الثاني أن الليل يتعذر فيه تفرقة اللحم في الغالب ولا يفرق طريا فيفوت بعض المقصود وأجاب ابن حزم عن الدليل الأول فقال هذا قياس والقياس كله باطل ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل؛ لأن يوم النحر هو مبدأ دخول وقت التضحية وما قبله ليس وقتا للتضحية ولا يختلفون معنا في أن من طلوع الشمس إلى أن يمضي بعد ابيضاضها وارتفاعها وقت واسع من يوم النحر لا يجوز فيه التضحية فيلزمهم أن يقيسوا على ذلك اليوم ما بعده من أيام التضحية فلا يجيزون التضحية فيها إلا بعد مضي مثل ذلك الوقت وإلا فقد تناقضوا وظهر فساد قولهم وما نعلم أحدا من السلف قبل مالك منع من التضحية ليلا.
* * *
القول الثاني: أنه يجوز الذبح ليلا بمنى قال بذلك أبو حنيفة وروي عن مالك إن فعل ذلك أجزأه، وقال به أشهب من المالكية والشافعي وهو رواية عن أحمد وقول أكثر الصحابة وبه قال ابن حزم: قال الباجي نقلا عن القاضي أبي الحسن: وقد روي عن مالك فيمن فعل ذلك أجزأه ونقل الباجي القول عن أشهب فيه أنه يجوز الذبح ليلا، وقال الشافعي ﵀: ويذبح في الليل والنهار وإنما أكره ذبح الليل لئلا يخطئ رجل في الذبح أو لا يوجد مساكين حاضرون فأما إذا أصاب الذبح ووجد مساكين فسواء وقال النووي: مذهبنا جواز الذبح ليلا ونهارا في هذه الأيام لكن يكره ليلا وبه قال أبو حنيفة وإسحاق وأبو ثور والجمهور وهو الأصح عن أحمد وقال ابن قدامة بعد ذكره لرأي الخرقي وقال غيره من أصحابنا: يجوز ليلتي يومي التشريق الأوليين وهو قول أكثر الفقهاء وقال في الشرح: وروي عن أحمد أن الذبح يجوز ليلا اختاره أصحابنا المتأخرون وبه قال الشافعي وإسحاق وأبو حنيفة وأصحابه انتهى كلامه.
واستدل لهذا القول بالكتاب والمعنى، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١). وجه الدلالة: يمكن أن يقال: إن الأيام تطلق لغة على ما يشمل الليالي ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن حمل الآية على ظاهرها وهو أنها تتناول الأيام دون الليالي أحوط من حملها على تناول الليل والنهار
стр. 1962
رابعا: مكان ذبح الهدي
لم نطلع على كلام أحد من أهل العلم أن هدي التمتع والقران يجوز ذبحه خارج الحرم ولم يرد في القرآن ولم نطلع على شيء من السنة يدل على جواز ذبحه خارج الحرم وقد جاءت أدلة من القرآن خاصة في غير هدي التمتع والقران وجاءت آية دالة بعمومها على محل هدي التمتع والقران وجاءت أدلة من السنة تدل على ذبحه في أي موضع من الحرم وفيما يلي بيان هذه الأدلة.
قال تعالى في المحصر: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١)، وفسر محله بأنه الحرم عند القدرة على إيصاله وقوله تعالى في جزاء الصيد ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٢)، ومعلوم أنه لم يرد الكعبة بعينها وإنما أراد الحرم وقال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٣)، وهذا عام في الهدايا ومنها هدي التمتع والقران وأما الأحاديث فقد روى البيهقي أن النبي ﷺ قال: «كل منى منحر وكل فجاج مكة طريق ومنحر (٤)» ولتمام الفائدة نورد ما ذكره الزيلعي على هذا الحديث قال: روي من حديث جابر ومن حديث أبي هريرة فحديث جابر أخرجه أبو داود وابن ماجه عن أسامة بن زيد الليثي عن عطاء بن أبي رباح عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ «كل عرفة موقف وكل منى منحر وكل المزدلفة موقف وكل فجاج مكة طريق ومنحر (٥)» انتهى بلفظ أبي داود ومثله لفظ ابن ماجه. إلا أن فيه تقديما وتأخيرا ولاختلاف لفظهما فرقهما ابن عساكر في موضعين من ترجمة عطاء عن جابر في أطرافه فجعلهما حديثين وليس بجيد والصواب ما فعله شيخنا أبو الحجاج المزي في أطرافه فإنه ذكره في ترجمة واحدة والشيخ زكي الدين المنذري قلد ابن عساكر فلم يعزه في مختصر السنن لابن ماجه والله أعلم.
وأسامة بن زيد الليثي قال في التنقيح روى له مسلم متابعة فيما أرى ووثقه ابن معين في روايته انتهى فالحديث حسن واعلم أن بعض الحديث في مسلم أخرجه عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: «نحرت هاهنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم (٦)».
وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أبو داود في الصوم عن محمد بن المنكدر عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أفطر يوم تفطرون وأضحي يوم تضحون وكل عرفة موقف وكل منى منحر وكل فجاج مكة منحر وكل جمع موقف (٧)» انتهى.
стр. 1963
قال المنذري في مختصره: قال ابن معين: محمد بن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة ﵁ وقال: أبو زرعة لم يلق أبا هريرة انتهى ورواه البزار في مسنده وقال: محمد بن المنكدر لا نعلمه سمع من أبي هريرة انتهى، وروى الواقدي في كتاب المغازي حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال في عمرة القضية وهديه عند المروة: «هذا المنحر وكل فجاج مكة منحر (١)» فنحر عند المروة انتهى كلام الزيلعي.
وقال ابن حجر في إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي مولاهم أبو إسماعيل المدني: ضعف من السابقة روى له أبو داود والترمذي والنسائي.
* * *
стр. 1964
خامسا: حكم الاستعاضة عن ذبح الهدي بالتصدق
دل الكتاب والسنة والإجماع وسد الذرائع على أنه لا يجوز أن يستعاض عن ذبح الهدي بالتصدق بقيمته. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (١). وجه الدلالة: أن الله جل وعلا أوجب على المتمتع الهدي في حال القدرة عليه فإذا لم يجد هديا أو ثمنه فإنه ينتقل إلى الصيام ولم يجعل الله واسطة بين الهدي والصيام ولا بدلا عن الصيام عند العجز عنه وما كان ربك نسيا وقد بين الله ما يجب على المريض إذا عجز مطلقا عن الصيام من الإطعام بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٢)، وإذا كان قادرا على القضاء فقد بين حكمه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣)، وبين في كفارة اليمين أنه يجب العتق أو الإطعام أو الكسوة وعند العجز يصوم ثلاثة أيام متتاليات وبين في كفارة من أصيب بمرض أو أذى في رأسه واحتاج إلى ارتكاب محظور ليتخلص مما أصيب به بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٤)، وقال في كفارة القتل خطأ: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٥) إلى أن قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (٦)، وقال في كفارة الظهار: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٧) ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (٨) الآية.
стр. 1965
وأما السنة فإن أدلتها في هذا الموضوع متفقة مع القرآن. وأما الإجماع فإن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المجتهدين أخذوا بما دل عليه القرآن ودلت عليه السنة من وجوب الهدي على المتمتع والقارن فإذا لم يجد هديا أو لم يجد ثمنه فإنه يصوم عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ومن قال بالتصدق فإنه يطالب بدليل يخالف ذلك.
وأما سد الذرائع فإنه لو أجيز القول بالاستعاضة عن ذبح الهدي بالتصدق بقيمته لأدى ذلك إلى التوسع في أبواب الشريعة فمثلا يقال: تخرج نفقة الحج بدلا من الحج نظرا لصعوبته في هذا العصر. وهناك شبه قد يتعلق بها من تسول له نفسه القول بالجواز نذكرها فيما يلي ثم نتبع كل شبهة بجوابها.
الشبهة الأولى: قد يقال بالجواز نظرا لصعوبة تنظيم الذبح في الوقت الحاضر مع بقاء المفسدة على حالها بل ربما زادت مع تزايد عدد الحجاج. ويمكن أن يجاب عن هذه الشبهة بأمور أحدها: أن سوء تطبيق الناس لأمر كلفوا به لا يجوز نقلهم عنه إلى أمر لم يشرع لهم بدعوى أنه يسهل عليهم تطبيقه بل يجب السعي في تسهيل الذبح عليهم وحسن تطبيقه.
الثاني: أن هذا حكم مبني على مصلحة ملغاة وقد قرر العلماء على أن المصالح ثلاثة أقسام مصلحة معتبرة فيعمل بها بالإجماع ومصلحة ملغاة فلا يعمل بها بالإجماع ومصلحة مرسلة وفي العمل بها خلاف والمصلحة المذكورة هنا مصلحة ملغاة فإن الشرع لم يعتبرها بعد ذكره للهدي وفي حالة عدم القدرة عليه أو على ثمنه ينتقل إلى الصيام.
الثالث: أن المقصود من هذه العبادة إراقة الدم وأما اللحوم فهي مقصودة بالقصد الثاني قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (١)، وفي الاكتفاء بالتصدق بالثمن دون إراقة الدم إضاعة للقصد الأول.
الشبهة الثانية ما يجري عليه بعض الحجاج من تسليم ثمن الهدي الواجب عليهم للمطوفين وعمالهم بأنفسهم بصفة التوكيل حيث لا يباشرون بأنفسهم عمليات الشراء والذبح والتصدق باللحوم لتعذر ذلك عليهم وخوف الهلاك من شدة الازدحام أو المشقة أو الحرج.
ويمكن أن يجاب عن هذه الشبهة بما أجيب به عن الشبهة الأولى ويضاف إلى ذلك أن الحاج إذا وكل شخصا يشتري عنه هديا ويذبحه ويوزعه على المستحقين على الصفة الشرعية فقد خرج بذلك عن عهدة الهدي وصارت العهدة على من صار وكيلا للقيام بالشراء والذبح والتصدق فإن هذا مما يجوز التوكيل فيه شرعا.
