← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

والتتميم بما يخالف الحكم، فينشأ عن ذلك فتن عظيمة بين العلماء، وطعن أليم على المفتين، ويروي " القرافي " (١) قصة حصل فيها هذا المحذور؛ بسبب إهمال هذا المفتي لهذه الفراغات، وإكمال المستفتي لها بما يخالف حكم المفتي، فيقول " وقد استفتي بعض العلماء المشهورين عن رجل مات وترك أما وأخا لأم، وترك الكاتب في آخر السطر بياضا ثم قال: وابن عم، فكتب المفتي: للأم الثلث، وللأخ لأم السدس، والباقي لابن العم، فلما أخذ المستفتي الفتيا، كتب في ذلك البياض: وأبا، ثم دور الفتيا على الناس بالكوفة، وقال انظروا فلانا كيف حجب الأب بابن العم، فقال له أصحابه: مثله ما يجهل هذا، فقال: هذا خطه شاهد عليه، فوقعت فتنة عظيمة بين فئتين عظيمتين من الفقهاء ". وأمثال هذه القصة كثير بسبب ما تزين للمستفتي نفسه أن يضيفه حين يجد المجال مفتوحا أمامه للإضافة، ولهذا فإنه ينبغي للمفتي التفطن التام لذلك " فإذا رأى فرجة يمكن أن يكتب فيها شيء، فليملأها بلفظ " صح، صح " ونحوها مما يشغل به تلك الفرجة، وإذا بقيت فرجة في آخر السطر، فليسدها بمثل " والحمد لله " أو " حسبنا الله "، ولينو بها ذكر الله تعالى. . . " (٢). ١٣ - تأدبه في صورة وضع الفتيا، حين يكون قد أفتى في القضية غيره ممن هو أعلى منه منزلة في العلم: ذلك أن في هذا تواضعا، والله يحب من اتصف بهذه الصفة، وفيه احتراما لذوي المنزلة العلمية، واعترافا بفضلهم ومكانتهم. والتأدب في صورة وضع الفتيا له ناحيتان: ناحية من حيث التلفظ بالفتوى، وناحية من حيث الموضع الذي يكتبها فيه، ولكل من الناحيتين درجات تختلف قربا وبعدا عن التواضع. وقد أوضح " القرافي " (٣) هذه الدرجات مبينا علل قربها أو بعدها عن التواضع، فقال: " فإن كان الذي تقدمه، في غاية الجلالة، فليقل: " كذلك جوابي " إن كان يعتقد صحة ما قاله من تقدمه، ودون ذلك في التواضع " جوابي كذلك "؛ لأن تقديم لفظ الجواب قبل التشبيه، تقديم لجوابه على جواب من تقدمه الكائن في التشبيه، وإن قال: " كذلك جوابي "، فالإشارة ب " ذلك " الذي دخلت عليه كاف التشبيه، هو جواب من تقدمه، فيكون قد قدم جواب السابق عليه قبل ذكر جوابه، والتقديم تعظيم واهتمام، فهو أدخل في الأدب. ودون هاتين المرتبتين في التواضع، وأقرب إلى الترفع أن يكتب مثل الجواب بعبارة أخرى، ولا يشبه جوابه بجواب من تقدمه أصلا، وأرفع من ذلك وأبعد عن التواضع، أن يقول: " الجواب صواب " أو " الجواب صحيح " وهذا لا يستعمل إلا لمن يصلح للثاني أن يجيزه في الفتيا أو يزكيه في

стр. 212

قوله، وأن يكون معه في معنى التلميذ والتبع؛ لأنه أظهر أن جواب السابق في صورة من يشهد له هو بالصحة، أو بالصواب من جهة الثاني، وهذه أدنى الرتب لخلو اللفظ عن التعظيم بالكلية. هذا من حيث اللفظ. وأما من حيث الموضع الذي يكتب فيه، فإن اتضع، كتب خطه تحت خط الأول، وإن ترفع، كتب قبالته في يمين الخط أو شماله، وكذلك الجهة اليمنى أشرف من الجهة اليسرى، فالمتواضع يضع في اليسرى، والذي لا يقصد التواضع، ويقصد التعظيم للجهة اليمنى لكونها يمنى يضع فيها ". * * *

стр. 213

خاتمة كان للواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية في أفرادها، ومن يتصدر للفتيا في دين الله، سبب قوي جعلني أفكر في موضوع هذا البحث، وأطلب العون من الله في استجلاء كثير من حقائقه كما كان لبعض جوانبه أثر في نفسي أقوى من الجوانب الأخرى، تلك هي ما يتصل بالأسس الأصيلة، التي ينبنى عليها تكوين المفتي، والمطالب الهامة التي ينبغي أن يتصف بها ويترسمها في حياته العامة وأثناء قيامه بمهمة الفتيا، والمكانة العظيمة التي قد منحها مما يدل على عظم شأنه، وعلو منزلته. لذلك حاولت - بقدر ما أمدني الله به من عون - أن أستجلي من هذه الجوانب ما رأيته في المنزلة الأولى بين جوانبه المتعددة. ومن هنا جاء البحث قائما على الحقائق التالية: الحقيقة الأولى: أن قدمت له بتمهيد؛ بينت فيه مكانة هذا البحث في ميدان البحوث العلمية، والمدى البالغ لأهميته في عصرنا الحاضر؛ حيث فشا الجهل في أفراد الأمة بأحكام دينها وصار الكثير ممن يتصدر الفتيا لا ينطبق عليهم ما هو مشترط لمن يتصدى لهذا المنصب العظيم. الحقيقة الثانية: أن أوضحت معناه في اللغة، وعرضت الخلاف بين العلماء في تعريفه اصطلاحا، ورجحت بالأدلة ما تبين لي رجحانه، وذيلت هذه الحقيقة بعرض لأقسام المفتين، وتعريف مختصر بهم. الحقيقة الثالثة: أن بينت المنزلة الرفيعة التي يحتلها المفتي؛ حيث كان قائما مقام النبي ﷺ في وراثته لعلم الشريعة منه ﷺ ، وإبلاغها للناس، وتعليمها للجاهل بها، والإنذار بها، وأقمت الأدلة الناصعة لذلك من الكتاب العزيز، والسنة المطهرة.

стр. 214

الحقيقة الرابعة: أن ذكرت الشروط التي ينبغي أن تتوفر فيمن اصطلحنا سابقا على تسميته بالمفتي الذي تؤخذ الفتوى عنه، وإن كان غيره ممن هو أعلى مرتبة في العلم، وأرسخ قدما في الفهم والاستنباط، تؤخذ عنه من باب أولى؛ فكانت على النحو التالي: الإسلام والتكليف، والعلم، والعدالة، وحسن الطريقة ورضا السيرة، والورع والعفة والحرص على استطابة المأكل، ورصانة الفكر وجودة الملاحظة، والتأني في الفتوى والتثبت فيما يفتى به، وطلب المشورة، ورؤية المفتي لنفسه بأنه أهل لهذا المنصب، وشهادة الناس له بذلك. وقد ذكرت بعد كل شرط ما يدل على اشتراطه، فبان بذلك تحتم وجودها فيمن نصب نفسه للإفتاء " وتحتم امتناع من لم تتوفر فيه عن ذلك. الحقيقة الخامسة: أن سجلت في هذا البحث أهم الأمور التي ينبغي لمن تصدى للفتيا بأن يتحلى بها، ويأخذ نفسه بها، فاجتمع لنا منها ما يأتي: جمال المظهر وحسن الزي على الطريقة التي تتناسب مع الوضع الشرعي، والبداءة بالنفس في كل خير يفتى به، ومعرفة أحوال الناس والتفطن لتصرفاتهم، والكف عن النظر في الفتوى حينما يكون مع المستفتي فتوى قد كتبها من لا يصلح لذلك، وعدم الكتابة مع المستفتي حينما تكون حاله مثل ذلك، والنظر في سؤال السائل من حيث مطابقته لمستوى السائل وعدم مطابقته لذلك، وإعطاء كل حالة حكمها المناسب لها؛ من حيث إفتاؤه وعدم إفتائه، والشعور بالافتقار إلى الله (سبحانه) في إلهام الصواب، والدعاء بما يتناسب مع هذا المقام، ومراعاة العرف والعادة في الفتوى حيث تختلف بلدان المستفتين، وعرض الخلاف حين يتعارض العرف مع المدلول اللغوي للفظ الصريح، والتريث في الفتوى حين يشتمل اللفظ على بعض الملابسات التي تجعل المفتي يغلب على ظنه أن صيغة السؤال لا تعبر عن حقيقة الواقع تماما، والنصح والشفقة على المستفتي؛ إما بتوجيهه للطرق المباحة حين يستفتي عن أمر محرم، فيمنعه المفتي منه، وإما غير ذلك مما يدخل في معنى النصح والشفقة، ومراعاة الحكم الشرعي الذي يتفق مع مقاصد الشريعة، وهو ما كان جاريا على المعهود الوسط بين الشدة والخفة، وحسن النية، وسلامة القصد من المفتي، والاحتراز وأخذ الحيطة في الفتوى - وقد ذكرت لذلك صورا كثيرة متنوعة بجمعها هذا المعنى - وختمت هذه الأمور بأمر يتصل بالتواضع المشروع في الإسلام، وهو تأدب المفتي في صورة وضع الفتيا حين يكون قد أفتى في القضية غيره ممن هو أعلى منه منزلة في العلم. وقد سلكت في بحث هذه الأمور ذكر الأدلة الشرعية لها، وعرض الخلاف حيث يوجد فيها، وتفصيل الحالات المحتملة حيث يوجد الاحتمال، وإيراد الحكم لكل حالة مقرونا بدليله.

