الحوافز المادية
ولكن القول بأن الحوافز الروحية وحدها هي التي تؤجج في المؤمن الحق روح القتال قول غير كاف بل الواقع أن في الإسلام حوافز (مادية) لا تقل أهمية عن الحوافز (الروحية) تعمل جنبا لجنب لترصين تكوين الجندي المسلم الذي لا يهزم أبدا.
ومن أهم الحوافز المادية: عدم الاستهانة بالعدو أولا، والإعداد الحربي تدريبا وتسليحا وتنظيما وتجهيزا وقيادة ثانيا.
لقد استهان المسلمون بعدوهم يوم (حنين) فغلبوا على أمرهم في الصفحة الأولى من صفحات ذلك اليوم العصيب. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (١).
والحذر واليقظة من مظاهر عدم الاستهانة بالعدو، قال تعالى: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ (٥).
إن الاستهانة بالعدو، تؤدي حتما إلى الاندحار، وما أصدق المثل العربي القائل: " إذا كان عدوك نملة، فلا تنم له".
والإعداد الحربي إعدادا متكاملا، يرفع المعنويات، ويقوي الثقة بالنفس، ويلهب مزايا الجندي الحق قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ (٦).
وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (٧).
стр. 2347
معادلة الحرب النفسية
إن الهدف الحيوي من الحرب، هو تحطيم الطاقات المادية والمعنوية للعدو، فإذا انتصر عليه في ميدان الحرب، واستطاع أن يحطم طاقاته المادية، فلا بد من جهود أخرى لتحطيم طاقاته المعنوية ليكون النصر كاملا يؤدي إلى الاستسلام.
وهنا يبدأ دور الحرب النفسية، التي تستهدف الطاقات المعنوية بالدرجة الأولى. وفي تاريخ الحروب أمثلة لا تعد ولا تحصى عن انتصارات استطاعت القضاء على الطاقات المادية، ولكنها لم تستطع القضاء على الطاقات المعنوية، فكانت انتصارات ناقصة استمرت مدة من الزمن - ثم أصبح المهزوم منتصرا وأصبح المنتصر مهزوما.
فكيف يصاول القرآن الكريم الحرب النفسية، ليصون معنويات المسلمين من الانهيار؟ كيف يحافظ القرآن الكريم على المعنويات العالية للمسلمين في أيام الحرب والسلام على حد سواء.
ولعل من أهم أهداف الحرب النفسية هي: التخويف من الموت والفقر ومن القوة الضاربة للمنتصر ومحاولة جعل النصر حاسما، والدعوة إلى الاستسلام وبث الإشاعات والأراجيف، وإشاعة الاستعمار الفكري بالغزو الحضاري، وإشاعة اليأس والقنوط.
المؤمن حقا لا يخشى الموت، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ (٥).
إن المؤمن حقا، يعتقد اعتقادا راسخا؛ بأن الآجال بيد الله ، وما أصدق قولة خالد بن الوليد ﵁: " ما في جسمي شبر إلا وفيه طعنة رمح أو سيف، وها أنا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء".
стр. 2348
والمؤمن حقا لا يخاف الفقر لأنه يعتقد اعتقادا راسخا بأن الأرزاق بيد الله ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٢) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٤).
والمؤمن حقا لا يخشى قوات العدو الضاربة، فما انتصر المسلمون في أيام الرسول القائد -عليه أفضل الصلاة والسلام- وفي أيام الفتح الإسلامي العظيم بعدة أو عدد، بل كان انتصارهم انتصار عقيدة لا مراء. . قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٧) ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (٨).
والمؤمن حقا لا يقر بانتصار أحد عليه ما دام في حماية عقيدته، لذلك فهو موقن بأن الانتصار في معركة قد يدوم ساعة، ولكنه لا يدوم إلى قيام الساعة، قال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٩).
والمؤمن حقا لا يستسلم بعد هزيمته، لأنه يعلم بأن بعد العسر يسرا، وأن العزة لله ولرسوله والمؤمنين، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٠)، وقال تعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١١).
والمؤمن حقا لا يصدق الإشاعات والأراجيف، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١٢)
стр. 2349
وقال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (٢).
والمؤمن حقا يقاوم الاستعمار الفكري ويصاول الغزو الحضاري، لأن له من مقومات دينه وتراث حضارته ما يصونه من تيارات المبادئ الوافدة التي تذيب شخصيته وتمحو آثاره من الوجود.
والمؤمن حقا لا يقنط ولا ييأس من نصر الله ورحمته، قال تعالى: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ (٦).
стр. 2350
حرب عادلة
فإذا تذكرنا أن الجهاد في الإسلام، يهدف إلى حماية حرية نشر الدعوة الإسلامية، وإلى نشر السلام، وإلى الدفاع عن دار السلام.
وإذا تذكرنا أن تعاليم القتال في القرآن الكريم، تنص على الوفاء بالعهود، واحترام المواثيق، والترفع عن الظلم والعدوان، وإقرار السلام.
إذا علمنا أهداف القتال في الإسلام وتعاليمه، علمنا بأن المسلم يؤمن إيمانا عميقا بأنه يخوض (حربا عادلة) وهذه الحرب حافز جديد تجعل من المؤمن مقاتلا رهيبا كما يعبر عنه العسكريون المحدثون.
стр. 2351
تلك هي تعاليم القرآن الكريم التي تجعل من المؤمن الحق، مطيعا لا يعصي، صابرا لا يتخاذل شجاعا لا يجبن، مقداما لا يتردد، مقبلا لا يفر، ثابتا لا يتزعزع، مجاهدا لا يتخلف، مؤمنا بمثل عليا مضحيا من أجلها بالمال والروح، يخوض حربا عادلة لإحقاق الحق وإزهاق الباطل.
لا يخاف الموت، ولا يخشى الفقر، ولا يهاب قوة في الأرض، يسالم ولا يستسلم، ولا تضعف عزيمته الأراجيف والإشاعات، لا يستكين للاستعمار الفكري، ويقاوم الغزو الحضاري، ولا يقنط أبدا ولا ييأس من رحمة الله.
هذا المسلم الحق، يقظ أشد ما تكون اليقظة، حذر أعظم ما يكون الحذر، يتأهب لعدوه ويعد العدة للقائه، ولا يستهين به في السلم أو الحرب.
وهذا ما يفسر لنا سر الفتح الإسلامي العظيم الذي امتد خلال ثمانين عاما من الصين شرقا إلى فرنسا غربا ومن سيبيريا شمالا إلى المحيط الهندي جنوبا. ذلك لأن شعار المسلمين كان: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ (١) النصر أو الشهادة.
وذلك لأن المسلمين كانوا يحرصون على الموت حرص غيرهم على الحياة.
ذلك فيض من فيض ما جاء في القرآن الكريم عن: العسكرية الإسلامية وهناك بحوث فذة في القرآن الكريم في: التولي يوم الزحف، السلام في الإسلام، عقاب المتخلفين في الإسلام، الشهيد في الإسلام، وغيرها من البحوث، لعل الله يعينني على استيفائها بكتاب خاص.
تلك هي عظة القرآن الكريم حتى في المجالات العسكرية، ولكن يا ليت قومي يعلمون.
стр. 2352
علي عبد الله الدفاع (١)
مبتكر علم الجبر
محمد بن موسى الخوارزمي
عاش محمد بن موسى الخوارزمي في بغداد فيما بين سنة ١٦٤ وسنة ٢٣٥ هجرية (الموافق ٧٨٠ - ٨٥٠ ميلادية) وتوفي هناك، وقد برز في زمن خلافة المأمون، ولمع في علم الرياضيات والفلك حتى عينه المأمون رئيسا لبيت الحكمة.
طور الخوارزمي علم الجبر كعلم مستقل عن الحساب ولذا ينسب إليه هذا العلم في جميع أنحاء المعمورة. والجدير بالذكر أن الجزيرة العربية كانت مركز النشاط العلمي بين القرنين الثاني والسابع الهجريين (الثامن إلى الثالث عشر الميلادي) ولقد كان لبلاط الخليفة المأمون في بغداد تأثير كبير على النشاطات العلمية في العالم. إذ ابتكر الخوارزمي في بيت الحكمة الفكر الرياضي بإيجاد نظام لتحليل كل معادلات الدرجة الأولى والثانية ذات المجهول الواحد بطرق جبرية وهندسية.
