يجد فلما أنزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت. وأما احتجاج الشيعة بما روى مسلم عن جابر بن عبد الله «كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر حتى نهى عنها عمر (١)» فدعوى إسناد إنشاء التحريم من عمر هو باطل قطعا فما كان نهي عمر إلا بمثابة التبليغ والتنفيذ لحكم رسول الله في تحريمها إذ هو من واجبه والنبي ﷺ قال: «فليبلغ الشاهد منكم الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع (٢)».
ثم قوله «كنا نتمتع على عهد رسول الله وأبي بكر (٣)» فإن هذا مخالف للأحاديث الصحيحة التي رواها البخاري ومسلم عن علي وعن سلمة بن الأكوع وعن ابن عمر ولا يبعد أن يكون حديث جابر مكذوبا عليه أو أنه دخل فيه شيء من زيادة بعض الرواة والصحيح هو ما رواه مسلم عن ربيع بن صبرة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «إني كنت أذنت لكم الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده شيء منها فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا (٤)» فهذا الحديث فيه ذكر الناسخ والمنسوخ وكون التحريم صدر عن رسول الله عن الله ولم يقع لعمر ابتداء إلا على سبيل التبليغ والتنفيذ عن الله ومثله الحديث الذي احتج به صاحب المقالة عن ابن مسعود وهو في الصحيحين «عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ليس لنا نساء فقلنا يا رسول الله ألا نختصي فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ ابن مسعود (٦)».
إن من عادة صاحب المقالة أن يحتج بالمنسوخ الذي زال حكمه وبطل العمل به ويترك الناسخ المحكم الذي يجب العمل به والحكم بموجبه.
ونحن لا ننكر إباحة متعة النساء في أول الإسلام على حسب حالتهم في الجاهلية وكونهم يستأجرون المرأة في أسفارهم الطويلة بالثوب وبالقبضة من التمر وبالقبضة من الدقيق فابن مسعود وجابر على فرض صحة حديثيهما يتحدثان عن حالتيهما في الجاهلية قبل تحريمها كما يتحدث الصحابة عن شربهم الخمر قبل أن تحرم عليهم وكما يتحدثون عن صلاتهم إلى المشرق قبل أن يحولوا إلى جهة الكعبة وكما يتحدثون عن كون أحدهم يكلم صاحبه لحاجته وهو في صلاته زمن النبي ﷺ حتى أنزل الله ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٧) أي ساكتين. فقال لهم النبي ﷺ : «إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث من أمره أن لا تتكلموا في الصلاة (٨)» لكون أحكام الشرائع من الفرائض والمحرمات تنزل شيئا بعد
стр. 2767
شيء وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أقوال النبي ﷺ وأفعاله وأحكامه وملاك الأمر خواتمه وكل الصحابة مجمعون على تحريمها كالزنا سوى ما نسب عن ابن عباس للمضطر وقد تحامل عليه الإمام ﵁ باللوم والتعنيف وقال لهم إنك امرؤ تائه فرجع ابن عباس عن فتواه والصحابة كغيرهم يخطئ أحدهم في فتواه ويصيب.
ثم رأينا صاحب المقالة يحتج بصحة ما قاله بأنه قول العلامة ابن القيم في زاد المعاد وهو كذب منه فإن العلامة يجزم بتحريمها.
لكنه في بحثه في فتح مكة طرق موضوع تحريم متعة النساء فقال من العلماء من قال إنها حرمت يوم خيبر وعليه يدل أحاديث علي في البخاري.
ومنهم من قال إنها حرمت عام فتح مكة ورجع هذا القول لما روى مسلم عن سلمة بن الأكوع «أن النبي ﷺ نهى عن متعة النساء عام أوطاس (١)» أي يوم حنين وهو عام فتح مكة.
ثم طرق موضوع الخلاف وهل تحريمها كتحريم الميتة ولحم الخنزير أو هو تحريم مؤبد في الحضر والسفر وهذا هو الصحيح لحديث ربيع بن سبرة عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة (٢)»، ثم قال العلامة ابن القيم: إن رسول الله رخص فيها أي في ذلك الزمان للضرورة والحاجة في الغزو فمن رخص فيها في الحضر مع كثرة النساء وإمكان النكاح الشرعي المعتاد فقد اعتدى والله لا يحب المعتدين.
وبه يعلم أن النصوص الصريحة ترد على من ادعى أن بدء تحريم متعة النساء وقع من عمر اجتهادا منه واستجاب الصحابة له من أجل هيبته وهذا كله من الكذب على الله ورسوله وعلى عمر بن الخطاب ﵁.
ولم نر لهذا القول سندا صحيحا ولا حسنا بل هو نوع من الكذب المفترى على عمر لكون الشيعة يبغضون عمر أشد البغض ولهذا شددوا في الإنكار على من يقول بتحريم المتعة مع ظواهر النصوص الصريحة المؤيدة للتحريم ومع الإجماع العام ولا عبرة بشذوذ المخالفين أما نهي عمر عن متعة الحج فإن له أصلا من الصحة في الصحاح وهو رأي رآه. والرأي يخطئ ويصيب وليس الصحابي بمعصوم فقد رأى أن يفرد الحج بسفرة وتفرد العمرة بسفرة فخالفه الصحابة على ذلك «وأن رسول الله تمتع بالعمرة إلى الحج في حجة الوداع ولم ينسخها شيء وبقي العمل بها إلى الآن (٣)» وصفة التمتع أن يحرم بالعمرة متمتعا بها إلى الحج. فإذا طاف طواف العمرة وسعى سعي العمرة قصر من شعره ثم يلبس ثيابه ويتمتع بما هو مباح له من الطيب والنساء وغير ذلك من المحظورات كحالته قبل الإحرام وإذا كان يوم الثامن يحرم بالحج فهذه هي التي قال فيها ابن عباس حين نهى عمر عن التمتع فقال يوشك أن تنزل
стр. 2768
عليكم حجارة من السماء. أقول- قال رسول الله وتقولون قال أبو بكر وعمر - أما القول بالنهي عن متعة النساء فإنما ذكره على فرض صحته إبلاغا للسنة واشتهارا لها ليبلغ الشاهد الغائب.
