← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

المبحث الثاني الاستعانة بأهل الخبرة في التسعير حتى يتمكن ولي الأمر من تحديد سعر مناسب لا يكون فيه ظلم لأحد الطرفين - البائع والمشتري - لا بد أن يستعين في ذلك بأهل السوق من التجار، وبأهل الخبرة في هذا الشأن كرجال الاقتصاد. فليس لولي الأمر أن يفرض على التجار سعرا لا يرضونه، كأن يأمرهم بالبيع بأقل مما اشتروا به أو بمثله، وكذلك ليس من حقه أن يعطي التجار أرباحا هائلة على حساب المشترين، بل عليه أن يجمع التجار ويعرف مقدار ما يشترون به، ويستعين بأهل الخبرة في تقدير الربح المناسب للتجار والمشترين. وفي هذا الشأن يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ". . . وأما صفة ذلك عند من جوزه فقال ابن حبيب: ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء - المراد تسعيره - ويحضر غيرهم استظهارا على صدقهم فيسألهم: كيف يشترون؟ وكيف يبيعون؟ فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد حتى يرضوا، ولا يجبرون على التسعير ولكن عن رضا. ونقل عن أبي قوله: ووجه ذلك أنه بهذا يتوصل إلى معرفة مصالح الباعة والمشترين، ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم ولا يكون فيه إجحاف بالناس، وإذا سعر عليهم من غير رضا بما لا ربح لهم فيه أدى ذلك إلى فساد الأسعار وإخفاء الأقوات وإتلاف أموال الناس ". وليس المقصود بالرضا من جانب البائعين أن يكون السعر موافقا لهواهم محققا لمصلحتهم الشخصية، ولكن المقصود هو أن يكون السعر عادلا وغير مجحف بالبائعين، أي يتحقق لهم فيه ربح معقول.

стр. 2032

واشتراط أن يكون السعر عادلا في التسعير الإسلامي أمر لا بد منه؛ لأن التسعير ما جعل إلا رفعا للظلم فلا يسوغ أن يكون هو في ذاته ظلما. وانتفاء صفة العدل عن التسعير يدعو إلى التهرب منه ومخالفته، وقد يؤدي إلى توقف التجار عن الاتجار في السلعة التي لا يتحقق لهم في سعرها ربح معقول. وهذا ما توقعه أشهب فيما رواه عن الإمام مالك في صاحب السوق يسعر على الجزارين. . . لحم الضأن بكذا، ولحم الإبل بكذا وإلا خرجوا من السوق، قال: " وإذا سعر عليهم قدر ما يرى من شرائهم فلا بأس بهم، ولكن أخاف أن يقوموا من السوق ". فكل سعر يحدد جزافا بدون مناقشة أصحاب السلعة للوقوف على كيفية شرائها وتكاليف نقلها إلى غير ذلك، يؤدي إلى تنفير البائعين من التجارة وإشعارهم بالظلم، والإسلام دين عدل ومساواة لا يهضم حق أحد ولا يرضى بأن يهضم أحد. * * *

стр. 2033

المبحث الثالث مراقبة الأسعار إن التسعير كضرورة تقتضيها المصلحة العامة لا يحقق الهدف المنشود منه، وهو رعاية مصالح الناس ومنع الاستغلال والاحتكار، إلا إذا صاحبه مراقبة دقيقة من قبل ولي الأمر لمنع التجار من التلاعب بالأسعار. فمهمة ولي الأمر لا تقف عند تحديد الأسعار، بل تتعداه إلى مراقبة الأسعار وتفقد الأسواق بصفة دائمة حتى يطمئن إلى أن البيع والشراء يتم وفقا لما حدده لهم. والذي يمثل ولي الأمر في القيام بمهمة مراقبة الأسواق إنما هو المحتسب المختص بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا شك أن مخالفة التسعير والغلو في الأسعار من المنكرات التي يناط بالمحتسب إنكارها والنهي عنها والعقاب عليها. ورقابة الأسعار والإشراف على الأسواق من أهم واجبات المحتسب، فهو ينظر في مراعاة أحكام الشرع. ويشرف على نظام السوق، ويكشف على الموازين والمكاييل منعا للغش والتطفيف. ومما لا شك فيه أن النفوس البشرية مجبولة على الطمع والجشع في كل زمان ومكان، فإذا ترك لها الزمام دون رقابة أو تفتيش لم تقم وزنا للأنظمة والقوانين. ولهذا فقد اهتمت حكومتنا الرشيدة بهذا الأمر وأولته ما يستحق من عناية فأصدرت بشأنه القرارات التي تنظمه، ونخص بالذكر منها قرار مجلس الوزراء رقم ٦٨٠ الصادر في ١٥/ ٥ / ١٣٩٧هـ والذي ينص على ما يأتي: " يعهد إلى كل من سمو وزير الداخلية ومعالي وزير التجارة باتخاذ الإجراءات المشددة لمراقبة الأسعار في الأسواق والحيلولة دون حدوث أي زيادة في الأسعار والضرب على أيدي العابثين بها بشدة رادعة ".

стр. 2034

الفصل الخامس عقوبة مخالفة التسعير لما كان ولي الأمر معنيا برعاية مصالح الناس والنظر فيما تستقيم به شئون حياتهم من تحديد أسعار ومراقبة الأسواق، وكان عليه أيضا تقرير عقوبة رادعة للمخالف الذي لا يمتثل للأوامر؛ إذ إن طاعة ولي الأمر واجبة فقد قال الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) ومخالفة ولي الأمر تعتبر معصية تستوجب العقوبة. والمعاصي تنقسم بالنسبة للعقوبات إلى قسمين: ا - قسم فيه عقوبة محددة كالحدود والقصاص والديات والكفارات. ب - قسم ليس فيه عقوبة محددة، بل متروك شأنها لأولياء الأمر والقضاة يفرضون منها في كل حالة ما يناسبها من عقوبات تسمى بالتعزيرات. وهذا القسم يدخل تحته عقوبة مخالف التسعير. وأنواع العقوبات التعزيرية كثيرة أهمها: الزجر والجلد والنفي والحبس والعزل والتشهير والعقوبة بالمال. فلولي الأمر أن يختار من هذه العقوبات ما يراه ملائما لردع مخالف التسعير؛ لأن الناس يتفاوتون فمنهم من يكفي لردعه الزجر والتوبيخ، ومنهم من لا يردعه إلا الحبس والجلد، كما أن اختلاف الزمان له تأثير في اختلاف العقوبة، فما كان رادعا في الزمن الماضي قد لا يكفي لردع الناس في زمننا الحاضر. وقد روي عن أبي هريرة: «أن رسول الله ﷺ وقف على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا. فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟

стр. 2035

قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس. من غشنا فليس منا (١)». وكان الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ يضرب بالدرة من رآه يأتي منكرا مما يستوجب التعزير. ولهذا قال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " إن عقوبات التعزير تختلف مقاديرها وصفاتها بحسب كبر الذنوب وصغرها، وبحسب حال المذنب في قلته وكثرته ". وقال ابن القيم ﵀: " يتغير التعزير بحسب اقتضاء المصلحة زمانا أو مكانا أو حالا، ويختلف تقدير العقوبة فيه حسب خطر الجريمة وتأصلها في نفس المجرم ". والعبرة - بصفة عامة - في التعزير، بكل ما فيه من إيلام الإنسان من قول أو فعل. ومن رحمة الله تعالى بعباده أن وكل تقدير عقوبة التعزير عموما إلى الحاكم ليراعي ظروف مرتكب الجريمة وزمانه، لهذا تجد أن الشريعة الإسلامية فيها من السعة والعموم والشمول والمرونة ما يسمح بتطبيقها في كل زمان ومكان، ويكفي أنها شريعة من عند الله الرحمن الرحيم الذي يعلم السر وأخفى. * * *

