قاعدة النقد الورقي
لا شك أن أي نقد قابل للتداول العام كوسيط للتبادل لا بد أن يكون له ما يسنده ويدعو إلى الثقة به كقوة شرائية لا حد لها، هذا السند إما أن يكون في ذات النقد نفسه كالذهب والفضة، إذ فيهما قيمتها المقاربة لما يقدران به، أو يكون ركيزة تدعم النقد وتوحي بالثقة به، ثم إن هذه الركيزة قد تكون شيئا ماديا محسوسا كالغطاء الكامل للأوراق من ذهب أو فضة أو عقار أو أوراق مالية من أسهم وسندات، وقد تكون التزاما سلطانيا باعتبارها وضمان قيمتها، وتكون بذلك أوراقا وثيقية، وقد تكون الركيزة المستند عليها النقد شيئا ماديا محسوسا والتزاما سلطانيا معا، فيغطي بعض النقد الورقي بقيمتها المادية عينا، ويلتزم السلطان في ذمته بقيمة باقية دون أن يكون لهذا الباقي غطاء مادي محفوظ، وقد يمثل هذا الباقي غالب النقد الورقي (١)
* * *
стр. 247
سر القابلية العامة لاعتبار النقد واسطة تعامل
لعلماء الاقتصاد ثلاث نظريات في سر قابلية النقد للتبادل العام، قد تكون كل منها صحيحة في فترة ما.
الأولى: النظرية المعدنية:
إن النقد مادة لها قيمة في نفسها قبل اتخاذها وسيطا للتبادل، كذلك حصلت الثقة بها وكانت ذات قابلية عامة للوساطة في التبادل، وهذه النظرية صحيحة حينما كان النقد معدنيا، أما اليوم فإن النقد كلما لقي من الناس قبولا عاما وثقة في اعتباره وسيطا للتبادل فيدخل في ذلك النقد الورقي سواء أكان له غطاء حسي أم كان من اعتبار الحاكم له وسيطا وضمانه له.
الثانية: النظرية السلطانية:
وهذه النظرية تقول بأن أمر السلطان هو الذي أكسب النقد قبولا عاما وثقة به، ولا شك أن مجرد أمر السلطان لا يكفي في ذلك دون أن يستند إلى مبرر يضمن اطمئنان الأمة إلى هذا الوسيط لتقف إلى جانب السلطان طائعة مختارة.
الثالثة: النظرية النفسانية:
بأن النقد هو الذي تطمئن النفس إلى اعتباره قوة شرائية مطلقة ثقة به واطمئنانا إليه، سواء أكان له غطاء أم لا، وسواء أكانت له قيمة ذاتية أم لا، وسواء أمر السلطان باعتباره أم حصل التراضي والتعارف على استعماله وقبوله.
مما تقدم يمكن أن يستنتج ما يلي:
١ - النقد هو كل شيء يلقى قبولا عاما كوسيط متبادل.
٢ - التعهد المسجل على كل ورقة نقدية بتسليم حاملها قيمتها عند الطلب كان سابقا في وقت ما لاعتبار خاص بالأوراق النقدية، أما الآن فليس له من واقع التعامل به نصيب، وإنما هو الآن يحكي ما مضى ويعني التذكير بمسئولية الجهات المختصة تجاه قيمتها والحد من إصدارها بلا تقدير.
٣ - من الجائز وجود كميات من الأوراق النقدية رعاية عن الغطاء العيني إلا أن الغالب ألا تزيد هذه الكميات عن ٦٥ % من مجموع الأوراق النقدية المتداولة.
٤ - ليس متعينا أن تكون القاعدة للورق النقدي ذهبا أو فضة إذ لا مانع أن تكون من غيرها كعقار أو أوراق مالية.
стр. 248
٥ - القابلية العامة للنقد من حيث هو نقد في الجملة ليس ناتجا عن قيمة ذاتية في النقد أو عن وازع سلطاني يفرض التعامل به فقط، وإنما هو الثقة العامة به كقوة شرائية مطلقة، سواء أكانت هذه الثقة صادرة عن تغطيتها بالمعدن النفيس أو عن الانقياد إلى حكم سلطاني باعتبارها أو عن أي اعتبار آخر يضمن هذه الثقة.
هذه الأمور المستنتجة يمكن أن تكون عونا في إدراك حقيقة الأوراق النقدية والقدرة على تكييفها فقهيا.
* * *
стр. 249
آراء فقهية في حقيقة الأوراق النقدية
لم تكن الأوراق النقدية معروفة عند قدماء فقهاء الإسلام لعدم تداولها في زمنهم فلذا لم نجد منهم من تعرض لحكمها، ولما كثر تداولها في البلاد الإسلامية بعد ذلك بحثها الفقهاء من حيث الحقيقة والحكم واختلفت أنظارهم في ذلك تبعا لاختلاف تصورهم لحقيقتها، وجملة ذلك خمسة أقوال:
الأوراق النقدية أسناد
القول الأول: أن الأوراق النقدية إسناد بدين على جهة إصدارها، ويوجه أصحاب هذا القول قولهم بما يأتي:
أ - التعهد المسجل على كل ورقة نقدية بتسليم قيمتها لحاملها عند طلبه.
ب - ضرورة تغطيتها بذهب أو فضة أو بهما معا في خزائن مصدريها.
ج - انتقاء القيمة الذاتية لهذه الأوراق حيث إن المعتبر ما يدل عليه من العدد لا قيمتها الورقية.
د - ضمان سلطات إصدارها قيمتها عند إبطالها ومنع التعامل بها.
مستلزمات هذا القول:
إن القول باعتبار الأوراق النقدية أسنادا على مصدريها يستلزم الأحكام الشرعية الآتية:
стр. 250
أ - منع السلم بها فيما يجوز السلم فيه إذ يشترط في صحة السلم قبض رأس مال السلم في مجلس العقد، وقبض البائع الأوراق النقدية والحال أنها أسناد يعتبر حوالة بها على مصدريها.
ب - عدم جواز صرفها بنقد معدني من ذهب أو فضة ولو كان يدا بيد لأن الورقة النقدية على رأي أصحاب هذا القول وثيقة بدين غائب عن مجلس العقد ومن شروط الصرف التقابض في مجلس العقد.
ج - يعتبر التعامل بالأوراق النقدية بموجب هذا القول من قبيل الحوالة بالمعاطاة على الجهة التي أصدرتها وفي القول بصحة العقود بالمعاطاة خلاف بين أهل العلم فالمشهور في مذهب الشافعي ﵀ عدم صحتها مطلقا لاشتراط أن يكون الإيجاب والقبول فيها لفظيين، وعلى فرض أن القول باعتبار المعاطاة موضع اتفاق بين أهل العلم فمن شروط الحوالة أن يستطيع المحال استيفاء حقه من المحال عليه وفي مسألتنا لا يمكن أن يستوفي المحال مقابل الورقة من رصيدها كما يدل على ذلك التطبيق العملي فتعتبر الحوالة بذلك باطلة.
د - القول باعتبارها أسنادا بديون على مصدريها يخضعها للخلاف بين أهل العلم في زكاة الدين هل تجب زكاته قبل قبضه أم بعده، وبالتالي عدم وجوب زكاتها لدى من يقول بعدم وجوبها قبل قبض الدين لامتناع قبض مقابل هذه الأسناد.
هـ - بطلان بيع ما في الذمة من عروض أو أثمان بهذه الأوراق لكونها وثائق بديون غائبة؛ لأن ذلك من قبيل بيع الكالئ بالكالئ، وقد «نهى ﷺ عن بيع الكالئ بالكالئ».
مناقشة هذا القول: المبررات التي وجه بها أصحاب هذا القول قولهم يمكن الإجابة عنها بما يلي: -
أولا: أن التعهد القاضي بتسليم المبلغ المرقوم على الورقة لحاملها وقت الطلب ليس له من حقيقة معناه نصيب؛ إذ لا يختلف اثنان أن المرء لو تقدم لمؤسسة النقد السعودي أو لغيرها من البنوك المركزية المختصة بإصدار الأوراق النقدية بورقة نقدية صادرة ممن تقدم إليه طالبا منه الاستعاضة عنها بما تحتويه من ذهب أو فضة لما وجد استجابة لذلك ولا وفاء لهذا التعهد، وإنما يرجع الإبقاء على هذا المتعهد -بالرغم من أن الوفاء به لا يتم- إلى تأكيد مسئوليته على جهات إصداره.