ومن الكذب أيضا ما نسبوه عن علي من قوله: لولا نهي عمر عن المتعة ما زنى إلا شقي (١). فهذا مما لا صحة له وينزه الإمام علي عنه فقد ثبت عنه في الصحيحين من طريقين أن النبي ﷺ «نهى عن متعة النساء عام خيبر (٢)» وعن سلمة بن الأكوع قال «رخص رسول الله ﷺ عام أوطاس في المتعة ثلاثة أيام ثم نهى عنه (٣)». رواه مسلم - وعن علي ﵁ قال «نهى رسول الله عن المتعة عام خيبر (٤)». متفق عليه - وعنه ﵁ «أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء وعن الحمر الأهلية يوم خيبر (٥)». رواه البخاري ومسلم - والنسائي والترمذي وابن ماجه والإمام أحمد وابن حبان - وعن ربيع بن سبرة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا (٦)» - رواه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والإمام أحمد وابن حبان في صحيحه - قال أبو محمد بن حزم في المحلى- الجزء الحادي عشر ولا يجوز نكاح المتعة وهو النكاح إلى أجل وكان حلالا على عهد رسول الله ﷺ ، ثم نسخها الله تعالى على لسان رسوله ﷺ نسخا باتا إلى يوم القيامة.
ثم قال بعد ذكره للخلاف بين الصحابة في بداية تحريمها فقال ونقتصر من الحجة في تحريمها على خبر ثابت وهو ما رويناه عن طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن الربيع بن سبره الجهني عن أبيه قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ فذكر الحديث وفيه قال: سمعت رسول الله ﷺ على المنبر يخطب ويقول: من كان تزوج امرأة إلى أجل فليعطها ما سمى لها ولا يسترجع مما أعطاها شيئا ويفارقها فإن الله قد حرمها عليكم إلى يوم القيامة (٧)». قال أبو محمد: ما حرم إلى يوم القيامة فقد أمنا نسخه.
فهذه النصوص الصحيحة الصريحة تكذب ما نسبوه عن علي من قوله لولا نهي عمر عن المتعة ما زنى إلا شقي.
وإن من حكمة الله في شرعه وخلقه أنه لا يسد عن النفوس باب ممنوعها إلا ويفتح لها باب مشروعها لأن من ترك شيئا لله عوضه الله ما هو خير منه ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٨) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (٩). ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (١٠). .
стр. 2769
لهذا حث النبي ﷺ على النكاح الشرعي وكونه من أسباب الغنى لقوله سبحانه:. ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١) فكم من فقير عاد بعد الزواج غنيا.
ولهذا حث النبي ﷺ أمته على فتح أبوابه وتسهيل طرقه وأسبابه، فقال: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحسن للفرج (٢)» ولم يقل ومن لم يستطع فعليه بنكاح المتعة.
وقال: «خير النكاح أيسره وخير النكاح أقله كلفة (٣)» وقد أجاز نكاح امرأة بنعلين وبوزن نواة من ذهب وبتعليم سورة أو سورتين من القرآن وكذلك تخفيف مؤنة من وليمة العرس وغيرها فقال: «أولم ولو بشاة (٤)» وقد أولم النبي ﷺ على بعض نسائه بمدين من شعير ولم يتزوج أحدا من نسائه ولا زوج أحدا من بناته بأكثر من خمسمائة درهم وهو قدر يقل عن مائة ريال فلا يزني مع هذه التسهيلات إلا شقي ولا يكلف الخاطب الزيادة في الصداق إلا بخيل (٥). .
ثم إن الشيعة يستدلون عن رأيهم بما هو معلوم البطلان ليضللوا العوام وضعفة العقول والأفهام فهم يوردون لتأييد رأيهم ما دب ودرج من الأحاديث الموضوعة والأخبار المنكرة المكذوبة ومن ذلك قولهم: قلت لأبي جعفر ﵁ للتمتع ثواب؟ قال إن كان يريد بذلك وجه الله تعالى وخلافا على من أنكرها لم يكلمها كلمة إلا كتب الله بها حسنة، ولم يمد يده إليها إلا كتب الله له حسنة فإذا دنا منه غفر الله له بذلك ذنبا- فإذا اغتسل غفر الله له بقدر ما مر من الماء على شعره قلت بعدد الشعر؟ قال بعدد الشعر.
وقولهم عن النبي ﷺ فقال: «إني لما أسري بي إلى السماء لحقني جبريل ﵇ فقال: يا محمد إن الله ﵎ يقول: إني قد غفرت للمتمتعين من أمتك من النساء».
لكن يوجد في أعقاب هذه الأقوال من ينكر متعة النساء من علماء الشيعة وينهون عنها أشد النهي من ذلك أن تحريم المتعة نقل نقلا صحيحا عن الإمامين أبي جعفر محمد الباقر وأبي عبد الله جعفر الصادق وهما إمامان من أئمة الإمامية: فقد رووا أن بساما الصيرفي سأل أبا عبد الله جعفرا الصادق عن المتعة ووصفها له فقال ﵁: ذلك هو الزنا وإنها من المخادنة التي نهى الله تعالى عنها في كثير من آيات القرآن مثل قوله ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (٦) وقوله تعالى
стр. 2770
﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ (١). ولقد جاء في الكافي عن الحسن بن يحيى بن زيد فقيه العراق أنه قال: أجمع آل رسول الله ﷺ على كراهية المتعة والنهي عنها.
والكراهية مع النهي يقتضي التحريم.
ورأس الأئمة بالإجماع عندهم هو علي كرم الله وجهه قد نهى عن المتعة نهيا مؤكدا فقال ﵁ لا أوتى بمستمتعين إلا رجمتهما.
وقد نقل الكافي وهو أحد المصادر الأربعة لفقههم إجماعهم على النهي عنها وقد وجدنا في كتب الزيدية عن أئمة آل البيت عامة وعن الإمام جعفر الصادق خاصة ما يثبت أنه يرى المتعة من الزنا- كما نسب هذا لقائل القول بإباحة المتعة عن البخاري ومسلم وعن ابن القيم في زاد المعاد وعن ابن كثير في النهاية وغيرها من الكتب فيوهم الناس أن هؤلاء يقولون بإباحتها إلى يوم القيامة وهو كذب صريح عليهم فإنهم مجمعون كغيرهم على تحريمها إلى يوم القيامة.
