← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

ووجه الاستدلال من هذا الحديث الطويل ما جاء في رواية أبي قلابة من قول النبي ﷺ «أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم (١)». وأما قصة الهذليين فليس فيها تصريح بما صنع عمر هل أقاد بالقسامة أو حكم بالدية كذا في فتح الباري ج١٢ ص٢٠٤ ثم وجدنا في مصنف عبد الرزاق ج١٠ ص٤٨ ما يدل على أن عمر حكم بالدية في هذه القضية فقد روى عبد الرزاق في باب الخلع عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال: (خلع قوم هذليون سارقا منهم كان يسرق الحاج قالوا: قد خلعناه فمن وجده يسرق فدمه هدر فوجدته رفقة من أهل اليمن يسرقهم فقتلوه فجاء قومه عمر بن الخطاب فحلفوا بالله ما خلعناه ولقد كذب الناس علينا فأحلفهم عمر خمسين يمينا ثم أخذ عمر بيد الرفقة فقال: أقرنوه إلى أحدكم حتى تؤتوا بدية صاحبكم ففعلوا فانطلقوا حتى دنوا من أرضهم أصابهم مطر شديد فاستنزوا بجبل طويل وقد أمرسوا، فلما نزلوا كلهم انقض الجبل عليهم فلم ينج منهم أحد ولا من ركابهم إلا التريك وصاحبه فكان يحدث بما لقي قومه اهـ ومما أجيب به عن قوله ﷺ للحارثيين «إما أن تدوا صاحبكم وإما أن تؤذنوا بحرب (٢)». وما ذكره الباجي قال: يحتمل أن يريد بقوله «أن تدوا صاحبكم (٣)» إعطاء الدية؛ لأنه قد جرى في كلام الحارثيين أنهم طلبوا الدية دون القصاص، ويحتمل أنهم لم يكونوا ادعوا حينئذ قتله عمدا، ويحتمل أنهم لما لم يعينوا القاتل وإنما قالوا: إن بعض يهود قتله ولا يعرف من هو لم يلزم في ذلك قصاص وإنما يلزم فيه الدية كالقتيل بين الصفين لا يعرف من قتله ولا يقول: دمي عند فلان ولا يشهد شاهد بمن قتله فإن ديته على الفرقة المنازعة له دون قسامة؛ ولذلك لم يذكر أن النبي ﷺ حكم بالقسامة في هذا المقام، ولعل هذا كان يكون الحكم إن لم يقطع يهود بأنها لم تقتل ولم تنف ذلك عن أنفسها وتقول لا علم لنا وإنما أظهر في المقام ما يجب من الحق إن لم يقع النفي للقتل الموجب للقسامة أن عليهم أن يؤدوا الدية فإن امتنعوا من الواجب عليهم في ذلك فلا بد من محاربتهم في ذلك حتى يؤدوا الحق ويلتزموا من ذلك حكم الإسلام) (٤)، اهـ. ومنهم من طعن في هذا الحديث لما جاء فيه «وإما أن تؤذنوا بحرب (٥)» قال الخطابي: (وقد أنكر بعض الناس قوله «وإما أن تؤذنوا بحرب (٦)» وقال " إن الأمة على خلاف هذا القول فدل على أن خبر القسامة غير معمول به، وقد أجاب الخطابي عن هذا بقوله بعد ما ذكرت (قلت ووجه الكلام بين وتأويله صحيح، وذلك أنهم إذا امتنعوا من القسامة ولزمتهم الدية فأبوا أن يؤدوها إلى أولياء الدم أوذنوا بحرب كما يؤذنوا بها إذا منعوا الجزية). وأما استدلال أبي قلابة بترك القود بالقسامة لقوله (فوالله «ما قتل رسول الله ﷺ أحدا قط إلا في ثلاث خصال: رجل قتل بجريرة نفسه فقتل، أو رجل زنى بعد إحصان ورجل حارب الله ورسوله ﷺ وارتد عن الإسلام (٧)» فقد قال فيه الحافظ ابن حجر: (لم يظهر لي وجه استدلال

стр. 1927

أبي قلابة بأن القتل لا يشرع إلا في الثلاث لرد القود بالقسامة مع أن القود قتل نفس بنفس وهو أحد الثلاثة وإنما النزاع في الطريق إلى ثبوت ذلك (١). وأما قول أبي قلابة (وقد كان في هذا سنة من رسول الله ﷺ «دخل عليه نفر من الأنصار فتحدثوا عنده فخرج رجل منهم بين أيديهم فقتل فخرجوا بعده فإذا هم بصاحبهم يتشحط في الدم فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله صاحبنا كان تحدث معنا فخرج بين أيدينا فإذا نحن به يتشحط في الدم فخرج رسول الله ﷺ فقال: من تظنون أو ترون قتله؟، قالوا: نرى أن اليهود قتلته فأرسل إلى اليهود فدعاهم، فقال: أنتم قتلتم هذا؟، قالوا: لا، قال: أترضون نفل خمسين من اليهود ما قتلوه؟ فقالوا: ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم ينتفلون قال: فتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم؟ قالوا: ما كنا لنحلف فوداه من عنده قلت وقد كانت هذيل خلعوا خليعا لهم في الجاهلية فطرق أهل بيت من اليمن بالبطحاء فانتبه له رجل منهم فحذفه بالسيف فقتله فجاءت هذيل فأخذوا اليماني فرفعوه إلى عمر بالموسم (٢)» إلخ. فقد أجاب البيهقي عن ذلك بقوله (وحديثه أي أبي قلابة عن النبي ﷺ في القتيل مرسل، وكذلك عن عمر ﵁ في قصة الهذلي (٣). * * * ومما استدلوا به من السنة ما رواه أبو داود في المراسيل عن هارون بن زيد عن أبي الزرقاء عن أبيه عن محمد بن راشد بن مكحول أن رسول الله ﷺ لم يقض في القسامة بقود ومن هذا الطريق أخرجه البيهقي في باب ترك القود بالقسامة، وقال: أخبرنا محمد بن محمد أنبأنا الفسوي ثنا اللؤلئي ثنا أبو داود فذكره (٤). والجواب عن هذا الحديث أنه منقطع قال ابن القيم: وأما حديث محمد بن راشد المكحولي يقول: إن رسول الله ﷺ لم يقض في القسامة بقود فمنقطع (٥). وما رواه أحمد وأبو داود الطيالسي وإسحاق بن راهويه والبزار في مسانيدهم والبيهقي في سننه من طريق أبي إسرائيل الملائي واسمه إسماعيل بن إسحاق عن عطية عن أبي سعيد الخدري «أن قتيلا وجد بين حيين فأمر النبي ﷺ أن يقاس إلى أقربهما فوجد أقرب إلى أحد الحيين بشبر قال الخدري: كأني أنظر إلى شبر رسول الله ﷺ فألقى ديته عليهم (٦)» ورواه ابن عدي والعقيلي في

стр. 1928

كتابيهما بلفظ فألقى ديته على أقربهما (١). والجواب قد أعله ابن عدي والعقيلي في كتابيهما بأبي إسرائيل فضعفه ابن عدي عن قوم ووثقه عن آخرين وقال فيه البزار: أبو إسرائيل قال النسائي فيه: ليس بثقة كان يسب عثمان ﵁ قال: وثقه ابن معين (٢). وقال ابن حجر قال العقيلي: لا أصل له (٣). وقال ابن حزم: هالك؛ لأنه انفرد به عطية بن سعيد العوفي وهو ضعيف ضعفه هشيم وسفيان الثوري ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وما ندري أحدا وثقه وذكر عن أحمد بن حنبل أنه كان يأتي الكلبي الكذاب فيأخذ عنه الأحاديث ثم يكنيه بأبي سعيد ويحدث بها عن أبي سعيد فيوهم الناس أنه الخدري وهذا من تلك الأحاديث والله أعلم، فهو ساقط ثم هو أيضا من رواية أبي إسرائيل الملائي هو إسماعيل بن إسحاق فهو بلية عن بلية والملائي هذا ضعيف جدا وليس في الذرع بين القريتين خبر عن هذا لا مسندا ولا مرسلا (٤). وقال البيهقي تحت عنوان (باب ما روي في القتيل يوجد بين القريتين ولا يصح): أخبرنا أبو بكر بن فورك أنبأنا عبد الله بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا أبو إسرائيل عن عطية عن أبي سعيد أن قتيلا وجد بين حيين فأمر النبي ﷺ أن يقاس إلى أيهما أقرب فوجد أقرب إلى أحد الحيين بشبر قال أبو سعيد: كأني أنظر إلى شبر رسول الله ﷺ فألقى ديته عليهم وأخبرنا أبو سعد الماليي أنبأنا أبو أحمد ابن عدي أنبأنا الفضل بن الحباب ثنا أبو الوليد الطيالسي عن أبي إسرائيل الملائي بنحوه. تقول به أبو إسرائيل عن عطية العوفي وكلاهما لا يحتج بروايتهما اهـ نص في (السنن الكبرى) (٥). وقال في المعرفة أبو إسرائيل الملائي عن عطية العوفي وكلاهما ضعيف اهـ (٦). وقال ابن القيم: (وأما حديث أبي سعيد الخدري «أن قتيلا وجد بين حيين فأمر النبي ﷺ أن يقاس إلى أقربهما فوجد أقرب إلى أحد الحيين بشبر فألقى ديته (٧)» عليهم فرواه أحمد في مسنده وهو من رواية أبي إسرائيل الملائي عن عطية العوفي وكلاهما فيه ضعف. ولو لم يكن في إسناد هذا الحديث سوى البلية أبي إسرائيل لكفى ذلك في تضعيفه فقد قال ابن عدي: حدثنا الآجري حدثنا الحسن بن علي حدثنا عفان قال: قال لي أبو إسرائيل الملائي: عثمان كفر بما أنزل

стр. 1929

على محمد ﷺ روى ذلك الحافظ الذهبي عن ابن عدي بسنده إليه (١). هذا وعند ابن عدي هذا الحديث أيضا من رواية الصبي بن أشعث بن سالم السلولي، سمعت عطية العوفي عن الخدري به ولكن الصبي هنا لينه ابن عدي وقال: إن في بعض حديثه ما لا يتابع عليه، قال: ولم أر للمتقدمين فيه كلاما ورواه عن عطية أبو إسرائيل اهـ (٢). وقال ابن القيم: لا تجوز معارضة الأحاديث الثابتة بحديث من قد أجمع علماء الحديث على ترك الاحتجاج به وهو ابن صبيح الذي لم يسفر صباح صدقه (٣). * * * وأما الآثار فمنها ما ذكره ابن حزم قال: قال ابن أبي شيبة: نا عبد السلام بن حرب عن عمرو هو ابن عبيد عن الحسن البصري أن أبا بكر والجماعة الأولى لم يكونوا يقيدون بالقسامة. وما ذكره البيهقي قال: أخبرنا أبو بكر الأردستاني أنبأنا سفيان بن محمد الجوهري ثنا علي بن الحسن ثنا عبد الله بن الوليد ثنا سفيان عن عبد الرحمن عن القاسم بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: القسامة توجب العقل ولا تشيط الدم (٤). وما ذكره ابن حزم قال أبو بكر بن أبي شيبة: نا وكيع نا المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال: (انطلق رجلان من أهل الكوفة إلى عمر بن الخطاب فوجداه قد صدر عن البيت عامدا إلى منى فطاف بالبيت ثم أدركاه فقصا عليه قصتهما، فقالا: يا أمير المؤمنين إن ابن عم لنا قتل نحن إليه شرع سواء في الدم وهو ساكت لا يرجع إليهما شيئا حتى ناشداه الله، فحمل عليهما، ثم ذكراه الله فكف عنهما، ثم قال عمر بن الخطاب: ويل لنا إذا لم نذكر بالله، وويل لنا إذا لم نذكر الله. فيكم شاهدان ذوا عدل، يجيئان به على من قتله فنقيدكم منه. وإلا حلف من بيدكم بالله ما قتلنا ولا علمنا قاتلا، فإن نكلوا حلف منكم خمسون، ثم كانت لكم الدية. إن القسامة تستحق بها الدية ولا يقاد بها (٥). وما ذكره ابن حجر قال: أخرج الثوري في جامعه وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور بسند صحيح