стр. 2036

عقوبة مخالفة التسعير في المملكة العربية السعودية لقد كانت - ولا زالت - حكومة جلالة الملك - حفظه الله - تعمل كل ما في وسعها لتحقيق مصالح الناس وحمايتهم من الاستغلال والجشع، لذلك فقد خولت الوزارء المختصين (وهم وزراء الداخلية والتجارة والزراعة والصحة والصناعة والكهرباء) بوضع الأسعار المناسبة للسلع، واعتبرت مخالفة هذه الأسعار جريمة تستوجب العقاب. وقد جاء في الفقرة (ثانيا) من قرار مجلس الوزراء رقم ٨٥٥ الصادر في ٢٦/ ٥ / ١٣٩٦ هـ ما نصه: " يعاقب بغرامة من خمسة آلاف إلى خمسين ألف ريال، ومصادرة فرق السعر، مع إغلاق المحل بالشمع الأحمر من ثلاثة أيام إلى شهر أو إيقاف المخالف من ثلاثة أيام إلى شهر أو جميعها مع مصادرة السلع المضبوطة ونشر القرار على نفقته في إحدى الجرائد المحلية: أ- كل من باع مادة من المواد التموينية بأكثر من السعر المحدد لها في قرار وزير التجارة أو قام بإنقاص وزنها المحدد.

стр. 2037

ب - كل من باع إحدى المواد المحدد لها نسبة ربح للتاجر بقرار من وزير التجارة إذا تم البيع بما يجاوز هذه النسبة. ج - كل من قام بتخزين سلعة أو أكثر أو منعها عن السوق بقصد رفع السعر. د - كل من امتنع عن بيع سلعة من السلع أو فرض أي قيد على بيعها. هـ - كل مصنع محلي أو معمل بلك أو منجرة باع أو عرض للبيع منتجاته بأكثر من السعر الذي تحدده وزارة الصناعة والكهرباء. وكل من باع أو عرض للبيع المنتجات الزراعية المحلية من الخضراوات وكذلك منتجات مزارع الدواجن والألبان ومنتجاتها بأكثر من السعر الذي تحدده وزارة الزراعة ". وهذه من العقوبات التعزيرية التي تقرها الشريعة الإسلامية، والأمر متروك للحاكم في مضاعفة العقوبة أو التخفيف منها حسب ما تقتضيه المصلحة، فلا يتحتم الوقوف عند العقوبات الواردة في هذا النص. والله ولي التوفيق

стр. 2038

الخاتمة من خلال بحثنا لموضوع التسعير واستعراض آراء الفقهاء وما استندوا إليه من أدلة على النحو السابق يتضح لنا: أنه يتعين القول بالتسعير إذا توافر شرطان: أحدهما: ألا يكون سبب الغلاء هو كثرة الطلب وقلة المعروض من السلع، والثاني: أن تكون حاجة الناس للسلعة عامة. فكلما كانت مصالح الناس ومنفعتهم العامة في التسعير تعين اتخاذه، وهذا أمر نسبي يختلف باختلاف الزمان والمكان، ويتسع تطبيقه ويضيق بحسب قوة الوازع الديني في النفوس ومدى متانة الأخلاق في المجتمع. فإذا اندفعت حاجة الناس وقامت مصلحتهم بدون التسعير، فلا داعي له لما فيه من تقييد لحرية التعامل الذي هو من المبادئ الأساسية في الشريعة الإسلامية. أما إذا كانت حاجة الناس لا تندفع إلا بالتسعير ولا تتحقق مصلحتهم إلا به، كان واجبا على الحاكم أن يسعر عليهم تسعير عدل لا وكس فيه ولا شطط. والله الموفق د. محمد بن أحمد الصالح

стр. 2039

مصادر ومراجع هذا البحث أولا: القرآن الكريم. * * * ثانيا: التفسير: ١ - تفسير القرآن العظيم لابن كثير. ٢ - تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن). ٣ - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. * * * ثالثا: اللغة: ١ - الصحاح للجوهري. ٢ - تهذيب الصحاح للزنجاني. ٢ - القاموس المحيط لمجد الدين الفيروز آبادي. ١ - المعجم الوسيط. * * * رابعا: السنة: ١ - صحيح البخاري. ٢ - فتح الباري في شرح البخاري لأحمد بن حجر العسقلاني. ٣ - صحيح مسلم بشرح النووي. ٤ - المسند للإمام أحمد بن حنبل. ٥ - الفتح الرباني لأحمد عبد الرحمن البنا. ٦ - مختصر سنن أبي داود للحافظ المنذري.

стр. 2040

خامسا: الفقه: ١ - المغني لابن قدامة. ٢ - الكافي لابن قدامة. ٣ - الإقناع لموسى الحجاوي المقدسي. ٤ - كشاف القناع على متن الإقناع لمنصور البهوتي. ٥ - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني. ٦ - حاشية ابن عابدين لمحمد أمين الشهير بابن عابدين. ٧ - فتح القدير لكمال بن الهمام. ٨ - مغني المحتاج إلى شرح المنهاج للشيخ محمد الشربيني. ٩ - نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي. ١٠ - المنتقى شرح موطأ مالك لسليمان الباجي. ١١ - مواهب الجليل لشرح مختصر خليل لمحمد الطرابلسي المغربي. ١٢ - المحلى لابن حزم الظاهري. * * * سادسا: المراجع العامة: ١ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية جزء ٢٨. ٢ - الحسبة في الإسلام لابن تيمية. ٣ - آراء ابن تيمية في الدولة لمحمد المبارك. ٤ - الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم الجوزية. ٥ - التكافل الاجتماعي للشيخ محمد أبو زهرة. ٦ - محاضرات في نظام الحكم في الإسلام لفضيلة الأستاذ الدكتور عبد العال عطوة رئيس قسم السياسة الشرعية بالمعهد العالي للقضاء بالرياض. ٧ - التعزير في الشريعة الإسلامية للدكتور عبد العزيز عامر. ٨ - التسعير في الإسلام - تأليف البشري الشوربجي. ٩ - رسالة الإجارة والأجور للشيخ علي بن محمد التركي. * * *

стр. 2041

الفهرس ١ - مقدمة المؤلف ............................ ٢٣٤ الفصل الأول ٢ - معنى التسعير وحكمه ......................... ٢٣٧ ٣ - المبحث الأول: تعريف التسعير .......................... ٢٣٧ ٤ - المبحث الثاني: حكم التسعير ............................ ٢٣٩ ٥ - الرأي الأول: عدم جواز التسعير مطلقا ............................ ٢٣٩ ٦ - الرأي الثاني: جواز التسعير فيما عدا قوت الآدمي وعلف البهائم ............ ٢٤٦ ٧ - الرأي الثالث: جواز التسعير لاتفاق التجار على غلاء الأسعار ............. ٢٤٨ ٨ - المبحث الثالث: رأي شيخ الإسلام ابن تيمية في حكم التسعير ......... ٢٥٠ الفصل الثاني: ٩ - تسعير أجور الأشخاص والعقارات ............................ ٢٥٢ ١٠ - المبحث الأول: أ- تسعير أجور الأشخاص ........................... ٢٥٢ ١١ - ب - بيان حكم الشريعة الإسلامية ............................ ٢٥٤ ١٢ - ج- طريقة تحديد الأجور في الشريعة الإسلامية ............................ ٢٥٥ ١٣ - المبحث الثاني: أ- تسعير أجور العقارات ............................ ٢٥٧ ١٤ - ب- طريقة تحديد الإيجارات ............................ ٢٥٨