стр. 1966
الشبهة الثالثة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح وبالتالي درء للمفاسد عن الأمة وجلب لمصالحها.
ويجاب عن هذه الشبهة بما أجيب به عن الشبهة الأولى ويضاف إلى ذلك: أولا: أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح لكن لا يصح أن يقال: إن ذبح الهدايا مفسدة وإن درءها بما ذكروه من إلغاء هذه الشعيرة والتصدق بثمنها؛ لأن من القواعد المقررة في الشريعة أن المفاسد درجات وأن المصالح درجات وأنه يجوز تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما وارتكاب أخف المفسدتين لاجتناب كبراهما ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح فيما ليس فيه دليل شرعي وفيما إذا كانت المفسدة أرجح من المصلحة وما نحن فيه ليس كذلك بل قام الدليل على خلافه والمصلحة أرجح مما ظن مفسدة بتحريف النصوص عن مواضعها ومقاصدها.
ثانيا: أن هذا يفتح باب تلاعب في الشريعة فلا يكون للنصوص قيمة وإنما القيمة لما يصدر من سفهاء العقول من تصورات يزعمون أنها مصالح تستحق أن تقدم على الأدلة. ثالثا: أن النسك عبادة مبنية على التوقيت فلا يجوز العدول عن المشروع إلا بدليل شرعي موجب للعدول عنه وكل تشريع مبني على التوقيت فإنه لا يدخله الاجتهاد ومنه القول بالمصلحة المدعاة هنا.
رابعا: أن من وجب عليه الهدي يجب عليه إيصاله إلى مستحقه كما في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (١)، وكذلك سائر ما يجب عليه من الحقوق كالزكاة والنذر والكفارات وغيرها.
خامسا: أن الشارع لم يمنع الذبح في أي محل من الحرم كما قال ﷺ : «نحرت هاهنا ومنى كلها منحر وفجاج مكة طريق ومنحر (٢)» فالحاج ينحره في أي موضع من فجاج مكة ويوزعه على الفقراء.
سادسا: علاج مشكلة اللحوم في منى: مشكلة اللحوم يمكن أن تعالج بالأمور الآتية: الأول: الكشف على ما يباع للتأكد من صلاحيته هديا من حيث السن والسلامة من الأمراض وموانع الإجزاء وتوضع علامة يعرف بها أن هذه الذبيحة تجزئ وما عدا ذلك يمنع.
الثاني: التوسع في توعية الحجاج ببيان المجزئ وما لا يجزئ حتى لا يقدموا إلا على بصيرة. الثالث: الإكثار من عدد المجازر في أماكن مختلفة من منى وفجاج مكة وإرشاد الناس إليها.
стр. 1967
الرابع: تسهيل طريق الحصول على هذه اللحوم للفقراء وذلك بما يلي:
١ - إيصاله إليهم إن أمكن.
٢ - معاونتهم على إيصاله إلى منازلهم.
٣ - التوسع في توزيع ما زاد على فقراء الحرم على فقراء خارج الحرم ويكون إعطاء الفقراء الذين هم خارج الحرم بمنزلة دفع الزكاة لفقراء غير فقراء بلد المال إذا أعطي فقراء بلد المال حاجتهم ولم يوجد أحد يستحق فكذلك الهدي ينقل إلى فقراء البلدان المجاورة لمكة.
التوسع في التوكيل على ذبح الهدي بطرق منظمة تضمن مصلحة صاحب الهدي ومصلحة الفقير والمصلحة العامة ويكون فيه أناس يشرفون من قبل الدولة على تطبيق ذلك. هذا ما تيسر ذكره وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس ... الرئيس
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
стр. 1968
مصادر ومراجع هذا البحث " باب الهدي من كتاب الحج
"
١. المذهب الحنفي: أحكام القرآن للجصاص لباب المناسك للسندي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر، المبسوط للسرخسي، كتاب الآثار لأبي يوسف، فتح القدير. ٢. المذهب المالكي: المدونة للإمام مالك، المنتقى للباجي، حاشية الرهوني على شرح عبد الباقي الزرقاني لمختصر خليل، أحكام القرآن للقرطبي، أضواء البيان للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، شرح الرسالة لابن أبي زيد، شرح الأبي على مسلم.
٣. المذهب الشافعي: الأم للشافعي، شرح صحيح مسلم للنووي، فتح الباري المجموع شرح المهذب الإيضاح للنووي، المنهاج وشرحه مغني المحتاج، الأشباه والنظائر للسيوطي، أحكام القرآن للشافعي، القرى لقاصد أم القرى للطبري.
٤. المذهب الحنبلي: تفسير ابن كثير، المغني لابن قدامة، الشرح الكبير لابن قدامة، حاشية المقنع، زاد المعاد، الإنصاف، مسائل الإمام أحمد، القواعد لابن رجب، الفروع لابن مفلح المحرر، تحفة الودود في أحكام المولود، القياس في الشرع الإسلامي.
٥. كتب أخرى المحلى لابن حزم، السنن الكبرى للبيهقي، سنن الدارقطني، نصب الراية، التلخيص الحبير، الدراية، شرح معاني الآثار، سنن أبي داود وعليه معالم السنن للخطابي، بلوغ المرام.
стр. 1969
القرار
رقم ٤٣ وتاريخ ١٣/ ٤ / ١٣٩٦ه ـ
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
بناء على ما تقرر في الدورة السابعة لهيئة كبار العلماء المنعقدة في الطائف في النصف الأول من شعبان عام ١٣٩٥هـ من إدراج موضوع (هدي التمتع والقران) في جدول أعمال الدورة الثامنة وإعداد بحث في ذلك فقد اطلعت الهيئة في الدورة الثامنة المنعقدة بمدينة الرياض في النصف الأول من شهر ربيع الثاني عام ١٣٩٦هـ على البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في وقت الذبح ومكانه وحكم الاستعاضة عن الهدي بالتصدق بقيمته وعلاج مشكلة اللحوم.
وبعد تداول الرأي تقرر بالإجماع ما يلي:
١ - لا يجوز أن يستعاض عن ذبح هدي التمتع والقران بالتصدق بقيمته لدلالة الكتاب والسنة والإجماع على منع ذلك مع أن المقصود الأول من ذبح الهدي هو التقرب إلى الله تعالى بإراقة الدماء كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (١)، ولأن من القواعد المقررة في الشريعة سد الذرائع والقول بإخراج القيمة يفضي إلى التلاعب بالشريعة فيقال مثلا: تخرج نفقة الحج بدلا من الحج لصعوبته في هذا العصر، ولأن المصالح ثلاثة أقسام: مصلحة معتبرة بالإجماع، ومصلحة ملغاة بالإجماع ومصلحة مرسلة، والقول بإخراج القيمة مصلحة ملغاة لمعارضتها للأدلة، فلا يجوز اعتبارها.
٢ - قرر المجلس بالأكثرية أن أيام الذبح أربعة، يوم العيد وثلاثة أيام بعده، ويجوز الذبح في ليالي أيام التشريق لقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٢) ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٣)
стр. 1970
فإن قضاء التفث وطواف الزيارة لا يكون قبل يوم النحر ولما رتب هذه الأفعال على ذبح الهدي دل على أنه هدي القران والتمتع؛ لأن جميع الهدايا لا يترتب عليها هذه الأفعال.
ولأنه ثبت عنه ﷺ أنه ذبح هديه يوم العيد وكذلك ذبح هدي التمتع والقران عن نسائه يوم العيد ولم يثبت عنه ﷺ ولا عن أحد من أصحابه أنه ذبح قبل يوم العيد ولا بعد أيام التشريق ولما روى سليمان بن موسى عن ابن أبي حسين عن جبير بن مطعم عن النبي ﷺ أنه قال: «كل عرفات موقف (١)» الحديث إلى أن قال: «وكل أيام التشريق ذبح (٢)».
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: روي من وجهين مختلفين يشد أحدهما الآخر انتهى المقصود.
٣ - لا يخصص الذبح بمنى بل يجوز الذبح في مكة وفي أي موضع من الحرم لقوله ﷺ «وكل منى منحر وكل فجاج مكة طريق ومنحر (٣)».
٤ - ما ترك من اللحوم في المجازر فإن على الحكومة حفظه على وجه يحفظ نفعه حتى يوزع بين فقراء الحرم.
٥ - يجوز للحكومة تنظيم الاستفادة من سواقط الهدي التي تترك في المجازر مثل الجلد والعظام والصوف ونحو ذلك مما ترى فيه المصلحة لفقراء الحرم مما يتركه أهله رغبة عنه.
٦ - ينبغي للحكومة وفقها الله أن تعني بتكثير المجازر في منى ومكة وبقية الحرم على وجه يمكن الحجاج من ذبح هداياهم بيسر وسهولة وأن يستمدوا من لحومها ما شاءوا.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
стр. 1971
وجهة نظر
لصاحب الفضيلة الشيخ عبد الله بن منيع
عضو هيئة كبار العلماء
إن وجهة نظري تتلخص في الملاحظات الآتية:
أولا: جاء في الصفحة الثالثة من البحث الاستدلال على تحديد وقت ذبح هدي التمتع والقران بالإطلاق في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١)، وبالتقييد في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٢) ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (٣)، الآية ولا شك أن بعض أهل العلم استدل بهذا ولكن الأمانة العلمية تقتضي مناقشة هذا الاستدلال.
إذ يمكن مناقشته بما يلي:
إن كمال الآية المراد بها تقييد عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٥) ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (٦)، الآية. وقد ذكر جمع كثير من العلماء من مفسرين ومحدثين وفقهاء أن المراد بالأيام المعلومات عشر ذي الحجة فقد ذكر الجصاص في كتابه " أحكام القرآن " أنه روي عن ابن عباس بإسناد صحيح أن المعلومات العشر والمعدودات أيام التشريق وهو قول الجمهور من التابعين منهم الحسن ومجاهد وعطاء والضحاك وإبراهيم في آخرين منهم، وقد روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد أن المعلومات العشر والمعدودات أيام التشريق (٧). .