стр. 1930

إلى الشعبي قال: وجد قتيل بين حيين من العرب فقال عمر: قيسوا ما بينهما فأيهما وجدتموه إليه أقرب فحلفوهم خمسين يمينا وأغرموهم الدية، وأخرجه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن منصور عن الشعبي أن عمر كتب في قتيل وجد بين خيوان ووادعة أن يقاس ما بين القريتين فإلى أيهما كان أقرب أخرج إليه منهم خمسون رجلا حتى يوافوه مكة فأدخلهم الحجر فأحلفهم ثم قضى عليهم الدية فقال: حقنت أيمانكم دماءكم ولا يطل دم رجل مسلم (١). وروى عبد الرزاق عن عمرو وغيره عن الحسن قال: يستحقون بالقسامة الدية ولا يستحقون الدم (٢). ومن ذلك ما رواه عبد الرزاق عن معمر قال: قلت لعبد الله بن عمر العمري: أعلمت أن رسول الله ﷺ أقاد بالقسامة؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر؟ قال: لا، قلت فعمر؟ قال: لا، قلت فلم تجترئون عليها؟ فسكت (٣). والجواب عنه أولا: أنه لا معارض بما أخرجه أبو عوانة في صحيحه وأصله عند الشيخين من طريق حماد بن زيد عن أيوب وحجاج الصواف عن أبي رجاء أن عمر بن عبد العزيز استشار الناس في القسامة فقال قوم: هي حق قضى بها رسول الله ﷺ وقضى بها الخلفاء. وثانيا: أن من قال: إنه قضى بها مثبت، ومن قال: لم يقض بها ناف والمثبت معه زيادة علم فيقدم على النافي. وثالثا: كونه لا يعلم لا يلزم منه عدم الوقوع فعدم علمه ليس بدليل. ورابعا: هو معلول بالإرسال قال ابن حزم: لا يصح؛ لأنه مرسل إنما هو عن عبيد الله بن عمر بن حفص. وما أخرجه الدارقطني ومن طريقه البيهقي قال الدارقطني: نا محمد بن القاسم بن زكريا نا هشام بن يونس نا محمد بن يعلى عن عمر بن صبيح عن مقاتل بن حيان عن صفوان بن سليم عن سعيد بن المسيب أنه قال: لما حج عمر حجته الأخيرة التي لم يحج غيرها، غودر رجل من المسلمين قتيلا في بني وادعة، فبعث إليهم عمر، وذلك بعد ما قضى النسك وقال لهم: هل علمتم لهذا القتيل قاتلا منكم؟ قال القوم: لا، فاستخرج منهم خمسين شيخا، فأدخلهم الحطيم، فاستحلفهم بالله رب هذا البيت الحرام، ورب هذا البلد الحرام، والشهر الحرام، أنكم لم تقتلوه، ولا علمتم له قاتلا، فحلفوا بذلك، فلما حلفوا قال: أدوا ديته مغلظة في أسنان الإبل، أو من الدنانير، والدراهم دية وثلثا فقال رجل منهم، يقال له سنان: يا أمير المؤمنين أما تجزيني من مالي؟ قال: لا، إنما قضيت عليكم بقضاء نبيكم ﷺ ، فأخذوا ديته دنانير، وثلث دية (٤). والجواب عن هذا الحديث بأن فيه عمر بن صبيح وهو متروك، قال ذلك الدارقطني والبيهقي وابن القيم فقال الدارقطني في سنده: عمر بن صبيح متروك (٥) وقال البيهقي رفعه إلى النبي ﷺ يعني قوله إنما قضيت فيكم بقضاء نبيكم منكر

стр. 1931

وهو مع انقطاعه من رواية من أجمعوا على تركه (١). ونقل الزيلعي عن البيهقي أنه قال في كتاب المعرفة: أجمع أهل الحديث على ترك الاحتجاج بعمر بن صبيح، وقد خالفت روايته هذه رواية الثقات الأثبات (٢). وذكر ابن حزم أن ذلك صحيح عن الحسن ونصه وأما الحسن: فصح عنه أن لا يقاد بالقسامة لكن يحلف المدعى عليهم: بالله ما فعلنا، ويبرءون فإن نكلوا حلف المدعون وأخذوا الدية - هذا في القتيل يوجد (٣). كما ذكر ابن حزم أنه صح عن قتادة أن القسامة تستحق بها الدية ولا يقاد بها " أهـ (٤). والجواب عن هذه الآثار ما يأتي: أما ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد السلام بن حرب عن عمرو بن عبيد عن الحسن البصري أن أبا بكر والجماعة الأولى لم يكونوا يقيدون بالقسامة فهو مرسل. قال إنه لا يصح؛ لأنه عن الحسن وفي طريق الحسن عبد السلام بن حرب " (٥). وأما ما رواه الثوري عن عبد الرحمن عن القاسم بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب قال القسامة توجب العقل ولا تشيط الدم. فقد قال البيهقي فيه: " هذا منقطع " (٦) وقال ابن القيم: " أما ما رواه الثوري في جامعه عن عبد الرحمن عن القاسم بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: القسامة توجب العقل ولا تشيط الدم فمنقطع موقوف " (٧) اهـ كلام ابن القيم. وقد رواه ابن أبي شيبة ومن طريقه ابن حزم قال ابن أبي شيبة: نا وكيع نا المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال: انطلق رجلان من أهل الكوفة إلى عمر بن الخطاب فذكر الحديث المتقدم وفيه " أن القسامة تستحق بها الدية ولا يقاد بها ". ثم ذكر ابن حزم في رواية القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن عمر بن الخطاب منقطعة. قال: لم يولد والد القاسم إلا بعد موت عمر " (٨).

стр. 1932

وأما الأثر الذي أخرجه الثوري في جامعه وابن أبي شيبة عن منصور بسند صحيح إلى الشعبي أنه وجد قتيل بين حيين من العرب، فقال عمر: قيسوا ما بينهما، الحديث، وأخرجه الشافعي وفي تسمية الحيين خيوان ووادعة. فقد قال ابن حزم: " إنه مرسل؛ لأنه عن عمر من طريق الشعبي ولم يولد إلا بعد موت عمر بأزيد من عشرة أعوام أو نحوها (١). وقال البيهقي: في الجواب عنه من ناحية ما فيه من مخالفة النصوص الدالة على البدء بولاة الدم في الأيمان قال: أما الأثر الذي أخبرنا أبو حازم الحافظ أنبأنا أبو الفضل بن خميرويه، أنبأنا أحمد بن نجدة ثنا سعيد بن منصور ثنا أبو عوانة عن مغيرة عن عامر يعني الشعبي أن قتيلا وجد في خربة وادعة همدان فرفع إلى عمر بن الخطاب ﵁ فأحلفهم خمسين يمينا ما قتلناه ولا علمنا قاتلا ثم أغرمهم الدية ثم قال: يا معشر همدان حقنتم دماءكم بأيمانكم فما يطل دم هذا الرجل المسلم، وأخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو ثنا أبو العباس الأصم أنبأنا الربيع بن سليمان أنبأنا الشافعي ثنا سليمان عن منصور عن الشعبي أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب في قتيل وجد بين خيوان ووادعة أن يقاس ما بين القريتين فإلى أيهما كان أقرب أخرج إليه منهم خمسون رجلا حتى يوافوه مكة فأدخلهم الحجر فأحلفهم ثم قضى عليهم بالدية فقالوا: ما وقت أموالنا أيماننا ولا أيماننا أموالنا، قال عمر ﵁: كذلك الأمر. قال الشافعي: وقال غير سفيان عن عاصم الأحول عن الشعبي قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: حقنتم بأيمانكم دماءكم ولا يطل دم مسلم فقد ذكر الشافعي ﵀ في الجواب عن ما يخالفون عمر ﵁ في هذه القصة من الأحكام، قيل له أثابت هو عندك؟ قال: إنما رواه الشعبي عن الحارث الأعور والحارث مجهول ونحن نروي عن رسول الله ﷺ بالإسناد الثابت أنه بدا بالمدعين، فلما لم يحلفوا قال: «فتبرئكم يهود يمينا (٢)» وإذ قال: تبرئكم فلا يقول عليهم غرامة ولما لم يقبل الأنصاريون أيمانهم وداه النبي ﷺ ولم يجعل على يهود ولا القتيل بين أظهرهم شيئا قال الربيع: أخبرني بعض أهل العلم عن جرير عن مغيرة عن الشعبي قال: " حارث الأعور كان كذابا وروى عن مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عمر ﵁ ومجالد غير محتج به وروى عن مطرف عن أبي إسحاق عن الحارث بن الأزمع عن عمر وأبو إسحاق لم يسمع من الحارث بن الأزمع، قال علي بن المديني عن أبي زيد عن شعبة قال: سمعت أبا إسحاق يحدث حديث الحارس بن الأزمع أن قتيلا وجد بين وادعة وخيوان فقلت: يا أبا إسحاق من حدثك؟ قال: حدثني مجالد عن الشعبي عن الحارث بن الأزمع فعادت رواية أبي إسحاق إلى حديث مجالد واختلف فيه على مجالد في إسناده ومجالد غير محتج به والله أعلم، هذا كلام البيهقي في السنن الكبرى (٣). وأخرج في المعرفة عن ابن عبد الحكم أنه قال: سمعت الشافعي يقول: " سافرت خيوان، ووادعة أربع عشرة سفرة، وأنا أسألهم عن حكم عمر بن الخطاب في القتيل، وأنا أحكي لهم ما روي عنه فيه، فقالوا: هذا شيء ما كان ببلدنا قط " (٤).

стр. 1933

وفي هذا دليل على عناية الشافعي ﵀ بحالة هذا الأثر، وقد ناقش ابن التركماني ما ذكره البيهقي في السنن الكبرى عن الشافعي من ناحية كون الأثر من رواية الحارث الأعور وادعوا جهالته فقال: قلت: لم يذكر أحد فيما علمنا أن الشعبي رواه عن الحارث الأعور غير الشافعي ولم يذكر سنده في ذلك وقد رواه الطحاوي بسنده عن الشعبي عن الحارث الأعور غير الشافعي ولم يذكر سنده في ذلك وقد رواه الطحاوي بسنده عن الشعبي عن الحارث الوادعي هو ابن الأزمع وسيأتي أن مجالدا رواه عنه الشعبي كذلك ورواية أبي إسحاق لهذا الأثر عن الحارث هذا عن عمر أمارة على أنه الواسطة لا الحارث الأعور كما زعم الشافعي ورواه أيضا عبد الرزاق (١)، عن الثوري عن منصور عن الحكم عن الحارث بن الأزمع والحارث هذا ذكره أبو عمر وغيره في الصحابة وذكره ابن حيان في ثقات التابعين ثم إن الحارث الأعور وإن تكلموا فيه فليس بمجهول كما زعم الشافعي بل هو معروف روى عنه الطحاوي والشعبي والسبيعي وغيرهم (٢) اهـ. * * *