والحاصل: أن المتعة ليست إلا من قبيل اتخاذ الأخدان الذي هو معروف من عادات الجاهلية وسكت عنه النبي ﷺ في أول الإسلام عفوا حتى يجيء الوقت المعين لإعلان التحريم - وقد حان وقت تحريمه زمن خيبر أي عام ست من الهجرة - وقيل عام الفتح وأنه بلا ريب لا تتفق المتعة مع مقاصد الإسلام من العلاقة بين الرجل والمرأة التي أحلها الله بكلمته ولا يمكن أن يحل الله تعالى بكلمته اتخاذ الأخدان.
ثم إن هذا القرآن الكريم النازل على محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم لا يغادر صغيرة ولا كبيرة مما يحتاج إليه الناس إلا جاء بما يقطع النزاع ويعيد الخلاف إلى مواقع الإجماع في شأن هذه القضية وغيرها.
فقد حكى القرآن الكريم عن الرجل المعدم الفقير الذي يشتهي النساء بشدة ولا يستطيع صداق المحصنات الحرائر فماذا يصنع أيحل له أن يستأجر امرأة بأجرة زهيدة إلى أجل مسمى ليتمتع بها أم لا وهي عين القضية التي نحن بصددها قال سبحانه: ومن ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ (٢). .
стр. 2771
ولم يقل ومن لم يستطع منكم طولا أي صداقا والطول هو الغنى بالصداق فليتمتع بامرأة بأجر معلوم إلى أجل مسمى ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (١) فلو كان حلالا لما سكت عنه القرآن ولو كانت المتعة تباح بحال لأبيحت لهذا المضطر الذي لم يجد صداقا للمحصنات ولكون المقام مقام ضرورة والمقال جرى على حالة المخرج من هذه الضرورة فأباح الله له أن ينكح الجارية المملوكة مع علمه باسترقاق أولاده فيها تبعا لأمهم أما إذا كان غنيا يجد صداق الحرة المحصنة فإنه لا يجوز له أن ينكح أمة مملوكة لكونه يذل نفسه باسترقاق أولاده، إلا إذا كانت ملكا له وقد نزلت هذه الآية في زمان كان الأرقاء فيه كثيرين فنكاح الأمة في مثل حالة هذا المقل هو نكاح شرعي يترتب عليه لوازم النكاح الشرعي فحصرت هذه الآية النكاح في أربعة أمور اثنان حلالان واثنان حرامان فإن الحلال هو نكاح الرغبة الشرعي الدائم ومنه زواج الفقير بالمرأة المملوكة.
والثاني النكاح بملك اليمين.
وأما النكاح الحرام فمنه نكاح المسافحات اللاتي يزني بهن كل أحد.
والثاني المتخذات أخدان أي التي تزني مع خليل واحد لا يشاركه فيها أحد وقد جعل العلماء نكاح المتعة من قبيل المتخذات أخدان- وهذه الآية تشبه قوله سبحانه ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (٢) ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٣). والمستأجرة يوما أو أسبوعا في سبيل نكاح المتعة لا تسمى زوجة لا لغة ولا عرفا ولا ينطبق عليها أحكام الزوجة الشرعية من الولي والإشهاد والنفقة والطلاق والميراث.
ويدل لهذه الآية قول النبي ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (٤)» أي يكسر من حدة شهوتهم، ولم يقل: ومن لم يستطع فليتمتع بامرأة بأجر معلوم إلى أجل مسمى، فلو كان جائزا لوجب بيانه، ولما ساغ كتمانه لكونه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه؛ إذ الأمر بنكاح المتعة أيسر من الصوم الذي لا يطيقه أكثر الناس، وخاصة الشباب مما يدل على عدم إباحة المتعة.
ومثله إباحة نكاح الفقير للأمة المملوكة فإن هذه الأمة لا توجد في كل زمان ومكان وخاصة في هذا الزمان الذي تم فيه إبطال الرق العام وصار الناس كلهم أحرارا.
ومما ينبغي أن يعلم أن الله سبحانه في كتابه وعلى لسان نبيه لا يحرم شيئا من المحرمات كالربا والزنا وشرب الخمر ونكاح المتعة إلا ومضرته واضحة ومفسدته راجحة.
стр. 2772
وأنه لو انفتح للشباب والشابات إباحة نكاح المتعة الذي هو سهل وميسر لكل أحد بحيث يستأجر المرأة بنقد يسير في زمن قصير كيوم أو أسبوع يتمتع بها زمنه ويقضي بها حاجاته فإنه يفضل هذا على الزواج وتحمل تبعته وتكاليفه.
فلو فتح لهم إباحة هذا لانصرفوا برغبتهم عن النكاح الشرعي وتؤثر المرأة أن تبقى خالية من الأزواج وبريئة من الحمل وأعباء مشقته وتكاليفه لكون المسافحة لا ترغب أن تحمل ولا رغبة لها في الزواج الشرعي الدائم لكونها مسحورة بالتنقل في اللذات وكذا الرجل يفضل التنقل من واحدة إلى أخرى وبذلك يقل النسل أو ينقطع وقد لعن رسول الله الذواقين من الرجال والذواقات من النساء ويوجد في هذا من المضار ما يوجد في السفاح من قلة النسل واختلاط الأنساب والعداوة بين الأغيار.
ولهذا رأينا من عرفنا من الشيعة أنهم أبعد الناس عن هذا العمل وأشدهم بغضا له فلا نسمع بغني ولا فقير ولا شريف ولا حقير أنه أجر ابنته أو موليته رجلا يتمتع بنكاحها أسبوعا أو شهرا بأجرة معلومة فهم يترفعون بشرفهم واحترام محارمهم عن السقوط في هذه المهانة حتى كانت جريمة الزنا نادرة الوجود فيما بينهم ولهذا ختم الله هذه الآية بقوله ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١) ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (٢) والله أعلم.
стр. 2773
عن منذر الثوري عن الحسن بن محمد قال: «حدثتني امرأة من الأنصار هي حية اليوم إن شئت أدخلتك عليها.
قلت: لا حدثني.