стр. 251
ثانيا: أما الاستدلال على سنديتها بضرورة تغطيتها جميعا بذهب أو فضة أو بهما معا فقد سبق القول بأن الحاجة إلى تغطيتها جميعها ليست ملحة، وإنه يكفي تغطية بعضها، فإنا نجد أن الغالب في النقد الورقي أنه غير مغطى بنقد معدني، وإنما غطاؤه التزام سلطاني بضمان قيمته في حال تعرضه للبطلان، وإذن فلا يصلح هذا الدليل سندا لهذا القول.
ثالثا: أما انتفاء القيمة لهذه الأوراق فقد سبق لنا تعريف النقد بأنه أي شيء يلقى قبولا عاما كوسيط للتبادل كما سبقت الإشارة إلى بعض أقوال أهل العلم الشرعي المؤيدة لهذا التعريف، وعليه فمتى ثبت للأوراق النقدية القابلية العامة لتكون وسيطا فلا فرق بين أن تكون قيمتها في ذاتها أو في خارج عنها، ويؤيد هذا أن سلطات سك النقود المعدنية جرت على أن تجعل للنقود المعدنية قيما أكثر من قيمتها الذاتية حفاظا على بقائها ومنعا من صهرها سبائك معدنية، ومتى كنا نرى جزءا من قيمة النقد المعدني ليس له مقابل إلا الالتزام السلطاني ولم نقل بأن الزيادة على قيمته الذاتية سند على الدولة فليبطل القول بأن الأوراق النقدية سند على الدولة على أن هذا القول لا يعني انتفاء مسئولية الدولة عن الهيمنة على ثبات قيمتها في حدود المستوى الاقتصادي العام أو ضمان قيمتها في حال إبطالها.
رابعا: أما ضمان سلطات إصدارها قيمتها وقت إبطالها وتحريم التعامل بها فهذا سر اعتبارها والثقة بتمولها وتداولها، إذ أن قيمتها ليست في ذاتها، وإنما هي في ضمان السلطات لها وليس في هذا دلالة على اعتبارها أسنادا بديون على مصدريها ما دام الوفاء بسدادها نقدا معدنيا عند الطلب مستحيلا.
على أن القول بسنديتها من الحرج والضيق وإيقاع الناس في مشقة عظيمة في معاملاتهم ما يتنافى مع المقتضيات الشرعية لا سيما بعد أن عم التعامل بهذه الأوراق بين الشعوب الإسلامية وأصبحت هي العملة الوحيدة الرائجة السائدة وما عداها من أنواع النقود فقد كاد ترك استعمالها وسيطا للتبادل يسلبها صفة النقد وأحكامه.
ومن الأصول العامة في الشريعة الإسلامية أن الأمر الذي لم ينص على حكمه إذا دار بين ما يقتضي التشديد على الناس وما يقتضي التخفيف عليهم في عباداتهم ومعاملاتهم ترجح جانب التخفيف على جانب التشديد ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) وقوله تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢) وقوله تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ (٣) وقوله ﷺ فيما رواه الإمام أحمد في مسنده والنسائي
стр. 252
وابن ماجه عن أنس بن مالك ورواه البخاري وغيره عن أبي موسى الأشعري «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا (١)» وقوله ﷺ فيما رواه مسلم عن عائشة ﵂ «إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على سواه (٢)» وفي لفظ «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه (٣)» وفي الترمذي وغيره: «ما خير ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما (٤)»
* * *
стр. 253
القول الثاني
هذا القول أن الأوراق النقدية عرض من العروض لها ما للعروض من الخصائص والأحكام ويوجهه القائلون به بتوجيهات نلخصها فيما يلي: -
أ - الورق النقدي مال متقوم مرغوب فيه ومدخر ويشترى وتخالف ذاته ومعدنه ذات الذهب والفضة ومعدنهما.
ب - الورق النقدي ليس بمكيل ولا موزون وليس له جنس من الأجناس الربوية المنصوص عليها.
جـ - ما كتب عليها من تقدير قيمتها وتعيين اسمها يعتبر أمرا اصطلاحيا مجازيا لا تخرج به عن حقيقتها من أنها مال متقوم ليست من جنس الذهب والفضة ولا غيرهما من الأموال الربوية.
د - انتفاء الجامع بين الورق النقدي والنقد المعدني في الجنس وإمكان التقدير والمماثلة أما الجنس فالورق النقدي قرطاس والنقد المعدني معدن نفيس من ذهب أو فضة أو غيرهما من المعادن، وأما إمكان التقدير فالنقد المعدني موزون، أما القرطاس فلا دخل للوزن ولا للكيل فيه.
هـ - الأصل في المعاملات الحل حتى يرد دليل المنع، وليس عندنا دليل يمنع ذلك.
مستلزمات هذا القول:
إن القول بعرضية الأوراق النقدية يستلزم الأحكام الشرعية التالية: -
أ - عدم جواز السلم بها لدى من يقول باشتراط أن يكون رأس مال السلم نقدا من ذهب أو فضة أو غيرهما من أنواع النقد؛ لأن الأوراق النقدية بمقتضى هذا القول عروض، وليست أثمانا.
стр. 254
ب - عدم جريان الربا بنوعيه فيها، فلا بأس ببيع بعضها ببعض متفاضلة فيجوز بيع العشرة بخمسة عشر أو أقل أو أكثر كما يجوز بيع بعضها ببعض أو بثمن من الأثمان الأخرى كالذهب أو الفضة أو البرنز أو غيرها من المعادن النقدية نسيئة.
جـ - عدم وجوب الزكاة فيها ما لم تعد للتجارة؛ لأن من شروط وجوب الزكاة في العروض إعدادها للتجارة.
مناقشة هذا القول:
١ - أن في القول بعرضية الأوراق النقدية تفريطا تنفتح به أبواب الربا على مصاريعها وتسقط به الزكاة عن غالب الأموال المتمولة في زماننا هذا يتضح ذلك بالمثال الآتي:
مسلم يملك مليون جنيه إسترليني أودعه بأحد المصارف بفائدة قدرها ٨ % لم يقصد بهذا المبلغ التجارة، وإنما يريده باقيا عند البنك بصفة مستمرة على أن يأخذ فائدته ليقوم بصرفها على نفسه في شئون حياته مثلا، فلا بأس بمقتضى هذا القول بصنيعه هذا؛ لأن هذا المبلغ ليس نقدا فيجري فيه الربا ولا زكاة فيه لكونه عرضا لم يقصد به التجارة.
٢ - إذا عمدت الجهات المختصة إلى نوع من جنس الورق فأخرجت للناس منه قصاصات صغيرة مشغولة بالنقش والصور والكتابات وقررت التعامل بها وتلقاها الناس بالقبول فقد انتقل هذا الورق من جنسه باعتبار وانتفى عنه حكم جنسه لذلك الاعتبار لانتفاء فوائد الانتفاع به ورقا يكتب فيه وتحفظ فيه الأشياء فإذا كان الناس يحرصون على الحصول عليه ويرضونه ثمنا لسلعهم سواء أكانت سلعا عينية أم خدمات فليس لأنه مال متقوم مرغوب فيه بعد تقطيعه قصاصات صغيرة مشغولة بالنقش والكتابة والصور، بل لأنه انتقل إلى جنس ثمني بدليل فقده قيمته كليا في حال إبطال السلطان التعامل به.
أما مخالفة ذاته ومعدنه ذات النقدين الذهب والفضة ومعدنهما فالجواب عن ذلك فرع عن تحقيق القول في علة الربا في النقدين هل هي الثمنية كما هو رأي المحققين من أهل العلم فينتفي الفارق المؤثر بينهما لاشتراكهما فيها أم أن العلة غيرها.
٣ - أما القول بأن قيمتها النقدية وتعيين اسمها اصطلاح مجازي لا تخرج به عن حقيقتها من أنها مال متقوم ليس له جنس الذهب ولا الفضة ولا غيرهما من الأموال الربوية فيمكن أن يجاب عن ذلك بأن تسمية هذه الوراق بريال أو جنيه أو دولار أو دينار أو غيرها تعتبر حقائق عرفية لا مجازية لا سيما في وقتنا هذا الذي اختفى فيه الذهب والفضة عن الأسواق كنقد سائد في التداول وحلت هذه المسميات
стр. 255
محلها في الثمنية.
٤ - وأما القول بانتفاء الجامع بينهما في الجنس وإمكان التقدير فيمكن أن يجاب عنه بعد تحقيق القول في علة الربا في النقدين فإذا كانت العلة في ذلك الثمنية كما سيأتي بيانه وتوضيحه فالجامع موجود.