стр. 1934

التاسع خلاف العلماء فيمن يقتل بالقسامة إذا كان المدعى عليه أكثر من واحد اختلف أهل العلم في هذه المسألة فمنهم من ذهب إلى أنه لا يقتل إلا واحد ومنهم من ذهب إلى أنه يستحق بها قتل جماعة، ومنهم من ذهب إلى العدول إلى الدية. أما المذهب الأول فقال مالك ﵀: لا يقتل في القسامة إلا واحد لا يقتل فيها اثنان، وقال الباجي ﵀: على ذلك لا خلاف في المذهب أنه لا يستحق بالقسامة إلا قتل رجل واحد خلافا للشافعي في أحد قوليه. والدليل على ما نقوله ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم (١)». ومن جهة المعنى أن القسامة أضعف من الإقرار والبينة وفي قتل الواحد ردع، قال القاضي أبو محمد المنتقى (٢). وقال ابن قدامة ﵀: لا يختلف المذهب أنه لا يستحق بالقسامة أكثر من قتل واحد وبهذا قال الزهري ومالك وبعض أصحاب الشافعي قال بعد ذكر مذهب آخر سيأتي، ولنا قول النبي - صلى الله

стр. 1935

عليه وسلم -: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته (١)» فخص بها الواحد؛ ولأنها بينة ضعيفة خولف بها الأصل في قتل الواحد فيقتصر عليه ويبقى الأصل فيما عداه، وبيان مخالفة الأصل بها أنها ثبتت باللوث واللوث شبهة فغلبه على الظن صدق المدعى والقود يسقط بالشبهات فكيف يثبت بها ولأن الأيمان في سائر الدعاوي تثبت ابتداء في جانب المدعى عليه وهذا بخلافه وبيان ضعفها أنها تثبت بقول المدعى ويمينه مع التهمة في حقه والشك في صدقه وقيام العداوة المانعة من صحة الشهادة عليه في إثبات حق لغيره فلأن يمنع منه قبول قوله وحده في إثبات حقه أولى وأحرى (٢). أما المذهب الثاني فقال ابن قدامة ﵀ وقال بعضهم أي بعض أصحاب الشافعي: يستحق بها قتل الجماعة. لأنها بينة موجبة للقود فاستوى فيها الواحد والجماعة كالبينة وهذا نحو قول أبي ثور. وقد ناقش ابن قدامة ذلك فقال وفارق البينة فإنها قويت بالعدد وعدالة الشهود وانتفاء التهمة في حقهم من الجهتين وفي كونهم لا يثبتون لأنفسهم حقا ولا نفعا ولا يدفعون عنها ضرا ولا عداوة بينهم وبين المشهود عليه ولهذا لا يثبت بها سائر الحقوق والحدود التي تنفي الشبهات (٣). وأما المذهب الثالث: فقال النووي: قال الشافعي: إذا ادعوا على جماعة حلفوا عليهم وثبتت عليهم الدية على الصحيح عند الشافعي وعلى قول إنه يجب القصاص (٤). وقد مضى أن الشافعي ﵀ لم يوجب الدم في القسامة ومضت أدلة ذلك ومناقشتها هذا ما تيسر ذكره والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ

стр. 1936

قرار رقم ٤١ وتاريخ ١٣/ ٤ / ١٣٩٦هـ الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وآله وصحبه، وبعد: ففي الدورة الثامنة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الرياض في النصف الأول من شهر ربيع الآخر عام ١٣٩٦هـ اطلع المجلس على ما سبق أن أجله من الدورة السابعة إلى الدورة الثامنة من بحث القسامة، هل الورثة هم الذين يحلفون أيمان القسامة أو أن العصبة بالنفس هم الذين يحلفون ولو كانوا غير وارثين إذا كانوا ذكورا بالغين عقلاء؟ وبعد استماع المجلس ما سبق أن أعد في ذلك من أقوال أهل العلم وأدلتهم ومناقشتها وتداول الرأي قرر المجلس بالأكثرية أن الذي يحلف من الورثة هم الذكور البالغون العقلاء ولو واحدا سواء كانوا عصبة أو لا لما ثبت في الصحيحين من حديث سهل بن أبي حثمة في قصة قتل اليهود لعبد الله بن سهل أن الرسول ﷺ قال لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن بن سهل: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ " قالوا: لا، وفي رواية: " يقسم منكم خمسون رجلا (١)» ولأنها يمين في دعوى حق فلا تشرع في غير حق غير المتداعين كسائر الأيمان وبالله التوفيق وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه سلم. هيئة كبار العلماء

стр. 1937

هدي التمتع والقران هيئة كبار العلماء

стр. 1938

الحمد لله وحده وبعد. . . فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الثامنة المنعقدة في مدينة الرياض في النصف الأول من شهر ربيع الثاني عام ١٣٩٦ هـ موضوع هدي التمتع والقران ووقت الذبح ومكانه، وحكم الاستعاضة عن الهدي بالتصدق بقيمته وعلاج مشكلة اللحوم مشفوعا بالبحث المعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ورغبة في إطلاع قراء (مجلة البحوث الإسلامية) على هذا البحث القيم ننشره بنصه:

стр. 1939

هدي التمتع والقران الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد: فبناء على ما تقرر في الدورة السابعة لهيئة كبار العلماء المنعقدة في الطائف في شعبان عام ١٣٩٥هـ من الموافقة على إعداد بحث هدي التمتع والقران فقد أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك مشتملا على الأمور الآتية: أولا: ابتداء وقت ذبح الهدي مع الأدلة والمناقشة. ثانيا: نهاية وقت ذبح الهدي مع الأدلة والمناقشة. ثالثا: الذبح ليلا مع الأدلة والمناقشة. رابعا: مكان الذبح مع الأدلة والمناقشة. خامسا: حكم الاستعاضة عن ذبح الهدي بالتصدق بقيمته مع الأدلة سادسا: علاج مشكلة اللحوم في منى. وبالله التوفيق - صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 1940

أولا: ابتداء وقت الذبح اختلف أهل العلم في تحديد ابتداء وقت ذبح هدي التمتع والقران هل يجوز ذبحه قبل يوم النحر أو أنه لا يجوز إلا ابتداء من يوم النحر؟ القول الأول يبتدئ وقت ذبحه يوم النحر بعد طلوع الشمس وصلاة العيد أو مضي قدرها عند الحنابلة، وبعد رمي جمرة العقبة عند مالك، ويوم النحر عند الحنفية قال النسفي والزيلعي: وخص ذبح هدي المتعة والقران بيوم النحر فقط وفي بداية المبتدي " ولا يجوز ذبح هدي المتعة والقران إلا في يوم النحر " وجاء معنى ذلك في كثير من كتب الحنفية تركنا ذكرها اختصارا. وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: أما مذهب مالك فالتحقيق فيه أن هدي التمتع والقران لا يجب وجوبا تاما إلا يوم النحر " بعد رمي جمرة العقبة وقال ابن العربي: ولو ذبحه قبل يوم النحر لم يجزه، وقال الباجي: ولا يجوز أن ينحره قبل يوم النحر، وقال المزني: فإن كان معتمرا نحر بعد ما يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة قبل أن يحلق عند المروة وحيث نحر من فجاج مكة أجزأه وإن كان حاجا نحره بعد ما يرمي جمرة العقبة قبل أن يحلق انتهى المقصود. وقال الرملي: " ووقته أي وقت ذبح الهدي - كوقت ذبح الأضحية على الصحيح وصححه أيضا النووي والرافعي، وقال الفتوحي: ووقت ذبح أضحية وهدي نذر وتطوع ومتعة وقران من بعد أسبق صلاة العيد بالبلد أو قدرها لمن لم يصل انتهى كلامه. ونقل ابن قدامة عن أبي الخطاب: أنه يجب إذا طلع الفجر يوم النحر؛ لأنه وقت إخراجه فكان وقت وجوبه. واستدل للقول بأنه لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر بالكتاب والسنة والإجماع والأثر والمعنى: أما الكتاب فمنه دليلان:

стр. 1941

الأول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١). وجه الدلالة ما ذكره الباجي ﵀ بقوله " لو جاز قبل يوم النحر لجاز الحلق قبل يوم النحر ولا سيما على القول بدليل الخطاب ولا خلاف بينهم في القول به إذا علق بالغاية وهو قول القاضي أبي بكر وأكثر شيوخنا. ومما يدل على هذا حديث حفصة، وهو قولها «يا رسول الله ما بال الناس حلوا من عمرتهم ولم تحل أنت من عمرتك فقال: " إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر (٢)». وهذا يفيد أنه تعذر النحر عليه فوجب لامتناعه من الحلاقة ولو كان النحر مباحا لعلل امتناع الإحلال بغير تأخير النحر ولما صح اعتلاله به. ويمكن أن يناقش الاستدلال بالآية بأنها في الإحصار فإن قبلها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٣)، والكلام في هدي التمتع والقران لا الإحصار. الثاني قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٤)، وجه الدلالة أن الآية مطلقة من جهة تحديد وقت ذبح الهدي وقد جاء ما يدل على تحديده وهو قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٥) ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (٦). ووجه الدلالة ما ذكره الجصاص وغيره من أن قضاء التفث وطواف الزيارة لا يكون قبل يوم النحر ولما رتب هذه الأفعال على ذبح هدي البدن دل على أنها بدن القران والتمتع لأن جميع الهدايا لا يترتب عليها هذه الأفعال، وأن له أن ينحرها متى شاء فثبت بذلك أن هدي المتعة غير مجز قبل يوم النحر. وقد نوقش هذا الاستدلال بقول الجصاص ﵀ " إذا كان الصيام بدلا من الهدي والهدي لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر فكيف جاز الصوم؟ وأجاب عن ذلك بقوله: " لا خلاف في جواز الصيام قبل يوم النحر وقد ثبت بالسنة امتناع ذبح الهدي قبل يوم النحر وأحدها ثابت بالاتفاق وبدليل قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (٧)، والآخر ثابت بالسنة فالاعتراض عليهما بالنظر ساقط. وأيضا فإن الصوم مراعى ومنتظر به شيئان، أحدهما إتمام العمرة والحج في أشهر الحج والثاني ألا يجد حتى يحل فإذا وجد المعنيان صح الصوم عن المتعة وإذا عدم أحدهما بطل أن يكون الصوم متعة وصار تطوعا، وأما الهدي فقد رتب عليه أفعال أخر من حلق وقضاء التفث وطواف الزيارة فلذلك اختص بيوم النحر. واعترض على ذلك بما قاله الجصاص من أن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (٨).

стр. 1942

فلا يجوز تقديمه على الحج وأجاب عن ذلك بقوله: لا يخلو قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (١)، من أحد معان إما أن يريد به في الأفعال التي هي عمدة الحج وسماه النبي ﷺ حجا وهو الوقوف بعرفة؛ لأنه قال: «الحج عرفة (٢)» في أول أشهر الحج لأن الله قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٣)، وغير جائز أن يكون المراد فعل الحج الذي لا يصح إلا به، لأن ذلك إنما هو يوم عرفة بعد الزوال ويستحيل صوم الثلاثة الأيام منه، ومع ذلك فلا خلاف في جوازه قبل يوم عرفة فبطل هذا الوجه، وبقي من وجوه الاحتمال في إحرام الحج أو في أشهر الحج وظاهره يقتضي جواز فعله بوجود أيهما كان لمطابقته اللفظ في الآية وأيضا قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (٤)، معلوم أن جوازه معلق بوجود سببه لا بوجوبه فإذا كان هذا المعنى موجودا عند إحرامه للعمرة وجب أن يجزئ ولا يكون ذلك خلاف الآية، كما أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٥)، دال على جواز تقديمها على القتل لوجود الجراحة وكذلك قوله ﷺ «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول (٦)» لم يمنع جواز تعجيلها لوجود سببها وهو النصاب فكذلك قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (٧)، غير مانع جواز تعجيله لأجل وجود سببه الذي جاز فعله في الحج. ثم نقده ﵀ بقوله لم نجد بدلا يجوز تقديمه على وقت المبدل عنه ولما كان الصوم بدلا عن الهدي لم يجز تقديمه عليه. وأجاب عن ذلك بقوله: هذا اعتراض على الآية لأن نص التنزيل قد أجاز ذلك في الحج قبل يوم النحر. وأيضا فإننا لم نجد ذلك فيما تقدم البدل كله على وقت المبدل منه، وهاهنا إنما جاز تقديم بعض الصيام على وقت الهدي وهو صوم الثلاثة الأيام والسبعة التي معها غير جائز تقديمها عليها؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (٨)، فإنما أجيز له من ذلك مقدار ما يحل به يوم النحر فإذا لم يجد الهدي وهدي العمرة يصح إيجابه بعد العمرة ويتعلق به حكم التمتع في باب المنع من الإحلال إلى أن يذبحه انتهى كلامه. ونوقش الاستدلال بالآية على أن " ثم " للتراخي فربما يكون الذبح قبل يوم النحر وقضاء التفث فيه ". وأجيب عنه بأن موجب ثم بالتراخي يتحقق بالتأخير ساعة فلو جاز الذبح قبل النحر جاز قضاء التفث بعده بساعة كذلك. * * *