وروى البيهقي بإسناده إلى الشافعي أنه قال: الأيام المعلومات أيام العشر كلها والمعدودات أيام منى فقط اهـ (٨).
وقال النووي في المجموع:
وأما الأيام المعلومات فمذهبنا أنها العشر الأوائل من ذي الحجة إلى آخر يوم النحر إلى أن قال: وقال الإمام أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره: قال أكثر المفسرين: الأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة اهـ (٩).
فعلى هذا لا حجة في الآية على القول بتحديد وقت الذبح بيوم النحر وأيام التشريق بل قد يكون فيها دليل على القول بذبح هدي التمتع والقران في الأيام المعلومات التي هي العشر الأوائل من ذي الحجة؛ لأن المقصود بذكر الله على بهيمة الأنعام في هذه الآية أمر صريح بتحديد وقت الذبح وإذا كان الدليل
стр. 1972
يفهم من ترتيب قضاء التفث على ذكر الله على بهيمة الأنعام فإن هذا يعني بطلان أعمال الحج يوم العيد من رمي وحلق أو تقصير وطواف زيارة إذا فعل ذلك قبل الذبح أو النحر، ولا يخفى ما عليه إجماع أهل العلم قاطبة من أن الترتيب فيها مستحب وأنه لا حرج في تقديم واحد منها على الآخر لقوله ﷺ حينما سئل عن تقديم بعض هذه الأفعال على بعض قال: «افعل ولا حرج (١)» فدل ذلك على أن غاية الأمر أن يكون مفهوم الترتيب الاستحباب، وبذلك ينتفي الاستدلال بالآية.
* * *
ثانيا: جاء في الصفحة الثالثة من البحث مناقشة الجصاص الاعتراض على منع تقديم ذبح هدي التمتع والقران بإجازة الصوم الذي هو بدل عنه قبل يوم النحر وقد كانت مناقشته في حاجة إلى مناقشة بما يلي:
أ - جاء في قوله إنه ثبت بالسنة امتناع ذبح الهدي قبل يوم النحر ويرد على ذلك بأنه لو كان الأمر كما ذكر من ثبوت امتناع ذبح هدي التمتع والقران قبل يوم النحر بالسنة لما حصل الخلاف في ذلك والثابت بخصوص الهدي إنما هو في الهدي المسوق تطوعا فلا يجوز ذبحه قبل يوم النحر، أما هدي المتعة والقران فإن القائلين بجواز ذبحه قبل يوم النحر يطالبون بالنص الصريح الثابت في امتناع ذبحه قبل يوم النحر من كتاب أو سنة بل إنهم يستدلون بهما على جواز ذلك.
ب - (ما ذكره بأن الصوم مراعى ومنتظر به شيئان إلى آخر قوله: هذا القول يمكن أن يقال في هدي المتعة وأيضا فإذا وجد المعنيان إتمام الحج والعمرة صح الهدي عن المتعة وإذا عدم أحدهما بطل أن يكون هدي متعة وصار هدي تطوع كصيام التطوع. ت - (قوله بأن الهدي رتب عليه أفعال أخرى من حلق وقضاء تفث وطواف زيارة فلذلك اختص بيوم النحر مناقشة ذلك ما مر في الملاحظة الأولى.
* * *
ثالثا: جاء في الصفحة الثامنة من البحث ما نصه: فهذه الأحاديث منها ما هو نص في أن بدء وقت النحر للمتمتع والقارن يوم الأضحى ومنها ما يدل عليه بمفهومه أو مع أمره ﷺ أن نأخذ عنه المناسك وقد نحر عن نفسه وعن أزواجه يوم الأضحى ونحر أصحابه كذلك
стр. 1973
ولم يعرف عن أحد منهم أنه نحر هديه لتمتعه أو قرانه قبل يوم الأضحى فكان ذلك عمدة في التوقيت بما ذكر من جهات عدة.
وإن ذلك ممكن أن يناقش بما يلي:
أ - إن المتتبع لجميع ألفاظ الأحاديث الواردة في البحث لا يجد فيها نصا على تحديد بدء وقت نحر هدي التمتع والقران بيوم الأضحى، وإنما النص في بعضها على أن من ساق الهدي فلا يجوز له الإحلال حتى ينحر هديه، ولا شك أن الهدي الذي ساقه ﷺ وساقه بعض أصحابه ودخلوا به مكة في حجهم معه ﷺ هدي تطوع دخل فيه هدي التمتع أو القران فهو متصل به اتصال الجزء بكله بحيث لا يمكن فصله عنه.
ب - إن القول بأن منها (أعني الأحاديث الواردة في البحث) ما يدل مع أمره ﷺ أن نأخذ عنه مناسكنا على بدء التحديد بيوم النحر يرد عليه بإجماع الأمة على جواز ذبح هدي التمتع أو القران في اليوم الأول أو الثاني من أيام التشريق وهو ﷺ ذبح يوم العيد وقال: «خذوا عني مناسككم (١)» فلو كان عموم قوله ﷺ «خذوا عني مناسككم (٢)» وارد على ذلك لكان الذبح في أيام التشريق غير جائز للمخالفة وقد لا يمكن القول بأن العموم مخصص بقوله ﷺ «وكل أيام التشريق ذبح (٣)» فقد تكلم رجال الحديث في هذه الزيادة بما لا يتسع المقام لذكره وبما يبطل الاستدلال به للتخصيص مع أن قوله ﷺ «خذوا عني مناسككم (٤)» عام في جميع أفعال النسك من ركن وواجب ومستحب وفي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٥)، تخصيص لعموم قوله ﷺ «خذوا عني مناسككم (٦)».
ت - إن ما نحره عن نفسه هو هديه الذي ساقه ﷺ تطوعا ودخل به مكة محرما وكان سوقه سبب امتناعه عن الإحلال، وأما نحره ﷺ عن أزواجه في حجه فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك أضحية منه عنهن قال ابن حزم: ووجدنا ما رويناه من طريق مسلم نا أبو بكر بن أبي شيبة نا عبده بن سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع موافين لهلال ذي الحجة فكنت فيمن أهل بعمرة فقدمنا مكة فأدركني يوم عرفة
стр. 1974
وأنا حائض لم أحل من عمرتي فشكوت ذلك إلى النبي ﷺ فقال: " دعي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج " قالت: ففعلت فلما كانت ليلة الحصبة وقد قضى الله حجنا أرسل معي عبد الرحمن بن أبي بكر فأردفني وخرج بي إلى التنعيم فأهللت بعمرة وقضى الله حجنا وعمرتنا ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم (١)» إلى أن قال: فإن قيل: قد صح أنه ﵇ أهدى عن نسائه البقر قلنا: نعم وقد بين معنى ذلك الإهداء سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنه كان أضاحي لا هدي متعة ولا هديا عن قران اهـ " (٢). وعلى فرض أن ما ذبحه ﷺ عن نسائه هدي تمتع أو قران فقد فعل الأفضل ولا شك أن الأفضل ذبح ذلك يوم العيد.
د - وأما القول بأنه لم يعرف أحد من أصحابه نحر هدي تمتعه أو قرانه قبل يوم الأضحى فإنه يمكن مناقشته بأن عدم معرفة أحد من الصحابة نحر هديه قبل يوم الأضحى لا يعني منع ذلك ولا نفي أن أحدا من الصحابة فعله ثم إن الحديث الذي أخرجه الحاكم في مستدركه وذكر أنه على شرط مسلم وأقره الذهبي صريح في أن سعد بن أبي وقاص ذبح هديه قبل يوم النحر، وقد أخرجه الطبراني في الكبير وذكر أن رجاله ثقات.
وسيأتي مزيد نقاش لهذا الحديث والاعتراض عليه بما في مجمع الزوائد عن عكرمة.
* * *
رابعا: جاء في الصفحة الثامنة من البحث الاحتجاج لذلك القول بالإجماع بما ذكره ابن عابدين ويمكن أن يناقش ذلك بما يلي:
لعل ابن عابدين ﵀ يقصد بالإجماع إجماع أهل مذهبه مع أن ابن قدامة ﵀ نسب إلى أبي حنيفة القول بوجوب هدي التمتع بالإحرام بالحج وذلك في كتابه " المغني "، كما نسب ذلك إليه ابن العربي في كتابه " أحكام القرآن " وابن مفلح في كتابه " الفروع " أما أن يقصد ابن عابدين إجماع الأمة على منع ذلك فبعيد جدا لوجود الخلاف القوي في المسألة بين العلماء من مالكيين وشافعيين وحنابلة وغيرهم، ولأن مثل ابن عابدين لا يخفى عليه الخلاف في المسألة لا سيما وهو خلاف مشهور وعلى فرض أن ابن عابدين يقصد بالإجماع إجماع الأمة فما ذكره غير صحيح والخلاف في ذلك مشهور يعرفه الخاص والعام.
стр. 1975
خامسا جاء في الصفحة الثامنة من البحث الاحتجاج بالمعنى بما ذكره ابن قدامة ﵀ بقوله؛ لأن ما قبل يوم النحر لا يجوز ذبح الأضحية فيه إلى آخره، ويمكن نقاش ذلك بما ذكره ابن قدامة نفسه توجيها للقول بجواز تقديم ذبح هدي التمتع والقران قبل يوم النحر حيث قال: ووجه جوازه أنه دم يتعلق بالإحرام وينوب عنه الصيام فجاز قبل يوم النحر كدم الطيب واللباس ولأنه يجوز إبداله قبل يوم النحر فجاز أداؤه قبله كسائر الفديات اهـ " (١)، وبما ذكره في توجيه رواية الوجوب بعد الإحرام بالحج بقوله: لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢)، وهذا قد فعل ذلك ولأن ما جعل غاية فوجود أوله كاف كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٣). . اهـ " (٤).