стр. 2353
ولذا ميز الأستاذ جورج سارتون النصف الأول من القرن التاسع بعصر الخوارزمي في كتابه مقدمة من تاريخ العلوم " لأن الخوارزمي كان أعظم رياضي في ذلك العصر كما يقول سارتون ويستطرد سارتون " وإذا أخذنا جميع الحالات بعين الاعتبار فإن الخوارزمي أحد أعظم الرياضيين في كل العصور ". وأكد الدكتور أي وايدمان أن أعمال الخوارزمي تتميز بالأصالة والأهمية العظمى وفيها تظهر عبقريته. وقال الدكتور ديفيد بوجين سمث ولويس شارلز كاربينسكي في كتابهما الأعداد الهندية والعربية" بأن الخوارزمي هو الأستاذ الكبير في عصر بغداد الذهبي إذ إنه أحد الكتاب المسلمين الأوائل الذين جمعوا الرياضيات الكلاسيكية من الشرق والغرب، محتفظين بها حتى استفادت منها أوروبا المتيقظة آنذاك. إن لهذا الرجل معرفة كبيرة ويدين له العالم بمعرفتنا الحالية لعلمي الجبر والحساب ".
في بداية الأمر ابتكر الخوارزمي علم حساب " اللوغاريتمات" وعمل لها جداول تعرف باسمه محولا عند الغربيين إلى " اللوغاريتمات" وقد حدثت تغييرات عديدة في اسمه عند الغربيين بعد وفاته حيث ترجم اسمه " الخوارزمي " إلى اللاتينية كـ ( alchwarizmi) و ( al-karismi) و ( algoritmi) و ( algorismi) و ( algorism) و ( algorism) وفي عام ١٨٥٧ ميلادية عثر على كتاب بعنوان ( algoritmi de numero indorum) في مكتبة جامعة كمبردج البريطانية، فأجمع علماء الرياضيات في العالم بأن هذا الكتاب هو كتاب الخوارزمي في علم الحساب وقد ترجم إلى اللغة اللاتينية في القرن الثاني عشر الميلادي. وقد علق المؤلف" محمد خان في كتابه نظرة مختصرة لمآثر المسلمين في العلوم والثقافة" أن الخوارزمي يقف في الصف الأول من صفوف الرياضيين في جميع العصور، وكانت مؤلفاته هي المصدر الرئيسي للمعرفة الرياضية لعدة قرون في الشرق والغرب ".
ولقد عرف عمل الخوارزمي عند أوروبا عندما ابتكر علم حساب اللوغاريتمات ( algorism) . كما كان عمله في علم الجبر لم يعط اسما لهذا الفرع الهام من فروع الرياضيات لأوروبا وإنما أضاف إليه الحلول التحليلية والهندسية للمعادلات - ذات الدرجة الأولى والثانية.
إن الرياضيات التي ورثها المسلمون عن اليونان تجعل حساب التقسيم الشرعي للممتلكات بين الأبناء معقدة للغاية، إن لم يكن مستحيلا، وهذا قاد الخوارزمي للبحث عن طرق أدق وأشمل وأكثر قابلية للتكيف فابتدع علم الجبر، وقد وجد الخوارزمي متسعا من الوقت لكتابة علم الجبر الذي جعله مشهورا حينما كان منهمكا في الأعمال الفلكية في بغداد. ويختص كتابه " الجبر والمقابلة" في إيجاد حلول لمسائل عملية واجهها المسلمون في حياتهم اليومية. وقد ذكرنا في كتابنا " إسهام علماء المسلمين في علم الرياضيات" أن الجبر يقصد بها إضافة حثدود موجبة تساوي في كميتها الحدود السالبة إلى طرفي المعادلة. أما المقابلة فتعني جمع الحدود المتشابهة. ولإيضاح
стр. 2354
معنى الجبر والمقابلة يجب أن نتأمل المثال التالي:
س٢+٥س+٤= ٤ - ٢س+٥س٣
الجبر (أي النقل) تصبح المعادلة س٢+٧س+٤=٤+٥س٣
المقابلة (الحذف والاختزال) تصبح المعادلة س٢+٧س=٥س٣.
كان الأوروبيون يستعملون مصطلحا آخر للجبر مثل "كوسيكا" ( cossica) أو مصطلح " قاعدة الشيء" ( rules of the cosa) وفي بعض مؤلفات إنجليزية قديمة استخدموا المصطلح ( cossic art) وقد أدخل هذا المصطلح العالم الرياضي المشهور " اكسلاندر " ( xylander) في القرن الخامس عشر الميلادي وهذا المصطلح يعني شيئا في اللغة الإيطالية. ويقول الدكتور ديفيد يوجين سمث في كتابه تاريخ الرياضيات المجلد الثاني " أن الجبر عرف في اللغة الإنجليزية في القرن السادس عشر الميلادي بالجبر والمقابلة، ولكن هذا الاسم اختصر في النهاية من مخطوطة محمد بن موسى الخوارزمي الذي نال الشهرة العظيمة عام ٨٢٥ ميلادية، وذلك في بيت الحكمة في بغداد حيث ألف هناك كتابه القيم " الجبر والمقابلة" وفيه حل الكثير من المعادلات ذات الدرجة الأولى والثانية من ذات المجهول الواحد. ولقد ترجم من اللغة العربية إلى اللاتينية بواسطة العالم الرياضي الأوروبي جرارد قرمونة ( Gerard of cremona) بكلمة الجبر. ولقد ضاع الأصل المكتوب باللغة العربية لكتاب الخوارزمي " الجبر والمقابلة" ولكن جيرارد قرمونة ( grard of cremona) قد ترجم النص الأصلي من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية في القرن الثاني عشر الميلادي وعرفت بالاسم اللاتيني ( lulus algebrae et almucqrbalae que) عند أوروبا ثم اختصر العنوان أخيرا إلى كلمة ( algebra) . وهو الاسم المعترف به في جميع لغات العالم في المعمورة". وظل كتاب الخوارزمي في الجبر معروفا في أوروبا باللغة اللاتينية إلى أن سخر الله ﵎ الباحثين الغربيين إلى العثور على أحد نصوص الكتاب باللغة العربية في مخطوطة محفوظة في أكسفورد (مكتبة بودلين)، وصدرت نشرة عربية بالحروف المطبعية عام ١٨٣١ ميلادية.
واعترف المؤلف المعروف رام لاندو في كتابه مآثر العرب في الحضارة " بأن الخوارزمي ابتكر علم الجبر ونقل العدد من صفة البدائية الحسابية لكمية محدودة إلى عنصر ذي علاقة وحدود " لا نهاية لها" من الاحتمالات. ويمكننا القول بأن الخطوة من الحساب إلى الجبر هي في جوهرها الخطوة من الكينونة إلى الملائمة أو من العالم الإغريقي الساكن إلى العالم الإسلامي المتحرك الأبدي الرباني ".