стр. 1943

وأما الأدلة من السنة فكثيرة نكتفي منها بما يأتي : روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وتمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ومنهم من لم يهد فلما قدم رسول الله ﷺ مكة قال للناس: " من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحل ثم ليهل بالحج وليهد فمن لم يجد هديا فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله (١)» الحديث. ولهما عن جابر ﵁ قال: «أهللنا بالحج مع رسول الله ﷺ فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة فكبر ذلك علينا وضاقت به صدورنا: " فقال يا أيها الناس أحلوا فلولا الهدي معي فعلت كما فعلتم " قال: فأحللنا حتى وطئنا النساء وفعلنا كما يفعل الحلال حتى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج (٢)». ولهما عن أبي موسى ﵁ قال: «قدمت على رسول الله ﷺ وهو منيخ بالبطحاء فقال: " بما أهللت " قال: قلت: أهللت بإهلال كإهلال رسول الله ﷺ قال: سقت من هدي؟ قلت: لا، قال: فطف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أتيت امرأة من قومي فمشطتني وغسلت رأسي (٣)». روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه سئل عن متعة الحج فقال: «أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي ﷺ في حجة الوداع وأهللنا فلما قدمنا مكة قال رسول الله ﷺ : " اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي " فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وآتينا النساء ولبسنا الثياب وقال: " من قلد الهدي فإنه لا يحل له حتى يبلغ الهدي محله " ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج وإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقد تم حجنا وعمرتنا وعلينا الهدي كما قال تعالى: (٥)».

стр. 1944

وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ ونحن نصرخ بالحج صراخا فلما قدمنا مكة أمرنا أن نجعلها عمرة إلا من ساق الهدي فلما كان يوم التروية ورحنا إلى منى أهللنا بالحج (١)». وروى البزار في مسنده عن أنس ﵁ «أن النبي ﷺ أهل هو وأصحابه بالحج والعمرة فلما قدموا مكة طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة وأمرهم رسول الله ﷺ أن يحلوا فهابوا ذلك فقال رسول الله ﷺ : " أحلوا فلولا أن معي الهدي لأحللت فحلوا حتى خلوا إلى النساء (٢)». وروى أبو داود عن أنس قال: «بات رسول الله ﷺ يعني بذي الحليفة حتى أصبح ثم ركب حتى استوت به راحلته على البيداء فحمد الله وسبح وكبر ثم أهل بحج وعمرة وأهل الناس بهما فلما قدم أمر الناس فحلوا حتى إذا كان يوم التروية أهلوا بالحج فلما قضى رسول الله ﷺ الحج نحر سبع بدنات بيده قياما (٣)» وروى أحمد وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن قرط أن النبي ﷺ قال: «إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر (٤)»، قال ثور: وهو اليوم الثاني، قال: وقرب رسول الله ﷺ بدنات (خمس أو ست) فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ قال: فلما وجبت جنوبها قال: فتكلم بكلمة خفية لم أسمعها فقلت ما قال؟ قال من شاء اقتطع. وروى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵁ «أن رسول الله ﷺ نحر عن نسائه في حجه بقرة (٥)». وفي رواية قال: «نحر رسول الله ﷺ عن عائشة بقرة يوم النحر (٦)». وروى البخاري ومسلم في الصحيحين عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: سمعت عائشة ﵂ تقول «خرجنا مع رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا الحج فلما دنونا من مكة أمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه هدي إذا طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يحل، قالت: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت ما هذا؟ قال: نحر رسول الله ﷺ عن أزواجه (٧)» قال يحيى: فذكرته للقاسم فقال: أتتك بالحديث على وجهه ولهما عن عائشة ﵂ قالت: «فلما دخلنا مكة قال رسول الله ﷺ : " من شاء أن يجعلها عمرة إلا من كان معه الهدي " قالت: وذبح رسول الله ﷺ عن نسائه البقر يوم النحر (٨)». وروى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «وقف رسول الله ﷺ في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه فجاء رجل فقال: يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر فقال: اذبح ولا حرج ثم جاء رجل آخر فقال: يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي فقال: ارم ولا حرج فما سئل رسول الله ﷺ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج (٩)» وروى مسلم

стр. 1945

في صحيحه عن جابر ﵁ قال: «أمرنا رسول الله ﷺ إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجتهم (١)» وروى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: «أهل النبي ﷺ بعمرة وأهل أصحابه بالحج فلم يحل النبي ﷺ ولا من ساق الهدي من أصحابه وحل بقيتهم (٢)». وله أيضا عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: «خرجنا محرمين مع رسول الله ﷺ فقال ﷺ : " من كان معه هديه فليقم على إحرامه ومن لم يكن معه هدي فليحل (٣)» فلم يكن معي هدي فحللت، وكان مع الزبير هدي فلم يحل. وروى مسلم من طريق الليث عن أبي الزبير عن جابر ﵁ أنه قال: «أقبلنا مهلين مع رسول الله ﷺ بحج مفرد وأقبلت عائشة بعمرة حتى إذا كنا بسرف عركت حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة فأمرنا رسول الله ﷺ أن يحل منا من لم يكن معه هدي قال: فقلنا: يا رسول الله حل ماذا؟ قال: " الحل كله " فواقعنا النساء وتطيبنا بالطيب ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال ثم أهللنا يوم التروية (٤)»، الحديث. وله أيضا من طريق أبي خيثمة عن أبي الزبير عن جابر قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ مهللين بالحج معنا النساء والولدان فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا وبالمروة فقال لنا رسول الله ﷺ : " من لم يكن معه هدي فليحل " قلنا: يا رسول الله أي الحل؟ فقال: " الحل كله "، قال: فأتينا النساء ولبسنا الثياب ومسسنا الطيب فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج (٥)»، الحديث. وروى الإمام أحمد عن أنس ﵁ قال: خرجنا نصرخ بالحج فلما قدمنا مكة أمرنا رسول الله ﷺ أن نجعلها عمرة وقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة ولكن سقت الهدي وقرنت بين الحج والعمرة (٦)». وله أيضا عن ابن عمر ﵄ قال: «قدم رسول الله ﷺ مكة وأصحابه مهلين بالحج فقال: " من شاء أن يجعلها عمرة إلا من كان معه الهدي " قالوا: يا رسول الله أيروح أحدنا إلى منى وذكره يقطر منيا؟ قال: نعم " وسطعت المجامر (٧)». وله أيضا وابن ماجه عن البراء بن عازب قال: «خرج رسول الله ﷺ وأصحابه فأحرمنا بالحج فلما قدمنا مكة قال: " اجعلوا حجكم عمرة "

стр. 1946

قال: فقال الناس: يا رسول الله قد أحرمنا بالحج كيف نجعلها عمرة؟ قال: " انظروا ما آمركم به فافعلوا " فردوا عليه القول فغضب ثم انطلق حتى دخل على عائشة وهو غضبان فرأت الغضب في وجهه فقالت: من أغضبك أغضبه الله فقال: ومالي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أتبع (١)». وروى أبو داود عن الربيع بن سبرة عن أبيه قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بعسفان قال له سراقة بن مالك المدلجي: يا رسول الله اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم فقال: " إن الله قد أدخل عليكم في حجكم عمرة فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة فقد حل إلا من كان معه هدي (٢)». فهذه الأحاديث منها ما هو نص في أن بدء وقت النحر للمتمتع والقارن يوم الأضحى ومنها ما يدل عليه بمفهومه أو مع أمره ﷺ أن نأخذ عنه المناسك وقد نحر عن نفسه وعن أزواجه يوم الأضحى ونحر أصحابه كذلك ولم يعرف عن أحد منهم أنه نحر هديه لتمتعه أو قرانه قبل يوم الأضحى فكان ذلك عمدة في التوقيت بما ذكر من جهات عدة. وأما الإجماع فقد قال ابن عابدين على قول صاحبي تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار: ويتعين يوم النحر أي وقته وهو الأيام الثلاثة لذبح المتعة والقران فقط، فلم يجز قبله قال: " فلم يجزئ " أي بالإجماع وهو بضم أوله من الإجزاء. وأما الأثر فقد نقل ابن قدامة عن الإمام أحمد أنه قال: روي عن غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ ورواه الأثرم عن ابن عمر وابن عباس. وأما المعنى فقد ذكره ابن قدامة بقوله: إنما قبل يوم النحر لا يجوز ذبح الأضحية فيه فلا يجوز فيه ذبح الهدي للمتمتع كمثل التحلل من العمرة. القول الثاني أنه يجوز قبل يوم النحر وهو منقول عن بعض المالكية وبه قال الشافعي وبعض أصحابه وهو رواية عن الإمام أحمد وقول لبعض أصحابه والذين قالوا بهذا القول: منهم من يرى جواز ذبحه إذا قدم به قبل العشر وهو رواية عن أحمد، ومنهم من يرى جواز ذبحه إذا أحرم بالعمرة، ومنهم من يرى جواز ذبحه إذا حل من العمرة، ومنهم من يرى جواز ذبحه بعد الإحرام بالحج. وفيما يلي نقول عن القائلين بهذا القول مع مناقشتها ثم نتبع ذلك بأدلتهم ومناقشتها.