قال: قالت: دخلت على أم سلمة فدخل عليها رسول الله ﷺ كأنه غضبان فاستترت منه بكم درعي فتكلم بكلام لم أفهمه.
فقلت: يا أم المؤمنين كأني رأيت رسول الله ﷺ دخل وهو غضبان.
فقالت: نعم أوما سمعت ما قال؟ قالت: قال: إن الشر إذا فشا في الأرض فلم يتناه عنه أرسل الله بأسه على أهل الأرض.
قالت: قلت: يا رسول الله وفيهم الصالحون.
قال: نعم وفيهم الصالحون يصيبهم ما أصاب الناس ثم يقبضهم الله إلى مغفرته ورضوانه أو إلى رضوانه ومغفرته (١)».
стр. 2774
بين فقيهين / محمد رواس قلعجي (١).
ميزة العصر الحاضرة:
امتاز التفكير الديني عموما والفقهي خصوصا في عصرنا الحاضر بميزتين لم تكونا موجودتين في العصور السابقة.
الأولى: العودة بالتفكير الديني إلى الفجر الأول للإسلام، إلى عصر السلف عصر الرسول ﷺ وعصر الصحابة والتابعين.
وهذه العودة تعني: العودة بالدين عموما، وبالمفاهيم الفقهية خصوصا إلى المعين الأول الذي نبعت منه، والعودة بترجمتها وشرحها إلى الذين نهلوا من هذا المعين، وشاهدوا أنوار النبوة، فإنهم أقدر على فهم هذا الدين والسير به نحو أهدافه ممن يأتي بعدهم.
وقد كان كبار الصحابة حريصين على ألا يفارق من بعدهم محجتهم ولا ينحرف عن طريقهم فهذا عمر بن الخطاب - يكتب لشريح: إذا أتاك أمر في كتاب الله فاقض به ولا يفتنك الرجال عنه،
стр. 2775
فإن لم يكن في كتاب الله وكان في سنة رسول الله فاقض به فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله فاقض بما قضى به أئمة الهدى (١).
ويقول عبد الله بن مسعود: إذا حضرك أمر لا تجد منه بدا فاقض بما في كتاب الله فإن عييت فاقض بما قضى به الصالحون (٢).
الثانية: المحاولة الجادة للاستفادة من الفقه الإسلامي ككل، بكافة اجتهاداته ومذاهبه، ولتيسير تلك الاستفادة على غير أبناء هذا الفقه كان لا بد من إصدار كل هذه الآراء والاجتهادات في موسوعة شاملة وبترتيب جديد ولا يجوز إغفال فقه السلف فقه الصحابة والتابعين في هذه الموسوعة الشاملة، أو لنقل: في هذه الحركة للاستفادة من الفقه الإسلامي بكافة اجتهاداته ومذاهبه لأن فقه هؤلاء يعتبر الركيزة الأولى للاجتهاد.
ولذلك أخذت على عاتقي ووقفت حياتي على إبراز فقه السلف بشكل موسوعات فردية لكل فقيه من هؤلاء الأجلاء وإني أقدم إليكم في هذا المقال المسائل التي اختلف فيها جيلان من أجيال العلم ثم اتفقا فيما عداها، هما " عمر بن الخطاب " و" عبد الله بن مسعود " من خلال ما صنفته من فقههما " موسوعة فقه عمر بن الخطاب " و" موسوعة فقه عبد الله بن مسعود " أما عمر بن الخطاب فهو أجل أن يعرف بكلمات، وأما ابن مسعود فإنه على جلالة قدره وعلو كعبه نعرفه بما يلي
стр. 2776
من هو عبد الله بن مسعود ? وعبد الله بن مسعود هو الرجل الذكي الحصيف الرأي، الذي تعرف رسول الله صلوات الله وسلامه عليه على مخايل الذكاء فيه عندما مر ومعه أبو بكر الصديق في مشارف مكة وهو يرعى غنما لعقبة بن أبي معيط - «وكان ابن مسعود غلاما يافعا- فقالا له: يا غلام هل عندك من لبن تسقينا؟ فقال لهما: إني مؤتمن، ولست ساقيكما، فقال النبي ﷺ : هل عندك من جذعة لم ينز عليها فحل؟ فقال ابن مسعود: نعم فأتاهما بها، فاعتقلها النبي ﷺ ومسح ضرعها، ودعا الله تعالى، فحفل الضرع، ثم أتاه أبو بكر بصخرة منقعرة، فاحتلب فيها فشربا، ثم قال رسول الله للضرع: اقلص،
стр. 2777
فقلص فتقدم ابن مسعود من رسول الله وقال له: علمني من هذا القول- يعني الدعاء الذي دعا به الرسول- فقال له رسول الله: إنك غلام معلم (١)» ولفتت هذه المعجزة نظر ابن مسعود فلم يلبث أن انضم إلى قافلة المؤمنين برسول الله ﷺ ، فكان سادس ستة فيه (٢) وتمكنت الصلة بين ابن مسعود ورسول الله. حتى اصطفاه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه لنفسه واختص به دون غيره، فكان ابن مسعود صاحب سر رسول الله ووساده وسواكه ونعله وطهوره (٣) لا يفارقه في سفر ولا حضر، ولا سلم ولا حرب، حتى إن من رأى ملازمته لرسول الله ظنه واحدا من أهله، قال أبو موسى الأشعري: لقد رأيت رسول الله وما أرى إلا ابن مسعود إلا من أهله (٤). لقد كان يشهد إذا غبنا ويؤذن له إذا احتجبنا (٥) فأورثته هذه الملازمة علما فاق به أقرانه من الصحابة، كما سنرى.
وبعد وفاة رسول الله ﷺ بقي ابن مسعود عضدا للدول الإسلامية، يقدم للخلفاء الرأي السديد والمشورة المخلصة، وبقي كذلك إلى أن فتحت العراق، والعراق ذات حضارة عريقة وثقافة، تعانقت فيها حضارة البابليين والآشوريين والكلدانيين والفرس واليونان، وأصبح عمر بن الخطاب بحاجة إلى شخص جمع الذكاء إلى العلم، يلقي به في خضم هذا المد الحضاري في العراق ليمكن للحضارة الإسلامية في تلك الأرض، ولتجد مكانها بين الحضارات الأخرى فيها، فلم يجد لهذه المهمة أكفأ من عبد الله بن مسعود فبعثه إلى العراق معلما وقاضيا وخازنا لبيت مال المسلمين (٦) فيها وكتب لأهل العراق أما بعد: فإني بعثت إليكم عمارا أميرا وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله ﷺ ، فاسمعوا لهما واقتدوا بهما، وإني آثرتكم بعبد الله بن مسعود على نفسي (٧).