стр. 2042

الفصل الثالث: ١٥ - إلزام ولي الأمر بالبيع بسعر السوق وعدم النقص عنه ............... ٢٥٩ ١٦ - الرأي الأول: لولي الأمر أن يتدخل فيمنع التجار من البيع بأنقص من سعر السوق .... ٢٥٩ ١٧ - الرأي الثاني: ليس لولي الأمر أن يتدخل ليلزم التجارة بالبيع بسعر السوق .... ٢٦٠ الفصل الرابع: ١٨ - تنظيم التسعير ........................ ٢٦٢ ١٩ - المبحث الأول: الحالات التي يجب فيها التسعير ..................... ٢٦٢ ٢٠ - المبحث الثاني: الاستعانة بأهل الخبرة في التسعير .................... ٢٦٦ ٢١ - المبحث الثالث: مراقبة الأسعار ............................ ٢٦٨ الفصل الخامس: ٢٢ - عقوبة مخالف التسعير ........................ ٢٦٩ ٢٣ - عقوبة مخالف التسعير في الممكلة العربية السعودية ................. ٢٧٠ ٢٤ - الخاتمة ............................ ٢٧٢ ٢٥ - مصادر البحث ٢٧٣

стр. 2043

أسعد بيوض التميمي الإسراء وفلسطين ودولة اليهود الإسراء وعلاقته بقضية المسلمين في الأرض المباركة اشتد الصراع بين النبي ﷺ وبين الكفار من قريش حيث خافت قريش على ما يوفره الكفر لها من امتيازات طبقية ودينية وامتيازات اقتصادية وأخذ الصراع بين الحق والباطل يتصاعد بين الدين الجديد وما يمثله من خير للإنسان وما يعطيه للبشرية من حياة كريمة يعبد فيها الإنسان ربه الذي خلقه، ويسجد لبارئه الذي أوجده، فلا يسجد لبشر، ولا ينحني أمام حجر أو شجر، ولا يعبد فلكا ولا مظهرا من مظاهر الكون، وإنما يستمد العزة لنفسه من عبادة الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.

стр. 2044

اشتد الصراع بينه وبين الشرك وما يمثله من انحطاط في الفكر الإنساني والسلوك البشري الذي يظهر في السجود لحاكم أو رجل دين أو حجر أو شجر أو فلك، ذلك الانحطاط الذي ينتج عنه أن الغرائز في الإنسان تتحكم في مسيرته، لا مقياس عنده يقيس به الأمور ولا حلال ولا حرام، وإنما كل أمر مباح من قتل نفس أو ظلم إنسان أو أكل مال حرام، أو استعباد نفس وإذلال للخلق، فلا عجب أن ظهرت الطبقية العرقية الممثلة في السادة والعبيد والأشراف والسوقة، والطبقية الاقتصادية الممثلة في تجارة الربا وأكل أموال الناس بالباطل واستغلال حاجة الآخرين للإثراء غير المشروع، والطبقية الدينية بحيث يصبح الدين وفهمه احتكارا على طبقة معينة وناس مخصوصين يستغلون جهل الناس ويطلبون منهم أن يعبدوهم، ويطلبون منهم تقديم النذور والقرابين لهم ولما يمثلون. * * *

стр. 2045

وأخذ الكفر يقاتل عن مواقعه بشراسة حتى اضطر المسلمون إلى الهجرة مرتين فرارا بدينهم وحرصا على عقيدتهم، وحتى يأذن الله بالفرج. وكان النبي ﷺ في مكة يقارع قومه الحجة، يبين باطل ما هم فيه وما عليه حياتهم ولكنهم أصابهم الكبر ولحق بهم العناد، وكان الله قد هيأ له زوجة صالحة تعتني بأمره وتدعمه بمالها، وتخفف عنه قسوة عناد قومه، وجهل عشيرته، وهيأ له كذلك عمه أبا طالب يحميه، ويمنعهم من قتله واغتياله، وإن لم يمنع عنه ما دون القتل والاغتيال من الأذى وهم مع ذلك يحسبون حساب عمه حين إيذائه، حتى إن بعضهم يطرح عليه سلى جزور وهو يصلي. ثم إن خديجة ﵂ وأبا طالب هلكا في عام واحد قبل هجرته بثلاث سنين، فعظمت المصيبة على رسول الله ﷺ بهلاكهما وذلك أن قريشا وصلوا من أذاه بعد موت أبي طالب إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في حياته منه، حتى نثروا التراب على رأسه الشريف ﷺ فدخل الرسول بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته تغسل عنه التراب وهي تبكي ورسول الله يقول لها:

стр. 2046

«يا بنية لا تبكي فإن الله مانع أباك». ولما استعصت قريش، وصمت آذانها وأغلقت قلوبها وعقولها، اتجه النبي ﷺ إلى الطائف، فلما وصلها عمد إلى نفر من ثقيف وهم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم ثلاثة إخوة عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومسعود بن عمرو بن عمير، وحبيب بن عمرو بن عمير، فردوه ردا غير جميل، فقال أحدهم وهو يمرط ثياب الكعبة: إن كان الله قد أرسلك، وقال الآخر: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك، وقال الثالث: والله لا أكلمك كلمة أبدا، لئن كنت رسولا من الله كما تقول أنت أعظم خطرا من أن أرد عليك بالكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي أن أكلمك. فقام رسول الله ﷺ من عندهم وقد يئس من خبر ثقيف، وقد قال لهم فيما ذكره شيخ المؤرخين المسلمين الطبري وأنا أروي عنه: «إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني». وكره رسول الله ﷺ أن يبلغ قومه عنه فيذئرهم ذلك عليه فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وألجئوه إلى بستان لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه فلما اطمأن رسول الله ﷺ أخذ يناجي ربه مناجاة الصابر المحتسب يطلب منه المدد والعون حيث قومه لا يستجيبون للنور ولا يلتقون على الخير، والطائف كانت أسوأ من مكة، وأقسى من قريش، فأخذ يقول كما يروي الطبري: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك». * * *

стр. 2047

في هذا الجو القاتم الشرس كان الله بنبيه رءوفا رحيما، وكانت حادثة الإسراء من مكة إلى القدس، وكان المعراج من أرض المسجد الأقصى إلى السماوات العلا إلى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى، وكان في الإسراء أكثر من معنى، وأثره لا يزال على مر الأيام وكر السنين. يكرم الله نبيه على صبره ويجازيه الجزاء الأوفى على تحمله فيستدعيه إليه ويقربه منه، ويرفعه إلى درجة لم يصلها أحد من خلقه حتى ولا الملائكة المقربون. ويقدم له أرض الشام، أرض فلسطين، أرض القدس، المسجد الأقصى هدية إيمان وجائزة رضوان، فيفتح النبي أرض الشام، ومنها أرض فلسطين فتحا ماديا بجسده الشريف، ويعلن الله للدنيا في ذلك الحين وللدنيا بعد هذا الحين وللدنيا في كل حين أن المسجد الأقصى أصبح مسجدا للمسلمين، فيصلي فيه النبي الصلاة الإسلامية الأولى إماما للأنبياء المرسلين حيث أحياهم الله له