стр. 1947

أ - نقل الأبي عن القاضي عياض ﵀ في الكلام على قول جابر ﵁ " فأمرنا إذا أحللنا " أنه قال: في الحديث حجة لمن يجوز نحر الهدي للمتمتع بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج وهو إحدى الروايات عندنا أي المالكية، والأخرى أنه لا يجوز إلا بعد الإحرام بالحج؛ لأنه بذلك يصير متمتعا، والقول الأول جار على تقديم الكفارة على الحنث وعلى تقديم الزكاة على الحول، وقد يفرق بين هذه الأصول، والأول ظاهر الأحاديث لقوله «فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي (١)». وقد ناقش محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف الرهوني ما نقله الأبي عن القاضي عياض فقال: وأما ما نقله ويعني أبا عبد الله الأبي عن عياض فليس فيه أن الرواية بالجواز هي المشهورة أو الراجحة أو مساوية للأخرى على أن قوله وفي الحديث حجة لمن يجيز نحر هدي التمتع بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج وإن كان في الأبي كذلك (نحر بالنون والحاء والراء) مخالفا لما وجدته لعياض في الإكمال فإن الذي وجدته فيه تقليد هدي التمتع (بالتاء والقاف واللام والياء والدال) كذا وجدته في نسخة عتيقة مظنون بها الصحة لم أجد في الوقت غيرها ويؤيد ما وجدته في أنه ذكر المسألة في موضع آخر فلم يذكر فيها جواز ذلك (أي النحر بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج) عند أحد لا من أهل المذهب ولا من غيره ونصه وقوله للمتمتعين فمن لم يجد هديا فليصم ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (٢) نص في كتاب الله تعالى مما يلزم المتمتع وقد اختلف العلماء في تفسير هذه الجملة فقال جماعة من السلف: ما استيسر من الهدي شاة وهو قول مالك وقال جماعة أخرى منهم: بقرة دون بقرة وبدنة دون بدنة، وقيل المراد بدنة أو بقرة أو شاة أو شرك في دم وهذا عند مالك للحر والعبد إذ لا يهدي إلا أن يأذن له سيده وله الصوم وإن كان واجدا الهدي ولا يجوز عند مالك وأبي حنيفة نحره قبل يوم النحر، وأجاز ذلك الشافعي بعد إحرامه بالحج اهـ منه بلفظه. ونقله الأبي نفسه مختصرا (عن القاضي عياض) وسلم ذكره قبل كلامه الذي نقله محمد البناني بنحو كراسين في كلامه (أي القاضي عياض) يفيد اتفاق الأئمة الثلاثة ﵃ على أنه لا يجوز نحره قبل الإحرام بالحج وكذا بعده مالك وأبو حنيفة خلافا للشافعي فكيف يذكر بعد ذلك الروايتين عند مالك في جواز نحره قبل الإحرام بالحج. ويؤكد ذلك أيضا أن اللخمي إنما ذكر الخلاف في التقليد لا في النحر ونصه " ولا يقلد هدي المتعة إلا بعد الإحرام بالحج وكذلك القارن واختلف إذا قلد وأشعر قبل إحرام بالحج فقال أشهب وعبد الملك في كتاب ابن حبيب: لا يجزئه وقال ابن القاسم: يجزئه، فلم يجزئ في القول الأول لأن المتعة إنما تجب إذا أحرم بالحج وإذا قلد وأشعره قبل ذلك كان تطوعا والتطوع لا يجزئ عن الواجب وأجزأ في القول الأخير قياسا على تقديم الكفارة قبل الحنث والزكاة إذا قرب الحول والذي تقتضيه السنة التوسعة في جميع ذلك اهـ منه بلفظه. ولا يخفى على منصف وقف على كلام اللخمي هذا وعلى كلام عياض أن الصواب هو ما وجدته في الإكمال ما نقله عنه الأبي ونص الإكمال قوله: «فأمرنا حين أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدي وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم لوجوب الهدي على المتمتع كما قال: ": تعالى الله (٤)».

стр. 1948

لأن هؤلاء صاروا بإحلالهم في أشهر الحج وانتظارهم الحج متمتعين وقد تقدم الكلام عليها في أول الكتاب ويحتج به ويجيز الاشتراك في الهدي الواجب ومن يجيز تقليد هدي التمتع عند التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج وهي إحدى الروايتين عندنا والأخرى لا يجوز إلا بعد الإحرام؛ لأنه حينئذ صار متمتعا ووجب عليه الدم والقول الأول على أصل تقديم الكفارة قبل الحنث وتقديم الزكاة قبل الحول على من يقول بها وقد يفرق بين هذه الأصول إذ ظاهر الحديث يدل على ما قلناه اهـ محل الحاجة منه بلفظه. * * * ب - قال خليل: " ودم التمتع يجب بإحرام الحج وأجزا قبله ": لقد ناقش الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ هذه الجملة عن خليل فقال: واعلم أن قول من قال من المالكية: إنه يجب بإحرام الحج وأنه يجزئ قبله كما هو ظاهر قول خليل في مختصره المالكي في ترجمته مبينا لما به الفتوى " ودم التمتع يجب بإحرام الحج وأجزأ قبله فقد اغتر به بعض من لا تحقيق عنده بالمذهب المالكي. والتحقيق أن الوجوب عندهم برمي جمرة العقبة وبه جزم ابن رشد وابن العربي وصاحب الطراز وابن عرفة قال ابن عرفة: سمع بن القاسم " إن مات يعني المتمتع قبل رمي جمرة العقبة فلا دم عليه " ابن رشد؛ لأنه إنما يجب في الوقت الذي يتعين فيه نحره وهو بعد رمي جمرة العقبة فإن مات قبله لم يجب عليه وهو خلاف نقل النوادر عن محمد بن القاسم وعن سماع عيسى: من مات يوم النحر ولم يرم فقد لزمه دم، ثم قال ابن عرفة: فقول ابن الحاجب يجب بإحرام الحج يوهم وجوبه على من مات قبل وقوفه ولا أعلم في سقوطه خلافا، ولعبد الحق عن ابن الكاتب عن بعض أصحابنا من مات بعد وقوفه فعليه الدم انتهى من الحطاب " فأصح الأقوال الثلاثة وهو المشهور أنه لا يجب على من مات إلا إذا كان موته قبل رمي جمرة العقبة وفيه قول بلزومه إن مات يوم النحر قبل الرمي وأضعفها أنه يلزمه إن مات بعد الوقوف بعرفة أما لو مات قبل الوقوف بعرفة فلم يقل أحد بوجوب الدم عليه من عامة المالكية وقول من قال منهم: إنه يجب بإحرام الحج ولا يتفرع عليه من الأحكام شيء إلا جواز إشعاره وتقليده وعليه فلو أشعره أو قلده قبل إحرام الحج كان هدي تطوع فلا يجزئ عن هدي التمتع فلو قلده وأشعره بعد إحرام الحج أجزأه؛ لأنه قلده بعد وجوبه أي بعد انعقاد الوجوب في الجملة اهـ، وعن ابن القاسم أنه لو قلده وأشعره قبل إحرام الحج ثم أخر ذبحه إلى وقته أنه يجزئه عن هدي التمتع وعليه فالمراد بقول خليل: وأجزا قبله أي أجزأ الهدي الذي تقدم تقليده وإشعاره على إحرام الحج، هذا هو المعروف عند عامة علماء المالكية فمن ظن أن المجزئ هو نحره قبل إحرام الحج أو بعده قبل وقت النحر فقد غلط غلطا فاحشا. قال الشيخ المواق في شرحه: قول خليل: وأجزأ فيه ما نصه: ابن عرفة يجزئ تقليده وإشعاره

стр. 1949

بعد إحرام حجه ويجوز أيضا قبله على قول ابن القاسم انتهى. وقال الشيخ الحطاب في شرحه: لقول خليل في مختصره ودم التمتع يجب بإحرام الحج وأجزأ قبله ما نصه: فإن قلت إذا كان هدي التمتع إنما ينحر بمنى إن وقف بعرفة أو بمكة بعد ذلك على ما سيأتي فما فائدة الوجوب هنا قلت يظهر في جواز تقليده وإشعاره بعد الإحرام للحج، وذلك أنه لو لم يجب الهدي حينئذ مع كونه يتعين بالتقليد لكان تقليده إذ ذاك قبل وجوبه فلا يجزئ إلا قلد بعد كمال الأركان. وقال الشيخ الحطاب أيضا: والحاصل أن دم التمتع والقران يجوز تقليدها قبل وجوبها على قول ابن القاسم ورواية عن مالك، وهو الذي مشى عليه المصنف فإذا علم بعد ذلك فلم يبق للحكم بوجوب دم التمتع بإحرام الحج فائدة لا سيما على القول بأنه لا يجزئه ما قلده قبل الإحرام بالحج تظهر ثمرة الوجوب في ذلك ويكون المعنى أنه يجب بإحرام الحج وجوبا غير متحتم؛ لأنه معرض للسقوط بالموت والفوات فإذا رمى جمرة العقبة تحتم الوجوب فلا يسقط بالموت، كما نقول في كفارة الظهار أنها تجب بالعودة وجوبا غير متحتم بمعنى أنها تسقط بموت الزوجة وطلاقها فإن وطئ تحتم الوجوب ولزمت الكفارة ولو ماتت الزوجة وطلقها إلى أن قال: بل تقدم في كلام ابن عبد السلام في شرح المسألة الأولى: أن هدي التمتع إنما ينحر بمنى إن وقف به بعرفة أو بمكة بعد ذلك إلى آخره، وهو يدل على أنه لا يجزئ نحره قبل ذلك والله أعلم، ونصوص المذهب شاهدة بذلك. قال القاضي عبد الوهاب في المعونة: ولا يجوز نحر هدي التمتع والقران قبل يوم النحر خلافا للشافعي لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١)، وقد ثبت أن الحلق لا يجوز قبل يوم النحر فدل على أن الهدي لم يبلغ محله إلا يوم النحر وله نحو ذلك في شرح الرسالة، وقال في التلقين: الواجب بكل واحد من التمتع والقران هدي ينحره بمنى ولا يجوز تقديمه قبل فجر يوم النحر وله مثله في مختصر عيون المجالس، ثم قال الحطاب ﵀: فلا يجوز الهدي عند مالك حتى يحل وهو قول أبي حنيفة وجوزه الشافعي من حيث يحرم بالحج واختلف قوله فيما بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج ودليلنا أن الهدي متعلق بالتحلل وهو مفهوم من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢)، اهـ منه. وكلام العلماء المالكية بنحو هذا كثير معروف والحاصل أنه لا يجوز ذبح دم التمتع والقران عند مالك وعامة أصحابه قبل يوم النحر وفيه قول ضعيف بجوازه بعد الوقوف بعرفة وهو لا يعول عليه وإن قولهم: إنه يجب بإحرام الحج لا فائدة فيه إلا جواز إشعار الهدي وتقليده بعد إحرام الحج لا شيء آخر فيما نقل عن عياض وغيره من المالكية مما يدل على جواز نحره قبل يوم النحر، كله غلط إما من تصحيف الإشعار والتقليد وجعل النحر بدل ذلك غلطا، وإما من الغلط في فهم المراد عند علماء المالكية كما لا يخفى على من عنده علم بالمذهب المالكي فاعرف هذا التحقيق ولا تغتر بغيره.

стр. 1950

قال الشافعي: وإذا ساق المتمتع الهدي أو القارن لمتعته أو قرانه فلو تركه حتى ينحره يوم النحر كان أحب إلي، وإن قدم فنحره في الحرم أجزأه، من قبل أن على الناس فرضين فرضا في الأبدان فلا يكون إلا بعد الوقت وفرضا في الأموال فيكون قبل الوقت إذا كان شيئا مما فيه الفرض وهكذا إن ساقه مفردا متطوعا به والاختيار إذا ساقه معتمرا أن ينحره بعدما يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة قبل أن يحلق عند المروة وحيث نحره من فجاج مكة أجزأه والاختيار في الحج أن ينحره بعد أن يرمي جمرة العقبة وقبل أن يحلق. وقال الشيرازي: ويجب دم التمتع بالإحرام بالحج وفي وقت جوازه قولان أحدهما: لا يجوز قبل أن يحرم بالحج، والثاني يجوز بعد فسخ الإحرام من العمرة، وقال النووي: ووقت وجوبه عندنا الإحرام بالحج بلا خلاف ولا يتوقف بوقت كسائر دماء الجبران لكن الأفضل ذبحه يوم النحر، وهل تجوز إراقته بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج فيه قولان مشهوران وحكاهما جماعة وجهين والمشهور قولان وذكرهما المصنف يريد الشيرازي في كتابه المهذب بدليلهما وأصحهما الجواز فعلى هذا هل يجوز قبل التحلل من العمرة فيه طريقان: أحدهما لا يجوز قطعا وهو مقتضى كلام المصنف وكثيرين ونقله صاحب البيان عن أصحابنا العراقيين ونقل الماوردي اتفاق الأصحاب عليه والثاني فيه وجهان أصحهما لا يجوز والثاني يجوز بوجود بعض السبب حكاه أصحابنا الخراسانيون وصاحب البيان فالحاصل في وقت جوازه ثلاثة أوجه: أحدها بعد الإحرام بالعمرة وأصحها بعد فراغها، والثالث بعد الإحرام بالحج. * * * ٤ - قال ابن قدامة: أما وقت وجوبه فعن أحمد أنه يجب إذا أحرم بالحج وهو قول أبي حنيفة والشافعي وعنه أنه يجب إذا وقف بعرفة وهو قول مالك واختيار القاضي. . . وقال أبو طالب: سمعت أحمد قال في الرجل يدخل مكة في شوال ومعه هدي قال: ينحر بمكة، وإن قدم قبل العشر لم ينحره حتى ينحره بمنى ومن جاء من قبل ذلك نحره عن عمرته وأقام على إحرامه وكان قارنا انتهى، وقال أيضا وقد ذكرنا رواية في جواز تقديم الهدي على إحرام الحج انتهى. وذكر صاحب الفروع رواية عن الإمام أحمد أنه يجب بإحرام العمرة. وقال صاحب الفروع أيضا: أما وقت ذبحه فجزم جماعة منهم المستوعب والرعاية أنه لا يجوز نحره قبل وقت وجوبه وقاله القاضي وأصحابه لا يجوز قبل فجر يوم النحر (و٥ م) فظاهره يجوز إذا وجب.