وبقي ابن مسعود في عمله هذا مدة خلافة عمر بن الخطاب وصدرا من خلافة عثمان ثم تركه ورحل إلى المدينة المنورة، توفي ابن مسعود في المدينة المنورة سنة ٣٢هـ ودفن في البقيع وهو ابن بضع وستين سنة، ولم يخلف من الأولاد إلا أبا عبيدة وهو أكبرهم، وعبد الرحمن وقد تركه وهو ابن ست سنين وعتبة وهو أصغرهم (٨).
стр. 2778
ابن مسعود العالم:
لقد أفاد عبد الله بن مسعود من ملازمته رسول الله ﷺ إلى جانب ما كان يتمتع به من ذكاء وقاد، وفكر حصيف، علما كثيرا شهد له به رسول الله ﷺ في حياته حين قال صلوات الله وسلامه عليه: «من أحب أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد (١)» - يعني: عبد الله بن مسعود - وقد عرف ابن مسعود هذا من نفسه فقال مرة على المنبر: " لقد علم أصحاب رسول الله أني أعلمهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم، ولو أعلم أن أحدا أعلم به مني لرحلت إليه" (٢).
وكان يقول ﵁: " سلوني عن كتاب الله فوالله ما من آية إلا أنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار في سهل نزلت أم في جبل" (٣).
وما كان علم ابن مسعود بمعاني القرآن وأحكامه بأقل من حفظه لألفاظه، فقد كان ﵁ يقرأ الآية من كتاب الله في مسجد الكوفة، ثم يحدث الناس منها ويفسرها عامة نهاره (٤).
стр. 2779
ابن مسعود السياسي
ولم يكن رأي ابن مسعود وحنكته السياسية بأقل من علمه، حتى إن رسول الله ﷺ كان ينوه بحصافة فكره وسديد رأيه، وحسن تصريفه للأمور، فقد قال ﵊ مرة: «لو كنت مؤمرا أحدا منهم من غير مشورة لأمرت عليهم ابن أم عبد (١)» ولذلك لم يكن الخلفاء بعد رسول الله يستغنون عن رأيه وخاصة عمر بن الخطاب، وقد رأيناه كيف وقع اختياره عليه يعالج المشكلات الناشئة في العراق.
стр. 2780
رأي العلماء في ابن مسعود
وعرف أصحاب رسول الله ﷺ ذلك في ابن مسعود فأقروا له بالإمامة والتقدم.
فقد جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني جئتك من عند رجل يملي الصحف عن ظهر قلب، ففزع عمر وغضب وقال: ويحك انظر ما تقول؟ قال: ما جئتك إلا بالحق، قال عمر: من هو؟ قال: عبد الله بن مسعود، فقال عمر: ما أعلم أحدا أحق بذلك منه (١). وأقبل ابن مسعود يوما وعمر جالس فقال عمر: كنيف مليء علما (٢).
وسئل علي بن أبي طالب ﵁ عن أصحاب رسول الله فقال: عن أيهم تسألون؟ قالوا: أخبرنا عن ابن مسعود، فقال: علم القرآن وعلم السنة ثم انتهى، وكفى به علما (٣).
وقال أبو مسعود البدري الأنصاري: ما أعلم رسول الله ﷺ ترك بعده أعلم بما أنزل الله من ابن مسعود (٤).
وقال أبو موسى الأشعري: لا تسألوني ما دام هذا الحبر - يعني ابن مسعود- فيكم (٥). وعرف ذلك التابعون أيضا.
فهذا مسروق يعتبره أحد اثنين انتهى إليهما علم الصحابة فيقول: شاممت أصحاب محمد فوجدت علمهم انتهى إلى ستة نفر منهم عمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وأبو الدرداء، وزيد بن ثابت، ثم شاممت هؤلاء الستة فوجدت علمهم انتهى إلى رجلين، علي وعبد الله بن مسعود (٦). ولعل مسروقا كان يرى أن مدرسة الرأي التي كان عمر بن الخطاب على رأسها هي التي تحمل العلم والفهم الحقيقي لدين الله تعالى وأهدافه ومراميه، وإلا ففي الصحابة فقهاء عظماء أيضا كعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعائشة، وغيرهم.
وهذا إبراهيم النخعي يقول: قرأ عبد الله القرآن على ظهر لسانه (٧) وكان إبراهيم النخعي يفضل قول عبد الله بن مسعود على قول عمر بن الخطاب إذا اختلف في الاجتهاد في مسالة معينة، قال الأعمش: كان النخعي لا يعدل بقول عمر وعبد الله إذا اجتمعا، فإذ اختلفا كان قول عبد الله أعجب إليه لأنه كان ألطف (٨).
стр. 2781
وإنما كان قول عبد الله ألطف لأن عبد الله بن مسعود تقلب في البلاد واطلع على أحوال وأوضاع لم يطلع عليها عمر، ولذلك كان اجتهاد عبد الله أكثر واقعية من اجتهاد عمر ﵄.