وبما ذكره الشافعي ﵀ بقوله: وإذا ساق المتمتع الهدي معه أو القارن لمتعته أو قرانه فلو تركه حتى ينجزه يوم النحر كان أحب إلي، وإن قدم فنحره في الحرم أجزأ عنه من قبل أن على الناس فرضين فرضا في الأبدان فلا يكون إلا بعد الوقت، وفرضا في الأموال فيكون قبل الوقت إذا كان شيئا مما فيه الفرض اهـ " (٥). . وبما ذكره ابن رجب في قواعده قال: العبادات كلها سواء كانت بدنية أو مالية أو مركبة منهما، لا يجوز تقديمها على سبب الوجوب ويجوز تقديمها بعد سبب الوجوب وقبل الوجوب أو قبل شرط الوجوب ويتفرع على ذلك مسائل كثيرة - وذكر منها ما ذكر ثم قال: ومنها صيام التمتع والقران فإنه سبب العمرة السابقة للحج في أشهره فبالشروع في إحرام العمرة قد وجد السبب فيجوز الصيام بعده وإن كان وجوبه متأخرا عن ذلك، وأما الهدي فقد التزمه أبو الخطاب في انتصاره، ولنا رواية أنه يجوز ذبحه لمن دخل قبل العشر لمشقة حفظه عليه إلى يوم النحر اهـ " (٦).
كما أنه يمكن مناقشة ما ذكره ابن قدامة ﵀ من قياسه الهدي على الأضحية بما ذكره ابن مفلح في الفروع حيث قال: وقاسوه على الأضحية والهدي وهي دعوى اهـ " (٧).
* * *
стр. 1976
سادسا: جاء في الصفحة التاسعة من البحث اعتراض الراهوني على ما ذكره الأبي عن القاضي عياض في شرحه رواية مسلم «فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم (١)»، مع أن في الحديث حجة لمن يجيز للمتمتع نحر هديه بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج إلى آخره حيث ذكر الرهوني أن لديه نسخة عتيقة مظنونا فيها الصحة وليس فيها جواز نحر هدي المتمتع بعد التحلل من العمرة وإنما ذكر فيها جواز تقليد الهدي قبل الإحرام بالحج إلى آخر ما ذكره الرهوني.
ويمكن مناقشة ذلك بما يلي:
أ - إن عبارة القاضي عياض في جواز نحر الهدي قبل الإحرام بالحج قد تناقلها شيوخ كبار في مذهب الإمام مالك فقد نقلها عنه الأبي والسنوسي والدسوقي والبناني ومحمد عابد فلم يعترض عليها واحد منهم بل احتج بها بعضهم على رد تأويلات بعض شراح مختصر خليل في قوله وأجزا (أي دم التمتع) قبله (أي قبل يوم النحر) حينما قال بعضهم: إن المقصود بذلك تقليد الهدي وإشعاره لا ذبحه.
ب - (إن احتجاج الرهوني لدعواه التصحيف بما لديه من نسخة يدعي قدمها والوثوق بها فيه نظر، ولو سلم له احتجاجه لكان ذلك من أقصر الطرق لرد آراء العلماء وأقوالهم بإنكار نسبتها إليهم بالتصحيف فيما كتب عنهم، ثم هل يمكن أن تكون نسخة الرهوني هي الصحيحة الثابتة دون ما عداها مما لدى شيوخه وشيوخهم، إن العكس هو القريب الممكن المعقول.
ج - (إن اللجنة أيدت دعوى التصحيف بما ذكره بأن اللخمي ذكر الخلاف في التقليد لا في النحر وهذه الحجة ليست أكثر عجبا من سابقتها فإن عدم ذكر الشخص الشيء لا يعني نفيه من الوجود واللخمي كغيره من العباد ينطبق عليه القول: " علمت شيئا وغابت عنك أشياء ".
على أن المرء يقف حائرا في تكييف وجه الخلاف بين علماء المذهب المالكي في جواز تقليد الهدي وإشعاره بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج إلا أن يكون المراد بذلك مآل التقليد والإشعار وهو الذبح حسبما يفهم من التمثيل على جواز ذلك بقياسه على تقديم الكفارة قبل الحنث والزكاة قبل الحول وأن ذلك مما تقتضيه السنة توسعة في جميع ذلك فإن اقتضاء السنة التوسعة على العباد لا يعني الحرج وإيجاد العسر والمشقة في رعاية الهدي المقلد والمشعر حتى يأتي يوم النحر فينحر فإن الحاج في شغل عنه بتهيئة أسباب حجه من زاد وراحلة وغير ذلك وإنما التوسعة عليه في إراحته من ملازمته ورعايته بذبحه بعد وجوبه، ولا شك
стр. 1977
أن المتتبع بإنصاف لنصوصهم يقوى لديه الظن بأنهم يقصدون بذلك الذبح لما في جميع ذلك من التوسعة التي تقتضيها السنة.
د - إن الرهوني تعقب ما نقله الأبي عن المازري من قوله: مذهبنا أن هدي التمتع إنما يجب بالإحرام بالحج وفي وقت جوازه ثلاثة أوجه: فالصحيح والذي عليه الجمهور أنه يجوز بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج اهـ " (١).
فقال: ليس فيه أن المراد بالجمهور جمهور أهل المذهب وقد تقدم أن المراد بهذه العبارة حيث أطلقها أهل الخلاف الكبير جمهور المجتهدين وإن كانت تشمل الإمام مالكا لكن لا تصريح بنسبة ذلك إليه اهـ " (٢).
وهذا ما يفرح به القائلون بتقديم ذبح هدي التمتع قبل يوم النحر فلأن يكون هذا القول قول جمهور المجتهدين من علماء الإسلام أمثال الإمام مالك أحب إليهم من أن يكون قول جمهور المالكيين من أمثال الرهوني وأترابه.
هـ - إن المتتبع لحواشي الرهوني يخرج من تتبعها بالحكم عليه بأنه ليس في مستوى قيادي في مذهبه فهو يريد أن يقلل من شأن القول بجواز الذبح قبل يوم النحر بإنكار أن الجمهور القائلين به حسبما ذكره المازري جمهور المالكيين وإنما هم جمهور المجتهدين أمثال مالك وغيره، وهذا تقوية للقول من حيث لا يدري من أن المتتبع لقول المازري يخرج من تتبعه أنه يتحدث عن مذهبه وعن فقهاء مذهبه وأقوالهم مما يدل على أن ما ذكرنا في الرهوني وارد، وإذا كان الرهوني على مستوى يسمح باعتباره إماما في مذهبه ومحققا وإذا كانت نسخته هي المظنون بها الصحة فكيف لنا تفسير نقله من نسخته هذه التي لم يجد غيرها في ذلك الوقت حسبما ذكر، نقله آية من كتاب الله تعالى وأوردت خطأ دون أن يشير إلى تصحيحها فقد جاء في حاشيته ونقلته اللجنة عنه في السطر الثامن من الصفحة التاسعة من البحث ما نصه: ونصه وقوله للمتمتعين (: فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم نص في كتاب الله تعالى مما يلزم التمتع إن صحة الآية: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (٣).
* * *
سابعا: جاء في الصفحتين العاشرة والحادية عشرة من البحث نقل طويل لشيخنا محمد الأمين الشنقيطي ﵀ وفيه يشير إلى تغليظ من يجيز على المذهب المالكي ذبح
стр. 1978
الهدي قبل الإحرام بالحج بعد أن أورد مجموعة نصوص لشراح مختصر خليل يؤولون قوله: وأجزأ قبله ويمكن مناقشة ما ذكره بعض شراح المختصر من التأويلات بما قاله الدسوقي بعد أن أورد قول بعضهم: إن المراد بذلك تقليد الهدي وإشعاره لا ذبحه.
قال: فيه نظر فقد قال الأبي في شرح مسلم على أحاديث الاشتراك في الهدي على قول الراوي وأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ما نصه: (عياض) في الحديث حجة لمن يجوز نحر الهدي للمتمتع بعد الإحلال من العمرة وقبل الإحرام بالحج وهي إحدى الروايتين عندنا والأخرى أنه لا يجوز إلا بعد الإحرام بالحج؛ لأنه بذلك يصير متمتعا وذكر بعضهم أنه يجوز بعد الإحرام بالعمرة اهـ
وبه نعلم أنه يتعين صحة إبقاء كلام المصنف أي خليل على ظاهره وسقوط تعقب الشراح عليه وتأويلهم له من غير داع لذلك اهـ (١). . وقال الشيخ محمد عابد في شرح قول الماتن: ولا يجوز نحر هدي التمتع قال: تبع في ذلك الخطاب في مناسكه والدردير وعبد الباقي على خليل عند قوله: وأجزا قبله حيث قال كل منهم أي إشعاره وتقليده لا نحره إذ لم يقل به أحد وفي البناني ما يخالف ذلك وحاصل ما فيه أنه أطبق كثير من شراح خليل على تأويل قوله: أجزأ قبله أي الإشعار والتقليد محتجين بأنه لم يصرح أحد من أهل المذهب بأن نحر الهدي قبل الإحرام بالحج مجزئ وهو غير ظاهر لقول الأبي في شرح مسلم على أحاديث الاشتراك في الهدي على قول الراوي.
وأمرنا إذا أحللنا أن نهدي، ما نصه: عياض في الحديث حجة لمن يجوز نحر الهدي للمتمتع بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج ثم ساق بقية كلام القاضي (عياض) وكلام المازري عن طريق الأبي " (٢).
* * *
ثامنا: جاء في الصفحة الرابعة عشرة من البحث مناقشة الرواية عن الإمام أحمد بجواز ذبح هدي من قدم به مكة قبل العشر خشية ضياعه أو سرقته، ويمكن نقاش ذلك بأن هذه المسألة خارجة عن موضوعنا فإنها خاصة فيمن قدم مكة ومعه هدي، وموضوعنا خاص فيمن تمتع بالعمرة إلى الحج فاستوجب الهدي أيذبحه بعد وجوبه أم يؤخر ذبحه حتى يوم النحر.؟
* * *
стр. 1979
تاسعا: جاء في الصفحة الرابعة عشرة من البحث مناقشة الاستدلال على جواز الذبح قبل يوم النحر بآية: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١).، بأن هذا مجرد فهم للآية باجتهاد عارضه نص هو قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (٢)، الآية وقد سبق مناقشة الاستدلال بهذه الآية في الملاحظة الأولى مما يغني عن إعادته.