стр. 2355
والذي دفع عالمنا المسلم الخوارزمي إلى تأليف كتابه " الجبر والمقابلة " هو سد الاحتياجات العملية للناس التي تتعلق بالميراث وتقسيم الممتلكات والتجارة. ولقد درس علم الفرائض وهو علم الحصص الشرعية للورثاء الطبعيين. كما ذكر المؤلف فاندز في كتابه مصدر جبر الخوارزمي " أن جبر الخوارزمي يعتبر القاعدة وحجر الأساس لكل العلوم. ومن ناحية أخرى فإن الخوارزمي أحق من ديوفانتوس بأن يلقب بأبي الجبر لأن الخوارزمي هو أول من درس الجبر في صورة بدائية، أما ديوفانتوس فكان مهتما بصورة رئيسية بنظرية الأعداد ". وقد بين الخوارزمي في مقدمة كتابه " الجبر والمقابلة" أن الخليفة المأمون هو الذي طلب منه أن يؤلف كتاب الجبر والمقابلة كي يسهل الانتفاع به في كل ما يحتاج إليه الناس". وهنا نورد نص مقدمة كتاب الجبر والمقابلة" وقد شجعنا ما فضل الله به الإمام" المأمون " أمير المؤمنين مع الخلافة التي حاز له إرثها وأكرمه بلباسها وحلاه بزينتها، من الرغبة في الأدب وتقريب أهله وإدنائهم وبسط كنفه لهم، ومعونته إياهم على إيضاح ما كان مشتبها وتسهيل ما كان مستوعرا، على أني ألفت من كتاب الجبر والمقابلة كتابا مختصرا، حاصرا للطيف الحساب وجليله، لما يلزم الناس من الحاجة إليه في مواريثهم ووصاياهم، وفي مقاسماتهم وأحكامهم وتجاراتهم، وفي جميع ما يتعاملون به بينهم من مساحة الأراضي وكري الأنهار والهندسة، وغير ذلك من وجوهه وفنونه، مقدما لحسن النية فيه، راجيا لأن ينزله أهل الأدب بفضل ما استودعوا من نعم الله ﵎ وجليل آلائه وجميل بلائه عندهم منزلته، وبالله توفيقي في هذا وغيره، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ".
стр. 2356
الجذور عند الخوارزمي
إن مصطلح جذر في الجبر يعود أصله إلى اللغة العربية. وقد احتوت الترجمات اللاتينية على كلمة ( radix) وهي تعني أساسا كمصطلح عام، بينما ما ورث عن الحضارة الرومانية كلمة ( latus) ، فكلمة ( radix) تعود إلى جذر في اللغة العربية بينما تعود ( latus) إلى ضلع مربع هندسي. وقسم الخوارزمي الكميات الجبرية إلى ثلاثة أنواع: جذر ويقصد بذلك الجذور عند الخوارزمي ولقد وضح جليا الدكتور أرك بل في كتابه الرياضيات وتطوراتها " أن الخوارزمي اعتبر الجذر للمجهول (س في الجبر الحديث). ومال لمربع المجهول (أي س٢)، والعدد المفرد وهو الخالي من المجهول، والكعب لمضروب المال× الجذر (أس س٣) ويتفرع من ذلك " مال المال" (أي س٤)، ومال الكعب (أي س٥)، وكعب الكعب (أي س٦)، ويتفرع من الخوارزمي كلمة جذر لتعني الحد ذا الدرجة الأولى من المعادلة ذات الدرجة الثانية ".
стр. 2357
من مخطوطة كتاب الجبر والمقابلة لمحمد بن موسى الخوارزمي في مكتبة بودلين - أكسفورد بريطانيا.
стр. 2358
المعادلات ذا الدرجة الأولى والثانية
стр. 2359
البرهان
стр. 2360
الشكل الهندسي لحل محمد بن موسى الخوارزمي لمعادلات الدرجة الثانية ذات المجهول الواحد مثل س٢+٢١=١٠س وذلك من المخطوطة التي عثر عليها عام ١٨٣١ ميلادية في أكسفورد (مكتبة بودلين) بإنجلترا.
стр. 2361
طريقة التقريب لجذر المعادلة
стр. 2362
ويجدر بنا هنا أن نذكر أن أول من طور المحدودة التي ابتكرها الخوارزمي هو العالم الياباني سيكي كاو ( seki kowa) الذي عاش فيما بين (١٦٤٢ - ١٧٠٨ ميلادية) وكان قد اشتهر بأستاذيته في علم الرياضيات، وأقام ملك اليابان حفلا كبيرا عام ١٩٠٧ ميلادية على شرفه وزاد عليه العالم الألماني قوتفريد ويلهم ليبتز ( gottfred wihelm Leibniz) الذي عاش بين (١٦٤٦ - ١٧١٦ ميلادية) والذي أنتج في التفاضل والتكامل، وعلم المنطق، ونظرية ذات الحدين وغيرها وطور عام ١٦٩٣ ميلادية نظريات المحدودة ( determinant) ، والكثير من علماء الرياضيات يسمونه خطأ مبتكر المحدودة رغم أن الخوارزمي هو الذي أوحى بها والعالم الياباني سيكي كاوهو الذي طورها إلى ما هي عليه الآن وذلك عام ١٦٨٣ ميلادية.
стр. 2363
وعرفها بأنها عبارة عن جملة كميات مرتبة في صفوف وأعمدة بحيث يكون عدد الصفوف مساويا عدد الأعمدة وتحصر هذه الصفوف والأعمدة بين خطين رأسيين. أما العالم الفرنسي أوغستين لويس كوشي ( augustin- louis) الذي عاش بين (١٧٨٩ - ١٨٥٧ ميلادية) فقد عمم المحدودة وطبقها على الحياة العلمية، وتظهر شهرته في نظريات التحليل المركب ونظريات الاحتمال، والمتسلسلة المتقاربة والمتسلسلة المتباعدة والرياضيات التطبيقية بوجه عام.
стр. 2364
الطريقة البيانية لإيجاد جذر المعادلة كان الخوارزمي يستعمل بنجاح الطريقة البيانية لإيجاد الجذر الحقيقي لصورة تقريبية، كما استعملها وطورها من جاء بعده من زملائه علماء المسلمين في الرياضيات. أكد الدكتور هورد ايفز في كتابه تاريخ الرياضيات بأن الخوارزمي قد اشتهر بابتكاره واستعماله لطريقة الخطأ بين موضعين والتي تعرف باللغة اللاتينية عبر التاريخ باسم ( regula durum falsorum) كما هي مشهورة في كتب التحليل العددي باسم ( regular falsi) أو باسم ( false positions) وتتلخص الطريقة البيانية بالآتي:
стр. 2365
إيجاد المساحة عرف الخوارزمي الوحدة المستعملة في المساحات، كما تطرق إلى إيجاد مساحات بعض السطوح المستقيمة الأضلاع والأقسام والدائرة والقطعة، والهرم الثلاثي والرباعي، والمخروط والكرة كما استعمل النسبة التقريبية وقيمتها ط = ٢٢/ ٧ أو ١٠ أو ٦٢٨٣٢/ ٢٠٠٠٠، وأثارت أبحاث هيرون في علم الرياضيات انتباه الخوارزمي حيث إنها تمثل الاتجاه الحديث في الرياضيات اليونانية. فاهتم عالمنا المسلم بمسألة هيرون المشهورة وهي: اعتبر مثلث متساوي الساقين قاعدته ١٢ وارتفاعه ٨ المطلوب رسم مربع داخل المثلث وإيجاد طول ضلعه.
стр. 2366
ومن دراسة الخوارزمي لطريقة هيرون لإيجاد مساحة المثلث المتساوى الساقين، توصل إلي طريقة جديدة لإيجاد مساحة أي مثلث إذا عرفت طول أضلاعه الثلاثة. فعلى سبيل المثال: افرض أن هناك مثلثا طول أضلاعه (١٣، ١٤، ١٥) كما في الشكل المطلوب إيجاد مساحته.
стр. 2367
مؤلفاته
اهتم الخوارزمي في بداية الأمر بالاكتشافات في علم الرياضيات والفلك، ثم بعدها بدأ التأليف فصنضف كتبا كثيرة ويجدر بنا أن نورد لائحة منها على سبيل المثال لا الحصر: -
١ - كتاب في الحساب بسط فيه معارفه مبسطة جدا واستخدم فيه الأرقام العربية والنظام العشري، فساعد بذلك على تعرف الناس بها. وقد ترجم أديلارد باث هذا الكتاب إلى اللغة اللاتينية. وبقي حقبة من الزمن مرجع العلماء، والجدير بالذكر أن فن الحساب بقي حتى الآن يدعى في البلاد الأوروبية الغوريثمي ( algorithmy) وهم اسم الخوارزمي عند نقله إلى اللغات الأوروبية المختلفة.
٢ - كتاب في الجغرافيا شرح فيه آراء بطليموس.