стр. 215

تلك: هي مكانة المفتي في الإسلام، وهذه هي الحقائق التي ينبغي لمن تصدى للإفتاء بأن تتوفر فيه، ويتجلى بها. فما مدى انطباقها على المفتين في العالم الإسلامي المعاصر؟ إننا نقرر - والأسى يحز في نفوسنا - واقعا مريرا تعيشه الأمة الإسلامية في هذا الجانب؛ ذلك أن كثيرا من أولئك المفتين لا تتوفر فيه تلك الشروط، ولا تجتمع فيه الأمور التي ينبغي لمن أفتى أن يتحلى بها، ولا شك أن هذا كان له الأثر السيئ في المجتمع الإسلامي؛ فأحكام الدين تؤخذ - في كثير من الأحيان - عن أفواه من لا يصلح للفتيا، والثقة بما يقال في ذلك انتزعت؛ لكون القائل ليس أهلا لما يقول، والاضطراب في الفتاوي بين العامة انتشر حتى صار سببا للفوضى بينهم، والتشويش عليهم فيما يأخذون أنفسهم به. والشيء الذي يتبادر إلى الذهن اقتراحه إزاء هذه المشكلة؛ للقضاء عليها، أو الحد من خطرها، أن لا يترك الباب للإفتاء مفتوحا لمن أراد أن يلج منه، بل ينبغي لولاة الأمور ومن يعنيهم هذا الشأن أن يضعوا قواعد أساسية بها يقومون الشخص، ويعلمون مدى صلاحيته لذلك، فيرشحوه لهذا الأمر، ويوجهوا عامة الناس نحوه في أخذ الأحكام، حين يحتاجون لذلك، وأن يمنعوا عن الإفتاء من لا يصلح لذلك، وينذروه إن لم ينته عنه، ويعاقبوه بما يتناسب مع حاله حين يتصدى له، ولو أصاب في ذلك، فإن إصابته مرة سيتبعها خطؤه مرات كثيرة في حالات أخرى، وليس فيما نقول تحجير لواسع؛ فإنه لا مانع من أن يختار في كل بلد من يصلح لذلك؛ حتى يفتيها في أمور دينها، ويخلصها مما قد ينبهم عليها في صلتها مع ربها، كما أنه ليس فيما نقول ابتكار لقول لم نسبق إليه وإلى العمل به؛ فقد قال الخطيب البغدادي (١): " قلت ينبغي لإمام المسلمين، أن يتصفح أحوال المفتين؛ فمن كان يصلح للفتوى، أقره عليها، ومن لم يكن من أهلها منعه منها، وتقدم إليه بأن لا يتعرض لها، وأوعده بالعقوبة، إن لم ينته عنها ". ويستأنس في عرض رأيه هذا بما حصل من خلفاء بني أمية في تعيينهم من يتصدى للفتيا بمكة، ومنعهم لغيرهم منها، فيقول (٢): " وقد كان الخلفاء من بني أمية ينصبون للفتوى بمكة في أيام الموسم قوما يعينونهم، ويأمرون بأن لا يستفتي غيرهم (ويروي بسنده) إلى أبي يزيد الصنعاني عن أبيه قال: كان يصيح الصائح في الحاج: لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح، فإن لم يكن فعبد الله بن أبي نجيح ".

стр. 216

ويتابع " ابن الجوزي " (المتوفى سنة ٥٩٦ هـ) الخطيب البغدادي فيقول: " يلزم ولي الأمر منهم كما فعل بنو أمية " (١). كما أن من يتصدرون الفتيا - ممن كانوا أهلا لها - ينبغي لهم توعية العامة بهذا الشأن، والعمل على صرف الناس عمن لا يصلح للفتيا، والحد من نشاطهم، والمنع من نفوذهم بكل الوسائل التي تخدم هذه المقاصد. ولهذا نرى القرافي يعرض رأيا، هو في نفسه أحد هذه الوسائل، فيقول: (٢) " وينبغي للمفتي متى جاءته فتيا، وفيها خط من لا يصلح للفتيا، ألا يكتب معه؛ فإن كتابته معه تقرير لصنيعه، وترويج لقوله الذي لا ينبغي أن يساعد عليه، وإن كان الجواب في نفسه صحيحا؛ فإن الجاهل قد يصيب، ولكن المصيبة العظيمة، أن يفتي في دين الله من لا يصلح للفتيا؛ إما لقلة علمه، أو لقلة دينه، أو لهما معا ". نسأل الله أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، وأن يوفق القائمين على شئون المسلمين لما فيه خير دينهم، وصلاح من تحت رعايتهم؟

стр. 217

مجلة البحوث الإسلامية اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء العبادات حكم السعي فوق سقف المسعى

стр. 218

العبادات الحمد لله وبعد: فبناء على خطاب سمو نائب وزير الداخلية للمملكة العربية السعودية رقم ٢٦/ ١٠٦١٢ وتاريخ ٢١/ ٣ / ١٣٩٣ هـ. المتضمن رغبة وزارة الداخلية في دراسة موضوع السعي فوق سقف المسعى من قبل هيئة كبار العلماء بالمملكة، وبناء على ما تقتضيه لائحة سير عمل الهيئة من قيام اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بإعداد بحث علمي فيما يحتاج إلى بحث من المواضيع التي تتجه الرغبة إلى دراستها في الهيئة. قامت اللجنة بإعداد بحث في حكم السعي فوق سقف المسعى، وفيما يلي ما تيسر إعداده من النصوص والنقول التي يمكن أن يستعان بها في هذا الموضوع: - الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد: - فإنه قد عرض على هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية في دورتها الرابعة المنعقدة ما بين ٢٩/ ١٠ / ٩٣ هـ و ١٢/ ١١ / ١٣٩٣ هـ موضوع حكم السعي فوق سقف المسعى ليكون وسيلة لعلاج ازدحام الناس في السعي أيام موسم الحج، وأطلقت الهيئة على البحث المقدم عنه من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء المعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. . . ورغبة في إطلاع القراء الكرام على هذا البحث القيم تقدمه بكامله وهذا نصه.

стр. 219

الفهرس يمكن أن يرجع في حكم السعي بين الصفا والمروة فوق سقف المسعى إلى الأمور الآتية: إن من ظلم قيد شبر طوقه من سبع أرضين " ١ ". الطواف والسعي على بعير ونحوه. استقبال الكعبة في الصلاة. رمي الحاج الجمرات وهو راكب.

стр. 220

حكم السعي فوق سقف المسعى

стр. 221

أما الأمر الأول قال البخاري في صحيحه حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال: حدثني طلحة بن عبد الله أن عبد الرحمن بن عمرو بن سهل أخبره أن سعيد بن زيد ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ظلم من الأرض شيئا طوقه من سبع أرضين (١)» قال ابن حجر: وفي الحديث تحريم الظلم والغصب وتغليظ عقوبته وإمكان غصب الأرض وأنه من الكبائر قاله القرطبي وكأنه فرعه على أن الكبيرة ما ورد فيه وعيد شديد وأن من ملك أرضا ملك أسفلها إلى منتهى الأرض وله أن يمنع من حفر تحتها سربا أو بئرا بغير رضاه وفيه أن من ملك ظاهر الأرض ملك باطنها بما فيه حجارة ثابتة وأبنية ومعادن وغير ذلك وأن له أن ينزل بالحفر ما شاء ما لم يضر بمن يجاوره. اهـ (٢). وقال العيني بعد أن ساق حديث سعيد بن زيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ظلم من الأرض شيئا طوقه من سبع أرضين (٣)». ذكر ما يستفاد منه، فيه دليل على أن من ملك أرضا ملك أسفلها إلى منتهاها وله أن يمنع من حفر

стр. 222

تحتها سربا أو بئرا سواء أضر ذلك بأرضه أو لا قاله الخطابي، وقال ابن الجوزي: لأن حكم أسفلها تبع لأعلاها، وقال القرطبي: وقد اختلف فيها إذا حفر أرضه فوجد فيها معدنا أو شبهه فقيل هو له وقيل بل للمسلمين، وعلى ذلك فله أن ينزل بالحفر ما شاء ما لم يضر بجاره وكذلك له أن يرفع في الهواء المقابل لذلك القدر من الأرض من البناء ما شاء ما لم يضر بأحد. اهـ. وقال الأبي (١): قوله «من ظلم شبرا من الأرض (٢)». . . . واستدل بعضهم على أن من ملك ظاهر الأرض يملك ما تحته مما يقابله فله منع من يتصرف فيه أو يحفر، وقد اختلف العلماء في هذا الأصل فيمن اشترى دارا فوجد فيها كنزا أو وجد في أرضه معدنا فقيل له وقيل للمسلمين، ووجه الدليل من الحديث أنه غصب شبرا فعوقب بحمله من سبع أرضين. . . . . إلى أن قال: وكذلك يملك ما قبل ذلك من الهواء يرفع فيه من البناء ما شاء ما لم يضر بأحد. اهـ. فدل ما تقدم على أن حكم أعلى الأرض وأسفلها تابع لحكمها في التملك والاختصاص ونحوهما وعلى ذلك يمكن أن يقال أن السعي فوق الطابق الذي جعل سقفا لأرض المسعى له حكم السعي على أرض المسعى.

стр. 223

أما الأمر الثاني وقد جاءت أحاديث في هذا الباب عن النبي ﷺ من رواية ابن عباس أن «النبي ﷺ طاف بالبيت وهو على بعير (١)». ومن رواية أم سلمة: «شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي فقال: " طوفي وأنت راكبة (٢)». وقد بوب البخاري في صحيحه فقال: " باب المريض يطوف راكبا " ثم ساق الحديثين السابقين حديث ابن عباس وحديث أم سلمة، قال ابن حجر (٣): أن المصنف حمل سبب طوافه ﷺ راكبا على أنه كان عن شكوى وأشار بذلك إلى ما أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس بلفظ «قدم النبي ﷺ مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته (٤)» ووقع في حديث جابر عند مسلم أن «النبي ﷺ طاف راكبا ليراه الناس وليسألوه (٥)». «طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه ليراه الناس ويشرف ليسألوه "». فيحتمل أن يكون فعل ذلك لأمرين وحينئذ لا دلالة فيه على جواز الطواف راكبا لغير عذر، وكلام الفقهاء يقتضي الجواز إلا أن المشي أولى والركوب مكروه تنزيها، والذي يترجح المنع لأن طوافه ﷺ

стр. 224

وكذا أم سلمة كان قبل أن يحوط المسجد ووقع في حديث أم سلمة طوفي من وراء الناس وهذا يقتضي منع الطواف في المطاف. وإذا حوط المسجد امتنع داخله إذ لا يؤمن التلويث فلا يجوز بعد التحويط بخلاف ما قبله فإن كان لا يحرم التلويث كما في المسعى وعلى هذا فلا فرق في الركوب إذا ساغ بين البعير والفرس والحمار. وأما طواف النبي ﷺ راكبا فللحاجة إلى أخذ المناسك عنه ولذلك عده بعض من جمع خصائصه فيها. اهـ. وفي صحيح البخاري بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: «طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن (١)». قال العيني: وأخرج مسلم عن أبي الطفيل: «رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن (٢)»، وروى مسلم عن جابر: «طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه ليراه الناس وليشرف ليسألوه». . . . قال ذكر معناه قوله: «طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير (٣)». قال ابن بطال استلامه بالمحجن راكبا يحتمل أن يكون لشكوى به. . . إلى أن قال: وقال النووي قال أصحابنا الأفضل أن يطوف ماشيا ولا يركب إلا لعذر من مرض ونحوه أو كان يحتاج إلى ظهوره ليستفتي ويقتدي به فإن كان لغير عذر جاز بلا كراهة لكنه خلاف لأولى. . . إلى أن قال: وقال مالك وأبو حنيفة: إن طاف راكبا لغير عذر أجزأ ولا شيء عليه وإن كان لغير عذر فعليه دم قال أبو حنيفة وإن كان بمكة أعاد الطواف. اهـ (٤). وقال السرخسي: وإن طاف راكبا أو محمولا فإن كان لعذر من مرض أو كبر لم يلزمه شيء، وإن كان لغير عذر أعاده ما دام بمكة فإن رجع إلى أهله فعليه الدم عندنا، وعلى قول الشافعي لا شيء عليه لأنه صح في الحديث أن النبي ﷺ طاف للزيارة يوم النحر على ناقته واستلم الأركان بمحجنه (٥). ولكنا نقول المتوارث من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا الطواف ماشيا، وهذا على قول من يجعله كالصلاة لأن أداء المكتوبة راكبا من غير عذر لا يجوز فكان ينبغي أن لا يعتد بطواف الراكب من غير عذر، ولكنا نقول المشي شرط الكمال فيه فتركه من غير عذر يوجب الدم لما بينا - فأما تأويل الحديث فقد ذكر أبو الطفيل ﵀ أنه طاف راكبا لوجع أصابه وهو أنه وثبت رجله فلهذا طاف راكبا، وذكر أبو الزبير عن جابر أن «النبي ﷺ طاف راكبا لكبر سنه»، وعندنا إذا كان لعذر فلا بأس به وكذلك إذا طاف بين الصفا والمروة محمولا أو راكبا وكذلك لو طاف الأكثر راكبا أو محمولا فالأكثر يقوم مقام الكل على ما بينا. اهـ (٦). وقال ابن الهمام على قول صاحب الهداية " وإن أمكنه أن يمس الحجر شيئا في يده " كالعرجون وغيره ثم قبل ذلك فعل، لما روى أنه ﵇ «طاف على راحلته واستلم الأركان بمحجنه (٧)».

стр. 225

وقوله وإن أمكنه أن يمس الحجر شيئا في يده، أو يمسه بيده ويقبل ما مس به فعل أما الأول فلما أخرج الستة إلا الترمذي عن ابن عباس ﵄ أن «النبي ﷺ طاف في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه لأن يراه الناس ويشرف وليسألوه فإن الناس غشوه (١)». وأخرجه البخاري عن جابر إلى قوله: «لأن يراه الناس (٢)». ورواه مسلم عن أبي الطفيل «رأيت النبي ﷺ يطوف بالبيت على راحلته ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن (٣)» ثم أورد إشكالا حديثيا وهو أن الثابت بلا شبهة أنه ﵇ رمل في حجة الوداع وطوافه راكبا على البعير ينافي ذلك - إلى أن قال - والجواب أن في الحج للآفاقي أطوفة فيمكن كون المروي من ركوبه كان في طواف الفرض يوم النحر ليعلمهم ومشيه كان في طواف القدوم وهو الذي يفيده حديث جابر الطويل لأنه حكى ذلك الطواف الذي بدأ به أول دخوله مكة كما يفيده سوقه للناظر فيه: فإن قلت فهل يجمع بين ما عن ابن عباس وعائشة ﵄ إنما طاف راكبا ليشرف ويراه الناس فيسألوه، وبين ما عن سعيد بن جبير أنه إنما طاف كذلك لأنه كان يشتكي. كما قال محمد أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان أنه «سعى بين الصفا والمروة مع عكرمة فجعل حماد يصعد الصفا وعكرمة لا يصعد ويصعد حماد المروة وعكرمة لا يصعد فقال حماد يا أبا عبد الله ألا تصعد الصفا والمروة فقال هكذا كان طواف رسول الله ﷺ قال حماد فلقيت سعيد بن جبير فذكرت له ذلك فقال: إنما طاف رسول الله ﷺ على راحلته وهو شاك يستلم الأركان بمحجن فطاف بين الصفا والمروة على راحلته فمن أجل ذلك لم يصعد». اهـ (٤). وقال الدسوقي (قوله إذ هو واجب. إلخ) حاصله أن المشي في كل من الطواف والسعي واجب على القادر عليه فلا دم على عاجز طاف أو سعى راكبا أو محمولا، وأما القادر إذا طاف أو سعى محمولا أو راكبا فإنه يؤمر بإعادته ماشيا ما دام بمكة لا يجبر بالدم حينئذ كما يؤمر العاجز بإعادته إن قدر ما دام بمكة وإن رجع لبلده فلا يؤمر بالعودة لإعادته ويلزمه دم فإن رجع وأعاده ماشيا سقط الدم عنه ثم قال: وهذا في الطواف الواجب، وأما الطواف غير الواجب فالمشي فيه سنة وحينئذ فلا دم على تارك المشي فيه قاله عج. اهـ (٥). . قال النووي: والأفضل أن يطوف راجلا لأنه إذا طاف راكبا زاحم الناس وآذاهم وإن كان به مرض يشق معه الطواف راجلا لم يكره الطواف راكبا لما روت «أم سلمة أنها قدمت مريضة فقال لها رسول الله ﷺ " طوفي وراء الناس وأنت راكبة (٦)»، وإن كان راكبا من غير عذر جاز لما روى جابر: «أن النبي ﷺ طاف راكبا ليراه الناس ويسألوه (٧)». حديث أم سلمة رواه البخاري وحديث جابر رواه مسلم وثبت طواف النبي ﷺ في الصحيحين أيضا من رواية ابن عباس وثبت أيضا

стр. 226

من رواية غير هؤلاء، ولفظ حديث ابن عباس أن النبي ﷺ «طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن (١)» رواه البخاري ومسلم، وفي حديث «طاف رسول الله ﷺ في حجة الوداع على راحلته يستلم الركن بمحجنه لأن يراه الناس وليشرف فيسألوه فإن الناس غشوه (٢)» رواه مسلم. وعن عائشة قالت «طاف النبي ﷺ في حجة الوداع حول الكعبة على بعير يستلم الركن كراهة أن يضرب عنه الناس (٣)» رواه مسلم. وأما الأحكام فقال أصحابنا الأفضل أن يطوف ماشيا ولا يركب إلا لعذر مرض أو نحوه أو كان ممن يحتاج الناس إلى ظهوره ليستفتى ويقتدى بفعله فإن طاف راكبا بلا عذر جاز بلا كراهية لكنه خالف الأولى كذا قاله جمهور أصحابنا - إلى أن قال - " فرع " قد ذكرنا مذهبنا في طواف الراكب، ونقل الماوردي إجماع العلماء على أن طواف الماشي أولى من طواف الراكب. اهـ (٤). وقال أيضا: أما سنن الطواف وآدابه فثمان، أحدها -: أن يطوف ماشيا فإن طاف راكبا لعذر يشق معه الطواف ماشيا أو طاف راكبا ليظهر ويستفتى ويقتدى بفعله جاز ولا كراهة؛ لأن النبي ﷺ طاف راكبا في بعض أطوافه وهو طواف الزيارة ولو طاف راكبا بلا عذر جاز. اهـ. . وقال ابن حجر الهيثمي في حاشيته على الشرح قوله: وهو طواف الزيارة أما ما أشار إليه من ركوبه ﷺ فيه أنما كان ليظهر فيستفتى هذا ما رواه مسلم. قال السبكي وهذا أصح من رواية من روى أنه طاف راكبا لمرض أشار بذلك إلى ما رواه أبو داود على أن في إسناده من لا يحتج به، وقال البيهقي في حديثه لفظة لم يوافق عليها وهي قوله «وهو يشتكي (٥)». ومن ثمة قال الشافعي لا أعلم أنه ﷺ فعله ماشيا، وخبر مسلم «أنه طاف في حجة الوداع راكبا على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة (٦)» لا ينافي ذلك وإن كان سعيه في تلك الحجة إنما كان مرة واحدة وعقب طواف القدوم لأن الواو لا تقتضي ترتيبا. اهـ (٧). وقال في الإيضاح أيضا: ويجوز الطواف في أخريات المسجد وفي أروقته وعند بابه من داخله وعلى أسطحته ولا خلاف في شيء من هذا لكن قال بعض أصحابنا يشترط في صحة الطواف أن يكون البيت أرفع بناء من السطح كما هو اليوم حتى لو رفع سقف المسجد فصار سطحه أعلى من البيت لم يصح الطواف على هذا السطح وأنكره عليه الإمام أبو القاسم الرافعي. اهـ (٨).

стр. 227

وقال ابن قدامة: لا نعلم خلافا في صحة طواف الراكب إذا كان له عذر. . . إلى أن قال - فصل - فأما الطواف راكبا أو محمولا لغير عذر فمفهوم كلام الخرقي أنه لا يجزئ وهذا هو إحدى الروايات عن أحمد لأن النبي ﷺ قال: «الطواف بالبيت صلاة (١)». ولأنها عبادة تتعلق بالبيت فلم يجز فعلها راكبا لغير عذر كالصلاة. والثانية يجزئه ويجبره بدم، وهو قول مالك، وبه قال أبو حنيفة إلا أنه قال: يعيد ما كان بمكة فإن رجع جبره بدم لأنه ترك صفة واجبة من واجبات الحج فأشبه ما لو وقف بعرفة نهارا ودفع قبل غروب الشمس. والثالثة يجزئه ولا شيء عليه اختارها أبو بكر وهي مذهب الشافعي وابن المنذر لأن النبي ﷺ أمر بالطواف مطلقا فكيفما أتى به أجزأه ولا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل ثم قال: فصل فأما السعي راكبا فيجزئه لعذر ولغير عذر لأن المعنى الذي منع الطواف راكبا غير موجود فيه. اهـ (٢). وقال البهوتي (٣): ومن طاف أو سعى راكبا أو محمولا لغير عذر لم يجزئه الطواف ولا السعي لقوله ﷺ «الطواف بالبيت صلاة (٤)» (ولأنه عبادة تتعلق بالبيت فلم يجز فعلها راكبا كالصلاة والسعي كالطواف والطواف أو السعي راكبا أو محمولا لعذر يجزئ لحديث ابن عباس «أن النبي ﷺ طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن (٥)»، وعن أم سلمة قالت «شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي فقال: " طوفي من وراء الناس راكبة (٦)». متفق عليه. ولأن طوافه ﷺ راكبا لعذر كما يشير إليه قول ابن عباس «كثر عليه الناس يقولون هذا محمد هذا محمد حتى خرج العواتق من البيوت، وكان النبي ﷺ لا تضرب الناس بين يديه فلما كثروا عليه ركب (٧)». رواه مسلم، واختار الموفق والشارح يجزئ السعي راكبا ولو لغير عذر. اهـ. مما تقدم يتبين أنه يجوز للحاج والمعتمر أن يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة راكبا لعذر باتفاق ولا شيء عليه - أما غير المعذور فله أن يسعى راكبا لكن المشي له أفضل، وفي طوافه راكبا خلاف فقيل يجزئه ولا شيء عليه لأن النبي ﷺ طاف طواف الزيارة راكبا، وقيل يجزئه وعليه دم جبرا، لأن الطواف له حكم الصلاة في الجملة، والمفترض لا يصلي محمولا، ولأن ركوبه صلى الله

стр. 228

عليه وسلم في الطواف كان لوجع في رجله أو ليراه الناس فيسألوه وقيل لا يجزئه لحديث «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام (١)» والمفترض لا تصح صلاته راكبا لغير عذر، وطواف النبي ﷺ راكبا كان لعذر كما تقدم،. وعلى هذا يمكن أن يقال بإجزاء السعي على سقف المسعى بل بجوازه وإن كان المشي أفضل لشبهه بالسعي راكبا بعيرا ونحوه، إذ الكل غير مباشر للأرض في سعيه وخاصة أنه لم يرد في السعي ما يلحقه بالصلاة في حكمها بل أنه أولى من الطواف راكبا بالإجزاء فإذا صح الطواف راكبا لعذر صح السعي فوق سقف المسعى لعذر، وفي سعيه فوقه لغير عذر يكون فيه الخلاف في جوازه وإجزائه، وأخيرا إن اعتبر في إجزاء السعي فوق سقف المسعى أو جوازه وجود العذر نظر في زحام السعاة في الحج والعمرة، هل يقوم عذرا أو لا. والله الموفق.

стр. 229

وأما الأمر الثالث وقد يسترشد فيه بالقرآن وأقوال الفقهاء قال الله تعالى ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ﴾ (١) في هذه الآية خطاب من الله للناس في كل مكان أن يولوا وجوههم قبل المسجد الحرام سواء منهم من كان بأرض منخفضة عن المسجد الحرام فيكون مستقبلا في صلاته لتخوم أرضه ومن كان منهم بمكان مرتفع عن سطح الكعبة، فيكون مستقبلا لما فوق الكعبة من الهواء، فدل ذلك على أن حكم ما تحت البيت الحرام من تخوم الأرض وما فوقه من الهواء في استقبال القبلة في الصلاة حكم استقبال البيت نفسه. وفيما يلي نقول عن بعض أهل العلم في الموضوع: قال السرخسي: ومن صلى على سطح الكعبة جازت صلاته عندنا وإن لم يكن بين يديه ستره، وقال الشافعي: لا يجوز إلا أن يكون بين يديه سترة بناء على أصله أن البناء معتبر في جواز التوجه إليه للصلاة ثم قال: وعندنا القبلة هي الكعبة فسواء كان بين يديه سترة أم لم يكن فهو مستقبل القبلة، وبالاتفاق من صلى على أبي قبيس جازت صلاته وليس بين يديه شيء من بناء الكعبة فدل على أنه لا معتبر للبناء. اهـ (٢). وقال المرغيناني (٣): " ومن كان غائبا ففرضه إصابة جهتها هو الصحيح لأن التكليف بحسب الوسع. وقال ابن الهمام تعليقا على قول المرغيناني: إصابة جهتها. قال: قوله " إصابة جهتها " في الدراية عن شيخه ما حاصله أن استقبال الجهة أن يبقى شيء من سطح الوجه مسامتا للكعبة أو لهوائها لأن المقابلة إذا قعت في مسافة بعيدة لا تزول بما يزول به من الانحراف لو كانت مسافة قريبة، وبتفاوت ذلك بحسب تفاوت

стр. 230

البعد وتبقى المسامتة مع انتقال مناسب لذلك البعد فلو فرض خط من تلقاء وجه المستقبل للكعبة على التحقيق في بعض البلاد، وخط آخر يقطعه على زاويتين قائمتين من جانب يمين المستقبل وشماله لا تزول تلك المقابلة والتوجه بالانتقال إلى اليمين والشمال على ذلك الخط بفراسخ كثيرة. . اهـ. وقال الدسوقي: (١) " قوله وبطل فرض على ظهرها " أي على ظهر الكعبة " قوله فيعاد أبدا " أي على المشهور ولو كان بين يديه قطعة من حائط سطحها بناء على أن المأمور به استقبال جملة البناء لا بعضه ولا الهواء وهو المعتمد، وقيل إنما يعاد بناء على كفاية استقبال هواء البيت أو استقبال قطعة من البناء ولو من حائط سطحه. اهـ. وقد ذكر نحوا من ذلك الحطاب (٢). وقال الشيخ محمد عرفة الدسوقي: ملخصا حكم الصلاة على ظهر الكعبة " فتحصل من كلام الشارح أن الفرض على ظهرها ممنوع اتفاقا، وأما النفل ففيه أقوال ثلاثة، الجواز مطلقا، والجواز إن كان غير مؤكد، والمنع وعدم الصحة مطلقا، قال شيخنا: وهذا الأخير هو أظهر الأقوال، " تنبيه " سكت المصنف عن حكم الصلاة تحت الكعبة في حفرة، وقد قدم أن الحكم بطلانها مطلقا، فرضا أو نفلا، لأن ما تحت المسجد لا يعطى حكمه بحال، ألا ترى أن الجنب يجوز له الدخول تحته، ولا يجوز له الطيران فوقه، كذا قرره شيخنا. . وكتب الشيخ محمد عليش في تقريره على حاشية الدسوقي والشرح الكبير للشيخ أحمد الدردير ما نصه: " وإنما جاز على جبل أبي قبيس مع أنه أعلى من بنائها لأن المصلي عليه مصل إليها وأما المصلي على ظهرها فهو فيها، انتهى ضوء الشموع " اهـ. وقال النووي (٣): أما حكم المسألة فقال أصحابنا لو وقف على أبي قبيس أو غيره من المواضع العالية على الكعبة وبقربها صحت صلاته بلا خلاف لأنه يعد مستقبلا وإن وقف على سطح الكعبة نظر إن وقف على طرفها واستدبر باقيها لم تصح صلاته بالاتفاق لعدم استقبال شيء منها وهكذا لو انهدمت - والعياذ بالله - فوقف على طرف العرصة واستدبر باقيها لم تصح صلاته ولو وقف خارج العرصة واستقبلها صح بلا خلاف، وأما إذا وقف في وسط السطح أو العرصة فإن لم يكن بين يديه شيء شاخص لم تصح صلاته على الصحيح المنصوص، وبه قال أكثر الأصحاب، وقال ابن سريج تصح وبه قال أبو حنيفة

стр. 231

وداود، ومالك في رواية عنه كما لو وقف على أبي قبيس، وكما لو وقف خارج العرصة واستقبلها، والمذهب الأول والفرق أنه لا يعد هنا مستقبلا بخلاف ما قاس عليه، وهذا الوجه الذي لابن سريج جاز في العرصة والسطح كما ذكرنا كذا نقله عنه إمام الحرمين وصاحب التهذيب وآخرون، وكلام المصنف يوهم أنه لا يقول به في السطح وليس الأمر كذلك. اهـ. وقال ابن قدامة: ولو صلى على جبل عال يخرج من مسامتة الكعبة صحت صلاته، وكذلك لو صلى في مكان ينزل عن مسامتتها لأن الواجب استقبالها وما يسامتها من فوقها وتحتها بدليل ما لو زالت الكعبة - والعياذ بالله - صحت الصلاة إلى موضع جدارها. اهـ (١). وقال البهوتي: ولا يضر علو على الكعبة كما لو صلى على أبي قبيس، ولا نزوله عنها كما لو صلى في حفيرة تنزل عن مسامتتها لأن العبرة بالبقعة لا بالجدران. اهـ (٢). مما تقدم يتبين أن من صلى على مكان مرتفع عن سطح الكعبة مستقبلا ما فوق سطحها من هواء صحت صلاته إجماعا. كمن صلى فوق جبل أبي قبيس أو في بلاد سطح أرضها أعلى من سطح الكعبة، ومن صلى الفريضة فوق الكعبة مستقبلا ما أمامه من هوائها أو مستقبلا سترة بين يديه ففي صحة صلاته خلاف، بناء على الاكتفاء باستقبال جزء من بناء الكعبة أو جزء من هوائها في صحة الصلاة، وعدم الاكتفاء بذلك بل لا بد من شاخص أو استقبال جملة البناء أو جملة الهواء أما من على سطحها أو في جوفها فيقال فيه أنه مستدير الكعبة أو هواءها باعتبار كما يقال أنه مستقبل باعتبار آخر فلم يتحقق فيه شرط الاستقبال بإطلاق، فلا تصح صلاته. ومن صلى على طرفها وجعل هواءها وراءه بطلت صلاته لأنه لم يستقبل شيئا من بنائها ولا من هوائها، وعلى هذا يمكن أن يقال: إذا كان استقبال ما فوق الكعبة من هواء في الصلاة كاستقبال بنائها فالسعي فوق سقف المسعى في حكم السعي على أرض المسعى.

стр. 232

وأما الأمر الرابع فروى جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال «رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر ويقول لتأخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه (١)». رواه أحمد ومسلم والنسائي (٢).

стр. 233

وما روى أبو داود وابن ماجه في سننهما عن يزيد بن أبي زياد عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أمه قالت «رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب يكبر مع كل حصاة ورجل خلفه يستره فسألت عن الرجل فقالوا الفضل بن عباس وازدحم الناس فقال النبي ﷺ يا أيها الناس لا يقتل بعضكم بعضا وإذا رأيتم الجمرة فارموا بمثل حصى الحذف (١)» سكت أبو داود عن الحديث وقال المنذري في إسناده يزيد بن أبي زياد (٢). وقال الشوكاني: قوله على راحلته استدل به على أن رمي الراكب لجمرة العقبة أفضل من رمي الراجل، وبه قالت الشافعية، والحنفية، والناصر، والإمام يحيى، وقال الهادي والقاسم: إن رمي الراجل أفضل. اهـ (٣). وقال ابن عابدين: وقوله " وجاز الرمي راكبا - إلخ " عبارة الملتقى أخص وهي جاز الرمي راكبا وغير راكب أفضل في جمرة العقبة. انتهى، وفي اللباب، والأفضل أن يرمي جمرة العقبة راكبا وغيرها ماشيا في جميع أيام الرمي - إلى أن قال: والضابط أن كل رمي يقف بعده فإنه يرميه ماشيا وهو كل رمي بعده رمي كما مر ومالا فلا ثم هذا التفصيل قول أبي يوسف وله حكاية مشهورة ذكرها (ط) وغيره وهو مختار كثير من المشايخ كصاحب الهداية والكافي والبدائع وغيرهم، وأما قولهما فذكر في البحر أن الأفضل الركوب في الكل على ما في الحاشية، والمشي في الكل على ما في الظهيرية وقال: فتحصل إن في المسالة ثلاثة أقوال - ثم قال: " قوله ورجحه الكمال " أي بأن أداءها ماشيا أقرب إلى التواضع والخشوع وخصوصا في هذا الزمان فإن عامة المسلمين مشاة في جميع الرمي فلا يؤمن من الأذى بالركوب بينهم - بالزحمة، ورميه ﵇ راكبا إنما هو ليظهر فعله ليقتدى به كطوافه راكبا. اهـ. قال في البحر: " ولو قيل بأنه ماشيا أفضل إلا في رمي جمرة العقبة وفي اليوم الأخير لكان له وجه لأنه ذاهب إلى مكة في هذه الساعة كما هو العادة وغالب الناس راكب فلا إيذاء في ركوبه مع تحصيل فضيلة الاتباع له ﵊. اهـ (٤). وقال السرخسي: وإن رماها راكبا أجزأه لحديث جابر ﵁ «أن النبي ﷺ " رمى الجمار راكبا (٥)». اهـ (٦).

стр. 234

وفي المدونة الكبرى: قلت فهل يرمي الرجل الجمار راكبا أو ماشيا قال: قال مالك أما الشأن يوم النحر فيرمي جمرة العقبة راكبا كما يأتي على دابته يمضي كما هو يرمي، وأما في غير يوم النحر فكان يقول يرمي ماشيا قلت فإن ركب في رمي الجمار في الأيام الثلاثة أو مشي يوم النحر إلى جمرة العقبة فرماها ماشيا هل عليه لذلك شيء؟ قال: ليس عليه لذلك شيء. اهـ (١). وقال الدسوقي: " قوله وإن راكبا " أي هذا إذا وصل إليها ماشيا بل إن وصل إليها راكبا وهذا من تعليقات الندب أي أنه يندب أن يرميها حين وصوله على الحالة التي وصل عليها من ركوب أو مشي فلا يصبر حتى ينزل إذا وصل راكبا ولا يصبر حتى يركب إذا وصل إليها ماشيا لأن فيه عدم الاستعجال برميها. اهـ (٢). وقال الشافعي: ولا يرمي يوم النحر إلا جمرة العقبة وحدها ويرميها راكبا وكذلك يرميها يوم النفر راكبا ويمشي في اليومين الآخرين أحب إلي ثم قال: وإن ركب فلا شيء علي - ثم ساق رواية قدامة بن عبد الله بن عمار الكلابي قال «رأيت رسول الله ﷺ يرمي جمرة العقبة على ناقته الصهباء وليس ضرب ولا طرد ولكن قيل إليك إليك (٣)». اهـ (٤). وقال النووي: (٥) (فرع) مذهبنا أنه يستحب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا إن كان دخل منى راكبا ويرمي في أيام التشريق ماشيا إلا يوم النفر فراكبا، وبه قال مالك، قال ابن المنذر: وكان ابن عمر وابن الزبير وسالم يرمون مشاة واستحبه أحمد وكره جابر الركوب إلى شيء من الجمار إلا لضرورة. قال وأجمعوا على أن الرمي يجزئه على أي حال إذا وقع في المرمى دليلنا الأحاديث الصحيحة السابقة «أن النبي ﷺ رمى جمرة العقبة راكبا يوم النحر (٦)» والله أعلم. وقال ابن قدامة (٧): ويرميها راكبا أو راجلا كيفما شاء لأن النبي ﷺ رماها على راحلته رواه جابر وابن عمر وأم أبي الأحوص وغيرهم قال جابر: «رأيت رسول الله ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر ويقول خذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتى هذه (٨)». وقال نافع: كان ابن عمر يرمي جمرة العقبة على دابته يوم النحر وكان لا يأتي سائرها بعد ذلك إلا ماشيا ذاهبا وراجعا وزعم أن النبي ﷺ كان لا يأتيها إلا ماشيا ذاهبا وراجعا رواه أحمد في المسند. ثم قال وفي هذا بيان للتفريق بين هذه الجمرة وغيرها. اهـ.

стр. 235

وقال البهوتي (١): فإذا وصل إلى منى. . . بدأ بها راكبا إن كان راكبا الحديث «ابن مسعود أنه انتهى إلى جمرة العقبة فرماها من بطن الوادي بسبع حصيات وهو راكب يكبر مع كل حصاة. . - إلى أن قال -: ههنا كان يقوم الذي أنزلت عليه سورة البقرة (٢)». رواه أحمد. وظاهر كلام الأكثر ماشيا وإلا أي لم يكن راكبا رماها ماشيا. اهـ. مما تقدم يتبين أن النبي ﷺ رمى الجمرة راكبا وأن الفقهاء اتفقوا على أنه يجزئ الرمي راكبا وماشيا، واختلفوا في الأفضل منهما، هل هو الرمي ماشيا، لأنه أقرب للتواضع والبعد عن إيذاء المشاة، وإنما رماها ﷺ راكبا ليراه الناس ويسألوه ويقتدوا به، أو الرمي راكبا اقتداء بالنبي ﷺ . وعلى هذا يمكن أن يقال: إذا جاز رمي الجمرات راكبا جاز السعي فوق سقف المسعى، فإن كلا منهما نسك أدي من غير مباشرة مؤديه للأرض التي أدى عليها، بل السعي فوق السقف أقرب من أداء أي شعيرة من شعائر الحج أو العمرة فوق البعير ونحوه لما في البناء من الثبات الذي لا يوجد في المراكب. ونظرا إلى أن السعي فوق سقف المسعى لم نقف فيه على نصوص للفقهاء وأن ما يرجع إليه من أقوالهم للاسترشاد بها على هذه المسألة ليس بكثير وليس الخلاف فيه كثيرا اكتفينا بما نقلناه سائلين الله التوفيق للجميع، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم،،،،،، اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ

стр. 236

الخلاصة وبعد اطلاع الهيئة على البحث المتقدم، ودراستها للمسألة، واستعراض أقوال أهل العلم في حكم الطواف والسعي والرمي راكبا والصلاة إلى هواء الكعبة أو قاعها، وكذا حكم الطواف فوق أسطحة الحرم وأروقته، وحكمهم بأن من سلك أرضا ملك أسفلها وأعلاها. وبعد تداول الرأي والمناقشة انتهى المجلس بالأكثرية إلى الإفتاء بجواز السعي فوق سقف المسعى عند الحاجة بشرط استيعاب ما بين الصفا والمروة وإن لا يخرج عن مسامتة المسعى عرضا لما يأتي: - ١ - لأن الحكم أعلى الأرض وأسفلها تابع لحكمها في التملك والاختصاص ونحوهما فللسعي فوق سقف المسعى حكم السعي على أرضه. ٢ - لما ذكره أهل العلم من أنه يجوز للحاج والمعتمر أن يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة راكبا لعذر باتفاق ولغير عذر على خلاف من بعضهم، فمن يسعى فوق سقف المسعى يشبه من يسعى راكبا بعيرا ونحوه إذ الكل غير مباشر للأرض في سعيه وعلى رأي من لا يرى جواز السعي راكبا لغير عذر فإن ازدحام السعاة في الحج يعتبر عذرا يبرر الجواز. . . ٣ - أجمع أهل العلم على أن استقبال ما فوق الكعبة من هواء في الصلاة كاستقبال بنائها بناء على أن العبرة بالبقعة لا بالبناء، فالسعي فوق سقف المسعى كالسعي على أرضه. . ٤ - اتفق العلماء على أنه يجوز الرمي راكبا وماشيا واختلفوا في الأفضل منهما، فإذا جاز رمي الجمرات راكبا جاز السعي فوق سقف المسعى فإن كلا منهما نسك أدي من غير مباشرة مؤديه للأرض التي أداه عليها بل السعي فوق السقف أقرب من أداء أي شعيرة من شعائر الحج أو العمرة فوق البعير ونحوه لما في البناء من الثبات الذي لا يوجد في المراكب. .

стр. 237

٥ - لأن السعي فوق سقف المسعى لا يخرج عن مسمى السعي بين الصفا والمروة ولما في ذلك من التيسير على المسلمين والتخفيف مما هم فيه من الضيق والازدحام. وقد قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢) مع عدم وجود ما ينافيه من كتاب أو سنة بل أن فيما تقدم من المبررات ما يؤيد القول بالجواز عند الحاجة وقد ذكر ابن حجر الهيثمي ﵀ رأيه في المسألة فقال في حاشية على الإيضاح لمحيي الدين النووي ص (١٣١) ولو مشى أو مر في هواء السعي فقياس جعلهم هواء المسجد مسجدا صحة سعيه. اهـ.

стр. 238

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١)

стр. 239

مجلة البحوث الإسلامية اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الاقتصاد حكم الأوراق النقدية

стр. 240

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وآله وصحبه. وبعد: فقد عرض على هيئة كبار العلماء رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد -المملكة العربية السعودية- موضوع " الورق النقدي " حيث تم إدراجه في جداول أعمال الهيئة لدورتها الثالثة المنعقدة في شهر ربيع الثاني عام ١٣٩٣ هـ. وفي تلك الدورة قدمت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في الموضوع هذا نصه:. . .

стр. 241

الفهرس تعريف النقد نشأة النقود وتطورها قاعدة النقد الورقي سر القابلية العامة لاعتبار النقد واسطة تعامل آراء فقهية في حقيقة الأوراق النقدية الأوراق النقدية أسناد الأوراق النقدية عروض الأوراق النقدية فلوس الأوراق النقدية متفرعة عن ذهب أو فضة، وأجناس تتعدد بتعدد جهات إصدارها علة الربا في النقدين الأوراق النقدية نقد قائم بنفسه

стр. 242

حكم الأوراق النقدية تعريف النقد يقول علماء الاقتصاد: إن للنقد ثلاث خصائص متى توفرت في مادة ما اعتبرت هذه المادة نقدا. الأولى: أن يكون وسيطا للتبادل. الثانية: أن يكون مقياسا للقيم. الثالثة: أن يكون مستودعا للثروة. وعلى هذا الأساس قيل إن النقد هو أي شيء يلقى قبولا عاما كوسيط للتبادل مهما كان ذلك الشيء وعلى أي حال يكون، وفي أقوال بعض أهل العلم الشرعي، ما قد يؤيد هذا التعريف، ففي المدونة الكبرى ما نصه: ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة. اهـ (١).

стр. 243

قد يقال إن كراهة مالك لذلك من باب الاحتياط، لا لأنه أنزلها منزلة الذهب والفضة حقيقة بدليل ما جاء في المدونة الكبرى من كتاب الزكاة، قال ابن القاسم: سألت مالكا عن الفلوس تباع بالدراهم والدنانير نظرة ويباع الفلس بالفلسين، قال مالك: إني أكره ذلك وما أراه مثل الذهب والورق في الكراهية. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي ولا شرعي، بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح، وذلك لأن في الأصل لا يتعلق المقصود به بل الفرض أن يكون معيارا لما يتعاملون به، والدراهم والدنانير لا تقصد بنفسها بل هي وسيلة إلى التعامل بها، ولهذا كانت أثمانا بخلاف سائر الأموال، فإن المقصود الانتفاع بها نفسها فلهذا كانت مقدرة بالأموال الطبيعية أو الشرعية، والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيف ما كانت. أهـ (١). وبهذا يمكن القول بأن النقد شيء اعتباري سواء كان ذلك الاعتبار ناتجا عن حكم سلطاني أو عرف عام، وقد يقال إن النقد ليس شيئا اعتباريا محضا ناتجا عن حكم سلطة الإصدار بل يتوقف اعتباره نقدا على قيمة ذاتية أو غطاء كامل مع اعتبار السلطة لنقديته أو جريان العرف بذلك.

стр. 244

نشأة النقود وتطورها الإنسان مدني بطبعه، قليل بنفسه كثير بغيره، فكل محتاج إلى ما عند غيره، ومن طبيعة الإنسان أن يضن ببذل ما عنده إلا بعوض، لذا نشأت الحاجة إلى ما يسمى بالمقايضة، ويذكر أن نظام المقايضة قد ساد وقتا ما إلا أن تطور الحياة، وما في الأخذ بالمقايضة من صعوبات أدى إلى الأخذ بوسيط آخر يكون أيسر، ويصلح وحده للمحاسبة، ومقياسا للقيم، وخزانة للثروة وقوة شرائية غير محدودة، إلا أن كل أمة اختارت وسيطا يناسب البيئة التي تعيشها، ولم يعد هذا الوسيط أن يكون سلعا متنوعة من الأصداف، والخرز، والرياش، وأنياب الفيلة، ونحوها، ولما تطورت الحياة البشرية ظهر عجز السلع عن مسايرة هذا التقدم فاتجه الفكر إلى وسيط سهل الحمل عظيم القيمة له من المميزات ما يحفظه من عوامل التلف والتأرجح بين الزيادة والنقصان، فاتخذوا الوسيط للتبادل من المعادن النفيسة على شكل سبائك وقطع غير مسكوكة، غير أن اختلاف أنواعها وعدم وجود سكة لها أدى إلى التلاعب في وزنها، وإلى صعوبات في تقديرها عند التبادل، فتدخل ولاة الأمر ورأوا احتكار إصدار الوسيط

стр. 245

وأن يكون قطعا متنوعة من المعادن معلومة الوزن مختوما على كل قطعة ما يدل على مسئولية الحاكم عنها، وبهذا تحقق في النقد الثقة والاطمئنان إليه والقدرة على إدارة التعامل به، إلا أن هذه القدرة غير تامة للصعوبة النسبية في حمله ونقله من مكان إلى آخر، لذلك اتجه الفكر إلى الأخذ بالعملات الورقية، على أن الأخذ بالعملات الورقية لم يكن دفعة واحدة، وإنما كان على مراحل، فخوفا على ضياع النقد في الأسفار التجارية اختار التجار طريق التحويل لمن يريدون التعامل معه، ثم رأوا عدم تعيين أشخاصهم في الحوالة، ولما كثر التعامل بهذه الطريقة، ووجدت الأوراق التحويلية قبولا أصدر الصيارفة أوراقا مصرفية جديدة بقدر الجزء المتداول في الأسواق، وبهذا صارت جزءا من النقود لها قبول عام، وصارت خزائن للثروة ومقياسا للقيم، وقوة شرائية مطلقة. لكن إصدارها كان مشوبا بالفوضى والتلاعب فساءت سمعة هذه الأوراق وضعفت الثقة بها فتدخل ولاة الأمور في الإصدار ومراقبته وتحديده وتعيين شكل للورقة النقدية فاكتسبت بذلك قوة الإبراء التام، ثم جرى العمل على أن من طلب من جهة الإصدار والاستعاضة عما تعهدت به في الورقة بنقود معدنية دفع إليه، ثم تخلف الوفاء بهذا التعهد إلا إذا كان ما طلب استرجاعه كثيرا، وأخيرا تخلف الوفاء بما تعهد به إلا بمثله من الورق، وبذلك انقطعت العلاقة بين الورقة النقدية والنقد المعدني وصارت قيمة وحدة النقود الورقية قيمة مستقلة.