стр. 2048

ويصلي الصلاة الثانية بعده عمر وأبو عبيدة وكبار الصحابة والجنود المؤمنون يوم أن دخل عمر القدس، واستلمها من بطريركها صفرونيوس وأعطاه العهدة العمرية التي تنص فيما نصت عليه ألا يسكن إيليا (القدس) أحد من اللصوص واليهود، وذلك أن كبار أصحاب رسول الله كانوا على علم منه لا يعلمه بقية الناس، وهذا النص في الوثيقة يدل على مبلغ فهم عمر لخطر اليهود على هذه الأرض. * * *

стр. 2049

ويذكر الله في كتابه الكريم هذا الخبر العظيم فيقول في أول سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) وسورة الإسراء تتحدث عن المسجد الأقصى وإسراء النبي إليه، وتقرر أن هذا المسجد الذي بني بعد البيت الحرام بأربعين سنة، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: «سألت رسول الله ﷺ عن أول مسجد وضع في الأرض قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثم الأرض لك مسجد فحيثما أدركتك الصلاة فصل (٢)». فعاد للمسجد بالإسراء قدسيته وطهره حيث كان المسجد خرابا يبابا لا يصلي فيه أحد إلى أن جاء النبي ﷺ فتقررت مسجديته في القرآن، واستلمه عمر فكان ينظفه هو وأصحابه من الكناسة وطهروه وأصبح من يومها منارة علم، ودار إيمان، ومحجة زوار، ومحراب صلاة. إذن سورة الإسراء تتحدث عن علاقة المسلمين بالمسجد، وأن المسجد للمسلمين حيث أسري بنبيهم إليه، وتقرر بركة أرض الشام أو أرض فلسطين، وتبدأ بعد ذلك في الحديث عن الفساد والعلو لليهود والتدمير الذي سيلحق بهم، وأنهم سينازعون المسلمين أرض الإسراء والمسجد الأقصى. وهنا لا بد أن نقرر أن علماء التفسير اختلفوا اختلافا كبيرا في (العلوين والإفسادين) اللذين أشارت إليهما الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (٣) ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ (٤). . فقال قوم هم أهل بابل، وكان عليهم بختنصر، قاله ابن عباس ﵄. وقال قتادة: أرسل عليهم جالوت فقتلهم، فهو وقومه أولو بأس شديد. وقال مجاهد: جاءهم جند من فارس يتجسسون أخبارهم ومعهم بختنصر. وقال محمد بن إسحاق: إن المهزوم سنحاريب ملك بابل. وقيل: إنهم العمالقة، إلى غير ذلك من الأقوال المتضاربة، ونحن حين ننظر إلى الآيات نظرة موضوعية نجد الأشياء الآتية:

стр. 2050

أولا: الآيات مكية وتتحدث عن علوين وإفسادين لليهود فهل معنى هذا أن العلوين قبل نزول الآية أم أنهما آتيان؟ مما لا شك فيه أن اليهود دمروا أكثر من مرة قبل الإسلام، وقبل نزول الآيات فقد سباهم البابليون، ودمرهم الرومان، وذلك أنه منذ أن غضب الله عليهم نتيجة سوء تصرفهم وحقدهم على الله وأنبيائه غضب الله عليهم وجعلهم يتصرفون تصرفا يلجئ البشرية إلى إذلالهم وضربهم. يقول الله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (١)، ثم تقرر آية أخرى في سورة أخرى أن العذاب سيستمر في اليهود والتدمير لهم إلى يوم القيامة: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (٢). . إذن لا غرابة أن يكون إفساد اليهود وعلوهم ثم تدميرهم أكثر من مرة قبل الإسلام ولا غرابة أن يكون كذلك علوا وفسادا بعد الإسلام ثم تدميرهم. وليس هناك ما يمنع أن يكون الفساد والعلو ثم التدمير لمرتين بعد نزول الآيات والواقع أن المتعمق في الآيات يجد المرتين في علو اليهود وإفسادهم ثم تدميرهم هما بعد نزول آيات الإسراء. وذلك أن الله يقول: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (٣) ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾ (٤)، وإذا ظرف لما يستقبل من الزمان ولا علاقة لما بعدها بما قبلها، فوجود كلمة " إذا " في الآية تدل على أن الفساد والعلو ثم التدمير الأول آت وأنه لم يمر، كما أن استعمال إذا للمرة الثانية يدل على أنها آتية لم تمر كذلك. وقوله تعالى: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ (٥). . إن الذين سيتولون تدمير اليهود هم من المؤمنين؛ إذ إن الله حين يضيف كلمة العباد لذاته تكون في موضع التشريف ويخص بها المؤمنين، يقول الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ (٦)، ويقول: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (٧)، ويقول:

стр. 2051

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ (١). . وأعظم منزلة للنبي ﷺ أنه عبد الله ورسوله. وفي التحيات: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (٢)». وهذا التشريف والتكريم الإيماني لا ينطبق على البابليين ولا على الرومان؛ لأنهم جميعا من الوثنيين، إذن ينطبق هذا الوصف على رسول الله وأصحابه الذين جاءوا إلى المدينة ولليهود فيها نفوذ سياسي واقتصادي. وكان من أول أعماله في المدينة إبرام المعاهدة السياسية بينه وبين اليهود، وأن اليهود جماعة مستقلة وأن المسلمين جماعة مستقلة، فلما غدر اليهود ونقضوا العهد كعادتهم ودأبهم سلط الله عليهم المسلمين فجاسوا خلال الديار اليهودية وتغلغلوا فيها وأزالوهم عن المدينة وخيبر وتيماء، وزال سلطانهم وتدمر علوهم، فكان ذلك من خلال معارك بني قريظة وبني النضير، ومعارك خيبر الشهيرة، وتأتي سورة الحشر لتؤكد هذا المعنى في قوله تعالى في وصف معارك المسلمين مع اليهود في المدينة: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ (٣). . إذن هو أخرجهم لأول الحشر، فخرج قسم منهم إلى أذرعات من أرض الشام حتى تبدأ المرة الثانية من علوهم وفسادهم، ويقول الله: ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ (٤) يعني في عهد النبي والوحي ينزل، وأتمه أصحابه من بعده. وتبدأ الآيات بعد ذلك تتحدث عن المرة الثانية من العلو والفساد، فتخبر الآيات أن الله سيجعل لليهود الكرة عليهم، على من؟ على الذين جاسوا خلال الديار أول مرة، والكرة الدولة والسلطة. وحين أراد الله لليهود أن يكروا استعمل كلمة (ثم) وثم كما هو معروف معناها العطف مع التراخي أو المهلة فهل كر اليهود في التاريخ على البابليين وكانت لهم دولة وسلطة عليهم؟ لم يحدث ذلك في التاريخ ولن يحدث الآن، ولا في المستقبل؛ حيث إن البابليين قد انصرفوا من الدنيا كأمة وليس لهم مكان يعرفون فيه أو دولة يعيشون فيها، وحاشا لله ألا يصدق القرآن أو يكون خبره غير محقق، إذن لا بد أن تكون الكرة على أبناء الذين جاسوا خلال الديار وهم المسلمون أو العرب المسلمون فقد كر اليهود على ديار الشام وفلسطين منها وهذا هو الذي قد حدث ونعيشه الآن، ويعاني منه المسلمون كل المسلمين، وانظروا معي إلى بقية الآيات تمضي فتصف الواقع الذي نعيشه وتعيشه دولة اليهود إذ بعد أن جعل الله الكرة لليهود علينا يقول الله لليهود: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ (٥)، وهنا نسأل مرة أخرى، هل أمد الله اليهود في التاريخ بأموال وبنين غير هذه المرة؟ لم نعرف أن ذلك قد حدث، واليهود منذ أن غضب الله عليهم وهم في بلاء متصل وعذاب مستمر، فقبل الإسلام كان عذاب البابليين لهم والرومان، وبعد الإسلام أخرجهم المسلمون من الجزيرة ثم بدأت

