← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

ابن جرير: " أجمع التابعون بأسرهم على قبول المرسل ولم يأت عنهم إنكاره ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين - قال ابن عبد البر - كأنه يعني أن الشافعي أول من رده " (١).، اهـ. قلت: ويستغرب من ابن جرير ادعاؤه إجماع التابعين على قبول المرسل، وكذا ادعاؤه عدم ورود إنكاره عن أحد من الأئمة قبل الشافعي، فقد رد المرسل سعيد بن المسيب، وهو من كبار التابعين، وابن سيرين والزهري وابن مهدي وابن القطان والأوزاعي وشعبة وغير واحد، فكيف يجوز أن يدعي بأن الشافعي هو أول من رده!!! ولهذا قال في توجيه النظر: " وقد انتقد بعضهم قول من قال: إن الشافعي أول من ترك الاحتجاج بالمرسل، فقد نقل ترك الاحتجاج عن سعيد بن المسيب وهو من كبار التابعين، ولم ينفرد هو بذلك بل قال به من بينهم ابن سيرين والزهري، وقد ترك الاحتجاج بالمرسل ابن مهدي ويحيى القطان وغير واحد ممن قبل الشافعي. والذي يمكن نسبته إلى الشافعي في أمر المرسل هو زيادة البحث عنه والتحقيق فيه " (٢).، اهـ. وقال ابن الأثير: " والناس في قبول المراسيل مختلفون، وأما أهل الحديث قاطبة أو معظمهم، فإن المراسيل عندهم واهية غير محتج بها، وإليه ذهب الشافعي وأحمد بن حنبل، وهو قول ابن المسيب والزهري والأوزاعي ومن بعدهم من فقهاء الحجاز. . " (٣).، اهـ. قلت: إطلاق ابن الأثير القول في حكم الشافعي غير جيد كما ستراه إن شاء الله تعالى في مرسل كبار التابعين. والسبب الذي حدا بهؤلاء الأئمة إلى رد المرسل ما قاله الإمام السخاوي ﵀: " من وجود الصفات المذمومة فيما بعد الصحابة ﵃ من القرنين، لكن بقلة بخلاف من بعد القرون الثلاثة فإن ذلك أكثر فيهم وأشهر، وقد روى الشافعي عن عمه عن هشام بن عروة عن أبيه قال: إني لأسمع الحديث أستحسنه فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أن يسمعه سامع فيقتدي بي، وذلك أني أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدث عمن أثق به، أو أسمعه من رجل أثق به قد حدث به عمن لا أثق به _ وهذا كما قال ابن عبد البر: يدل على أن ذلك الزمان - أي زمان الصحابة والتابعين كان يحدث فيه الثقة وغيره، ونحوه ما أخرجه العقيلي من حديث ابن عون قال: ذكر أيوب السختياني لمحمد بن سيرين حديثا عن أبي قلابة، فقال: أبو قلابة رجل صالح ولكن عمن ذكره أبو قلابة؟ ومثل هذا حديث عاصم عن ابن سيرين قال: كانوا لا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتنة بعد. وأعلى من هذا ما رويناه في الحلية من طريق ابن مهدي عن ابن لهيعة أنه سمع شيخا من الخوارج يقول بعدما تاب: إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم - فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا. اهـ، قال السخاوي: ولذا قال شيخنا: إن هذه - والله - قاصمة الظهر للمحتجين بالمرسل، إذ بدعة الخوارج كانت في مبدأ الإسلام. والصحابة متوافرون ثم في عصر التابعين فمن بعدهم وهؤلاء إذا استحسنوا أمرا جعلوه حديثا وأشاعوه، فربما سمع الرجل الشيء فحدث به، ولم يذكر من حدثه به تحسينا للظن فيحمله عنه غيره، ويجيء الذي يحتج بالمقاطع فيحتج به مع كون أصله ما ذكرت ولا حول ولا قوة إلا بالله (٤). .

стр. 2067

ومن الذي ذكرناه يظهر لنا أن الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - لم يكن هو أول من رد المرسل وإنما تحقق فيه، كما سنذكره قريبا إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 2068

٢ - مرسل الصحابي المشهور من مذهب الشافعي ﵀ قبول مرسل الصحابي، وهو في هذا مثل الجمهور في قبوله، إلا أنه قد نقل بعضهم عنه عدم الاحتجاج به، فقد قال القاضي عبد الجبار: " إن مذهب الشافعي أن الصحابي إذا قال: قال رسول الله ﷺ كذا، قبل، إلا إن علم أنه أرسله، وكذا نقله ابن بطال في أوائل شرحه للبخاري عن الشافعي، قلت: وهذا القول غير سليم فقد قال السخاوي: فالنقل بذلك عن الشافعي خلاف المشهور من مذهبه، وقد صرح ابن برهان في الوجيز: أن مذهبه أن المراسيل لا يجوز الاحتجاج بها إلا مراسيل الصحابة ومراسيل سعيد، وما انعقد الاجتماع على العمل به " (١).، اهـ قلت: وما أطلقه ابن برهان غير مسلم كما ستراه في مرسل كبار التابعين ومرسل سعيد. وقد ذكر الإمام النووي ﵀ أن مذهب الشافعي في مرسل الصحابي وهو ما رواه عن النبي ﷺ ما لم يدركه أو لم يحضره أنه حجة، حيث قال: " ومذهب الشافعي أنه إذا انضم إلى المرسل ما يعضده احتج به وبان بذلك صحته. . سواء عنده في هذا مرسل سعيد بن المسيب وغيره. . .، ثم قال: هذا في غير مرسل الصحابي، أما مرسله وهو روايته ما لم يدركه أو يحضره، كقول عائشة رضي الله تعالى عنها: «كان أول ما بدأ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا (٢)»، فمذهب الشافعي والجماهير أنه حجة " (٣).، اهـ. وهذا ما أكده الحافظ السيوطي عند شرحه لعبارة النووي (أما مرسله - أي الصحابي - فمحكوم بصحته على المذهب الصحيح)، قال السيوطي: الذي قطع به الجمهور من أصحابنا وغيرهم وأطبق عليه المحدثون المشترطون للصحيح القائلون بضعف المرسل. . . لأن أكثر رواياتهم عن الصحابة، وكلهم عدول، ورواياتهم عن غيرهم نادرة وإذا رووها بينوها بل أكثر ما رواه الصحابة عن التابعين، ليس أحاديث مرفوعة بل إسرائيليات أو حكايات موقوفات. . . " (٤).، اهـ، قلت: وقد حدث بعض الصحابة ﵃ أنهم حدثوا عن أنفسهم أنه ليس كل قول يقولونه قال رسول الله ﷺ قد سمعوه منه ﷺ ، فقد ذكر الخطيب من هذا كثيرا، فأخرج بسنده إلى البراء بن عازب ﵁، قال: ليس كلنا سمع حديث رسول الله ﵌، كانت لنا ضيعة وأشغال وكان الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ فيحدث الشاهد الغائب. وأخرج عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: ليس كل ما نحدثكم عن رسول الله ﷺ سمعناه منه،

стр. 2069

ولكن حدثنا أصحابنا ونحن قوم لا يكذب بعضهم بعضا (١).، اهـ. ولم يكن هذا شأن صغار الصحابة ﵃ كأنس وابن عباس وعائشة وابن الزبير وأمثالهم ﵃ فحسب، بل وجد هذا حتى من كبار الصحابة كعمر بن الخطاب وغيره، فقد قال عمر بن الخطاب ﵁: " كان لي أخ يشهد رسول الله ﷺ يوما، وأشهده يوما، فإذا غبت جاءني بما يكون من الوحي وما يكون من رسول الله ﷺ . . . " (٢).، اهـ. فقد كان يتناوب هو وأخ له أنصاري يوما بعد يوم. ومن هذا نجد الشافعي ﵀ ملأ كتبه بحديث ابن عباس وعائشة وابن عمر وأبي هريرة الذي قصرت مدة إقامته عند النبي ﷺ ، فلم تزد على أربع سنوات بالذي سمعوه من النبي ﷺ أو لم يسمعوه، ولم يتعرض الشافعي ﵀ إلى رواية واحدة من هذه الأحاديث الكثيرة التي رواها عن هؤلاء بطعن أو رد مما يدل على اعتبارها حجة وهي كالمتصلة إذ لم يفرق بينهما، حتى يقال: كيف فعل أو يحتاج إلى تخريج. والله أعلم. * * *

стр. 2070

٣ - مرسل كبار التابعين لقد مرت بنا عبارة ابن عبد البر - كأنه يعني أن الشافعي أول من رده - فهي تدل على أن العلماء اختلفوا في رأي الشافعي في المرسل، إذا ما قيست فيمن يقول: بأن الشافعي لم يقبل إلا مرسل سعيد (١). وفيمن يقول: بأن الشافعي يقبل المرسل إذا لم يجد سواه من غير تقييد (٢). . وفيمن يقول يستحب العمل بمرسل سعيد فقط. لقد ذكر الإمام الشافعي ﵀ في كتاب الرسالة رأيه واضحا جليا لا يحتاج إلى الاعتماد على غيره، كما أن كل من نقل هذا من علماء المصطلح ذكروا قيده، كالنووي والعراقي والسخاوي والسيوطي وغيرهم. قال العراقي: والشافعي بالكبار قيدا ... ومن روى عن الثقات أبدا ومن إذا شارك أهل الحفظ ... وافقهم إلا بنقص لفظ (٣)