* * *
عاشرا: جاء في الصفحة الخامسة عشرة من البحث مناقشة الاستدلال بحديث أبي الزبير عن جابر «فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدي وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم (٣)» في هذا الحديث أمور ثلاثة يمكن أن تناقش بما يلي:
أ - التسليم بنفي التعارض بينه وبين الأحاديث الواردة في البحث إذ ليس فيها ما يدل بصريح العبارة على منع تقديم ذبح هدي التمتع أو القران على يوم النحر وقد سبقت مناقشة القول بدلالتها على المنع في الملاحظة الثالثة وعليه فإن دلالة الحديث على إجازة الذبح بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج قد فهمها علماء كبار من رجال الحديث وشراحه أمثال النووي والقاضي عياض والمازري والأبي والسنوسي وغيرهم.
ب - إن القول بأن المقصود بقول جابر: «فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي التحلل من الحج (٤)» يرده مزيد التأمل والتدبر في نهاية الحديث وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم فلقد أمر ﷺ أصحابه الذين أحرموا بالحج معه أن يحلوا منه إلى عمرة واشتد غضبه ﷺ على قوم ترددوا في الأخذ بقوله وأمره أما التحلل من الحج يوم العيد فإنه لا يكون بأمر وإنما يحصل بأفعال يفعلها الحاج يوم العيد من رمي وحلق أو تقصير وطواف زيارة وفضلا عن ذلك كله فإن راوي الحديث عن جابر وهو أبو الزبير قد أبان المقصود من ذلك فقد ذكر أبو عبد الله الأبي في شرحه صحيح مسلم عند كلامه على حديث جابر ما نصه: ويعني بقوله حين أمرهم يعني إحلال الفسخ الذي أمرهم به في حجة الوداع. اهـ.
إن القول بأن في الحديث زيادة شاذة لمخالفتها ما سبق من الأدلة الصحيحة الخالية من هذه الزيادة وأن مدارها على محمد بن بكر البرساني يمكن أن يناقش بما يلي:
стр. 1980
١ - نفي الشذوذ في هذه الزيادة إذ هي لم تخالف غيرها من الروايات فليس هناك حديث صريح صحيح ينص على بدء وقت ذبح هدي التمتع والقران بيوم النحر وإنما غاية ما في الأمر مفاهيم لا يجوز أن يحكم بها على زيادة من عدل رواها مسلم في صحيحه إذ الزيادة من العدل مقبولة.
٢ - إن القول بأن مدار هذه الزيادة على محمد بن بكر البرساني غير صحيح فقد روى الإمام أحمد في مسنده هذا الحديث بكامل هذه الزيادة عن محمد بن بكر وروح بن عبادة القيسي فقال: حدثنا محمد بن بكر وروح قالا: حدثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن حجة النبي ﷺ قال: «فأمرنا النبي ﷺ إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في البدنة وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجتهم (١)» اهـ " (٢).
وروح هو روح بن عبادة القيسي قال الحافظ ابن حجر: كان أحد الأئمة وثقه علي بن المديني ويحيى بن معين ويعقوب بن شيبة وأبو عاصم وابن سعد والبزار وأثنى عليه أحمد وغيره وقال يعقوب بن شيبة: قلت لابن معين: زعموا أن ابن القطان كان يتكلم فيه فقال: باطل ما تكلم فيه إلى أن قال الحافظ: قلت احتج به الأئمة كلهم اهـ (٣).
وقال الحافظ ابن حجر في محمد بن بكر ما نصه: وثقه أبو داود والعجلي وقال عثمان الدارمي عن يحيى بن معين: ثقة وقال أبو حاتم: شيخ محله الصدق إلى آخر ما قال (٤). . وقال في تهذيب التهذيب: قال حنبل بن إسحاق عن أحمد صالح الحديث وقال الدوري عن ابن معين: ثنا البرساني وكان والله ظريفا صاحب أدب وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة وقال أبو داود: والعجلي ثقة.
قال الحافظ: وذكره ابن حبان في الثقات وقال: هو وابن سعد وآخرون: مات سنة ثلاث ومائتين زاد ابن سعد بالبصرة في ذي الحجة وكان ثقة وذكر الحافظ أنه أجاب عن قول الذهبي في البرساني روي عن عبد الحميد بن جعفر عن هشام بن عروة في حديث بسرة في مس الذكر: أو أنثييه أو فرجه فرفع الزيادة وإنما هي من قول عروة قال: قد أوضحت ذلك
стр. 1981
في المدرج وذكرت فيه من شاركه في رفع هذه الزيادة لكن عن غير شيخه وبينت سبب الإدراج ومستنده (١).
٣ - إن هذه الزيادة غير شاذة ففضلا عن أن محمد بن بكر لم ينفرد بها بل اشترك معه في روايتها عند أحمد روح بن عبادة وأنه ليس في الروايات الأخرى نص صريح في مخالفتها فقد تأيدت بما روى الحاكم في مستدركه والطبراني في الكبير من «أنه ﷺ أمر أصحابه بالإحلال من الحج وفسخه إلى عمرة إلا من ساق معه الهدي ثم قسم ﷺ يومئذ في أصحابه غنما فأصاب سعد بن أبي وقاص تيسا فذبحه» وسيأتي مزيد نقاش لحديث الحاكم.
د - إن القول: بأن مسألة ذبح هدي التمتع والقران قبل يوم النحر من الأمور التي تتوافر الهمم والدواعي على نقلها لو كان فيها نص بالجواز يمكن نقاشه بأن الهمم والدواعي تتوافر أيضا على نقل ما فيها من نصوص تقتضي المنع لو كانت هناك نصوص في ذلك وحيث لم ينقل عن النبي ﷺ نص صريح في منع ذلك وتعيين البدء بيوم النحر حتى يمكن أن يكون مخصصا لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢)، تعين الأخذ بعموم الآية مع ما هناك من أدلة أخرى تسند الجواز فمتى دخل الحاج في معنى التمتع وجب عليه الهدي واستقر في ذمته حتى يؤديه كاستقرار الكفارات في ذمة مستوجبها وكوجوب الدماء في ذمة من استوجبها.
* * *
الحادية عشر جاء في الصفحة الخامسة عشر من البحث الاستدلال للقائلين بجواز تقديم الذبح قبل يوم النحر بما ذكره الشيرازي ولو أضيف إليه ما ذكره الشافعي في الأم وابن قدامة في المغني وابن رجب في قواعده مما تقدم لنا ذكره في الملاحظة الخامسة لكان ذلك من إيفاء البحث حقه ومع ذلك فإن مناقشته بأنه دليل اجتهادي في مقابل نص قد تقدم ردها بالمطالبة بالنص الصريح الثابت من كتاب أو سنة أو قول صحابي في تحديد بدء وقت ذبح هدي التمتع والقران بيوم النحر.
* * *
стр. 1982
جاء في الصفحة السادسة عشرة من البحث مناقشة الاستدلال بآية ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١) في أن التمتع يحصل بأول جزء من الحج وهو الإحرام إلى آخره من أن التمتع قد لا يتحقق بإحرام الحج لاحتمال فوات الوقوف بعرفة ويمكن نقاش ذلك بأن هذا لا يمنع من لم يجد هديا أن يعدل إلى بدله وهو الصوم مع احتمال عدم التمكن من إكمال التمتع فإذا جاز ذلك في البدل جاز في المبدل عنه.
* * *
الثانية عشر: جاء في الصفحة السابعة عشرة من البحث مناقشة الاستدلال بحديث الحاكم بما رواه الإمام أحمد في مسنده عن طريق عكرمة مولى ابن عباس وفيه «أن النبي ﷺ قسم يومئذ غنما يوم النحر في أصحابه وقال: " اذبحوها لعمرتكم فإنها تجزئ (٢)» إلى آخره من أن رواية الإمام أحمد مفسرة لرواية الحاكم.
ويمكن مناقشة ذلك بما يلي:
إن الروايتين لا يصلح أن تكون إحداهما مفسرة للأخرى لانتفاء الإجمال في رواية الحاكم فإنها صريحة في «أن النبي ﷺ قسم الغنم في أصحابه بعد الإحلال من العمرة وقبل الوقوف بعرفة» كما يتضح ذلك من سياق الحديث الذي لم تذكره اللجنة بتمامه وتأسيسا عليه في النقاش فإنه يتعين ذكر نصه بتمامه، روى الحاكم في مستدركه قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى بن إبراهيم ثنا حمد بن النضر بن عبد الوهاب ثنا يحيى بن أيوب ثنا وهب بن جرير ثنا أبي عن محمد بن إسحاق ثنا ابن أبي نجيح عن مجاهد وعطاء عن جابر بن عبد الله قال: كثرت القالة من الناس فخرجنا حجاجا حتى لم يكن بيننا وبين أن نحل إلا ليال قلائل أمرنا بالإحلال فيروح أحدنا إلى عرفة وفرجه يقطر منيا فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقام خطيبا فقال: «أبالله تعلموني أيها الناس فأنا والله أعلمكم بالله وأتقاكم له ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت هديا ولحللت كما أحلوا فمن لم يكن معه هدي فليصم ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع إلى أهله ومن وجد هديا فلينحر (٣)»، فكنا ننحر الجزور عن سبعة قال عطاء: قال ابن عباس ﵄: «إن رسول الله ﷺ قسم يومئذ في أصحابه غنما فأصاب سعد بن أبي وقاص تيسا فذبحه عن نفسه فلما وقف رسول الله ﷺ بعرفة أمر ربيعة بن أمية بن خلف فقام تحت يدي ناقته فقال له النبي ﷺ : " اصرخ أيها الناس هل تدرون أي شهر هذا؟» إلى آخر الحديث ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه وأقره الذهبي على تصحيحه.