стр. 2782
إيثاره الحق:
وكان ابن مسعود إلى جانب ذلك وقافا عند حدود الله، يترك قوله عندما يلوح له الحق في غيره، ونحن نسجل له هنا هذه الحادثة التي رواها ابن أبي شيبة في مصنفه عن الحارث بن عمير الزبيدي قال: وقع الطاعون بالشام، فقام معاذ بحمص فخطب فقال: إن هذا الطاعون رحمة بكم، ودعوة نبيكم محمد، وموت الصالحين قبلكم، اللهم اقسم لآل معاذ نصيبهم الأوفى منه، فلما نزل عن المنبر أتاه آت فقال: إن عبد الرحمن بن معاذ قد أصيب، فقال معاذ: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم انطلق نحوه، فلما رآه عبد الرحمن مقبلا قال:
﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (١) فقال معاذ: يا بني، ستجدني إن شاء الله من الصابرين؛ فمات آل معاذ إنسانا إنسانا حتى كان معاذ آخرهم، فأصيب فأتاه الحارث بن عمير الزبيدي قال: فأغشي على معاذ غشية، قال: فأفاق معاذ والحارث يبكي، فقال معاذ: ما يبكيك؟ قال: أبكي على العلم الذي يدفن معك، قال: فإن كنت طالبا للعلم لا محالة فاطلبه من عبد الله بن مسعود، ومن عويمر أبي الدرداء، ومن سلمان الفارسي، وإياك وزلة العلم، قال: قلت: وكيف لي - أصلحك الله- أن أعرفها؟ قال: إن للحق نورا يعرف به، قال: فمات معاذ، وخرج الحإرث يريد عبد الله بن مسعود بالكوفة، فانتهى إلى بابه فإذا على الباب نفر من أصحاب عبد الله يتحدثون، فجرى بينهم الحديث، فقالوا: يا شامي أمؤمن أنت؟ قال: نعم، قالوا: من أهل الجنة؟ فقال: إن لي ذنوبا لا أدري ما يصنع الله بها، فلو أعلم أنها غفرت لي أنبأتكم أني من أهل الجنة، قال: فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم ابن مسعود فقالوا له: ألا تعجب من أخينا الشامي يزعم أنه مؤمن ولا يزعم أنه من أهل الجنة، فقال عبد الله: لو قلت إحداهما لأتبعتها الأخرى، فقال الحإرث: إنا لله وإنا إليه راجعون، صلى الله على معاذ، قال: ويحك، ومن معاذ؟ قال: معاذ بن جبل، قال: وما قال؟ قال: قال إياك وزلة العالم، فأحلف بالله إنها منك لزلة يا ابن مسعود، وما الإيمان إلا أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والميزان، وإن لنا ذنوبا لا ندري ما يصنع الله بها، فلو نعلم أنها غفرت لنا
стр. 2783
لكنا من أهل الجنة، فقال عبد الله: صدقت، إن كانت مني لزلة (١) فنحن نرى كيف أن ابن مسعود سرعان ما رجع إلى الحق عندما لاح له نوره.
стр. 2784
بين عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود
كان عبد الله بن مسعود شديد الإعجاب بمنحى عمر بن الخطاب في التفكير، كثير الثناء عليه، فقد قال مرة: " إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم" (١). . . وقال في مرة ثانية: " لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان ووضع علم الأرض في كفة لرجح علم عمر (٢)، وقال مرة ثالثة: " لو أن الناس سلكوا واديا وشعبا، وسلك عمر واديا وشعبا، لسلكت وادي عمر وشعبة (٣).
وإنما كانت هذه الثقة وهذا الإعجاب لأمرين اثنين فيما أعتقد:
أولهما: شهادة رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب برجاحة العقل، وسداد الفكر، وصدق العزيمة على اتباع الحق حين قال ﵊: «إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه (٤)».
ثانيهما: اتفاق ابن مسعود وعمر بن الخطاب في طريقة التفكير، حتى عد وإياه من مدرسة فكرية واحدة، فقال الشعبي: ثلاثة يستفتي بعضهم من بعض عمر وعبد الله وزيد بن ثابت (٥).
وقد اغتر البعض بما سمعوه من ثناء عبد الله بن مسعود على عمر بن الخطاب وعلمه وسعة تفكيره، وبما رأوه من اتفاق ابن مسعود مع عمر بن الخطاب في كثير من المسائل، فظنوا أن ابن مسعود لا يعدو أن يكون ظلا لعمر، يقول بقولهن ويقلده فيما يذهب إليه من اجتهاد حتى قال الإمام الشعبي: " كان عبد الله بن مسعود لا يقنت، ولو قنط عمر لقنط عبد الله بن مسعود" (٦) كما اغتر بعضهم بقول الإمام محمد بن جرير الطبري " كان ابن مسعود يترك مذهبه وقوله لقول عمر، وكان لا
стр. 2785
يكاد يخالفه في شيء من مذهبه، ويرجع من قوله إلى قوله (١).
ونحن تجاه ذلك لا بد لنا من أن نقف وقفة نبين فيها موقع ابن مسعود من عمر بن الخطاب ﵄، وموقع فقهه من فقهه من خلال استقرائنا لفقه كل من عمر بن الخطاب الذي بسطناه في كتابنا " موسوعة فقه عمر بن الخطاب " وفقه عبد الله بن مسعود الذي بسطناه في كتابنا هذا " موسوعة فقه عبد الله بن مسعود " نجد كثرة التوافق بين عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود، ونحن لسنا مع الذين يردون هذا التوافق إلى تقليد ابن مسعود لعمر بن الخطاب ﵄، بل إن هذا التوافق - في رأينا- يعود إلى أسباب عديدة.
أ - فهناك كثير من المسائل اتفق اجتهاد عبد الله بن مسعود مع اجتهاد عمر بن الخطاب فيها، وهذه المسائل هي أغلب ما اتفقا عليه.
ومن الطبيعي أن يتفقا طالما أن كلا منهما يعتمد على نفس المصادر التشريعية التي يعتمد عليها الآخر: ويتبع نفس منهج البحث الذي يتبعه الآخر، ويسلك نفس المدرسة الاجتهادية التي يتبعها الآخر، وهي فهم نصوص الشريعة من خلال مقاصدها دون الجمود على ألفاظها.
ونذكر من ذلك على سبيل المثال لا الحصر: ما رواه القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه قال: أتى ابن مسعود برجل من قريش وجد مع امرأة في ملحفتها ولم تقم البينة على غير ذلك، فضربه عبد الله بن مسعود أربعين سوطا وأقامه الناس، فانطلق قومه إلى عمر بن الخطاب فقالوا له: فضح ابن مسعود رجلا منا؟ فقال عمر لعبد الله: بلغني أنك ضربت رجلا من قريش، قال: أجل، أتيت به وقد وجد مع امرأة في ملحفتها ولم تقم البينة على غير ذلك، فضربته أربعين وعرفته للناس. فقال عمر: أرأيت ذلك؟ قال ابن مسعود: نعم. قال عمر: نعم ما رأيت.