стр. 2052

أوربا تعذبهم في إسبانيا حتى جاء المسلمون فأنقذوهم من الأسبان واستمر العذاب، واليهودي في كل الأرض يعتبر إنسانا شريرا متآمرا يستحق التعذيب والقتل، وآخر من عذبهم في حياتنا المعاصرة هو أدولف هتلر ومعه النازيون. وحتى نرى مبلغ صدق الآية، ونرى إعجازها بأعيننا نجد دولة اليهود اليوم تعيش على البنين الذين يأتونها من أطراف الأرض ليمدوها بالجند، وفي هذه الفترة من روسيا بالذات، وترى الأموال من دول الغرب تأتيها بمساعدات مذهلة حتى تستمر في عدوانها وطغيانها وجبروتها، ثم يقول الله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ (١) ولذلك فإن أكبر قوة في الأرض أو أكبر دول الأرض تساند دولة اليهود في حال نفرتها وحربها. * * *

стр. 2053

إذن هذه هي المرة الثانية من العلو فما بال الفساد؟ وحتى يتحقق الفساد فنرى اليهود في دولتهم يرتكبون أفظع الجرائم، بحيث فاقوا كل أنواع العذاب التي عانوا منها في زعمهم أو عاناه غيرهم، ولذلك يحذرهم الله، فيقول لهم: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (١)، وهم قد أساءوا فقتلوا النفس الإنسانية وعذبوها، ويتموا الأطفال، وسجنوا النساء، وهدموا البيوت، واغتصبوا الأرض، وأقاموا المستعمرات، وحرقوا الأقصى في ٢١/ ٨ / ١٩٦٩. والأقصى عند الله عظيم ودنسوا مسجد الخليل ﵇، والخليل عند الله هو الخليل، وارتكبوا جريمة الجرائم في مسجد الخليل يوم أن عمدوا إلى كتاب الله القرآن العظيم فمزقوه وداسوه. وهنا تأتي عقوبة الله على ما اقترفوا من الإثم والجرائم بتفسير من الآيات، إن دولتهم لن يطول فسادها ولا علوها فيقول الله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ (٢)، وهنا حين يخبر الله عن زوال دولتهم استعمل حرف الفاء للعطف، ولم يستعمل ثم، والفاء للعطف مع التعقيب، وتعقيب كل شيء بحسبه وما يناسبه وهو يدل على السرعة المناسبة في حصول المقصود، ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ (٣) أي لذهاب علوهم الثاني تصبح وجوه بني إسرائيل سيئة، ويبشرنا ربنا جلت قدرته أننا سندخل المسجد الأقصى كما دخلناه أول مرة، وفي هذه الآية إشارة لطيفة إلى دخولنا المسجد مرتين، والمرتان حدثتا بعد نزول الآية، المرة الأولى الفتح العمري للمسجد حين دخله باسم الله والإسلام، والمرة الثانية هذه التي نحن على أبوابها حيث سيدخل المسلمون المسجد فاتحين

стр. 2054

للمرة الثانية، ثم يقرر الله أننا سنتبر أي ندمر، ونهلك علو اليهود المادي والمعنوي. ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن فلسطين لم تعرف العمارات ذات الطوابق التي تزيد عن أربعة أو خمسة طوابق إلا في ظل اغتصاب اليهود لها، ولذلك فإن هذه العمارات الشاهقة التي يقيمونها على الأرض المباركة سيلحقها التدمير والخراب، ثم تمضي الآيات فتحذر اليهود من محاولة العودة للفساد والتعالي فيقول الله لهم: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ (١)، وتأتينا البشرى من الله بعد أن يفهمنا ربنا أن القرآن يهدي إلى الطريق السوي والحياة الصحيحة تأتينا البشرى بالنصر فيقول: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (٢)، وفي آخر السورة سورة الإسراء آية أخرى تتعلق بهذا الأمر، وهي قوله تعالى في آخر السورة: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ (٣)، ولفيفا جماعات ملتفة وفي بقية الآية إنذار لليهود وبشرى لنا، فيقول الله: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٤)، بشرى لنا وإنذار لهم، فإذا ربطنا هذه الآيات وتفسيرها بالحديث الذي يدلنا على صدق النبوة ومعجزة الرسول ﷺ حين أخبرنا عن قتال اليهود فيما رواه الشيخان البخاري ومسلم، وهو قول الرسول ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود (٥)». * * *

стр. 2055

أيقنا بعد ذلك لماذا لم تنجح المحاولات لتثبيت دولة اليهود؟ وذلك أنه منذ سنة ١٩٤٨، وكل محاولة للصلح وتثبيت دولة اليهود يفشلها اليهود أنفسهم، وذلك لأن الله يلهمهم الخطأ فيرفضون كل الحلول؛ لأن اليهود لا يعالجون أي أمر إلا بالحقد والتآمر والخديعة، ويقرر الله ألا عقل عندهم، فيقول: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (١)، وذلك كله يجري حتى يأتي اليوم الموعود يوم تتخلص المعركة أو ديار المسلمين من الإيديولوجيات المنافية للإسلام، وذلك أن الرسول ﷺ قد أخبر في حديث قتال اليهود «أن الحجر والشجر سينطق ويقول: يا مسلم يا عبد الله خلفي يهودي فتعال فاقتله (٢)»، إذن لن يكون قتال النصر في فلسطين قتالا يمينيا رجعيا،

стр. 2056

ولا يساريا تقدميا، وإنما يكون قتالا إسلاميا في سبيل الله كما كان دائما قتال النصر للمسلمين: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (١)، وبعد. . فإن الآية الأولى من سورة الإسراء نصت على بركة الأرض التي تحيط بالمسجد الأقصى وكذلك آيات أخرى نصت على هذه البركة مثل قوله تعالى في حق الخليل إبراهيم: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢)، وقوله ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ (٣)، والبركة الزيادة في كل شيء وليست بركة هذه الأرض مادية، وإنما بركتها بالإضافة إلى الأشياء المادية بركات معنوية، تتمثل في أنها عش الأنبياء، ولذلك فكر أصحاب رسول الله ﷺ في دفنه في بيت المقدس عند وفاته باعتبارها عش الأنبياء وكانت لم تفتح بعد، وهي مهبط الوحي، وهي مسرى النبي ومعراجه منها ﷺ ، وهي القبلة الأولى، فقد صلى المسلمون إلى مسجدها ستة عشر شهرا، ومسجدها تشد إليه الرحال، كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن النبي ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى (٤)». ومن بركة هذه الأرض استقراء أنه حينما يبتعد المسلمون عن محور عزهم ومركز قوتهم وهو الإسلام يضعفون ويتمزقون وتكثر دولهم ودويلاتهم؛ فيسهل على العدو أن يتسرب من خلالهم، فيأخذ الأرض المباركة ويأخذ المسجد الأقصى، وعندها يتحرك المسلمون حركة حياة من جديد وينفضون غبار الهزيمة فيعملون لاستخلاص هذه الأرض فعن طريق استخلاصها يتم توحيد المسلمين من جديد. ألا ترون أنه بسبب حريق المسجد الأقصى كان مؤتمر القمة الإسلامي الأول في المغرب الذي انبثق عنه مؤتمر وزراء الخارجية المسلمين الذين كونوا الأمانة العامة الإسلامية في جدة، وهذا من بركة هذه الأرض التي باركها الله، ولذلك لن يصل أحد مع اليهود وأعوانهم إلى حل حتى يأتي أمر الله، ويتوحد المسلمون، ويعود الإسلام محركا للحياة في ديار الإسلام وفي العالم كله. وقد ظهرت بركتها في الحروب الصليبية إذ بعد أن أخذها المسلمون، وظنوا أن الأمر قد استقر لهم كانت حروبهم سببا في توحيد المسلمين من جديد فكان نور الدين زنكي الذي وحد الأجزاء المبعثرة وأخذ الراية منه صلاح الدين، فكانت حطين النصر المبين، وكانت معركة القدس فيما بعد ودخلها ﵀ فأعاد الأمن والأمان إليها وعاد مسجدها إلى قدسيته وطهره. وقدر أهل الشام وفلسطين منها أنهم مرابطون إلى يوم القيامة حيث الكفار لا يتركون الأرض المباركة يستقر أهلها وهم يريدون مسجدها ليقيموا عليه الهيكل. روى الطبراني عن النبي ﷺ «أن أهل الشام وأزواجهم وذراريهم وعبيدهم