стр. 1983
فقوله ﷺ «أبالله تعلموني أيها الناس» إلى قوله: ومن وجد هديا فلينحر صريح في الأمر بالنحر في ذلك الوقت الذي ألقى فيه كلمته التوجيهية وقول جابر: «فكنا ننحر الجزور عن سبعة (١)» صريح في الامتثال لأمره ﷺ يومئذ وقول ابن عباس «إن رسول الله ﷺ قسم يومئذ غنما فأصاب سعد بن أبي وقاص تيس فذبحه عن نفسه (٢)» بين أن ذلك هو زمن أمره ﷺ أصحابه بالتحلل من الحج وفسخه إلى عمرة ويؤيد ذلك روايتا مسلم وأحمد عن أبي الزبير عن جابر «فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم (٣)».
ورواية عكرمة عن ابن عباس صريحة في أن الغنم التي قسمها ﷺ في أصحابه سعد كان يوم النحر.
وبذلك يتضح التعارض بين الروايتين ويتعين المصير إلى الترجيح وعليه فيمكننا ترجيح رواية الحاكم على رواية الإمام أحمد بالأمور الآتية:
أ - إن رواية الحاكم فيها قصة ورجال الحديث وحفاظه متفقون على أن القصة في الحديث من أدلة حفظه قال ابن القيم ﵀ في معرض توجيهه: القول بالأخذ بحديث عائشة في إنكارها على زيد بن أرقم بيعه بالعينة قال: وأيضا فإن في الحديث قصة وعند الحفاظ إذا كان فيه قصة دلهم على أنه محفوظ (٤).
ب - إن دلالة رواية الحاكم على أن سعد بن أبي وقاص ذبح تيسه بعد إحلاله من العمرة مؤيد برواية مسلم وأحمد عن جابر «فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم (٥)» قال أبو الزبير راوي الحديث عن جابر: ويعني بقوله: حين أمرهم يعني إحلال الفسخ الذي أمرهم به في حجة الوداع اهـ.
ت - إن رجال رواية الحاكم ثقات وعلى شرط مسلم كما ذكر ذلك الحاكم وأقره الذهبي وفيهم عطاء أفقه الناس في المناسك ومن أكثرهم علما وورعا وتقى وقد روى صدرها عن جابر عطاء ومجاهد وروى عجزها عن ابن عباس عطاء.
ث - إن رواية الحاكم مؤيدة بما روى الطبراني عند الهيثمي في مجمع الزوائد في باب الخطب في الحج حيث قال: وعن ابن عباس «أن رسول الله ﷺ قسم يومئذ في أصحابه غنما فأصاب سعد بن أبي وقاص تيس فذبحه فلما وقف رسول الله ﷺ بعرفة أمر ربيعة بن أمية بن خلف فقام تحت يدي ناقته وكان رجلا صيتا فقال: " اصرخ أيها الناس: أتدرون أي شهر هذا (٦)»؟ " إلى
стр. 1984
آخره - قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات (١).، فقد رتب رواية وقوفه ﷺ بعرفة وخطبته في الناس على رواية تقسيمه ﷺ الغنم في أصحابه وإصابة سعد بن أبي وقاص تيسا منها وذبحه كما هو الحال في رواية الحاكم.
ج - إن رواية الإمام أحمد التي فيها قسم غنما يوم النحر في أصحابه من طريق عكرمة مولى ابن عباس ولا يخفى ما لعطاء على عكرمة من الفضل والتقديم والثقة فإن عكرمة وإن اعتبره بعض أهل العلم فيكفينا لرد الاحتجاج بروايته إذا عارضت رواية رجال ثقات أمثال عطاء وغيره ممن اعتبرهم أهل العلم ووثقوهم يكفينا لذلك ما ذكره الحافظ الذهبي في كتابه ميزان الاعتدال حيث قال عن عكرمة ما يلي:
قال محمد بن سيرين: ما يسوءني أن يكون من أهل الجنة ولكنه كذاب وقال ابن المسيب لمولاه برد: لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس، وقال وهيب: شهدت يحيى بن سعيد الأنصاري ذكر عكرمة فقال: كذاب، وروى جرير عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث قال: دخلت على علي بن عبد الله فإذا عكرمة في وثاق عند باب الحش فقلت له ألا تتقي الله، فقال: إن هذا الخبيث يكذب على أبي، وقال ابن أبي ذئب: رأيت عكرمة وكان غير ثقة، وقال مطرف بن عبد الله: سمعت مالكا يكره أن يذكر عكرمة ولا رأى أن يروى عنه، قال أحمد بن حنبل: ما علمت أن مالكا حدث بشيء لعكرمة إلا في الرجل يطأ امرأته قبل الزيارة، رواه عن ثور عن عكرمة، وقال محمد بن سعد كان عكرمة كثير الحديث والعلم بحرا من البحور وليس يحتج بحديثه ويتكلم الناس فيه وقال خالد بن خداش: شهدت حماد بن زيد في آخر يوم مات فيه فقال: أحدثكم بحديث لم أحدث به قط لأني أكره أن ألقى الله ولم أحدث به سمعت أيوب يحدث عن عكرمة أنه قال: إنما أنزل الله متشابه القرآن ليضل به، قلت: القائل الحافظ الذهبي ما أسوأها عبارة وأخبثها بل أنزله ليهدي به وليضل به الفاسقين، وقال قطر بن خليفة: قلت لعطاء: إن عكرمة يقول: قال ابن عباس سبق الكتاب الخفين فقال: كذب عكرمة سمعت ابن عباس يقول: لا بأس بمسح الخفين وإن دخلت الغائط، قال عطاء: والله إن كان بعضهم ليرى أن المسح على القدمين يجزئ وثبت عن أحمد بن حنبل أنه قال في عكرمة: كان يرى رأي الصفرية وقال ابن المديني: كان يرى رأي نجدة الحروري، وقال عطاء: كان إباضيا وقال مصعب الزبيري: كان عكرمة يرى رأي الخوارج، وقال يحيى بن بكير: قدم عكرمة مصر وهو يريد المغرب قال: فالخوارج الذين هم بالمغرب عنه أخذوا إلى آخر ما ذكره (٢).
وما في رواية عكرمة من الإشكال في قوله «اذبحوها لعمرتكم فإنها تجزئ (٣)» إذ ليس على العمرة دم والتمتع والقران لا يسمى أحدهما عمرة فما نوع هذه العمرة المستوجبة للدم؟ ثم إن التعبير بلفظ: فإنها تجزئ تعبير رديء ركيك ساذج ينزه الأسلوب النبوي عن مستواه إنه يشبه من يقدم لشخص
стр. 1985
جائع طعاما ثم يقول له كله فإنه يرفع الجوع ويدفعه اللهم إلا أن يكون الغرض من ذلك أنه قسم غنما رديئة لا يجزئ مثلها هديا فاعتبر لها حكما خاصا في الإجزاء كعناق خال البراء بن عازب وهذا مما لا نستطيع اعتباره والقول به فمقام رسول الله ﷺ أرفع وأعلى من أن يرتضي لربه نسائك رديئة يتقرب بها إليه وقد تقرب ﷺ لربه بهدي جزل بلغ مائة بدنة.
* * *
الثالثة عشرة: جاء في الصفحة السابعة عشرة من البحث مناقشة ما ذكره الشيرازي من الأمر المعنوي في جواز الذبح قبل يوم النحر بأمور ثلاثة يمكن نقاش أحدها بنفي وجود النص الصريح المقتضي منع ذبح هدي التمتع والقران قبل يوم النحر حتى يقال بمصادمته للاجتهاد فضلا عن أن القول بالجواز مؤيد بالكتاب والسنة وعمل الصحابة وقد مر بسط ذلك مما يغني عن إعادته، كما يمكن نقاش الأمر الثاني بما ذكره في الملاحظة الثانية ويمكن نقاش الأمر الثالث بأن ما يذكره ابن القيم ﵀ أو غيره من أهل العلم لا يكون حجة حتى يستند قوله على ما يؤيده من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس صحيح أما إذا كان قوله مجرد رأي فإنه رجل وغيره رجال.
الرابعة عشرة: جاء في الصفحة الثامنة عشرة من البحث نفي الفرق بين الأضحية والهدي في الوقت ويمكن نقاش ذلك بأنه قياس مع الفارق فالأضحية عبادة مستقلة جاء النص الصريح بتحديد بدء وقت جواز ذبحها وكاد الإجماع ينعقد على تحديد نهاية الوقت بنهاية اليوم الثاني أو الثالث من أيام التشريق على خلاف بين أهل العلم أما الهدي الواجب للتمتع أو القران فليس عبادة مستقلة وإنما هو جزء من أعمال الحج لم يرد نص صريح من كتاب أو سنة بتحديد انتهاء وقته وقد جاء النص بوجوبه عند حصول التمتع قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١)، فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فقد وجب عليه واستقر في ذمته حتى يؤديه قال ابن حزم ﵀ بعد أن ذكر أن هدي التمتع يجب بالإحرام بالحج بعد التحلل من العمرة قال ما نصه: وأما ذبحه ونحره بعد ذلك فلأن هذا الهدي قد بين الله تعالى أول وقت وجوبه ولم يحدد آخر وقت وجوبه بحد وما كان هكذا فهو دين باق أبدا حتى يؤدى والأمر به ثابت حتى يؤدى، ومن خصه بوقت محدود فقد قال على الله تعالى ما لم يقله وهذا عظيم جدا اهـ (٢).
وقد رد بعض أهل العلم قياس هدي التمتع والقران على الأضحية أو هدي التطوع، فقال ابن مفلح: وقاسوه على الأضحية والهدي وهي دعوى اهـ (٣).
стр. 1986
وقال النووي: ويخالف الأضحية؛ لأنه منصوص على وقتها اهـ " (١).