стр. 1951

أدلة هذا القول نظرا إلى اختلاف القائلين بهذا القول في تحديد بدء وقت جواز ذبحه فإننا نذكر أدلة كل قول على حده مع المناقشة. أما رواية أبي طالب عن الإمام أحمد أنه إن قدم به قبل عشر ذي الحجة جاز ذبحه وإن قدم به بعد دخول العشر فإنه لا يذبحه إلا يوم النحر فهذه الرواية مبنية على مصلحة مرسلة، وذلك أنه جاء في رواية أبي طالب كما في المغني أنه قال: سمعت أحمد قال في الرجل يدخل مكة في شوال ومعه هدي قال: ينحره بمكة وإن قدم قبل العشر ينحره حتى لا يضيع أو يموت أو يسرق انتهى المقصود. ويمكن أن يجاب عن ذلك بأمور ثلاثة: أحدهما أن العمل بالمصلحة المرسلة مشروط بعدم مخالفتها نصا وقد خالفت النص هنا وهو أن النبي ﷺ أخر ذبح الهدي إلى يوم النحر قصدا وقال ﷺ : «خذوا عني مناسككم (١)». الثاني: أنها منتقضة فإن التعليل بخوف الموت والضياع والسرقة وارد أيضا على الهدي إذا قدم به بعد دخول العشر لأن العشر يحتمل أن يموت فيها الهدي أو يضيع أو يسرق. الثالث: أن التحديد بالعشر لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع. وأما من قال بجواز ذبحه بعد الإحرام بالعمرة وهو قول عند الشافعية ورواية عن الإمام أحمد وقول أبي الخطاب من الحنابلة ومن وافقهم من أهل العلم فاستدل له بالكتاب وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢). وجه الدلالة ما ذكره الشيرازي وغيره أن هدي التمتع والقران له سببان هما العمرة والحج في تلك السنة فإن أحرم بالعمرة انعقد السبب الأول في الجملة فجاز الإتيان بالمسبب كوجوب قضاء الحائض أيام حيضها من رمضان لأن انعقاد السبب الأول الذي هو وجود شهر رمضان كفى في وجوب الصوم وإن لم تتوفر الأسباب الأخرى وإن لم تنتف الموانع، لأن قضاء الصوم فرع من وجوب سابقه في الجملة. ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن هذا مجرد فهم للآية باجتهاد عارضه نص ومن القواعد المقررة في باب الاجتهاد أنه لا يجوز الاجتهاد مع النص والنص هو قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٣) ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٤)، وقد سبق الاستدلال بهذه الآية ومناقشتها في القول الأول فلا نطيل الكلام بالإعادة.

стр. 1952

ج - وأما من قال بجواز ذبحه بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج وهو قول الشافعية ومن وافقهم من أهل العلم فقد استدلوا بالكتاب والسنة والمعنى. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١). ووجه الاستدلال بها مع المناقشة يقال فيه ما قيل عند الاستدلال بها للقول قبل هذا، وأما السنة: فما رواه مسلم في صحيحه قال: وحدثني محمد بن حاتم حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج أخبرنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن حجة النبي ﷺ قال: «فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية (٢)» وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم في هذا الحديث وجه الدلالة: قال النووي: فيه دليل لجواز ذبح هدي التمتع بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج. ويمكن أن يجاب عن ذلك بثلاثة أمور: أحدها أن يقال: لا منافاة بين هذا الحديث وبين ما سبق من أدلة السنة للقول الأول وما جاء في معناها فإن جميعها يدل على أن النبي ﷺ أمر المفرد والقارن اللذين لم يسوقا الهدي بالتحلل، وأمر بالهدي وأمر باشتراك السبعة في البدنة إلا أنه في هذا الحديث نسق أمرهم بالهدي وأمرهم بأن يشترك السبعة في البدنة على أمره إياهم بالفسخ بدون فاصل متبعا ذلك قوله: " وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم " وليس في تلك الأحاديث هذه اللفظة ولا ذلك التنسيق فمن هنا نشا الخطأ في استدلال من استدل بهذا الحديث حيث لم يفرق بين زمن الأمر بالشيء وبين زمن فعل المأمور به فظن أن الإشارة في قوله " وذلك " إلى زمن الذبح وإنما هي إشارة إلى زمن الأمر والمراد أن زمن الأمر بالفسخ وزمن الأمر بالهدي والاشتراك فيها زمن واحد والحديث صريح في أن ذلك حين إحلالهم من حجهم وذلك إنما وقع يوم النحر؛ لأنه لا إحلال من حج البتة قبل يوم النحر فيكون الحديث حجة عليهم لا لهم وهذا ما يسمى عند الأصوليين بالقلب. الثاني: أنه على تقدير أن قوله: " وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم في هذا الحديث " مخالف لما سبق من الأدلة فيقال في أن هذه الزيادة شاذة ووجه شذوذها مخالفتها لما سبق من الأدلة الصحيحة الخالية من هذه الزيادة، ومدارها على محمد بن أبي بكر البرساني وقد رواه عن جابر عدول عن طريق أبي الزبير المكي أئمة مالك بن أنس والليث بن سعد وأبو خيثمة ومطر الوراق وسفيان بن عيينة وجميع رواياتهم خالية من هذه الزيادة. الثالث: أن هذا من الأمور التي تتوافر الهمم والدواعي على نقلها فلو وقع أمره ﷺ للصحابة بأن يذبحوا الهدي بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج لسارعوا إلى الامتثال كما سارعوا إلى امتثال أوامره من لبس الثياب والتطيب ومجامعة النساء وغير ذلك ولو وقع ذلك لنقل فلما لم ينقل دل على

стр. 1953

عدم وقوعه ولم يأمرهم بالتحلل من العمرة إلا أنهم ليس معهم هدي. وأما المعنى: فقال الشيرازي: إنه حق مالي يجب بشيئين فجاز تقديمه على أحدهما كالزكاة بعد ملك النصاب، ويمكن أن يناقش ذلك بأنه دليل اجتهادي في مقابل نص ولا اجتهاد مع النص وقد مضى ذلك. د (وأما من قال من الشافعية ومن وافقهم بأنه يجوز بعد الإحرام بالحج فقد استدلوا بالكتاب والسنة والمعنى. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١)، ووجه الدلالة ما ذكره الشيرازي وغيره من أن الله أوجب الهدي على المتمتع وبمجرد الإحرام بالحج يسمى متمتعا فوجب حينئذ؛ لأنه يطلق على المتمتع وقد وجد ولأن ما جعل غاية تعلق الحكم بأوله كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢)، فالصيام ينتهي بأول جزء من الليل فكذلك التمتع يحصل بأول جزء من الحج وهو الإحرام. ويجاب عن الاستدلال بهذه الآية بما أجيب به عن الاستدلال بها لمن قال بجواز ذبحه إذا أحرم بالعمرة أو بعد تحلله منها وقد سبق، ويجاب أيضا بأن المتمتع لا يتحقق بإحرام الحج لاحتمال أن الحج قد يفوته بسبب عائق عن الوقوف بعرفة؛ لأنه لو فاته لا يسمى متمتعا. وأما السنة: فقد استدلوا بأدلة: الأول ما رواه مسلم في صحيحه قال: وحدثني محمد بن حاتم حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج أخبرنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن حجة النبي ﷺ قال: «فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية وذلك حين أمرهم أن يحلوا (٣)» من حجهم في هذا الحديث. وجه الدلالة قد يقال أن هذا الحديث يدل على جواز ذبح هدي التمتع بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج فيدل بطريق الأولى على جوازه بعد الإحرام بالحج. وقد مضت مناقشة هذا الدليل عند الاستدلال به لمن قال بجواز ذبحه بعد التحلل من العمرة وبهذا يتبين أنه لا دلالة فيه ويجاب ثانيا بما أجيب به من الوجه الثاني عن الاستدلال بالآية. الدليل الثاني ما أخرجه الحاكم في المستدرك قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى بن إبراهيم ثنا أحمد بن النضر بن عبد الوهاب، ثنا يحيى بن أيوب، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي عن محمد بن إسحاق، ثنا ابن أبي نجيح عن مجاهد وعطاء، عن جابر بن عبد الله قال: «كثرت القالة بين الناس فخرجنا حجاجا حتى لم يكن بيننا وبين أن نحل إلا ليال قلائل أمرنا بالإحلال» الحديث إلى أن قال:

стр. 1954

قال عطاء: قال ابن عباس ﵁: «إن رسول الله ﷺ قسم يومئذ في أصحابه غنما فأصاب سعد بن أبي وقاص تيس فذبحه عن نفسه فلما وقف رسول الله ﷺ بعرفة أمر ربيعة بن أمية بن خلف فقام تحت يدي ناقته فقال له النبي ﷺ : " اصرخ أيها الناس هل تدرون أي شهر هذا؟» الحديث ثم قال الحاكم بعد إخراجه: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي على تصحيحه. ومحل الشاهد من هذا الحديث قوله: «فأصاب سعد بن أبي وقاص تيس فذبحه عن نفسه فلما وقف بعرفة (١)» إلخ وجه الدلالة قد يقال: إن عطف الوقوف بالفاء على ذبح سعد تيسه عن نفسه يدل على جواز ذبح الهدي بعد الإحرام بالحج. والجواب أن ذبح سعد للتيس كان يوم النحر بدليل ما رواه الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج قال: أخبرني عكرمة مولى ابن عباس زعم أن ابن عباس أخبره «أن النبي ﷺ قسم غنما يوم النحر في أصحابه وقال: " اذبحوها لعمرتكم فإنها تجزئ " فأصاب سعد بن أبي وقاص تيسا (٢)» وقد ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: أخرجه الإمام أحمد ورجاله رجال الصحيح فرواية الإمام أحمد مفسرة لرواية الحاكم وحينئذ لا دلالة في الحديث. * * * وأما المعنى فمن وجوه أحدها ما ذكره الشيرازي بقوله إن شرائط الدم إنما توجد بوجود الإحرام فوجب أن يتعلق الوجوب به انتهى ويمكن أن يناقش ذلك بأنه دليل اجتهادي ولا اجتهاد مع النص وقد سبق ما يدل على خلاف ذلك عند الكلام على أدلة المذهب الأول. الثاني ويجاب أيضا بما أجيب به من الوجه الثاني عن الآية التي استدل بها أهل هذا القول، ما سبق من المناقشة لاستدلال أهل القول الأول بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٣) والمحل المقصود من المناقشة جواز ذبح الهدي قبل يوم النحر قياسا على جواز الصيام؛ لأنه بدله والبدل له حكم المبدل منه. الثالث ويجاب عن هذا بما أجيب به عنه هناك تركنا إعادته هنا اختصارا. ما ذكره النووي بقوله " ولا يتوقت بوقت كسائر دماء الجبران ". ويناقش ذلك بما ذكره ابن القيم - رحمه الله تعالى - في كتابه زاد المعاد ١/ ٢١٧ من أنه دم شكران لا دم جبران.