стр. 2071

قال الشافعي: فقال، أي المناظر: فهل تقوم بالحديث المنقطع حجة على من علمه. وهل يختلف المنقطع؟ أو هو وغيره سواء؟ قال الشافعي: فقلت له: المنقطع مختلف، فمن شاهد أصحاب رسول الله ﷺ من التابعين فحدث حديثا منقطعا عن النبي ﷺ أعتبر عليه بأمور، منها: أن ينظر إلى ما أرسل من الحديث، فإن شركه فيه الحفاظ المأمونون فأسندوه إلى رسول الله ﷺ بمثل معنى ما روى، كانت هذه دلالة على صحة من قبل عنه وحفظه، وإن انفرد بإرسال حديث لم يشاركه فيه من يسنده قبل ما ينفرد به من ذلك ويعتبر عليه بأن ينظر: هل يوافقه مرسل غيره ممن قبل العلم عنه من غير رجاله الذين قبل عنهم فإن وجد ذلك كانت دلالة يقوى له مرسله وهو أضعف من الأولى، وإن لم يوجد ذلك نظر إلى بعض ما يروى عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ قولا له، فإن وجد يوافق ما روي عن رسول الله ﷺ كانت في هذه دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح إن شاء الله تعالى، وكذلك إذا وجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روي عن النبي ﷺ ، قال الشافعي: ثم يعتبر عليه، بأن يكون إذا سمى من روى عنه لم يسمي (١)، مجهولا ولا مرغوبا عن الرواية عنه، فيستدل بذلك على صحته فيما روي عنه، ويكون إذا شرك أحدا من الحفاظ في الحديث لم يخالفه، فإن خالفه وجد حديثه أنقص _ كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه، ومتى خالف ما وصفت أضر بحديثه، حتى لا يسع أحدا منهم قبول مرسله، قال: وإذا وجدت الدلائل بصحة حديثه بما وصفت أحببنا أن نقبل مرسله، ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة تثبت ثبوتها بالمتصل، وذلك أن معنى المنقطع مغيب يحتمل أن يكون حمل عمن يرغب عن الرواية عنه إذا سمى، وأن بعض المنقطعات - وإن وافقه مرسل مثله - فقد يحتمل أن يكون مخرجها واحدا من حيث لو سمى لم يقبل، وأن قول بعض أصحاب النبي ﷺ يوافقه، ويحتمل مثل هذا في فيمن وافقه من بعض الفقهاء (٢)، اهـ. ومن هذا النص نستطيع أن نحدد شروط قبول الشافعي للمرسل. فقد اشترط أن يكون المرسل من كبار التابعين ثم بشرط الاعتبار في المرسل والمرسل. فاعتباره بالمرسل (بالفتح) ١ - أن يأتي مسندا من طريق آخر، لقوله: أن ينظر إلى ما أرسل من الحديث فإن شركه فيه الحفاظ المأمونون فأسندوه إلى رسول الله ﷺ بمثل معنى ما روي. ٢ - أن يوافقه مرسل آخر بشرط أن يكون من غير رجال المرسل الأول، لقوله: ويعتبر عليه: بأن ينظر هل يوافقه مرسل غيره ممن قبل العلم عنه من غير رجاله الذين قبل عنهم.

стр. 2072

٣ - أن يوافقه قول لبعض الصحابة ﵃ لقوله: وإن لم يوجد نظر إلى بعض ما يروى عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ قولا له. ٤ - أن يوافقه فتوى أكثر العلماء بمقتضاه لقوله: وكذلك إن وجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روي عن النبي ﷺ . وأما اعتباره بالمرسل (بالكسر): ١ - أن يكون إذا سمى من روى عنه لا يسمي مجهولا ولا مرغوبا عن الرواية عنه لقوله: ثم يعتبر عليه: بأن يكون إذا سمى من روى عنه لم يسمي (١). مجهولا ولا مرغوبا عن الرواية عنه فهو ثقة لا يروي إلا عن ثقات. ٢ - أن يكون إذا شرك أحدا من الحفاظ في حديث لم يخالفه، بحيث يكون ثبتا حافظا وذلك لقوله: ويكون إذا شرك أحدا من الحفاظ في حديث لم يخالفه، فإن خالفه وجد حديثه أنقص كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه، فقد شرط أن يكون المرسل ثقة حافظا، ضابطا ثبتا، وكذلك لا يروي إلا عن مثله، فإن كان يروي عن الضعفاء والمجهولين لا يقبل مرسله، والله أعلم.

стр. 2073

٤ - حجية المرسل بعد الاعتضاد إن هذه الشروط التي وضعها الشافعي - رحمه الله تعالى - لقبول المرسل وقيده بها إن فقد منها شرط ضر ذلك بالمرسل فلا يقبل، لقوله: ومتى خالف ما وصفت أضر بحديثه، حتى لا يسع أحدا منهم قبول مرسله، وقد بين الشافعي ﵀ الشبهة في هذا، عندما قال في آخر ما نقلناه عنه: وذلك أن معنى المنقطع مغيب يحتمل أن يكون حمل عمن يرغب عن الرواية عنه إذا سمى. وإن بعض المنقطعات وإن وافقه مرسل مثله، فقد يحتمل أن يكون مخرجها واحدا من حيث لو سمى لم يقبل، وإن قول بعض الصحابة، إذا قال لو وافقه يدل على صحة المخرج، ويمكن أن يكون إنما

стр. 2074

غلط به حين سمع قول الصحابي يوافقه، ويحتمل مثل هذا فيمن وافقه من بعض الفقهاء، وقال الشيخ أحمد شاكر معلقا: " يريد بيان المعنى الذي كان عنه المنقطع مغيبا مع ترجيح المنقطع عن كبار التابعين إذا وافقه قول بعض الصحابة فيأتي بوجهي الاحتمال الأول: أن موافقة قول الصحابي يدل دلالة قوية على صحته، والثاني يمكن أن يكون التابعي سمع الخبر ممن لو سمى لم يقبل فلما رأى قول الصحابي يوافقه غلط فيه فظنه أمارة صحته، فرواه على الإرسال، ولم يسم من حدثه إياه. " (١)، اهـ. أما إذا عضد بمسند جاء من طريق آخر، فلا يخلو إن كان المسند صحيحا صار (أي المسند والمرسل) أقوى من صحيح جاء من طريق واحد، كما قال العراقي: فإن يقل فالمسند المعتمد ... فقل: دليلان به يعتضد أي فإن قيل: قولكم يقبل المرسل إذا جاء مسندا من وجه آخر لا حاجة حينئذ إلى المرسل، بل الاعتماد حينئذ على الحديث المسند، والجواب أنه بالمسند تبينا صحة المرسل، وصارا دليلين يرجح بهما عند معارضة دليل واحد، فقوله: " به " أي بالمسند يعتضد المرسل (٢). وهو الذي ذكره النووي في التقريب (٣).، وقال ابن الصلاح في الجواب: " فجوابه أنه بالمسند تتبين صحة الإسناد الذي فيه الإرسال حتى يحكم له مع إرساله بأنه إسناد صحيح تقوم به الحجة (٤).، وأما إذا كان العاضد مسندا ضعيفا أو مرسلا آخر من غير طريق الأول وغيرهما مما ذكره الشافعي فإنه يحتج به؛ لأنه صار في مرتبة الحسن، كما قال ابن الصلاح في الحسن: الحسن يتقاصر عن الصحيح. من شرطه أن يكون رواته قد ثبتت عدالتهم وضبطهم وإتقانهم. . . وذلك غير مشترط في الحسن فإنه يكتفي فيه بما سبق ذكره من مجيء الحديث من وجوه وغير ذلك مما تقدم شرحه، وإذا استبعد ذلك من الفقهاء الشافعية مستبعد ذكرنا له نص الشافعي ﵁ في مراسيل التابعين أنه يقبل منها المرسل إذا جاء نحوه مسندا، وكذلك لو وافقه مرسل آخر أرسله من أخذ العلم عن غير رجال التابعي الأول في كلام له. . . " (٥)، اهـ. وقد قيد الرازي المسند في مسند لم تقم به الحجة إذا انفرد حتى تكون القوة من هيئة الاجتماع (٦). وقال ابن الصلاح أيضا: " ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه بل ذلك يتفاوت. . . وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر (٧)، اهـ. وهذا ما اعتمده النووي، وقال العراقي في منظومته: لكن إذا صح لنا مخرجه ... بمسند أو مرسل يخرجه

стр. 2075

من ليس يروي عن رجال الأول ... نقبله قلت: الشيخ لم يفصل (١) وقال في الحسن: ألا ترى المرسل حيث أسندا ... أو أرسلوا كما يجيء اعتضدا (٢) قال السخاوي: " وصار حجة " (٣)، وهذا هو قول العراقي والسيوطي، إلا أنه قال: وكان دون الحسن لذاته (٤)، وزكريا الأنصاري وغيرهم إلا أن الملاحظ أن ابن الصلاح لم يفرق بين كبار التابعين وصغارهم كما نص عليه الشافعي ونبه عليه العراقي. والذي ذهبت إليه من تقسيم المرسل بالعاضد إلى صحيح وحسن: هو ما أشار إليه الشافعي في الرسالة فقال في الأول: إذا كان العاضد مسندا صحيحا اعتبر عليه بأمور، منها: أن ينظر إلى ما أرسل من الحديث، فإن شركه فيه الحفاظ المأمونون فأسندوه إلى رسول الله ﷺ بمثل معنى ما روى، كانت هذه دلالة على صحة من قبل عنه وحفظه. وقال في العاضد: إذا لم يكن مسندا. . . وإذا وجدت الدلائل بصحة حديثه بما وصفت، أحببنا أن نقبل مرسله، ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة تثبت به ثبوتها بالمتصل، اهـ. كما مر ومعنى قول أحببنا: اخترنا، كما قال البيهقي (٥)، ومعنى هذا إذا عارضه حديث متصل صحيح قدم عليه، لأنا لا نستطيع أن نزعم أن الحجة تثبت به ثبوتها بالمتصل، فهو دونه، أما الأول فكما ذكرنا وأما إذا لم يوجد إلا المرسل فقد نقل الماوردي عن الشافعي أنه يأخذ به (٦) وقال السبكي: " إذا دل على محظور ولم يوجد سواه فالأظهر وجوب الانكفاف - يعني احتياطا " (٧)، والله أعلم. * * *

стр. 2076

٥ - مرسل صغار التابعين إن الشافعي - رحمه الله تعالى - رد مرسل صغار التابعين المرة، ولم يقبله مع أنه أطلق عليه اسم المرسل، فقال في الرسالة: فأما من بعد كبار التابعين الذين كثرت مشاهدتهم لبعض أصحاب رسول الله ﷺ فلا أعلم واحدا يقبل مرسله لأمور، أحدها: أنهم أشد تجوزا

