← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

فالكلمة تلتصق بأعماق الأفكار. . فإذا ما تركت ليوم أو بعض يوم. . . إذا هي عملاقة كأنها مارد يتبختر في طرقاتنا لا نستطيع له دفعا. . . وهكذا فإن الأذن. . والعين كما تكونان للفرد تكونان للمؤسسات تخلصان للكلمة النقية. . . وتشغلان بها إنتاجا وترويجا. . منعا ومحقا لما سواها. .! فالكلمات مثل حدود البلاد يدافع عنها. . ويراقب الداخل إلينا. . والصادر عنا. . . . . كما يفتش في الأمتعة والسيارات والطائرات على ما يضر أمن الوطن والمواطن من سلاح ومخدرات وخمور. . إننا ينبغي أن نأخذ بذلك أشد الأخذ صرامة. . وفي حديثه ﷺ من الدقة في التعبير ما يوضح ما نريده وليكن لنا من عبرته العميقة لقلوبنا مورد ثابت. . حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا أبو معاوية. حدثنا الأعمش عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ . . «مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها. . كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر. .! فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها. . فكان الذين في أسفلها يصعدون فيستقون الماء فيصبون على الذين في أعلاها. . فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا. .! فقال الذين في أسفلها: فإنا ننقبها من أسفلها فنستقي. .!؟؟ فإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم: نجوا جميعا. .! وإن تركوهم غرقوا جميعا (١)». . " حديث حسن صحيح "

стр. 2172

صلى الله عليك وسلم يا رسول الله. . لقد تركت فينا ما إن تمسكنا به فلن نهلك أبدا. . بل ولاتقينا الفتنة تنشأ من بين أيدينا وأرجلنا. . . ولهي فتنة أشد علينا وعلى المسلمين من أعدائهم من خارج بلادهم. . " حدثنا محمد بن بشار: حدثنا وهب بن جرير: حدثنا أبي قال: سمعت النعمان بن راشد يحدث عن الزهري عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن خباب بن الأرت عن أبيه قال. «صلى رسول الله ﷺ صلاة فأطالها. . قالوا: يا رسول الله صليت صلاة لم تكن تصليها؟ قال: أجل إنها صلاة رغبة ورهبة. . إني سألت الله فيها ثلاثا. . فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة. .!! سألته أن لا يهلك أمتي بسنة. . فأعطانيها. . وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم. . فأعطانيها. . وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض. . فمنعنيها (١)». .!! " إذن فلا خوف علينا من أن نهلك لنقص في الثمرات. . . . بل ولا من تداعي الأمم علينا. . ولكن الخوف والخوف كله من أن يذيق بعضنا بأس بعض. .! وهل تبدأ نيران هذا البأس إلا بشرارة الكلمات المخاتلة تخلط الدنيا بالدين. . . ومن أولئك الذين يلبسون جلود الضأن من اللين. . وقلوبهم قلوب ذئاب. .!

стр. 2173

وإذا كنت ألفت الأنظار في مجال الكلمة " مكتوبة فمقروءة". . وأهميتها البالغة. فإنني أنبه لأهمية إشاعة الكلمة العربية منطوقة فمقروءة. . لأنها لغة قرآننا وسمة حضارتنا. . وليس أولى من جامعاتنا مجتمعة بهذا الدور الأساسي ولذلك أود ولعلكم تودون معي أن يصبح للغة العربية مرتكز أساسي في أكثر من كلية في أكثر من جامعة. . أود ذلك في جامعة الرياض. . فهي في القلب والمركز. . في العاصمة. . وأرجوه أكثر في جامعة البترول والمعادن. . وأتمناه في جامعة الملك فيصل. . ففي هاتين الجامعتين اللتين تقعان في أطراف البلاد تبدو الحاجة ماسة للغة العربية حيث تفشو الألسنة المتباينة وتفد الكلمات الأعجمية. . حقائق ربما يعلمها القاصي قبل الداني. . وهذا الاهتمام الواعي هو من صميم خطة دولتنا والقائمين عليها ممن يسهرون على حماية الإسلام ومقدساته. . . واللغة العربية سورها العظيم. . . . نعم إننا نحترم التخصص. . إلا أننا نود والدولة توجب. .! أن يخرج المتخصص في النهاية مسلما عربيا. . منتميا لقومه ودينه وبلسان هذا الدين القيم ما استطعنا إلى ذلك سبيلا. . اللهم اجعلنا من الذين إذا قرءوا المسطور من الكلمات. . يتبعون أحسنها. . - والذين إذا رأوا تجارة. . أو لهوا. . . لا ينفضون إليها. . - أولئك الذين يرجون تجارة لن تبور. . .

стр. 2174

رمي الجمرة قبل طلوع الشمس

стр. 2175

الحمد لله وحده وبعد: فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الثانية المنعقدة في مدينة الرياض في المدة من ١/ ٨ / ١٣٩٢ هـ إلى ١٣/ ٨ / ١٣٩٢هـ. موضوع (حكم رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس يوم العيد ورميها في ليلة اليوم الأول من أيام التشريق. وكذا حكم تقديم الرمي أيام التشريق قبل الزوال. وحكم الرمي ليالي أيام التشريق) مشفوعا بالبحث المعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. ورغبة في إطلاع قراء (مجلة البحوث الإسلامية) على هذا البحث القيم ننشره بنصه:

стр. 2176

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فهذا بحث في بيان حكم رمي جمرة العقبة ليلة النحر، ورميها ليلة القمر، وتقديم رمي الجمار قبل الزوال في أيام التشريق، والرمي في ليلتي يومي الثاني عشر والثالث عشر، وبيان أدلة الترخيص للرعاة، وطريقة البحث هي: تحرير محل الخلاف، وذكر المذاهب، وبعض القائلين بكل مذهب وبيان مآخذهم، ومناقشة هذه المآخذ، والمقارنة بينها على القدر الذي يسره الله جل وعلا وترك الترجيح لأصحاب السماحة والفضيلة أعضاء مجلس هيئة كبار العلماء، وقد روعي في إعداد هذا البحث نسبة كل قول إلى من قال به مع ذكر المصدر الذي أخذ منه، وسيكون في آخر البحث قائمة تشتمل على بيان كاف للمصادر التي أخذ منها حتى يتيسر الأمر لمن أراد الاطلاع عليها والله ولي التوفيق.

стр. 2177

رمي الجمرة قبل طلوع الشمس المسألة الأولى: حكم رمي جمرة العقبة ليلة العيد اختلف العلماء متى يبتدئ وقت رميها فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يجوز رميها بعد منتصف الليل من ليلة النحر وممن قال (١) به الشافعي وقال (٢) المرداوي: وهو الصحيح من المذهب مطلقا وقول أكثر الأصحاب وقال** (٣) ابن قدامة: وبذلك قال عطاء وابن أبي ليلى وعكرمة بن خالد. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أنها قالت: «أرسل رسول الله ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول الله ﷺ " تعني" عندها (٤)» رواه أبو داود وسكت عنه. قال (٥) أبو حازم: قال أبو داود في رسالته لأهل مكة وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء. وقال (٦) ابن كثير: انفرد به أبو داود وهو إسناد جيد. وقال (٧) ابن حجر: إسناده صحيح، وقال (٨) ابن قدامة: واحتج به أحمد.

стр. 2178

وجه الدلالة قال (١) الشافعي: وهذا لا يكون إلا وقد رمت قبل الفجر بساعة، وقد اعترض على هذا الحديث من جهة سنده ومتنه ودلالته. أما الاعتراض عليه من جهة سنده فإنه روي مرسلا وموصولا مسندا. قال (٢) القرطبي روى معمر قال: أخبرني هشام بن عروة عن أبيه قال: «أمر رسول الله ﷺ أم سلمة أن تصبح بمكة يوم النحر وكان يومها (٣)». قال أبو عمر اختلف على هشام في هذا الحديث، فروته طائفة عن هشام عن أبيه مرسلا كما رواه معمر ورواه آخرون عن هشام عن أبيه عن عائشة ﵂: أمر أم سلمة بذلك مسندا، ورواه آخرون عن هشام عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة مسندا أيضا وكلهم ثقاة. انتهى. * قال (٤) إذا اختلف الثقات في حديث فرواه بعضهم متصلا وبعضهم مرسلا فاختلف أهل الحديث هل الحكم لمن وصل أو لمن أرسل أو للأكثر أو للأحفظ على أربعة أقوال، أحدهما الحكم لمن وصل وهو الأظهر الصحيح كما صححه الخطيب، وقال ابن الصلاح إنه الصحيح في الفقه وأصوله. وقد اعتضد هذا الحديث بما رواه (٥) الخلال بسنده عن سليمان بن داود عن هشام بن عروة عن أبيه قال: «أخبرتني أم سلمة قالت قدمني رسول الله ﷺ فيمن قدم من أهله ليلة المزدلفة قالت فرميت بليل ثم مضيت إلى مكة فصليت بها الصبح ثم رجعت إلى منى». قال ابن القيم: قلت: سليمان بن أبي داود - هذا - هو الدمشقي الخولاني ويقال: ابن داود، قال أبو زرعة عن أحمد رجل من أهل الجزيرة ليس بشيء، وقال عثمان بن سعيد: ضعيف. انتهى. قال (٦) ابن حجر قال فيه ابن حبان: سليمان بن داود الخولاني من أهل دمشق ثقة مأمون وقد أثنى على سليمان بن داود أبو زرعة وأبو حاتم وعثمان بن سعيد وجماعة من الحفاظ. ثم قال أيضا: قلت أما سليمان بن داود الخولاني فلا ريب في أنه صدوق. انتهى. قال (٧) الخطيب البغدادي - إذا عدل جماعة رجلا وجرحه أقل عددا من المعدلين فإن الذي عليه جمهور العلماء أن الحكم للجرح والعمل به أولى، وقالت طائفة: بل الحكم للعدالة، وهذا خطأ لأجل ما ذكرناه من أن الجارحين يصدقون المعدلين في العلم بالظاهر ويقولون: عندنا زيادة علم لم تعلموه من باطن أمره. وقد اعتلت هذه الطائفة بأن كثرة المعدلين تقوي حالهم وتوجب العمل بخبرهم وقلة الجارحين تضعف خبرهم، وهذا بعد ممن توهمه لأن المعدلين وإن كثروا ليسوا يخبرون عن عدم ما أخبر به الجارحون، ولو أخبروا بذلك وقالوا: نشهد أن هذا لم يقع منه لخرجوا بذلك من أن يكونوا أهل