٥ - وأما القول بأن الأصل في المعاملات الحل حتى يرد دليل المنع فيجاب بالتسليم بهذه القاعدة إلا أن دليل المنع وارد بناء على أن علة الربا في النقدين الثمنية.
* * *
стр. 256
القول الثالث
الأوراق النقدية فلوس
يتلخص هذا الرأي في أن الأوراق النقدية كالفلوس في طروء الثمنية عليها فما ثبت للفلوس من أحكام الربا والزكاة والسلم وغيرها ثبت للأوراق النقدية مثلها، ويوجه أصحاب هذا القول رأيهم بأن الأوراق النقدية عملة رائجة أعيانها بما رقم عليها رواج النقدين بقيمتها المرقومة عليها، وليست ذهبا ولا فضة، وإنما هي كالفلوس، ولكنهم اختلفوا في مقتضيات هذا القول فمنهم من لم يلحقها بالنقدين مطلقا، فلم يوجب فيها الزكاة إلا بنية التجارة، ولم يجر فيها الربا بنوعيه، ومنهم من فصل فألحقها بالنقدين في وجوب الزكاة وجريان ربا النسيئة فيها للإجماع على حرمته واعتراف من حرم ربا الفضل بأن حرمة ربا النسيئة أشد إثما من ربا الفضل ولدخول النسيئة في الأنواط في عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ (١) ولأن مفسدة بيع عشرة أنواط باثني عشر منها بأحد النقدين إلى أجل لا تقل عن مفسدة بيع عشرة دنانير ذهبا باثني عشر دينارا، وتكاد معرفة الفساد فيهما تكون ضرورية.
وأباح هؤلاء ربا الفضل في الأنواط فأجازوا بيع بعضها ببعض أو بأحد النقدين مع التفاضل إذا كان ذلك يدا بيد؛ لأن ربا الفضل حرم تحريم الوسائل، ولكونها غير نقود حقيقية ولموضع الحاجة، ونظير هذا أن بعض العلماء أجاز بيع الفلوس بعضها ببعض أو بأحد النقدين مع التفاضل إذا كان يدا بيد ومنع من ذلك مؤجلا، ولأن ربا الفضل أبيح منه ما تدعو إليه الحاجة كبيع العرايا، ولأن بعض العلماء أجاز بيع الحلي من الذهب بالدنانير وبيع الحلي من الفضة بالدراهم متفاضلا يدا بيد فجعلوا للصنعة أثرا.
مناقشة هذا القول:
١ - إن قياس الأوراق النقدية بالفلوس قياس مع الفارق، ويتبين ذلك فيما يأتي:
стр. 257
أ - الأوراق النقدية بمزيد قبولها وكثرة رواجها في المعاملات وطغيانها على سائر الأثمان في سوق المعاوضات صارت موغلة في الثمنية إيغالا لا تقصر دونه الفلوس بل نقود الذهب والفضة بعد ندرة التعامل بهما في المعاوضات.
ب - في انتقال الأوراق النقدية من أصلها العرضي إلى الثمنية قوة أفقدتها القدرة على رجوعها إلى أصلها في حال إبطالها بخلاف الفلوس فهي إذا كسدت أو أبطل السلطان التعامل بها فلها قيمة في نفسها كسائر العروض.
جـ - الأوراق النقدية في غلاء قيمتها كالنقدين بل إن بعضا من الورق النقدي يعجز عن اللحاق بقيمته أكبر قطعة نقدية من ذهب أو فضة.
د - تستخدم الفلوس في تقييم المحقرات من السلع، وهذه المحقرات مما تعم الحاجة إليها فالتخفيف في أحكامها أمر حاجي تقتضيه المصلحة العامة كالعرايا والتجاوز عن يسير الغرر والجهالة.
هـ - نظرا لتفاهة قيمة الفلوس فإن الصفقات ذات القيمة العالية لا تتم بها، وإنما تتم بالنقدين أو بالأوراق النقدية، والربا في الغالب لا يكون إلا في صفقات ذات قيمة عالية نسبيا.
هذه الفروق لها أثرها في إعطاء الأوراق النقدية مزيد فضل على الفلوس تختلف به عنها في الأحكام وتجعلها في معنى النقدين الذهب والفضة في الثمنية وفي جريان الأحكام.
٢ - على فرض التسليم بإلحاق الأوراق النقدية بالفلوس فقد بحث العلماء ﵏ مسألة الفلوس، واختلفوا في تكييفها، وانقسموا في ذلك الاختلاف قسمين تبعا لعاملين يتجاذبانها: عامل أصلها وهو العرضية، وعامل ما انتقلت إليه وهو الثمنية، فبعضهم اعتبر أصلها وهو العرضية ففرق بينها وبين النقدين فأثبت لها أحكام أصلها ومنع عنها أحكام النقدين في الربا والصرف والسلم والزكاة وغيرها، والبعض الآخر اعتبرها نقدا وأثبت لها ما للنقدين من أحكام في الربا والصرف والسلم والزكاة وغيرها وبمزيد من العمق في دراسة مسألة الفلوس والموازنة بين الرأيين يظهر وجاهة القول باعتبارها نقدا لها ما للنقدين الذهب والفضة من أحكام.
стр. 258
القول الرابع
стр. 259
الأوراق النقدية متفرعة عن ذهب أو فضة
يتلخص هذا القول في أن الأوراق النقدية بدل لما استعيض بها عنه وهما النقدان الذهب والفضة وللبدل حكم المبدل عنه مطلقا، ويوجهه أصحابه بأن هذه الأوراق النقدية قائمة في الثمنية مقام ما تفرعت عنه من ذهب أو فضة حالة محلها جارية مجراها معتمدة على تغطيتها بما تفرعت عنه منهما والأمور الشرعية بمقاصدها يؤيد القول بثمنيتها أنه إذا زالت عنها الثمنية أصبحت مجرد قصاصات ورق لا تساوي بعد إبطالها شيئا مما كانت تساويه قبل الإبطال، ويلزم سلطة الإصدار تعويض حاملها إما بمقابلها من جنس رصيدها وإما بأوراق أخرى تقوم مقام مقابلها من الرصيد ما تراه الدولة من المصلحة.
مستلزمات هذا الرأي:
يستلزم هذا الرأي ما يأتي: -
أ - جريان الربا بنوعيه في الأوراق النقدية.
ب - ثبوت الزكاة فيها متى بلغت قيمتها مائتي درهم فضة أو عشرين مثقالا ذهبا إذا استكملت شروط وجوب الزكاة في النقدين، مع ملاحظة أن ما كان بدلا عن ذهب فلا تجب زكاته حتى تبلغ ثمنيته نصاب الذهب، وما كان بدلا عن فضة فلا تجب زكاته حتى تبلغ ثمنيته نصاب الفضة.
ج - جواز السلم بها.
د - اعتبارها بغض النظر عن أشكالها وأسمائها وجنسياتها متفرعة عن جنسين هما الذهب والفضة فما كان عن ذهب فله حكم الذهب وما كان عن فضة فله حكم الفضة.
هـ - إذا بودل بين نوعين من الورق النقدي متفرعين عن ذهب أو فضة امتنع التفاضل بينهما، وإذا بودل بين جنسين من الورق أحدهما متفرع عن ذهب والثاني متفرع عن فضة جاز فيهما التفاضل إذا كان يدا بيد، وامتنع فيهما التأخير.