стр. 2077

ممن يروون عنه، والآخر: أنهم توجد عليهم الدلائل فيما أرسلوا بضعف مخرجه، والآخر: كثرة الإحالة كان أمكن للوهم وضعف من يقبل عنه. وقد خبرت بعض من خبرت من أهل العلم فرأيتهم أتوا من خصلة وضدها، رأيت الرجل يقنع بيسير العلم ويريد ألا أن يكون مستفيدا إلا من جهة، قد يتركه من مثلها أو أرجح، فيكون من أهل التقصير في العلم، ورأيت من عاب هذه السبيل ورغب في التوسع في العلم من دعاه ذلك إلى القبول عمن لو أمسك عن القبول عنه كان خيرا له، ورأيت الغفلة قد تدخل على أكثرهم فيقبل عمن يرد مثله وخيرا منه، ويدخل عليه فيقبل عمن يعرف ضعفه إذا وافق قولا يقوله، ويرد حديث الثقة إذا خالف قولا يقوله، ويدخل على بعضهم من جهات، ومن نظر في العلم بخبرة وقلة غفلة استوحش من مرسل كل من دون كبار التابعين بدلائل ظاهرة فيها. قال: فلم فرقت بين التابعين المتقدمين الذين شاهدوا أصحاب رسول الله ﷺ وبين من شاهد بعضهم دون بعض؟ فقلت: لبعد إحالة من لم يشاهد أكثرهم، قال: فلم لا تقبل المرسل منهم ومن كل فقيه دونهم؟ قلت: لما وصفت، قال: وهل تجد حديثا تبلغ به عن رسول الله ﷺ لم يقل أحد من أهل الفقه به؟ قلت: نعم، أخبرنا سفيان عن محمد بن المنكدر «أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لي مالا وعيالا، وإن لأبي مالا وعيالا، وإنه يريد أن يأخذ مالي فيطعمه عياله، فقال رسول الله ﷺ : أنت ومالك لأبيك (١)». قال محمد بن المنكدر: عندكم غاية في الثقة، قلت: أجل والفضل في الدين والورع، ولكنا لا ندري عمن قبل هذا الحديث، وقد وصفت لك الشاهدين يشهدان على الرجل فلا تقبل شهادتهما حتى يعدلاهما أو يعدلهما غيرهما، قال: فتذكر من حديثكم مثل هذا؟ قلت: نعم، أخبرنا الثقة عن ابن أبي ذئب عن ابن شهاب أن رسول الله ﷺ «أمر رجلا ضحك في الصلاة أن يعيد الوضوء والصلاة (٢)»، فلم نقبل هذا لأنه مرسل. ثم أخبرنا الثقة عن معمر عن ابن شهاب عن سليمان بن أرقم عن الحسن عن النبي ﷺ بهذا الحديث، وابن شهاب عندنا إمام في الحديث والتخيير وثقة الرجال، إنما يسمي بعض أصحاب النبي ﷺ ثم خيار التابعين، ولا نعلم محدثا يسمي أفضل ولا أشهد ممن يحدث عنه ابن شهاب، قال: فأنى تراه أتى في قبوله عن سليمان بن أرقم، رآه رجلا من أهل المروءة والعقل فقبل عنه وأحسن الظن به فسكت عن اسمه إما لأنه أصغر منه، وإما لغير ذلك، وسأله معمر عن حديثه فأسنده له، فلما أمكن في ابن شهاب أن يكون يروي عن سليمان مع - ما وصفت به ابن شهاب - لم يؤمن مثل هذا على غيره. . . (٣) اهـ. فقد ذكر الشافعي ﵀ سبب رده لمرسل صغار التابعين، كونهم أشد تجوزا ممن يروون عنهم، وضعف مخرج ما أرسلوه، وكثرة الإحالة، وهذه الخصال الثلاثة أمكن للوهم وضعف من يقبل عنه، كما أنه قرر أن بعض من توسع في العلم يروي عن أناس لو أمسك عن الأخذ عنهم كان خيرا له. ثم يقرر شناعة مرسل

стр. 2078

صغار التابعين، وذلك أن صغار التابعين يروي أغلبهم عن كبار التابعين، وقد تصل الوسائط إلى سبعة أشخاص. وكان قد ظهر في ذلك الوقت من يرغب عن الرواية عنه، فإذا سكت الراوي عمن روى عنه فيحتمل أن يكون من هؤلاء، ويحتمل غيره، لذا كان الأولى رد حديثه، وقد مثل الشافعي ﵀ بالزهري وابن المنكدر مع جلالتهما وفضلهما وانتقائهما الشيوخ الذين يرويان عنهم، فلما صرح الزهري بسليمان بن أرقم - وهو ضعيف جدا لا يقبل حديثه - رد مرسله ومرسل من كان كذلك، لذلك يقول ﵀: " يقولون يحابي ولو حابينا لحابينا الزهري، وإرسال الزهري ليس بشيء، وذاك أنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم. " (١)، اهـ، فإذا كان الزهري مع انتقائه الشيوخ والفضل والعلم يروي عن مثل سليمان بن أرقم فما بالك بغيره الذي لم يصل إلى مثل الزهري في الانتقاء والإمامة في الحديث والتخيير وثقة الرجال!؟ * * *

стр. 2079

٦ - مرسل سعيد بن المسيب لقد اختلف علماء الشافعية بالنسبة لمرسلات سعيد ﵀ فمنهم من يراها حجة، ومنهم من يراها ليست بحجة، بل هي كغيرها من المراسيل، وسبب اختلافهم راجع إلى فهم عبارة الإمام الشافعي التي وردت في مختصر المزني: " وإرسال ابن المسيب حسن ". وسبب تخصيص مرسلات سعيد من غيرها عندهم؛ لأنه من أولاد الصحابة، فإن أباه المسيب ابن حزن من أصحاب الشجرة وبيعة الرضوان، وقد أدرك سعيد عمر وعثمان إلى آخر العشرة، وهو فقيه الحجاز ومفتيهم وأول الفقهاء السبعة، وقال الحاكم: وأيضا فقد تأمل الأئمة المتقدمون مراسيله فوجدوها بأسانيد صحيحة، وهذه الشرائط لم توجد في مراسيل غيره (١)، اهـ. والعبارة كما جاءت في مختصر المزني: قال الشافعي: أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن ابن المسيب: «أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع اللحم بالحيوان»، وعن ابن عباس أن جزورا نحرت على عهد أبي بكر ﵁ فجاء رجل بعناق فقال: أعطوني جزءا بهذه العناق، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا. وكان القاسم بن محمد وابن المسيب وعروة ابن الزبير وأبو بكر بن عبد الرحمن يحرمون بيع اللحم بالحيوان عاجلا وآجلا يعظمون ذلك ولا يرخصون فيه، قال: وبهذا نأخذ: كان اللحم مختلفا أو غير مختلف، ولا نعلم أحدا من أصحاب النبي ﷺ خالف في ذلك أبا بكر وإرسال ابن المسيب عندنا حسن (٢)، اهـ. قال النووي اشتهر عند فقهاء أصحابنا أن مرسل سعيد حجة عند الشافعي حتى إن كثيرا منهم لا يعرفون غير ذلك، وليس الأمر على ذلك (٣). وقال الخطيب: اختلف الفقهاء من أصحاب الشافعي في قوله هذا، منهم من قال: أراد الشافعي به أن مرسل سعيد بن المسيب حجة؛

стр. 2080

لأنه روى حديثه المرسل في النهي عن بيع اللحم بالحيوان، واتبعه بهذا الكلام وجعل الحديث أصلا إذ لم يذكر غيره، فيجعل ترجيحا له، وإنما فعل ذلك لأن مراسيل سعيد تتبعت فوجدت كلها مسانيد عن الصحابة من جهة غيره. ومنهم من قال: لا فرق بين مرسل سعيد بن المسيب وبين مرسل غيره من التابعين، وإنما رجح الشافعي به، والترجيح بالمرسل صحيح، وإن كان لا يجوز أن يحتج به على إثبات الحكم، وهذا هو الصحيح من القولين عندنا؛ لأن من مراسيل سعيد ما لم يوجد مسندا بحال من وجه يصح. وقد جعل الشافعي لمراسيل كبار التابعين مزية على من دونهم، كما استحسن مرسل سعيد بن المسيب على من سواه (١)، اهـ. قلت: وقد رد الخطيب على القول الأول في " الفقيه والمتفقه "، فقال: والذي يقتضي مذهب الشافعي أنه جعل لسعيد مزية في الترجيح لمراسيله خاصة؛ لأن أكثرها وجد متصلا من غير حديثه، لا أنه جعلها أصلا يحتج به (٢)، اهـ. وهذا هو الذي مال إليه ابن الصلاح فقال: ولهذا احتج الشافعي ﵁ بمرسلات سعيد. . . ولا يختص ذلك عنده بإرسال ابن المسيب كما سبق (٣)، اهـ. وذلك بعد أن قال: إن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر (٤).، اهـ. وقال البيهقي: وقد ذكرنا لابن المسيب مراسيل لم يقبلها الشافعي حيث لم ينضم إليها ما يؤكدها ومراسيل لغيره قال بها حين انضم إليها ما يؤكدها، قال: وزيادة ابن المسيب في هذا على غيره أنه أصح التابعين إرسالا فيما زعم الحفاظ (٥)، اهـ. قال النووي فهذان إمامان حافظان فقيهان شافعيان متضلعان من الحديث والفقه والأصول والخبرة التامة بنصوص الشافعي ومعاني كلامه، وأما قول القفال: مرسل ابن المسيب حجة عندنا فهو محمول على التفصيل المتقدم، قال: ولا يصح تعلق من قال إنه حجة بقوله: إرساله حسن؛ لأن الشافعي لم يعتمد عليه وحده، بل لما انضم إليه من قول أبي بكر ومن حضره من الصحابة وقول أئمة التابعين الأربعة الذين ذكرهم وهم أربعة من فقهاء المدينة السبعة، وقد نقل ابن الصباغ وغيره هذا الحكم عن تمام السبعة، وهو مذهب مالك وغيره فهذا عاضد ثان للمرسل (٦)، اهـ. قلت: وقد نقل أن الشافعي كان يحتج بمرسلات سعيد في القديم لكونه يروي عن كبار الصحابة أو كان مرسله يعضده قولهم، وأنها سبرت فوجدت مأخوذة عن أبي هريرة لما بينهما من الوصلة والمصاهرة وأما مذهبه في الجديد أنه كغيره (٧)، وقال النووي وأما قول القفال:. . . . قال الشافعي في الرهن الصغير: مرسل سعيد عندنا حجة فهو محمول على التفصيل الذي قدمناه عن البيهقي والخطيب والمحققين (٨)، قلت: والذي في الرهن الصغير، قال: أي المناظر فكيف قبلتم عن ابن المسيب منقطعا، ولم تقبلوه عن غيره؟ قلنا: لا نحفظ أن ابن المسيب روى منقطعا إلا وجدنا ما يدل على تسديده، ولا آثره عن أحد فيما عرفنا عنه إلا ثقة معروف، فمن كان بمثل حاله قبلنا منقطعه، ورأينا غيره يسمي المجهول ويسمي من يرغب عن الرواية عنه ويرسل عن النبي ﷺ وعن بعض من لم يلحق من أصحابه - المستنكر، الذي لا يوجد له شيء يسدده، ففرقنا بينهم لافتراق أحاديثهم ولم نحاب

стр. 2081

أحدا، ولكنا قلنا في ذلك بالدلالة البينة على ما وصفنا من صحة روايته، وقد أخبرني غير واحد من أهل العلم عن يحيى بن أبي أنيسة عن ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثل حديث ابن أبي ذئب، اهـ. قلت: والحديث الذي أشار إليه هو: قال الشافعي: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن ابن شهاب عن سعيد ابن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه (١)». فقد روى الشافعي هذا الحديث، مرسلا من طريق ابن أبي ذئب، ومتصلا مرفوعا من طريق ابن أبي أنيسة، فليس للقفال فيه دليل على ما ذكره حتى يقول بأنه حجة، ولا لمن يقول: " فهذا كلام الشافعي يدل دلالة قوية على ما ذكره القفال المروزي الذي نقله عنه النووي آنفا " (٢). وذلك لأن الشافعي روى الحديث متصلا، ورواه مرسلا، ومن الطريق نفسه فهو عاضد له - كما مر في مرسلات كبار التابعين - والسنة قائمة في الحديث المتصل المرفوع أكثر من قيامها بالحديث المرسل. وقد نص الشافعي على أن المرسل ضعيف لا تثبت الحجة به ثبوتها بالمتصل، ما لم يعضده مسند صحيح، وهذا أكبر دليل على العاضد المسند من نفس طريق المرسل كما ذكره الشافعي في أول شروط مرسل كبار التابعين. نعم، ذكر ميزة لمرسلات سعيد لا توجد عن غيره ممن أرسل، ومع هذا فلا يخرج مرسله عن مرسلات كبار التابعين عن القيود والشروط التي وضعها فقوله: " فمن كان بمثل حاله قبلنا منقطعة " يوضح أن مرسله كمرسل غيره من كبار التابعين الذين كانوا كحاله ﵀، ولهذا قال الإمام النووي: ومذهب الشافعي: إذا انضم إلى المرسل ما يعضده احتج به وبان بذلك صحته، وذلك بأن يروي مسندا أو مرسلا من جهة أخرى، أو يعمل به بعض الصحابة رضوان الله عليهم أو أكثر العلماء، سواء عنده في هذا مرسل سعيد بن المسيب وغيره (٣)، اهـ، قلت: وعلى هذا: فالحديث الذي ذكره الشافعي في بيع اللحوم بالحيوان يصلح مثالا لقسم المرسل المقبول، فقد عضده قول صحابي وأفتى أكثر أهل العلم بمقتضاه، وذكر السيوطي أن له شاهدا مرسلا آخر، أرسله من أخذ العلم عن غير رجال الأول، وشاهد آخر مسندا، فقال: وروى البيهقي في المدخل من طريق الشافعي: عن مسلم بن خالد عن ابن جريج عن القاسم بن أبي بزة قال: قدمت المدينة فوجدت جزورا قد جزرت، فجزئت أربعة أجزاء، كل جزء منها بعناق، فأردت أن أبتاع منها جزءا، فقال لي الرجل من أهل المدينة: «إن رسول الله ﷺ نهى أن يباع حي بميت»، فسألت عن ذلك الرجل فأخبرت عنه خيرا، قال البيهقي فهذا حديث أرسله ابن المسيب، ورواه القاسم بن أبي بزة عن رجل من أهل المدينة مرسلا، والظاهر أنه غير سعيد؛ فإنه أشهر من ألا يعرفه القاسم بن أبي بزة المكي حتى يسأل عنه. قال: وقد روينا من حديث الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ ،

стр. 2082

إلا أن الحفاظ اختلفوا في سماع الحسن من سمرة، وفي غير حديث العقيقة، فمنهم من أثبته فيكون مثالا للفصل الأول، يعني ما له شاهد مسند، ومنهم من لم يثبته فيكون أيضا مرسلا، انضم إلى مرسل سعيد (١)، اهـ. ومن خلال ما ذكرته يترجح أن الشافعي ﵀ قد سوى بين مرسلات سعيد وغيره من كبار التابعين، إلا أنه قد وضع ميزة لمرسل سعيد على غيره أنه أصح المراسيل. والله أعلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. * * *

стр. 2083

علي عبد الله الدفاع إيجاد جذر المعادلة بطريقة التوسط لابن الهيثم هو أبو علي الحسن بن الحسن بن الهيثم، والمعروف عند الأوربيين بالحازين " ALHAZEN ". ولد في البصرة عام ٩٦٥ م، ونشأ وتعلم فيها، وعمل كاتبا هناك، وزار بغداد عدة مرات للتعرف على علمائها. وتوفي في مصر عام ١٠٣٩ ميلادية، حيث قصد القاهرة وعاش فيها في عهد الخليفة الفاطمي " الحاكم " وحصل على تقدير كبير في بلاطه. قال عنه العالم الكبير في علم الرياضيات ديفيد يوجين سمث في كتابه تاريخ الرياضيات المجلد الثاني: إن ابن الهيثم لم يترك علما من العلوم إلا وكتب فيه، وأشهرها علم الهندسة وعلم

стр. 2084

الفلك وعلم الجبر، وفن صنع الساعات الشمسية (أي المزاول)، وأخذ الشهرة العظيمة في علم البصريات. يروي هورد إيفز في كتابه تاريخ الرياضيات أن ابن الهيثم قال: " لو كنت في مصر لعملت في نيلها عملا يعود بالنفع الكثير على سكانها والعالم أجمع، وذلك بالسيطرة على فيضان مياه النيل ". فوصل هذا الكلام إلى الحاكم بأمر الله الفاطمي الذي تولى الحكم في مصر سنة ٩٩٦ ميلادية، فطلب ابن الهيثم وقدم له كل تكريم وحفاوة، وعهد إليه بتنفيذ ما كان يقوله، فأجرى ابن الهيثم اللازم لدراسة مجرى النيل، حتى وصل إلى أسوان، فوجد أن المصريين قد قاموا بإنشاءات كبيرة هناك، وليس في الإمكان إضافة شيء ما إليها في ظل الإمكانيات التي كانت متوفرة آنذاك. فاعتذر للحاكم عن خطئه وقبل الحاكم عذره. ثم استمر في اهتمامه وعنايته بابن الهيثم، غير أن ابن الهيثم خشي أن يغير الحاكم فكرته؛ حيث إنه كان معروفا بالتقلب وبالإقدام على سفك الدماء، ولكن ابن الهيثم اختفى في مكان بعيدا عن الأنظار خشية من بطش الحاكم به، وفي هذه الحقبة من الزمن بقي يبحث ويؤلف في مخبئه، حتى إن الكثير من علماء العلوم يعتقدون أن هذه الفترة كانت أكثر إنتاجا بالنسبة لفترات حياته الأخرى. كل من أرسطو طاليس وابن خلدون اعتبرا علم البصريات جزءا لا يتجزأ من علم الهندسة، ولهذا السبب اعتبر ابن الهيثم عالما رياضيا في علم الهندسة منذ زمن بعيد. كما درس وترجم معظم مؤلفات إقليدس وأبو لونيوس، كما ركز على دراسة الإدراك الحسي الذي يشرح أن الأجسام كبيرة إذا كانت قريبة، وصغيرة إذا كانت المسافة بعيدة. كما أوضح أيضا الحقيقة في أن الأشياء تظهر كبيرة تحت الماء وخلف الأجسام الشفافة، وناقش ظواهر طبيعية كثيرة، وبرهن على صحتها هندسيا. ولقد أعطى معلومات كثيرة عن القمر وتحركاته حول مداره، وأثبت بطرق عديدة خسوف القمر. * * * ليس من المبالغة إذا اعتبر أن ابن الهيثم هو واضع علم الفيزياء والبصريات على أسسها العلمية الصحيحة، فهو الذي أنكر نظرية إقليدس وبطليموس في علم البصريات التي تقول: إن العين ترسل أشعتها على الأشياء، ولكن ابن الهيثم صحح هذه النظرية في كتابه علم البصريات، وأثبت أن العكس صحيح لنظرية إقليدس وبطليموس. وفي هذا الكتاب وضع الأسس التي لها أهميتها في علم البصريات الحديث. وفي هذا الكتاب تظهر به نظرية ابن الهيثم المشهورة، والتي تقول: إن الشعاع لا يظهر من العين إلى الأجسام، ولكن الأجسام ترسل أشعتها إلى العين. كما أنه بحث في تشريح العين وتركيبها، وفي العدسات والضوء واستعمال العدسات لملافاة عيوب النظر في نفس الكتاب.

стр. 2085

يعتبر ابن الهيثم أعظم علماء المسلمين في جميع فروع المعرفة، وخاصة علم الفيزياء، ومن أعظم الباحثين في علم الضوء في جميع العصور. كما أن له مؤلفات كثيرة في الطب والفلسفة والمنطق. ونال الشهرة بكتابه " المناظر " الذي يحتوي على اكتشافات كثيرة في فيزياء النظر ودراسة الانعكاس وانكسار الأشعة. وقد ترجم هذا الكتاب إلى اللغة اللاتينية، وبقي المرجع الوحيد في هذا الحقل حتى القرن السابع عشر الميلادي في جميع أنحاء العالم، وخاصة في أوربا. وقال المؤلف روز بول في كتابه المختصر في تاريخ الرياضيات: إن ابن الهيثم برهن نظريات في علم الفيزياء الحديثة كانكسار الأشعة، مما أدى إلى تقدم هذا العلم إلى ما هو عليه الآن. ويستمر العالم المشهور في علم البصريات وعمله بدون شك يفوق بكثير عمل إقليدس وبطليموس. ولمح عالم الرياضيات في القرن العشرين درك سترويك في كتابه ملخص تاريخ الرياضيات أن ابن الهيثم أعطى دراسة وافية بطريقة تحديد موضع صورة نقطة مضيئة في مرآة أسطوانية الشكل إذا ما عرف كل من النقطة والعين، وتقود هذه المسألة حل المسألة المعروفة عند الأوروبيين باسم مسألة (الحزين Alhazen، s Problem) وهي التي تتعلق بكيفية رسم خطين من نقطتين في مستوى دائرة يتلاقيان في نقطة على المحيط ويرسمان زاويتين متساويتين مع الخط العمودي في تلك النقطة. وتؤدي هذه المسألة إلى معادلة من الدرجة الرابعة س٤ + ب س٣ = جـ ( equation biquadratic) ، وقد حل بطريقة القطع الزائد ( hyperbola) أي: بواسطة تقاطع دائرة مع قطع مخروطي زائد. وفي القرن السابع عشر الميلادي أعطى عالم الرياضيات والفيزياء الهولندي كريسشن هيوجنس ( christian Huggen s) الذي ولد عام ١٦٢٩ ميلادية وتوفي عام ١٦٩٥ م صاحب الشهرة العظيمة بين علماء الرياضيات والفيزياء على السواء اهتماما كبيرا بهذه المسألة، ولا يقل عنه اهتماما عالم الهندسة الإنجليزي إسحاق باور ( Isaac Barrow) والذي عاش فيما بين (١٦٣٠ - ١٦٧٧ م)، والذي يعتبر من عمالقة علم الهندسة في القرن السابع عشر. ويجدر أن نرفق الشكلين الهندسيين المأخوذين من مخطوطة الحسن بن الهيثم في علم البصريات والتي توجد في معظم المكتبات العلمية الآن. * * *

стр. 2086

قال المؤلف المشهور هورد إيفر في كتابه مقدمة لتاريخ الرياضيات: إن ابن الهيثم الذي عاش ما بين ٩٦٥ م إلى ١٠٣٩ م قد اشتهر بنظرياته المعروفة لدينا نحن الرياضيين برسائل الحزين، وبدون شك أنه أعظم رياضي مسلم في ذلك العصر، وأعظم فيزيائي مسلم في هذا العصر. حيث إن فضله لا ينسى بحكم مؤلفاته المشهورة بالبصريات. وإنتاج ابن الهيثم معروف لدى أوروبا، وخاصة فيما بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين بواسطة جون بيكهام، ولقد اخترع العدسات المكبرة التي كانت إيطاليا هي أول بلد استفاد منها. كما استفاد من ابتكارات ابن الهيثم علماء كثيرون، وذلك في القرن السابع عشر، وفي مقدمتهم العالم المشهور كبلر. ولقد قال المؤلف كيلي في كتابه تاريخ الفلك: إن مؤلفات ابن الهيثم لها طابع رياضي خاص، وخاصة في علم الهندسة، وهو بدون شك المكتشف لكيفية حدوث قوس قزح والكسوف والخسوف وعلم الظل والعدسات المقعرة والمحدبة. * * *

стр. 2087

طريقة التوسط إن عالمنا المسلم صاحب الشهرة المرموقة الحسن بن الهيثم هو مبتكر طريقة التوسط التي - في بعض الأحيان - تعرف باسم طريقة التناسب. والجدير بالذكر أن طريقة التوسط طريقة تمتاز بسهولتها لإيجاد الجذر الحقيقي التقريبي، والكثير من علماء الرياضيات يستعملونها ويفضلونها على طريقة الخطين لصاحبها العالم المسلم محمد بن موسى الخوارزمي، وطريقة الميزان لصاحبها بهاء الدين العاملي، كما أن ابن الهيثم أعطى اهتماما كبيرا لبعض خواص التناسب وعرفها بأن " التناسب هو التساوي بين نسبتين ب / جـ = د / هـ (ب، هـ) طرفي التناسب، (جـ، د) وسطي التناسب ١ - ب /جـ = د / هـ ب هـ = جـ د

стр. 2088

٢ - ب / جـ = د /هـ جـ / ب = هـ / د ٣ - ب / جـ = د / هـ ب / د= جـ / هـ ٤ - ب / جـ = د / هـ ب + جـ / جـ = د + هـ / هـ أو ب – جـ / جـ = د – هـ / هـ حيث إن ب جـ، د هـ ٥ - ب / جـ = د / هـ ب + د / جـ + هـ = ب / جـ = د / هـ حيث إن ب / جـ = د / هـ ب / د = جـ / هـ من (٣) لهذا ب + د / د = جـ + هـ / هـ من (٤) إذا ب + د / جـ + هـ = د / هـ من (٣) ولكن د / هـ = ب / جـ لذلك ب + د / جـ + هـ = ب / جـ = د / هـ أوضح ابن الهيثم طريقة التوسط بافتراضه أن المعادلة المطلوب إيجاد جذرها الحقيقي التقريبي (س) = ٠ وأن جذريها الحقيقيين المعروفين هما س١، س٢ فاتباع الطريقة الآتية: * افترض أن س١ س٣ س٢ * س١/ ١ س٢/ ١ س١ س١ + س٢/ ١ + ١ س٢ لهذا س١ س١ + س٢/ ٢ س٢ س٣ = س١ + س٢/ ٢ وبتكرار هذه الطريقة مرة ثانية نجد أن الجذر الحقيقي التقريبي يوحد بين (س١، س٢) س١ س١ + س٣/ ٢ مثال: احسب قيمة الجذر الحقيقي التقريبي الواقع بين ١، ٢ للمعادلة (س) = ٠ الحل: بما أن س١ س١+ س٢/ ٢ س٢ حيث إن س١ = ١، س٢= ٢. لذا ١/ ١ ١+٢/ ١+١ ٢/ ١ ١ ١، ٥ ٢ س٣= ١، ٥ الجذر الحقيقي التقريبي لو أريد إيجاد الجذر الحقيقي التقريبي الثاني لاعتبر (س١، س٣) الجذرين الحقيقين التقريبيين المعروفين. ١/ ١ ١+ ٣/ ١+ ٢ ٣/ ٢ ١ ٤/ ٣ ٣/ ٢ س٤ = ١.٣٣٠٠٠.

стр. 2089

صفحة فارغة

стр. 2090

بعض مؤلفاته وقد ألف قبل وفاته في القاهرة مجموعة من المسائل المشابهة لمفروضات إقليدس، وقد نال الشهرة على ما كتبه، وهو يقارب مائتي مؤلف في حقول مختلفة، مثل الرياضيات والفيزياء وعلم الفلك وعلم الطب، ومن مؤلفاته: ١ - المختصر في علم هندسة إقليدس. ٢ - كتاب فيه ردود على الفلاسفة اليونانيين وعلماء الكلام. ٣ - الكتاب الجامع في أصول الحساب. ٤ - كتاب يحتوي على مجموعة مقالات في علم الهندسة وعلم الحساب مأخوذة من مؤلفات إقليدس. ٥ - كتاب لخص فيه علم المناظر. ٦ - كتاب في الجبر والمقالة وفي تحليل لمسائل عديدة. ٧ - كتاب يحتوي على مجموعة من المقالات في الرياضيات العامة. ٨ - كتاب في العديد من المسائل الحسابية والجبرية والهندسية.

стр. 2091

٩ - مؤلفه في القياسات. ١٠ - كتاب يشتمل على حلول مسائل في الكتاب الأول لإقليدس في علم الهندسة. ١١ - كتاب فيه حلول مسائل من الكتاب الخامس لإقليدس. ١٢ - مقالة شرح فيها اتجاه القبلة. ١٣ - مقالة أوضح فيها علاقة الجبر بعلم الفرائض. ١٤ - مقالة عن المخروط. ١٥ - رسالة أعطى فيها حلا ميكانيكيا جميلا لمسألة أرخميدس في قطع الكرة بمستوى بحيث تكون بالنسبة بين حجمي جزءيها المقطوعين تساوي نسبة معلومة. ١٦ - كتاب شرح فيه مصادرات كتاب إقليدس في الأصول حيث يناقش تعاريف ومسلمات وبديهات إقليدس. ١٧ - كتاب بعنوان حل شكوك كتاب إقليدس في الأصول، وفيه ناقش وعلق على نظريات إقليدس. ١٨ - رسالة تحتوي على دراسة نظرية الخطوط المتوازية ومحاولة لبرهان المسلمة الخامسة لإقليدس. ١٩ - كتاب بعنوان مساحة المجسمات المكافئة، وفيه تمكن من حساب حجم الجسم الناتج من دوران قطعة القطع المكافئ حول محوره. ٢٠ - رسالة استطاع فيها تحديد ارتفاع الطبقة الهوائية فوق الأرض، وذلك بالاعتماد على ما أثبته من أن الظلام لا يحل إلا بعد انخفاض الشمس عن خط الأفق بزاوية قدرها ١٩ درجة. ٢١ - كتاب فيه لخص علم المناظر من كتابي إقليدس وبطليموس. ٢٢ - رسالة فيها بحث كيفية استخراج سمة القبلة في جميع أنحاء العالم. ٢٣ - رسالة برهن فيها أن القطع الزائد للمخروط والخطين اللذين لا يلقيانه يقربان أبدا ولا يلتقيان. ٢٤ - رسالة في أصول المسائل العددية الصم وتحليلها. ٢٥ - رسالة في المرايا المحرقة بالقطوع. ٢٦ - رسالة في المرايا المحرقة بالدائرة.

стр. 2092

٢٧ - رسالة في ضوء القمر. ٢٨ - مخطوطة تحتوي على مجموعة مسائل في علم المجسمات. ٢٩ - كتاب التحليل والتركيب الهندسيين. ٣٠ - كتاب شرح فيه وعلق على الكتاب الثاني عشر لإقليدس في علم الهندسة. ٣١ - رسالة في الأعداد الصم. ٣٢ - رسالة بين فيها أن جميع الأمور الدنيوية والدينية هي نتاج العلوم الفلسفية. ٣٣ - مقالة في نظرية التفريغ. ٣٤ - كتاب يحتوي على شرح كاف عن علم الهندسة وخواصها. ٣٥ - كتاب في البصريات. ٣٦ - مقالة في حساب الخطأين. ٣٧ - مقالة في علم الهندسة والمثلثات وحساب المعاملات. ٣٨ - مقالة علق فيها على مؤلفات أرسطو طاليس في علم المنطق. ٣٩ - مقالة عن كيفية إدراك البصر بالانعكاس. ٤٠ - مقالة في انعطاف الضوء. ٤١ - رسالة في العين والإبصار. ٤٢ - كتاب هيئة العالم. ٤٣ - كتاب شرح المصادر. ٤٤ - كتاب عن العالم والسماء. * * * نذكر أن ابن الهيثم نهج المنهج العلمي البحت والذي ساعده في ذلك علم الرياضيات، حيث مكنه من تنظيم بحثه، وعلم الفلسفة ساعده على حسن تخيل الأمور.

стр. 2093

* ولقد قال حكيم محمد سيد رئيس مجلس العلوم في كراتشي بمناسبة الحفلة السنوية التي تقام لابن الهيثم في الباكستان: (هذه السنة التي تعتبر أول سنة وقف فيها الإنسان على القمر، وكل هذا يرجع إلى التكنولوجيا الحديثة، ولو أخذ كل شيء بعين الاعتبار فإن ابن الهيثم قد سبق هؤلاء الأمريكيين، وكل نظرياتهم الرياضية من ابتكارات أبي علي، ولهذا باستطاعتي أن أقول: إن ابن الهيثم عنده عقل القرن العشرين، ولكنه عاش في القرن العاشر، ومهما حاولت أن أصف عالمنا الكبير فإنني عاجز عن هذا). * كما أن الأقطار العربية قد اهتمت بعالمنا الفاضل ابن الهيثم، وذلك بتكريمه والاعتراف بفضله، ومن أمثلة تكريمه وتخليد اسمه أن جامعة القاهرة خصت في عام ١٩٣٩ ميلادية قاعة لإلقاء المحاضرات باسم ابن الهيثم، وكذلك حدث في كلية العلوم بجامعة بغداد أن أسموا قاعة المحاضرات باسمه. * * *

стр. 2094

علي عبد الله الدفاع ١ - الكفاءة العلمية الاسم: علي عبد الله الدفاع. أ) الابتدائية " السعودية بعنيزة ". ب) الثانوية " ثانوية عنيزة " شعبة علوم -تخصص رياضيات. ج) درجة البكالوريوس في الرياضة البحتة من جامعة أوهايو عام ١٩٦٦ م. د) درجة الماجستير في العلاقات العالمية من جامعة تكساس الشرقية عام ١٩٦٨ م. هـ) درجة الماجستير في الرياضة من جامعة فاندربلت عام ١٩٦٩ م. و) درجة الدكتوراه في الرياضة البحتة من كلية بي بودي، وجامعة فاندربلت عام ١٩٧٣ م. * وكان عنوان رسالة الماجستير في العلاقات العالمية (علاقة قوى العالم الكبرى بالنزاع العربي الإسرائيلي في يونيو ١٩٦٧ م). * أما عنوان رسالة الماجستير في الرياضة (حول النقط المنفردة للدوال المركبة). * وكان عنوان بحث الدكتوراه هو (الخوارزمي ومعادلة الدرجة الثانية والكميات التخيلية). ٢ - خبرات التدريس ١٩٧١ - ١٩٧٢ م معيدا بجامعة فاندربلت. ١٩٧٢ - ١٩٧٣ م (الخريف) مدرسا، بكلية بي - بودي في الولايات المتحدة الأمريكية. ١٩٧٣ - ١٩٧٤ م أستاذا مساعدا بجامعة البترول والمعادن - الظهران - السعودية. ١٩٧٤ - ١٩٧٧ م ورئيس قسم الرياضيات بجامعة البترول والمعادن - الظهران. ١٩٧٥ - ١٩٧٧ م عميد كلية العلوم بالنيابة من آن لآخر بجامعة البترول والمعادن - الظهران.

стр. 2095

١٩٧٧ - الوقت الحاضر: عميد كلية العلوم بجامعة البترول والمعادن - الظهران. الأبحاث العلمية والكتب والمقالات أ - رسالات دراسية علمية رسالة ١ - رسالة الماجستير " علاقة قوى العالم الكبرى بالنزاع العربي الإسرائيلي في يونيو ١٩٦٧ م " مجلة جامعة تكساس الشرقية - المجلد الخامس العدد الأول عام ١٩٦٨ م. ٢ - رسالة الماجستير في الرياضة البحتة " حول النقط المنفردة للدالة المركبة " في مجلة جامعة فاندربلت المجلد العاشر العدد الأول عام ١٩٧٠ م. ٣ - رسالة الدكتوراه في الرياضيات " الخوارزمي ومعادلة الدرجة الثانية والكميات التخيلية " مجلة جامعة فاندربلت المجلد العشرون العدد الخامس عام ١٩٧٣ م. ب - الكتب ١ - إسهام المسلمين في الرياضيات (كتاب باللغة الإنجليزية) نشرته دار النشر البريطانية (شركة كروم هلم المحدودة) ودار النشر الأمريكية (شركة الدراسات العامة للنشر) عام ١٩٧٧ م. ٢ - بعض نوابغ علماء العرب والمسلمين في الرياضيات (كتاب باللغة العربية). جـ - مقالات علمية ومقالات نشرت ١ - " إسهام المسلمين في علم الحساب " الجزء الأول - مجلة رابطة الدول الإسلامية المجلد الأول العدد الثاني عشر سبتمبر ١٩٧٤ م. ص ٤٥ - ص ٤٥ - ٥٣. ٢ - " التراث العلمي الإسلامي " مجلة اليمامة - المجلد السادس العدد ٣١٩ سبتمبر ١٩٧٤ م. ص ٢٤. ٣ - " إسهام المسلمين في علم الحساب " الجزء الثاني - مجلة رابطة الدول الإسلامية المجلد الثاني العدد الأول، أكتوبر نوفمبر ١٩٧٤ م. ص ٥٦ - ٥٩. ٤ - " فكرة علم الحساب " الجزء الأول - مجلة اليمامة، المجلد السادس العدد ٣٢٥ نوفمبر ١٩٧٤ م. ص ٢٣. ٥ - " فكرة علم الحساب " الجزء الثاني - مجلة اليمامة - المجلد السادس العدد ٣٢٦ نوفمبر ١٩٧٤ م. ص ١٤ - ١٥. ٦ - " علم الجبر " مجلة اليمامة، المجلد السادس العدد ٣٢٨ نوفمبر ١٩٧٤ م. ص ٢٤. ٧ - " إسهام المسلمين في الهندسة " مجلة رابطة الدول الإسلامية، المجلد الثاني العدد الثاني ديسمبر ١٩٧٤ م. ص ٤٥ - ٥٤. ٨ - " تطور علم الهندسة " مجلة اليمامة، المجلد السابع العدد ٣٣٨، فبراير ١٩٧٥ م. ص ٢٢ - ٢٣. ٩ - " علم المثلثات " مجلة اليمامة، المجلد السابع العدد ٣٤٠، فبراير ١٩٧٥ م. ص ٢٣ - ٢٧. ١٠ - " حل ثابت بن قرة لمعادلة الدرجة الثالثة " مجلة مجتمع الرياضة الأمريكي، المجلد الثاني والعشرون العدد الخامس، أغسطس ١٩٧٥ م. ص ٦٥. ١١ - " الرياضيون العرب " المجلة العربية للعلوم والهندسة، المجلد الأول العدد الأول نوفمبر ١٩٧٥ م. ص ٤٩. ١٢ - " الأعداد المتحابة " مجلة الخفجي، المجلد الخامس العدد الثامن نوفمبر ١٩٧٥ م. ص ١٨ - ١٩. ١٣ - " الميزان الرياضي لبهاء الدين العاملي " مجلة الخفجي، المجلد السادس العدد الثاني عشر مارس ١٩٧٧ م. ص ٣١ - ٣٢. ١٤ - " أبو عبد الله البتاني: عميد علماء الرياضيات والفلك في العالم " المجلة العربية المجلد الثاني العدد الثاني يوليو ١٩٧٧ م. ص ٩٢ - ٩٣. ١٥ - " مبتكر معادلة المربع السحري: ثابت بن قرة " مجلة الفيصل المجلد الأول العدد الثاني يوليو ١٩٧٧ م. ص ٧٥ - ٧٨.

стр. 2096

١٦ - " الكرخي " المجلة العربية للعلوم والهندسة، المجلد الثاني العدد الثاني مايو ٧٧ - ١ م. ص ١٣١ - ١٣٢. ١٧ - " العمليات الحسابية عند المسلمين " مجلة الخفجي المجلد الخامس العدد التاسع ديسمبر ١٩٧٥ م. ص ٨ - ٩. ١٨ - " فيلسوف العرب " مجلة الخفجي المجلد السادس العدد الثامن مايو ١٩٧٦ م. ص ٨. ١٩ - " نظرية فيثاغورث الجديدة لثابت بن قرة " مجلة الدارة، المجلد الثالث العدد الأول فبراير ١٩٧٧ م. ص ٨٣ - ٩١. ٢٠ - " الرياضيات المعاصرة " مجلة اليمامة المجلد العاشر العدد ٤٢٠، أكتوبر ١٩٧٦ م. ص ٣٦ - ٣٧. ٢١ - " ازدهار الرياضيات عند المسلمين " مجلة اليمامة، المجلد العاشر العدد ٤٣٠ ديسمبر ١٩٧٦ م. ص ٣٨ - ٣٩. ٢٢ - " ابن الشاظر " المجلة العربية للعلوم والهندسة، المجلد الثاني العدد الأول، نوفمبر ١٩٧٦ م. ص ٥٧. ٢٣ - " ابن الخليج: عميد علماء المشرق والمغرب " مجلة اليمامة، المجلد الحادي عشر العدد ٤٣٦، نوفمبر ١٩٧٧ م. ص ٣٦ - ٣٧. ٢٤ - " المتطابقات المثلثية للبتناني " في مجلة الأمين الهندية، المجلد الرابع العدد الثالث يناير ١٩٧٧ م. ص ٨ - ٩. ٢٥ - " تأثير الرياضيين المسلمين على المعارف الشرقية والغربية " في مجلة قافلة الزيت، المجلد السادس العدد ٢٥ مايو يونيو ١٩٧٧ م. ص ٣٤ - ٣٧. ٢٦ - " الرياضيات المعاصرة تخاطب القدرات العقلية " مجلة اليمامة، المجلد الحادي عشر العدد ٤٤٩ مايو ١٩٧٧ م. ص ٣٦ - ٣٧. ٢٧ - " الإبداع الرياضي وتدريس الرياضيات " مجلة اليمامة، المجلد الحادي عشر العدد ٤٤٥ إبريل ١٩٧٧ م. ص ٣٦ - ٣٧. ٢٨ - " دور الأرقام العربية في الحضارة الإسلامية " في مجلة قافلة الزيت، المجلد الخامس والعشرون - العدد الحادي عشر أكتوبر نوفمبر ١٩٧٧ م. ص ٣٧ - ٣٩. ١ - " طريقة الخوارزمي في حل معادلات الدرجة الثانية " قدمت في المؤتمر القومي السادس للرياضيات، مارس ١٩٧٥ م، ونشرت في مجلة المؤتمر - جامعة جندي شابور أهواز - إيران. ص ٦٥ - ٦٩. ٢ - " مآثر نصر الدين في علم الرياضيات " قدمت في مؤتمر علماء الرياضيات والفيزياء عند العرب، مارس ١٩٧٦ م، ونشرت في مجلة المؤتمر - جامعة بغداد الجمهورية العراقية. ص ١٧ - ١٨. ٣ - " امتداد وتعميم لنظرية فيثاغورث " قدمت في المؤتمر الأول لتاريخ العلوم عند العرب، إبريل ١٩٧٦ م، ونشرت في مجلة المؤتمر - جامعة حلب - سوريا ص ١٠ - ١٢. ٤ - " نظرية الخطأين لمحمد بن موسى الخوارزمي " قدمت في مؤتمر الرياضيات التطبيقية أغسطس ١٩٧٦ م، ونشرت في مجلة المؤتمر - جامعة دبلن - دبلن أيرلندا. ص ٢١ - ٢٣. ٥ - " الجبر والمقابلة لمحمد بن موسى الخوارزمي " قدمت في المؤتمر العالمي لتاريخ العلوم، أغسطس ١٩٧٧ م، ونشرت في ملخص مجلة المؤتمر - جامعة أدنبرا - أدنبرا اسكتلاندا ص ١٤. ج) من الذين يصححون ويعلقون على المقالات قبل الطبع في مجلة اتحاد الرياضيين والفيزيائيين العرب. أ) من الذين يصححون المقالات قبل الطبع لمجلة تاريخ الرياضيات في كندا (مجلة عالمية مشهورة). ب) من الذين يصححون المقالات قبل الطبع لمجلة " أيسز " مجلة تاريخ العلوم الأمريكية (مجلة ذات شهرة دولية). ج) الجمعية الرياضية الأمريكية. د) الجمعية البريطانية لتاريخ العلوم. هـ) الرابطة الإسلامية للعلماء والمهندسين. و) عضو شرف في الرابطة الإيرانية للعلوم والرياضيات. ز) عضو في جمعية الرياضيين والفيزيائيين العرب.

стр. 2097

مصطفى الحديدي الطير (١) الواحد الصمد البيان حديثي هذا مع الذين آمنوا ليزدادوا إيمانا، ومع الذين ارتابوا ليستأصلوا الريب من نفوسهم، ويثوبوا إلى رحاب أهل الإيمان والاطمئنان، الذين يسعدهم أن يأوي إلى رحابهم أهل الفكر الرشيد، والعقل السديد، الذين إذا ذكروا ذكروا، وإذا أرشدوا رشدوا. ينظر المتأمل فيرى أمامه هذا الكون الفسيح بجماله وجلاله، يرى من فوقه قبة زرقاء مزدانة نهارا بالشمس ترسل أشعتها على الغبراء، فتقشع عنها ظلام الليل، وتلبسها حلة من النور والجمال، وتبعث الدفء في أرجائها، والحياة في جنباتها. ويرى تلك القبة الزرقاء ليلا، مزدانة بمصابيح نيرات، تهدي الساري إذا سرى، وترشد قائد السفينة إلى الجهة التي يريد توجيهها إليها، ويرى بين تلك المصابيح مصباحا أقوى إضاءة منها لأهل الأرض، يتسم بالروعة والجمال يبدو أولا دقيقا، ثم يتكامل ليلة بعد

стр. 2098

أخرى حتى يصير بدرا، ثم يتناقص شيئا فشيئا حتى يعود كالعرجون القديم كما بدأ، وهكذا كل شهر بطريقة لا خلل فيها ولا اضطراب مما يحير العقول والألباب. * * * ولهذه الكواكب إلى جانب ذلك وظائف في الكون، عرف بعضها العلماء المفكرون، وجهل ما لا يحصى منها الباحثون المحققون. * ويرى من تحته سهولا جرداء، إذا وضع فيها الحب وأصابها الماء، اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج طعاما للآكلين، وفاكهة للمتفكهين، وزينة لأهل الأذواق الرفيعة، وراحة للنفوس المكدودة. ويرى من حوله جبالا شامخة أرسيت بها الأرض حتى لا تميد بالناس واتخذت منها القصور والحصون، ورصفت بها الطرق، ولها منافع وراء ذلك تفوت الحصر. * ويرى اليابس من الأرض ينتهي إلى بحار بعيدة المدى، رهيبة جليلة المنظر، تموج فيها أمواج تلو أمواج ما بين رقيقة هينة، وعاتية عنيفة، وعلى ضفافها نسيم عليل، وهواء بليل، يلطف حرارة الجو، ويريح النفوس المكدودة، وينظم الأنفاس المضطربة، وتجري فيها عجائب الأسماك جماعات وأفرادا ما بين صغار وكبار، وهادئة ومفترسة، لها ألوان مختلفات تسر الناظرين وتبهج المتأملين، وهذه وتلك كل يسعى إلى رزقه بغرائز مودعة في أعصابها تجذبها إلى مراع بعيدة المدى، لم يسبق لها رؤيتها، ولم تسع من قبل إليها، تحيا إن بقيت في الماء، وتموت إن خرجت إلى الفضاء، بعكس سائر الحيوان، إذ يحيا باستنشاق الهواء، ويموت إذا غمر في الماء، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (١) * ويرى الحر حين يحمى عليه وطيسه، ويشتد أواره، ويجعله يتصبب عرقا، ويجتهد نصبا، فإذا رحمة حانية، تأتيه من الغيب، فتبعث إليه نسيما عليلا، وهواء لطيفا، يجفف عرقه، ويريح أنفاسه. * * * يرى هذا وغير هذا من العجائب المتقنة ذات الجلال الرائع، فيقول لنفسه: من الذي أوجد هذا الكون وأبدعه، وجعل أجزاءه مترابطة، ومصالحه متعاونة متماسكة، وأحاط بكل شيء علما، وأحكمه تدبيرا، لا يغفل عن شيء ولا ينام، ولا تفوته ذرة في هذا الملكوت؟ فكل ما فيه تحت رعايته ورحمته، مشمول برعايته وعظيم تدبيره.

стр. 2099

ثم تقول له نفسه: لماذا لا يكون هذا الكون قد وجد بنفسه بلا موجود يوجده، ومدبر يدبره، ولا يلبث أن يجد صوتا من الأعماق قد يناديه: أخطأت التقدير، وجاوزت المعقول، أليست هذه صنعة، وكل صنعة لا بد لها من صانع؟ أليست شيئا حادثا، وكل حادث لا بد له من محدث؟ فكيف يحدث الشيء نفسه؟ هل رأيت قصرا أو حصنا أو مصنعا أو أداة صنعت نفسها؟ فإذا قلت: كلا، فالجواب: إن هذا الكون لم يصنع نفسه، بل صنعه وأوجده موجود عظيم. * ثم يكرر هذا الصوت نداءه من الأعماق، ويزيد في إرشاده إلى الحق فيقول: إن الوجود والعدم أمران متساويان، فلا يمكن أن يرجح الوجود على العدم بدون مرجح، فهل رأيت كفتي ميزان رجحت إحداهما على الأخرى بدون ما يرجحها ويثقلها، فإذا قلت: كلا، فالجواب: أن هذا الكون لا يمكن أن يترجح وجوده على عدمه السابق، إلا بموجد اختار إحداثه على إبقائه في حالة العدم. وإذا قلت لك: إن الوجود والعدم أمران متساويان، فذلك من باب التساهل معك، وإلا فالحقيقة أن العدم أرجح من الوجود لسبقه إياه، فترجيح الوجود عليه لا يكون إلا بقدرة قادر، ومشيئة حكيم. وإذا كانت منزلة الصانع من العلم والحكمة على مقدار صنعته، فصانع هذا الكون ومبدعه لا بد أن قدرته وعلمه وتدبيره لا غاية لعظمتها، وأنه على كل شيء قدير. * فماذا رأيت أيها المتأمل بعد هذا العلم؟ ستقول إن كنت من المؤمنين: لقد ازددت به إيمانا على إيمان، وستقول إن كنت مرتابا: لقد كشف عن نفسي غطاؤها، وأصبحت موقنا بخالق هذا الكون، وأما إن كنت سادرا في غيك، متأثرا بإضلال غيرك، فلم ترفع لذلك رأسا، ولم تحرك لتلك الآيات فكرا، ولم تتأثر بها سمعا ولا قلبا ولا بصرا، فإننا نقول لك: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (١). * * *

стр. 2100

وحدانية الخالق جل وعلا يقول هذا المفكر المتأمل: اتضح عندي تماما أن لهذا الكون خالقا عظيما، ثم إن الإسلام يطالب الناس بالإيمان بأن الخالق العظيم واحد لا شريك له، ولكننا نرى الصنعة العظيمة تحتاج إلى عدد من المهندسين والعمال لكي يحولوها من فكرة إلى واقع، وإزاء هذا أريد أن أظفر بدليل يريح نفسي ومنطق واضح

стр. 2101

يهديني إلى ما يدعو إليه الدين الإسلامي من أن الخالق واحد أحد فرد صمد. * ثم يسكت هذا المفكر هنيهة يسمع بعدها صوت مناد عابر، الحق يناديه من الأعماق قائلا: يا صاحبي، ليس شأن الكون كشأن سائر المنشآت، وليس شأن خالقه كشأن المهندسين والمخترعين، إن هذا الكون مرتبط بعضه ببعض برباط عجيب، ومتماسك بقوانين مشتركة، فلا يستطيع أن يوجده إلا إله يعلم كل شيء، ويقدر على كل شيء، ولا يصح عقلا أن يشاركه أحد في خلقه، ولو كان معه إله آخر لفسد وتصدع وتهاوى، ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ (١) ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (٢). * إن المهندس يعجز عن تحقيق اختراعه بدون من يعاونه؛ لأن قدرته محدودة، وعلمه محدود، أما الخالق فلا غاية لقدرته، ولا منتهى لعلمه ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣). إنه تعالى ﴿قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٤). ومن كان كذلك لا يحتاج إلى خالق آخر يشاركه في إبداعه ولا إلى عمال يساعدونه في إبراز مراده، حتى يخرج من عالم المشيئة إلى عالم الوجود، وينتقل من عالم الممكن إلى عالم الموجود. * فيقول هذا المفكر لضميره: نحن نسمع أن للخالق ملائكة، فما شأنهم مع الله، وقد قلت: إنه تعالى ليس له شريك ولا معين؟ فيقول منادي الإيمان: إن هؤلاء الملائكة من خلق الله وإبداعه، وعهد إليهم بما كلفهم به من التكاليف في أرضه وسمائه، وقد فعل ذلك بحكم ربوبيته لهم، وعبوديتهم لجلاله وعظمته، وشأنهم في ذلك كشأن الناس، خلقهم وعهد إليهم بمختلف مصالحهم ومنافعهم والعناية بالحيوانات التي أخضعها لسلطانهم، وعمارة الأرض التي يعيشون عليها، وزراعة وديانها ووهادها، ليعيشوا هم وحيواناتهم على حاصلاتها، وأقدرهم على استخراج المعادن من جوفها، والانتفاع بما في البحار من أرزاقها وخيراتها. * فإذا كان بنو الإنسان ليست لهم قدرة ذاتية حتى يقال: إنهم يعينون الخالق بها على ما نيط بهم، بل هم يستمدون قدرتهم ممن خلقهم، فكذلك الملائكة ليست لهم قدرة ذاتية حتى يقال: إنهم يعينون الله فيما نيط بهم، وإذا كان بنو الإنسان لا يعملون فيما هو من خلقهم، ولا يرسلون ماء السماء على أرضهم، ولا ينبتون النبات الذي بذروا حبه في الأرض، بل الذي أنبته هو خالقهم، فكذلك الملائكة لا يعملون إلا فيما خلقه الله، ولا يقدرون على شيء إلا بإقدار الله، فهو الذي يعينهم، أما هم فلا يعينونه. * * *

стр. 2102

وما خلق السماوات والأرض والإنسان والملائكة إلا مظهر لصفة الجبروت والسلطان لله والقدرة والرحمة من الله، ولكي يعبده العابدون، ويثاب المحسنون ويعاقب المسيئون، وكيف تتوهم يا صاحبي أن الملائكة يعاونون الله، وقد خلق الله هذا الملكوت قبل أن يخلقهم، إنهم خلقوا لعبادة الله وطاعته، فهم كما قال الله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (١)، وشأنهم في ذلك شأن الجن والإنس في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢) ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (٣) ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٤)، وإن من عبادة الملائكة لله تنفيذهم لما كلفهم به في ملكه، وإن ما يسند إلى الملائكة من أعمال كونية، ليس لحاجة الله إلى مساعدتهم ومعونتهم، بل لأن ذلك من جمال التنظيم الذي أجرى ملكه على نسقه ويجري على هذا النسق إقامة الملوك والرؤساء ليحكموا رعاياهم ويعمروا ممالكهم، وإلهام جماعات الحيوانات المختلفة أن تختار من بينها رئيسا لتنظيم شئونها، كما هو واضح في جماعات الطيور الراحلة من قطر إلى قطر، وفي جماعات النحل والنمل وغير ذلك، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (٥). فالكون يا صاحبي مسلسل الطبقات، ولكل حي فيه وظيفة، سواء كانت وظيفة عليا أم دنيا، وبذلك تم النظام في الكون على أسلوب الجمال والجلال والتنسيق، وحتى بدا في أبدع نظام وأحكم إتقان. * * *

стр. 2103

الأدلة العقلية على استحالة الشريك قال المفكر لضميره الذي يلهمه: إنك تكلمت على عدم احتياج الخالق إلى عمال يساعدونه، وذكرت أن الملائكة لا يعملون في ملك الله معاونة له، بل امتثالا لأمره واكتسابا لمرضاته ومظهرا من مظاهر الجمال والنظام في ملكوته، بدليل أنه خلق الكون قبل أن يخلقهم، ولكنك لم تذكر الدليل العقلي على أنه ليس له شركاء يشتركون معه في الخلق والتدبير والألوهية. قال ضميره: أيها

стр. 2104

السائل المستفيد: إن الخالق سبحانه كما لم يحتج إلى عمال يساعدونه، فهو بغير حاجة إلى شريك أو شركاء يخلقون معه الكون ويدبرونه، لأن قدرته ومشيئته، وعلمه وحكمته، لا يخرج عن دائرتها أي ممكن من الممكنات، ومن كان كذلك فهو بغير حاجة إلى شريك في هذا الملكوت، فلا يصح فرض وجوده حتى لا يكون إلها وخالقا عاطلا ليس له عمل، لعدم الحاجة إليه، فضلا عن أنه لو كان له شريك لفسد الكون، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (١). ولتوضيح ذلك نقول: لا يخلو أمر هؤلاء الآلهة من أن يكونوا مؤتلفين أو مختلفين، فإن فرض أنهم مؤتلفون، وأن لكل واحد منهم قدرة وعلما وتدبيرا ومشيئة تماثل الآخرين - كما يقول بعض أهل الكتاب - وأن كل واحد منهم قادر على خلق الكون وتدبيره وحده، فأي حاجة إلى تعددهم مع كفاية واحد منهم لذلك، إن العقل يجزم بأن تعددهم حينئذ عبث، والعبث على الإله الخالق محال، فوجب أن يكون الإله واحدا. * وإن فرض أن كل واحد منهم قادر على خلق بعض هذا الكون، ولكنه عاجز عن خلق باقي أجزائه، فلهذا تعددوا ليتعاونوا على خلقه كله، ومثل ذلك كمثل مهندسين يقومون بإنشاء مصنع، أحدهم يقوم بالبناء ما يتصل به، وثانيهم يقوم بإنشاء آلاته وتركيبها، وثالثهم يقوم بعمل الكهرباء، وبهذا يتم بناء المصنع، ويؤدي ما أنشئ من أجله. * والجواب على هذا أن إبداع الكون ليس كإنشاء المصنع، حتى يقاس عليه، فالبناء في المصنع قائم بذاته، وآلاته قائمة بذاتها، وكذلك الكهرباء، ولذا يمكن أن يقام المصنع في أرض دون بناء حوله، وكل من البناء والكهرباء يستعمل في غير المصنع، أما الكون فمرتبط بعضه ببعض، لا يستغني جزء فيه عن غيره، ولذا تجد العناصر فيه واحدة في أرضه وسمائه، ونجد بعضها مرتبطا ببعض بقانون التناسب، فما لم يعلم الخالق ما في كل جزء من الكون من مناسبة للجزء الآخر في الخصائص، ويقدر على خلق جميع أجزائه، وربط بعضها ببعض على وجه يؤدي إلى ما نراه فيه من نظام وإحكام، فإنه لا يستطيع باشتراكه مع غيره التوصل إلى خلقه، لأنه لا يعرف ما يناسبه، ومن أجل ذلك لا يقدر على ربط ما يصنعه بغيره، فلهذا يستحيل أن يخلق هذا الملكوت العظيم آلهة عاجزون على هذا النمط المفروض. * أما إن فرض اختلاف هؤلاء المتعددين، فإن ذلك يؤدي إلى تعارضهم، فهذا يريد أن يخلق هذا الكوكب - مثلا - وذاك لا يريد، وهذا يريد أن يخلق إنسانا وذاك لا يريد، فهل تعتقد أنه من الممكن تحقيق هذا التعارض؟ بأن يخلق الكوكب ولا يخلق، ويخلق الإنسان ولا يخلق، هل تعتقد أنه يمكن اجتماع النقيضين؟ فإن قلت: كلا، قلت: إذن يستحيل وجود عديد من الآلهة مختلفين، ألا ترى أنه يترتب على اختلافهم تنازعهم في الألوهية، ومحاربة كل منهم للآخر، ومحاولة إفساد ما صنع، وهل هذا

стр. 2105

يتفق مع ما نراه من هذا النظام البديع المحكم، كلا، إنه ناطق بأن الذي أوجده إله واحد، متصف بجميع الكمالات، منزه عن شوائب النقص، وصدق الله إذ يقول: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (١) * يا صاحبي، إن الذي منع الناس من الاستضاءة بأنوار المعرفة عبادتهم لشهواتهم، وانصرافهم عن التبصر فيما حولهم من ملك الله، ولو تأملوا في خلق أنفسهم لاهتدوا إلى سواء السبيل، قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (٢) وقال: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ (٣) ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ (٤) ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ (٥) ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ (٦) ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ (٧). ويقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ (٨) ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ (٩) ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (١٠). * * *
следующие страницы →