وما رواه ابن حزم وغيره أنه رفع إلى عمر رجل قتل رجلا متعمدا فجاء أولياء المقتول وقد عفا أحدهم، فقال عمر لابن مسعود. ما تقول؟ قال: كانت النفس لهم جميعا، فلما عفا هذا أحيا النفس. فلا يستطيع أحد أن يأخذ حقه حتى يأخذ غيره، قال عمر: فما ترى؟ قال: تجعل الدية في ماله، وترفع حصة الذي عفا، فقال عمر: وأنا أرى ذلك (٢).
ومثل هذا كثير.
وهناك مسائل قصر عنها علم ابن مسعود، أو اجتهد فيها فلم يترجح لديه مذهب: فهو
стр. 2786
يتابع فيها عمر بن الخطاب ﵁ دون غيره من الصحابة، لما ثبت عنده من علم عمر، وسداد فكره، وفي هذا النوع من المسائل يقول عبد الله بن مسعود: " لو أن الناس سلكوا واديا وشعبا وسلك عمر واديا وشعبا لسلكت وادي عمر وشعبة (١).
وهذه مسائل قليلة لا تعدو أربع مسائل كما ذكر ابن القيم (٢).
ج- وهناك مسائل كان على ابن مسعود أن يتبع فيها ما يرسمه عمر بن الخطاب باعتبار عمر أميرا للمؤمنين، وعبد الله بن مسعود لا يعدو أن يكون واليا من ولاته، وما كان لوال أن يخالف ما يرسمه أمير المؤمنين من أنظمة وأحكام طالما هي نابعة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وقد أفصح عن هذا ابن مسعود تمام الإفصاح عندما قال " إنما نقضي بقضاء أئمتنا " (٣) وفي هذه المسائل قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى " كان ابن مسعود يترك مذهبه وقوله لقول عمر، وكان لا يكاد يخالفه في شيء من مذهبه ويرجع من قوله إلى قوله " (٤).
وهذه المسائل هي جميع الأحكام المتعلقة بالنظام العام في الدولة.
ومن ذلك- قضاؤه في مقاسمة الجد مع الإخوة في الميراث، فقد كان ابن مسعود يقضي في الجد مع الإخوة أن الجد يقاسم الإخوة إلى السدس، ثم قضى بمقاسمته إياهم إلى الثلث اتباعا لما رسمه عمر بن الخطاب فعن إبراهيم النخعي عن علقمة بن قيس قال: كان ابن مسعود يشرك الجد مع الإخوة، فإذا كثروا وفاه السدس، فرجعت من عنده وأنا حائر، فمررت بعبيدة بن نضلة فقال: ما لي أراك حائرا؟ قلت: كيف لا أكون حائرا، فحدثته بما سمعت، فقال: صدقاك كلاهما، قلت: لله أبوك، وكيف صدقاني كلاهما؟ قال: كان رأي عبد الله وقسمته أن يشركه مع الإخوة، فإذا كثروا وفاه السدس، ثم وفد على عمر فوجده يشركه مع الإخوة، فإن كثروا وفاه الثلث، فترك رأيه وتابع عمر (٥).
وفي رواية: أن عمر بن الخطاب هو الذي كتب إلى ابن مسعود يأمره بالعدول عن السدس إلى الثلث وقال في كتابه " ما أرى إلا أنا أجحفنا الجد، فإذا أتاك كتابي هذا فقاسم به مع الإخوة ما بينه وبين أن يكون الثلث خيرا له من مقاسمتهم (٦)
стр. 2787
- ومن ذلك أيضا: أن عمر بن الخطاب، كان لا يبيح بيع الأراضي الزراعية، ولا بيع حق الانتفاع بها، وكان يتشدد بذلك، وهذا يعني أن وجوب الخراج يبقى مستمرا على الأرض، فإذا انتقل حق استثمارها سرا إلى مسلم كان عليه أن يدفع الخراج وكان ابن مسعود ينفذ تعليمات عمر بذلك ويقول: " من أقر بالطسق -أي بالخراج- فقد أقر بالذل والصغار"، ولكن لما آلت الخلافة إلى عثمان بن عفان، أباح عثمان لمن في يده أرض خراج أن يبيع حق الانتفاع بها، وما كان لابن مسعود أن يخالف ما ترسمه الدولة من أنظمة، ولذلك تحول ابن مسعود عن متابعة عمر إلى متابعة عثمان (١) بل وقد اشترى هو نفسه من دهقان أرضا على أن يكفيه ابن مسعود جزيتها (٢) - أي: خراجها- ومثل هذا كثير.
د- وهناك مسائل خالف فيها عبد الله بن مسعود عمر بن الخطاب ﵄، لأنه اعتقد أن ما أداه إليه اجتهاده هو الحق. فلا تحل له متابعة عمر فيما يقول، وهذه المسائل هي ما عدا ما ذكرناه في الحالات الثلاث الأولى.
وقد ذكر ابن القيم أن هذه المسائل التي خالف فيها ابن مسعود عمر بن الخطاب تبلغ نحو مائة مسألة، ولكنه لم يذكر منها إلا أربع مسائل، وقد استقرأت فقه ابن مسعود وفقه عمر بن الخطاب فأحصيت من المسائل التي خالف فيها ابن مسعود عمر بن الخطاب ثلاثا وأربعين: فأنا أذكرها هنا مبينا مكانها في موسوعة فقه عبد الله بن مسعود (٣).
١ - إباحة الانتباذ في الجرة الخضراء (ر: آنية).
٢ - إرث المكاتب (ر: ار ث / ٤ ب٣).
٣ - ولابن مسعود في ميراث الجد تفصيلات لم تنقل عن عمر بن الخطاب (ر: إرث / ٥ب).
٤ - حرمان الإخوة لأم من الميراث بالجد (ر: إرث / ٥ ج٣).
٥ - ميراث بنات الابن مع البنات الصلبيات إن كن أكثر من واحدة وإن كان مع بنات الابن أخ ذكر (ر: إرث / ٥ ز٥).