مناقشة هذا القول:
هذا الرأي مبني على افتراض أن الأوراق النقدية مغطاة غطاء كاملا بذهب أو فضة، وحيث إن الواقع خلاف ذلك وأن غالب الأوراق النقدية مجرد أوراق وثيقية مستمدة من سن الدولة التعامل بها وتلقي الناس إياها بالقبول، وأن القليل المغطى لا يلزم أن يغطى بالذهب أو الفضة بل قد يغطى بغيرهما من عقار أو أوراق مالية من أسهم أو سندات لا تقدر قيمتها بذهب ولا فضة، وإنما تقدر بعمل ورقية، فضلا عن الحرج والمشقة في القول بهذا الرأي في مسائل الصرف عند اشتراط المماثلة في الجنس وذلك إذا صح ما قيل بانتقاء أي نقد ورقي غطاؤه فضة، ويمكن أن يورد على هذا النقاش ما يلي: -
стр. 260
إن رصيد الأوراق النقدية وإن كان مختلفا، فبعضه ذهب أو فضة وآخر منه عقار أو أوراق مالية من أسهم وأسناد إلا أن ما كان منه عقارا أو أوراقا مالية لم يعتبر رصيدا بنفسه، وإنما اعتبر بما قدر به من العمل المتعامل بها سابقا في دولة الإصدار، ذهبا كانت أم فضة، وكذا ما كان أوراقا وثيقية عمادها التزام سلطة الإصدار ليست قيمتها من مجرد سن الدولة التعامل بها، لما سبق في بيان السبب الثاني من أسباب سر قابلية النقد وسيطا في التبادل، وإنما كسبت الأوراق الوثيقية ثقة الناس بها وقبولها إياها وسيطا في التعامل من ملاءة سلطة الإصدار القائمة مقام الذهب أو الفضة مع سنها التعامل بها، فعاد الأمر إلى قيم ما كان به مليئا من ذهب أو فضة أو ما يقدر بهما، وبذلك كان بعض الرصيد ذهبا أو فضة بالفعل، وبعضه الآخر في حكم الذهب أو الفضة تبعا لنوع العمل المتعارف عليها في الدولة قبل إصدار الأوراق النقدية أما ما قيل من أن هذا الرأي يستلزم الحرج والمشقة في مسائل الصرف؛ لاشتراط المماثلة في الجنس فغير مسلم، فإن ما اشترط من المماثلة في حال معاوضة بديل الذهب مثلا بعضه ببعض قد اشترط في حال معاوضة الذهب نفسه بعضه ببعض ولم يعتبر ذلك حرجا، فكذا لا يعتبر اشتراط المماثلة في حال المعاوضة في البديل حرجا، ويؤيد ما ذكر من البديلة واعتبار الرصيد قائما أن قيمة الأوراق النقدية لا تخضع في صعودها وهبوطها لحالة السوق التجارية عرضا وطلبا فقط، بل تخضع في ذلك أيضا لحالة رصيدها قوة وضعفا، فإن كان لها نسبة معتبرة من الرصيد مع ملاءة الدولة أو ارتبطت بعملة لدولة أخرى مليئة معتبرة، كعملة الدولار أو الإسترليني في الوقت الحاضر أثبتت وجودها وعلت قيمتها، وإلا تزلزلت وهبطت قيمتها، ومن هنا قيل هذه عملة صعبة وقيل في أخرى ليست صعبة ويشهد لذلك حالة الورق النقدي في بعض الدول العربية حينما انفصل عن الإسترليني فهبط بعد أن كان صاعدا مرتفعا سعره في السوق العالمية، ويؤيد اعتبار الرصيد أيضا، وأنه لم يزل قائما أن الدولة إذا أبطلت نوعا من الأوراق النقدية لزمها تعويض من بيده الأوراق إما بأصل الرصيد أو بأوراق أخرى تقوم مقام نصيبها من الرصيد، وإنما منعت الدولة التعويض عن الأوراق بما يقابلها من نفس الرصيد محافظة على خاماتها الثمينة وحماية لها من تلاعب الناس فيها أو تهريبها إلى غير هذا من أنواع العبث، وقد يكون احتفاظها بالرصيد لمعنى اقتصادي جعل الدولة تحل الأوراق محل الذهب أو الفضة.
* * *
стр. 261
الأوراق النقدية نقد قائم بنفسه
القول الخامس: يتلخص هذا القول في أن الورق النقدي نقد قائم بنفسه كالذهب والفضة وغيرهما من الأثمان مما يلقى قبولا عاما كوسيط للتبادل بين الناس، وإن العملات الورقية أجناس تتعدد بتعدد جهات إصدارها.
стр. 262
توجيه هذا القول:
ويمكن أن يوجه هذا القول بما يأتي:
١ - ما عليه البلاد من حال اقتصادية.
٢ - ثقة الناس بها ثقة تامة جعلتها صالحة لتكون مستودعا عاما للادخار، وقوة للشراء، ومقياسا للقيم (١).
٣ - قانونيتها بسن الدولة لها وحمايتها إياها والاعتراف بذلك أكسبها قوة الإبراء العام (٢).
٤ - لا يحتم قانون إصدار الأوراق النقدية تغطيتها جميعها، فيكفي تغطية بعضها بغطاء مادي له قيمة في نفسه ولو لم يكن ذهبا ولا فضة، على أن يكون الباقي أوراقا وثيقية لا غطاء لها إلا التزام سلطة الإصدار بما سجل عليها عند إبطالها.
٥ - التعهد المسجل على هذه الأوراق لا يقصد إلا تذكير المسئولين عن مسئوليتهم تجاهها والحد من الإفراط في الإصدار دون استكمال أسباب الثقة بها، وإذن فليست أسنادا وليس التعهد بها سر قبولها.
٦ - ليس للأوراق النقدية قيمة في نفسها، وإنما قيمتها في أمر خارج عنها فليست عروضا.
٧ - رجحان القول بأن علة الربا في النقدين الثمنية مع الاعتراف بثمنية الأوراق النقدية.
٨ - تحقق الشبه بينها وبين الذهب والفضة المسكوكتين في الثمنية وفي وقوع الظلم والعدوان والاضطراب في المعاملات إذا جعل كل من هذه الأثمان سلعا كالعروض تباع وتشتري فأعطيت حكمها لا حكم العروض.
٩ - اختلاف جهات الإصدار فيما تتخذه من أسباب الثقة بالأوراق النقدية لتحل محل الذهب والفضة وتكسب قبولا عاما وإبراء تاما، واختلاف هذه الجهات أيضا قوة وضعفا وسعة وضيقا في الاقتصاد والسلطان، وغير ذلك مما يقضي بأنها أجناس مختلفة باختلاف جهات إصدارها، فكما أن الذهب والفضة جنسان لاختلاف كل منهما عن الآخر في القيمة الذاتية فكذلك العملات الورقية أجناس لاختلاف كل منها عن الأخرى بما تقدرها به جهات إصدارها وفيما تتخذه من أسباب لقبولها وإحلال الثقة بها.
١٠ - في القول بتفرع الأوراق النقدية عن الذهب والفضة مجانبة للواقع، وفي العمل به حرج ومشقة حينما تعتبر الأوراق النقدية جنسا واحدا، وحيث كان سر قبول الأوراق النقدية ثقة الناس به لا التعهد المسجل على كل ورقة بتسليم حاملها ما سجل
стр. 263
عليها وقت الطلب، ولا أن جميعها مغطى بذهب أو فضة، ولا لأن سلطة الإصدار ألزمت الناس التعامل بها، وحيث إنها أشبهت الذهب والفضة في الثمنية وتقويم الأشياء بها، واطمئنان النفوس إلى تمولها وادخارها، وفي اضطراب أحوال المعاملات وانتشار الظلم والعدوان باتخاذها سلعا تباع وتشترى، وكان الراجح في علة جريان الربا في الذهب والفضة الثمنية، وتبين أنها ليست أسنادا ولا عروضا وأن الفلوس جارية مجرى الذهب والفضة في أحكامها، وأنها ليست متفرعة عن الذهب والفضة، وإن قيمة الأوراق الثمنية وقوتها الشرائية تختلف باختلاف جهات الإصدار في حالتها الاقتصادية وقوتها وضعفها، وسعتها وضيقها في الاحتياط لحفظ كيان هذه الأوراق وفي نوع ما تسندها ثبت أنها نقد قائم بنفسه، وأنها أجناس مختلفة تبعا لاختلاف جهات إصدارها، وأن لها ما للذهب والفضة من أحكام.
مستلزمات هذا القول:
يستلزم هذا القول الأحكام الشرعية الآتية:
أ - جريان بنوعيه فيها كما يجري الربا بنوعيه في الذهب والفضة وغيرهما من الأثمان.
ب - عدم جواز بيع الجنس الواحد بعضه ببعض أو بيع جنس منها بغيره من الأجناس الثمينة الأخرى من ذهب أو فضة أو غيرهما نسيئة.
جـ - عدم جواز بيع الجنس الواحد بعضه ببعض متفاضلا سواء كان ذلك نسيئة أو يدا بيد.
د - جواز بيع الأوراق النقدية بعضها ببعض متفاضلا إذا اختلف الجنس وكان يدا بيد فيجوز بيع الريال الفضة بريالين من الورق مثلا وبيع الليرة بريال سعودي فضة كان أو ورقا، وبيع الدولار بخمسة ريالات أو أقل أو أكثر إذا كان يدا بيد.
هـ - وجوب زكاتها إذا بلغت أدنى النصابين من ذهب أو فضة إذا كانت مملوكة لأهل وجوبها وحال عليها الحول.
وجواز السلم بها.