٣ - كتاب جمع فيه بين الحساب والهندسة والموسيقى والفلك، ويقول البروفيسور جورج سارتون في كتابه المدخل إلى تاريخ العلوم أن هذا الكتاب " يشتمل على خلاصة دراساته لا على ابتكاراته العظيمة".
٤ - كتاب جداول للنجوم وحركاتها من مجلدين.
٥ - كتاب شرح فيه طريقة معرفة الوقت بواسطة الشمس.
٦ - كتاب العمل بالإصطرلاب.
٧ - كتاب صنع بالإصطرلاب.
٨ - كتاب وضح فيه طريقة الجمع والطرح.
٩ - كتاب الجبر والمقابلة وكان مصدرا أساسيا اعتمد عليه العلماء في مشارق الأرض ومغاربها. في المجالات الرياضية. معظم ما ألفه من خلفه في علم الجبر كان مستندا عليه، وقد نقله من اللغة العربية إلى اللاتينية روبرت أوف شستر ( Robert of chester) فاستنارت به علماء أوروبا.
١٠ - كتاب صورة الأرض وجغرافيتها.
١١ - كتاب تاريخ.
١٢ - كتاب صورة الأرض في المدن، والجبال، والجزر، والأنهار.
١٣ - كتاب المعرفة - يبحث في علم النجوم.
١٤ - نقل وعلق على المجسطى لبطليموس إلى اللغة العربية.
١٥ - كتاب الوصايا.
١٦ - كتاب زيج الخوارزمي الأول.
١٧ - كتاب زيج الخوارزمي الثاني وهو جداول فلكية سماه (السند هند) جمع فيه بين مذهب الهند والفرس.
١٨ - رسالة عن النسبة التقريبية وقيمتها الرياضية.
١٩ - رسالة وضح فيها معنى الوحدة المستعملة في المساحات والحجوم.
٢٠ - رسالة ذكر فيها برهانا آخر لنظرية فيثاغورث مستخدما مثلثا قائم الزاوية ومتساوي الساقين.
стр. 2368
٢١ - رسالة مفصلة وضح فيها قوانين لجمع المقادير الجبرية وطرحها وضربها وقسمها.
٢٢ - رسالة شرح فيها طريقة إجراء العمليات الحسابية الأربع على الكميات الصم.
٢٣ - كتاب الرخامة (الرخامة قطعة من الرخام مخططة تساعد على معرفة الوقت عن طريق الشمس).
٢٤ - كتاب رسم الربع المعمور.
٢٥ - كتاب الجمع والتفريق.
٢٦ - كتاب هيئة الأرض.
٢٧ - كتاب المعاملات ويتضمن المعاملات التي يقوم بها الناس من بيع وشراء.
كان الخوارزمي يعرف أن هناك حالات يستحيل فيها إيجاد قيمة للمجهول (الكميات التخيلية) وسماها الحالة المستحيلة، وبقيت معروفة بهذا الاسم بين علماء الرياضيات حتى بدأ العالم السويسري المعروف ليونارد أويلر ( leonhard euler) الذي عاش بين ١٧٠٧ - ١٧٨٣ ميلادية. وعرف أويلر الكميات التخيلية بأنها الكمية التي إذا ضربت بنفسها كان الناتج مقدارا سالبا وأعطى كثيرا من الأمثلة على هذا. ثم ركز العالم الألماني المعروف كارل قاوس الذي عاش بين (١٧٧٧ - ١٨٥٥ ميلادية) على دراسة الكميات التخيلية وخواصها، وبرهن في عام ١٧٩٩م على أن كل معادلة جبرية لها جذر على هيئة أ + ب ت. واعتبر العالم الفرنسي جان روبرت أرجان ( jean Robert argand) الذي عاش فيما بين (١٧٦٨ - ١٨٢٢ ميلادية)، أن الجذر التربيعي -أ = ت واستعملها في جميع أمثلته، وذلك عام ١٨٠٦. وابتكر العالم الألماني كومر ( e. e kummer) الذي عاش بين ١٨١٠ - ١٨٩٣ ميلادية الكثير من نظريات الأعداد المركبة. ولا يخفى على القارئ المختص أن نظريات التحليل المركب لا تزال قابلة للتطور.
ولم يكتشف الخوارزمي علم الجبر ونظرية الخطأين فحسب (وهما أداة أساسية في التحليل العلمي الرياضي) وإنما وضع كذلك أسس البحث التجريبي الحديث باستخدام النماذج الرياضية.
وقد لعبت أعمال الخوارزمي في علم الرياضيات في الماضي والحاضر دورا مهما في تقدم الرياضيات، لأنها إحدى المصادر الرئيسية التي انتقل خلالها الجبر والأعداد العربية إلى أوروبا ويجدر بنا أن نفخر نحن المسلمين بأن علم الجبر من أعظم ما اخترعه العقل البشري من علوم لما فيه من دقة وأحكام قياسية عامة، ولا يكفي العرب والمسلمين فخرا بأن أحدهم هو أبو جعفر محمد بن موسى الخوارزمي هو الذي وضع قواعده الأساسية وأصوله الابتدائية كما نعرفها اليوم. بل يجب أن يتبعوا منواله في الجد والكد والبحث والعمل على اكتشاف القوانين الكونية التي خلقها الله حتى يقوى إيماننا على علم وبصيرة.
стр. 2369
تداعت الأمم على شعب الإسلام في كل أرضه
بين تمزيق وإبادة وطعن في القلب فسوف يأتي الله بقوم يحبهم. . ويحبونه.
يرفعون كل الأعلام التي نكست يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
стр. 2370
اختلاف ربا الدين في الإسلام
عن
ربا اليهود
حسين توفيق رضا
اختلاف ربا الدين في الإسلام
عن
ربا اليهود
بعث الله تعالى ﷺ خاتما للمرسلين، ونزل عليه القرآن مصدقا لما أنزل من قبل في التوراة والإنجيل ومهيمنا عليه، وعهد بقوله جل ثناؤه ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) إلى رسوله ﵊، أن يفصل ما أجمله القرآن من الأحكام التي أكمل بها الإسلام، واستقر بوحيها التطور في الشرائع، الذي اقتضته حال الإنسانية في مختلف عصورها حتى بلغت الغاية من رشدها، وأكد أصل الدين الواحد من التوحيد ومكارم الأخلاق ومصالح الناس، مما لا تغاير فيه بين العقائد (٢).
وإذا كان الانتفاع بالأموال من ضرورات الحياة في المجتمع البشري، وتفاوت الناس فيما يملكون من المال وفيما يحسنون من إصلاح شأنه حقيقتين تطبقان على الأمم كافة، فثم أوساط يجدون ما ينفقون وما يستثمرون، وآخرون
стр. 2371
أغنياء منهم من لا يستطيعون تثمير ما يملكون، وبجانبهم كثيرون يعوزهم ما ينفقون أو يستثمرون، وإذا جعل الله تعالى لكل أمة شرعة ومنهاجا، فقد بينت التوراة من أحكام المال وتداوله ما يناسب حال بني إسرائيل من الهدى عند إنزالها، ونهت عن أخذ الربا من اليهودي. أما المقترض الأجنبي فثم نص على أخذ الربا منه، ثم جاء القرآن فبين أن اليهود خالفوا عن تحريم الربا، وأنهم انتحلوا كذبا أحكاما نسبوها إلى كتابهم يستبيحون بها أن يبخسوا غيرهم من الأميين أماناتهم، ثم فصل الإسلام شريعته الخالدة في المال، وأكملها وأظهر منها ما لم يبلغه علم اليهود أو غيرهم من كتابهم، فوردت نصوص الإسلام صريحة قطعية تحرم على الدائن أخذ الربا وعلى المدين إيتاءه، ولكنه قصر هذا التحريم على القروض ونحوها، وأخرج منه البيوع الآجلة فلا يعتبر فرق الثمن فيها من ربا الدين، وإنما أطلقت السنة اسم الربا على ما حظرته من بعض أنواع البيوع الخاصة، التي تخلو من خصائص الربا المعهود في القروض، مما يجعل للربا في شأنها معنى الحرمة والمخالفة عن حدود الشريعة في تنظيم التجارة، ويذر الربا لفظا مشتركا في الفقه يطلق على أنواع من المحظورات المختلفة، لكل نوع مصطلحه الخاص وأحكامه المتميزة، التي يجب التحرز من خلطها بغيرها، لتتبين حقيقة التنظيم الإسلامي لما يقابل أبواب الربا من الجوانب الاقتصادية.
