقطع لصاحبها بالنار إذا مات ولم يتب منها بل هو في مشيئة الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه. . " (٢).

стр. 17642

٢ - حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أتاني آت من ربي فأخبرني أو قال: بشرني أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. فقلت: وإن زنى وإن سرق ? قال: وإن زنى وإن سرق (١)» الحديث. يقول النووي: وأما حكمه ﷺ على من مات مشركا بدخول النار، ومن مات غير مشرك بدخوله الجنة: فقد أجمع عليه المسلمون، فأما دخول المشرك النار فهو على عمومه. . وأما دخول من مات غير مشرك الجنة فهو مقطوع له به لكن إن لم يكن صاحب كبيرة مات مصرا عليها دخل الجنة أولا، وإن كان صاحب كبيرة مات مصرا عليها فهو تحت المشيئة، فإن عفي عنه دخل أولا، وإلا عذب ثم أخرج من النار وخلد في الجنة، والله أعلم. وأما قوله ﷺ : وإن زنى وإن سرق فهو حجة لمذهب أهل السنة أن أصحاب الكبائر لا يقطع لهم بالنار، وأنهم إن دخلوها أخرجوا منها وختم لهم بالخلود في الجنة (٢). ٣ - ما رواه عبادة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل (٣)».

стр. 17643

قال النووي: قوله: أدخله الله الجنة على ما كان من العمل هذا محمول على إدخاله الجنة في الجملة، فإن كانت له معاص من الكبائر فهو في المشيئة، فإن عذب ختم له بالجنة (١). ٤ - كذلك من أدلتهم تحقق الشفاعة الثابتة بالقرآن والسنة التي تدل على أن مرتكبي الكبائر لا يخلدون في النار إن دخلوها. قال تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ (٣) فهاتان الآيتان وأمثالهما: فيها إثبات للشفاعة بالشروط التي أشارت إليها الآيتان. وهي: الإذن من الله للشافع ورضا الله عن المشفوع له، والإذن من الله للشافع يعطيه الصلاحية للشفاعة، ورضاه سبحانه عن المشفوع له يقتضي أن يكون مسلما موحدا. وصاحب الكبيرة مسلم موحد (٤)، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : «لكل نبي دعوة مستجابة، فتجعل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة - إن شاء الله - من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا (٥)». يقول النووي: وأما قوله ﷺ : «فهي نائلة - إن شاء الله تعالى - من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا (٦)» ففيه دلالة لمذهب أهل الحق أن

стр. 17644

كل من مات غير مشرك بالله تعالى لم يخلد في النار وإن كان مصرا على الكبائر (١). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان (٢)» الحديث. وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي (٣)». فهذه الأحاديث وأمثالها تدل على ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر، وأنه يخرج بها من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ومرتكب الكبيرة معه إيمان فهي نائلته - إن شاء الله - وإذا كان كذلك فإنه لا يخلد في النار. وعليه فإن مرتكب الكبيرة يدخل النار إذا لم يشأ الله المغفرة له خلافا للمرجئة لكنه لا يخلد فيها خلافا للخوارج. وبذلك تتضح وسطية أهل السنة في هذه المسألة، والله أعلم. هذا ما تيسر كتابته حول وسطية أهل السنة والجماعة في حكم مرتكب الكبيرة فأسأله تعالى أن يتقبل صوابه، ويتجاوز عن خطئه، إنه سميع مجيب، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 17645

حول الترجمة الفارسية لمعاني القرآن الكريم إعداد الدكتور / أحمد السيد الحسيسي (١) عربية القرآن الكريم: اختار الله بحكمته وعلمه اللغة العربية لغة وبيانا لكتابه الخالد، لأن هذه اللغة فيها من مزايا التعبير والبيان ما لم تحظ به لغة غيرها، ولن يسع كتاب الله غيرها، ولو كان في الوجود لغة تفضل اللغة العربية في الكشف عن دقائق البيان وأسرار التعبير، ما جاوزها القرآن إلى غيرها، ولكن نزوله باللغة العربية دليل قاطع على نفي هذا الاحتمال. فاللغة العربية أسمى اللغات على الإطلاق، والدليل أن عالم الغيب والشهادة ارتضاها أداة لوحيه المنزل على أكرم رسله محمد بن عبد الله ﷺ . وعربية اللغة والبيان القرآني جاء النص عليها في مواضع متعددة من القرآن، منها قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (٢) ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٣)، وقوله: ﴿حم﴾ (٤) ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (٥) ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٦)، وفي قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٧) ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (٨) ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٩) ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (١٠)، وقوله: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١١)
следующие страницы →