стр. 2057

وإماءهم إلى منتهى الجزيرة مرابطون ممن نزل مدينة وقرية من المدائن والقرى، فهو في رباط أو ثغر من الثغور فهو في جهاد». وقدر أهل الشام كذلك أن ينتقم الله بهم من أعدائه فعن خريم بن فاتك: «أهل الشام سوط الله في أرضه ينتقم بهم ممن يشاء من عباده، وحرام على منافقيهم أن يظهروا على مؤمنيهم، وأن يموتوا إلا هما وغما وغيظا وحزنا» رواه الطبراني مرفوعا وأحمد موقوفا، ورجاله ثقات. وعن أبي الدرداء عن النبي ﷺ أنه سمعه يقول: «الملحمة الكبرى بأرض يقال لها الغوطة، فيها مدينة يقال لها دمشق، خير منازل المسلمين يومئذ (١)» رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد. وقد روى أبو بكر بن شيبة عن أبي الزاهرية، قال: قال رسول الله ﷺ : «معقل المسلمين من الملاحم دمشق، ومعقلهم من الدجال بيت المقدس، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج الطور». وعلى هذا فالأرض المباركة بركتها بالإضافة إلى الأشياء المادية التي ذكرها المفسرون من الثمار والأشجار والأنهار، والأرض المعطاء والسهل الخصيب والجبال العالية والأرض المنخفضة التي تجعلك تنتقل في ساعة من زمن أو أقل من مستوى سطح البحر إلى العلو الشاهق إلى الغور المنخفض، فهناك البركة المعنوية، والبركة المادية تتصاغر أمام البركة المعنوية والتي باركها الله فجعلها القبلة الأولى يصلي إليها المسلمون، وأسري بنبيه إليها، وعرج به من مسجدها إلى السماوات العلا، وجعل مسجدها الأقصى تشد إليه الرحال، وهي عش الأنبياء، وهذا مما جعل عمر بن الخطاب ﵁ يأتي بنفسه لتسلم القدس.

стр. 2058

ولذلك فحينما يتحدث اليهود وأعوانهم عن الوطن البديل للفلسطينيين يظنون أن أي أرض يمكن أن تستبدل بها الأرض المباركة، ويظنون أن الأمر أمر إسكان لاجئين أو استقرار مشردين، وما علموا أو هم يتجاهلون أن هذه الأرض لا تدانيها أرض أخرى، ولا يمكن أن يقوم مقامها وطن بديل في أي بقعة من بقاع الكرة الأرضية، ما عدا أرض الحرمين الشريفين فشرفها معروف؛ إذ إن هذه الأرض مرتبطة بعقيدة المسلمين سجلت في كتاب الله بوصفها القبلة الأولى، وبوصفها مسرى النبي، وبوصفها معراج الرسول، وبوصفها الأرض المباركة، ولذلك فهي لا تخص الفلسطينيين وحدهم، ولا تخص العرب وحدهم، بل تخص المسلمين أينما كانوا وحيثما وجدوا، وما دام كتاب الله القرآن موجودا على الأرض يتلى وفي الأرض مؤمنون، فليس هناك استقرار لدولة اليهود، وهي في طريقها لأن تصبح من مخلفات التاريخ، كما أصبحت دولة الصليبيين من قبلها من مخلفات التاريخ تؤلف الكتب عن أسباب زوالها ويكتب الباحثون أبحاثهم ويعطي العلماء آراءهم في ذلك، وكلهم أو جلهم ينسى أو يتناسى الحقيقة الأزلية وهي استحالة أن يملك هذه الأرض غير المسلمين ملكا مستقرا، وأن تبقى في حوزة أعدائهم؛ لأن هذه إرادة الله بينها ليلة الإسراء.

стр. 2059

والواقع أن العالم كله لا يفقه القضية الفلسطينية أو القضية اليهودية، وإنما كل فئة تنظر إلى القضية من زاوية معينة تتفق مع مصلحتها، وهذه النظرة بالنسبة لمصالحها صحيحة، فالغرب ينظر إلى القضية على أنها امتداد للحروب الصليبية، وأن اليهود أداة في يديه لتمزيق الوطن الإسلامي والسيطرة على بلاد المسلمين وتهديدهم حتى لا يفيقوا مرة أخرى فيتعرضوا لقيادة الدنيا وإنقاذها مما تعانيه. وروسيا تنظر إلى القضية على أن بقاء دولة اليهود في بلاد المسلمين أمر ضروري لإيجاد التناقض حسب الفكر المادي، ولذلك هي مع بقاء دولة اليهود، وتحارب الطبقة الحاكمة في إسرائيل حربا طبقية باعتبارها عميلة للغرب، ويهمها أن يبقى التناقض في المنطقة، وعدم الاستقرار؛ لأن ذلك حسب وجهة نظرها يغذي الحركة الشيوعية وينميها، وبعض الحكام في المنطقة يرون في دولة إسرائيل ضمانا لبقائهم فهم يريدون لها أن تبقى حتى يبقوا ولكن يريدون منها أن تتنازل عن بعض ما أخذته حتى يكون ذلك (انتصارا) ظاهريا يخدع به الشعب العربي والمسلمون من ورائهم، وأهل البلاد الذين أخرجوا من ديارهم (الفلسطينيون) ينظرون إلى القضية من زاوية أنهم شعب ظلم وشرد واضطهد، فهم يريدون حياة الاستقرار في الأرض التي ولدوا فيها أو نبت آباؤهم فيها أو دفن أجدادهم في ترابها فهم يحنون بفطرتهم إليها ولا يرون في الدنيا أرضا تكون بديلا لها وهذا صحيح، ولكن هذه النظرات المختلفة للقضية من زواياها المختلفة ليست هي القضية وإنما القضية تتعلق باليهود أو بغضب الله على اليهود المستمر عبر التاريخ بالعذاب الواقع بهم؛ نتيجة سوء تصرفهم وحقدهم على الإنسانية، فهذه حلقة من حلقات الغضب والسخط عليهم من الله، إن الله أخبر في القرآن في آيات الإسراء، كما أسلفت في أول البحث، وفي حديث البخاري ومسلم: إنه قبل قيام الساعة ستقوم لليهود دولة يتولى المسلمون تصفيتها، «حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله خلفي يهودي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود (١)». * * *

стр. 2060

ولقد حاول العالم منذ ١٩٤٨ أو القوى الكبرى في العالم أو الغرب على وجه التخصيص أن يثبت إسرائيل دولة فوضع الحلول، وحاك المؤامرات، وخلق قيادات، وأوجد زعامات لتتعاون معه على تثبيت إسرائيل دولة، ولكن المؤامرات تفشل والطبخات تحترق، وذلك بفضل الله ثم بمعاونة اليهود أنفسهم حيث يرفضون كل ما يعرض عليهم حتى يأتي يومهم الموعود وقدرهم المرصود، فتزول دولتهم وآثامها وشرورها، وإن الغرب اليوم يحاول جاهدا إنقاذ دولة اليهود من مصيرها المحتوم وقدرها المرسوم رغم أنفها، ولكن اليهود يتمردون على من أوجدهم ذلك بأنهم قوم لا يعقلون، وصدق الله إذ يقول في حقهم: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (١). .