стр. 2179

تعديل أو جرح لأنها شهادة باطلة على نفي ما يصح ويجوز وقوعه وإن لم يعلموه فثبت ما ذكرناه. وقال (١) أيضا: والذي يقوي عندنا ترك الكشف عن ذلك إذا كان الجارح عالما، وقد (٢) أبطل ابن القيم ﵀ حديث أم سلمة بما ثبت في الصحيحين عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: «استأذنت سودة رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة أن تدفع قبله وقبل حطمة الناس وكانت امرأة ثبطة قالت فأذن لها فخرجت قبل دفعه وحبسنا حتى أصبحنا فدفعنا بدفعه ولأن أكون استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنته سودة أحب إلى من مفروح به (٣)» وجه الدلالة أن الحديث الصحيح يبين أن نساءه غير سودة إنما دفعن معه وقد رد هذا الاستدلال بما رواه الدارقطني وغيره عن عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ أمر نساءه أن يخرجن من جمع ليلة جمع ويرمين الجمرة ثم نصبح في منزلنا فكانت تصنع ذلك حتى ماتت (٤)». وقد أجاب ابن القيم ﵀ عن هذا الرد فقال: يرده محمد بن حميد أحد رواته كذبه غير واحد. ويرده أيضا حديثها الذي في الصحيحين وقولها " وددت إني كنت استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنته سودة ". وقد أورد على جواب ابن القيم بأنه ثبت في صحيح مسلم عن أم حبيبة «أن رسول الله ﷺ بعث بها من جمع بليل (٥)». فأجاب عنه بأنها من الضعفة التي قدمها ﷺ . ثم أورد ابن القيم اعتراضا فقال: فما تصنعون بما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس «أن النبي ﷺ بعث به مع أهله إلى منى يوم النحر فرموا الجمرة مع الفجر (٦)». فأجاب عنه بقوله قيل: نقدم عليه حديثه الآخر الذي رواه أيضا الإمام أحمد والترمذي وصححه «أن النبي ﷺ قدم ضعفة أهله وقال: لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس (٧)»، ولفظ أحمد فيه: «قدمنا رسول الله ﷺ أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات لنا من جمع فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: أي بني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس (٨)» لأنه أصح منه وفيه «نهي النبي ﷺ عن رمي الجمرة قبل طلوع الشمس» وهو محفوظ بذكر القصة فيه، والحديث الآخر إنما فيه أنهم رموها مع الفجر. انتهى كلام ابن القيم. وأما الاعتراض عليه من جهة متنه: فقال (٩) ابن القيم: وأما حديث عائشة ﵂ «أرسل رسول الله ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت وكان ذلك اليوم

стр. 2180

الذي يكون رسول الله ﷺ يعني عندها (١)» - رواه أبو داود. فحديث منكر أنكره الإمام أحمد وغيره، ومما يدل على إنكاره أن فيه «أن رسول الله ﷺ " أمرها أن توافي صلاة الصبح يوم النحر بمكة " وفي رواية " توافيه بمكة، وكان يومها فأحب أن توافيه (٢)» وهذا من المحال قطعا. قال الأثرم: قال لي أبو عبد الله حدثنا أبو معاوية عن هشام عن أبيه «عن زينب بنت أم سلمة " أن النبي ﷺ أمرها أن توافيه يوم النحر بمكة (٣)» ولم يسنده غيره وهو خطأ وقال وكيع عن أبيه مرسلا «أن النبي ﷺ أمرها أن توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكة (٤)» أو نحو هذا، وهذا أعجب أيضا أن النبي ﷺ يوم النحر وقت الصبح ما يصنع بمكة ينكر ذلك. قال فجئت إلى يحيى بن سعيد فسألته فقال عن هشام عن أبيه " أمرها أن توافي" ليس " توافيه" قال وبين " ذين فرق" قال: قال لي يحيى: سل عبد الرحمن عنه فسألته فقال: هكذا عن هشام عن أبيه قال الخلال: سها الأثرم في حكايته عن وكيع " توافيه" وإنما قال وكيع: " توافي منى " وأصاب في قوله " توافي" كما قال أصحابه وأخطأ في قوله: " منى " انتهى المقصود. فقد اعتمد ابن القيم ﵀ في إنكار هذا الحديث على إنكار الإمام أحمد كما اعتمد عليه (٥) ابن التركماني (٦)، والطحاوي ولكن يرد استنكار الإمام أحمد ﵀ لهذا الحديث قول (٧) ابن قدامة ﵀ بعد ذكره لهذا الحديث، واحتج به أحمد، وقد سبق ذكر طائفة من أهل العلم بالحديث ورجاله أنهم صححوه واعتماد ابن القيم ﵀ وكذلك الطحاوي وابن التركماني على استنكار الإمام أحمد غير صحيح فقد تبين أنه احتج به فبطل الأصل وببطلانه يبطل قول من اعتمد عليه، وصرح (٨) ابن حجر في التلخيص الجيد بسلامته من الزيادة التي استنكرها الإمام أحمد بن حنبل ﵀ أي سلامة رواية أبي داود. وأما الاعتراض على حديث أم سلمة من ناحية الدلالة فمن وجهين: أحدهما أنه خاص بها. قال (٩) الخطابي: وقال غيره - أي الشافعي - إنما هذا رخصة فلا يجوز أن يرمي قبل الفجر. قال (١٠) الزرقاني، ويؤيده كون ذلك اليوم يوم نوبتها منه ﷺ وله أن يخص من شاء بما شاء. ويجاب عن هذا بأن القاعدة المقررة في علم الأصول أن خطاب (١١) المواجهة يعم إلا إذا أول الدليل على الخصوص. ويرد ذلك بورود الأدلة الدالة على نهي ابن عباس وأمثاله عن الرمي قبل طلوع الشمس، وكذلك رميه ﷺ ضحى مع قوله: «خذوا عني مناسككم (١٢)».

стр. 2181

ويمكن أن يجاب (١) عن هذا بأن حديث عائشة محمول على الجواز، وحديث ابن عباس محمول على الأفضل. أو أن حديث ابن عباس محمول على غير أهل الأعذار، وحديث عائشة محمول على أهل الأعذار. الوجه الثاني أن الرخصة لأم سلمة ﵂ أن ترمي في الليل عام في النساء فقط لكنه يجوز لمن بعث معهن من الضعفة كالعبيد والصبيان أن يرمي في وقت رميهن. وقد يفهم تخصيص ذلك بالنساء من تصرف النسائي حيث ترجم هذه الترجمة " الرخصة في ذلك للنساء" وساق حديث عائشة وذلك بعد روايته لحديث ابن عباس الذي في النهي عن رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس". * وقال (٢) محمد شمس الحق العظيم أبادي: وهذا الحكم مختص بالنساء فلا يصلح للتمسك به على جواز الرمي لغيرهن من هذا الوقت لورود الأدلة الدالة بخلاف ذلك لكنه يجوز لمن ذهب معهن من الضعفة كالعبيد والصبيان أن يرمي في وقت رميهن ويجري في هذا الوجه من المناقشة والمقارنة ما جرى في الوجه الذي قبله. الدليل الثاني عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر «أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة فقامت تصلي فصلت ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: لا. ثم صلت ساعة ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ فقلت: نعم. قالت: فارتحلوا. فارتحلنا فمضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها، فقلت: يا هنتاه ما أرانا ألا قد غلسنا. قالت: يا بني إن رسول الله ﷺ قد أذن للظعن (٣)». هذا لفظ البخاري وعن عطاء بن أبي رباح، ﵁، قال: إن مولاة أسماء بنت أبي بكر أخبرته قالت: «جئنا مع أسماء بنت أبي بكر ﵄ منى بغلس، قالت: فقلت لها: لقد جئنا منى بغلس، فقالت: كنا نصنع ذلك مع من هو خير منك (٤)». أخرجه مالك في الموطأ والنسائي في السنن. وأخرج أبو داود قال عطاء: أخبرني مخبر «عن أسماء أنها رمت الجمرة قلت: إنا رمينا الجمرة بليل. قالت: إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله ﷺ (٥)»، وقول أسماء ﵂: كنا نصنع ذلك مع من هو خير منك، وكنا نصنع هذا على عهد رسول الله ﷺ له حكم الرفع كما هو مقرر في (٦) علم أصول الحديث. وجه الدلالة في (٧) هذا الحديث دليل على أنه يجوز للنساء الرمي لجمرة العقبة في النصف الأخير من الليل (٨) وحد القبلية نصف الليل بشهادة العرف وظاهره سواء كان ثمة عذر أم لا، ولذلك «قالت أسماء: كنا نصنع هذا على عهد رسول الله صلى عليه وسلم، (٩)» وخطاب المواجهة يعم كما سبق، وقد سبق في رواية البخاري «قد أذن للظعن (١٠)».