стр. 2372
٢ - مزاعم المستشرقين
ولكن نجد الباحثين من أهل الكتاب الذين يضيقون بالإسلام، ينكر بعضهم وجود نظام اقتصادي فيه ولا يرون في تعاليمه إلا وصايا خلقية بالتعاطف والمواساة بين المسلمين (١)، ويجحد هؤلاء قيام دولة الإسلام باقتصادها المكين قرونا كثيرة ولا يحيطون بشيء من نظم هذا الاقتصاد في تميزها وعلوها في شأن الربا وغيره.
ويعرض بعضهم ما شرع الإسلام من أحكام الربا، ولكنهم لا يدركون الفرق بينها وبين ما يعرفون من رباهم، فتجد في بعض معاجمهم (٢) أن الربا في الشريعة الإسلامية هو زيادة في كيل أو وزن أحد العوضين المتماثلين في عقد مبادلة تكون الزيادة مشروطة فيه بغير مقابل، ويصدق هذا التعريف على نوع واحد من ربا البيوع، هو ربا الفضل، الذي يحرم زيادة المقدار في بعض عقود الصرف والمقايضة، ويضيق هذا التعريف عن ربا النسيئة الذي يحرم التأجيل في عقود الصرف والمقايضة بصفة عامة، ومع أن هذا التعريف لا ينطبق أيضا على ربا القروض، الذي يحرم
стр. 2373
زيادة الدين مقابل تأجيله، إلا أن صاحب المعجم ذهب إلى أن معنى الربا الذي أثبته للشريعة، هو المعنى ذاته للربا من قرض النقود الذي حرمته التوراة.
وتفرقت بهم سبل الظن من بعد ذلك اللبس.
فذهب فريق إلى أن تحريم الربا في الإسلام ما جاء إلا على التدريج، وأن آيات التحريم المدنية، ومنها آيات سورة البقرة التي قيل: إنها آخر ما نزل من آيات القرآن وأن الرسول ﷺ قبض من قبل أن يبين أحكامها، تدل هذه الآيات على قلة تأثرها بما كانت عليه حال الربا في مكة قبل الهجرة، وأنها جاءت أكثر تأثرا بفقه اليهود المقيمين بالمدينة، بعد إذ توثقت إحاطة النبي ﷺ به، ويزعم هؤلاء أن التأثير اليهودي في التكملة الأخيرة لأحكام الربا يبدو غير منكور (١) ويريدون بكل أولئك أن يوهموا من يتولاهم بأن أحكام الإسلام ليست وحيا من عند الله الذي وسع كل شيء علما، وإنما اشترعها محمد ﷺ من تلقاء نفسه، فاستلهم بيئته بمكة شيئا يسيرا، ثم استوحى موفور علم اليهود بالربا، وهم يحاورونه بالمدينة، ويجاوز هؤلاء ما سجله الإسلام على اليهود من حرصهم على كتمان التوراة وكذب بعضهم عليها فيما تردوا فيه من خطيئات الزنى والربا وبخس الأميين أماناتهم، ويفترضون ما لم تشهد به الآثار، من أن النبي ﷺ عكف على دراسة شيء من فقه اليهود في الربا. وإنما يبهتهم أن يعلموا اختلاف ما جاء به الإسلام عما يعلمه أحبارهم، وسبقه في تكامل أحكامه في الربا لم تعرفه سائر الشرائع.
وكذلك قال قائل من الفرنسيين: إن تحريم الإسلام للربا إنما يبرره ما جبل عليه المستقرضون في الشرق من عدم التحوط، الذي جعل من نظام الربا أداة استغلال لهم وسبب إملاق (٢) ويصدر هذا القول بدوره عن إيهام بأن الإسلام لم يشرعه الله تعالى هدى للناس كافة، وإنما وضعه النبي ﵊ بقدر ما يصلح شؤون الشرق وحده الذي عاش فيه، ولو أحاط ذلك القائل بما جاء به الإسلام من أحكام هذا الربا على حقيقتها ومدى تطورها بالنسبة إلى ما عليه اليهود والنصارى في الربا وتبين كيف طفق عاهلان كبيران من مشترعي قومه يضعان القوانين التي تحظر الربا في بلادهم وتختص اليهود بتدابير مشددة تكفهم عن أخذه، وما سنت تلك التشريعات إلا من بعد أن شخص واضعاها بحميتهما إلى الشرق وقدر لهما المكث سنين بين المسلمين فيه وتاريخ ما ذاقه أهل الغرب ببلاد أوروبا، سواء في عصور وثنيتهم ومن بعد نصرانيتهم، شاهد على ما هو أفدح مما أصاب الشرق من بلايا الربا، ولا يزال مشترعوهم وأحبارهم يجهدون في مكافحة الربا، ولا يجدون في الناس ما يغمره قوله من التحوط، الذي يعوز الشرقيين عنده، ليخلص معه الربا من مساوئ الاستغلال والإملاق.
стр. 2374
وذهب آخر إلى أن تحريم الربا بكافة أشكاله هو من العقبات التي تعوق الإسلام عن الأخذ بمقتضيات العمران الحديث، وأهاب بالفقهاء المحدثين، أن يبذلوا الجهود الطائلة لابتكار التفريعات الدقيقة، التي تعينهم على إباحة الفائدة غير الربوية ونحوها من النظم الجديدة، أسوة بما صدر في زعمه من فتاوى، بأن ليس في التأمين على الحياة، وفي أرباح صناديق التوفير أو الادخار ما ينافي الشرع، وبأن الحكومة العثمانية كان مباحا لها أن تعقد قروضا في صورة سندات تدفع لحاملها أرباحا سنوية عنها.
ويتحرر المسلمون من إسار المبادئ المتشددة التي اقتضت المراكشيين أن ينكروا على سلطانهم أمره بتأسيس بنك يعطي فوائد مالية، باعتباره من كبائر ما حظره الإسلام (١) ويوهم هذا القول بأن المسلمين بحاجة إلى التطور الذي سلكه غيرهم إلى قصر الربا على ما فحش من الفائدة، وإباحة العادل منها ليمكث رأس المال في أسواق التمويل الاقتصادي (٢) ولكن ما شرعه الإسلام من أحكام الائتمان التجاري التي ما عرفها اليهود، تجعل للمسلمين أن يأخذوا بأحسنها فليس بهم. . إلخ أدنى حاجة إلى ما استباحه غيرهم من الربا، وأسفار التاريخ شاهدة بأن اقتصاد الأمم الإسلامية لم يأته التخلف من تطبيق تلك الأحكام، وإنما أصابه الوهن من تعامل المسلمين، دولا وأفرادا بربا الديون المحرم عليهم.
وجادل القوم في ربا " البيوع" (٣) مع أنه ليس كمثل أبوابه من شيء يعلمه اليهود، ويأتي بيان بطلان زعمهم هذا، في محله من دراسة تلك الأنواع من الربا.
стр. 2375
٣ - القول بوحدة الربا والاختلاف في أصله
وقد تصدى علماء المسلمين لتلك المزاعم وبينوا أوجه البهتان فيما ادعته من أخذ عن اليهود فيما جاء به محمد ﷺ من أبواب الربا، بيد أن جدال أصحابها لفت الباحثين عن التفكر في حقيقة ما جاء به الإسلام متميزا عما في صحف اليهود، ومتطورا عما بلغوه في تفسيرات أحبارهم وأعراف أسواقهم، ووجدوا أكثر مفسري القرآن لم يعرضوا لبيان الربا، الذي نهي عنه بنو إسرائيل في قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (١) ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٢) وإنما قالوا:
стр. 2376
إن الآية تدل على أن الربا كان محرما على اليهود كما هو محرم علينا، وأن النهي يدل على حرمة الربا المنهي عنه وإلا لما توعد بالعذاب على مخالفته.
ورأى بعض الفقهاء عبارات التوراة في النهي عن الربا تشبه في معانيها ومؤداها عبارات القرآن، وأن الحكمة في نهي اليهود عن الربا هي دفع الظلم والاستغلال عن المحتاج، وهي الحكمة عينها التي صرح بها القرآن في قوله تعالى لمن أربوا: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ (١) يعني لا تظلمون في أخذ الربا، فإن ما يقبضه المرابي من الربا هو بمثابة الأموال التي تصل إليه بالغصب والسلب، وتوبة المرابي سبيلها أن يرد الربا على من أربى عليه، فإن أيس من وجوده فليتصدق بذلك عنه وخلصوا من ذلك إلى أن الربا الذي حرم على اليهود، هو نفسه الذي حرم على المسلمين، والشرائع يصدق بعضها بعضا، إذ كل في الأصل من عند الله تعالى (٢).
وكان للقول بوحدة الربا في الإسلام آثاره في دراسة أصول أحكامه وتحديد نظريته لدى كل من رجال الفقه الإسلامي والقانون المدني جميعا، فقد جعل فريق ربا البيوع راجعا إلى ربا الدين، وجهدوا في إثبات خصائص ربا الدين في ربا الفضل وربا النسيئة معا، فترخصوا في تكييف الفضل في البيوع الربوية، وهو زيادة مقدار، ورأوه يشبه زيادة القيمة في ربا القروض، وحاولوا في جهد غير يسير أن يضعوا تعريفا موحدا يجمع جميع أنواع الربا، وأدى كل أولئك إلى الخلط في الأحكام وإلى المشقة في ردها إلى أصولها والوقوف على حكمة كل منها. ولم يستقم لفقهاء القانون أن يضعوا أنواع الربا موضعها الصحيح في إطار عرضها المقارن بالقوانين، فجاء ربا البيوع في كتابتهم حدا شرعيا مانعا للغبن، وأقاموا على ذلك أصلا عاما نسبوه إلى الشريعة، يوجب تعادل التزامات الطرفين في العقود، وإذا وجدوا عقد العرض ليس من البيوع التي يقتصر عليها الربا، قالوا: إن ربا القرض، وهو أصل الربا كما تعرفه الشرائع والقوانين، يدخل في ربا البيوع شرعا من باب القياس.
ولكن هذا المجال الذي تتغاير فيه فروع الشرائع، يقتضي أن نحذر الفتنة عن بعض ما جاء به الإسلام وأن نحيط بأحكامه كما فصلت في القرآن والسنة تفصيلا، وعندها يستبين ما فيها من الأحكام الذي يميز كل نوع من (الربوات) من غيره، ومن التطور الذي لم يقتصر على ما استحدث من الربا في البيوع مختلفا عن الغبن، بل أضاف إلى ربا الدين من الخصائص ما عدل من طبيعته وحكمته جميعا. ويشرق من كل أولئك نور الإعجاز الذي يشهد بصدق الرسول ﷺ فيما بلغ من تلك الأحكام الاقتصادية التي أوحاها اللطيف الخبير، ودقة حكمة بعض منها على أفهام المخاطبين من المسلمين حين شرعها وعلى كثير منهم ومن غيرهم حتى اليوم.
وتفرغ في هذا البحث لربا الدين، الذي مهر اليهود في أخذه وعرفته على غرارهم القوانين الوضعية، ونقارنه بما جاء في الإسلام في شأنه، حتى يتبين الفرق بين الربوين في الأحكام وأثر هذا الفرق في اختلاف الحكمة في حظرهما وأثرها في التنظيم الاقتصادي والبنيان الاجتماعي والسياسي.
стр. 2377
٤ - نصوص تحريم الربا عند اليهود
جاء ذكر الربا في مواضع متعددة من التوراة، فقصت في سفر الخروج، بالإصحاح ٢٢ في العدد ٢٥: إن أقرضت فضة لشعبي الفقير الذي عندك، فلا تكن له كالمرابي، لا تضعوا عليه ربا "
وفي سفر اللاويين، بالإصحاح ٢٥ في الأعداد ٣٥ حتى ٣٧: " وإذا افتقر أخوك وقصرت يده عندك فاعضده. . لا تأخذ منه ربا ولا مرابحة فضتك لا تعطه بالربا وطعامك لا تعطه بالمرابحة.
ثم جاء في سفر التثنية، بالإصحاح ٢٣ في العدد ١٩: " لا تقرض أخاك بربا، ربا فضة أو ربا طعام أو ربا شيء ما مما يقرض بربا ".
وينص العدد ٢٠ الذي يليه في نسخة التوراة التي يتداولها يهود اليوم، على أن: " للأجنبي تقرض بربا، ولكن لأخيك لا تقرض بربا، لكي يباركك الرب إلهك في كل ما تمتد إليه يدك في الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها "
وجاء على لسان نحميا، بالإصحاح" في العددين ١٠و١١: " وأنا أيضا وإخوتي وغلماني أقرضناهم فضة وقمحا فلنترك هذا الربا. ردوا لهم هذا اليوم حقولهم وكرومهم وزيتونهم والجزء من مائة الفضة والقمح والخمر والزيت الذي تأخذونه منهم ربا ".
ويعقب في العدد ١٣ بقوله: " ثم نفضت حجري وقلت هكذا ينفض الله كل إنسان لا يقيم هذا الكلام من بيته ومن عقبه. . ".
وبين سفر حزقيال بالإصحاح ١٨ سمات النفس التي تخطئ، فهي تموت بإثم الرجاسات والمعاصي، وذكر منها العددان ١٢ و١٣ من ظلم الفقير والمسكين واغتصب اغتصابا ولم يرد الرهن وقد رفع يمينه إلى الأصنام وفعل الرجس. وأعطى بالربا وأخذ المرابحة. . ".
وحفلت النصوص برعاية المدينين، ومنعت مضارتهم في الرهون المقبوضة منهم، وفرضت إبراء المعسر مما عليه من القرض كل سبع سنين، وكل ذلك عندهم ما لم يكن المدين أجنبيا (١).
ويذهب بعض المفسرين من أهل الكتاب إلى أن نصوص سفري الخروج واللاويين التي سلفت، إنما حرمت الربا الفاحش، وأن تحريم مطلق الفائدة لم يشرع إلا من بعد ذلك بما جاء في سفر التثنية (٢) وقيل إن
стр. 2378
صحف موسى حرمت على اليهود أخذ الربا من الفقراء ولو كانوا من الأجانب، ثم انحصر التحريم في إقراض اليهود، وإن كان المقترض موسرا (١).
وما كان اليهود يعملون بالتجارة حين أنزلت التوراة، فلم تشر نصوصها إلى الديون التجارية، ولم يبدأ عهد اليهود بنظام الائتمان التجاري، إلا بالذي وضعوه (وهم أسارى ببابل وطبق الأحبار الذين دونوا كتاب المشنا من سنة ٢٠٠ق م حتى سنة ٢٠٠م) تحريم أخذ الربا على الديون التجارية، وإن رخصوا في الوقت ذاته فيما يؤدي إلى التهرب من هذا التحريم، من طريق الحيلة القانونية، بأن يعتبر المقرض بالربا بمثابة شريك مستحق لأرباح المشروع التجاري الذي أمده برأس ماله (٢).
стр. 2379
٥ - خصائص الربا عند اليهود
ونستعرض أحكام الربا التي يقرها علماء اليهود في كتبهم، ونستخلص منها خصائص الربا عندهم كي يستبين أوجه الاختلاف أو الشبه بينه وبين الذي جاء به الإسلام.
وخصائص هذا الربا هي:
١ - الربا في القرض والبيع.
٢ - الربا مقابل الأجل.
٣ - الربا ظلم للمدين.
٤ - الحظر القضائي للربا مختلف فيه.
٥ - قصر التحريم على اليهودي دون الأجنبي.
الخاصية الأولى
الربا في القرض والبيع
ينطبق الربا على البيع الذي يدخله التأجيل، ولا يقتصر على القرض، فإذا كان الربا هو ما يؤديه المقترض زيادة على مقدار ما اقترض، وذلك هو التحديد الذي يجده اليهود في نص الكتاب، ويسمونه لذلك ربا الناموس، فإن الأحبار قد ألحقوا به كل ما يمنع التهرب من تحريمه، فحرموا أبوابا من الربا الاعتباري، وجعلوا منه زيادة ثمن بيع الشيء نسيئة على سعره بالأسواق حاضرا، فالأرض
стр. 2380
التي ثمنها الحال ١٠٠٠ دينار، لا يجوز بيعها بثمن مؤجل إلى سنة مقداره ١٢٠٠ دينار. ولكننا نجد نص التوراة ينهى عن أخذ المرابحة من الفقير بعد النهي عن أخذ الربا منه، مما يفرق بين ربح النسيئة في شأنه والربا، ويذر حظر المرابحة ناموسيا ومتميزا من الربا، وكذلك منعوا أن يبيع الشخص شيئا ليس عنده إلى أجل بدين مستحق عليه، ومن صور ذلك، أن يشتري يوعز من أخيه أشير كيل قمح بثمن مقداره ٢٥ دينارا مساو لسعر السوق ثم غلا السعر فصار ثمن القمح ٣٠ دينارا، ولما طلب يوعز قبض قمحه ليبيعه ويشتري بثمنه خمرا، قال له أخوه بعني القمح بـ ٣٠ دينارا، أبيعك بها خمرا إلى أجل بسعره الحاضر في السوق ولم يكن الخمر عنده وقتئذ، فإن شراء أشير القمح بأكثر مما باعه وقبل قبضه لا يعتبر من الربا عند الأحبار، ويلاحظ أن الرسول ﷺ نهى من اشترى طعاما عن أن يبيعه قبل قبضه وسمى الصحابة مثل هذا البيع ربا، ويكون بيع يوعز القمح لأخيه من قبل أن يقبضه منه بعد شرائه محظورا في الإسلام على خلاف ما عند اليهود. وإنما يجد الأحبار الربا في بيع أشير الخمر الذي ليس عنده، حيث تحمل خطر الزيادة في ثمن الخمر حين يشتريه مقابل حصوله على تأجيل الدين الذي استحق عليه. ويحرم بذلك بيع الأشياء المستقبلة من قبل أن يكون سعرها بالسوق قد تحدد. وكذلك اعتبروا من الربا شراء القمح قبل أن تظهر سنابله والعنب قبل أن تبدو عناقيده، خوفا من أن يكون البيع بثمن أقل من قيمته حين نضجه، فتكون ثم زيادة محتملة للمشتري (١) وطبقوا ذلك حينا على القرض ذاته، إذ رأوا لجوازه أن يكون غير مؤجل كمن يقترض كيل قمح حتى يجد مفتاح مخزنه أو يعود ابنه إلى البيت، ولا يجوز أن يقترضه ليرده في موسم درسه، لاحتمال أن يرتفع سعر القمح، فيفيد المقرض من زيادة تشابهت عليهم مع الربا، ولكن التلمود ألغى هذا الخطر والتزم حد الربا الناموسي، الذي يقصر التحريم في القرض على رد كمية أكبر مما اقترض المدين، وجعلت المشنا أجرة العمل كرأس مال المقرض، إذ حظرت مبادلة العمل في الحرث والعزق بين الجيران، إذا كان العمل اللاحق أشق من العمل السابق.
ولكنهم لم يجعلوا إجارة العقار كبيعه في شأن الربا، فأباحوا لمؤجره إذا أجل قبض الأجرة إلى آخر العام بدلا من استيفائها مشاهرة، أن يتقاضى من مستأجر العقار زيادة على مجموع ما كان يعجله من أجرة كل شهر.
ولا يزال لتلك الخاصية التي تجمع في تحريم الربا بين القرض والبيع تأثيرها في القوانين الأوروبية الغربية، كما أثرت في الكنائس المصلحة من قبل، ولا ينفك مشرعو تلك البلاد يرون بائعي النسيئة في مرابحتهم كالمقرضين في رباهم، ويسلكون الطائفتين جميعا في نصوص مكافحة الربا، ويفرضون ألا تجاوز الزيادة في الأثمان المؤجلة الحد الأقصى لما أجازته قوانينهم من الربا.
ويجادل المشتغلون ببيوع النسيئة في اعتبارهم كالمرابين، باستدلال اقتصادي يظاهر الفرق القانوني بين القرض والبيع، ويستند إلى ما يتحمله بائع النسيئة من نفقة وما يتعرض له مخاطر هلاك ضمانه من السلعة المبيعة، مما لا يتعرض لمثلها المقرض بالربا (٢)
стр. 2381
الخاصية الثانية
الربا مقابل الأجل
فاستحقاق الربا سببه تأجيل القرض أو الدين، فلا يكون الربا إلا في الديون المؤجلة، ويستوي أن يتفق على الزيادة ابتداء عند أخذ القرض أو عقد البيع المؤجل وأن تعرض عند المطالبة، فينظر المدين بارتضاء الزيادة إلى محل ميسرته كما يستوي أن تكون الزيادة محددة جملة واحدة، وأن يجري تقديرها بنسبة من رأس المال بإزاء طول الأجل، وتتضاعف الزيادة أضعافا مضاعفة كلما امتدت الآجال.
وقد عرف أحبار المشنا ما لتأجيل الدين من أثر ينقص من قيمته نقصا محددا، فقالوا فيمن شهدا زورا على دين مقداره ١٠٠٠ زوزيم، بأنه مؤجل لعشر سنين، وثبت تواطؤهما على الكذب، وأن الدين واجب الدفع خلال ثلاثين يوما، فإنه يحكم عليهما بأن يدفعا الزيادة في قيمة الدين الحاضرة على قيمته المؤجلة (١) ومثل هذه الزيادة المقابلة للتأجيل التي يجوز أخذها في الإتلاف تعادل الربا الذي لا يجوز أخذه في القرض، وهي التي استند الأحبار إلى احتمال وجودها في بيع الثمر قبل ظهوره للقول بتحريمه، وهذا البيع محرم في الإسلام، وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ قوله: " إن من الربا بيع الثمر وهي معصفة قبل أن تطيب" والربا في هذا القول يقصد به البيع المحرم من باب التوسع في إطلاق الربا، ولا يقصد به الربا الاصطلاحي في الفقه الإسلامي الذي يقتصر على ربا الدين وربوي الفضل والنسيئة في البيوع (٢) كما أن سبب تحريم هذا البيع يختلف عما عند اليهود، فالإسلام لا يحظر الزيادة في قيمة المبيع المؤجل في السلم على الثمن، وإنما يحرم هذا البيع بسبب الغرر، وينظر إلى الخطر الذي يحيط بوجود المبيع، ويمنع أن يضيع الثمن على المشتري إذا لم يوجد الثمر الذي ابتاعه.
الربا عند اليهود لا يسري في شيء من البيوع الحاضرة، ولا يعرف فقههم ما جاء به الإسلام في تنظيم هذه البيوع من محظورات يسميها فريق من مفسري المسلمين وفقهائهم ربا النقد يقابلونه بربا الديون الذي يسمونه ربا النسيئة لما فيه من التأجيل.
стр. 2382
الخاصية الثالثة الربا ظلم للمدين
الحكمة في تحريم أخذ الربا هي منع استنزاف مال المدين ظلما. وإذا كانت بعض أسفار التوراة تعبر عن الربا بلفظ الزيادة، ومن مادته ربيت أو تربيت، ومربيت في النصوص العبرية والكلدانية والآرامية، إلا أن أكثر ما يطلق على الربا اللفظية العبرية نشخ (بكسر النون والشين المعجمة وسكون الخاء المعجمة) وتعني في أصل مادتها اللغوية العض، وتومئ بذلك إلى أن المرابي يأكل لحم أخيه الذي يداينه بالربا كما ينهشه الثعبان، ويجعل حزقيال في الإصحاح ١٨ بأعداده ١٠ - ١٣ أخذ الربا والمرابحة من سمات سفاكي الدماء. فأخذ الربا أشبه عند اليهود بالقتل، ويقول قائلهم: إن من أراد أن يقتل عدوه بالتي لا تثبت عليه لدى القضاء، فليقرضه بالربا.