* * *
الخامسة عشرة: جاء في الصفحة الثامنة عشر الاحتجاج على تحديد وقت انتهاء الذبح باليوم الثاني من أيام التشريق بالإجماع بما ذكره الجصاص عن بعض الصحابة وأنه لا يجوز لمن بعدهم مخالفتهم ويمكن نقاش ذلك بأمرين: أحدهما أن المقصود بالذبح ذبح هدي التطوع والأضاحي لا ذبح هدي المتعة والقران لورود النص فيهما دون هدي المتعة والقران ولاختلافه عنهما، الثاني استبعاد أن الجصاص يقصد بقوله: أنه لا يجوز لمن بعدهم مخالفتهم انعقاد الإجماع على ذلك وعلى فرض أنه يقصد الإجماع فإن النقل عن بعض الصحابة في حكم مسألة لا يعني إجماع كل الصحابة على القول به حتى يرد النص بنفي الخلاف بينهم فيها ما لم تكن مبنية على نص صريح ثابت من كتاب أو سنة.
* * *
السادسة عشرة: جاء في الصفحة الثانية من البحث نقول عن الرملي والفتوحي من الشافعية بأن وقت ذبح الهدي محدد بوقت ذبح الأضحية على الصحيح، وصحح ذلك النووي والرافعي ويمكن نقاش ذلك بأن مقصود الرملي والنووي والرافعي بالهدي هو هدي التطوع وفيما يلي بعض النصوص في بيان ذلك.
قال النووي: فرع في وقت ذبح الأضحية والهدي المتطوع بهما والنذور فيدخل وقتهما إذا مضى قدر صلاة العيد وخطبتين معتدلتين بعد طلوع الشمس يوم النحر سواء صلى الإمام أو لم يصل وسواء صلى المضحي أو لم يصل ويبقى إلى غروب الشمس من آخر أيام التشريق ويجوز في الليل لكنه مكروه إلى أن قال: وأما الدماء الواجبة في الحج بسبب التمتع أو القران أو اللبس أو غير ذلك من فعل محظور أو ترك مأمور فوقتها من حين وجوبها بوجود سببها ولا تختص بيوم النحر ولا غيره اهـ " (٢).
وقال في موضع آخر: ووقت وجوب دم التمتع إذا أحرم بالحج فإذا وجب جازت إراقته ولم يتوقت بوقت كسائر دماء الجبرانات اهـ " (٣). وقال الشربيني على قول النووي وسيأتي في آخر الباب محرمات الإحرام على الصواب ما نصه:
стр. 1987
ووقته وقت الأضحية على الصحيح هذا بناه المصنف على ما فهمه من أن مراد الرافعي بالهدي هنا المساق تقربا إلى الله تعالى، فاعترضه هنا وفي الروضة والمجموع، واعترض الأسنوي المصنف بأن الهدي يطلق على دم الجبرانات والمحظورات، وهذا لا يختص بزمان، وهو المراد هنا، وفي قوله: أولا ثم يذبح من معه هدي، وعلى ما يساق تقربا إلى الله وهذا هو المختص بوقت الأضحية على الصحيح، وهو المذكور في آخر باب محرمات الإحرام فلم يتوارد الكلامان على محل واحد حتى يعد ذلك تناقضا. وقد أوضح الرافعي ذلك في باب الهدي من الشرح الكبير فذكر أن الهدي يقع على الكل وأن الممنوع فعله في غير وقت الأضحية هو ما يسوقه المحرم لكنه لم يفصح في المحرر عن المراد كما أفصح عنه في الكبير فظن المصنف - هو النووي - أن المسألة واحدة فاستدرك عليه وكيف يجيء الاستدراك مع تصريح الرافعي هناك بما يبين المراد. اهـ (١).
وبهذا يتضح أن النووي والرافعي والرملي يقصدون بتوقيت ذبح الهدي بوقت الأضحية ما يساق هديا تقربا إلى الله تعالى على سبيل التطوع أو النذر، أما هدي المتعة والقران فنصوصهم صريحة متضافرة على جواز ذبحها بعد وجوبها.
هذا ما تيسر إيراده، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. . .
* * *
دكتور محمد بن أحمد الصالح
أستاذ الفقه بكلية العلوم الشرعية
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التسعير
في
نظر الشريعة الإسلامية
стр. 1990
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
التسعير (١)
الحمد لله نور السماوات والأرض، يهب الحكمة لمن يشاء من عباده، فيصيب بها من يشاء، ويصرفها عمن يشاء، وهو أعلم حيث يجعل رسالته.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد مشكاة الهدى، ومنارة العارفين، ورائد المفكرين إلى رحاب المعرفة واليقين برب العالمين، وعلى آله وصحبه والداعين بهديه إلى يوم الدين.
وبعد. . .
تقوم أحكام الشريعة الإسلامية على رعاية مصلحة الفرد والجماعة، وذلك بتشريع كل ما فيه منفعة وخير لهم في العاجل والآجل، ومنع كل ما فيه ضرر وشر عنهم في الدنيا والآخرة، ليحقق لهم بذلك السعادة في الدارين.
ولا تقف رعاية هذه المصلحة عند نوع معين من التشريعات، بل تمتد فتشمل أحكام العبادات، والمعاملات والعقوبات، والأحوال الشخصية، والعلاقات الدولية، وغيرها من أحكام تنظم علاقة الفرد بربه وبغيره في سائر مجالات الحياة، فإن هذه الأحكام هدفها وغايتها تحقيق مصلحة الفرد وإسعاده في الدنيا والآخرة.
стр. 1991
وتقوم أحكام المعاملات في هذه الشريعة على أساس حرية التعامل في البيع والشراء والأخذ والعطاء، وسائر العقود والتصرفات، ما دام التعامل جاريا بين الناس على وفق ما جاءت به الشريعة من أحكام وقواعد ونظم.
وبناء على هذا المبدأ منعت الشريعة الدولة _ ممثلة في ولي الأمر وأعوانه _ من القيام بكبت هذه الحرية وتعطيلها، أو تقييدها والحد منها، ما دام التعامل جاريا على الوجه الذي أشرنا إليه آنفا.
ولكن إذا أسيء استخدام هذه الحرية، وتعسف الناس في استعمال حقوقهم، لتحقيق المصالح الذاتية لهم، فخرجت بذلك تصرفاتهم ومعاملاتهم عن السنن المشروع فأضرت بالناس، أو استغلت حاجتهم، فأرهقتهم وأثقلت عليهم حياتهم، فإن الشريعة تبيح للدولة حينئذ أن تتدخل في هذه الحالة، لحمل الناس على الجادة المستقيمة في تصرفاتهم ومعاملاتهم، وإلزامهم بالعودة إلى الطريق المشروع الذي لا يضر بأحد، أو يستغل حاجة أحد، أو يعنت أحدا، وذلك لأن الشريعة التي قامت على رعاية المصالح وحرية التعامل لا تسمح لمصلحة فرد أو طائفة أن تطغى - في ضوء هذه الحرية - على مصلحة الجماعة فتعطلها، أو تنقص منها، أو تقلل من شأنها، وذلك تغليبا لمصلحة الجماعة على مصلحة الفرد وترجيحا للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
ومن الأمثلة الحية على ذلك موقف الشريعة من تسعير السلع والبضائع على التجار، فإن التجار إذا تغالوا في البيع فباعوا بأزيد من القيمة الحقيقية لهذه السلع، وتواطؤوا على ذلك، أو احتكروا السلع والبضائع وحبسوها عن الناس، ليحملوهم على الشراء بالسعر الذي يريدونه، فإن الشريعة توجب على ولي الأمر أن يتدخل للحد من حرية هؤلاء التجار، فيقوم بالتسعير العدل الذي لا وكس فيه ولا شطط على أحد من الناس وذلك رفعا للضرر عن جمهور الأمة.
وفي هذا البحث نعالج الموضوع في خمسة فصول على وجه يتضح منه موقف الشريعة الرائع الذي يحقق مصلحة الأمة، بائعين ومشترين، تجارا ومستهلكين.
ففي الفصل الأول من هذا المبحث نبين معنى التسعير وحكمه، فنذكر آراء الفقهاء وأدلتهم والراجح من هذه الآراء، ثم نتبع ذلك برأي شيخ الإسلام ابن تيمية في التسعير.
وفي الفصل الثاني نبين آراء الفقهاء وأدلتهم والراجح منها في أجور العقارات وأجور الأشخاص ذوي الحرف والصناعات، متبعين ذلك برأي شيخ الإسلام ابن تيمية في تسعير هذه الأجور.
وفي الفصل الثالث نبين حكم البيع بأنقص من سعر السوق، فنبين آراء الفقهاء وأدلتهم في ذلك وما نراه راجحا من هذه الآراء.
وفي الفصل الرابع نتناول بالبحث ما يراه الفقهاء من تنظيمات يجب على ولي الأمر اتباعها عند قيامه
стр. 1992
بالتسعير، فنتكلم عن الحالات التي يجب فيها التسعير، وعن ضرورة الاستعانة بأهل الخبرة في التسعير، وعن مراقبة ولي الأمر للأسعار والأسواق بصفة مستمرة.
وفي الفصل الخامس نبين ما يراه الفقهاء من تعزير من يخالف تسعير ولي الأمر بالعقوبة الرادعة، مع بيان العقوبة التعزيرية المقررة في نظام المملكة العربية السعودية.
ثم نختم الموضوع بكلمة موجزة عما انتهى إليه البحث من نتائج.
ونسأل الله تعالى التوفيق والسداد.
* * *
د. محمد بن أحمد الصالح
стр. 1993
الفصل الأول
معنى التسعير وحكمه
يشتمل هذا الفصل على ثلاثة مباحث
١ - تعريف التسعير
٢ - حكم التسعير
٣ - رأي شيخ الإسلام ابن تيمية في التسعير
المبحث الأول
تعريف التسعير
المعنى اللغوي للتسعير
هو: الذي يقوم عليه الثمن، وجمعه: أسعار.
يقال: " أسعروا وسعروا " إذا اتفقوا على سعر معين.
ويقال: " ساعره مساعرة " إذا ساومه على سعر بعينه.
ويقال: " له سعر ": إذا زادت قيمته و " وليس له سعر ": إذا أفرط رخصه.
والسعر المحدود: هو الذي لا يقبل المساومة.
وسعر السوق: هو الحالة التي يمكن أن تشترى بها الوحدة أو ما شابهها في وقت ما.