مناقشة هذا القول:
ويمكن أن تناقش هذه التوجيهات بما يأتي:
أما الأول فيناقش بأن تغير أسعار الورق النقدي ونحوه ارتفاعا وانخفاضا لا يخضع فقط لحالة السوق
стр. 264
التجارية وعرضا وكثرة الإنتاج وقلته وكثرة الأثمان وقلتها بل يخضع أيضا لحالة رصيد هذه الأوراق قوة وضعفا، فإذا كان لها نسبة معتبرة من الرصيد مع ملأة الدولة أو ارتبطت بعملة أخرى مليئة، ولها رصيد معتبر كعملة الدولار والإسترليني في الوقت الحاضر أثبتت وجودها وغلت قيمتها وإلا تزلزلت وهبط سعرها في الأسواق العالمية، ومن هنا قيل عملة صعبة وعملة ليست صعبة، ويشهد لذلك واقع الورق النقدي في بعض الدول العربية حينما انفصل عن الإسترليني فهبط بعد أن كان مرتفعا سعره في السوق العالمية.
ويناقش الثاني والثالث بأن ثقة الناس بها، وقانونيتها بسن الدولة لها وحمايتها والاعتراف بذلك إنما أكسبها قوة الشراء والإبراء العام وجعلها مقياسا للقيم من أجل ما استندت إليه من رصيد لا يزال اعتباره قائما يدل على ذلك ما جاء في التوجيه الرابع والخامس والسادس والتاسع وما تقدم في بيان سر قابلية النقد الورقي للتبادل والإبراء العام.
ويناقش الرابع بأنه وإن لم يتعين تغطية الأوراق النقدية بالذهب أو الفضة، لكن لا بد من التغطية ولو بعقار يقدر بالعملة المتعارف عليها في دولة الإصدار حتى يمكن الوقوف عند حد معقول اقتصاديا في إصدار الأوراق النقدية يتناسب مع الرصيد، وما كان غير مغطى منها قام فيه التزام جهة الإصدار المليئة مقام الغطاء بالعملة المتعارف عليها سابقا، وبذلك كان الغطاء من عقار والتزام مثلا في حكم الذهب والفضة وكانت ثقة الناس بهذه الأوراق وكانت قوة الشراء والإبرام العام.
(انظر التعليق على مناقشة القول الرابع):
ويناقش الخامس بأنه يحمل رده في طيه حيث ذكر فيه أن مما يقصد بالتعهد المسجل على الأوراق الحد من الإفراط في الإصدار دون استكمال أسباب الثقة، واستكمال أسباب الثقة إنما يكون بزيادة الرصيد بنسبة ما يراد زيادة إصداره من الأوراق النقدية، وبذلك يتبين أن اعتبار الرصيد ولو اختلف نوعه لا يزال قائما، وإنما لم يسلم العوض ذهبا أو فضة عند إبطال عملة الأوراق، واكتفى بتسليم عملة أخرى من الأوراق لمصلحة رآها ولي الأمر كالمحافظة على المعادن النفيسة من تهريبها مثلا أو الرغبة في الانتفاع بها فيما يعود على الدولة بالخير مع قيام أوراق نقدية لا تكلفه شيئا سوى إصدارها مع دعمها بالتزام الوفاء ورصيد يتصرف فيه رجاء فائدة تعود إلى الحكومة والأمة.
ويناقش السادس بأنه يحمل رده في طيه أيضا كالخامس بل هذا أوضح، حيث صرح فيه بأن قيمة الأوراق النقدية في أمر خارج عنها لا في نفسها، فدل ذلك على اعتبار الرصيد قائما وإن لم يستجب إلى من طلبه من حملة الأوراق النقدية ولم يدفع إليه شيء من الرصيد بعينه لما تقدم بيانه في رد الوجه الخامس.
стр. 265
ويناقش السابع والثامن بأنه إن صح القول بأن الثمنية علة الربا في النقدين وصح قياس الأوراق النقدية عليها دل ذلك على أنها فرع عنهما لا على استقلالها جنسا أو أجناسا قائمة بنفسها، فما كان منها متفرعا عن الذهب ألحق به وما كان منها متفرعا عن الفضة أعطي حكمها في كل ما يتعلق بالربا والزكاة ونحوهما.
ويناقش التاسع بأمرين:
الأول: أن فيه التصريح باتخاذ رصيد لهذه الأوراق، وأنه سبب الثقة بها وحلولها محل الذهب أو الفضة وكسبها القبول العام والإبراء التام فدل على أنها فرع عما دعمت به من ذهب أو فضة أو ما يقدر بهما من عقار ونحوه فكانت بدلا عن أصلها الذي حلت محله لا جنسا أو أجناسا مستقلة بنفسها.
الثاني: أن اختلاف جهات الإصدار قوة وضعفا وسلطانا وسعة وضيقا واختلافها في نوع ما تدعم به عملتها الورقية لا تأثير له في اختلاف رصيده منهما أو مما قدر بهما فيكون بعض الورق تبعا للفضة وبعضها تبعا للذهب لا غير، يدل على ذلك أن جهات إصدار نقد من الذهب أو الفضة لا يؤثر اختلافها ولا وحدتها في جنس كل من الذهب والفضة بل هما جنسان اتحدت الجهة أو اختلفت.
ويناقش العاشر بأنه لا حرج ولا مشقة في القول بتفرعها عن الذهب والفضة، فإن ما اشترط فيها من المماثلة في بيع الجنس الواحد منها بعضه ببعض قد اشترط فيما هي بديل عنه من الذهب أو الفضة، ولم يعتبر ذلك جرحا، فهكذا لا يعتبر اشتراط المماثلة في حال المعاوضة في البديل حرجا.
* * *
стр. 266
علة الربا في النقدين
نظرا إلى أن الأوراق النقدية أصبحت تلقى قبولا عاما في دنيا المعاوضات كوسيط للتبادل، وأنها بذلك حلت محل الذهب والفضة في الثمنية وحيث إن السنة النبوية نصت على جريان الربا بنوعيه في الذهب والفضة، ونظرا إلى أن أهل العلم اختلفوا في تعيين علة لجريان الربا فيهما.
نظرا إلى ذلك كله كان من المناسب أن يشتمل هذا البحث على بيان أقوال أهل العلم في علة الربا في النقدين ونقاش ما استند إليه كل قول مما يقبل النقاش.
لقد اختلف العلماء في تعليل تحريم الربا في النقدين الذهب والفضة، فمن نفى التعليل أو تعذر عليه إقامة دليل يرضاه لإثبات علة التحريم: قصر العلة فيهما مطلقا سواء كان تبرا أو مسكوكين أو مصنوعين وهذا مذهب أهل الظاهر ونفاة القياس، وابن عقيل من الحنابلة حيث إنه يرى العلة فيهما ضعيفة لا يقاس عليها، فلا ربا عند هؤلاء في الفلوس ولا في الأوراق النقدية ولا في غيرها مما يعد نقدا، وتحريم الربا فيهما عندهم تعبدي، وأما غيرهم فقد استنبط مناطا تنضبط به قاعدة ما يجري فيه الربا إلا أنهم اختلفوا في
стр. 267
تخريج المناط ويمكن حصر آرائهم في ثلاثة أقوال.
* * *
الأول:
يتلخص القول الأول في أن علة الربا في النقدين الوزن لقوله ﷺ «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن (١)». ولقوله: «الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل (٢)» وقوله: «ما وزن مثلا بمثل (٣)» وقوله: «بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا، (٤)» وقال في الميزان مثل ذلك (٥) فجعل ضابط ما يجري فيه الربا وتجب فيه المماثلة الوزن في الموزونات، وطرد أصحاب هذا القول القاعدة في جريان الربا في كل ما يوزن كالحديد والنحاس والرصاص والصفر والصوف والقطن والكتان، وهذا القول هو المشهور عن الإمام أحمد وهو قول النخعي والزهري والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي، ويمكن أن يورد على هذا القول ما يلي:
أ - الوزن وصف طردي محض لا مناسبة فيه (٦).
ب - العلماء متفقون على جواز إسلام النقدين في الموزنات وهذا بيع موزون بموزون إلى أجل وفي جواز ذلك نقد للعلة.
جـ - أن حكمة تحريم الربا ليست مقصورة على ما يوزن، بل هي متعدية إلى غيره مما يعد ثمنا ولا يتعامل به وزنا كالفلوس والورق النقدي فإن الظلم المراعى إبعاده في تحريم الربا في النقدين واقع في التعامل بالورق النقدي وبشكل واضح في غالبه تتضاءل معه صورة الظلم الواقع في التعامل بالذهب والفضة متفاضلا في الجنس أو نسيئة في الجنسين نظرا لارتفاع القيمة الثمنية في بعضها كفئات المائة ريال والألف دولار.