ويترتب على هذه الخاصة توجه حظر الربا إلى الدائن الذي يأخذه، حيث يعد المقترض مظلوما تغتصب منه الزيادة على أصل ما اقترض، ولذلك عرف الربا عند اليهود بأنه أخذ الزيادة على الدين غصبا وقهرا (١)، ونجد نصوص سفري الخروج واللاويين تصف المستقرض بأنه فقير، مما يدل على اضطراره. وإنما جاء المقترض مطلقا من الافتقار بعد ذلك في سفر التثنية. واستندوا إلى نصه على فعل الربا في صيغة تشمل الدائن والمدين، فقالوا: إن إثم الربا لا يقع على الدائن وحده، بل يلحق المدين أيضا، كما يأثم من قدم رهنا لضمان دين الربا وشهود عقده، واختلفوا في الكتاب، فقال فريق يأثم بكتابة الربا، وقيل: لا إثم عليه. ويردون تأثيم الضامن وشاهد الربا وكاتبه، إلى أنهم قد أعانوا على المعصية، وخالفوا الذي في سفر اللاويين في الإصحاح ١٩ بالعدد ١٤، من النهي عن وضع حجر عثرة أمام الأعمى (٢).
وفي هذا الاجتهاد ما يشبه حكم الإسلام الذي نصت السنة المطهرة فيه صراحة على لعن مؤكل الربا وشاهده وكاتبه، ولكن القول باعتبار المدين آثما يبدو غير متفق وما جرت به نصوص أسفارهم من استغلال الدائن حاجته وظلمه له.
ونلاحظ أن عسرة المقترضين التي كانت سائدة حين أنزلت التوراة على موسى ﵇ لازمت اليهود من بعده، وتدل الأسفار التالية لصحفه على أنهم يستقرضون للإنفاق في الزواج وحاجات الزراعة وأداء خراج الملك في سني القحط (٣).
وبقي اقتصادهم معتمدا على الزراعة.
وإذا كان الإنجيل قد أشار إلى مزاولة اليهود
стр. 2383
تجارة الصرف وإقراض الفضة بالربا عند مبعث المسيح عيسى ﵇ إليهم.
إلا أن التجارة في الربا لم تكن قد بلغت التطور الذي أصابته من زيادة الودائع لدى الصيارف، بعد أن اتخذوا شكل المصارف الحديثة ومن توسعهم في استغلال تلك الودائع فيما يقرضون بالربا، وصار الصيرفي حين يؤدي الربا إلى المودعين ليغريهم على إبقاء أموالهم بين يديه يختلف في سعته تماما عن إملاق المستقرض اليهودي في الأولين، بما لا يذر من وجه للقول بظلم يحيق بأصحاب المصارف من صغار المودعين، ولم تعد الحكمة في تحريم أخذ الربا هي مجرد ظلم المدين كما كانت من قبل أن تنسخ شرعة التوراة بشريعة القرآن.
стр. 2384
الخاصية الرابعة
الحظر القضائي للربا مختلف فيه
الربا محظور ديانة، ومختلف في حظره قضاء، ففي كتاب " شولحان عروخ " جاء الربا بين المحرمات الدينية والخلقية، ولم يعرض في باب الالتزامات القضائية، ويذهب بعض فقهائهم إلى أن ما أخذ من الربا لا يجوز طلب استرداده لدى المحاكم، ولو كان من ربا القرض الذي يحظره الناموس ذاته، واحتجوا بأن الجزاء الذي نص عليه الكتاب هو غضب الله تعالى الموجب للموت، فلا يجوز أن يلزم المرابي بالرد مدنيا، حتى لا يزاد جزاء على الذي اقتصر النص عليه. ولكن أكثرهم يفرقون بين ربا الناموس وربا الأحبار، ولا يجيزون المطالبة باسترداد ربا الأحبار، ويجيزونها إذا كان ما أخذه الدائن من ربا الناموس، فيكون للمدين أن يلجأ إلى المحكمة الربانية، فتحكم على المرابي بالرد، ولكن لا ينفذ الحكم باستيفاء الربا جبرا من أموال الدائن، وإنما يقتصر على إكراهه بدنيا حتى يقوم بنفسه بالرد. ويستثنون من ذلك اليتيم، فإنه إذا أخذ ربا الناموس وأنفقه، فإن لا يسترد منه، كما لا يطالب برد ربا الأحبار، بل هم أجازوا له أخذه. وكذلك إذا مات المقرض بعد أخذه الربا، فإن ورثته لا يلتزمون قضاء ولا ديانة برده (١). ويبقى من آثار حظر الربا في القضاء، أنه لا يجوز للدائن أن يطالب المدين بأداء ما حظره الناموس أو الأحبار من الربا، ويكون الربا الاعتباري مختلفا في أحكامه عن ربا الناموس، على خلاف ما تقتضيه حقيقة القياس من مساواة الفرع فيه بأصله.
стр. 2385
الخاصية الخامسة
قصر التحريم على اليهود دون الأجنبي
عصمة المدين من الربا ليست حقا لكل إنسان، بل هي رعاية لا يسبغها اليهود إلا على بني إسرائيل، أما الأجانب عنهم فلا حق لهم في قرض حسن لديهم مهما كانت حاجتهم، ولا يضع اليهود عنهم ربا، ولا يبرئون معدما منهم كما يبرئون المعسر من اليهود، ومع ما استيقنته أنفسهم من مضار الربا في الإضرار بالمدين، فقد تواصى أكثرهم بإقراض الأجنبي بالربا، ليحلوا به من البوار ما يعدل قتله، الذي لا يزالون يرونه واجبا عليهم، ويفسرون ما يقتضيه ذلك الشبه بين جريمة أخذ الربا وجناية القتل من تراث تورثها الجريمة في صدور من تجني عليهم، وتقتضي اليهود أن ينتهوا من ظلم غيرهم بالربا، فيتاح للمسلم أن تسود بينهم وبين أهل سائر الأديان، وقد صار اليهود منتشرين بينهم في دول لا تفرق بين اليهود وسائر رعاياها في شيء من الربا، ويكون لليهود من الاستقرار الاجتماعي والسياسي بما يقدمون من رعاية لنظم العصر ومواثيقه التي تكفل حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية على اختلاف ديانته.
وقد عرض النصارى في تفسيرهم نصوص التوراة، التي لم تنسخ شريعتها في حقهم، لما عليه اليهود من استباحة أخذ الربا من الأجنبي، وذهب أحد آباء الكنيسة الأولين إلى أن أخذ الربا ما كان جائزا إلا من الشعوب السبعة المغضوب عليها التي كان الناموس يأمر بإبادتها، فكانت إباحة أخذ الربا منها من باب الأولى، وانتهت هذه الإباحة مذ دالت تلك الشعوب البائدة وصارت حرمة الربا مطلقة، ولكن الرأي الراجح عندهم أن نصوص التوراة والتلمود حين تدرس في مجموعها بدقة ترد تلك التفرقة بين اليهودي والأجنبي، وتفرض على اليهود الامتناع عن أخذ الربا من الأجانب.
وترى الكنيسة في هذه التفرقة ما ينفي عن الربا عند اليهود وصف الجريمة في القانون الطبيعي بجوهره من العدالة.
وأشار بعض علماء المسلمين إلى ما نعاه القرآن على اليهود في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١) ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢) باعتباره ردا على استحلال اليهود أخذ الربا من الأجنبي (٣).
ويقوم الاستدلال بالنص القرآني في شأن الربا، وإن اختصت عبارته بأكل اليهود أصل أموال غيرهم، على أساس من طبيعة الربا اليهودي، باعتباره اغتصابا لمال المدين وسلبا له. وقيل في سبب وجود عبارة