стр. 2182

وقد رد هذا الوجه بأن أسماء إنما رمت بعد طلوع الفجر فلا حجة فيه لمن استدل به على جواز رميها قبل طلوع الفجر قال (١) ابن القيم ليس في هذا " يعني" حديث أسماء دليل على جواز رميها أي جمرة العقبة بعد نصف الليل فإن القمر يتأخر في الليلة العاشرة إلى قبيل الفجر، وقد ذهبت أسماء بعد غيابه من مزدلفة إلى منى فلعلها وصلت مع الفجر أو بعده فهي واقعة عليه، ومع هذا فهي رخصة للظعن وإن دلت على تقدم الرمي فإنما تدل على الرمي بعد طلوع الفجر. انتهى. * وقال (٢) الطحاوي متعقبا الاستدلال بحديث أسماء على جواز الرمي بعد نصف الليل قال: فقد يحتمل " أي قول مولى أسماء لها" قد غلسنا " أن يكون أراد التغليس في الدفع من مزدلفة، ويجوز أن يكون أراد التغليس في الرمي فأخبرته أن نبي الله ﷺ أذن لهم في التغليس لما سألها عن التغليس به من ذلك، وقال بعد ذلك في باب رمي جمرة العقبة ليلة النحر قبل طلوع الفجر" قد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا الباب حديث أسماء أنها رمت ثم رجعت إلى منزلها فصلت الفجر فقلت لها: قد غلسنا فقالت: «رخص رسول الله ﷺ للظعن (٣)». فأخبرت أن ما قد كان رخص رسول الله ﷺ في ذلك للظعن هو الإفاضة من المزدلفة في وقت ما يصيرون إلى منى في حال مآلهم أن يصلوا صلاة الصبح. انتهى. * (٤) وتعقبه أيضا ابن كثير فقال: إن كانت أسماء بنت الصديق رمت الجمار قبل طلوع الشمس كما ذكرها هنا عن توقيف فروايتها مقدمة على رواية ابن عباس لأن إسناد حديثها أصح من إسناد حديثه اللهم إلا أن يقال: إن الغلمان أخف حالا من النساء وأنشط، فلهذا أمر الغلمان بألا يرموا قبل طلوع الشمس، وأذن للظعن في الرمي قبل طلوع الشمس لأنهم أثقل حالا وأبلغ في التستر، وإن كانت أسماء لم تفعله عن توقيف فحديث ابن عباس مقدم على فعلها لكن يقوي الأول قول أبي داود. . «عن أسماء أنها رمت الجمرة بليل، قلت: إنا رمينا الجمرة بليل، قالت: إنا كنا نصنع هذا على عهد النبي ﷺ (٥)». انتهى كلام ابن كثير. والغلس (٦) محركة ظلمة آخر الليل، والليل (٧) والليلات من مغرب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق أو الشمس. انتهى. وإذا كان رميها قد وقع قبل الفجر فتجري فيه المناقشة والمقارنة التي مضت في الجواب عن الاعتراض الثاني على حديث أم سلمة من جهة دلالته. الدليل الثالث القياس ونصه: ولأنه (٨) وقت للدفع من مزدلفة وكان وقتا للرمي كبعد طلوع الشمس. ويجاب عن (٩) هذا بأن أوقات المناسك لا تعرف قياسا.

стр. 2183

القول الثاني لا يجوز رميها قبل طلوع الفجر ، ومن رماها قبل طلوع الفجر أعادها. وقال (١) القرطبي قال الإمام مالك: لم يبلغنا أن رسول الله ﷺ رخص لأحد برمي قبل طلوع الفجر ولا يجوز رميها قبل الفجر، فإن رماها قبل الفجر أعادها. انتهى كلام القرطبي. وكذلك (٢) قال بالمنع أبو حنيفة وأصحابه. واستدل لهذا القول بالأدلة الآتية: الدليل الأول عن كريب عن ابن عباس «أن النبي ﷺ كان يأمر نساءه وثقله من صبيحة جمع أن يفيضوا مع أول الفجر بسواد، وأن لا يرموا الجمرة إلا مصبحين». أخرجه البيهقي في السنن الكبرى والطحاوي في شرح معاني الآثار. وعن مقسم عن ابن عباس ﵄ «أن رسول الله ﷺ بعثه في الثقل وقال: لا ترموا الجمرة حتى تصبحوا (٣)». أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار. وجه الدلالة أنه ﷺ نهاهم عن رمي جمرة العقبة إذا قدموا منى حتى يصبحوا (٤) إذ المعنى حتى تدخلوا في الصباح وهو ما يحصل بأول الفجر ورد (٥) هذا الاستدلال بأن اللفظ مطلق يدل على فرد شائع مما يحتمله اللفظ ومن جملة ما تصح إرادته الوقت الذي بعد طلوع الشمس لدخوله في مطلق الإصباح فيكون مجملا، وقد بين بفعله ﷺ حيث رماها ضحى فكان هو المراد ولا ينافيه قوله ﷺ (حتى تطلع الشمس) لعدم التفاوت بين طلوعها ووقت الضحى الذي هو انبساطها وإشراق نورها إذ فيه تحقيق للبعدية. انتهى. وأما قول مالك ﵀ لم يبلغنا يعارض بما سبق في حديث أم سلمة وأسماء. الدليل الثاني القياس وهو (٦) أن النصف الآخر من الليل وقت الوقوف فلم يكن وقتا للرمي كالنصف الأول. ويجاب عنه بأن (٧) أوقات المناسك لا تعرف قياسا.

стр. 2184

القول الثالث أن أول وقته للضعفة من طلوع الفجر ولغيرهم من بعد طلوع الشمس وهو (١) قول النخعي والثوري (٢) واختيار ابن القيم. واستدل لهذا القول بأدلة: الدليل الأول عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول «رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: (لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه (٣)» رواه مسلم. وجه الدلالة قال النووي (٤) وأما قوله ﷺ : «لتأخذوا مناسككم (٥)»، فهذه اللام لام الأمر ومعناه: خذوا مناسككم، وهكذا وقع في رواية غير مسلم، وتقديره هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال والأفعال، والهيئات هي أمور الحج وصفته وهي مناسككم فخذوها عني واقبلوها واحفظوها واعملوا بها وعلموها الناس، وهذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج وهو نحو قوله ﷺ في الصلاة: «صلوا كما رأيتموني أصلي (٦)». انتهى. الدليل الثاني عن عطاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «كان رسول الله ﷺ يقدم ضعفة أهله بغلس ويأمرهم ألا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس (٧)». رواه أصحاب السنن الأربعة (٨) وصححه الترمذي (٩) والنووي (١٠) وابن القيم. ووجه الدلالة من هذا الحديث ظاهرة وقد مضى إيراد ابن القيم على هذا الحديث ودفعه ومناقشته لحديث أم سلمة وأسماء. الدليل الثالث حديث أسماء المتفق عليه وقد سبق قال فيه: «قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: نعم قالت: فارتحلوا. فارتحلنا ومضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: يا هنتاه ما أرانا إلا قد غلسنا قالت: يا بني " إن رسول الله ﷺ أذن للظعن (١١)» أ. هـ.

стр. 2185

وجه الدلالة: هذا (١) الحديث المتفق عليه صريح أن أسماء رمت الجمرة قبل طلوع الشمس بل بغلس وهو بقية الظلام. وصرحت بأنه ﷺ أذن في ذلك للظعن ومفهومه أنه لم يأذن للذكور الأقوياء. انتهى. وقد مضت مناقشة هذا الدليل عند الاستدلال به للمذهب الأول. الدليل الثاني حديث عبد الله بن عمر المتفق عليه وفيه أنه كان يقدم ضعفة أهله وأن منهم من يقدم لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر ﵄ يقول رخص في أولئك رسول الله ﷺ . وجه الدلالة حديث (٢) ابن عمر هذا المتفق عليه يدل دلالة واضحة على الترخيص للضعفة في رمي جمرة العقبة بعد الصبح قبل طلوع الشمس كما ترى ومفهومه أنه لم يرخص لغيرهم في ذلك. وقد جمع ابن القيم بين أدلة هذا الباب فقال: لا (٣) تعارض بين هذه الأحاديث فإنه أمر الصبيان ألا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس فإنه لا عذر لهم في تقديم الرمي، أما من قدمه من النساء فرمين قبل الشمس للعذر والخوف عليهن من مزاحمة الناس وحطمهم وهذا الذي دلت عليه السنة جواز الرمي قبل طلوع الشمس للعذر بمرض أو كبر يشق معه مزاحمة الناس لأجله، وأما القادر الصحيح فلا يجوز له ذلك. انتهى. وبعد سرده للمذاهب في هذه المسألة قال (٤): والذي دلت عليه السنة إنما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر لا نصف الليل وليس مع من حده بالنصف دليل. * وقال (٥) الشيخ محمد الأمين الشنقيطي الذي يقتضي الدليل رجحانه في هذه المسألة أن الذكور الأقوياء لا يجوز لهم رمي جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس وأن الضعفة والنساء لا ينبغي التوقف في جواز رميهم بعد الصبح قبل طلوع الشمس لحديث أسماء وابن عمر المتفق عليهما الصريحين في الترخيص لهم في ذلك، وأما رميهم أعني الضعفة والنساء قبل طلوع الفجر فهو محل نظر فحديث عائشة عن أبي داود يقتضي جوازه وحديث ابن عباس عند أصحاب السنن يقتضي منعه. والقاعدة المقررة في علم الأصول هي أن يجمع بين النصين إن أمكن الجمع وإلا فالترجيح بينهما، وقد جمعت

стр. 2186

بينهما جماعة من أهل العلم فجعلوا لرمي جمرة العقبة وقتين وقت فضيلة ووقت جواز وحملوا حديث ابن عباس على وقت الفضيلة وحديث عائشة على وقت الجواز وله وجه من النظر. أما الذكور الأقوياء فلم يرد في الكتاب ولا السنة دليل يدل على جواز رميهم جمرة العقبة قبل طلوع الشمس لأن جميع الأحاديث الواردة في الترخيص في ذلك كلها في الضعفة وليس شيء منها في الأقوياء الذكور. انتهى المقصود.

стр. 2187

المسألة الثانية: حكم رمي جمرة العقبة ليلة النفر ، في هذه المسألة مذهبان المذهب الأول إن غربت الشمس يوم النحر وهو لم يرم جمرة العقبة فإنه يرميها قال (١) الطحاوي وقال أبو حنيفة: إن ترك رجل رمي جمرة العقبة في يوم النحر ثم رماها في الليلة التي بعده فلا شيء عليه، وإن لم يرمها حتى أصبح من غده رماها وعليه دم لتأخيره إياها إلى خروج وقتها وهو طلوع الفجر من يومئذ انتهى. وقال (٢) الكاساني: فإن لم يرم حتى غربت الشمس فيرمي قبل طلوع الفجر من اليوم الثاني أجزأ، ولا شيء عليه في قول أصحابنا انتهى. هذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه. وأما مذهب مالك فقد جاء في المدونة (٣) هذا النص: ما قول مالك فيمن ترك رمي جمرة العقبة يوم النحر حتى الليل؟ قال مالك: من أصابه مثل ما أصاب صفية حين احتبست على ابنة أخيها فأتت بعدما غابت الشمس فرمت ولم يبلغنا أن ابن عمر أمرهما في ذلك بشيء. قال مالك: وأما أنا فأرى على من كان في مثل حال صفية ولم يرم حتى غابت الشمس أن عليه الدم، قال مالك: من ترك رمي جمرة العقبة حتى تغيب الشمس فعليه دم. . . قلت: أرأيت إن ترك بعض رمي جمرة العقبة من يوم النحر ترك حصاة أو حصاتين حتى غابت الشمس؟ قال: قال مالك: يرمي ما ترك من رميه ولا يستأنف جميع الرمي ولكن يرمي ما نسي من عدد الحصا. قلت: فهل عليه دم؟ قال ابن القاسم: قد اختلف قوله في هذا، وأحب إلي أن يكون عليه دم. قلت: فيرمي ليلا في قول مالك هذا الذي ترك من رمي جمرة العقبة شيئا أو ترك الجمرة كلها؟ قال: نعم يرميها في قول مالك ليلا. قلت: فيكون عليه الدم قال: كان مالك مرة يرى ذلك عليه، ومرة لا يرى ذلك عليه. انتهى. وأما المذهب الشافعي فقد نص (٤) الشافعي على أنه يرمي ليلا ولا شيء عليه وقال (٥) النووي لو ترك رمي

стр. 2188

جمرة العقبة فالأصح أنه يتداركه في الليل وفي أيام التشريق ويشترط فيه الترتيب فيقدمه على أيام التشريق ويكون أداء على الأصح وإذا قلنا بالأصح: إن المتدارك أداء لا قضاء كان تعجيل كل يوم للمقدار المأمور به وقت اختيار وفضيلة كأوقات الاختيار للصلاة. انتهى. هذا ما تيسر تفصيله للمذاهب الثلاثة فهم متفقون على رميها لكن هل هو قضاء أو أداء وهل فيه دم أو لا شيء فيه؟ بينهم خلاف كما سبق. * واستدل لقولهم بجواز رميها بعد غروب الشمس بأدلة: الأول عن ابن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يسأل يوم النحر بمنى فيقول: لا حرج، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح. قال: " اذبح ولا حرج" فقال: رميت بعدما أمسيت. فقال: " لا حرج" (١)». رواه البخاري. وقد بسط (٢) الشيخ محمد الأمين الشنقيطي الكلام على هذا الدليل فنسوق المقصود من كلامه. فقالوا: قد صرح النبي ﷺ بأن من رمى بعدما أمسى لا حرج عليه واسم المساء يصدق بجزء من الليل. ورد هذا الاستدلال بأن مراد السائل بقوله: بعدما أمسيت يعني به بعد زوال الشمس في آخر النهار قبل الليل. * قالوا: والدليل الواضح على ذلك أن حديث ابن عباس المذكور «كان النبي ﷺ يسأل يوم النحر بمنى (٣)». الحديث. فتصريحه بقوله يوم النحر. يدل على أن السؤال وقع في النهار والرمي بعد الإمساء يطلق لغة على ما بعد وقت الظهر إلى الليل. قال ابن حجر في فتح الباري في شرح الحديث المذكور قال: رميت بعدما أمسيت أي بعد دخول المساء وهو يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتد الظلام فلم يتعين لكون الرمي المذكور كان بالليل. انتهى. * وقال ابن منظور في لسان العرب: المساء بعد الظهر إلى صلاة المغرب وقال بعضهم إلى نصف الليل. * قالوا فالحديث صريح في أن المراد بالمساء فيه آخر النهار بعد الزوال لا الليل وإذا فلا حجة فيه للرمي ليلا. * وأجاب القائلون بجواز الرمي ليلا عن هذا بأجوبة: الأول منها قول النبي ﷺ " لا حرج " بعد قول السائل: رميت بعدما أمسيت. يشمل لفظه نفي الحرج عمن رمى بعدما أمسى وخصوص سببه بالنهار لا عبرة به لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ولفظ المساء عام لجزء من النهار وجزء من الليل وسبب ورود الحديث المذكور خاص بالنهار.

стр. 2189

الجواب الثاني أنه ثبت في بعض روايات حديث ابن عباس ﵄ المذكور ما هو أعم من يوم النحر وهو صادق قطعا بحسب الوضع اللغوي ببعض أيام التشريق، ومعلوم أن الرمي فيه لا يكون إلا بعد الزوال فقول السائل في بعض أيام التشريق ": رميت بعدما أمسيت" لا ينصرف إلا إلى الليل لأن الرمي فيها بعد الزوال معلوم فلا يسأل عنه صحابي. قال أبو عبد الرحمن النسائي في سننه أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع قال: حدثنا يزيد هو ابن زريق قال حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ يسأل أيام منى فيقول " لا حرج" فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح. قال " لا حرج" فقال رجل: رميت بعدما أمسيت. قال " لا حرج (١)» وهذا الحديث صحيح الإسناد كما ترى لأن طبقته الأولى محمد بن عبد الله بن بزيع وهو ثقة معروف وهو من رجال مسلم في صحيحه وبقية إسناده هي بعينها إسناد البخاري الذي ذكرناه آنفا وقوله في هذا الحديث صحيح أيام منى بصيغة الجمع صادق بأكثر من يوم واحد فهو صادق بحسب وضع اللغة ببعض أيام التشريق والسؤال عن الرمي بعد المساء فيها لا ينصرف إلا إلى الليل فإن قيل: صيغة الجمع في رواية النسائي تخصص بيوم النحر الوارد في رواية البخاري فيحمل ذلك الجمع على المفرد نظرا لتخصصه به ويؤيد ذلك أن في رواية أبي داود وابن ماجه لحديث ابن عباس المذكور يوم منى بالإفراد. فالجواب أن المقرر في الأصول أن ذكر بعض أفراد العام لا يخصصه على مذهب الجمهور خلافا لأبي ثور (٢) سواء كان العام وبعض أفراده المذكور بحكمه في نص واحد أو نصين. . . وللمخالفين القائلين لا يجوز الرمي ليلا أن يردوا هذا الاستدلال فيقولوا: رواية النسائي العامة في أيام منى فيها «أنه كان يسأل فيها فيقول " لا حرج (٣)» وأنه «سأله رجل فقال: رميت بعدما أمسيت. فقال: لا حرج (٤)» ولم يعين اليوم الذي قال فيه: رميت بعدما أمسيت وعموم أيام منى صادق بيوم النحر وقد بينت رواية البخاري أن ذلك السؤال وقع في خصوص يوم النحر أيام منى ولا ينافي ذلك أنه قال " لا حرج" في أشياء أخر في بقية أيام منى وغاية ذلك أن أيام منى عام، ورواية البخاري عينت اليوم الذي قال فيه: رميت بعدما أمسيت. الجواب الثالث هو ما قدمناه في الموطأ عن ابن عمر من أنه أمر زوجته صفية بنت أبي عبيد وابنة أخيها برمي الجمرة بعد الغروب، ورأى أنهما لا شيء عليهما في ذلك، وذلك يدل على أنه علم من النبي ﷺ أن الرمي جائز ليلا. انتهى. وقد يقال: إن صفية وابنة أخيها كان لهما عذران لأن ابنة أخيها عذرها النفاس ليلة المزدلفة وهي عذرها معاونة ابنة أخيها (٥). انتهى المقصود.

стр. 2190

الدليل الثاني عن أبي بكر بن نافع عن أبيه أن ابنة أخ لصفية بنت أبي عبيد نفست بالمزدلفة فتخلفت هي وصفية حتى أتتا منى بعد أن غربت الشمس من يوم النحر فأمرهما عبد الله بن عمر أن ترميا الجمرة حين أتتا ولم ير عليهما شيئا. رواه مالك في الموطأ، وابن أبي شيبة في المصنف وقد سبق بيان وجه الاستدلال منه. الدليل الثالث عن ابن جريج عن عمرو قال: أخبرني من رأى بعض أزواج النبي ﷺ ترمي غربت أو لم تغرب رواه أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف. الدليل الرابع ما رواه الثوري عن رجل عن نافع قال: قال ابن عمر: إذا نسيت رمي الجمرة يوم النحر إلى الليل فارمها بالليل، وإذا كان من الغد فنسيت الجمار حتى الليل فلا ترمه حتى يكون من الغد عند زوال الشمس ارم الأول فالأول، ورواه عبيد الله عن نافع عن عمر مختصرا بلفظ " من نسي أيام الجمار وقال رمي الجمار إلى الليل فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد رواه البيهقي في السنن الكبرى. الدليل الخامس عن عطاء بن أبي رباح قال سمعت ابن عباس يقول: قال رسول ﷺ : «الراعي يرمي بالليل ويرعى بالنهار» رواه البيهقي في السنن والطحاوي في شرح معاني الآثار (١) وأورد على هذا الاستدلال بأنه رخص لهم للعذر (٢). وأجيب بأنه ما كان لهم عذر لأنه كان يمكن أن يستنيب بعضهم بعضا فيأتي بالنهار فيرمي فثبت أن الإباحة كانت لغير عذر فيدل على الجواز مطلقا.

стр. 2191

المذهب الثاني إذا غربت الشمس من يوم النحر وهو لم يرم جمرة العقبة فلا يرميها إلا من الغد بعد الزوال، وهذا مذهب أحمد والرواية الثانية عن الشافعي. واستدل لهذا بأن ابن عمر ﵁ قال: من فاته الرمي حتى تغيب الشمس فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد. وقد سبق أنه رواه البيهقي، وهذا الأثر معارض بما تقدم ذكره عن ابن عمر ففيه فرق بين رمي جمرة العقبة يوم النحر، ورمي غيرها وهو الدليل الرابع من أدلة القائلين بجواز رميها في ليلة القر.

стр. 2192

المسألة الثالثة: حكم تقديم رمي الجمار قبل الزوال في أيام التشريق الثلاثة، وفيه مذاهب المذهب الأول لا يجوز تقديم رمي الجمار قبل الزوال في أيام التشريق الثلاثة، ومن رمى قبل الزوال أعاده وممن ذهب إلى هذا مالك (١) والشافعي (٢) وهو (٣) الصحيح من مذهب أحمد ويستدل لهذا المذهب بما يأتي: الدليل الأول ما جاء في خطبته ﷺ بمنى يوم النحر من حديث جابر «لتأخذوا عني مناسككم (٤)». وقد مضى بيان معنى هذه الجملة وهو وجه الاستدلال من الحديث بصفة عامة، وأن هذه اللام لام الأمر، وقد (٥) جاء في بعض الروايات التصريح بالأمر وكونه ﷺ يؤخر الرمي حتى تزول الشمس في هذه الأيام الثلاثة. هذا بيان لوقت بدء الرمي، وهذا داخل في عموم قوله ﷺ «لتأخذوا عني مناسككم (٦)» وقد تقرر في علم الأصول أن البيان تابع للمبين في الحكم، والحكم هنا هو الأمر، والأمر في الأصل يقتضي الوجوب إلا بقرينة تصرفه عن هذا الأصل فيكون الرمي بعد الزوال واجبا، والأمر بالشيء نهي عن ضده فلا يجوز الرمي قبل الزوال. ومن الأدلة الدالة على أنه ﷺ لم يرم في هذه الأيام الثلاثة إلا بعد الزوال ما رواه جابر ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يرمي يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فبعد الزوال (٧)». رواه مسلم في الصحيح، ورواه الترمذي والنسائي وأبو داود وقال الترمذي بعد إخراجه حديث حسن صحيح. وأخرجه البخاري تعليقا بصيغة الجزم. قال (٨) ابن حجر وقد وصله مسلم وابن خزيمة وابن حبان من طريق ابن جريج أخبرني أبو الزبير عن جابر. وفي حديث عائشة ﵂ «ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات (٩)» الحديث رواه أحمد في المسند وأبو داود والبيهقي في المسند والحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه. الدليل الثاني عن وبرة بن عبد الرحمن السلمي قال سألت ابن عمر ﵄: متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمي إمامك. فأعدت عليه المسألة قال: كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا أخرجه البخاري في الصحيح.

стр. 2193

ورواية مالك في الموطأ عن ابن عمر ﵄ لا ترمي الجمار حتى تزول الشمس وجه الاستدلال قال (١) ابن الأثير: نتحين تحينت الوقت أي طلبت الحين وهو الوقت. وقال (٢) ابن حجر فأعلمه بما كانوا يفعلونه في زمن النبي ﷺ .

стр. 2194

المذهب الثاني يجوز رمي الجمار في هذه الأيام الثلاثة قبل الزوال مطلقا. ونسب ابن حجر (١) والعيني (٢) هذا المذهب إلى عطاء وطاوس، ولكن بالنسبة لعطاء قد ورد عنه ما يدل على خلاف هذا المذهب المنسوب إليه فقد روى الحاكم في المستدرك بسنده عن ابن جريج عن عطاء أنه قال: لا أرمي حتى تزيغ الشمس إن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يرمي يوم النحر قبل الزوال فأما بعد ذلك فعند الزوال (٣)» قال الحاكم بعد سياق سنده ومتنه: هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي في تلخيصه.

стр. 2195

المذهب الثالث مذهب أبي حنيفة وفيه تفصيل هذا بيانه مع المستند وجوابه عن أدلة الجمهور. * قال (١) الكاساني وأما وقت الرمي من اليوم الأول والثاني من أيام التشريق وهو اليوم الثاني والثالث من أيام الرمي فبعد الزوال حتى لا يجوز الرمي فيهما قبل الزوال في الرواية المشهورة عن أبي حنيفة، وروي عن أبي حنيفة أن الأفضل أن يرمي في اليوم الثاني والثالث بعد الزوال فإن رمى قبله جاز. ووجه هذه الرواية أن قبل الزوال وقت الرمي في يوم النحر فكذا في اليوم الثاني والثالث لأن الكل أيام النحر. ووجه الرواية المشهورة ما روي عن جابر ﵁ «أن رسول الله ﷺ رمى الجمرة يوم النحر ضحى ورمى في بقية الأيام بعد الزوال، (٢)» وهذا باب لا يعرف بالقياس بل بالتوقيف. . . وأما وقت الرمي في اليوم الثالث من أيام التشريق وهو اليوم الرابع من أيام الرمي فالوقت المستحب له بعد الزوال، ولو رمى قبل الزوال يجوز في قول أبي حنيفة وفي قول أبي يوسف ومحمد لا يجوز واحتجا بما روي عن جابر ﵁ «أن النبي ﷺ رمى الجمرة يوم النحر ضحى ورمى في بقية الأيام بعد الزوال، (٣)» وأوقات المناسك لا تعرف قياسا فدل أن وقته بعد الزوال ولأن هذا يوم من أيام الرمي فكان وقت الرمي فيه بعد الزوال كاليوم الثاني والثالث من أيام التشريق. ولأبي حنيفة ما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال إذا افتتح النهار من آخر أيام التشريق جاز

стр. 2196

الرمي، والظاهر أنه قاله سماعا من النبي ﷺ إذ هو باب لا يدرك بالرأي والاجتهاد فصار اليوم الأخير من أيام التشريق مخصوصا من حديث جابر ﵁ بهذا الحديث أو يحمل فعله في اليوم الأخير على الاستحباب، ولأن له أن ينفر قبل الرمي، ويترك الرمي في هذا اليوم رأسا فإذا جاز له ترك الرمي أصلا فلأن يجوز له الرمي قبل الزوال أولى. انتهى. * قال الزيلعي: ورواية (١) البيهقي عن ابن عباس (إذا انتفخ النهار من يوم النفر فقد حل الرمي والصدر) انتهى في مسند طلحة بن عمر وضعفه البيهقي قال: والانتفاخ: الارتفاع. انتهى. وقال (٢) ابن منظور: وانتفخ النهار علا قبل الانتصاف بساعة. وقال (٣) البابرتي، قوله في المشهور من الرواية احتراز عما روى الحسن عن أبي حنيفة أنه إن كان من قصده أن يتعجل في النفر الأول فلا بأس بأن يرمي في اليوم الثالث قبل الزوال، وإن رمى بعده فهو أفضل وإن لم يكن ذلك من قصده فلا يجوز أن يرمي إلا بعد الزوال وذلك لدفع الحرج لأنه إذا نفر بعد الزوال لا يصل إلى مكة إلا بالليل فيحرج في تحصيل موضع المنزل. وقال (٤) ابن الهمام: قوله في المشهور من الرواية احتراز عما روي عن أبي حنيفة ﵀ قال: أحب إلي ألا يرمي في اليوم الثاني والثالث حتى تزول الشمس فإن رمى قبل ذلك أجزأه. وحمل المروي من قوله ﵇ على اختيار الأفضل. وجه الظاهر ما قدمناه من وجوب اتباع المنقول لعدم المعقولية، ولم يظهر أثر تخفيف فيها بتجويز الترك لينفتح باب التخفيف بالتقديم وهذه الزيادة يحتاج إليها أبو حنيفة وحده. انتهى. * قال (٥) الشيخ محمد الأمين الشنقيطي بعد سياقه للأدلة الدالة على أنه لا يجوز الرمي إلا بعد الزوال في أيام التشريق. قال: وبهذه النصوص الثابتة عن النبي ﷺ تعلم أن قول عطاء وطاوس بجواز الرمي في أيام التشريق قبل الزوال وترخيص أبي حنيفة في الرمي يوم النفر قبل الزوال، وقول إسحاق إن رمى قبل الزوال في اليوم الثالث أجزأه كل ذلك خلاف التحقيق لأنه مخالف لفعل النبي ﷺ ولذلك خالف في الترخيص أبا حنيفة صاحباه محمد وأبو يوسف. ولم يرد في كتاب الله ولا سنة نبيه ﷺ شيء يخالف ذلك فالقول بالرمي قبل الزوال في أيام التشريق لا مستند له البتة مع مخالفته للسنة الثابتة عنه ﷺ فلا ينبغي لأحد أن يفعله.

стр. 2197

المسألة الرابعة: حكم رمي الجمار في ليلتي اليوم الثاني عشر والثالث عشر عن اليوم الذي قبلها ، في هذه المسألة مذهبان المذهب الأول الجواز وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية . * أما الحنفية فقال (١) السندي " ولو لم يرم يوم النحر" أي اليوم الأول " أو الثاني أو الثالث رماه في الليلة المقبلة" أي الآتية لكل من الأيام الماضية " ولا شيء عليه سوى الإساءة" أي لتركه السنة " إن لم يكن عذر" أي ضرورة " ولو رمى ليلة الحادي عشر أو غيرها عن غدها" أي من أيامها المقبلة لم يصح لأن الليالي " في الحج" أي في حقه " في حكم الأيام الماضية لا المستقبلة" أي فيجوز رمي اليوم الثاني من أيام النحر ليلة الثالث، ولا يجوز فيها رمي اليوم الثالث كما أن الوقوف جائز في ليلة العاشر ولا يجوز فيها من أفعال ذلك اليوم من الوقوف بمزدلفة والرمي ونحوهما " ولو لم يرم في الليل" أي من ليالي أيامها الماضية أداء " رماه في النهار" أي في نهار الأيام التالية على التأليف "قضاء" أي اتفاقا " وعليه الكفارة" الدم عند الإمام ولا شيء عليه عندهما. انتهى. وأما المالكية ففي المدونة (٢) قلت: فإن ترك رمي الجمرة من الجمار في اليوم الذي بعد يوم النحر ما عليه في قول مالك قال: قد اختلف قول مالك مرة يقول: من نسي رمي الجمار حتى تغيب الشمس فليرم، ولا شيء عليه. ومرة قال: ليرم وعليه دم، قال: وأحب إلي أن يكون عليه الدم. قلت: وكذلك اليوم الذي بعده؟ قال: نعم. انتهى. وفي (٣) الموطأ قال يحيى: سئل مالك عمن نسي جمرة من الجمار في بعض أيام منى حتى يمسي قال: ليرم أية ساعة ذكر من ليل أو نهار، كما يصلي الصلاة إذا نسيها ثم ذكرها ليلا أو نهارا، انتهى المقصود. * وفي (٤) مختصر خليل وشرحه للدردير " والليل" عقب كل يوم " قضاء" لذلك اليوم الذي يجب فيه الدم. * وقال (٥) الباجي بعد سياقه للدليل الدال على مشروعية الرمي بعد الزوال وكلامه عليه قال: إذا ثبت ذلك فإن أول أداء الرمي لكل يوم من أيام التشريق زوال الشمس منه وآخره غروب الشمس، ووقت القضاء من غروب الشمس إلى بقية أيام التشريق الليل والنهار سواء في القضاء يبين ذلك ما روي عن مالك في رمي رعاء الإبل الجمار أنهم لا يرمون اليوم الذي يلي يوم النحر إلا في اليوم الذي بعده لأنه لا يقضى شيء حتى يجب فإذا وجب ومضى كان القضاء بعد ذلك.

стр. 2198

* وأما (١) الشافعية فقال النووي: إذا ترك شيئا من الرمي نهارا فالأصح أنه يتداركه ليلا أو فيما بقي من أيام التشريق سواء تركه عمدا أو سهوا وإذا تداركه فيها فالأصح أنه أداء لا قضاء. انتهى المقصود. * وقال (٢) الرملي: وإذا ترك رمي يوم أو يومين من أيام التشريق عمدا أو سهوا أو جهلا تداركه في باقي الأيام منها في الأظهر بالنص في الرعاء وأهل السقاية وبالقياس في غيرهم إذ لو كانت بقية الأيام غير صالحة للرمي لم يفترق الحال فيها بين المعذور وغيره كما في الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة، والمتدارك أداء كما مر، ولو تدارك قبل الزوال أو ليلا أجزأه كما جزم به في الأول في أصل الروضة والمجموع والمناسك واقتضاه نص الشافعي ﵀ وبالثاني لابن الصباغ في شامله وابن الصلاح والمصنف في مناسكهما وإن جزم ابن المقري تبعا لجمع بخلافه فيهما إذ جملة أيام الرمي كوقت واحد وكل يوم لرميه وقت اختيار لكن لا يجوز تقديم رمي كل يوم عن زوال شمسه كما مر. انتهى. الأدلة: قد بنى الحنفية مذهبهم على الرخصة للرعاة أن يرموا ليلا وعندهم أنه ليس خاصا بهم بل هو عام كما سيأتي في الكلام على أدلة الرخصة للرعاة وهي المسألة الخامسة. وينوه أيضا على أن الليلة في حكم اليوم الذي قبلها في الحج كما سبق عن السندي، وأما المالكية فأما مالك فإنه يقوله في الناسي فقط - حسبما اطلعنا عليه وقد بناه قياسا على من نسي صلاة أخذا من حديث: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها (٣)» الحديث. * وأما الباجي ومن وافقه فقد استدل بحديث الرعاء وسيأتي في كلام الباجي مع بيان وجه الاستدلال به عند الكلام على أدلة الرخصة للرعاة أن يرموا ليلا، وأما الشافعية فإنهم يقولون به بالنص للرعاء وأهل السقاية وبالقياس في غيرهم وسيأتي الكلام على أحاديث الرخصة للرعاء ومناقشتها، وأما أهل السقاية فإن الرخصة التي وردت في حقهم هي الرخصة في المبيت لا الرخصة في الرمي - هذا حسبما وقفنا عليه - وفي حالة عدم ثبوت دليل يدل على الرخصة لهم في الرمي فلا يصح القياس عليهم وقد مضت مناقشة الاستدلال بالقياس في العبادات ويمكن أن يستدل للقول بجواز الرمي ليلا عن اليوم الذي قبله برواية النسائي التي سبقت وقد جاء فيها / كان يسأل أيام منى وفيها فسأله رجل فقال: رميت بعدما أمسيت. قال: ارم ولا حرج / وقد مضى الكلام على هذا الدليل.

стр. 2199

المذهب الثاني من غربت عليه الشمس في اليوم الحادي عشر والثاني عشر من أيام التشريق وهو لم يرم الجمار لذلك اليوم فإنه يرميها من الغد بعد الزوال. وهذا مذهب أحمد ومن وافقه واستدل به ابن قدامة في المغني بقول ابن عمر ﵄ من فاته الرمي حتى تغيب الشمس فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد وقد مضى هذا الأثر. قال (١) المرداوي وقال ابن عقيل: نصه للرعاة خاصة الرمي ليلا نقله ابن منصور. انتهى.

стр. 2200

المسألة الخامسة: أدلة الترخيص للرعاة في الرمي عن عاصم بن عدي عن أبيه «أن رسول الله ﷺ رخص لرعاء الإبل في البيتوتة خارجين عن منى يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر (١)» هذا لفظ الموطأ قال مالك تفسير ذلك فيما نرى والله أعلم " أنهم يرمون يوم النحر فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد وذلك يوم النفر الأول ويرمون لليوم الذي مضى ثم يرمون ليومهم ذلك لأنه لا يقضي أحد شيئا حتى يجب عليه، فإذا وجب عليه ومضى كان القضاء بعد ذلك، فإن بدا لهم في النفر فقد فرغوا وإن أقاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النفر الآخر ونفروا. أخرجه في الموطأ. * قال الباجي (٢) قوله: إن رسول الله ﷺ رخص لرعاء الإبل في البيتوتة خارجين عن منى يقتضي أن هناك منعا خاصا هذا منه لأن لفظة "رخصة" لا تستعمل إلا فيما يخص من المحظور للعذر وذلك أن للرعاء عذرا في الكون مع الظهر الذي لا بد من مراعاته والرعي به للحاجة إلى الظهر في الانصراف إلى بعيد البلاد وقد قال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ (٣) فأبيح لهم ذلك لهذا المعنى. انتهى. قال (٤) الكاساني: ولا يقال: إنه رخص لهم ذلك لعذر؛ لأنا نقول: ما كان لهم عذر لأنه كان يمكنهم أن يستنيب بعضهم بعضا فيأتي بالنهار فيرمي فثبت أن الإباحة كانت لغير عذر فيدل على الجواز مطلقا فلا يجب الدم. انتهى المقصود. * وقال (٥) الباجي وقوله: يرمون يوم النحر، أخبر أن رميهم يوم النحر لا يتعلق به رخصة ولا يغير عن وقته ولا إضافة إلى غيره ثم يرمون الغد يريد أنه يرمي لليومين فقال: يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين فذكر الأيام التي يرمي لها وهي الغد من يوم النحر وبعد الغد وهما أول أيام التشريق وثانيهما ولم يذكر وقت الرمي وإنما يرمي لهما في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال ولذلك جمع بينهما في اللفظ فقال: ليومين وقد فسر ذلك مالك على ما تقدم ذكره وفي رواية الترمذي قال: «أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر ثم يجمعون رمي يومين بعد يوم النحر فيرمونه في أحدهما (٦)». قال: قال مالك ظننت أنه قال في الأول منهما: ثم يرمون يوم النفر وفي أخرى له ولأبي داود والنسائي «أن رسول الله ﷺ رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما (٧)». وفي أخرى للنسائي «أن رسول الله ﷺ رخص للرعاء في البيتوتة يرمون يوم النحر واليومين اللذين بعده يجمعونه في أحدهما (٨)».

стр. 2201

قال (١) ابن الأثير: إسناد هذا الحديث في الموطأ عن أبي البداح عاصم بن عدي عن أبيه. وفي نسخة أخرى عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه. وفي الترمذي عن أبي البداح بن عدي عن أبيه وقال: وقد روى مالك بن أنس عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه قال الترمذي: ورواية مالك أصح. وأخرجه أبو داود عن أبي البداح بن عاصم عن أبيه. وأخرج أيضا هو والترمذي عن أبي البداح بن عدي عن أبيه الرواية الثانية. وأخرج النسائي مرة عن أبي البداح بن عدي عن أبيه، ومرة عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه. قال (٢) صاحب التحفة عند الكلام على رواية الترمذي «رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما (٣)» قال: يعني يجوز لهم أن يرموا اليوم الأول من أيام التشريق ويذهبوا إلى إبلهم فيبيتوا عندها ويدعوا يوم النفر الأول ثم يأتوا في اليوم الثالث فيرموا ما فاتهم في اليوم الثاني مع رميهم لليوم الثالث وفيه تفسير ثان وهو أنهم يرمون جمرة العقبة ويدعون رمي ذلك اليوم ويذهبون ثم يأتون في اليوم الثاني من التشريق فيرمون ما فاتهم ثم يرمون عن ذلك اليوم كما تقدم وكلاهما جائز. كذا في النيل. وقال (٤) صاحب عون المعبود عند الكلام على رواية أبي داود: «إن رسول الله ﷺ رخص لرعاء الإبل في البيتوتة يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد ومن بعد الغد بيومين ويرمون يوم النفر (٥)» قال: فظاهر الحديث أنهم يرمون بعد يوم النحر وهو اليوم الحادي عشر لذلك اليوم واليوم الآتي وهو الثاني عشر ويجمعون بين رمي يومين بتقديم الرمي على يومه وفي الترمذي والنسائي وغيرهما من هذا الوجه بلفظ: «رخص رسول الله ﷺ لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر فيرموه في أحدهما (٦)» وهذا الظاهر خلاف ما فسره مالك لهذا الحديث. ويدل لفهم الإمام مالك رواية سفيان الآتية بلفظ: «رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما (٧)». * قال الخطابي: أراد يوم النفر ها هنا النفر الكبير انتهى المقصود، وقال (٨) أيضا: وقد اختلف الناس في تعيين اليوم الذي يرمي فيه فقال مالك: يرمون يوم النحر فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد وذلك يوم النفر الأول يرمون لليوم الذي مضى ويرمون ليومهم ذلك؛ وذلك لأنه لا يقضي أحد شيئا حتى يجب عليه. * وقال الشافعي نحوا من قول مالك وقال بعضهم: هم بالخيار إن شاءوا قدموا وإن شاءوا أخروا. انتهى.

стр. 2202

وقد وردت أدلة تدل على أن الرعاء يرمون ليلا في ليالي أيام التشريق، فروى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن عطاء بن أبي رباح أنه سمعه يذكر أنه رخص للرعاء أن يرموا بالليل يقول: في الزمان الأول. قال (١) الباجي: إنما أبيح لهم ذلك لأنه أرفق بهم وأحوط فيما يحاولونه من رعي الإبل لأن الليل وقت لا ترعى فيه الإبل ولا تنتشر فيرمون في ذلك الوقت. * وقال ابن المواز: إن رعوا بالنهار ورموا بالليل فلا بأس به ويحتمل أن يرموا على هذا في كل ليلة لاستغنائهم في ذلك الوقت عن حفظ الإبل على وجه الرعي، ويحتمل إن كان ذلك عليهم مشقة أن يكون رميهم بالليل على حكم رميهم بالنهار من الجمع. * وقال (٢) الباجي أيضا: وقوله: في الزمان الأول يقتضي إطلاقه زمن النبي ﷺ لأنه الأول من زمان هذه الشريعة فعلى هذا هو مرسل. ويحتمل أن يريد به أول زمن أدركه عطاء فيكون موقوفا متصلا. * وقال (٣) على قوله " يقول: في الزمان الأول" أي زمن الصحابة وبهم القدوة وبهذا قال محمد بن مواز وهو كما قال بعضهم وفاقا للمذهب لأنه إذا رخص لهم في تأخير اليوم الثاني فرميهم بالليل أولى. * وقال (٤) القرطبي بعد سياقه لرواية مالك عن يحيى بن سعيد عن عطاء المتقدمة وكلام الباجي قال: " قلت: هو مسند من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ خرجه الدارقطني وغيره"، وقد ذكرناه في المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس. انتهى المقصود. والحديث الذي أشار إليه القرطبي رواه الدارقطني (٥) بسنده عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده «أن رسول الله ﷺ رخص للرعاء أن يرموا بالليل وأية ساعة شاءوا من النهار (٦)» وقد أعل هذا الحديث بما قاله الزيلعي قال: قال (٧) ابن القطان في كتابه: وإبراهيم بن يزيد هذا إن كان هو الخوزي فهو ضعيف، وإن كان غيره فلا يدرى من هو، وبكر بن بكار قال فيه ابن معين: ليس بالقوي: ودون بكر بن بكار جعفر بن محمد الشيرازي، لا خالد، قال: وروى البزار هذا الحديث عن ابن عمر بإسناد أحسن من هذا. والحديث الذي أشار إليه ابن القطان أن البزار رواه قد أخرجه (٨) الزيلعي فقال: وأما حديث ابن عمر فرواه البزار في مسنده. .

стр. 2203

عن ابن عمر «أن رسول الله ﷺ رخص لرعاء الإبل أن يرموا بالليل (١)». وقد أعل هذا الحديث بما نقله الزيلعي بقوله: قال (٢) ابن القطان ومسلم بن خالد الزنجي شيخ الشافعي ضعفه قوم ووثقه آخرون. قال البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث. * وقال (٣) ابن حجر: رواه البزار بإسناد حسن والحاكم والبيهقي. انتهى. * وذكر (٤) الزيلعي أن الطبراني رواه وذكر الحديث بسند الطبراني. * قال (٥) الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وهو متروك. انتهى. * وقال (٦) الزيلعي: ورواه ابن أبي شيبة في مسنده حدثنا محمد بن الصباح عن خالد بن عبد الله عن عبد الرحمن بن إسحاق عن عطاء عن ابن عباس أن النبي ﷺ إلى آخره، وفيه أن يرموا الجمار رواه في مصنفه: حدثنا ابن عيينة عن ابن جريج عن عطاء أن رسول الله ﷺ . . . مرسلا. انتهى. * قال (٧) وروى ابن أبي شيبة عن ابن عيينة عن ابن جريج عن عطاء مرسلا مثله ووصله في مسنده بذكر ابن عباس لكنه من رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن عطاء، ولم يسمع عبد الرحمن من عطاء وإنما رواه عن إسحاق بن أبي فروة أحد المتروكين رواه مسدد والطبراني من طريقه. انتهى. وإلى هنا انتهى ما يسره الله جل وعلا من الكلام على هذا البحث وترى اللجنة أن يضاف إلى هذا البحث ما كتبه سماحة المفتي ﵀ في رسالته التي سماها تحذير الناسك مما أحدثه ابن محمود في المناسك، وحيث إن الرخصة للرعاة فرع من فروع قاعدة " المشقة تجلب التيسير" وأنه قد يتمسك بالمشقة في مناسك الحج ويجري فيها التغيير عما تقتضيه الأدلة الشرعية، فقد رأت اللجنة أن تلحق بهذا البحث خاتمة تشتمل على أصل هذه القاعدة وأسباب تخفيف المشقة وأقسام المشقة وضابط المشقة المؤثرة وموضع وأنواع تخفيفات الشرع وموارد هذه القاعدة من الشريعة.

стр. 2204

المشقة تجلب التيسير أصل هذه القاعدة الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ (٢)، وأما السنة فعن أنس ﵁ «أن النبي ﷺ قال، " يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا" (٣)» رواه البخاري ومسلم. * قال ابن حجر وقال النووي: لو اقتصر على يسروا، لصدق على من يسر مرة وعسر كثيرا، فقال " ولا تعسروا" لنفي التعسير في جميع الأحوال. وأخرجه أحمد في المسند من حديث جابر وأبي أمامة ﵄ أن النبي ﷺ قال «بعثت بالحنيفية السمحة (٤)» وأخرج أحمد في مسنده والطبراني والبزار وغيرهما «عن ابن عباس قال: قيل: يا رسول الله، أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: (الحنيفية السمحة (٥)» وروى أحمد من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «إن دين الله يسر (٦)» ثلاثا. وروى أحمد أيضا من حديث الأعرابي بسند صحيح: «خير دينكم أيسره (٧)». أسباب التخفيف. ذكر ابن نجيم أنها (٨) سبعة: وهي السفر والإكراه والنسيان والجهل والعسر وعموم البلوى والنقص وأمثلتها ظاهرة.

стр. 2205

أقسام المشقة قال (١) القرافي: المشاق قسمان: أحدهما لا تنفك عنه العبادة كالوضوء والغسل في البرد، والصوم في النهار الطويل، والمخاطرة بالنفس في الجهاد ونحو ذلك، فهذا القسم يوجب تخفيفا في العبادة لأنه قرر معها. وثانيهما المشاق التي تنفك عنها العبادة وهي ثلاثة أنواع: ١ - نوع في الرتبة العليا كالخوف على النفوس والأعضاء والمنافع فيوجب التخفيف لأن حفظ هذه الأمور هو سبب مصالح الدنيا والآخرة فلو حصلنا هذه العبادة لثوابها لذهب أمثال هذه العبادة.

стр. 2206

٢ - ونوع في المرتبة الدنيا " كأدنى وجع في إصبع فتحصيل هذه العبادة أولى من درء هذه المشقة لشرف العبادة وخفة هذه المشقة. ٣ - النوع الثالث مشقة بين هذين النوعين فما قرب من العليا أوجب التخفيف، وما قرب من الدنيا لم يوجبه، وما توسط يختلف فيه لتجاذب الطرفين فعلى تحرير هاتين القاعدتين تتخرج الفتاوى في مشاق العبادات. انتهى. ثم قال فائدة (١) قال بعض العلماء: المشاق تختلف باختلاف رتب العبادات، فما كان في نظر الشرع أهم يشترط في إسقاطه أشد المشاق أو أعمها؛ فإن العموم بكثرته يقوم مقام العظم، كما يسقط التطهر من الخبث في الصلاة التي هي أهم العبادات بسبب التكرار كثوب المرضع ودم البراغيث وكما سقط الوضوء فيها بالتيمم لكثرة عدم الماء والحاجة إليه أو العجز عن استعماله، وما لم تعظم مرتبته في نظر الشرع تؤثر فيه المشاق الخفيفة، وتحرير هاتين القاعدتين يطرد في الصلاة وغيرها من العبادات وأبواب الفقه، فكما وجدت المشاق في الوضوء ثلاثة أقسام: متفق على عدم اعتباره، ومتفق على اعتباره: ومختلف فيه، كذلك تجده في الصوم والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوقان الجائع للطعام عند حضور الصلاة، والتأذي بالرياح الباردة في الليلة الظلماء، والمشي في الوحل، وغضب الحكام وجورهم المانعين من استيفاء الفكر وغير ذلك، وكذلك الغرر والجهالة في البيع ثلاثة أقسام، واعتبر ذلك في جميع أبواب الفقه. انتهى. * وقد بسط العز بن عبد السلام (٢) الكلام على أقسام المشاق الموجبة للتخفيف في الشريعة. * ضابط المشقة المؤثرة قال (٣) القرافي: يجب على الفقيه أن يفحص عن أدنى مشاق تلك العبادة المعينة فيحققه بنص أو إجماع أو استدلال ثم ما ورد عليه بعد ذلك من المشاق مثل تلك المشقة أو أعلى منها جعله مسقطا وإن كان أدنى منها لم يجعله مسقطا مثاله التأذي بالقمل في الحج مبيح للحلق بالحديث الوارد عن كعب بن عجرة فأي مرض آذى مثله أو أعلى منه أباح، وإلا فلا، والسفر مبيح للفطر بالنص فيعتبر به غيره من المشاق.

стр. 2207

موضع اعتبار الحرج والمشقة * قال ابن نجيم (١): المشقة والحرج إنما يعتبران في موضع لا نص فيه، وأما مع النص بخلافه فلا، ولذا قال أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله - بحرمة رعي حشيش الحرم وقطعه إلا الإذخر وجوز أبو حنيفة رعيه للحرج ورد عليه بما ذكرنا. انتهى.

стр. 2208

أنواع تخفيفات الشرع: * ذكر العز بن عبد السلام (١) ستة أنواع: ١ - تخفيف الإسقاط كإسقاط الجمعات والصوم والحج والعمرة بأعذار معروفة. ٢ - تخفيف التنقيص كقصر الصلاة وتنقيص ما عجز عنه المريض من أفعال الصلوات كتنقيص الركوع والسجود وغيرهما إلى القدر الميسور من ذلك. ٣ - تخفيف الأبدال كإبدال الوضوء والغسل بالتيمم وإبدال القيام في الصلاة بالقعود، والقعود بالاضطجاع، والاضطجاع بالإيماء وإبدال العتق بالصوم، وكإبدال بعض واجبات الحج والعمرة بالكفارات عند قيام الأعذار. ٤ - تخفيف التقديم كتقديم العصر إلى الظهر، والعشاء إلى المغرب في السفر والمطر، وكتقديم الزكاة على حولها، والكفارة على حنثها. ٥ - تخفيف التأخير كتأخير الظهر إلى العصر، والمغرب إلى العشاء، ورمضان إلى ما بعده. ٦ - تخفيف الترخيص كصلاة التيمم مع الحدث وصلاة المستجمر مع فضلة النجو، وكأكل النجاسات للمداواة وشرب الخمر للغصة، والتلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه، ويعبر عن هذا بالإطلاق مع قيام المانع أو بالإجابة مع قيام الحاظر. مورد هذه القاعدة من الشريعة قال (٢) الشاطبي: وهي جارية في العبادات والعادات والمعاملات والجنايات، ففي العبادات كالرخص المخففة بالنسبة إلى لحوق المشقة بالمرض والسفر وفي العادات كإباحة الصيد والتمتع بالطيبات مما هو حلال مأكلا ومشربا وملبسا ومسكنا ومركبا وما أشبه ذلك، وفي المعاملات كالقراض والمساقاة والسلم وإلغاء التوابع في العقد على المتبوعات كثمرة الشجرة ومال العباد وفي الجنايات كالحكم باللوث والتدمية والقسامة وضرب الدية على العاقلة وتضمين الصناع وما أشبه ذلك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ

стр. 2209

قرار رقم ٣

стр. 2210

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه. وبعد: بناء على خطاب المقام السامي رقم ٢٢٣١٠ وتاريخ ٤/ ١١ / ١٣٩١هـ المتضمن الموافقة على اقتراح سماحة رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بحث موضوع حكم رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس يوم العيد ورميها في ليلة اليوم الأول من أيام التشريق، وكذا حكم تقديم الرمي أيام التشريق قبل الزوال، وحكم الرمي ليالي أيام التشريق من قبل هيئة كبار العلماء. عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورتها الثانية المنعقدة في شهر شعبان عام ١٣٩٢هـ ما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في موضوع الرمي المشتمل على المسائل الآتية: أ- حكم رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس يوم العيد. ب- حكم رمي جمرة العقبة ليلة القر. ج- حكم رمي الجمار أيام التشريق قبل الزوال. د- حكم رمي الجمار ليلتي اليوم الثاني والثالث من أيام التشريق. وبعد دراسة المجلس للمسائل المذكورة واطلاعه على أقوال أهل العلم وتداوله الرأي فيها قرر ما يلي: ١ - جواز رمي جمرة العقبة بعد نصف ليلة يوم النحر للضعفة من النساء وكبار السن والعاجزين ومن يلازمهم للقيام بشؤونهم لما ورد من الأحاديث والآثار الدالة على جواز ذلك. ٢ - عدم جواز رمي الجمار أيام التشريق قبل الزوال لفعله ﷺ وقوله «خذوا عني مناسككم (١)» ولقول ابن عمر أيام التشريق كنا نتحين الرمي فإذا زالت الشمس رمينا. ومعلوم أن النبي ﷺ أعلم الناس وأنصح الناس وأرحمهم، فلو كان ذلك جائزا قبل الزوال لبينه ﷺ .
следующие страницы →