* * *
الثاني
ويتلخص هذا القول في أن علة الربا في النقدين غلبت الثمنية، وهذا القول هو المشهور عن الإمامين مالك والشافعي، فالعلة عندهما قاصرة على الذهب والفضة، والقول بغلبة الثمنية احتراز عن الفلوس إذا راجت رواج النقدين، فالثمنية طارئة عليها فلا ربا فيها، ويمكن أن يورد على هذا الرأي ما يلي: -
стр. 268
أ - أن العلة القاصرة لا يصح التعليل بها في اختيار أكثر أهل العلم منقوضة طردا بالفلوس؛ لأنها أثمان وعكسا بالحلي (١).
ب - إن حكمة تحريم الربا في النقدين ليست مقصورة عليهما بل تتعداهما إلى غيرهما من الأثمان كالفلوس والورق النقدي.
* * *
الثالث:
ويتلخص في أن علة الربا في النقدين مطلق الثمنية، وهذا القول إحدى الروايات عن الإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة قال أبو بكر من أصحاب أحمد روى ذلك عن أحمد جماعة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم -رحمهما الله- وغيرهما من محققي أهل العلم (٢).
وقد أورد ابن ملفح على هذا القول إيرادا ملخصه: بأن التعليل بالثمنية تعليل بعلة قاصرة لا يصلح التعليل بها في الأكثر منقوضة طردا بالفلوس لأنها أثمان وعكسا بالحلي (٣).
ويمكن أن يجاب عن هذا الإيراد بأنه لا يتجه إلا على القائلين بغلبة الثمنية، أما القائلون بمطلق الثمنية فلم يخرجوا الفلوس الرائجة عن حكم النقدين بل اعتبروها نقدا يجري فيه الربا كما يجري فيهما، كما أنهم لم يقولوا بجريان الربا في الحلي المصنوع من الذهب أو الفضة؛ لأن الصناعة قد نقلته من جنس الثمنية إلى أجناس السلع والثياب، ولهذا لا تجب فيه الزكاة على القول المشهور في مذهب الإمام أحمد مع أنه من الذهب والفضة. كما يمكن أن يورد على القائلين بمطلق الثمنية إيراد ملخصه بأن إجماع العلماء منعقد على جريان الربا بنوعيه في الذهب والفضة سواء أكانا سبائك أو مسكوكين، فما سك منهما نقدا فلا إشكال في جريان الربا فيه لكونه ثمنا، وإنما الإشكال في جريان الربا في سبائكهما مع أنهما في حال كونهما سبائك ليسا ثمنا، ويمكن أن يجاب عن هذا الإيراد بأن الثمنية موغلة في الذهب والفضة وشاملة لسبائكهما بدليل أن السبائك الذهبية كانت تستعمل نقدا قبل سكها نقودا، وقد كان تقدير ثمنيتها بالوزن ومن ذلك ما رواه الخمسة وصححه الترمذي «عن سويد بن قيس قال جلبت أنا ومخرمة العبدي بزا من هجر فأتينا به مكة فجاءنا رسول الله ﷺ يمشي فساومنا سراويل فبعناه وثم رجل يزن بالأجرة فقال له زن وأرجح، (٤)» ومثله حديث
стр. 269
جابر في بيعه جمله على رسول الله ﷺ حينما قال يا بلال أقضه وزده فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطا.
هذا ما تيسر إيراده وبالله التوفيق وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. . . . . .
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
стр. 270
الخلاصة
وبعد استعراض الهيئة للبحث المذكور، وما فيه من أقوال فقيهة قيلت في حقيقة الأوراق النقدية من اعتبارها إسنادا أو عروضا أو فلوسا أو بدلا عن ذهب أو فضة أو نقدا مستقلا بذاته وما يترتب على تلك الأقوال من أحكام شرعية. . جرى تداول الرأي فيها ومناقشة ما على كل قول منها من إيرادات.
كما استمع أعضاء الهيئة إلى آراء بعض الخبراء المتخصصين في النقد الورقي والعلوم الاقتصادية حول هذا الموضوع، بعد ذلك رأى مجلس الهيئة بالأكثرية ما يلي:
بناء على أن النقد هو كل شيء يجري اعتباره في العادة أو الاصطلاح بحيث يلقى قبولا عاما كوسيط للتبادل، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي ولا شرعي بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح، وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به بل الغرض أن يكون معيارا لما يتعاملون به، والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها بل هي وسيلة إلى التعامل بها، ولهذا كانت أثمانا -إلى أن قال- والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيفما كانت اهـ / جـ (٢٩) ص: ٢٥١ من مجموع الفتاوى.
وذكر نحو ذلك الإمام مالك في المدونة من كتاب الصرف حيث قال: ولو أن الناس اجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نسيئة. اهـ.
وحيث إن الورق النقدي يلقى قبولا عاما في التداول ويحمل خصائص الأثمان من كونه مقياسا للقيم ومستودعا للثروة وبه الإبراء العام، وحيث ظهر من المناقشة مع المتخصصين في إصدار الورق النقدي والعلوم الاقتصادية أن صفة السندية فيها غير مقصودة، والواقع يشهد بذلك ويؤكده كما ظهر أن الغطاء لا يلزم أن يكون شاملا لجميع الأوراق النقدية، بل يجوز في عرف جهات الإصدار أن يكون جزء من عملتها بدون غطاء وأن الغطاء لا يلزم أن يكون ذهبا بل يجوز أن يكون من أمور عدة كالذهب والعملات الورقية القوية، وأن الفضة ليست غطاء كليا أو
стр. 271
جزئيا لأي عملة في العالم، كما اتضح أن مقومات الورقة النقدية قوة وضعفا مستمدة مما تكون عليه حكومتها من حال اقتصادية فتقوى الورقة بقوة دولتها وتضعف بضعفها، وأن الخامات المحلية كالبترول والقطن والصوف لم تعتبر حتى الآن لدى أي من جهات الإصدار غطاء للعملات الورقية.
وحيث إن القول باعتبار مطلق الثمنية علة في جريان الربا في النقدين هو الأظهر دليلا والأقرب إلى مقاصد الشريعة وهو إحدى الروايات عن الأئمة مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، قال أبو بكر: روى ذلك عن أحمد جماعة كما هو اختيار بعض المحققين من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما. . وحيث إن الثمنية متحققة بوضوح في الأوراق النقدية لذلك كله فإن هيئة كبار العلماء تقرر بأكثريتها:
أن الورق النقدي يعتبر نقدا قائما بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرها من الأثمان، وأنه أجناس تتعدد بتعدد جهات الإصدار بمعنى أن الورق النقدي السعودي جنس، وأن الورق النقدي الأمريكي جنس وهكذا كل عملة ورقية جنس مستقل بذاته، وأنه يترتب على ذلك الأحكام الشرعية الآتية: -
أولا: جريان الربا بنوعيه فيها كما يجري الربا بنوعيه في النقدين الذهب والفضة وفي غيرها من الأثمان كالفلوس، وهذا يقتضي ما يلي:
أ - لا يجوز بيع بعضه ببعض أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى من ذهب أو فضة أو غيرهما نسيئة مطلقا، فلا يجوز مثلا بيع الدولار الأمريكي بخمسة أريلة سعودية أو أقل أو أكثر نسيئة.
ب - لا يجوز بيع الجنس الواحد منه بعضه ببعض متفاضلا سواء كان ذلك نسيئة أو يدا بيد، فلا يجوز مثلا بيع عشرة أريلة سعودية ورق بأحد عشر ريالا سعوديا ورقا. .
جـ - يجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقا إذا كان ذلك يدا بيد
стр. 272
فيجوز بيع الليرة السورية أو اللبنانية بريال سعودي ورقا كان أو فضة أو أقل من ذلك أو أكثر وبيع الدولار الأمريكي بثلاثة أريلة سعودية أو أقل أو أكثر، إذا كان ذلك يدا بيد، ومثل ذلك في الجواز بيع الريال السعودي الفضة بثلاثة أريلة سعودية ورق أو أقل أو أكثر يدا بيد؛ لأن ذلك يعتبر بيع جنس بغير جنسه ولا أثر لمجرد الاشتراك في الاسم مع الاختلاف في الحقيقة.