стр. 1955

ويمكن أن يناقش ثانيا بأنه قياس مع النص فقد وردت أدلة دالة على ذبحه يوم النحر وسبقت من أدلة القول فيكون هذا القياس فاسد الاعتبار. ثانيا انتهاء وقت ذبح الهدي اختلف أهل العلم في تحديد نهاية أيام النحر هل هي يوم العيد ويومان بعده أو يوم العيد وثلاثة أيام بعده أو يوم العيد فقط إلخ ما ستأتي الإشارة إليه من الأقوال التي لا تعتمد على دليل شرعي وفيما يلي ذكر المذاهب ومن قال بكل مذهب منها ومستنده مع المناقشة في حدود ما يسره الله. القول الأول: ينتهي وقت النحر بغروب شمس اليوم الثاني من أيام التشريق وممن قال بهذا القول الحنفية وهو مذهب مالك وأحمد الجصاص، ذهب أصحابنا والثوري إلى أنه يوم العيد ويومان بعده وقال القرطبي: قال مالك: ثلاثة يوم النحر ويومان بعده وقال ابن قدامة: قال أحمد: أيام النحر ثلاثة عن غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ وقال ابن القيم: هذا مذهب أحمد وقال في الإنصاف: هذا هو الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والإجماع والأثر والمعنى: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١)، وجه الدلالة ما ذكره القرطبي بقوله " وهذا جمع قلة لكن المتيقن منه الثلاثة وما بعد الثلاثة غير متيقن فلا يعمل به ". وأما السنة «فنهى النبي ﷺ عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاثة (٢)»، وجه الدلالة ما ذكره الباجي بقوله: ومعلوم أنه أباح الأكل منها في أيام الذبح فلو كان اليوم الرابع منها لكان قد حرم على من ذبح في ذلك اليوم أن يأكل من أضحيته انتهى كلام الباجي وليس هناك فرق بين الأضحية والهدي بالنسبة لانتهاء وقت الذبح. وأما الإجماع فقد قرره الجصاص بقوله بعد ذكره هذا الرأي عن بعض أصحابه قال: قد ثبت عمن ذكرنا من الصحابة أنها ثلاثة واستفاض ذلك عنهم وغير

стр. 1956

جائز لمن بعدهم خلافهم إذا لم يرد عن أحد من نظرائهم خلافه فثبتت حجته. وأيضا فإن سبيل تقدير النحر التوقيف أو الاتفاق إذ لا سبيل إليها من طريق القياس فلما قال: من ذكرنا قوله من الصحابة بالثلاثة صار ذلك توقيفا كما قلنا في مقدار مدة الحيض وتقدير المهر ومقدار التشهد في إكمال فرض الصلاة وما جرى مجراها من المقادير التي طريق إثباتها التوقيف أو الاتفاق وإذا قال به قائل من الصحابة ثبتت حجته وكان ذلك توقيفا. وأما الأثر فقد نقله الجصاص وغيره عن علي وابن عباس وابن عمر وأنس بن مالك وأبي هريرة وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب. * * * وأما المعنى فمن وجهين : أحدها ما ذكره الجصاص بقوله: قد ثبت الفرق بين أيام النحر وأيام التشريق؛ لأنه لو كانت أيام النحر أيام التشريق لما كان بينهما فرق وكان ذكر أحد العددين ينوب عن الآخر فلما وجدنا الرمي في يوم النحر وأيام التشريق ووجدنا النحر يوم النحر وقال قائلون: إلى آخر أيام التشريق وقلنا نحن يومان بعده وجب أن نوجد فرقا بينهما لإثبات فائدة كل واحد من اللفظين وهو أن يكون من أيام التشريق ما ليس من أيام النحر وهو آخر أيامها. الثاني ما ذكره الباجي بقوله هو يوم مشروع النحر قبله فلم يكن من أيام الذبح كالخامس. القول الثاني أن وقت الذبح ينتهي بغروب الشمس من اليوم الثالث من أيام التشريق وبهذا قال الشافعي: واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ومن وافقهم من أهل العلم قال الشافعي: والأضحية جائزة يوم النحر وأيام منى كلها، وقال المرداوي في الإنصاف: قال في الإيضاح: آخره آخر يوم من أيام التشريق واختاره ابن عبدوس في تذكرته بأن آخره آخر اليوم الثالث من أيام التشريق واختاره الشيخ تقي الدين قاله في الاختيارات وجزم به ابن رزين في نهايته والظاهر أنه مراد صاحب النهاية فإن كلامه محتمل. وقال ابن القيم في زاد المعاد وهو مذهب إمام أهل الهجرة الحسن وإمام أهل مكة عطاء بن أبي رباح وإمام أهل الشام الأوزاعي وإمام فقهاء أهل الحديث الشافعي ﵀ واختاره ابن المنذر واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والأثر والمعنى أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١)، الآية.

стр. 1957

وجه الدلالة أن المراد بالمعلومات أيام النحر يوم العيد وثلاثة أيام بعده واستدلوا لهذا التوجيه بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١). * * * قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: هذه الأيام الثلاثة تختص بأنها أيام منى وأيام الرمي وأيام التشريق ويحرم صيامها فهي أخوة في هذه الأحكام فكيف تفترق في جواز الذبح بغير نص ولا إجماع. وأما السنة فقد استدلوا بأدلة: الأول: «أن النبي ﷺ نحر هديه يوم النحر ضحى». وجه الدلالة ما ذكره الشافعي بقوله: فلما لم يحظر على الناس أن ينحروا بعد يوم النحر بيوم أو يومين لم نجد اليوم الثالث مفارقا لليومين قبله؛ لأنه ينسك فيه ويرمى كما ينسك ويرمى فيهما. الثاني: ما رواه سليمان بن أبي موسى عن أبي حسين عن جبير بن مطعم عن النبي ﷺ قال: «كل عرفات موقف وارتفعوا عن عرنة وكل مزدلفة موقف وارتفعوا عن محسر وكل فجاج مكة منحر وكل أيام التشريق ذبح (٢)». وهذا نص في الدلالة أن كل أيام النحر بأنها ثلاثة بعد العيد وأجيب عن هذا الحديث بما نقله الرازي عن الإمام أحمد أنه قال جوابا لمن سأله عن هذا الحديث قال: لم يسمعه ابن أبي حسين بن جبير بن مطعم وأكثر روايته عنه سهو. وقال الرازي: وقد قيل إن أصله ما رواه مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج عن أبيه قال: سمعت أسامة بن زيد يقول: سمعت عبد الله بن أبي حسين يخبر عن عطاء بن أبي رباح وعطاء يسمع قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : «كل عرفة موقف وكل منى منحر وكل فجاج مكة طريق ومنحر (٣)» فهذا أصل الحديث ولم يذكر فيه «وكل أيام التشريق ذبح (٤)» ويشبه أن يكون الحديث الذي ذكره فيه هذا اللفظ إنما هو من كلام جبير بن مطعم أو من دونه؛ لأنه لم يذكره. وأجاب ابن القيم عن ذلك بقوله وروي من وجهين مختلفين يشد أحدهما الآخر عن النبي ﷺ أنه قال: «كل منى منحر وكل أيام التشريق ذبح (٥)» وروي من حديث جبير بن مطعم وفيه انقطاع ومن حديث أسامة بن زيد عن عطاء عن جابر قال يعقوب بن سفيان: أسامة بن زيد عند أهل المدينة ثقة

стр. 1958

مأمون. انتهى. وقد تكلم الزيلعي على هذا الحديث في نصب الراية فقال: رواه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه في النوع الثالث والأربعين من القسم الثالث من حديث عبد الرحمن بن أبي حسين عن جبير بن مطعم عن النبي ﷺ قال: «كل أيام التشريق ذبح وعرفة كلها موقف (١)» إلى آخره وقد ذكرناه بتمامه في الحج ورواه البزار في مسنده وقال: ابن أبي حسين لم يلق جبير بن مطعم ورواه البيهقي في المعرفة ولم يذكر فيه انقطاعا، وأخرجه الداراقطني في سننه عن أبي معيد عن سليمان بن موسى عن عمرو بن دينار عن جبير بن مطعم مرفوعا وأبو معين بمثناه فيه لين وأخرجه هو والبزار عن سويد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه مرفوعا قال البزار: لا نعلم قال فيه عن نافع بن جبير عن أبيه الأسود بن عبد العزيز وهو ليس بالحافظ ولا يحتج به إذا انفرد، وحديث ابن أبي حسين هو الصواب مع أن أبي حسين لم يلق جبير بن مطعم. انتهى. وأخرجه أحمد أيضا والبيهقي عن سليمان بن موسى عن جبير بن مطعم عن النبي ﷺ قال البيهقي: وسليمان بن موسى لم يدرك جبير بن مطعم وأخرجه ابن عدي في الكامل عن معاوية ابن يحيى الصدفي عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «أيام التشريق كلها ذبح (٢)» انتهى. وضعف معاوية بن يحيى عن النسائي والسعدي وابن معين وعلي بن المديني ووافقهم وقال ابن أبي حاتم في كتاب العلل: قال أبي: هذا حديث موضوع بهذا الإسناد انتهى وقيل معاوية محمد بن شعيب. وأما الأثر فقد أخرج البيهقي عدة آثار في ذلك عن ابن عباس والحسن وعطاء وعمر بن عبد العزيز وسليمان بن موسى وذكر ابن قدامة أنه مروي عن علي. وأما المعنى فإنها أيام تكبير وإفطار فكانت محلا للنحر كالأولين ذكر ذلك ابن قدامة. وأما ما عدا هذين القولين من الأقوال فقد تركنا ذكرها لعدم جدوى البحث فيها فإنها أقوال مبنية على مدارك اجتهادية ولا محل للاجتهاد مع الأدلة قال ابن عبد البر: ولا يصح عندي في هذا إلا قولان أحدهما قول مالك والكوفيين والثاني قول الشافعي والشاميين وهذان القولان مرويان عن الصحابة فلا معنى للاشتغال بما خالفهما؛ لأن ما خالفهما لا أصل له في السنة ولا في قول الصحابة وما خرج عن هذين فمتروك انتهى المقصود، بواسطة نقل القرطبي عنه في جامعه.

стр. 1959

ثالثا: ذبح الهدي ليلا اختلف أهل العلم في جواز الذبح ليلا فمنهم من يرى أنه لا يجوز ومنهم من قال بجوازه وفيما يلي ذكر القولين مع الأدلة والمناقشة.