وسعر الصرف: هو سعر السوق بالنسبة لنقود الأمم.
* * *
стр. 1994
المعنى الاصطلاحي للتسعير
هو إلزام ولي الأمر - أو من يقوم مقامه - الناس بثمن معين لا يتبايعون إلا به فيمنعون من الزيادة عليه أو النقص عنه عند الضرورة في الطعام وغيره مما يحتاج الناس إليه بحيث يراعي حق الطرفين بالعدل للمصلحة العامة.
فالتسعير في حاضرنا اليوم يعني تدخل الدولة ممثلة في وزارة التجارة أو الغرفة التجارية أو أي هيئة أخرى مختصة في وضع أسعار محددة لسلع معينة أو لكل السلع تكون ملزمة للتجار ليس لهم تجاوزها، وإلا كانوا عرضة للعقاب.
* * *
стр. 1995
المبحث الثاني
حكم التسعير
للعلماء في حكم التسعير عدة آراء منها:
القول بالمنع مطلقا، وإلى هذا ذهب بعض الشافعية والحنابلة ورواية عن الإمام مالك.
القول بجواز التسعير فيما عدا قوت الآدمي والبهيمة وإليه ذهب متأخرو الزيدية.
القول بجواز التسعير عند إغلاء التجار الأسعار، وإليه ذهب الحنفية ورواية أخرى عن مالك، وفيما يلي بيان هذه المذاهب بشيء من التفصيل وأدلة أصحاب كل مذهب ومناقشتها.
* * *
الرأي الأول
عدم جواز التسعير مطلقا
стр. 1996
وقد اعتمد أصحاب هذا الرأي على أدلة بعضها من الكتاب والسنة وبعضها من العقل والمنطق.
أولا: دليلهم من الكتاب:
قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١).
ووجه الدلالة من هذه الآية أنها تفيد إطلاق الحرية للبائع، والتسعير حجر عليه وإلزام له بصفة معينة في البيع؛ إذ قد لا يكون راضيا به فيكون كالأكل بالباطل الذي نهت الآية الكريمة عنه.
* * *
المناقشة: نوقش هذا الدليل بأن التسعير لا يخالف هذه الآية الكريمة؛ لأن التسعير ما هو إلا إلزام للتجار ببيع السلعة بسعر المثل الذي يراعى عند تحديده مصلحة البائع والمشتري، وعلى هذا فلا يكون فيه أكل لأموال الناس بالباطل، بل على العكس من ذلك نجد أن ترك الحرية المطلقة للتجار ليبيعوا بأزيد من القيمة الحقيقية للسلعة مستغلين في ذلك حاجة الناس لها هو بعينه أكل أموال الناس بالباطل.
فالتسعير العادل الذي أذنت فيه الشريعة ليس فيه أكل المشتري مال التاجر بغير حق؛ لأن السعر يراعى فيه القيمة الحقيقية للسلعة مع إضافة كسب معقول للتاجر.
ويعتبر إجبار التاجر على البيع في هذه الحالة إكراها بحق، ويكون من جنس إكراه المدين على بيع ماله لوفاء دينه.
فإن قيل: وما وجه الحق في إجبار البائع على البيع بسعر محدد؟
قلنا: إن إرخاء الأسعار للمسلمين عامة ومنع الإجحاف بهم واستغلالهم من أهم الحقوق.
* * *
стр. 1997
ثانيا: دليلهم من السنة
١ - ما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: «غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله لو سعرت؟ فقال: إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال (١)» رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي.
٢ - ما روي عن أبي هريرة عند أحمد وأبي داود قال: «جاء رجل فقال: يا رسول الله سعر. فقال: " بل أدعو الله ". ثم جاء رجل آخر فقال: يا رسول الله سعر. فقال: " بل الله يخفض ويرفع (٢)».
ووجه الدلالة من هذين الحديثين: أنهما يدلان على تحريم التسعير، ويتضح ذلك من وجهين:
أولهما أن الرسول ﷺ امتنع عن التسعير مع أن الصحابة طلبوا منه ذلك وتكرر الطلب منهم ومع ذلك لم يسعر، فلو كان التسعير جائزا لأجابهم إلى طلبهم. وعلى هذا يكون التسعير غير جائز.
ثانيهما: أن الرسول ﷺ علل امتناعه عن التسعير بأنه ظلم، والظلم حرام. وعلى هذا يكون التسعير حراما.
стр. 1998
المناقشة نوقش هذان الدليلان بأنهما لا يدلان على تحريم التسعير مطلقا؛ لأن امتناع الرسول ﷺ عن التسعير محمول على حالة خاصة وهي أن التجار في ذلك الوقت كانوا أهل تقوى وصلاح، وكانوا يبيعون بأسعار مناسبة، والغلاء في ذلك الوقت لم يكن يرجع إلى جشع التجار وإنما كان ناتجا عن قلة السلع المعروضة وكثرة الطلب عليها.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الرسول ﷺ لم ينه عن التسعير صراحة فلم يقل: لا يجوز التسعير أو التسعير حرام أو نحوا من ذلك، ولكن كل ما جاء في الحديثين أنه لم يسعر لأنه لم تكن هناك حاجة إليه.
وعلى هذا فليس في الحديثين ما يدل على عدم جواز التسعير في حالة جشع التجار وتجاوزهم الحد المعقول بالبيع بأكثر من قيمة المثل.
وفي الرد على من استدل بهذين الحديثين قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ومن منع التسعير مطلقا محتجا بقول النبي ﷺ : «إن الله هو المسعر القابض الباسط (١)» الحديث، فقد غلط فإن هذه قضية معينة وليست لفظا عاما، وليس فيها أن أحدا امتنع من بيع يجب عليه أو عمل يجب عليه، أو طلب في ذلك أكثر من عوض المثل. ومعلوم أن الشيء إذا قل رغب الناس في المزايدة فيه. فإذا كان صاحبه قد بذله كما جرت به العادة ولكن الناس تزايدوا فيه فهنا لا يسعر عليهم. . . "
ورد الإمام ابن القيم ﵀ على من استدل بهذين الحديثين في منع التسعير، بمثل ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية.
* * *
стр. 1999
ثالثا: حادثة عمر مع حاطب
فقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ مر بحاطب بن أبي بلتعة بسوق المصلى وبين يديه غرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعرهما.
فقال له: مدان لكل درهم.
فقال له عمر: قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيبا وهم يغترون بسعرك، فإما أن ترفع في السعر وإما أن تدخل زبيبك في بيتك فتبيعه كيف شئت.
فلما رجع عمر حاسب نفسه ثم أتى حاطبا في داره فقال له: إن الذي قلت لك ليس بعزمة مني ولا قضاء وإنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فبع وكيف شئت فبع.
ووجه الدلالة من هذه القصة أن عمر بن الخطاب ﵁ رجع عن التسعير والإلزام به بعد ما رأى أنه أخطأ، واعترف بأنه ما قاله لحاطب بالسوق إنما كان اجتهادا منه. فدل ذلك على أن التسعير غير جائز.
المناقشة
نوقش هذا الدليل بأن هذه القصة رويت عن صحابي، وقول الصحابي لا يستقيم للحجية إلا إذا كان مستندا على نص من كتاب أو سنة أما إذا اعتمد على الرأي المجرد فلا يكون حجة، وإذا افترضنا أنه حجة فقد جاء للخليفة في هذه القصة رأيان:
الأول: الأخذ بالتسعير، والثاني: الرجوع عنه، وهو ما أخذ به أصحاب هذا المذهب واستندوا إليه في القول بعدم جواز التسعير.
ونقول لهم بأن هذه القصة جاءت في قضية خاصة وهي البيع بأقل من سعر السوق، والراجح أنه لا يجوز التسعير في هذه الحالة لما فيه من المصلحة لعامة الناس بالبيع بسعر رخيص.
على أن المحتجين بقضية حاطب لم يأخذوا بما صح عن عمر ﵁ في قضايا كثيرة حيث خالفوه في إجبار بني العم على النفقة على ابن عمهم، وعتق كل ذي رحم محرم إذا ملك، وغير ذلك.
على أن هذا الأثر لا يصح عن عمر من رواية سعيد بن المسيب؛ لأنه لم يسمع من عمر إلا نعيه النعمان بن مقرن فقط.
стр. 2000
وإنما الذي روى عن عمر -على فرض صحته - هو بخلاف ما ذهبوا إليه؛ لأن عمر أراد بقوله: " إما تزيد في السعر " أي أن تبيع من المكاييل أكثر مما تبيع بهذا الثمن، حيث جاء من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب.
قال: " وجد عمر حاطب بن أبي بلتعة يبيع الزبيب بالمدينة.
فقال: كيف تبيع يا حاطب؟
قال: مدين.
فقال عمر: تبتاعون بأبوابنا وأفنيتنا وأسواقنا، وتقطعون في رقابنا، ثم تبيعون كيف شئتم، بع صاعا وإلا فلا تبع في أسواقنا، وإلا ف
سيبوا في الأرض ثم أجلبوا ثم بيعوا كيف شئتم ".
فهذا هو أثر عمر مع حاطب في الزبيب كما يجب أن يظن بعمر.
فإن قالوا: إن في هذا ضررا على أهل السوق.
قلنا: هذا باطل. بل في قولكم أنتم الضرر على أهل البلد كلهم، وعلى المساكين، وعلى هذا المحسن إلى الناس، ولا ضرر في ذلك على أهل السوق؛ لأنهم إن شاءوا أن يرخصوا كما فعل هذا فليفعلوا، وإلا فهم أملك بأموالهم كما هذا أملك بماله.
وخلاصة القول: أنه ليس في قصة عمر بن الخطاب مع حاطب بن أبي بلتعة دليل على منع التسعير.
رابعا: الأدلة العقلية
وقد أراد أصحاب هذا المذهب تأييد ما ذهبوا إليه - من القول بمنع التسعير - بأدلة من العقل والمنطق منها:
١ - قالوا إن الناس مسلطون على أموالهم والتسعير حجر عليهم، والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن.