← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

الخاصية الثانية الربا مقابل الأجل فاستحقاق الربا سببه تأجيل القرض أو الدين، فلا يكون الربا إلا في الديون المؤجلة، ويستوي أن يتفق على الزيادة ابتداء عند أخذ القرض أو عقد البيع المؤجل وأن تعرض عند المطالبة، فينظر المدين بارتضاء الزيادة إلى محل ميسرته كما يستوي أن تكون الزيادة محددة جملة واحدة، وأن يجري تقديرها بنسبة من رأس المال بإزاء طول الأجل، وتتضاعف الزيادة أضعافا مضاعفة كلما امتدت الآجال. وقد عرف أحبار المشنا ما لتأجيل الدين من أثر ينقص من قيمته نقصا محددا، فقالوا فيمن شهدا زورا على دين مقداره ١٠٠٠ زوزيم، بأنه مؤجل لعشر سنين، وثبت تواطؤهما على الكذب، وأن الدين واجب الدفع خلال ثلاثين يوما، فإنه يحكم عليهما بأن يدفعا الزيادة في قيمة الدين الحاضرة على قيمته المؤجلة (١) ومثل هذه الزيادة المقابلة للتأجيل التي يجوز أخذها في الإتلاف تعادل الربا الذي لا يجوز أخذه في القرض، وهي التي استند الأحبار إلى احتمال وجودها في بيع الثمر قبل ظهوره للقول بتحريمه، وهذا البيع محرم في الإسلام، وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ قوله: " إن من الربا بيع الثمر وهي معصفة قبل أن تطيب" والربا في هذا القول يقصد به البيع المحرم من باب التوسع في إطلاق الربا، ولا يقصد به الربا الاصطلاحي في الفقه الإسلامي الذي يقتصر على ربا الدين وربوي الفضل والنسيئة في البيوع (٢) كما أن سبب تحريم هذا البيع يختلف عما عند اليهود، فالإسلام لا يحظر الزيادة في قيمة المبيع المؤجل في السلم على الثمن، وإنما يحرم هذا البيع بسبب الغرر، وينظر إلى الخطر الذي يحيط بوجود المبيع، ويمنع أن يضيع الثمن على المشتري إذا لم يوجد الثمر الذي ابتاعه. الربا عند اليهود لا يسري في شيء من البيوع الحاضرة، ولا يعرف فقههم ما جاء به الإسلام في تنظيم هذه البيوع من محظورات يسميها فريق من مفسري المسلمين وفقهائهم ربا النقد يقابلونه بربا الديون الذي يسمونه ربا النسيئة لما فيه من التأجيل.

стр. 2382

الخاصية الثالثة الربا ظلم للمدين الحكمة في تحريم أخذ الربا هي منع استنزاف مال المدين ظلما. وإذا كانت بعض أسفار التوراة تعبر عن الربا بلفظ الزيادة، ومن مادته ربيت أو تربيت، ومربيت في النصوص العبرية والكلدانية والآرامية، إلا أن أكثر ما يطلق على الربا اللفظية العبرية نشخ (بكسر النون والشين المعجمة وسكون الخاء المعجمة) وتعني في أصل مادتها اللغوية العض، وتومئ بذلك إلى أن المرابي يأكل لحم أخيه الذي يداينه بالربا كما ينهشه الثعبان، ويجعل حزقيال في الإصحاح ١٨ بأعداده ١٠ - ١٣ أخذ الربا والمرابحة من سمات سفاكي الدماء. فأخذ الربا أشبه عند اليهود بالقتل، ويقول قائلهم: إن من أراد أن يقتل عدوه بالتي لا تثبت عليه لدى القضاء، فليقرضه بالربا. ويترتب على هذه الخاصة توجه حظر الربا إلى الدائن الذي يأخذه، حيث يعد المقترض مظلوما تغتصب منه الزيادة على أصل ما اقترض، ولذلك عرف الربا عند اليهود بأنه أخذ الزيادة على الدين غصبا وقهرا (١)، ونجد نصوص سفري الخروج واللاويين تصف المستقرض بأنه فقير، مما يدل على اضطراره. وإنما جاء المقترض مطلقا من الافتقار بعد ذلك في سفر التثنية. واستندوا إلى نصه على فعل الربا في صيغة تشمل الدائن والمدين، فقالوا: إن إثم الربا لا يقع على الدائن وحده، بل يلحق المدين أيضا، كما يأثم من قدم رهنا لضمان دين الربا وشهود عقده، واختلفوا في الكتاب، فقال فريق يأثم بكتابة الربا، وقيل: لا إثم عليه. ويردون تأثيم الضامن وشاهد الربا وكاتبه، إلى أنهم قد أعانوا على المعصية، وخالفوا الذي في سفر اللاويين في الإصحاح ١٩ بالعدد ١٤، من النهي عن وضع حجر عثرة أمام الأعمى (٢). وفي هذا الاجتهاد ما يشبه حكم الإسلام الذي نصت السنة المطهرة فيه صراحة على لعن مؤكل الربا وشاهده وكاتبه، ولكن القول باعتبار المدين آثما يبدو غير متفق وما جرت به نصوص أسفارهم من استغلال الدائن حاجته وظلمه له. ونلاحظ أن عسرة المقترضين التي كانت سائدة حين أنزلت التوراة على موسى ﵇ لازمت اليهود من بعده، وتدل الأسفار التالية لصحفه على أنهم يستقرضون للإنفاق في الزواج وحاجات الزراعة وأداء خراج الملك في سني القحط (٣). وبقي اقتصادهم معتمدا على الزراعة. وإذا كان الإنجيل قد أشار إلى مزاولة اليهود

стр. 2383

تجارة الصرف وإقراض الفضة بالربا عند مبعث المسيح عيسى ﵇ إليهم. إلا أن التجارة في الربا لم تكن قد بلغت التطور الذي أصابته من زيادة الودائع لدى الصيارف، بعد أن اتخذوا شكل المصارف الحديثة ومن توسعهم في استغلال تلك الودائع فيما يقرضون بالربا، وصار الصيرفي حين يؤدي الربا إلى المودعين ليغريهم على إبقاء أموالهم بين يديه يختلف في سعته تماما عن إملاق المستقرض اليهودي في الأولين، بما لا يذر من وجه للقول بظلم يحيق بأصحاب المصارف من صغار المودعين، ولم تعد الحكمة في تحريم أخذ الربا هي مجرد ظلم المدين كما كانت من قبل أن تنسخ شرعة التوراة بشريعة القرآن.

стр. 2384

الخاصية الرابعة الحظر القضائي للربا مختلف فيه الربا محظور ديانة، ومختلف في حظره قضاء، ففي كتاب " شولحان عروخ " جاء الربا بين المحرمات الدينية والخلقية، ولم يعرض في باب الالتزامات القضائية، ويذهب بعض فقهائهم إلى أن ما أخذ من الربا لا يجوز طلب استرداده لدى المحاكم، ولو كان من ربا القرض الذي يحظره الناموس ذاته، واحتجوا بأن الجزاء الذي نص عليه الكتاب هو غضب الله تعالى الموجب للموت، فلا يجوز أن يلزم المرابي بالرد مدنيا، حتى لا يزاد جزاء على الذي اقتصر النص عليه. ولكن أكثرهم يفرقون بين ربا الناموس وربا الأحبار، ولا يجيزون المطالبة باسترداد ربا الأحبار، ويجيزونها إذا كان ما أخذه الدائن من ربا الناموس، فيكون للمدين أن يلجأ إلى المحكمة الربانية، فتحكم على المرابي بالرد، ولكن لا ينفذ الحكم باستيفاء الربا جبرا من أموال الدائن، وإنما يقتصر على إكراهه بدنيا حتى يقوم بنفسه بالرد. ويستثنون من ذلك اليتيم، فإنه إذا أخذ ربا الناموس وأنفقه، فإن لا يسترد منه، كما لا يطالب برد ربا الأحبار، بل هم أجازوا له أخذه. وكذلك إذا مات المقرض بعد أخذه الربا، فإن ورثته لا يلتزمون قضاء ولا ديانة برده (١). ويبقى من آثار حظر الربا في القضاء، أنه لا يجوز للدائن أن يطالب المدين بأداء ما حظره الناموس أو الأحبار من الربا، ويكون الربا الاعتباري مختلفا في أحكامه عن ربا الناموس، على خلاف ما تقتضيه حقيقة القياس من مساواة الفرع فيه بأصله.

стр. 2385

الخاصية الخامسة قصر التحريم على اليهود دون الأجنبي عصمة المدين من الربا ليست حقا لكل إنسان، بل هي رعاية لا يسبغها اليهود إلا على بني إسرائيل، أما الأجانب عنهم فلا حق لهم في قرض حسن لديهم مهما كانت حاجتهم، ولا يضع اليهود عنهم ربا، ولا يبرئون معدما منهم كما يبرئون المعسر من اليهود، ومع ما استيقنته أنفسهم من مضار الربا في الإضرار بالمدين، فقد تواصى أكثرهم بإقراض الأجنبي بالربا، ليحلوا به من البوار ما يعدل قتله، الذي لا يزالون يرونه واجبا عليهم، ويفسرون ما يقتضيه ذلك الشبه بين جريمة أخذ الربا وجناية القتل من تراث تورثها الجريمة في صدور من تجني عليهم، وتقتضي اليهود أن ينتهوا من ظلم غيرهم بالربا، فيتاح للمسلم أن تسود بينهم وبين أهل سائر الأديان، وقد صار اليهود منتشرين بينهم في دول لا تفرق بين اليهود وسائر رعاياها في شيء من الربا، ويكون لليهود من الاستقرار الاجتماعي والسياسي بما يقدمون من رعاية لنظم العصر ومواثيقه التي تكفل حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية على اختلاف ديانته. وقد عرض النصارى في تفسيرهم نصوص التوراة، التي لم تنسخ شريعتها في حقهم، لما عليه اليهود من استباحة أخذ الربا من الأجنبي، وذهب أحد آباء الكنيسة الأولين إلى أن أخذ الربا ما كان جائزا إلا من الشعوب السبعة المغضوب عليها التي كان الناموس يأمر بإبادتها، فكانت إباحة أخذ الربا منها من باب الأولى، وانتهت هذه الإباحة مذ دالت تلك الشعوب البائدة وصارت حرمة الربا مطلقة، ولكن الرأي الراجح عندهم أن نصوص التوراة والتلمود حين تدرس في مجموعها بدقة ترد تلك التفرقة بين اليهودي والأجنبي، وتفرض على اليهود الامتناع عن أخذ الربا من الأجانب. وترى الكنيسة في هذه التفرقة ما ينفي عن الربا عند اليهود وصف الجريمة في القانون الطبيعي بجوهره من العدالة. وأشار بعض علماء المسلمين إلى ما نعاه القرآن على اليهود في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١) ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢) باعتباره ردا على استحلال اليهود أخذ الربا من الأجنبي (٣). ويقوم الاستدلال بالنص القرآني في شأن الربا، وإن اختصت عبارته بأكل اليهود أصل أموال غيرهم، على أساس من طبيعة الربا اليهودي، باعتباره اغتصابا لمال المدين وسلبا له. وقيل في سبب وجود عبارة

стр. 2386

" للأجنبي تقرض بربا" أن التوراة الأصلية فقدت، وأن نسختها الراهنة كتبت بعد السبي، ويبدو أن كاتبها أخذ تلك العبارة من دلالة المفهوم المخالف للنص الوارد بالعبارة السابقة عليها، وهذا المفهوم لا حجة فيه عند جمهور الأصوليين إذا كان مفهوم لقب، كما أن بعض أنبيائهم قد أطلقوا ذم الربا، في مثل النصوص التي تقدمت. ويبرر فريق من علماء اليهود أخذ الربا من الأجنبي على أساس المعاملة بالمثل، إذ كان السائد قديما أن الأجانب لا يقرضون اليهود إلا بالربا، فوجب على اليهودي أن يأخذ الربا عندما يقرض للأجنبي، وأن يعطي الربا للأجنبي الذي يقترض منه (١). وإذا صح هذا السبب، فإنه لا يباح لليهود أن يأخذوا الربا من المسلمين، وكذلك من كل من يدين بحرمة الربا من ملل النصارى وغيرهم. ولا يقتصر أثر هذه الخاصية في ربا اليهود على شيوع أخذهم له من غيرهم وجعل إيتاءه هينا على كثير ممن يدينون بحرمة ذلك من غير اليهود، حتى استشرى الربا في مختلف (الأمم)، بل باءت هذه الخصيصة على اليهود أنفسهم بالفساد، إذ طفقوا يحتالون بها على أخذ الربا من إخوانهم، بأن اتخذوا من الأجنبي حاجزا بين طرفي القرض منهم، فيقرض المرابي اليهودي أجنبيا يقرض بدوره المستقرض اليهودي ويتقاضاه الربا ليأخذه المرابي من يد أجنبي بظاهر من الأمر يتفق وتلك الخاصية، ويستر حقيقة العصيان في أخذ الربا من اليهودي (٢). وران ذلك على قلوبهم فقست وألفت ذلك العصيان، ولم يعودوا يتكلفون ستره. وتسجل التوراة عليهم في سفر نحميا، بإصحاحه الخامس، أنهم كانوا يأخذون الربا كل واحد من أخيه فيما أقرضوا من فضة وقمح، وفي العدد ١٠ أنهم تركوا هذا الربا تائبين، ولكن لا تجد في النصوص من بعد ذلك ما يدل على رعايتهم ما نهوا عنه، وقد جاء القرآن الكريم، في الآية ١٦١ من سورة النساء، مصدقا لما سجلته أسفارهم عليه من ذلك العصيان. وبذلك أدت هذه الخصيصة، التي يقصد بها اليهود ألا يذروا ظلما للأجانب، إلى إضاعة ما اختصوا به المدينين منهم من رعاية تنجيهم من ظلم أكلة الربا، وخالفوا من باب هذه التفرقة الظالمة عن التكليف، في أصله كما يؤمنون به. وذهب بعض فقهائهم ممن تفيأ خلال الإسلام علما وسماحة، إلى القول بألا يتوسع في إقراض الأجنبي بالربا حتى لا يعتاده اليهودي ويذهب ورعه عن أخذ الربا المحظور من أخيه. فبنى التقييد على ما يرى فيه نفعا لليهودي وحده، ولم يقمه على ما ينبغي من كف ظلم اليهودي للمسلمين الذين يعلم أنهم سلم عليه لا يخفرون ذمة له ولا يظلمونه شيئا.

стр. 2387

أنواع الربا في القرآن وأول ما ورد ذكر الربا في القرآن الكريم بسورة الروم المكية (الآية ٤٠) في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (١) وقيل: إن الربا في هذه الآية ليس ما عهد حظره من زيادة الديون المؤجلة، وإنما هو ربا حلال، يعني من يهدي مبتغيا أن يعوضه المهدي إليه بخير من هديته، وقيل: إن الآية تقصد ربا الديون، وتهيئ لتحريمه بالإيماء إلى محقه وبمقابلته بالزكاة التي يتضاعف ثوابها. وجاء النهي عن الربا في الآيتين ١٣١، ١٣٠ من سورة آل عمران بالمدينة المنورة، حيث قال جل ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢) ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٣) ويتفق المفسرون على أن هذه الآية نزلت في الربا الذي كانت تجري به معاملات الجاهلية في تأجيل الديون، وكان الربا يتزايد أضعافا كلما تضاعف امتداد آجال الدين، وما كانوا يعرفون التفرقة التي استحدثتها القوانين الوضعية بين الربا الفاحش والربا اليسير، فلم يرد قوله تعالى: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ (٤) لتقييد الربا المنهي عنه بما زاد سعره وفحش مقداره، بل تعبيرا عما كان عليه أمرهم في المداينات الربوية، وينصرف النهي في الآية إلى الربا قليله وكثيره، ولا بكون ثم نهي جزئي عن الربا الفاحش، ثم جاء من بعده التحريم الكلي للربا في سورة البقرة، كالذي ظنه المستشرقون من التدرج الذي قالوا بمثله في نصوص التوراة وخلافا لما ينادي به بعض المحدثين من المسلمين في محاولتهم تبرير إنشاء بنك وطني بمصر من القول بأن الربا المجمع على حظره، إنما هو الربا المضاعف الذي يبلغ رأس المال أو يزيد عليه. ويقول الله تعالى في سورة البقرة بالآيات ٢٧٥ - ٢٨١: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٥) ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (٦) ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٧) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٨) ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ (٩) ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١٠) ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (١١) وقد جاءت هذه الآيات بعد الآيات

стр. 2388

الكثيرة التي تحث على الصدقات وتكرم الذين (يؤتونها) الفقراء وتعد المنفقين ثوابا مضاعفا (الآيات ٢٦١ - ٢٧٤)، وتلت آيات الربا الآيتان ٢٨٣، ٢٨٢ في الدين المؤجل وتوثيقه بالكتابة أو بالرهن ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (١) وظاهر أن الربا الذي نصت عليه الآيات هو ربا الديون، الذي يأخذه الدائنون مقابل تأجيلها، وكثيرا ما يطلق عليه ربا الجاهلية، إذ عرفته أسواق المال العربية قبل الإسلام، كما كان شائعا في سائر الأمم، وهو الذي قصده رسول الله ﷺ بقوله في حجة الوداع: «ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس (٢)». وكان يتفق عليه، إما بإيجاب من المدين يقول لدائنه: " أنظرني أزدك" أو بسؤال من الدائن: " أتقضي أم تربي" فتشترط الزيادة على الدين كلما تأجل وفاؤه. ويذهب فريق من المفسرين والفقهاء إلى أن لفظ الربا في آيات القرآن ورد عاما أو مجملا، وقد تولت السنة تخصيصه أو تفصيله، فبينت إلى جانب الربا الديون أنواعا أخرى من الربا في البيوت وغيرها. ولا يترتب على هذا الخلاف أثر في التفرقة بين ربا الدين وسائر الربوات التي وردت بالسنة.

стр. 2389

أنواع الربا في السنة أشارت السنة الشريفة إلى ربا الديون في حديثه ﵊: «كل قرض جر نفعا فهو ربا» ولكن لم يتقيد في إطلاق لفظ الربا بهذا المعنى الاصطلاحي في سائر الأحاديث والآثار، بل أطلق الربا على محظورات شتى من بعض البيوع ومن الأفعال المقترنة بالتصرفات المالية، ومن أفعال لا تمس المال بشيء. فقد روى الأئمة المحدثون عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي سواء (١)» كما روى أبو داود عن عبادة بن الصامت ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعينها، والبر بالبر مدا بمد. . فمن زاد أو استزاد فقد أربى (٢)» ولا بأس ببيع الذهب بالفضة، والفضة أكثرهما، يدا بيد، وأما نسيئة فلا، وأخرج مالك في الموطأ حديث الرسول ﷺ : «لا تبيعوا الذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالذهب، أحدهما غائب والآخر ناجز، إني أخاف عليكم الرماء، والرماء هو الربا (٣)». وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ «أن رسول الله صلى

стр. 2390

الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءهم بتمر جنيب، فقال: " أكل تمر خيبر هكذا؟ " قال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة". فقال: " لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا (١)». وقيل فيما يقترن بالبيع " الناجش آكل الربا" وهو الذي لا يريد شراء السلعة، ولكنه يتظاهر بالرغبة فيها ليرفع السعر على من يسوم شراءها. وكذلك روي أن النبي ﷺ قال: «من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا (٢)» كما قال: «إن من أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم (٣)» وروي عن الصحابة رضوان الله عليهم قولهم: إن من اشترى طعاما فباعه قبل أن يقبضه مخالفا نهي السنة، فبيعه عندهم ربا"، كما قال أحدهم: " إن الرهن في السلم هو الربا المضمون"، وقال آخر: " السلم بما يقوم به السعر ربا، ولكن السلم في كيل معلوم إلى أجل" (٤). ويجيء على هذا الإطلاق قول عمر بن الخطاب ﵁: " إن من الربا بيع التمر وهي معصفة قبل أن تطيب" فقد بين معنى الربا الذي يقصده أمير المؤمنين من البيوع المحرمة، ولا ينصرف إلى ربا الديون الذي يعلم عمر ماهيته وحرمته بالدليل القطعي في القرآن، ولا يجوز أن يعرض بأمر أو نهي في شأنه يغير ما فرض الله. ويتضح بتحديد الربا المقصود وجه قول عمر: " ثلاث وددت لو أن رسول الله ﷺ كان عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من الربا" وكذلك ما نسب إليه من قوله ﵁: " إني لعلي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم، وآمركم بأشياء لا تصلح لكم، وإن من آخر القرآن نزولا آية الربا، وإنه قد مات رسول الله ﷺ ولم يبينه لنا، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم". كما روي عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنه «لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا قرأها رسول الله ﷺ على الناس ثم حرم التجارة في الخمر (٥)»،. فأبواب الربا التي كان عمر يود بيانها هي كتحريم تجارة الخمر كلها من محظورات البيوع ونحوها، التي بينت السنة أحكام كثير منها. وبقيت أحكام سائرها يستنبطها المجتهدون على هدي الكتاب والسنة، وما يستظهرونه من حقيقة كل معاملة منها وما تحققه من المصالح المشروعة، وفي ذلك ما يحفظ المرونة اللازمة في التشريعات الاقتصادية والتجارية الإسلامية، لتواجه ما يستحدث من التصرفات في مختلف العصور والأمصار. وفي الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الربا تسعة وتسعون بابا، أدناها كإتيان الرجل بأمه» يعني الزنا بأمه، وفي حديث رواه أحمد أنه ﵊ قال: «لدرهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله تعالى من ستة وثلاثين زنية في الخطيئة (٦)» وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا (٧)». . . ومعنى الموبقات المهلكات.

стр. 2391

وروى الأئمة أحمد وأبو داود والترمذي عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لعن الله آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه (١)». ويحرم هذا الحديث الصحيح على المدين إيتاء ربا الدين كما يحرم كتابته والشهادة عليه، أما ربا البيع فيفسد العقد ذاته، ونجد في حديث ربا الفضل أن طرفي البيع يستويان في اعتبارهما يأكلان الربا بما يصيب كل منهما من العقد المحرم. فالربا، باستعماله العام في السنة، يعني تعدي محظورات هي من كبائر الإثم، تختلف أنواعها وتتعدد، لتحمي من المصالح الضرورية مثل ما يحميه حظر الربا المعهود في الديون المؤجلة، ونجد الربا بهذا المعنى كالإسراف كما أطلقه القرآن الكريم، ففي مادة اللفظين معنى الزيادة على المعروف، فناسب إطلاقها على ما جاوز أمر الشريعة من عظيم الخطيئات، وقد فسر الإسراف في قوله تعالى مخاطبا الأوصياء في شأن أموال اليتامى: ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ (٢) بأنه أكل مال اليتيم بغير سبب مباح (٣). وهو يشبه الربا حين يراد به أكل المال بسبب غير مباح شرعا، وتقصد كل تلك الأحكام، أن تتم رعاية المال في تداوله واستثماره، وتتكامل مع ما شرعه الإسلام لحفظ المال من حدود بيئية تذود عنه السارقين والمحاربين، وتعزير لمن يغصبه أو يماطل في أدائه، ومن تدابير الولاية على من تعوزه أهلية التصرف فيه، حتى يتحقق للمعاملات صحة الإرادة والسلامة من الغش والجهالة وغيرها مما تتوقف عليه المصلحة الشرعية المرجوة للأفراد والأمة جميعا من المعاوضات المالية. وكما توعد القرآن الذين يأكلون الربا بالنار التي أعدت للكافرين، نصت آياته على أن المسرفين هم أصحاب النار.

стр. 2392

استقلال ربا الدين عن ربوي الفضل والنسيئة واختلاف ربا الدين عن أكثر أنواع الربا التي جاءت بالسنة ظاهر، وإنما يتشابه ربا الدين وربا الفضل، ويتجوز بعض العلماء، ويرون ربا القرض من ربا الفضل، كما شاعت تسمية ربا الدين بربا النسيئة عند آخرين من المفسرين والفقهاء، ويرجع التشابه بين ربا الدين وربا الفضل، إلى ما في الديون من الزيادة المحظورة، كم ترجع تسمية ربا النسيئة إلى التأجيل الذي يؤخذ عنه الربا (١).

стр. 2393

ويختلف ربا الفضل عن ربا الدين في الماهية ونطاق التطبيق والأثر الشرعي في العقد جميعا. فحقيقة ربا الفضل، كما يدل صريح الأحاديث، هي أنه حظر الزيادة في مقدار أحد البدلين في بعض البيوع الخاصة، ونجد له الخصائص الآتية: أ- لا يكون إلا في بيع الذهب بالذهب أو التمر بالتمر وغيرهما من الأصناف التي يشتملها النص، مما يقتصر على صور خاصة من عقدي الصرف والمقايضة، ولا يسري على سائر صورهما التي يختلف جنس البدلين فيها، كصرف الذهب بالفضة، أو مقايضة التمر بالشعير، ولا يكون ربا الفضل مطلقا في عقد البيع بمعناه الدقيق، حيث تشتري السلعة بالنقود، وهو الذي تجري به أكثر المعاوضات التي يطلق عليها في الفقه الإسلامي اسم البيوع، وإليه ينسب ربا الفضل. ب- لا يكون ربا الفضل إلا في البيوع الحاضرة، فهو لا ينفك، في نص الحديث عن ربا النسيئة، فحيث يحظر التفاضل بين البدلين يحرم تأجيل شيء منهما، وتجد بعض العلماء لذلك يسمون ربا الفضل بربا النقد، يقابلونه بربا الدين الذي لا يقع إلا في التأجيل والنسيئة. ج- التفاضل المحظور هو زيادة في مقدار أحد البدلين في تلك البيوع الخاصة، وليس زيادة في قيمة أي من البدلين؛ ويبين ذلك من حديث التمر الذي جعل فيه النبي ﷺ من ربا الفضل مقايضة كيل من تمر جيد من الجنيب بكيلين من الجمع وهو تمر رديء، وإن كان سعر الجنيب في الأسواق يساوي مثلي سعر التمر مما لا يذر زيادة في قيمة أي من البدلين، كالتي يقوم بها الربا في الدين، وحيث يوجد فرق يعتد به بين قيمة البدلين، فان السبيل لتلافي الغبن في مبادلتهما، يكون، كما أشارت به السنة في حديث التمر الذي تقدم، بالعدول عن مقايضتهما مقايضة مباشرة تخضع لربا الفضل، إلى بيع كل من البدلين بالنقود، ويشتري كل من البائعين ما يحتاجه من الصنف الذي يريد. وإذ فرض الشرع إهدار التفاوت في قيم البدلين المتماثلين جنسا، إذا تمت مبادلتهما عن طريق الصرف أو المقايضة، فإن هذا الطريق يوصد في البيوع التي لا يجوز فيها الغبن رعاية لحقوق العباد، التي لا يستوي فيها جيد المال ورديئه، فلا يجوز للوصي أن يبيع قفيز حنطة جيدة من مال اليتيم بقفيز رديء، ويتعين على الوصي البيع بالنقد أو بشيء خلاف جنس الحنطة مراعاة لحق اليتيم وحق الشرع. وفي قول الله تعالى في حفظ أموال اليتامى: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ (١) نهي للأوصياء عن مثل تلك المقايضة التي يحيق الغبن فيها باليتيم. ويكون ربا الفضل بعيدا عن تحقيق التعادل بين المالين المتبادلين بما يمنع الغبن في العقد، خلافا لما قال به بعض الفقهاء واعتنقه المستشرقون وفريق من رجال القانون. كما لم يشرع هذا الربا ليسد ذريعة إلى ربا (٢)

стр. 2394

القرض الذي لا يقف التماثل فيه عند تساوي المقادير، بل يشمل جودة المال ومقداره جميعا. د- ولا ينتفي ربا الفضل إلا بتحقيق المتعاقدين من تساوي البدلين وزنا، إن كانا من النقدين، أو كيلا، إن كانا من مواد الطعام، فإن وجدت زيادة، أو احتمل وجودها، لعدم وزن أحد البدلين أو كليهما، كان ربا فضل، يستوي في أمره صاحب البدل الأكبر الذي زاد ومن قدم البدل الأصغر الذي ازداد، فكل منهما كما جاء بالنص، قد أربى، ولا يجوز لمن زاد إبراء صاحبه من الزيادة، لأن الحظر هو لمحض حق الله تعالى، يكفل به مصالح الجماعة، وليس الحظر متعلقا بشيء من حق المتعاقد. كما لا يلتزم من أخذ زيادة الوزن أو الكيل أن يردها، ويصح الصرف أو المقايضة، خلافا للقرض إن اشترط فيه الربا، إذ يبطل شرط الربا لفساده ويبقى القرض صحيحا، وليس كذلك الصرف والمقايضة الربويان، فإن فساد العقد في أصل محله، وليس فيه شرط خارج عنه، فلا ينتهي الحظر إلا بنقض العاقد ذاته. ثم نجد القرض، وإن حظر شرط الزيادة فيه أو جر المنفعة منه خلال تأجيله، لا يحظر على المقترض، إذا شاء أن يزيد فيما يرده إلى من أقرضه من باب حسن القضاء، كما جاء الحديث القدسي بفضل الدائن السمح الذي يتجوز عن الموسر بقبول ما فيه نقص يسير من الوفاء، وفي معجم الفقه الحنبلي أنه يجوز وفاء القرض بخير منه في القدر أو الصفة، أو بما هو دونه بتراضي طرفي العقد. هـ - وفي ربا الفضل، بما يفرضه من تساوي المقادير وإهدار التفاوت بين قيمها، ما يوصد بعضا من أبواب المقايضة، وهي وسيلة بدائية للتداول، ويفتح بها أبوابا من البيع بالنقود، وهي أضبط في تقويم الأشياء وأخفها حملا وأيسرها ادخارا، وفي فرض البيع بها تكثير التجار وازدهار الأسواق، بما يدفع التداول في اقتصاد الأمة الإسلامية على طريق التقدم. أما ربا الدين فيدور في صعيد الائتمان، الذي لا يتصل ببيع يعقد أو تجارة حاضرة تدار، وتختلف لذلك حكمة حظره عن الحكمة في حظر التفاضل في تلك البيوع.

стр. 2395

الفرق بين ربا الدين والنسيئة وكذلك يختلف ربا النسيئة، أو ما يسمى ربا النساء أو ربا اليد، عن ربا الدين. فربا النسيئة حظرت به السنة التأجيل في بعض البيوع الخاصة، أو التأخير في تنفيذها، فيجب لصحة العقد أن يكون كل من البدلين فيه حاضرا، وتسليمها ناجزا، ولا يجوز أن يدخل الائتمان في تلك العقود، في جانب أحد من المتعاقدين، أو كليهما. ونجد لهذا الربا الخصائص الآتية: ١ - يسري ربا النسيئة حيث يطبق ربا الفضل دائما، ففي بيع الذهب بالذهب، كما تحرم الزيادة في وزن أحد

стр. 2396

البدلين، يحرم أن يكون أحدهما غائبا عن مجلس العقد، وكذلك في مقايضة التمر بالتمر، لا يصح العقد، إذا اشترط تأجيل أحد البدلين، أو لم يتم أداؤه في مجلس التعاقد. ويتسع ربا النسيئة عن ربا الفضل، فيطبق على صرف الذهب بالفضة، وعلى مقايضة القمح بالتمر، ويجب تسليم البدلين عند التعاقد، ما داما من مجموعة واحدة من مجموعتي الأصناف الربوية، وهما النقدان والمطعومات، فلا ينطبق ربا النسيئة على بيع قمح آجل بفضة معجلة، بينما يحظر بيع مصوغات الذهب نسيئة ولو بثمن من فضة. ت- ربا النسيئة، فيما حظر من تأجيل أنواع من الصرف والمقايضة، هو استثناء مما أباحته الشريعة الغراء من التجارة المؤجلة والقروض، وبينت أحكام توثيقها بالكتابة والشهادة أطول آية في القرآن، في سورة البقرة، (رقم ٢٨٢)، التي استهلت بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ (١) وفرضت الآية ٢٨٣ من بعدها أداء الدين المؤجل، وإن لم يوثق بكتابة ولا برهن، وألزمت التقوى في شأنه، بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (٢) وقد فرق الإسلام بين القرض، حيث يتأجل الدين رفقا بالمدين وتصدقا بمنفعته عليه، والبيع المؤجل، حيث يستثمر التاجر ماله في النسيئة أو السلم، ويصيب من يحتاج السلعة في بيع النسيئة، أو رأس المال في السلم، حاجته العاجلة، بعوض يؤديه مؤجلا. وانماز القرض ونحوه من الإرفاق بتحريم الربا، ولم يحظر الإسلام الزيادة في الثمن المؤجل للمبيع نسيئة كما لم يحرم النقص في الثمن إذ يعجل للمبيع سلما. وقد بين القرآن الكريم اعتراض الذين يأكلون الربا على ما شرع الإسلام من إباحة بيع النسيئة وتحريم الربا، في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣) وثم وجه لتأويل الآية بأن هذا القول صادر من المشركين الذين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع كما جاء به القرآن (٤). وكأنهم قالوا: إن البيع والربا متماثلان عقلا، ولا توجد علة ظاهرة للتفرقة بين ربح التأجيل في كل منهما، ليحل البيع ويبقى الربا محرما مما يقتضي عندهم أن يحل الربا كما أحل ربح النسيئة. وهذا القول أشبه بما قد يحتج به اليهود حين يخاطبون بحكم القرآن وقد أحل بعض ما حرم عليهم من المرابحة ولم يحل الربا في الدين، وإن كان جمهور المفسرين على أن القائلين بالشبهة يعتقدون حل بيع النسيئة ويقيسون عليه ربا الدين، ويقولون: كما أنه يجوز أن يبيع الثوب الذي يساوي عشرة دراهم في الحال، بأحد عشر إلى شهر، فكذلك إذا أقرض العشرة دراهم بأحد عشر إلى شهر، يجب أن يجوز (٥). وما دامت الزيادة في الأثمان المؤجلة الأصل فيها الإباحة، فلا يكون القصد من تحريم التأجيل في الصرف والمقايضة هو سد الذريعة إلى ربا الدين، الذي يحظر الاعتياض عن التأجيل (٦).

стр. 2397

ج- وفيما حرمته السنة من بيع الكالئ بالكالئ، ما يبين منه أن حظر بيع الدين المؤجل بمؤجل مثله، وإن كان الدينان متماثلين نوعا ومقدارا وأجلا، كصرف ذهب بذهب مؤجلين إلى سنة ومتساويين وزنا وقيمة، مما لا يذر زيادة من فرق بينهما في القيمة أو الحلول تصلح لربط هذا الربا بربا الدين. د- وينبغي لكل أولئك أن يعدل عن محاولة رد أنواع الربا المختلفة إلى أصل واحد يجمعها، وأن يبحث كل نوع من الربا بأحكامه ومقاصده مستقلا عن غيره من الربوات حتى لا تبغي دراسة بعضها على بعض، ويعود ربا النسيئة بحقيقته الشرعية إلى موضعه الصحيح بعد إذ اختفى من أقسام الربا عند بعض المفسرين والفقهاء، ومن أخذ عنهم من المستشرقين في معاجمهم، (١) إذ أقحموا ربا الدين على تقسيم الفقه الإسلامي لربوي البيوع اللذين حظرتهما أحاديث الفضل والنسيئة، وجاوزوا المصطلح الشرعي فجعلوا لربا الدين اسم ربا النسيئة، فصرفوا لفظ الربا إلى معنى الزيادة بدلا من معنى الحرمة المقصودة فيما جاء عن رسول الله ﷺ ، وانتفت المقابلة في التقسيم، إذ خلطوا ربا الدين بربا الفضل، وقد بينا اختلافهما كما أخطئوا الفرق بين ربا النسيئة الذي يحرم التأجيل في عقود محدودة، وربا الدين الذي لا يعرض بتحريم لتأجيل الديون، وإنما يقتصر التحريم فيه على أخذ عوض عن الأجل زيادة على رأس مال الدين. هـ - والذي يبين من أحكام ربا النسيئة أن الإسلام إذ أباح ربح التجارة الآجلة، قد حرص على ألا تجاوز ما تقتضيه مصالح الأفراد والأمة جميعا منها، فحظر جميع البيوع التي يتأجل فيها البدلان معا، إذ لا تظهر مصلحة قائمة لأحد من المبتاعين فيها، وهي ليست من صنيع التجار العاملين بالأسواق عادة، ولا تحقق الخدمات التي تبتغى من النشاط التجاري، بل هي كثيرا ما تضر بانتظامه، وذلك في حظر بيع الدين بالدين، وفي ربا النسيئة بمعناه الدقيق يحظر الصرف أو المقايضة إذا كان أحد البدلين غائبا أو مؤجلا تسليمه، فمنع من ليس بيده ذهب ولا فضة أن يصيب من طريق الصرف نقدا حاضرا، وإذا كان النقدان هما رءوس أموال التجارة، فإن ربا النسيئة لا يذر في حلبتها إلا المتمول من التجار، أو ذا الثقة، الذي يتيسر له أن يجد من يمده بالمال، مضاربة تبتغي المشاركة فيما يفيء من التجارة، وإما قرضا حسنا يضمن المقترض رده، كما أن في حظر بيع المصوغات من الذهب والفضة نسيئة، ما يحد من اكتناز الأفراد للمعدنين الثمينين، وإبعادهما عن مجالات الاستثمار التي تتحقق من خلالها التنمية الاقتصادية للأمة (٢). وكذلك في مقايضة مواد الطعام ونحوها بعضها ببعض، حيث يحظر ربا النسيئة تأجيل بدل منها، يقتضي المتبايعين أن يجريا التصرف من طريق بيع النسيئة أو ما يشرع من السلم، فينأى بتلك المعاملات عن المقايضة ببدائيتها التي تتعقد مع الأجل، ويحد من بقاء تلك المواد دولة بين منتجيها، ليطلقها في مجالات التداول على اتساعها بالبيوع الآجلة بالنقود التي يتحقق بها الانضباط ويتحدد فيها مقابل التأجيل، حتى إذا طرأ ما يقتضي التعجيل تيسر لمن يحط من المقابل حساب ما يخصم منه. ويكون من حكمة ربا النسيئة، دعم التنمية الاقتصادية وحفظ مقومات التجارة وتقويم سبل الائتمان فيها، بإغلاق أبواب المعاملات الآجلة التي من شأنها الإخلال بتحقيق

стр. 2398

ما تتطلبه الجماعة من استقرار النشاط التجاري وازدهاره. ويتمحض تحريم النسيئة حقا لله تعالى، يلتزم السلطان إنفاذه، ولا يعتد بشيء من إرادة الأفراد في شأنه، وما ينبغي أن تقر تلك الإرادة على ابتغاء ما يتهدد مصالح الأمة، أو يحيف عليها. وتختلف الحكمة من هذا الربا عن الحكمة في تحريم ربا الدين، الذي يتميز بوقوعه في مجال الائتمان المشروع ويتعلق بتقويمه في القروض والتأجيل للإعسار، متكاملا مع تنظيم النسيئة المباحة في البيوع.

стр. 2399

خصائص ربا الدين في الإسلام ويتبين مما قدمناه أن الربا الذي يعرفه اليهود لا يشبه من أنواع الربا في الإسلام إلا ربا الدين، ولكن هذا التشابه من بعض الوجوه دون بعضها الآخر، ولا يبلغ الشبه بين الربوين حد التماثل، بل تذر أوجه الاختلاف حقيقة الربا اليهودي جد متميزة عن ربا الدين كما اكتملت أحكامه في شريعة الإسلام، التي نعرض على هديها خصائص هذا الربا، كالذي قدمناه في بحث ربا اليهود، لتظهر الفروق واضحة بين الشريعتين، وينجلي الوضع الصحيح لمشكلة الربا في البلاد الإسلامية وأوجه علاجها الميسورة التي تأتي على ما يتعلل به للتعامل بالربا في إطار أحكام اليهود المخالفة عن أحكام الإسلام. وخصائص هذا الربا هي: ١ - الربا في الدين وحده ولا ينطبق على البيع . ٢ - الربا مقابل الأجل. ٣ - الربا محظور على الدائن والمدين معا. ٤ - للربا حكمته المتميزة عن ظلم المدين. ٥ - المساواة بين المسلم وغير المسلم في الربا.

стр. 2400

الخاصية الأولى الربا في الدين وحده ولا ينطبق على البيع أحل الله تعالى البيع بزيادة في الثمن إذ يؤجل، أو ينقص فيه إذ يعجل ويؤجل المبيع، وذلك عوضا عن الأجل في بيع النسيئة، والسلم وعقد الاستصناع، وحرم الربا في القرض، إذ يؤجل تبرعا واختيارا، وفي تأجيل سائر الديون التي يثبت إعسار المدين بها حين وجب عليه أداؤها، فينظره القاضي إلى أن يوسر، توثيقا لعرى التكافل الاجتماعي بين الأغنياء والفقراء من الناس. وكما عني الإسلام بتنظيم التجارة الحاضرة فيما رأينا من أنواع الربا في البيوع، كانت عنايته أكبر بالائتمان في التجارة الآجلة وسائر الديون غير التجارية. وجمهور المفسرين على أن الدين المؤجل الذي فصلت آيات البقرة أحكام توثيقه، يشمل السلم وبيع النسيئة والقرض جميعا، وردوا قول من ذهب إلى أن القرض لا يدخل في ذلك الدين، لأن القرض لا يجوز فيه الأجل الذي يؤجل إليه الدين، وكانت حجتهم أن القرض يصح تأجيله باتفاق الفقهاء، وإنما اختلافهم في لزوم هذا التأجيل، فقال الإمام مالك بلزوم الأجل المتفق عليه في القرض، ورأى سائر الأئمة أن المقرض متبرع لا يجوز أن يجبر على الامتناع عن المطالبة بالقرض قبل الأجل (١). وقد كانت مصادر ربا الجاهلية، إما قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة بدلا من الأجل، وإما بيعا بالنسيئة حل ميعاد أداء ثمنه وليس عند المشتري ما يفي به، فيزيد مقداره ليؤخر البائع المطالبة به، أو سلما لا يجد المسلم إليه الشيء الذي باعه عند حلول أجله، فيؤخره المسلم إلى أجل جديد بزيادة على الشيء المبيع، وقد حظرت الزيادة على الدين في كل تلك الصور من الائتمان غير التجاري، وفرق الإسلام بين هذا الائتمان القائم على الإرفاق والائتمان التجاري في البيوع الذي أبيحت المعاوضة على الأجل فيه، التزاما لحال المال الذي يخرجه التاجر إلى الائتمان من بين ما يدير به تجارته الحاضرة ويقف ما كان يفيء له من كسب دوري إبان تأجيله. وكذلك حال الذي ائتمن من الاتجار فيما دفع إليه وما يفيد من كسب يقدر أن يؤدي الزيادة في الثمن المؤجل منه. وبجانب هذا الائتمان في السلع التي تقوم التجارة على تداولها، ويتحدد بكل بيع يرد عليها مخاطر عقده مستقلا عما سبقه وعما يلحقه من البيوع، أقر الإسلام الائتمان الرأسمالي بعقد المضاربة أو القراض، فيأخذ التجار المضاربون رءوس الأموال من أصحابها يديرون بها التجارة، وتقسم أرباحها بين التاجر عن عمله، والممول عن رأس ماله، فإن لم تصب التجارة ربحا، أو منيت بخسر، ضاع جهد التاجر، وفات رأس المال الربح أو نقص ما خسره، تبعا لحقيقة ما أسفر

стр. 2401

عنه النشاط المعقود عليه، وكما يتضامن رب المال والعامل في تحمل خطر الخسارة، يفيد رأس المال من كل زيادة تتحقق في ربح المضاربة خلال الأجل الذي تنتهي عنده، وبذلك جعل للأجل في التجارة عوضه الذي يتحدد ابتداء في البيوع، أو الذي يتحقق ويتحدد انتهاء في المضاربة. ويتميز القرض من البيع، خلافا لما يذهب إليه بعض الفقهاء والمستشرقين الذين يجعلون القرض في أصله من المعاوضات ويدخلون رباه في ربا الفضل بالبيوع خطأ، ذلك أن القرض في شريعة الإسلام من التبرعات يتصدق فيه المقرض بمنفعة المال على سبيل العارية، وإذا كان المقرض لا يسترد ماله ذاته بل يسترد مثله، فلأن هذا المال مما يهلك بالانتفاع به، انفاقا كالنقود أو استهلاكا كالطعام، وليس أخذ هذا المثل المؤجل هو مقصود المقرض من العقد، ليكون كالبائع الذي يقصد أن يأخذ من المبتاع عوضا غير الذي يبيعه منه، ولو كان القرض من البيع لوقع في نطاق ربا النسيئة الذي يحظر مقايضة العين بمثلها مؤجلا، ولذلك جعل الفقهاء رد بدل العين في القرض بمثابة رد العين ذاتها خلاف سائر الديون. ولكن مع اتفاق الفقهاء على حل المعاوضة عن الأجل في البيوع، وحرمتها في القروض وسائر الديون، اختلفوا في الديون المؤجلة حين يعجل أداؤها، فمنع فريق من الأئمة، منهم أبو حنيفة ومالك، أن ينقص شيء من الدين، إذ رأوا في مقابلة هذا النقص بما بقي من أجل الدين ما يشبه الربا الذي يجعل الزيادة فوق الدين مقابلة لأجله، وأخذ فريق بما «روي عن رسول الله ﷺ حين أمر بجلاء يهود بني النضير، وسألوه عن ديون لهم مؤجلة، فقال لهم النبي ﵊: " حطوا وتعجلوا"» فأجازوا أن ينقص من الدين المؤجل إذا عجل وفاؤه، ما يقابل الذي بقي من أجله. وانتهى متأخرو الحنفية إلى الفتوى بذلك في المرابحة (١). وقد بني الاختلاف على أساس إحدى خصائص الربا التالية، وهي كونه مقابلا لزمان بقاء الدين في الذمة، ولكن لو نظر الأمر من وجه مشروعية المعاوضة عن الأجل، فإن الديون التي تحل الزيادة فيها لتأجيلها، كثمن النسيئة، لا يكون في الحط منها عند تعجيلها شيء من الربا، إذ يفترض اشتمال الثمن على عوض بمقدار الأجل كاملا، فإذا أدى الثمن، ولم ينقض إلا نصف الأجل، كان ما يقابل نصفه الآخر ولا سبب يستحق عنه. ولا يكون ربا فيما نقص من ديون بني النضير، إن كانت من المرابحة أو السلم، وقد كانوا يستحلون الزيادة فيها على الأميين وإن حرموا أخذها من اليهود، وقد أخرجها الإسلام من ربا الديون. أما إن كان الدين المؤجل من قرض، فلا يبدو وجه إنقاصه إذا عجل أداؤه، حتى عند من يرى لزوم الأجل فيه، لأن المقترض لا يرد شيئا فوق ما أخذ من المقرض في كل حين، وكما يحظر العوض من المدين عن منفعة الدين المؤجل، لا يحق له أن يقتضي المقرض عوضا عما بقي من الأجل الذي ارتضاه هذا الدائن تبرعا بالقرض للأجل كله. ويستوي القرض في ذلك كل دين تأجل أداؤه بأمر القضاء للإعسار، وتبقى الديون المؤجلة بحكم الشرع، كديات القتل الخطأ، يتنازعها الرأيان في جواز الحط عند تعجيلها أخذا بعموم الحديث الشريف، أو منع نقصها لما فيه من شبه الربا.

стр. 2402

الخاصية الثانية الربا مقابل الأجل يؤدى الربا عوضا عن تأجيل المطالبة بالقرض أو الدين، ويؤخذ في تحديده بمقدار الأجل، فيتضاعف الربا بتضاعف الآجال المتوالية. ويتميز الربا من الزيادة في البيوع الآجلة، فهي وإن حددت على أساس مقدار الآجل، فثم أسس أخرى تدخل في تقدير المتبايعين، منها معدل الربح في السلعة، وما يتوقع من رواجها خلال الأجل، وهي اعتبارات تجارية لا يتمثلها المتعاملون بالربا، وتتحدد هذه الزيادة جملة واحدة لتندمج في الثمن، بحيث لا تتميز من أصله، ولا يكون في العقد إلا الثمن لا يبدو من عناصر تقديره مقابل التأجيل، وفي ذلك تورع من صورة الربا، ولا يحسب هذا المقابل في البيوع إلا مرة واحدة عند إبرامها، ولا تتضاعف الزيادة في النسيئة ولا في السلم، إن أعسر المدين، ويؤجل الثمن أو المبيع إلى ميسرته، في إرفاق يشبه القرض. وهذا فرق هام بين زيادة البيوع المؤجلة في الإسلام والربا الذي يتضاعف أضعافا لا حد لها، يقيم حاجزا ظاهرا بين البيع والربا. وقد لا يشترط الربا في عقد القرض، ولكن المستقرض يعد بالزيادة فوق رأس المال أو يؤديها من جانبه، بقصد حمل الدائن على تأخير مطالبته، ثم هو يضاعفها كلما انتهى الأمد الذي قدمها عنه، فتكون تلك الزيادة من ربا الدين. ولكن لا يعتبر من الربا ما يؤديه المدين مختارا عند قضاء الدين من زيادة عليه، بعد إذ انتفت كل مظنة من جانبه في ابتغاء التأجيل، وكذلك يخرج من الربا كل ما اعتاده المدين من إهداء أو صلة للمقرض من قبل أخذ القرض، وإن قدمها خلال تأجيله لانقطاع صلتها به. وإذا وثق القرض برهن، فلا يجوز أن يشترط للمرتهن الانتفاع بالرهن، ويقول النبي ﷺ : «لا يغلق الرهن، ولصاحبه غنمه وعليه غرمه (١)» وإن انتفع الدائن بشيء من الرهن، صار قرضا جر منفعة وكان، فيما روي من السنة، من الربا. ويختلف القرض في ذلك عن البيع، فيجوز للبائع المرتهن أن يشترط لنفسه الانتفاع بالرهن، ويعتبر ثمن السلعة الحقيقي هو ما سمي من الثمن بالعقد مضافا إليه منافع المال المرهون مدة معلومة (٢). والأصل في الشريعة الإسلامية أن الأموال لا تسعر على الناس في مبادلاتهم، وأن الغبن لا يؤثر في صحة المعاوضات، إذا عقدها كاملو الأهلية لأنفسهم بإرادة سلمت من التغرير، وإنما يعتد الغبن إذا وقع في بيع أو

стр. 2403

إيجار أموال من في ولاية غيرهم أو بيت المال أو الوقف، أو إذا تم العقد في حال يكون المتعاقد في غير بينة من حقيقة الأسعار بالأسواق كما في حال تلقي الركبان، ويشترط أن يكون الغبن فاحشا، غير يسير مما يتغابن المتعاملون بمثله، ويجعل هذا الغبن حقا لمن أصابه، في طلب تكملة الثمن إلى الحد الذي يقتنيه، ولا يذر مثل ذلك الغبن العقد باطلا أو محظورا، إذا لم تطلب إزالته. . فبيع النسيئة يؤثر الغبن فيه، كما لا يؤثر في السلم، ولا يكون ثم أصل شرعي عام يقيد تقدير مقابل الأجل في البيوع أو يحظر المغالاة فيه. ونجد في ذلك الأصل الذي يذر تقدير الأموال والمنافع إلى ما يرتضيه ذووها، ولا يحظر التغابن فيها، ما قد يبين منه أن النهي في القرآن الكريم عن أكل الربا أضعافا مضاعفة، لا وجه لصرفه إلى الربا الفاحش، ليقتصر التحريم في النص على الربا المركب، الذي تؤخذ فيه فائدة على ما تجمد من الفوائد (١). وما كان العرب حين جاءهم الإسلام يعرفون التفرقة في الحكم بين يسير الربا وفاحشه، ولا بين بسيط الربح ومركبه، كما لم يعلق الإسلام مشروعية البيع على اعتدال الثمن، ولم يحظره لبخس بالثمن أو غلو فيه. وإنما الأقرب أن ينصرف النهي إلى طلب الكف عن الاستمرار في الاستثمار الربوي، فإن الربا لا يتضاعف بتضاعف الأجل، ولا يبلغ الربا الأضعاف المضاعفة إلا بمكث المال في حمأة الاستغلال المحظور، فكان الخطاب في سورة آل عمران، لينتهي كل مكلف عن الإخلاد إلى المداينات الربوية، ثم بينت آيات سورة البقرة، بعد النص على تحريم الربا، ما يتبع لتصفية الديون الربوية القائمة عند التنزيل، بأداء رءوس أموالها وحدها بغير أية زيادة فوقها، فكانت حرمة الربا مطلقة تحظر يسيره كما تحظر فاحشه.

стр. 2404

الخاصية الثالثة الربا محظور على الدائن والمدين معا الربا محظور على الدائن أخذه وعلى المدين إيتاؤه، كما يحظر توثيقه فيأثم شاهدا عقده وكاتبه جميعا بنص الحديث الشريف. وقد بينت السنة أن الربا أفحش إثما من الزنى، ويبدو الربا في فقه الإسلام، كالزنى، عملا مشتركا، يعصي به اللذان يعقدانه عن التكليف في إقراض المال لمحتاجه قرضا حسنا أو استثماره بما شرع الله تعالى من التجارة بالبيع أو المضاربة. وقد رأينا السنة في ربا الفضل، تقضي بأن إثم مخالفته يقع على طرفي البيع معا، ولا يقتصر على من أخذ الزيادة في المقدار، بل إن من أعطاها قد أربى مثله. وكذلك في ربا الدين، يأثم الدائن، ولو قل مقداره عما

стр. 2405

يربحه رأس المال بالاستغلال المشروع في يد الدائن، ويأثم المدين، ولو زاد ما يؤديه من الربا على ما يكسب من استثمار القرض. وإذا كان القرآن يأمر الكاتب ألا يأبى أن يكتب الديون المؤجلة، كما أمر الشهداء ألا يأبوا الشهادة حين يدعون إليها، فإن الكاتب والشهود لا يتحلل أحدهم من هذا الأمر فحسب، إذا وجد الدين مقترنا بالربا، بل يحرم على كل واحد منهم بمجرد علمه بالربا، أن يكتب العقد أو يشهد عليه. وإذ يقوم الرهن مقام الكتابة في توثيق الدين، فإن من يرهن ماله ضمانا لدين ربا استدانه غيره، وكذلك من يكفل هذا الدين، يكون كلاهما قد شارك في الإثم وأعان عليه، ويناله نصيبه من جزاء الربا، آثاما وعقوبة كالكاتب والشهيد. وجزاء الربا في الحياة الآخرة، هو بنص الكتاب، النار التي أعدت للكافرين، وإذ لم يرد نص شرعي على عقوبة مقدرة للربا، خلافا للزنى الذي فرض فيه الحد، وللقتل الذي كتب فيه القصاص، فإن جريمة الربا تجزى بعقوبة التعزير، حيث يفوض القاضي في اختيار نوع العقوبة ومقدارها المناسبين لكل جان ردعا ونكالا. وقد صرح القرآن بحرب من امتنع من المتعاملين بالربا عن أكله، وآذنهم بالقتال حتى يذروه، ولا يجوز للحاكم أن يقر أحدا على أكل الربا ولا إيتائه، ولو كان ذميا من اليهود الذين يدينون بجواز أخذ الربا ممن سواهم أو من النصارى المصلحين الذين يقرون الربا في غير ديون الفقراء (١). . وقد نص فيما صالح عليه النبي ﷺ نصارى نجران من الجزية، على ألا يأكلوا الربا، كما روي أن «رسول الله ﵊ كتب إلى مجوس هجر: إما أن تذروا الربا أو تأذنوا بحرب من الله ورسوله». ولا يخل بالتزام الحاكم هذا المنع، ما له من حق العفو عن بعض من اقترف شيئا من المعاملات الربوية، وفقا لما يقدره من ظروف التعزير لحق الله تعالى، الذي عهدت الأمة إليه النظر في إقامته، بما يكف شرور الربا وأضراره بمصالحها المختلفة، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وحرمة الربا تجعل ما يشترط منه غير مستحق شرعا، فلا يجوز للدائن أن يطالب بالربا ولا أن يأخذ ما يقدمه المدين منه، وإن أصاب شيئا وجب عليه رده في كل حال، ولو كان يتيما أو قاصرا، بلا خلاف عند علماء المسلمين، كما لا يجوز للمدين أن يلتزم الربا، ويحرم عليه أداؤه، وإن أداه وجب استرداده أو خصمه من رأس المال، إن كان الدين لما يتم وفاؤه. ولا يقتصر وجوب الرد على الفتوى ديانة، بل يحكم به القضاء وينفذ الحكم في مال الدائن، وإن مات الدائن استوفي ما أخذه من الربا من تركته مع سائر ديونه، قبل أن يصيب الورثة شيئا منها (٢)

стр. 2406

الخاصية الرابعة للربا حكمته المتميزة على ظلم المدين لا تنحصر حكمة تحريم الربا في درء الظلم عن المدين من الفقراء، ولا نجد في نصوص القرآن والسنة ما يشير إلى أن الربا إنما يؤخذ من المقترض الفقير استغلالا لحاجته، وإذا كانت آيات الربا قد جاءت بعد آيات الصدقات، فقد تلتها مباشرة آيات الدين المؤجل الذي يقع في التجارة نسيئة وسلما، كما يقع في القرض، وقد نصت آيات الربا ذاتها في رد رءوس الأموال على مدين معسر فرضت نظرته إلى ميسرة، فافترضت مدينا آخر موسرا يجب عليه أداء رأس المال ناجزا، وفي قوله تعالى لأكل الربا: " ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ (١) يحتمل أن يكون المعنى لا تظلمون أنفسكم بمعصية أكل الربا، ولا تظلمون بنقص من رءوس أموالكم. وقد جرى أسلوب الذكر الحكيم في آيات كثيرة على اعتبار عصيان التكليف ظلما لنفس من عصى، ومن ذلك قوله جل ثناؤه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢) (سورة البقرة، الآية ٥٤) وقوله عز شأنه: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٣) (سورة الطلاق، الآية ١)، ولا يتعين ما ذهب إليه المفسرون والفقهاء الذين قالوا: إن المرابين يظلمون المدين بأخذ الربا منه، وجعلوا الحكمة في تحريم الربا هي ما فيه من ظلم المدين (٤). إذ لا يتفق ذلك وحقيقة الربا في الإسلام باعتبار مداينته معصية مشتركة بين طرفيها من دائن ومدين لا يرجع حظرها إلى منع استغلال المدين، لأن لتعرض منفعته التي يصيبها المدين، وإنما فرض الشرع التصدق بها عليه لحاجته. وإذا كان المستقرض محتاجا لا يبتغي استثمارا، وإنما يأخذ القرض لنفقته، فإن عليه أن يلجأ إلى الطرق المشروعة لسد خلته، بالرجوع على من تلزمه نفقته من الأقربين أو من بيت المال أو يتحرى صالح الأغنياء، ليصيب قرضا حسنا، فإن أعوزه كل أولئك وسعه باب التجارة الآجلة، يشتري حاجته بالنسيئة أو يبيع ما ينتظر رزقه سلما، وقد صح في حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ اشترى شعيرا لطعام أهله بالنسيئة من يهودي. ارتهنه درعه ضمانا للثمن (٥)». وظاهر من محل البيع، وهو أبسط غذاء رئيسي، عظم الحاجة إلى شرائه، وقصد النبي ﷺ في الاستدانة حتى لضرورات المعيشة. وفي ذلك ما يغني ذا الحاجة عن الاستدانة بالربا التي حظر الله تعالى، فإن جاوز إليها كان ظالما لنفسه، مثله كمثل من ادان منه، وليس مظلوما يتقاضاه الدائن الربا بغير نفع يعود عليه من القرض، فإن الشريعة لا تجاوز الواقع من الأمر، ولا تهدر منافع النقود حين تقترض ولا يعتبر المال في يد المقترض عقيما. فالقرض في الإسلام من عقود الإرفاق، بما يذر للمقترض من منفعة القرض تبرعا، ويظل المال طيلة قرضه تستحق عليه الزكاة، واستحقاقها بفرض نمائه. ويتضح الأمر إن

стр. 2407

كان المدين غير فقير، وإنما يبتغي فضلا من استثمار القرض، فيما يحسن من التجارة أو نحوها من النشاط الاقتصادي، إذ لا يبدو في خشية استغلال الدائن له، ما يصلح حكمة لتحريم الربا، فكما تحتمل الخسارة في الاستثمار، حتى لا يجد المدين ما يؤدي منه الربا، يحتمل أن يكسب أضعاف الربا، حتى يتحيف ما كان يستحقه رب المال لو كان ما بينهما عقد مضاربة بدلا من المداينة الربوية، والإسلام لا يجعل احتمال الخسارة، بل ولا تحقق الغبن أو الاستغلال- موجبا لتحريم المعاوضات، إذ جعل للأفراد سلطانا في تحديد الائتمان ينفذ مع الغبن إن كان يسيرا، ولا يذر الغبن الفاحش إلا خيارا للمغبون لا يحظر معه بقاء الغبن. كما لا يتفق وحظر يمين التصرف الربوي القول بأن الدائن، إذ يأكل الربا إثمه أعظم من إثم مؤكله، باعتبار تحريم أكل الربا لذاته، أما المقترض فيرتكب محرما لغيره، وإذ لا يباح المحرم لذاته إلا للضرورة، ولا توجد ضرورة مطلقا تبيح أكل الربا، أما المحرم لغيره فيباح للحاجة، فمن كان في حاجة ماسة للاقتراض بالفائدة، لأنه لا يجد من يقرضه إلا بالفائدة، قيل: إن الله تعالى يرفع عنه الإثم، ويبوء بالإثمين من لم يقرضه إلا بفائدة. وكأن هذا القول يعتبر أصل الحظر في الربا متعلقا بأكله من المقترضين، وبنحو ذلك قريبا مما عند اليهود، ولكن ربا الدين في الإسلام يشبه الزنى، فيستوي في حظره عمل كل من طرفيه، إذ لا تبرم عقدته إلا بالتقاء هذين العملين، إيتاء المدين يقابله أخذ الدائن، ولا ترخص لدائن أو مدين في أخذ الربا أو إيتائه إلا في حال الضرورة (١). فلا يباح لمكلف أن يقترض بالربا لمجرد الحاجة الماسة التي لا تبلغ حد الضرورة، وتتصور الضرورة في أكل الربا إن أطبقت أمة على أكله وأوصدت على المكلف وجوه الاستثمار المباحة لرأس ماله. وتكون ثم حكم شتى لحظر الربا، لا تقتصر على من يأكله، بل تتعلق أيضا بمن يعطيه، وبمن يعين عليه، وبالأمة جميعا من ورائهم، في مجالات النشاط الاقتصادي والسلام الاجتماعي والسياسة المالية للدولة. فكما يقصد تحريم الربا إلى كف أشحة الأغنياء عن أن يرهقوا الفقراء والمعسرين الذين تضطرهم حالهم إلى تأجيل قروضهم أو ديونهم، بعدم التصدق عليهم بفيئها ويشعرهم بكل تفريط في رعاية أحكام الزكاة، التي تكفل للفقير والمسكين ما يغنيه عن الاستقراض، وتتيح للمعسر الغارم أن يأخذ ما يفي بدينه ولا يضطر إلى طلب تأجيله- كذلك يتوجه التحريم إلى مترفي الأغنياء، ليتجافوا عن الدعة، وينأوا عن الفراغ، وإلى المدخرين كافة، وإن قل ما يدخرون، ليقدم كل منهم على تدبير استثمار ماله والنظر فيما يصلحه وفيما ينبغي اتقاؤه، لتجنب الخسارة فيه وزيادة الربح منه، وتنطلق تيارات النشاط وحوافز الكسب التي فطر الناس عليها في جنبات الأمة كلها، ويستوي للفرد من كل ذلك، رشد مالي يظهره على طرائق الاستثمار ويكسبه خبرة تيسر له اختيار أحسن السبل للتنمية، وتمنعه من أن يتحيفه مقترض بربا، يقل كثيرا عما يفيء به المال من واقع الاستثمار، أو يذهب بالمال ليستثمر في بلد أجنبي، تقتضى مصلحة رب المال وأمته من ورائه، أن يستثمر المال في غير هذا البلد، وفقا لما تجري عليه تجارة المصارف الربضوية، التي يقوم أصل كسبها على انتجاع مواطن الزيادة في الربا الذي تأخذه على ما تؤتيه مقرضيها من المودعين. ويستشعر الغني كذلك مقتضيات التكافل مع من يعوزهم المال ويقدر آثار معاونتهم حق قدرها، في ترضيتهم وتوقي عواقب سخطهم، وهم الأكثرون، والحفاظ على تدفق نشاطهم

стр. 2408

الاقتصادي الذي تضار الأمة، من وهنه أو توقفه، أشد الضرر حيث لا يغني عنه جهد القلة من الأغنياء، أن صار النشاط دولة بينهم. وبهذا الرشد لا تقتصر قدرة الأفراد على تدبير أموالهم الخاصة، بل تقوى على المشاركة في تدبير الأموال العامة ومراقبة إنفاقها في حاجات الأمة، حتى كفاية مصالحها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. والدولة التي تعمد إلى الاقتراض من أفرادها بالربا، وإن أخفته تحت أسماء أخرى، لا تصيب رعاياها في أنفسهم بانحراف المرابين فحسب، بل هي بما تغريهم به من منافع خاصة في زيادة ربا أموالهم، تلفتهم عن الاهتمام برشد إنفاقها العام، وبجدوى مشروعاتها الاقتصادية، ويوهن الربا من هيمنة الرقابة الشعبية على مالية الأمة. ونجد أمتنا في جهادها الكبير للمشركين، من قبل أن تفتح لها الفتوح وترث الممالك، كانت في ضائقة مالية شديدة، وكان النبي ﷺ أحيانا كثيرة لا يجد ما يحمل عليه بعض المجاهدين في سبيل الله، فكان يردهم ولا يلجأ إلى الاقتراض بالربا، وكان ميسورا في سوق المال يومئذ، وخاصة لدى اليهود. ففرض الجهاد على خطره لا يسبق حرمة الربا، ولا يبيح تجهيز الجيوش للدولة أن تأكل الربا، لأن في منعه إحياء لأهلها في أنفسهم وأموالهم بما لا تقل خطورته عما يحققه الجهاد، وليس الربا هو السبيل الوحيد لموارد الإنفاق على القتال، وما استطاع اليهود أن يتسللوا برباهم إلا من بعد أن وهنت الدولة العباسية من بذخها، على سعة أقطارها وكبر دخلها، وزين الجهابذة اليهود لخلفائها الاستدانة منهم وارتهنوا مواردها (١). ولم تعصمها قروضهم الربوية من الإملاق والانهيار. وفي جانب المدين، يقصد تحريم الربا إلى أن يسلك بالمحتاج الذي لا يجد منفقا عليه، سبيل التجارة الآجلة التي يرزق منها العاملون في الأسواق، فيكثر التجار وينمو النشاط الجاد، الذي لا يذر في مجاله إلا من يقوم على أعمال الإنتاج وتداول السلع، ويضمن مخاطر عمله. وكذلك من يستدين، ابتغاء رأس مال يتاجر فيه، أو يحدث صناعة به، إذ لا يأتي الربا، ويضارب رب المال الذي رغب عن إقراضه، يجد بالمضاربة من مخاطر النشاط الذي يقدم عليه وعواقب ما يحتمل من خسره، فإن المضارب لا يحمل من الخسارة في رأس المال المستغل فوق ما يصيبه من ضياع عمله كله، ولا يكلفه هذا التأمين من الخسارة إلا مقابلا يسيرا، هو نزوله عن الحرص على الاستثمار بما يستحقه صاحب رأس المال فيما يحتمل من زيادة الأرباح المحققة على مقدار الربا المتفق عليه، والمضارب بهذا النزول لا يكسب ود رب المال فحسب، بل يستدر عونه ويجتذب حوافزه للاهتمام بالاستثمار والسعي إلى أقصى ما ينجحه، ليزيد ما يعود على المال من ثمراته وتتجلى حقيقة هذه الحكمة فيما يحدثه الربا من إملاق المدين، ولا يختص هذا الإملاق بالأفراد، إذ يحفل التاريخ بما ترك الربا من خزائن خاوية للدول التي ادانت به في مختلف العصور وأحدثها حال البلاد المتخلفة اقتصاديا التي ابتغت التنمية من اقتراض رءوس الأموال التي أعوزتها بالربا، فلم تصب تقدما تواكب به العصر ولم تستطع وفاء ما اقترضت ولا رباه، وبقيت

стр. 2409

ترزح تحت أثقال الديون الخارجية وتعاني من أعبائها المالية والسياسية تضخما واختلالا في ميزان مدفوعاتها، وتدخلا في مقدارتها من الدول الدائنة. وما كانت تلك العاقبة الخاسرة لتقع، لو شارك أصحاب رءوس الأموال في القيام على جدية استثمارها ورعوا سلامة إنفاقها. وإملاق مدين الربا لا يقتصر أثره عليه، بل ينعكس على الدائن، فيتعذر عليه استرداد ماله واستيفاء ما اشترط من الربا، ويثور النزاع بين الدائنين المرابين والمدينين، كما لهذا الإملاق صداه في الأمة؛ إذ يتصدع بهذا النزاع تماسكها الاجتماعي، كما تضار في استقلالها إن كان الدائن دولة أجنبية تستطيع أن تبغي عليها بدينها، وتخسر في كل حال ما ينقص من رأس المال القومي بقدر ما أضاعته المعاملات الربوية بين يدي المدينين المملقين من الأموال التي دفعت إليهم إسرافا، فعجزوا عن استثمارها وبددوا من رءوسها، وما كان الربا يصلح شأنهم، مهما قل مقداره وانتفى قصد استغلال الدائن لهم وابتزازه ثمرات جهدهم، وأدام حرص الدائن على اكتساب الربا يغريه بالإكثار من الإقراض بما لا طالة للمقترضين باستثماره، ولا يثني الدائن، إزاء هذا الإغراء، ما يعلمه من عجز المقترض. ويزيد الإغراء، إن كان القرض من دولة لها مآرب أخرى في السيطرة على الدولة المستقرضة من طريق التسلل المالي الموهن لقدراتها، وكثيرا ما أدى ذلك إلى الاستعمار وما يسبقه من حروب مدمرة، وما يتخلله من ثورات ونهب للثروات، وما يعقبه من فقر وتخلف يرينان طويلا على الأمم بعد إذ أفلتت من نيره. وتبقى حكمة حظر إيتاء الربا ماثلة في مخالفة المدين عما كلف، بما اقترض بالربا، وما يبوء به من الخسارة يرجع في أصله إلى المدين نفسه بأكثر مما يرجع إلى استغلال الدائن له، فإن المدين هو الذي فرط وحده في الاستثمار، بعد إذ فرط في اقتراض ما لا تستوعبه قدرته على التثمير، أو ما يجاوز حاجته الملحة فبسط يده مسرفا، وكان ضياع ماله في الحالين من مخالفته عن حظر إيتاء الربا الذي أغرقه بالدين وإن كان للدائن إثم ما اكتسب من إغرائه بالاستكثار من الدين. ويكون في تحريم الربا ما يوجه الأموال التي تبتغي الاستثمار إلى التجارة مباشرة، ويبقى للإرفاق من أموال الصالحين من الأغنياء ما يضاف إلى ما للفقراء والمساكين والغارمين من مصارف الزكاة، حتى يفي بقروض المحتاجين، ويتكامل للأمة نشاطها الاقتصادي مع تكافلها الاجتماعي في تخطيط منضبط دقيق يلزم الحاكم فيها والمحكوم. وكما أن في تحريم الزنى دفعا إلى الزواج الذي تقوم الأسرة عليه، وتحفظ بينها الأنساب وترعى الأولاد وتتصل الأجيال، وكما أن في القصاص حياة الأنفس بكف المعتدين أفرادا كانوا أو حاكمين، فتحمي حقوق الحياة والسلامة كما تحفظ الحريات العامة، ويبرأ المجتمع من بلايا الفساد والإرهاب، كذلك يأتي حظر الربا في الإسلام إحياء لموات الأموال بحشدها في خير أبواب الاستثمار لأصحابها ولمن تمس حاجتهم إليها وللأمة جميعا. ونجد الرشد الذي يهدي إليه تحريم الربا يقابله التخبط من المس الذي وصفت به الآية الكريمة من سورة البقرة قيام الذين يأكلون الربا، وذلك بأنهم لم يهتدوا إلى إدراك نفع البيع وإثم الربا والشعور بحقيقة الفرق بينهما، مما يذر لحكمة التحريم تعلقا برعاية الملكات العقلية التي يكتمل بنضوجها ذلك الرشد، ويصيبها أخذ الربا أو إيتاؤه بالاختلال الذي يأتي على شخص المرابي مع ما أنقص من الأموال.

стр. 2410

الخاصية الخامسة المساواة بين المسلم وغير المسلم في الربا حظر ربا الدين عام ليطبق على مداينات المسلمين وغير المسلمين، فيحرم على المسلم أن يأخذ الربا من مستقرض غير مسلم، كما لا يجوز للمسلم إذا اقترض من غير المسلم أن يعطيه شيئا من الربا، ويستوي أن يكون غير المسلم ذميا أو حربيا بدار الحرب. ويمنع الذمي من أكل الربا في دار الإسلام، ولو كان المدين ذميا مثله، أو كان ممن يدينون بحل الربا في بعض مدايناتهم، كاليهود في الديون التي يعقدونها مع سواهم، وكفريق النصارى المصلحين. وقد قدمنا ما ثبت في عهود رسول الله ﷺ إلى الذميين من تحريم الربا عليهم. وما يراه بعض المحدثين من الترخيص في أخذ المسلمين فوائد أموالهم التي يودعونها المصارف الأجنبية بالبلاد غير الإسلامية، لا يستند إلى دليل من الكتاب ولا السنة، ولا يسوغه أن لا يأخذ المودع الربا لنفسه وأن يدفعه إلى بيت مال المسلمين خدمة لصالحهم العام، ذلك أنهم يغفلون عن أثر الربا، في تخبط آكليه وما يوهنه من رشدهم بعزلهم عن مجالات تثمير ما يرزقون، وفي فقد دار الإسلام ثمرات الأموال الخارجة منها إلى البلاد الأجنبية ابتغاء هذا الاستغلال المحرم، الذي لا يبلغ ما يفيء منه قدر تلك الثمرات، وإلا ما تهافتت تلك المصارف على اجتذاب المسلمين بشتى وسائل الإغراء إلى دفع أموالهم إليها. ولا حجة لهؤلاء القائلين فيما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة من جواز الربا بين المسلم والحربي في دار الحرب، ولا فيما عند الشيعة الإمامية من أن الربا لا يقع بين المسلم والحربي، سواء في دار الحرب أو في دار السلام، إذا أخذ المسلم الفضل، وإنما يكون حراما إذا أعطى المسلم الفضل؛ فقد رد الشافعي بأن ما احتج به أبو حنيفة من الحديث عن مكحول ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب» "أو" «لا ربا بين أهل الحرب وأهل الإسلام»، ليس هذا الحديث بثابت، ولا حجة فيه، فإنه لو صح لتأولناه على أنه لا يباح الربا في دار الحرب جمعا بين الأدلة. وما استند إليه بعض الحنفية من أن مال الحربي ليس بمعصوم ولا مضمون حقا لصاحبه، بل هو مباح بنفسه، فإذا بذله باختياره عن تراض فقد صح أخذه، والحربي ليس مخاطبا بفروع شريعة الإسلام- رده الشافعية بأنه لا يلزم من كون أموال الحربيين تباح بالاغتنام أنها تستباح بالعقد الفاسد، وإذا كان الحربي غير مخاطب بفروع الشريعة في تصرفه فالمسلم مخاطب بها فيه، وقيل حديثا: إن رأي الحنفية إنما يكون واردا إذا كان المسلم هو الذي يأخذ الفضل، كما اشترط الإمامية، ولا يصح إذا أعطى المسلم الفضل. ونجد في كل ذلك خلطا بين زيادة القيمة التي يقع بها الغبن ويصيب بها المتعاقد خيرا مما أعطى، وبين ربا الفضل، وهو كما بينا زيادة مقدار فحسب، لا تقتضي زيادة في قيمة أحد البدلين، ليصح اشتراط أن يأخذها المسلم، وقد يضاربها. فقد يكون البدل الأكبر

стр. 2411

مقدارا أقل قيمة لشدة رداءته من البدل الأصغر وزنا أو كيلا لبالغ جودته. وإذ يدور هذا الخلاف على ربا الفضل في البيوع، فالحنفية يتحدثون عن جواز بيع الدرهم بدرهمين، ولا نجد من قول لديهم في ربا الدين يبيح للمسلم أن يأكل هذا الربا من دين يقترضه حربي منه بدار الحرب، وإذ لا يحل للمسلمين أن يتصدقوا على أهل دار الحرب، وفي إخوانهم بأرجاء دار الإسلام محاويج، وإذ كان القرض في النوع هو من قبيل الصدقات؛ فإنه لا يجوز لمسلم أن يذر أمواله بمصارف البلاد غير الإسلامية ولا أن يوظف شيئا من هذه الأموال في السندات ونحوها مما تقترض به حكومات تلك البلاد ديونها العامة. ولا تتم توبة من يفعل ذلك من المسلمين إلا باسترداد رءوس أموالهم من الخارج، لتفيد أمتهم من تثميرها بين أهلها بالطرق الإسلامية المشروعة، وينتهي اقتراض بعض البلاد الإسلامية من تلك المصارف الأجنبية التي تتقاضاها من الربا ما يزيد مقداره كثيرا على ما تدفعه هذ٥ المصارف من يسير الربا إلى أرباب الودائع المسلمين، ويخلص ذلك الكسب الطائل للمرابي الأجنبي من مجرد الوساطة بين أخوين مسلمين خالفا عن حكم الله تعالى في تحريم الربا أكلا وإيتاء، فحاقت بكليهما شروره، ولم تذر شيئا من فضل حقيقي فيما يأكله المودع المسلم من ربا عن قرضه للحربي يسوغ الترخيص للمسلم في ذلك. وحظر أكل ربا الدين على المسلم من غير المسلمين بالخارج لا يرجع فيما نرى إلى أن الإسلام ينهى عن التعصب، يقول تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (١) (سورة المائدة، ٩) ولا إلى ما فرضه الإسلام من أداء الأمانات إلى أهلها ولو كانوا غير مسلمين، ونعيه على اليهود ما استحصلوا من بخس الأميين حقوقهم. ولكنا نجد، مما قدمنا من خصائص الربا وحكمه، أن ربا الدين لا يتعلق بالعدل بين طرفي المداينة ولا بأداء الدين ذاته، بل يبتغي الرشد المالي والاجتماعي والسياسي للفرد دائنا كان أو مدينا، ويرقى بالأمة إلى خير تنظيم في تلك المجالات المتكاملة كلها، ويكون التعامل بربا الدين في ذاته من قبيل إلقاء النفس إلى التهلكة والعدوان على رشدها ومالها، ويتعين على المسلم ألا يقرب الربا، لا إيتاء ولا أخذا، ولو من حربي في خارج بلاد الإسلام ليحفظ على المسلم رشده ويحفظ أمته ما تستحقه من تنمية بأمواله.

стр. 2412

من نتائج اختلاف الربوين الإسلامي واليهودي أما وقد تبين الاختلاف بين أحكام الربا التي شرعها الإسلام اختلافا كبيرا عن أحكام الربا عند اليهود الذين يرون الربا في كل دين مؤجل من قرض أو بيع تكون زيادة فيه بسبب التأجيل، بينما جاء الإسلام بأحكام للربا كثيرة تنظم البيوع الحاضرة، مما لا عهد لليهود به، وفي ربا الديون الذي يعرفون أهله، قصر التحريم على شطر مما عندهم، هو ربا القرض، وأحل شطرا مما يحرمون، فأباح عوض التأجيل في البيوع، وأحكم توثيق الائتمان سواء التجاري وغير التجاري، وكفل للأفراد في أموال الأغنياء

стр. 2413

من أهليهم وفي خزانة الدولة نفقاتهم التي تسد حاجات معيشتهم وعزز موارد الائتمان غير التجاري من الزكاة والصدقات، بما ييسر نفاذ تحريم الربا فيه. فإن من شأن من يحيط علما بكل أولئك أن يشهد بنتائج شتى من أهمها: أولا: أن ما تضمنته الشريعة الإسلامية من نسخ بعض ما يعلمه اليهود وتفصيل ما لم ينسخ وإكماله بوجه لا يسعه فقههم- يدحض كل تشكيك في وحي الإسلام، ويفند كل زعم بأخذه شيئا من اليهود، ويقطع بصدق رسول الله ﷺ ، ويظهر ما أتى به من الأحكام على ما اقتضت حكمة الله تعالى نسخه من فروع شريعة اليهود. ثانيا: وجوب دراسة الأحكام الإسلامية الاقتصادية في مصادرها الأولى بالقرآن والسنة دراسة مستقلة متعمقة تحصى فيها أحكام الإسلام على حقيقتها المتميزة، ثم يأتي من بعد الإحاطة بها دور البحث المقارن بينها وبين سائر الشرائع، فيفقه الدارسون الفروق بين أحكامها وما في غيرها، ولا يقعون في خلط يجره التجوز في إطلاق مصطلحات لا يعرفها فقه الشريعة ولا تصدق على مسمياتها، ولا يبلغ بها الباحث الغاية من تفهم دقائق أحكامها. ثالثا: المبادرة في إلغاء القوانين الوضعية التي تنظم ربا الدين في البلاد الإسلامية وتبيح غير الفاحش منه وتعاقب الدائن وحده على أخذ الربا الفاحش وبعقوبات (جد يسيرة)، متأثرة في ذلك كله بأحكام اليهود التي بينا ما اعتراها من نسخ وما يشوبها إزاء التطور من قصور. ويجب أن تصدر التشريعات التي تأخذ بصحيح أحكام الإسلام، فيبطل القانون المدني كل شرط ربوي في القروض وتأجيلات الديون، وإن قل مقدار الفائدة أو العائد أو نحوها مما يتضمنه هذا الشرط، وأيا كانت حال الدائن أو المدين القانونية، يستوي الفرد ولو كان يتيما والشخص الاعتباري، مصرفا كان أو شركة أو مؤسسة أو هيئة أو حكومة، ويفرض التشريع الجنائي من العقوبات الرادعة عن الربا ما يجزي به الدائن والمدين وكل من شارك في جريمتها أو أعان على ارتكابها، وفقا لما تقتضيه حال البلاد من تقنين لأنواع التعزير ومقدارها، يتفق واعتبارات السياسة التشريعية الجزائية. رابعا: بحث متطلبات قيام أسواق المال الإسلامية وتنظيم تداول الأسهم والحصص في شركات المضاربة، وتفصيل أحكام بيوع النسيئة والسلم، ولا تستضاع للعودة إلى الأخذ بنظم الائتمان الإسلامية واستكمال الإطار العام لتطبيقها في مجالات التجارة والإرفاق الاجتماعي، ومتابعة هذا التطبيق ومواءمته مع معطيات العلوم الاقتصادية الحديثة وتوفير مقومات السوق الحرة وموارد التمويل الاجتماعي حتى لا يكون ثم محتاج إلى الاقتراض بالربا، ولا يكون غلو في أسعار البيوع الآجلة يثقل المحتاجين إليها.

стр. 2414

خامسا: وتنبغي الإفادة من التنظيمات السابقة التي أخذت بها دولة الخلافة العثمانية في شأن تلك البيوع وفرض حد أقصى للزيادة في المرابحة، ولتلافي الثغرات التي تكشفت في تطبيق نظام السلم (١). . وجود أسواق إسلامية للمال الآجل يستثمر فيها استثمارا رأسماليا من طريق المضاربة أو متداولا بالبيوع الآجلة نسيئة وسلما، بغير أن يتوسط بين المدخر أو المنتج أو التاجر وبين المنظم العامل أو المستهلك مراب لا يقوم بشيء من أعمال التجارة ولا يتعرض لمخاطرها. وتسلم سوق المال الإسلامية من أضرار المنافسة بين الاستغلال الربوي في السندات والقروض وما يسمى بالأوعية الادخارية وبين الاستثمار غير الربوي في الشركات والبيوع. وهي المنافسة التي تعاني منها أسواق المال في الاقتصاديات الربوية، وتعيق تقدم مشروعات التنمية من طريق التمويل المباشر. ولا يعرض لمن يحكم بما أنزل في الإسلام ما يتذرع به غير المسلمين من ضرورة الربا لقيام أسواق المال بدعوى أن تحريمه يذر رأس المال الآجل ولا كسب له في تلك الأسواق يغريه بالبقاء فيها مما يؤدي إلى اختفائه وينضب معين التمويل للمشروعات الاقتصادية؛ إذ يجد رأس المال في بلاد الإسلام أسواقا متسعة تفيء بالأرباح المشروعة عليه، وذلك يوجب على المسلمين ألا يخدعوا بتلك الحجة الداحضة، وأن يفروا إلى حكم الله تعالى، وقد ظلوا قرونا طويلة مزهرة لا يقربون فيها الربا، وينهون عن أكله وعما أخذت به طائفة منهم من إنشاء المصارف الربوية التي تضاهي مصارف اليهود، وعندها يستشعر المسلمون رحمة الله التي اختصهم بها والله ولي التوفيق.

стр. 2415

جهاز تعيين اتجاه القبلة من أي مكان على سطح الأرض تصميم نماذج جديدة من الجهاز لتبسيط الصناعة، وتنفيذ هذه النماذج في ورش كلية الهندسة بجامعة الرياض حسين كمال الدين (١) استعمال الجهاز عند وجود الإنسان في أي بلد ما أو مكان على سطح الكرة الأرضية يمكنه باستعمال هذا الجهاز تحديد اتجاه مكة المكرمة بالنسبة إلى المكان الذي يوجد فيه، وبذلك يتيسر له تعيين اتجاه القبلة للصلاة. وتدور الفكرة العامة في تصميم هذا الجهاز نحو الإدماج بين الخريطة المرسومة بطريقة خاصة، وبين الاستعانة بالإبرة المغناطيسية، وبين مؤشر اتجاه القبلة، الذي يدور دائما حول مدينة مكة المكرمة، والتي تكون عادة عند مركز الخريطة، ومركز علبة الجهاز، ومركز الإبرة المغناطيسية. وتوجد هذه الأشياء الثلاثة الأساسية ضمن علبة صغيرة مستديرة لها سطح زجاجي، ومصنوعة من النحاس أو الألمونيوم أو البلاستيك.

стр. 2416

نظرية الجهاز لتبسيط معرفة نظرية الجهاز، نفرض أن شخصا ما يقيم في مدينة الرياض ويريد تعيين اتجاه القبلة بالنسبة إليه، كما نفرض أنه يريد استعمال الإبرة المغناطيسية لذلك. فإذا رجعنا إلى الشكل رقم (١) نجد أن الاتجاه الدائري الذي تعينه الإبرة المغناطيسية من الرياض إلى مكة المكرمة هو الزاوية " هـ١ " وهذه الزاوية تقاس دائما من الشمال وفي اتجاه دوران عقرب الساعة، أي إلى ناحية اليمين. بينما يظهر الرسم كذلك أن زاوية الانحراف من مكة المكرمة إلى الرياض تساوي المقدار " هـ٢ " ونلاحظ أن العلاقة بين هذين الانحرافين هي: هـ١ ± هـ٢ = ١٨٠? دائما. الشكل رقم (١)

стр. 2417

ولما كانت أم القرى موضوعة في مركز الخريطة، بينما جعلت جميع بلدان العالم من حولها، وكان المؤشر الذي يعين اتجاه القبلة في الجهاز يدور حول مكة المكرمة، ثم يتجه إلى أي بلد آخر حسب الرغبة في ذلك، أي أن الاتجاه الذي يعينه المؤشر في الجهاز هو الاتجاه الدائري من مكة المكرمة إلى البلد الذي يمر به المؤشر، انظر الشكل رقم (٢)، بينما المقصود تعينه هو عكس الاتجاه تماما وهو الاتجاه من البلد الذي نقيم فيه إلى موضع القبلة في مكة المكرمة. وقد سبق أن علمنا أن الفرق بين هذين الاتجاهين مقداره ١٨٠? دائما، انظر الشكل رقم (١). شكل رقم (٢) وعلى ذلك لكي نجعل مؤشر اتجاه الصلاة في الجهاز يتجه نحو القبلة تماما، يجب علينا أن نغير زاوية الانحراف الدائري بمقدار ١٨٠? سواء بالإضافة أم بالحذف، وهذا يعني إدارة الخريطة بمقدار ١٨٠? حول مدينة مكة المكرمة، وعندئذ نجد أن الإبرة المغناطيسية تتجه إلى الزوال الجنوبي لمدينة مكة المكرمة بدلا من اتجاهها السابق إلى الزوال الشمالي لها، انظر الشكل رقم (٣). وفي هذه الحالة يكون اتجاه مؤشر الصلاة إلى مدينة الرياض، هو الاتجاه الصحيح للقبلة في هذا البلد الذي نقيم فيه مع الجهاز.

стр. 2418

شكل رقم (٣) ومثل هذا الوضع الذي ينطبق على مدينة الرياض بالنسبة إلى مدينة مكة المكرمة، ينطبق كذلك على جميع بلدان العالم المبينة على الخريطة الموضحة بالجهاز بالنسبة إلى مدينة مكة المكرمة، حيث إنها سبق أن وضعت مركزا للعالم في هذه الخريطة. ولقد روعي في تصميم هذا الجهاز تحقيق الشروط السابق ذكرها، كما أنه روعي في رسم الخرائط المرفقة مع الجهاز تحقيق شرط المحافظة على صحة الاتجاهات بين جميع بلدان العالم، بمعنى أن زاوية الانحراف الدائري بين أي مكانين عند قياسها من الخريطة، نجد أنها تساوي تماما الانحراف الدائري بين هذين المكانين على الطبيعة. وقد وضعت مع الجهاز مجموعة من الخرائط المختلفة من حيث مقياس الرسم، وذلك لأنه كلما اقتربنا من مدينة مكة المكرمة كانت الحاجة إلى تدقيق الاتجاه أكثر بالنسبة إلى كل بلد. أما في الأماكن البعيدة جدا عن

стр. 2419

مدينة مكة المكرمة مثل الأمريكتين أو أستراليا فإننا نجد أن منطقة واسعة من الأرض تشترك مع بعضها في اتجاه واحد تقريبا نحو القبلة. والخرائط المرسومة على الجهاز هي على التوالي، بالنسبة إلى مقياس الرسم كالآتي: ١ - منطقة الحرم حول مدينة مكة المكرمة شكل رقم (٤) ٢ - المملكة العربية السعودية شكل رقم (٥) ٣ - بلدان الشرق الأوسط شكل رقم (٦) ٤ - بلدان الأمة العربية ووسط آسيا شكل رقم (٧) ٥ - بلدان الأمة الإسلامية شكل رقم (٨) والشكل رقم (٩) الذي يمثل خريطة الدنيا، المستعملة في هذا الجهاز مرسوم بهذا الإسقاط المذكور أعلاه، مع إدخال تعديل جديد عليها لصالح هذا الجهاز. وهذا التعديل عبارة عن إعادة إسقاط الأمريكتين إسقاطا مركزيا بالنسبة إلى مدينة مكة المكرمة، بحيث تصيران قريبتين منها مع عدم المساس بصحة الانحرافات الدائرية بين هذه الأمكنة وبين مدينة مكة المكرمة، وعندئذ يمكن رسم خريطة الدنيا جميعها بمقياس رسم أكبر داخل حدود الجهاز الصغيرة، وهذا التعديل على حساب المحيط الأطلنطي فقط، وهو يكاد يكون خاليا من السكان. وعند استعمال الجهاز نضع الخريطة المناسبة فوق مجموعة الخرائط الأخرى، ويتم ذلك بسهولة بعد فتح غطاء علبة الجهاز. وإعادة ترتيب هذه الخرائط حسب الرغبة، وحسب قربنا من مدينة مكة المكرمة.

стр. 2420

وقد صنع من هذا الجهاز ثلاثة أنواع، تشترك جميعها في النظرية، بينما تختلف جزئيا من ناحية التصميم، وسنذكر باختصار وصفا موجزا لكل منها مع طريقة الاستعمال. * * *
следующие страницы →