стр. 2061

وإن من بركة الأرض المباركة أن المسلمين يتوحدون دائما عن طريق استخلاصها من أيدي أعدائهم، وذلك أن الأمة الإسلامية حينما تبتعد عن محور قوتها - وهو الإسلام - يلحقها الضعف والتشتت، فتقام فيها دول ودويلات، حتى تصل في صغرها إلى مستوى الأحياء والحارات، فيأتي العدو ليتسلل عبر هذا الضعف فيأخذ الأرض المباركة وتسقط القدس ويسقط الأقصى في يديه، عند ذلك تبدأ الأمة في التحرك حركة الحياة من جديد حتى إذا وقفت على قدميها كرت على عدوها لتخلص الأرض المباركة منه فتتوحد من أجل ذلك أو بسبب ذلك، كان ذلك في الحروب الصليبية وكان ذلك في حروب التتر وهو الآن، ولذلك بسبب حريق الأقصى في ٢١/ ٨ / ٦٩ انعقد مؤتمر القمة الإسلامي الأول، وخرجت من ذلك المؤتمر منظمة الدول الإسلامية الممثلة في الأمانة العامة الإسلامية في جدة والتي بسببها يعقد وزراء خارجية الدول الإسلامية مؤتمرهم السنوي في إحدى العواصم الإسلامية، وسيستمر اللقاء والتقارب حتى يصل إلى حد التمازج والتلاحم، فيشترك المسلمون كل المسلمين في تحرير الأرض المباركة التي تكون سبب وحدتهم. * * *

стр. 2062

وبمناسبة انعقاد مؤتمر السيرة النبوية في إستانبول، عاصمة المسلمين لعدة قرون، ومركز الخلافة الإسلامية لمئات السنين لا بد من الإشارة إلى الدور الذي لعبته الدولة العثمانية في حماية المقدسات الإسلامية وخصوصا في فلسطين، ولا بد من الإشارة هنا إلى الخليفة العثماني، السلطان عبد الحميد ﵀ حيث رفض أن يعطي اليهود امتيازات في الأرض المباركة، مما جعلهم يحنقون عليه ويشوهون سمعته ويعملون على عزله، متعاونين مع قوى الشر المختلفة من صليبية وماسونية ونعرات قومية، مما هيأ الظروف من بعده إلى التآمر على دولة الخلافة، ومن ثم ذهابها وقيام دولة اليهود في الأرض المباركة، ولكن هذه الدولة لا تدوم كما أسلفت، وكل الدلائل تشير إلى سرعة زوالها، وذلك حتى تتحقق الآيات والأحاديث في حقها ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (١). * * *

стр. 2063

خليل إبراهيم ملا خاطر المرسل عند الإمام الشافعي الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وبعد. لقد اختلفت آراء العلماء في الحكم على الحديث المرسل من حيث قبوله أو رده، كما اختلفوا في حكم الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - عليه أيضا؛ لذا أحببت أن أبين رأي الشافعي ﵀ في الحديث المرسل؛ حاسما الخلاف - إن شاء الله - في حكمه، ناقلا رأيه بشكل واضح من مؤلفاته التي خلفها لنا، وهي معتمدة عند كل من يعرف مذهب الإمام رحمه الله تعالى. فالمرسل: ما رواه التابعي قائلا: قال رسول الله ﷺ ولم يذكر من روى الحديث،

стр. 2064

وكذا لو روى الصحابي الحديث عن رسول الله ﷺ ولم يسمعه منه، بل سمعه من صحابي آخر، ولكن أسقطه، فهذا كله مرسل. ولما كان التابعون ﵃ منهم من رأى جمعا غفيرا جدا من الصحابة ﵃، وهؤلاء من كبار التابعين، ومنهم من رأى عددا محدودا منهم، وهؤلاء هم صغار التابعين، فقد اختلف حكم الشافعي ﵁ بالنسبة لمرسل التابعي الكبير ومرسل التابعي الصغير، وكذا بالنسبة لمرسل الصحابي، فقد رد مرسل التابعي الصغير، وقبل مرسل الصحابي، وقبل مرسل التابعي الكبير بشروط. ولما كان قد اشتهر أن الإمام الشافعي ﵀ يأخذ بمرسلات سعيد بن المسيب ﵁، فقد أحببت أن أبين اختلاف حكمه بالنسبة لمرسل الصحابي ثم مرسل التابعي الكبير ثم مرسل التابعي الصغير، ثم أحرر القول فيما اشتهر من أخذه بمرسل سعيد ﵀ بعد أن أشير إلى حالة قبول المرسل أو رده قبل الإمام الشافعي ﵀.

стр. 2065

١ - المرسل قبل الشافعي قال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة: " وأما المرسل فقد كان يحتج به العلماء فيما مضى، مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلم فيه (١).، وقال

стр. 2066

ابن جرير: " أجمع التابعون بأسرهم على قبول المرسل ولم يأت عنهم إنكاره ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين - قال ابن عبد البر - كأنه يعني أن الشافعي أول من رده " (١).، اهـ. قلت: ويستغرب من ابن جرير ادعاؤه إجماع التابعين على قبول المرسل، وكذا ادعاؤه عدم ورود إنكاره عن أحد من الأئمة قبل الشافعي، فقد رد المرسل سعيد بن المسيب، وهو من كبار التابعين، وابن سيرين والزهري وابن مهدي وابن القطان والأوزاعي وشعبة وغير واحد، فكيف يجوز أن يدعي بأن الشافعي هو أول من رده!!! ولهذا قال في توجيه النظر: " وقد انتقد بعضهم قول من قال: إن الشافعي أول من ترك الاحتجاج بالمرسل، فقد نقل ترك الاحتجاج عن سعيد بن المسيب وهو من كبار التابعين، ولم ينفرد هو بذلك بل قال به من بينهم ابن سيرين والزهري، وقد ترك الاحتجاج بالمرسل ابن مهدي ويحيى القطان وغير واحد ممن قبل الشافعي. والذي يمكن نسبته إلى الشافعي في أمر المرسل هو زيادة البحث عنه والتحقيق فيه " (٢).، اهـ. وقال ابن الأثير: " والناس في قبول المراسيل مختلفون، وأما أهل الحديث قاطبة أو معظمهم، فإن المراسيل عندهم واهية غير محتج بها، وإليه ذهب الشافعي وأحمد بن حنبل، وهو قول ابن المسيب والزهري والأوزاعي ومن بعدهم من فقهاء الحجاز. . " (٣).، اهـ. قلت: إطلاق ابن الأثير القول في حكم الشافعي غير جيد كما ستراه إن شاء الله تعالى في مرسل كبار التابعين. والسبب الذي حدا بهؤلاء الأئمة إلى رد المرسل ما قاله الإمام السخاوي ﵀: " من وجود الصفات المذمومة فيما بعد الصحابة ﵃ من القرنين، لكن بقلة بخلاف من بعد القرون الثلاثة فإن ذلك أكثر فيهم وأشهر، وقد روى الشافعي عن عمه عن هشام بن عروة عن أبيه قال: إني لأسمع الحديث أستحسنه فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أن يسمعه سامع فيقتدي بي، وذلك أني أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدث عمن أثق به، أو أسمعه من رجل أثق به قد حدث به عمن لا أثق به _ وهذا كما قال ابن عبد البر: يدل على أن ذلك الزمان - أي زمان الصحابة والتابعين كان يحدث فيه الثقة وغيره، ونحوه ما أخرجه العقيلي من حديث ابن عون قال: ذكر أيوب السختياني لمحمد بن سيرين حديثا عن أبي قلابة، فقال: أبو قلابة رجل صالح ولكن عمن ذكره أبو قلابة؟ ومثل هذا حديث عاصم عن ابن سيرين قال: كانوا لا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتنة بعد. وأعلى من هذا ما رويناه في الحلية من طريق ابن مهدي عن ابن لهيعة أنه سمع شيخا من الخوارج يقول بعدما تاب: إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم - فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا. اهـ، قال السخاوي: ولذا قال شيخنا: إن هذه - والله - قاصمة الظهر للمحتجين بالمرسل، إذ بدعة الخوارج كانت في مبدأ الإسلام. والصحابة متوافرون ثم في عصر التابعين فمن بعدهم وهؤلاء إذا استحسنوا أمرا جعلوه حديثا وأشاعوه، فربما سمع الرجل الشيء فحدث به، ولم يذكر من حدثه به تحسينا للظن فيحمله عنه غيره، ويجيء الذي يحتج بالمقاطع فيحتج به مع كون أصله ما ذكرت ولا حول ولا قوة إلا بالله (٤). .