стр. 1960

القول الأول: لا يجوز الذبح ليلا ومن قال به مالك وأصحابه إلا أشهب وهو رواية عن أحمد وهي ظاهر كلام الخرقي، قال الباجي: ولا يجوز نحر الهدي ليلا وعلى هذا قول مالك وأصحابه إلا أشهب فقد روى عنه ابن الحارث أنه يجوز نحر الهدي أو ذبحه ليلا وقال ابن قدامة: ولا يجزئ أي الذبح في ليلتهما في قول الخرقي. . . . قال: واختلفت الرواية عن أحمد في الذبح في ليلتي يومي التشريق ففيه لا يجزئ نص عليه أحمد ﵁ في رواية الأشرم واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والمعنى: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١). وجه الدلالة قد يقال: إن الله ذكره بلفظ الأيام وذكر اليوم يدل على أن الليل ليس كذلك ومن وجه آخر قال الباجي: أن الشرع ورد بالذبح في زمن مخصوص وطريق تعلق النحر والذبح بالأوقات الشرع لا طريق له غير ذلك فإذا ورد الشرع بتعلقه بوقت مخصوص كقوله تعالى ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (٢) وبنحر النبي ﷺ وذبحه أضحيته نهارا علمنا جواز ذلك نهارا ولم يجز أن نعديه إلى الليل إلا بدليل وقد طلبنا في الشرع فلم نجد دليلا ولو كان لوجدناه مع البحث والطلب فهذا من باب الاستدلال بعدم الدليل فيما تتوقف شرعيته على وجود الدليل. وأجاب ابن حزم عن هذا الاستدلال بقوله: هذا إيهام منهم يمقت الله عليه؛ لأن الله تعالى لم يذكر في هذه الآية ذبحا ولا تضحية ولا نحرا لا في نهار ولا في ليل إنما أمر الله تعالى بذكره في تلك الأيام المعلومات أفترى يحرم ذكره في لياليه إن هذا لعجب ومعاذ الله من هذا وليس هذا النص يمانع من ذكره تعالى وحمده على ما رزقنا من بهيمة الأنعام في ليل ونهار في العام كله ولا يختلفون فيمن حلف ألا يكلم زيدا ثلاثة أيام أن الليل يدخل في ذلك النهار. وأما السنة فما روي عن النبي ﷺ «أنه نهى عن الذبح ليلا». وهذا نص في الدلالة على عدم جواز الذبح ليلا وقد أجاب عنه ابن حزم بقوله وذكروا حديثا لا يصح رويناه من طريق بقية بن الوليد عن مبشر بن عبيد الحلبي عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار «نهى رسول الله ﷺ عن الذبح بالليل» وبقية ليس بالقوي ومبشر بن عبيد مذكور بوضع الحديث عمدا ثم هو مرسل انتهى كلام ابن حزم وقال ابن حجر في مبشر بن عبيد: هو متروك ويجاب عن ذلك بأن البيهقي أخرج في سننه حديثا فيه النهي عن الذبح ليلا قال: أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا الحسن بن علي بن عفار ثنا يحيى بن آدم ثنا حفص عياش عن شيث بن عبد الملك عن الحسن قال: «نهي عن حداد الليل وحصاد الليل والأضحى بالليل» وأجاب عنه البيهقي بقوله إنما كان ذلك من شدة حال الناس كان الرجل يفعله ليلا فنهي عنه ثم رخص في ذلك. وأما المعنى فمن وجهين ذكرهما عبد الرحمن بن قدامة أحدهما أنه ليل يوم يجوز الذبح فيه فأشبه ليلة يوم النحر.

стр. 1961

الثاني أن الليل يتعذر فيه تفرقة اللحم في الغالب ولا يفرق طريا فيفوت بعض المقصود وأجاب ابن حزم عن الدليل الأول فقال هذا قياس والقياس كله باطل ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل؛ لأن يوم النحر هو مبدأ دخول وقت التضحية وما قبله ليس وقتا للتضحية ولا يختلفون معنا في أن من طلوع الشمس إلى أن يمضي بعد ابيضاضها وارتفاعها وقت واسع من يوم النحر لا يجوز فيه التضحية فيلزمهم أن يقيسوا على ذلك اليوم ما بعده من أيام التضحية فلا يجيزون التضحية فيها إلا بعد مضي مثل ذلك الوقت وإلا فقد تناقضوا وظهر فساد قولهم وما نعلم أحدا من السلف قبل مالك منع من التضحية ليلا. * * * القول الثاني: أنه يجوز الذبح ليلا بمنى قال بذلك أبو حنيفة وروي عن مالك إن فعل ذلك أجزأه، وقال به أشهب من المالكية والشافعي وهو رواية عن أحمد وقول أكثر الصحابة وبه قال ابن حزم: قال الباجي نقلا عن القاضي أبي الحسن: وقد روي عن مالك فيمن فعل ذلك أجزأه ونقل الباجي القول عن أشهب فيه أنه يجوز الذبح ليلا، وقال الشافعي ﵀: ويذبح في الليل والنهار وإنما أكره ذبح الليل لئلا يخطئ رجل في الذبح أو لا يوجد مساكين حاضرون فأما إذا أصاب الذبح ووجد مساكين فسواء وقال النووي: مذهبنا جواز الذبح ليلا ونهارا في هذه الأيام لكن يكره ليلا وبه قال أبو حنيفة وإسحاق وأبو ثور والجمهور وهو الأصح عن أحمد وقال ابن قدامة بعد ذكره لرأي الخرقي وقال غيره من أصحابنا: يجوز ليلتي يومي التشريق الأوليين وهو قول أكثر الفقهاء وقال في الشرح: وروي عن أحمد أن الذبح يجوز ليلا اختاره أصحابنا المتأخرون وبه قال الشافعي وإسحاق وأبو حنيفة وأصحابه انتهى كلامه. واستدل لهذا القول بالكتاب والمعنى، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١). وجه الدلالة: يمكن أن يقال: إن الأيام تطلق لغة على ما يشمل الليالي ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن حمل الآية على ظاهرها وهو أنها تتناول الأيام دون الليالي أحوط من حملها على تناول الليل والنهار

стр. 1962

رابعا: مكان ذبح الهدي لم نطلع على كلام أحد من أهل العلم أن هدي التمتع والقران يجوز ذبحه خارج الحرم ولم يرد في القرآن ولم نطلع على شيء من السنة يدل على جواز ذبحه خارج الحرم وقد جاءت أدلة من القرآن خاصة في غير هدي التمتع والقران وجاءت آية دالة بعمومها على محل هدي التمتع والقران وجاءت أدلة من السنة تدل على ذبحه في أي موضع من الحرم وفيما يلي بيان هذه الأدلة. قال تعالى في المحصر: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١)، وفسر محله بأنه الحرم عند القدرة على إيصاله وقوله تعالى في جزاء الصيد ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٢)، ومعلوم أنه لم يرد الكعبة بعينها وإنما أراد الحرم وقال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٣)، وهذا عام في الهدايا ومنها هدي التمتع والقران وأما الأحاديث فقد روى البيهقي أن النبي ﷺ قال: «كل منى منحر وكل فجاج مكة طريق ومنحر (٤)» ولتمام الفائدة نورد ما ذكره الزيلعي على هذا الحديث قال: روي من حديث جابر ومن حديث أبي هريرة فحديث جابر أخرجه أبو داود وابن ماجه عن أسامة بن زيد الليثي عن عطاء بن أبي رباح عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ «كل عرفة موقف وكل منى منحر وكل المزدلفة موقف وكل فجاج مكة طريق ومنحر (٥)» انتهى بلفظ أبي داود ومثله لفظ ابن ماجه. إلا أن فيه تقديما وتأخيرا ولاختلاف لفظهما فرقهما ابن عساكر في موضعين من ترجمة عطاء عن جابر في أطرافه فجعلهما حديثين وليس بجيد والصواب ما فعله شيخنا أبو الحجاج المزي في أطرافه فإنه ذكره في ترجمة واحدة والشيخ زكي الدين المنذري قلد ابن عساكر فلم يعزه في مختصر السنن لابن ماجه والله أعلم. وأسامة بن زيد الليثي قال في التنقيح روى له مسلم متابعة فيما أرى ووثقه ابن معين في روايته انتهى فالحديث حسن واعلم أن بعض الحديث في مسلم أخرجه عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: «نحرت هاهنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم (٦)». وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أبو داود في الصوم عن محمد بن المنكدر عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أفطر يوم تفطرون وأضحي يوم تضحون وكل عرفة موقف وكل منى منحر وكل فجاج مكة منحر وكل جمع موقف (٧)» انتهى.

стр. 1963

قال المنذري في مختصره: قال ابن معين: محمد بن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة ﵁ وقال: أبو زرعة لم يلق أبا هريرة انتهى ورواه البزار في مسنده وقال: محمد بن المنكدر لا نعلمه سمع من أبي هريرة انتهى، وروى الواقدي في كتاب المغازي حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال في عمرة القضية وهديه عند المروة: «هذا المنحر وكل فجاج مكة منحر (١)» فنحر عند المروة انتهى كلام الزيلعي. وقال ابن حجر في إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي مولاهم أبو إسماعيل المدني: ضعف من السابقة روى له أبو داود والترمذي والنسائي. * * *

стр. 1964

خامسا: حكم الاستعاضة عن ذبح الهدي بالتصدق دل الكتاب والسنة والإجماع وسد الذرائع على أنه لا يجوز أن يستعاض عن ذبح الهدي بالتصدق بقيمته. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (١). وجه الدلالة: أن الله جل وعلا أوجب على المتمتع الهدي في حال القدرة عليه فإذا لم يجد هديا أو ثمنه فإنه ينتقل إلى الصيام ولم يجعل الله واسطة بين الهدي والصيام ولا بدلا عن الصيام عند العجز عنه وما كان ربك نسيا وقد بين الله ما يجب على المريض إذا عجز مطلقا عن الصيام من الإطعام بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٢)، وإذا كان قادرا على القضاء فقد بين حكمه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣)، وبين في كفارة اليمين أنه يجب العتق أو الإطعام أو الكسوة وعند العجز يصوم ثلاثة أيام متتاليات وبين في كفارة من أصيب بمرض أو أذى في رأسه واحتاج إلى ارتكاب محظور ليتخلص مما أصيب به بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٤)، وقال في كفارة القتل خطأ: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٥) إلى أن قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (٦)، وقال في كفارة الظهار: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٧) ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (٨) الآية.

стр. 1965

وأما السنة فإن أدلتها في هذا الموضوع متفقة مع القرآن. وأما الإجماع فإن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المجتهدين أخذوا بما دل عليه القرآن ودلت عليه السنة من وجوب الهدي على المتمتع والقارن فإذا لم يجد هديا أو لم يجد ثمنه فإنه يصوم عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ومن قال بالتصدق فإنه يطالب بدليل يخالف ذلك. وأما سد الذرائع فإنه لو أجيز القول بالاستعاضة عن ذبح الهدي بالتصدق بقيمته لأدى ذلك إلى التوسع في أبواب الشريعة فمثلا يقال: تخرج نفقة الحج بدلا من الحج نظرا لصعوبته في هذا العصر. وهناك شبه قد يتعلق بها من تسول له نفسه القول بالجواز نذكرها فيما يلي ثم نتبع كل شبهة بجوابها. الشبهة الأولى: قد يقال بالجواز نظرا لصعوبة تنظيم الذبح في الوقت الحاضر مع بقاء المفسدة على حالها بل ربما زادت مع تزايد عدد الحجاج. ويمكن أن يجاب عن هذه الشبهة بأمور أحدها: أن سوء تطبيق الناس لأمر كلفوا به لا يجوز نقلهم عنه إلى أمر لم يشرع لهم بدعوى أنه يسهل عليهم تطبيقه بل يجب السعي في تسهيل الذبح عليهم وحسن تطبيقه. الثاني: أن هذا حكم مبني على مصلحة ملغاة وقد قرر العلماء على أن المصالح ثلاثة أقسام مصلحة معتبرة فيعمل بها بالإجماع ومصلحة ملغاة فلا يعمل بها بالإجماع ومصلحة مرسلة وفي العمل بها خلاف والمصلحة المذكورة هنا مصلحة ملغاة فإن الشرع لم يعتبرها بعد ذكره للهدي وفي حالة عدم القدرة عليه أو على ثمنه ينتقل إلى الصيام. الثالث: أن المقصود من هذه العبادة إراقة الدم وأما اللحوم فهي مقصودة بالقصد الثاني قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (١)، وفي الاكتفاء بالتصدق بالثمن دون إراقة الدم إضاعة للقصد الأول. الشبهة الثانية ما يجري عليه بعض الحجاج من تسليم ثمن الهدي الواجب عليهم للمطوفين وعمالهم بأنفسهم بصفة التوكيل حيث لا يباشرون بأنفسهم عمليات الشراء والذبح والتصدق باللحوم لتعذر ذلك عليهم وخوف الهلاك من شدة الازدحام أو المشقة أو الحرج. ويمكن أن يجاب عن هذه الشبهة بما أجيب به عن الشبهة الأولى ويضاف إلى ذلك أن الحاج إذا وكل شخصا يشتري عنه هديا ويذبحه ويوزعه على المستحقين على الصفة الشرعية فقد خرج بذلك عن عهدة الهدي وصارت العهدة على من صار وكيلا للقيام بالشراء والذبح والتصدق فإن هذا مما يجوز التوكيل فيه شرعا.
следующие страницы →