(ب) شبهاتهم والجواب عليها .
لقد تمسك الخوارج ومن وافقهم في قولهم بهذه البدعة بشبهات منها ما يلي:
الشبهة الأولى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١).
وجه الدلالة: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " وقد احتجت الخوارج والمعتزلة بهذه الآية وقالوا: صاحب الكبيرة ليس من المتقين فلا يتقبل الله منه عملا، فلا يكون له حسنة، وأعظم الحسنات الإيمان، فلا يكون معه إيمان فيستحق الخلود في النار " (٢).
الجواب: قال شيخ الإسلام _ بعد أن أورد بعض الأجوبة على هذه
стр. 17572
الشبهة قال: والجواب الصحيح أن المراد من اتقى الله في ذلك العمل كما قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (١) قال: أخلصه وأصوبه. قيل يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا، والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة فمن عمل لغير الله - كأهل الرياء - لم يقبل منه ذلك كما في الحديث الصحيح يقول الله : «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه (٢)»، وقال ﷺ في الحديث الصحيح: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٣)» أي فهو مردود غير مقبول. فمن اتقى الكفر وعمل عملا ليس عليه أمر النبي ﷺ لم يقبل منه كمن صلى بغير وضوء لم يقبل منه؛ لأنه ليس متقيا في ذلك العمل وإن كان متقيا للشرك. . إلى أن قال: لا يجوز أن يراد بالآية إن الله لا يقبل العمل إلا ممن يتقي الذنوب كلها؛ لأن الكافر والفاسق حين يريد أن يتوب ليس متقيا، فلو كان قبول العمل مشروطا بكون الفاعل حين فعله لا ذنب له امتنع قبول التوبة. بخلاف ما إذا اشترط التقوى في العمل، فإن التائب حين يتوب يأتي بالتوبة الواجبة، وهو حين شروعه في التوبة منتقل من الشر إلى الخير لم يخلص من الذنب بل هو متق في حال تخلصه منه.
وأيضا فلو أتى الإنسان بأعمال البر - وهو مصر على كبيرة ثم تاب
стр. 17573
لوجب أن تسقط سيئاته بالتوبة وتقبل منه تلك الحسنات - وهو حين أتى بها كان فاسقا وأيضا: الكافر إذا أسلم وعليه للناس مظالم. . وكذلك الذمي إذا أسلم - قبل إسلامه مع بقاء مظالم العباد عليه؛ فلو كان العمل لا يقبل إلا ممن لا كبيرة عليه لم يصح إسلام الذمي حتى يتوب من الفواحش. . بل يكون مع إسلامه مخلدا.
وقد كان الناس مسلمين في عهد رسول الله ﷺ ولهم ذنوب وعليهم تبعات فيقبل إسلامهم. . ولا نعرف أحدا من المسلمين جاءه ذمي يسلم فقال له لا يصح إسلامك حتى لا يكون عليك ذنب وكذلك سائر أعمال البر من الصلاة والزكاة وغيرهما (١).
فإذا كان المراد بالمتقين في ذلك العمل الذي وعد بقبوله لم يلزم عدم قبول العمل من صاحب الكبيرة وبذلك يبطل الاستدلال بالآية على تخليد صاحب الكبيرة في النار. والله أعلم.
стр. 17574
الشبهة الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (١).
وجه الدلالة: قالوا: والفاسق تحيط به جهنم فوجب أن يكون كافرا (٢).
الجواب: نقول: إن الآية تؤكد بأن جهنم محيطة بالكافرين وهو من أنواع عذاب الله لهم لكنها لم تقصر الإحاطة بهم؛ إذ أنه سبحانه لم يقل: وإن جهنم لا تحيط إلا بالكافرين وليس يلزم من كونها محيطة بقوم إلا تحيط بقوم سواهم، أي لا يلزم من كونها محيطة بالكافرين إلا تحيط بالفاسقين وعليه فلا دلالة في الآية على ما يزعمونه (٣). والله أعلم.
стр. 17575
الشبهة الثالثة: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ (١).
وجه الدلالة: قالوا: إن هذا يقتضي أن من لا يكون مؤمنا فهو كافر والفاسق ليس بمؤمن فوجب أن يكون كافرا (٢).
الجواب: يقال لهم: أولا: أما قولكم الفاسق ليس بمؤمن، إن أردتم ليس بمؤمن كامل الإيمان فنحن نوافقكم على ذلك، وإن أردتم نفي الإيمان المطلق فهذا مردود بل هو مؤمن ناقص الإيمان، وكونه مؤمنا ناقص الإيمان لا ينافي نسبته إلى الفئة المؤمنة بدليل أن الله نسبه إلى المؤمنين في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (٣) الآية وإذا كان كذلك فلا دلالة في الآية على ما تزعمونه.
ثانيا: على التسليم بأن الفاسق لا ينسب إلى الفئة المؤمنة فإن (من) هاهنا للتبعيض، وليس في ذكر التبعيض نفي الثالث، وهو الفاسق: المؤمن بإيمانه الفاسق بكبيرته، أو المؤمن ناقص الإيمان.