стр. 246

قاعدة النقد الورقي لا شك أن أي نقد قابل للتداول العام كوسيط للتبادل لا بد أن يكون له ما يسنده ويدعو إلى الثقة به كقوة شرائية لا حد لها، هذا السند إما أن يكون في ذات النقد نفسه كالذهب والفضة، إذ فيهما قيمتها المقاربة لما يقدران به، أو يكون ركيزة تدعم النقد وتوحي بالثقة به، ثم إن هذه الركيزة قد تكون شيئا ماديا محسوسا كالغطاء الكامل للأوراق من ذهب أو فضة أو عقار أو أوراق مالية من أسهم وسندات، وقد تكون التزاما سلطانيا باعتبارها وضمان قيمتها، وتكون بذلك أوراقا وثيقية، وقد تكون الركيزة المستند عليها النقد شيئا ماديا محسوسا والتزاما سلطانيا معا، فيغطي بعض النقد الورقي بقيمتها المادية عينا، ويلتزم السلطان في ذمته بقيمة باقية دون أن يكون لهذا الباقي غطاء مادي محفوظ، وقد يمثل هذا الباقي غالب النقد الورقي (١) * * *

стр. 247

سر القابلية العامة لاعتبار النقد واسطة تعامل لعلماء الاقتصاد ثلاث نظريات في سر قابلية النقد للتبادل العام، قد تكون كل منها صحيحة في فترة ما. الأولى: النظرية المعدنية: إن النقد مادة لها قيمة في نفسها قبل اتخاذها وسيطا للتبادل، كذلك حصلت الثقة بها وكانت ذات قابلية عامة للوساطة في التبادل، وهذه النظرية صحيحة حينما كان النقد معدنيا، أما اليوم فإن النقد كلما لقي من الناس قبولا عاما وثقة في اعتباره وسيطا للتبادل فيدخل في ذلك النقد الورقي سواء أكان له غطاء حسي أم كان من اعتبار الحاكم له وسيطا وضمانه له. الثانية: النظرية السلطانية: وهذه النظرية تقول بأن أمر السلطان هو الذي أكسب النقد قبولا عاما وثقة به، ولا شك أن مجرد أمر السلطان لا يكفي في ذلك دون أن يستند إلى مبرر يضمن اطمئنان الأمة إلى هذا الوسيط لتقف إلى جانب السلطان طائعة مختارة. الثالثة: النظرية النفسانية: بأن النقد هو الذي تطمئن النفس إلى اعتباره قوة شرائية مطلقة ثقة به واطمئنانا إليه، سواء أكان له غطاء أم لا، وسواء أكانت له قيمة ذاتية أم لا، وسواء أمر السلطان باعتباره أم حصل التراضي والتعارف على استعماله وقبوله. مما تقدم يمكن أن يستنتج ما يلي: ١ - النقد هو كل شيء يلقى قبولا عاما كوسيط متبادل. ٢ - التعهد المسجل على كل ورقة نقدية بتسليم حاملها قيمتها عند الطلب كان سابقا في وقت ما لاعتبار خاص بالأوراق النقدية، أما الآن فليس له من واقع التعامل به نصيب، وإنما هو الآن يحكي ما مضى ويعني التذكير بمسئولية الجهات المختصة تجاه قيمتها والحد من إصدارها بلا تقدير. ٣ - من الجائز وجود كميات من الأوراق النقدية رعاية عن الغطاء العيني إلا أن الغالب ألا تزيد هذه الكميات عن ٦٥ % من مجموع الأوراق النقدية المتداولة. ٤ - ليس متعينا أن تكون القاعدة للورق النقدي ذهبا أو فضة إذ لا مانع أن تكون من غيرها كعقار أو أوراق مالية.

стр. 248

٥ - القابلية العامة للنقد من حيث هو نقد في الجملة ليس ناتجا عن قيمة ذاتية في النقد أو عن وازع سلطاني يفرض التعامل به فقط، وإنما هو الثقة العامة به كقوة شرائية مطلقة، سواء أكانت هذه الثقة صادرة عن تغطيتها بالمعدن النفيس أو عن الانقياد إلى حكم سلطاني باعتبارها أو عن أي اعتبار آخر يضمن هذه الثقة. هذه الأمور المستنتجة يمكن أن تكون عونا في إدراك حقيقة الأوراق النقدية والقدرة على تكييفها فقهيا. * * *

стр. 249

آراء فقهية في حقيقة الأوراق النقدية لم تكن الأوراق النقدية معروفة عند قدماء فقهاء الإسلام لعدم تداولها في زمنهم فلذا لم نجد منهم من تعرض لحكمها، ولما كثر تداولها في البلاد الإسلامية بعد ذلك بحثها الفقهاء من حيث الحقيقة والحكم واختلفت أنظارهم في ذلك تبعا لاختلاف تصورهم لحقيقتها، وجملة ذلك خمسة أقوال: الأوراق النقدية أسناد القول الأول: أن الأوراق النقدية إسناد بدين على جهة إصدارها، ويوجه أصحاب هذا القول قولهم بما يأتي: أ - التعهد المسجل على كل ورقة نقدية بتسليم قيمتها لحاملها عند طلبه. ب - ضرورة تغطيتها بذهب أو فضة أو بهما معا في خزائن مصدريها. ج - انتقاء القيمة الذاتية لهذه الأوراق حيث إن المعتبر ما يدل عليه من العدد لا قيمتها الورقية. د - ضمان سلطات إصدارها قيمتها عند إبطالها ومنع التعامل بها. مستلزمات هذا القول: إن القول باعتبار الأوراق النقدية أسنادا على مصدريها يستلزم الأحكام الشرعية الآتية:

стр. 250

أ - منع السلم بها فيما يجوز السلم فيه إذ يشترط في صحة السلم قبض رأس مال السلم في مجلس العقد، وقبض البائع الأوراق النقدية والحال أنها أسناد يعتبر حوالة بها على مصدريها. ب - عدم جواز صرفها بنقد معدني من ذهب أو فضة ولو كان يدا بيد لأن الورقة النقدية على رأي أصحاب هذا القول وثيقة بدين غائب عن مجلس العقد ومن شروط الصرف التقابض في مجلس العقد. ج - يعتبر التعامل بالأوراق النقدية بموجب هذا القول من قبيل الحوالة بالمعاطاة على الجهة التي أصدرتها وفي القول بصحة العقود بالمعاطاة خلاف بين أهل العلم فالمشهور في مذهب الشافعي ﵀ عدم صحتها مطلقا لاشتراط أن يكون الإيجاب والقبول فيها لفظيين، وعلى فرض أن القول باعتبار المعاطاة موضع اتفاق بين أهل العلم فمن شروط الحوالة أن يستطيع المحال استيفاء حقه من المحال عليه وفي مسألتنا لا يمكن أن يستوفي المحال مقابل الورقة من رصيدها كما يدل على ذلك التطبيق العملي فتعتبر الحوالة بذلك باطلة. د - القول باعتبارها أسنادا بديون على مصدريها يخضعها للخلاف بين أهل العلم في زكاة الدين هل تجب زكاته قبل قبضه أم بعده، وبالتالي عدم وجوب زكاتها لدى من يقول بعدم وجوبها قبل قبض الدين لامتناع قبض مقابل هذه الأسناد. هـ - بطلان بيع ما في الذمة من عروض أو أثمان بهذه الأوراق لكونها وثائق بديون غائبة؛ لأن ذلك من قبيل بيع الكالئ بالكالئ، وقد «نهى ﷺ عن بيع الكالئ بالكالئ». مناقشة هذا القول: المبررات التي وجه بها أصحاب هذا القول قولهم يمكن الإجابة عنها بما يلي: - أولا: أن التعهد القاضي بتسليم المبلغ المرقوم على الورقة لحاملها وقت الطلب ليس له من حقيقة معناه نصيب؛ إذ لا يختلف اثنان أن المرء لو تقدم لمؤسسة النقد السعودي أو لغيرها من البنوك المركزية المختصة بإصدار الأوراق النقدية بورقة نقدية صادرة ممن تقدم إليه طالبا منه الاستعاضة عنها بما تحتويه من ذهب أو فضة لما وجد استجابة لذلك ولا وفاء لهذا التعهد، وإنما يرجع الإبقاء على هذا المتعهد -بالرغم من أن الوفاء به لا يتم- إلى تأكيد مسئوليته على جهات إصداره.
следующие страницы →