ثانيا: وجوب زكاتها إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب أو فضة أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة إذا كانت مملوكة لأهل وجوبها.
ثالثا: جواز جعلها رأسمال في السلم والشركات. .
стр. 273
مجلة
البحوث الإسلامية
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الآداب والفنون
حكم
تمثيل الصحابة
стр. 274
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد أحيل إلى هيئة كبار العلماء رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوى والإرشاد بالمملكة العربية السعودية في دورتها الثالثة المنعقدة في شهر ربيع الثاني عام ١٣٩٣ هـ وهو تصوير حياة " بلال " مؤذن رسول الله ﷺ في
فيلم سينمائي.
وفي تلك الدورة قدمت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في الموضوع هذا نصه:
الحمد لله وحده
والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه، وبعد: -
فهذا بحث يتعلق بمسألة حكم تمثيل الصحابة في شكل رواية مسرحية أو فيلم سينمائي قامت اللجنة الدائمة بالبحوث العلمية والإفتاء بإعداده تمهيدا لعرض المسألة على مجلس هيئة كبار العلماء في دورتها القادمة إنفاذا لأمر المقام السامي رقم ٢٤/ ٩٣ وتاريخ ١/ ١ / ١٣٩٣ هـ
والله الموفق. . . . . . . .
стр. 275
الفهرس
خطاب إحالة إلى هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية
اعتبارات خمسة
قرار رابطة العالم الإسلامي بشأن تمثيل الرسول ﷺ في فيلم سينمائي
قرار المنظمات الإسلامية في مكة المكرمة
فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا
قرار لجنة الفتوى بالأزهر
مفاسد تمثيل الأنبياء
قصص الأنبياء في السينما
قرارات هيئة كبار العلماء
стр. 276
حكم
تمثيل الصحابة
في مسرحية أو فيلم سينمائي
يحسن بنا قبل تقديم ما تيسر الحصول عليه من أقوال أهل العلم في حكم تمثيل الصحابة رضوان الله عليهم أن نشير إلى اعتبارات تحسن ملاحظتها أثناء بحث المسألة.
الأول: ما لأصحاب رسول الله ﷺ من المكانة العليا في الإسلام بحكم معاصرتهم رسول الله ﷺ وقيامهم بواجب نصرته وموالاته والتفاني في سبيل الله ببذلهم أموالهم وأولادهم ونفوسهم، فقد اتفق أهل العلم على أنهم صفوة هذه الأمة وخيارها، وأن الله شرفهم بصحبة رسول الله ﷺ وأثنى عليهم في كتابه الكريم بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (١) الآية، وجاءت الأحاديث الصحيحة بتسجيل فضلهم وأن لهم قدم صدق عند الله، ففي صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله ﵁ قال حدثنا أبو سعيد الخدري ﵁ قال " قال رسول الله ﷺ : «يأتي على الناس زمان فيغزوا فئام من الناس فيقال هل فيكم من صاحب رسول الله ﷺ
стр. 277
فيقولون نعم فيفتح لهم: ثم يأتي على الناس زمان فيغزوا فئام من الناس فيقال هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ فيقولون نعم فيفتح لهم (١)»
وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين ﵁ قال: " قال رسول الله ﷺ «خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، قال عمران فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثا ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يفون ويظهر فيهم السمن (٢)».
وفي الصحيحين عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال في شأن بعض أصحابه رضوان الله عليهم «لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه (٣)».
الثاني: النظرة العامة إلى مشاهدة التمثيل: -
من أنه حال من أحوال اللهو والتسلية وشغل فراغ الوقت، فمشاهده في الغالب لا يريد من المشاهدة ما فيه مجال للعظة والتأمل، وإنما يقصد من ذلك إشباع غرائزه بما يشرح النفس وينسي الهموم، وينقل المرء من حال الجد إلى حال العبث والهزل.
الثالث: حال محترفي التمثيل من المناحي المسلكية: -
إن المتتبع لحياة الممثلين يخرج بنتيجة هي أن غالبهم سقط من الناس ليس للصلاح والتقوى مكان في حياتهم العامة ولا للأخلاق الإسلامية والعربية محل في دائرة أخلاقهم، ولا للقيم الإنسانية اعتبار عندهم، فإذا تقمص أحدهم شخصية صالح أو نبيل أو شهم أو عفيف أو جواد فذلك لأجل ما سيتقاضاه ثمنا لذلك، ثم يعود إلى سيرته الأولى ضاحكا لاهيا ساخرا معرضا عن الجوانب المشرقة في حياتهم.
الرابع: أغراض التمثيل: -
قد لا يختلف اثنان في أن الهدف الأول لأرباب المسارح في إقامة التمثيل فيها المكاسب المادية ومكاسبهم المادية لا تحصل إلا بمداعبة غرائز المشاهدين، وشهواتهم، فإذا عرفنا أن غالب المشاهدين لا يقصدون من مشاهدتهم التمثيل إلا قضاء فراغ أوقاتهم بما فيه العبث واللهو والتسلية، وفهمنا أن الهدف الأول والأخير من التمثيل الكسب المادي أدركنا أن القائمين على التمثيل سيحرصون على إنماء رصيد مشاهدي مسرحياتهم بتحقيق رغبة المشاهد في إشباع غرائزه العاطفية، وعرض ذلك على شاشات التمثيل وخشبات المسارح.
الخامس: اعتياد كثير من المؤرخين في مؤلفاتهم التاريخية على التساهل في تحقيق الوقائع التاريخية يضاف إلى ذلك أن مجموعة من ذوي الميول المنحرفة والأهواء المغرضة قد نفثوا سمومهم في التاريخ
стр. 278
الإسلامي ما بين وقائع تاريخية كاذبة وتعليلات للجوانب التاريخية في الإسلام ترمي إلى التقليل من القيمة العليا لتضحية المسلمين في سبيل الله، فإذا كانت مادة التمثيل ستنقل من التاريخ، وليس هناك مرجع غيره أمكن تصور وجود الكذب والافتراء على السلف الصالح لا سيما صفوة هذه الأمة أصحاب رسول الله ﷺ .
стр. 279
قرار رابطة العالم الإسلامي
وقد صدر من رابطة العالم الإسلامي بخصوص تمثيل رسول الله ﷺ في فيلم استعرض حكم تمثيل أصحاب رسول الله ﷺ بما نصه:
وكما يحرم ذلك كله في حق الرسول ﷺ يحرم تمثيل الصحابة الأكرمين ﵃ أجمعين باتفاق أهل العلم؛ لشرفهم بالصحبة العظيمة واختصاصهم بها دون من عداهم من الناس ولكرامتهم عند الله تعالى وثنائه عليهم في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (١) الآية، فهم أحقاء إجماعا بالتكريم والتعظيم والتوقير، ولذلك أجمع أهل العلم على حرمة تصويرهم في الأفلام أو على المسارح لما فيه من المنافاة الصارخة لكل ذلك. ١ هـ. .
كما صدر قرار من المنظمات الإسلامية العالمية المنعقدة في دورتها في مكة المكرمة في ذي الحجة سنة ١٣٩٠ هـ، جاء فيه ما نصه: قرر المؤتمر استنكاره الشديد لمحاولة إخراج فيلم سينمائي يمثل فيه النبي ﷺ بأية صورة من الصور أو كيفية من الكيفيات كما يستنكر تمثيل الصحابة رضوان الله عليهم، ويناشد المؤتمر كل الحكومات الإسلامية أن تقضي على هذه المحاولة في مهدها. .
стр. 280
فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا
كما صدر ثلاث فتاوى للشيخ محمد رشيد رضا في حكم التمثيل الأخلاقي الأولى في حكم التمثيل الأخلاقي وهذا نصها مع سؤالها (١).
من صاحب الإمضاء الحرفي في (دمشق الشام) ع. .
" سيدي الأستاذ صاحب المنار الأغر، ما رأي الأستاذ -حفظه الله- في تمثيل الروايات الأخلاقية التي لا يشوبها ضروب الخلاعة، أو من ظهور النساء حاسرات على المسارح، والتي تحبب الحضور بالفضيلة
стр. 281
وتنفرهم من الرذيلة؟ يجوز لنا أن نعتبر التمثيل غيبة فنحرمه بدعوى أن الغيبة محرمة؟
" هل ورد في النصوص الشرعية تصريحا أو تلميحا ما يدل على حرمة التمثيل الأخلاقي، أو يشير إلى اجتنابه، وعهدنا بهذا النوع من التمثيل أنه خير ما يغرس في النفوس حب الفضائل وكره الرذائل؟.
أرجو إجابتي على هذه الأسئلة حتى لا يبقى مجال لتغرير المسلمين باسم الشريعة، ورميها بسهام غير سديدة، هدانا الله بمناركم الوضاح إلى أقوم طريق.
الجواب: جاءنا مثل هذا السؤال أيضا من دمشقي آخر أشار إلى اسمه بحرفي (م. ن) وجاء في سؤاله أن السؤال واقعة حال في دمشق، وهي أن تلاميذ المدرسة العثمانية بدمشق مثلوا قصة زهير الأندلسي التي تشرح كيفية انقراض المسلمين من الأندلس، فقام بعض الحشوية من طلاب الشهرة وأصحاب الدعوى يشنعون على المدرسة ويكفرون تلاميذها ومعلميها، ويزعمون أنهم حاولوا هدم الإسلام بتذكير المسلمين بأسباب انقراض المسلمين من مملكة إسلامية كانت زينة ممالك الأرض بالعلوم والفنون والآداب، وخطبوا بذلك على المنابر في رمضان، وصدق فيهم قول من قال: إن لمتعصبي دمشق في كل رمضان ثورة.
أشار السائل الذي نشرنا نص سؤاله إلى ما صرح به السائل الآخر من احتجاج محرمي التمثيل على تحريمه بأنه يتضمن الغيبة وقال هذا المصرح إن بعضهم حرم قراءة الجرائد والمجلات بمثل هذا الدليل.
نقول: إن صح قولهم أن تلك القصة أو الواقعة التي مثلت في دمشق، كانت متضمنة لشيء من الغيبة -هو ما يستبعد جدا- فالمحرم فيها هو الغيبة لا جميع القصة ولا القصص التي تمثل ولا التمثيل نفسه.
وكان الأظهر أن يقولوا إنها تتضمن الكذب في بعض جزئياتها، وكأنهم فطنوا إلى كون الكذب غير مقصود فيها، ولا يتحقق إلا بالنسبة إلى مجموع القصة إذا كان ما تقرره وتودعه في الأذهان من مغزاها المراد غير صحيح، كأن تصور قصة زهير لقرائها، وحاضري تمثيلها أن الإسبانيين اضطهدوا المسلمين وفتنوهم عن دينهم وخيروهم بين الكفر والخروج من الوطن، ويكون هذا الذي تصوره لم يقع أو وقع ضده.
هذه القصص التمثيلية من قبيل ما كتبه علماؤنا المتقدمون من المقامات التي تقرأ في المدارس الدينية وغير الدينية، كمقامات البديع ومقامات الحريري، وقد كان الحريري -رحمه الله تعالى- توقع أن يوجد في عصره أمثال أولئك المتنطعين الذين حرموا قصة زهير الأندلسي، فرد عليهم بقوله في فاتحة مقاماته:
стр. 282
" على أني وإن أغمض لي الفطن المتغابي، ونضح عني المحب المحابي، لا أكاد أخلص من غمر جاهل، أو ذي غمر (حقد) متجاهل، يضع مني لهذا الوضع، ويندد بأنه من مناهي الشرع، ومن نقد الأشياء بعين المعقول، وأنعم النظر في مباني الأصول، نظم هذه المقامات، في سلك الإفادات، وسلكها مسلك الموضوعات، عن العجماوات والجمادات، ولم يسمع بمن نبأ سمعه عن تلك الحكايات، وأثم رواتها في وقت من الأوقات، ثم إذا كانت الأعمال بالنيات، وبها انعقاد العقود الدينيات، فأي حرج على من أنشأ ملحا (١) للتنبيه، لا للتموين، ونحا بها منحى التهذيب، لا الأكاذيب، وهل هو في ذلك إلا بمنزلة من انتدب لتعليم، وهدى إلى صراط مستقيم (٢) فهو يقول إنه لم يعرف أحد من علماء الأمة إلى زمنه أنه حرم أمثال تلك القصص التي وضعت عن الحيوانات ككتاب كليلة ودمنة وغيره؛ لأن المراد بها الوعظ والفائدة وصورة الخير في جزئياتها غير مرادة وما سمعنا بعده أيضا أن أحدا من العلماء حرم قراءة مقاماته، ولكن اجتهاد بعض المغرورين بالحظوة عند العوام يتجرءون على تحريم ما لم يحرمه الله ورسوله ولا حرم مثله أحد من علماء الملة، وهم مع هذا يتبرءون بألسنتهم من دعوة الاجتهاد واسم الاجتهاد ويشنعون على من يقول إنه يمكننا أن نعرف الأحكام بأدلتها الشرعية، فهم يعترفون بأنهم ليسوا أهلا للاستدلال ولا لمعرفة حكم بدليله، ويدعون أنهم مقلدون لبعض الأئمة المجتهدين رضوان الله عليهم، فليأتونا بنص من أولئك الأئمة على تحريم ما حرموه إن كانوا صادقين.
ثم نقول من باب الدليل قد فسر الحرام في بعض كتب الأصول بأنه خطاب الله المقتضي للترك اقتضاء جازما، فليأتونا بخطاب الله المقتضي بتحريم تمثيل الوقائع الوعظية والتهذيبية، أما أصول المحرمات في الكتاب، فقد بينها الله تعالى بالإجمال في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣).
أفلا يخشى أولئك المتجرئون أن يكونوا من الذين يقولون على الله ما لا يعملون، الذين قال فيهم أيضا: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (٤).
وقال ﷺ «إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس (٥)». الحديث، وهو في الصحيحين والسنن كلها من حديث خيار الآل والصحب علي وولده الحسين والعبادلة الثلاثة وعمار والنعمان بن بشير ﵃، فإذا كان الحرام بينا فكيف يخفى منه مثل هذا الحكم على جميع المسلمين في هذه القرون الطويلة، ولا يهتدي إليه إلا أولئك المضيقون في هذا العام؟
стр. 283
إننا لا نري وجها ما لهذا التحريم، ولو سلمنا أن في القصة الممثلة كلاما يصح أن يعد غيبة أو كذبا فإنا نعلم أن في كثير من كتب الحديث والفقة والوعظ أحاديث موضوعة، ولم يقل أحد أن ذلك يقتضي تحريم تأليف تلك الكتب وقراءتها وطبعها، وفي كتب الحديث طعن في الرجال فهل نحرم علم أصول الحديث، إلا إنه ليحزننا أن يكون لأمثال هؤلاء المفتاتين المتنطعين كلمة تسمع في مدينة دمشق الفيحاء التي هي أجدر البلاد بأن تكون ينبوعا لحياة الدين والعلم والارتقاء في سورية وجزيرة العرب كلها، وما آفتها إلا نفر من المتنطعين قد جعلوا الدين عقبة في طريق الارتقاء العلمي والعملي، فنسأل الله تعالى أن يلهمهم الرشد، ويهديهم طريق القصد، وأن يبصر العامة كالخاصة في تلك المدينة الزاهرة بحقيقة أمرهم حتى لا تتبع كل ناعق منهم.
стр. 284
والثانية في حكم تمثيل بعض الصحابة، وهذا نصها مع سؤالها:
السؤال: هل يجوز تمثيل بعض الصحابة على شكل رواية أدبية خلقية تظهر محاسن ذلك الصحابي الممثل لأجل الاتعاظ لسيرته ومبادئه العالية مع التحفظ والتحري لضبط سيرته دون إخلال بها من أي وجهة كانت أم لا.
الجواب: لا يوجد دليل شرعي يمنع تمثيل حياة الصحابة أو أعمالهم الشريفة بالصفة المذكورة في السؤال (١).
стр. 285
والثالثة في حكم التمثيل العربي وتمثيل قصص الأنبياء وهذا نصها (١).
التمثيل العربي: اشتغال المرأة المسلمة به وتمثيل قصص الأنبياء (٢) من صاحب الإمضاء بمصر محمد محمد سعفان طالب بمدرسة القضاء الشرعي
بسم الله الرحمن الرحيم: إلى فضيلة مولانا وراشدنا السيد رشيد رضا. جمعتني النوادي بطائفة من المتعلمين الذين قلما يخلو مجلسهم من البحث وبأية مناسبة دار بيننا ذكر التمثيل العربي، وبسطنا على بساط بحثنا (٣). المرأة المسلمة والتمثيل، تمثيل روايات الأنبياء ﵈ عموما وخاتمهم خصوصا فقر رأي فريق منا على جواز ذلك كله إذ لا تتم أدوار التمثيل