كما أن قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ (٤) الآية لا ينبغي وجود دابة تمشي على أكثر من أربع كبعض الحشرات (٥). وبذلك يبطل استدلالكم بالآية على تكفير الفاسق. والله أعلم.
стр. 17576
الشبهة الرابعة: استدلوا بعموم النصوص التي فيها الوعيد بالتخليد
стр. 17577
لأصحاب الكبائر كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ (١)، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (٣) ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (٤) وغيرها كثير (٥).
وجه الاستدلال: قالوا هذه النصوص فيها الوعيد بالتخليد لأصحاب الكبائر في النار ولا يخلد في النار إلا الكفار (٦).
الجواب: في الإجابة عن هذه النصوص أقوال منها.
الأول: أن المراد بالخلود لمستحل هذه الكبائر، والمستحل كافر إجماعا، والكافر مخلد (٧) لما روي عن ابن عباس في معنى قوله (متعمدا) أنه قال متعمدا: أي مستحلا لقتله فهذا يئول إلى الكفر إجماعا والكافر مخلد (٨)، وقال أبو السعود: ولا دليل في الآية على القول بخلود عصاة المؤمنين في النار لما قيل أنها في حق المستحل، كما هو رأي عكرمة وأحزابه، بدليل أنها نزلت في مقيس بن ضبابة الكناني المرتد. . . (٩)، وقال الطبري في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ (١٠) قال: فإن قال
стр. 17578
قائل: أو مخلد في النار من عصى الله ورسوله في قسمة الميراث؟ قيل: نعم. إذا جمع إلى معصيتهما في ذلك شكا في أن الله فرض عليه ما فرض على عباده في هاتين الآيتين، أو علم ذلك فحاد الله ورسوله في أمرهما (١)، وقال الشوكاني في قوله: ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ (٢) أي فيستحلون الزوجة المحرمة بغير نكاح (٣). وعلى هذا فالآيات لا تتناول صاحب الكبيرة؛ لأنها في الكافر.
الثاني: أن الجزاء في الآيات ليس المقصود وقوعه وإنما الإخبار به (٤).
يقول الطبري: وقوله تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ﴾ (٥) أي يستحق ما ذكره الله من العقاب إن شاء أن يجازيه (٦). وقال أبو السعود بمثل ذلك (٧)، وإذا كان كذلك فلا دلالة في الآيات على تخليد أهل الكبائر في النار.
الثالث: وهو الأظهر: أن هذه النصوص مخصوصة بالنصوص الدالة على العفو بمشيئة الله، والتوبة، وأحاديث الشفاعة الدالة على إخراج الموحدين من النار.
يقول القرطبي بعد ذكر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (٨) الآية مخصوصة بآيات وأحاديث، فمن الآيات قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٩) الآية، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (١٠)، وقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١١) الآية.
стр. 17579
وتوضيح ذلك أنه ليس الأخذ بظاهر هذه النصوص أولى من الأخذ بظاهر تلك النصوص، والأخذ بالظاهرين متناقض فلا بد من التخصيص.
وأما الأخبار المخصصة لعموم الآية فكثيرة، منها: حديث عبادة بن الصامت أنه ﷺ قال: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا. . . إلى أن قال: فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب شيئا من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه (١)»، وحديث أبي هريرة في الرجل الذي قتل مائة نفس (٢).
ثم إنهم _ الخوارج ومن وافقهم _ قد أجمعوا معنا في الرجل يشهد عليه بالقتل أو الزنا ويقر بأنه قتل أو زنى ويأتي السلطان فيقيم عليه الحد، فهذا غير نافذ عليه الوعيد في الآخرة إجماعا على مقتضى حديث عبادة. فقد انكسر عليهم ما تعلقوا به من عموم هذه النصوص ودخلها التخصيص بما ذكر (٣).
من كلام القرطبي: يظهر أن هذه النصوص مخصصة بالنصوص الدالة على العفو والتوبة. وعلية فيبطل الاستدلال بعمومها على تخليد أصحاب الكبائر في النار، والله أعلم.
стр. 17580
الشبهة الخامسة:
استدلوا بما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يزني
стр. 17581
الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن» الحديث، (١).
وجه الاستدلال: أن ظاهر الحديث يدل على نفي الإيمان عمن أتى شيئا من هذه الكبائر ومن نفى عنه الإيمان فهو كافر. يقول السمائلي - أحد علمائهم -: الإيمان في قلوب أهله أثبت من الجبال الرواسي على قرارها، فلا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن: أي لا يبقى إيمان مع الزنا، فإنه إذا أقدم على الزنا خلع ربقة الإيمان من عنقه، فيزني وهو خارج من حيطة الإيمان الصحيح، إذ صار منتهكا لحرم ربه . . فهو لا يقف على حدود طاعة الله تعالى، ومن كان كذلك فلا فرق بينه وبين الحيوان كما لا فرق بينه وبين الكافر (٢).
الجواب: يقول ابن تيمية ﵀: الجمهور من السلف والخلف. . يقولون الإسلام أوسع من الإيمان، فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا، ويقولون في قول النبي ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن (٣)» الحديث (٤)، أنه يخرج من الإيمان إلى الإسلام، ودوروا للإسلام دارة ودوروا للإيمان دارة أصغر منها في جوفها وقالوا: إذا زنى خرج من الإيمان إلى الإسلام ولا يخرجه من الإسلام إلى الكفر، ودليل ذلك أن الله ﵎ قال: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ (٥) الآية، فقد قال تعالى: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (٦)
стр. 17582
وهذا الحرف - أي لما - ينفي به ما قرب وجوده وانتظر وجوده ولم يوجد بعد. . . فلما قالوا: (آمنا) قيل (لم تؤمنوا) بعد بل الإيمان مرجو منتظر منكم. . فالخطاب لهؤلاء المخاطبين قد أخبر عنهم أنهم لما يدخل الإيمان في قلوبهم ومع ذلك قيل لهم: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ (١).
فلو لم يكونوا في هذه الحال مثابين على طاعة الله ورسوله لكان خلاف مدلول الخطاب. والإثابة على الطاعة تدل على وجود إيمان تصح به الطاعة ثم بين سبحانه وصف المؤمنين الذين أخرج هؤلاء منهم فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (٢) وهذا نعت محقق الإيمان لا نعت من معه مثقال ذرة من إيمان كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣) الآية، ومنه قوله ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن (٤)» وأمثال ذلك، فدل البيان على أن الإيمان المنفي عن هؤلاء الأعراب: هو هذا الإيمان الذي نفي عن فساق أهل القبلة الذين لا يخلدون في النار بل قد يكون مع أحدهم مثقال ذرة من إيمان، ونفي هذا الإيمان لا يقتضي ثبوت الكفر الذي يخلد صاحبه في النار (٥).
وعلى ذلك فالإيمان المنفي عن الزاني إنما هو الإيمان الكامل (٦). ونفي هذا الإيمان لا يقتضي ثبوت الكفر الذي يخلد في النار. ومما يؤكد ذلك ما ورد في الصحيحين عن أبي ذر ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 17583
«أتاني جبريل ﵇ فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟، قال: وإن زنى وإن سرق (١)». . الحديث، فدل هذا على أن من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة بمشيئة الله، وإن ارتكب بعض الكبائر كالزنا والسرقة مما يدل على أن ارتكاب هذه الكبائر لا يخرج من الإيمان إلى الكفر وإنما ينقص الإيمان، وإذ كان كذلك فلا دلالة في الحديث على ما يزعمونه، والله أعلم.
стр. 17584
الشبهة السادسة: قوله ﷺ : «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر (١)»، يقول ابن حزم: واحتج أيضا من كفر من ذكرنا بأحاديث منها قوله ﷺ : «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر (٢)». ويقول ابن حجر _ بعد سياقه هذا الحديث _: إن ظاهره يقوي مذهب الخوارج الذين يكفرون بالمعاصي (٣).
الجواب: يقول ابن حجر - بعد أن أورد هذا الحديث -: ولا مستمسك للخوارج فيه لأن ظاهره غير مراد، لكن لما كان القتال أشد من السباب؛ لأنه مفض إلى إزهاق الروح، عبر عنه بلفظ أشد من لفظ الفسق وهو الكفر، ولم يرد حقيقة الكفر المخرج من الملة، بل أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير معتمدا على ما تقرر من القواعد أن مثل ذلك لا يخرج عن الملة، مثل حديث الشفاعة، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٤) أو أطلق عليه الكفر لشبهه به؛ لأن قتال المؤمن من شأن الكافر (٥).
стр. 17585
وقال ابن حزم: إن قوله ﵊ (المسلم) هاهنا عموم للجنس ولا خلاف في أن من نابذ جميع المسلمين وقاتلهم لإسلامهم فهو كافر. برهان هذا هو ما ذكرنا قبل من نص القرآن في أن القاتل عمدا والمقاتل مؤمنان، وكلامه ﷺ لا يتعارض ولا يختلف (١).
من كلام ابن حجر وابن حزم يتضح أنه لا يراد بالحديث الحكم بالكفر المخرج من الملة على مرتكب كبيرة القتل، وإذا كان كذلك لم يبق للخوارج مستمسك في الحديث، والله أعلم.
стр. 17586
الشبهة السابعة:
يقول شيخ الإسلام - بعد أن ذكر رأيهم في مرتكب الكبيرة -: " وجماع شبهتهم في ذلك أن الحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها كالعشرة فإنه إذا زال بعضها لم تبق عشرة، وكذلك الأجسام المركبة كالسكنجبين إذا زال أحد جزئيه خرج عن كونه سكنجبينا. قالوا: فإذا كان الإيمان مركبا من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة، لزم زواله بزوال بعضها. وهذا قول الخوارج والمعتزلة. . . " (١).
الجواب: يقال لهم لا يلزم من زوال بعض الأمور المجتمعة زوال سائرها، سواء سميت مركبة أو مؤلفة أو غير ذلك، لا يلزم من زوال بعض الأجزاء زوال سائرها. وما مثلوا به من العشرة والسكنجبين مطابق لذلك، فإن الواحد من العشرة إذا زال لم يلزم زوال التسعة بل قد تبقى التسعة، فإذا زوال أحد جزئي المركب لا يلزم منه زوال الجزء الآخر، لكن أكثر ما يقولون. . زالت الهيئة الاجتماعية وزال ذلك الاسم الذي استحقته الهيئة بذلك الاجتماع والتركيب كما يزول اسم العشرة والسكنجبين.
فيقال: أما كون ذلك المجتمع المركب ما بقي على تركيبه فهذا لا ينازع
стр. 17587
فيه عاقل، ولا يدعي عاقل أن الإيمان أو الصلاة أو الحج أو غير ذلك من العبادات المتناولة لأمور، إذا زال بعضها بقي ذلك المجتمع المركب كما كان قبل زوال بعضه. . ولكن لا يلزم زوال بقية الأجزاء.
وأما زوال الاسم فيقال لهم هذا (أولا) بحث لفظي، إذا قدر أن الإيمان له أبعاض وشعب، كما قال ﷺ في الحديث المتفق عليه: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان (١)»، كما أن الصلاة والحج له أجزاء وشعب، ولا يلزم من زوال شعبة من شعبه زوال سائر الأجزاء والشعب، كما لا يلزم من زوال بعض أجزاء الحج والصلاة زوال سائر الأجزاء، فدعواهم أنه إذا زال بعض المركب زال البعض الآخر ليس بصواب، ونحن نسلم لهم أنه ما بقي إلا بعضه لا كله وأن الهيئة الاجتماعية ما بقيت كما كانت. بقي النزاع هل يلزم زوال الاسم بزوال بعض الأجزاء، فيقال لهم: المركبات في ذلك على وجهين، منها: ما يكون التركيب شرطا في إطلاق الاسم، ومنها: ما لا يكون كذلك، فالأول كاسم العشرة. . . ومنها ما يبقى الاسم بعد زوال بعض الأجزاء وجميع المركبات المتشابهة الأجزاء من هذا الباب وكذلك كثير من المختلفة الأجزاء، فإن المكيلات والموزونات كالحنطة تسمى حنطة وهي بعد النقص حنطة، وكذلك التراب والماء ونحو ذلك. وكذلك لفظ العبادة والطاعة. . ونحو ذلك مما يدخل فيه أمور كثيرة، يطلق الاسم عليها قليلها وكثيرها. . وكذلك لفظ القرآن يقال على جميعه وعلى بعضه. . وإذا كانت المركبات على نوعين بل غالبها من هذا النوع لم يصح قولهم إنه إذا زال جزؤه لزم أن يزول الاسم إذا أمكن أن يبقى الاسم مع بقاء الجزء الباقي.
стр. 17588
ومعلوم أن اسم (الإيمان) من هذا الباب فإن النبي ﷺ قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان (١)» ثم من المعلوم أنه إذا زالت الإماطة ونحوها لم يزل اسم الإيمان. وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان (٢)» فأخبر أنه يتبعض ويبقى بعضه وأن ذلك من الإيمان، فعلم أن بعض الإيمان يزول ويبقى بعضه، وهذا ينقض مآخذهم الفاسدة ويبين أن اسم الإيمان مثل اسم القرآن (٣) يطلق على جميعه وعلى بعضه - وعليه فالإيمان يزول بعضه ولا يلزم زوال الباقي كما لا يلزم زوال اسمه وبذلك تبطل هذه الشبهة، والله أعلم.
стр. 17589
(جـ): في ذكر بعض اللوازم والأدلة التي تؤكد بطلان هذه البدعة:
بعد عرض أمثلة من شبهاتهم والجواب عنها نشير إلى بعض اللوازم والأدلة التي تؤكد بطلان هذه البدعة. مما يؤكد بطلان هذه البدعة ما يلي:
أولا: أنه يلزم من القول بأن مرتكب الكبيرة كافر أن يكون حكمه حكم غيره ممن كفر بعد إيمانه، وهو أن يكون مرتدا يجب قتله؛ لقوله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه (١)» ولا تجري الحدود في الزنا والسرقة والخمر. وهذا معلوم بطلانه بالضرورة من دين الإسلام، إذ أن نصوص الكتاب والسنة
стр. 17590
والإجماع تدل على أن الزاني _ البكر _ والسارق والقاذف لا يقتلون بل يقام عليهم الحد.
كما قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (١) الآية، وقال تعالى في حكم السارق: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢)، وفي شراب الخمر روي عن عمر بن الخطاب ﵁ «أن رجلا كان على عهد رسول الله ﷺ كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارا وكان يضحك النبي ﷺ وكان ﷺ قد جلده في الشراب، فأتي به يوما فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به، فقال ﷺ : لا تلعنوه فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله (٣)» فقد أمر ﷺ بجلد شارب الخمر ولم يقتله بل نهى عن لعنه بعينه، وشهد لهذا الرجل بحب الله ورسوله مع أنه تكرر منه شرب الخمر، ولم يحكم عليه ولا على غيره من أصحاب الكبائر كالسارق والزاني بالكفر، بل كان يستغفر لهم (٤).
كما أجمعت الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على ذلك. فدل ذلك على أنه ليس بمرتد.
كما يلزم أيضا من كونه كافرا التفريق بينه وبين أهله، وأن لا يرث ولا يورث إلى غير ذلك مما يشترط فيه الإسلام؛ لقوله : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (٥) الآية.
стр. 17591
ولقوله ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم (١)».
لكن النبي ﷺ لم يفرق بين من فعل الكبيرة مما دون الشرك - وبين أهله ولم يحرمه من ميراث من له الإرث منه، وكذلك صحابته والتابعون لهم بإحسان مما يدل على أنه غير كافر.
ثانيا: أن الله سمى أهل الكبائر مؤمنين مع ارتكابهم لها؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (٢) الآية (٣)، قال ابن كثير _ ﵀ _: فسماهم مؤمنين مع الاقتتال، وبهذا استدل البخاري وغيره على أنه لا يخرج عن الإيمان بالمعصية وإن عظمت لا كما يقوله الخوارج ومن تابعهم (٤). ومثل هذه الآية أيضا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ (٥) الآية قال ابن حزم ﵀: فابتدأ الله بخطاب أهل الإيمان من كان فيهم من قاتل أو مقتول، ونص تعالى على أن القاتل عمدا وولي المقتول أخوان. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٦) فصح أن القاتل عمدا مؤمن بنص القران،
стр. 17592
وحكمه له بأخوة الإيمان، ولا تكون للكافر مع المؤمن تلك الأخوة (١). وإذا صح أن مرتكب الكبيرة لم يخرج من الإيمان بطل ما تزعمه الخوارج من القول بكفره وأنه مخلد في النار.
ثالثا: ما ورد من الأدلة على الموازنة بين الحسنات والسيئات وأن الله لا يضيع عمل عامل، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ (٢) الآية، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (٣) ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ (٥) الآية.
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون من المفلس؟، قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار (٦)» فصح بما ذكر أن للعصاة حسنات مقبولة وإذا كانوا كذلك لم يكونوا كافرين (٧).
стр. 17593
رابعا: ما ورد من الأدلة التي تدل على عفو الله عن عباده وسعة مغفرته لهم وأنه لا يضيع إيمانهم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١).
فقد دلت هذه الآية على أن مغفرته سبحانه قد تنال كل صاحب معصية بمشيئتة غير الشرك، ومرتكب الكبيرة ليس بمشرك، وعليه فهو داخل تحت مشيئة الله.
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) ومرتكب الكبيرة معه إيمان فالله لا يضيع إيمانه، وعليه فهو ليس بكافر.
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال ﷺ : «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أدخله الله الجنة على ما كان من العمل (٣)» ومرتكب الكبيرة قد شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله - فهو موعود بدخول الجنة ومن وعد بدخولها فليس بكافر.
وإذا ثبت أن مرتكب الكبيرة مما دون الشرك تحت مشيئة الله (٤)، وأن الله لا يضيع إيمانه بل إن الله وعده بالجنة، إذا ثبت ذلك بطل القول بكفره وأنه مخلد في النار.
خامسا: ما ورد من الأدلة الدالة على الشفاعة بأنواعها المختلفة التي أعظمها
стр. 17594
شفاعة نبينا ﷺ لأهل الموقف وهي المقام المحمود الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١) فهذا نوع من أنواع شفاعته ﷺ ومن أنواعها ما روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا (٢)» ومرتكب الكبيرة ليس بمشرك فهي نائلته إن شاء الله.
وورد من أنواع الشفاعة شفاعة المؤمنين بعضهم لبعض؛ لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم، قلنا: يا رسول الله وما الجسر؟، قال: مدحضة مزلة عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدان، المؤمن عليها كالطرف، وكالبرق، وكالريح، وكأجاود الخيل والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش ومكدوس في نار جهنم حتى يمر آخرهم يسحب سحبا فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمنين يومئذ للجبار، وإذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم يقولون ربنا إخواننا الذين كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه وإلى إنصاف ساقيه فيخرجون من عرفوا ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوهم، فيخرجون من عرفوا ثم يعودون، فيقول:
стр. 17595
اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا (١)» الحديث.
وبعض أنواع الشفاعة إنما تكون للعصاة الذين استحقوا العذاب بسبب ارتكاب المعاصي أو التقصير في الطاعات، وإذا ثبتت الشفاعة للعصاة انتفى القول بخلودهم في النار (٢).
وقد أنكرت الخوارج هذا النوع من الشفاعة محتجين بأن الشفاعة للعاصي رضا بعصيانه (٣).
ويرد عليهم: بأن الشفاعة للعاصي ليست رضا بعصيانه؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لما احتاج إلى الشفاعة، ولكن عفو الله ومغفرته، وقبول الأعمال الصالحة جعلت لبعض العصاة حقا في الشفاعة (٤)، والله أعلم.
стр. 17596
(د) رأي المعتزلة في حكم مرتكب الكبيرة في الدنيا مع المناقشة .
ذكرنا - آنفا - عند بيان رأي الخوارج في حكم مرتكب الكبيرة - أن المعتزلة يوافقونهم في حكمه في الآخرة، إلا أنهم يخالفونهم في حكمه في الدنيا. والآن لنعرف ما هو رأيهم فيه في الدنيا؟.
يرى المعتزلة: أن مرتكب الكبيرة - في الدنيا - ليس مؤمنا ولا كافرا لا في الاسم ولا في الحكم؛ بل هو في منزلة بين المنزلتين، فلا يسمى مؤمنا ولا كافرا وإنما يسمى فاسقا.
стр. 17597
وحكمه كذلك بين الحكمين، فلا يكون حكمه حكم الكافر ولا حكم المؤمن وإنما له حكم بينهما.
المناقشة: نقول لهم:
أولا: إن قولكم - مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين يتضمن نفي الإيمان بالكلية عن مرتكب الكبيرة. وهذا باطل. بل هو مؤمن ناقص الإيمان قد نقص إيمانه بقدر ما ارتكب من معصية فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته. فلا يكون له الاسم مطلقا، ولا يسلب منه مطلق الإيمان. ومما يدل على أن الفاسق لم تخرجه كبيرته من الإيمان ما يلي:
١ - الآيات والأحاديث الناطقة بإطلاق لفظ الإيمان على العاصي كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١).
فقد أطلق اسم الإيمان على الطائفتين المتقاتلتين من المؤمنين؛ مما يدل على أن كبيرة القتل لم تخرجهما من الإيمان، وكذلك كبيرة البغي (٢). ومن الأحاديث قوله ﷺ في الحديث الذي أخرجه مسلم من رواية أبي ذر أنه ﷺ قال: «ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق ?، فقال ﷺ : وإن زنى وإن سرق (٣)» الحديث.
стр. 17598
ففي هذا الحديث دلالة على أن من قال لا إله إلا الله وإن ارتكب شيئا من الكبائر فإنه يدخل الجنة، مما يدل على أن كبيرته لم تخرجه من الإيمان.
٢ - إجماع الأمة من عصر الرسول ﷺ إلى يومنا هذا على الصلاة على من مات من أهل القبلة من غير توبة، والدعاء والاستغفار لهم مع العلم بارتكابهم للكبائر بعد الاتفاق على أن ذلك لا يجوز لغير المؤمن (١)؛ مما يدل على أنهم لم يخرجوا من الإيمان.
ثانيا: أن في قولكم - بالمنزلة بين المنزلتين - إحداث للقول المخالف لما أجمع عليه السلف من عدم المنزلة بين المنزلتين، فيكون باطلا (٢). والله أعلم.
стр. 17599
المبحث الثاني: الذين فرطوا في حكم مرتكب الكبيرة (وهم المرجئة)
أولا: في التعريف بالمرجئة ونشأتهم: (أ): في التعريف بالمرجئة.
المرجئة: لغة: اسم فاعل من " أرجأته " بالهمزة بمعنى أخرته، والرجاء من الأمل نقيض اليأس. ممدود، تقول رجاه يرجو رجوا ورجاء: أي أمل فيه.
والإرجاء: بمعنى التأخير. ومنه سميت المرجئة.
فأرجأ الشيء: أي أخره، ومنه قوله تعالى: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ (١)، وفي حديث توبة كعب بن مالك: «وأرجأ رسول الله أمرنا (٢)» أي أخره.
والطائفة المعروفة: المرجئة. بهمز ولا بهمز وكلاهما بمعنى التأخير، والهمز أجود.
المرجئة في الاصطلاح:
نظرا لتعدد أنواع الإرجاء فقد اختلف في تعريفهم. وإليك بعض التعاريف مع الإشارة للأشمل منها: قال بعضهم: المرجئة: هم الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل.
стр. 17600
وقال آخرون: المرجئة: هم فرقة من فرق الإسلام يعتقدون أن الإيمان لا يضر معه ذنب كما لا تنفع مع الكفر طاعة.
وقال الشهرستاني: الإرجاء على معنيين. أحدهما: بمعنى التأخير كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ (١) الآية أي أمهله وأخره.
والثاني: إعطاء الرجاء. أما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول. .، لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن النية والعقد. وأما بالمعنى الثاني. . فلأنهم كانوا يقولون لا تضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة. وهذا أمثل الأقوال لأنه أشملها لأنواع الإرجاء.
стр. 17601
(ب): نشأتهم .
الإرجاء ليس شيئا واحدا نشأ في لحظة حاسمة كما هو الحال في نشأة الخوارج، وإنما هو أنواع. وقد بدأ ضعيفا في جانب واحد ثم ما لبث أن انتقل في جانب آخر بينهما فترة من الزمن. وإليك الإشارة إليها مع بيان نشأة كل منها.
أولا: إرجاء أمر الصحابة.
والأظهر أن أول من تكلم فيه الحسن بن محمد بن الحنفية الذي اشتهر عنه بسبب كتاب كتبه ليقرأ على الناس. قال ابن سعد في ترجمة الحسن: إنه أول من تكلم بالإرجاء (١).
стр. 17602
وهذا الإرجاء لا يعد مذموما؛ لأنه إرجاء أمر الصحابة إلى الله لما حصل بينهم من الاختلاف، ولم يتبرأ منهم.
ثانيا: إرجاء أمر مرتكب الكبيرة.
وقد نشأ هذا النوع بظهور الخوارج وحكمهم بالكفر على مرتكب الكبيرة واختلافهم فيه. وبيان ذلك: أنهم قالوا: بالكفر على مرتكب الكبيرة ثم افترقوا فرقا وأخذ حكمهم يتنازل في حكم مرتكب الكبيرة حتى تولدت المرجئة.
فقد ذكر الشهرستاني عن الحازمية - وهي من فرق الخوارج - أنهم يتوقفون في أمر علي بن أبي طالب ولا يصرحون بالبراءة منه (١).
ويروي ابن سعد عن بعض المحدثين كمحارب بن دثار السدوسي (قاضي الكوفة) أنهم يتوقفون في أمر علي بن أبي طالب وعثمان، ولا يشهدون لهما بإيمان ولا كفر. إذا ما هو موقفهم؟، إنه الإرجاء (٢).
ومما ذكرته يتضح أن التوقف من قبل بعض الخوارج هو البذرة الأولى في ظهور المرجئة الأولى الذين لا يشهدون بإيمان ولا كفر على مرتكب الكبيرة. والأصل عندهم في قولهم: مرتكب الكبيرة هم الصحابة. قال ابن أبي العز في شرحه للطحاوية: وكانت المرجئة الأولى يرجئون عثمان وعليا، ولا يشهدون بإيمان ولا كفر (٣).
ومن هؤلاء: محارب بن دثار السدوسي، كما قال ابن سعد (٤)، ومنهم أيضا خالد بن سلمة الكوفي الفأفاء. كما قال الذهبي (٥).
стр. 17603
وهذا النوع من الإرجاء يختلف عما سبقه. فالأول الذي تكلم فيه ابن الحنفية إرجاء تفويض أمر المختلفين من الصحابة إلى الله، مع اعتقاد أفضليتهم والشهادة لهم بالإيمان، وليس له أي صلة بالمرجئة فيما بعد.
أما النوع الثاني: وهو الإرجاء الذي تولد من الخوارج فالقائلون به لا يشهدون للصحابة بإيمان ولا كفر وإنما يتوقفون، وهذا بدعة، وهو أصل قول المرجئة في الإيمان كما سيأتي بيانه، ثم إن هذا النوع من الإرجاء قد انقرض؛ إذ أن الإرجاء تحول إلى موضوع الإيمان. فقد سئل سفيان بن عيينة عن الإرجاء فقال: الإرجاء على وجهين: قوم أرجئوا أمر علي وعثمان فقد مضى أولئك، فأما المرجئة اليوم فهم قوم يقولون: الإيمان قول بلا عمل (١).
النوع الثالث: الإرجاء في الإيمان.
وهذا النوع بدأ بإخراج العمل من مسمى الإيمان، وكان هذا زمن التابعين وهو على ثلاثة أنواع. الأول: إرجاء العباد والفقهاء من أهل الكوفة ابتدأ بهم. وموضوعه: إخراج العمل من الإيمان. وهو امتداد للمرجئة الذين انفصلوا عن الخوارج؛ حيث إن مسالة تكفير المسلم هي السبب في ذلك وهي القضية التي كانت موضوع نقاش الناس وخاصة بين الخوارج ومن انفصل منهم من المرجئة أدى هذا النقاش فيما بعد إلى البحث في الإيمان عند هاتين الفرقتين. فرأت كل فرقة أن تجعل قولها في الإيمان مبنيا على قولها في الكبيرة، فقالت الخوارج: إنه جميع الطاعات فمن ترك طاعة واحدة فقد كفر. فقولهم هذا بناء على تكفيرهم مرتكب الكبيرة.
فقابلتهم المرجئة بما يناقضهم؛ فقالوا: مرتكب الذنب مؤمن كامل الإيمان، لكن لا يسلم لهم هذا القول حتى يخرجوا العمل من الإيمان، لذا
стр. 17604
قالوا: الإيمان هو التصديق والإقرار فقط. وأول من عرف عنه هذا النوع ذر بن عبد الله الهمذاني، وحماد بن أبي سليمان من فقهاء الكوفة (١).
وكان ظهور هذا النوع من الإرجاء بعد الثمانين من الهجرة لما ورد في صحيح البخاري عن زبيد قال: " سألت أبا وائل عن المرجئة. . . " (٢) وكانت وفاة أبي وائل سنة ٨٢ هـ (٣).
وقال ابن تيمية: حدثت بدعة الإرجاء في أواخر عصر الصحابة في خلافة عبد الملك بن مروان (٤)، وخلافته انتهت بوفاته سنة ٨٦ هـ.
وهؤلاء المرجئة الذين يخرجون العمل عن الإيمان لم يكونوا يقصرون في العمل، وإنما قالوا هذا القول كرد فعل لتكفير الخوارج لصاحب الكبيرة (٥).
الثاني: إرجاء الغلاة من المتكلمين، الذين جعلوا الإيمان في القلب فقط، كالجهمية والغيلانية وبعض المتكلمين.
وهؤلاء: جعلوا الإيمان شيئا واحدا في القلب فقط فزادوا على من
стр. 17605
سبقهم بأن أخرجوا القول من الإيمان. فصار الإيمان يتم - عندهم - بمجرد معرفة القلب. ومن أوائل من عرف عنهم هذا الغلو في الإرجاء غيلان بن مسلم الدمشقي أبو مروان، والجهم بن صفوان، ومقاتل بن سليمان المشبه.
وهؤلاء من مذهبهم أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة. وهم الطائفة الأولى من المرجئة الغلاة.
وهذا النوع من الإرجاء أثر من آثار الإرجاء السابق، وهو إرجاء الفقهاء حيث إن ذلك الخطأ اللفظي فتح الباب لهذا الخطأ العظيم.
الثالث: إرجاء الكرامية: وهو نوع ثالث من أنواع الإرجاء في الإيمان حيث جعلوا الإيمان: قولا باللسان فقط، وإن اعتقد الكفر بقلبه فهو مؤمن
стр. 17606
عند الله ولي له، من أهل الجنة (١)، وأول من ابتدع هذا النوع محمد بن كرام السجستاني المجسم، عاش في أوائل القرن الثالث. حيث قال: إن الإيمان هو القول باللسان فقط دون تصديق القلب وعمل الجوارح. ولم يكن هذا النوع معروفا قبله، وهذا القول هو أفسد الأقوال وآخرها حدوثا.
يقول ابن تيمية: لم يكن حدث في زمن السلف من المرجئة من يقول: الإيمان بمجرد القول بلا تصديق ولا معرفة، فإن هذا: إنما أحدثه ابن كرام، وهذا هو الذي انفرد به ابن كرام (٢) وهذه هي الطائفة الثانية من المرجئة الغلاة (٣).
стр. 17607
ثانيا: رأي المرجئة في حكم مرتكب الكبيرة مع المناقشة:
(أ): رأي المرجئة في حكم مرتكب الكبيرة.
اختلف المرجئة في حكم مرتكب الكبيرة، فمنهم من وافق أهل السنة كمرجئة الفقهاء حيث كان إرجاؤهم في تأخير العمل عن الإيمان فقط. يقول ابن تيمية - وهو يتكلم عن العمل هل هو داخل في الإيمان أم لا؟ -: ومما ينبغي أن يعرف أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي وإلا فالقائلون بأن الإيمان قول من الفقهاء كحماد بن أبي سليمان وهو أول من قال ذلك، ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيرهم، متفقون مع جميع علماء السنة على أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد، وإن قالوا إن إيمانهم كامل كإيمان جبريل، فهم يقولون: إن الإيمان بدون العمل المفروض، ومع فعل المحرمات، يكون صاحبه مستحقا للذم والعقاب كما تقول الجماعة، ويقولون أيضا بأن من أهل الكبائر من يدخل النار كما تقوله الجماعة (١).
ومنهم من خالف أهل السنة، كالمرجئة الغلاة حيث قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة. فمن قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، وحرم ما حرم الله، وأحل ما أحل الله دخل الجنة ابتداء ولو مات من غير توبة، وإن زنى وسرق وقتل وشرب الخمر وقذف المحصنات وترك الصلاة. . إذا كان مقرا بها لا يضر وقوعه في الكبائر وركوبه الفواحش وتركه الفرائض، وإن فعل ذلك مستحلا كان كافرا بالله وخرج من إيمانه فصار من أهل النار (٢).
стр. 17608
قال الإمام أبو حنيفة: " ولا نقول إن المؤمن لا تضره الذنوب ولا نقول إنه لا يدخل النار. . كما قالت المرجئة " (١).
وقال الماتريدي: " قالت المرجئة لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة " (٢).
ويقول ابن تيمية - وهو يتكلم عن أصحاب الذنوب -: ". . . ولكن الأقوال المنحرفة قول من يقول بتخليدهم في النار. .، وقول غلاة المرجئة الذين يقولون: ما نعلم أحدا منهم يدخل النار بل نقف في هذا كله. وحكي عن بعض غلاة المرجئة الجزم بالنفي. . . " (٣).
وهذا مبني على أصلهم الفاسد، وهو أنه لا يتصور أن الشخص يدخل الجنة والنار معا بل إذا دخل أحدهما فلا يدخل الأخرى، وبناء على هذا قالوا: " إن أهل الذنوب يدخلون الجنة ولا يدخلون النار أبدا " (٤).
стр. 17609
(ب): شبهاتهم والجواب عليها .
لقد تمسك المرجئة في قولهم بهذه البدعة بشبهات منها: ما ورد في الكتاب والسنة من نصوص فيها الوعد لعباده المؤمنين، وإليك البعض منها مع الجواب.
الشبهة الأولى:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١).
стр. 17610
وجه الاستدلال: قالوا: إن الآية تدل على أن الشرك وحده لا يغفر وما دون ذلك فهو مغفور، ومرتكب الكبيرة ليس بمشرك فهو مغفور له (١).
الجواب: يقال لهم: استدلالكم باطل لما يلي:
(أ) أن المغفرة معلقة بالمشيئة ففيها دليل على التقسيم (٢). وهو أن من العصاة من يعذب، ومنهم من لا يعذب، وعليه فالآية حجة عليكم لا لكم.
(ب) لو كانت المغفرة لكل أحد - كما تزعمون - لبطل قوله تعالى: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) فلما أثبت أنه يغفر ما دون ذلك، وأن المغفرة هي لمن يشاء دل ذلك على وقوع المغفرة العامة لما دون الشرك لكنها لبعض الناس (٤). وبذلك يتضح بطلان استدلالكم بالآية على ما تزعمونه، والله أعلم.