стр. 2067

ومن الذي ذكرناه يظهر لنا أن الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - لم يكن هو أول من رد المرسل وإنما تحقق فيه، كما سنذكره قريبا إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 2068

٢ - مرسل الصحابي المشهور من مذهب الشافعي ﵀ قبول مرسل الصحابي، وهو في هذا مثل الجمهور في قبوله، إلا أنه قد نقل بعضهم عنه عدم الاحتجاج به، فقد قال القاضي عبد الجبار: " إن مذهب الشافعي أن الصحابي إذا قال: قال رسول الله ﷺ كذا، قبل، إلا إن علم أنه أرسله، وكذا نقله ابن بطال في أوائل شرحه للبخاري عن الشافعي، قلت: وهذا القول غير سليم فقد قال السخاوي: فالنقل بذلك عن الشافعي خلاف المشهور من مذهبه، وقد صرح ابن برهان في الوجيز: أن مذهبه أن المراسيل لا يجوز الاحتجاج بها إلا مراسيل الصحابة ومراسيل سعيد، وما انعقد الاجتماع على العمل به " (١).، اهـ قلت: وما أطلقه ابن برهان غير مسلم كما ستراه في مرسل كبار التابعين ومرسل سعيد. وقد ذكر الإمام النووي ﵀ أن مذهب الشافعي في مرسل الصحابي وهو ما رواه عن النبي ﷺ ما لم يدركه أو لم يحضره أنه حجة، حيث قال: " ومذهب الشافعي أنه إذا انضم إلى المرسل ما يعضده احتج به وبان بذلك صحته. . سواء عنده في هذا مرسل سعيد بن المسيب وغيره. . .، ثم قال: هذا في غير مرسل الصحابي، أما مرسله وهو روايته ما لم يدركه أو يحضره، كقول عائشة رضي الله تعالى عنها: «كان أول ما بدأ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا (٢)»، فمذهب الشافعي والجماهير أنه حجة " (٣).، اهـ. وهذا ما أكده الحافظ السيوطي عند شرحه لعبارة النووي (أما مرسله - أي الصحابي - فمحكوم بصحته على المذهب الصحيح)، قال السيوطي: الذي قطع به الجمهور من أصحابنا وغيرهم وأطبق عليه المحدثون المشترطون للصحيح القائلون بضعف المرسل. . . لأن أكثر رواياتهم عن الصحابة، وكلهم عدول، ورواياتهم عن غيرهم نادرة وإذا رووها بينوها بل أكثر ما رواه الصحابة عن التابعين، ليس أحاديث مرفوعة بل إسرائيليات أو حكايات موقوفات. . . " (٤).، اهـ، قلت: وقد حدث بعض الصحابة ﵃ أنهم حدثوا عن أنفسهم أنه ليس كل قول يقولونه قال رسول الله ﷺ قد سمعوه منه ﷺ ، فقد ذكر الخطيب من هذا كثيرا، فأخرج بسنده إلى البراء بن عازب ﵁، قال: ليس كلنا سمع حديث رسول الله ﵌، كانت لنا ضيعة وأشغال وكان الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ فيحدث الشاهد الغائب. وأخرج عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: ليس كل ما نحدثكم عن رسول الله ﷺ سمعناه منه،

стр. 2069

ولكن حدثنا أصحابنا ونحن قوم لا يكذب بعضهم بعضا (١).، اهـ. ولم يكن هذا شأن صغار الصحابة ﵃ كأنس وابن عباس وعائشة وابن الزبير وأمثالهم ﵃ فحسب، بل وجد هذا حتى من كبار الصحابة كعمر بن الخطاب وغيره، فقد قال عمر بن الخطاب ﵁: " كان لي أخ يشهد رسول الله ﷺ يوما، وأشهده يوما، فإذا غبت جاءني بما يكون من الوحي وما يكون من رسول الله ﷺ . . . " (٢).، اهـ. فقد كان يتناوب هو وأخ له أنصاري يوما بعد يوم. ومن هذا نجد الشافعي ﵀ ملأ كتبه بحديث ابن عباس وعائشة وابن عمر وأبي هريرة الذي قصرت مدة إقامته عند النبي ﷺ ، فلم تزد على أربع سنوات بالذي سمعوه من النبي ﷺ أو لم يسمعوه، ولم يتعرض الشافعي ﵀ إلى رواية واحدة من هذه الأحاديث الكثيرة التي رواها عن هؤلاء بطعن أو رد مما يدل على اعتبارها حجة وهي كالمتصلة إذ لم يفرق بينهما، حتى يقال: كيف فعل أو يحتاج إلى تخريج. والله أعلم. * * *

стр. 2070

٣ - مرسل كبار التابعين لقد مرت بنا عبارة ابن عبد البر - كأنه يعني أن الشافعي أول من رده - فهي تدل على أن العلماء اختلفوا في رأي الشافعي في المرسل، إذا ما قيست فيمن يقول: بأن الشافعي لم يقبل إلا مرسل سعيد (١). وفيمن يقول: بأن الشافعي يقبل المرسل إذا لم يجد سواه من غير تقييد (٢). . وفيمن يقول يستحب العمل بمرسل سعيد فقط. لقد ذكر الإمام الشافعي ﵀ في كتاب الرسالة رأيه واضحا جليا لا يحتاج إلى الاعتماد على غيره، كما أن كل من نقل هذا من علماء المصطلح ذكروا قيده، كالنووي والعراقي والسخاوي والسيوطي وغيرهم. قال العراقي: والشافعي بالكبار قيدا ... ومن روى عن الثقات أبدا ومن إذا شارك أهل الحفظ ... وافقهم إلا بنقص لفظ (٣)
следующие страницы →