٦ - ميراث الأخوات لأب إذا كن مع الأختين الشقيقتين وكان مع الأخوات لأب أخ لهن (ر: إرث / ٥ ط٤).
٧ - ميراث الأخوات لأم إذا كن مع الأخت الشقيقة الواحدة، وكان مع الأخوات لأب أخ لهن (ر: إرث / ٥ ط٣).
стр. 2788
٨ - ترتيب استحقاق بيت مال المسلمين مال من توفي ولا وإرث له (ر: إرث / ١٠).
٩ - بيع حق الانتفاع بالأرض الخراجية حيث قال ابن مسعود آخرا بما قال به عثمان (ر: أرض / ١ج١).
١٠ - وقوع الطلاق في الإيلاء بمضي المدة (ر: إيلاء / ٣).
١١ - لزوم التبرعات بالعقد دون قبض (ر: تبرع / ٤) و (هبة / ٢).
١٢ - رفع الجنابة بالتيمم لمن لم يجد الماء أو عجز عن استعماله (ر: تيمم / ٤).
١٣ - كيفية التيمم (ر: تيمم / ٦).
١٤ - قتل السيد بعبده إذا قتله عمدا (ر: جناية / ٤آ).
١٥ - حد الضمان الذي تتساوى فيه المرأة مع الرجل في الجراح والجناية على الأطراف (ر: جناية / ٤ح).
١٦ - ضمان سريان القصاص (ر: جناية / ٣٦١).
١٧ - حل عقد النكاح للمحرم دون الدخول (ر: حج / ٦د٣).
١٨ - هل توجب الخلوة المهر كاملا (ر: خلوة / ٢).
١٩ - حل أكل الذبيحة إذا ذبحت بالحجر والقصب (ر: ذبح / ٤).
٢٠ - أقل الرضاع الذي يثبت به التحريم (ر: رضاع / ٢ب).
٢١ - النسبة التي إذا أداها المكاتب أصبح حرا، هل هي نسبة إلى بدل الكتابة، أم هي نسبة إلى قيمة المكاتب (ر: رق / ٥ ح٤).
٢٢ - جواز نكاح الزاني المرأة التي زنى بها- على ما فسره ابن القيم من رأي ابن مسعود (ر: زنا / ٣ب١).
٢٣ - طلاق الأمة المتزوجة ببيعها (ر: رق / ٨ب (و (طلاق: / ٣١٢).
٢٤ - عتق أم الولد من حصة ابنها من الإرث (ر: رق / ٦ب).
٢٥ - عدم اشتراط الحول للمال المستفاد (ر: زكاة / ٤ج).
٢٦ - وجوب حد الزنا على من وطئ جارية امرأته (ر: زنا / ٢).
٢٧ - إفطار المسافر في رمضان (ر: سفر / ٤د).
٢٨ - صلاة النوافل وسنن الرواتب في السفر (ر: سفر / ٤و).
٢٩ - وقت صلاة الجمعة (ر: صلاة / ٥د) و (صلاة: / ١٥ج).
٣٠ - وقت صلاة الوتر (ر: صلاة / ٥ح).
стр. 2789
٣١ - وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة (ر: صلاة / ٩و٢).
٣٢ - تطبيق اليدين في ركوع الصلاة (ر: صلاة / ٩ح٤).
٣٣ - مكان وقوف المأمومين إن كانا اثنين (ر: صلاة / ١٤د٣).
٣٤ - الأحق بالإمامة في الصلاة على الميت أهو الأمير أم الولي (ر: صلاة / ١٦ب).
٣٥ - عدد تكبيرات الزوائد في العيدين (ر: صلاة / ١٧ آ١).
٣٦ - لفظ "الحرام" الموجه للمرأة هل يكون طلاقا أما يمينا موجبا للكفارة (ر: صلاة / ٤ب١).
٣٧ - عدد الطلقات التي يملكها الزوج على زوجته هل يكون بحسب حال الرجل حرية ورقا أم بحسب حال المرأة (ر: طلاق / ٦).
٣٨ - عدة الحائض إذا ارتفعت حيضتها (ر: عدة / ٣ب٢).
٣٩ - العزل عن الحرة (ر: عزل / ٢).
٤٠ - حد القاذف إن كان رقيقا (ر: قذف / ٣).
٤١ - السجود في سورة (ص) (ر: قرآن / ١٠).
٤٢ - جواز رد المستقرض أفضل مما استقرض (ر: قرض / ٢ب).
٤٣ - اشتراط كفاءة الزوج في النكاح (ر: نكاح / ٤ب).
هذا ما أحصيته مما اختلف فيه عبد الله بن مسعود مع عمر بن الخطاب، وما أدري إن كان قد فاتني شيء في هذا الإحصاء، فالكمال لله تعالى.
стр. 2790
مصير فقه ابن مسعود مما لا شك فيه أن عبد الله بن مسعود كان فقيها من الطراز الأول، شهد له بذلك كبار الصحابة وعلماؤهم، ورغم أن نجم ابن مسعود لم يبزغ في المدينة المنورة، ولأن المجتمع المدني لم ينله كثير من التغيير عما تركه عليه رسول الله ﷺ ، ومع ذلك فإن ابن مسعود كان في المدينة العالم الذي يشار إليه بالبنان.
стр. 2791
ولما انتقل ابن مسعود إلى العراق بأمر من عمر بن الخطاب لمواجهة المد الحضاري فيها، ولحل المشكلات الجديدة الناشئة في تلك البلاد، كان ابن مسعود العالم المتقدم، فالتف حوله الناس ينهلون من معينه. واصطفاه لأنفسهم جلة أهل العراق ومفكريهم ومقدميهم. وألفهم ابن مسعود كما ألفوه، ورأى فيهم نفسه وامتداد شخصيته، فوجد بينهم سعادته، ومنحهم حبه، فكان يقول لهم: " أنتم أخلاء قلبي" (١)، ولم يكن يبخل عليهم بعلم ولا بتوجيه ففقه على يديه جماعة كان من أبرزهم أصحابه الستة المشهورون " علقمة بن قيس النخعي، والأسود بن يزيد النخعي، وعبيدة السلماني، ومسروق بن الأجدع، وعمرو بن شرحبيل الهمداني، والحارث بن قيس الجعفي (٢).
وفاق تلاميذ ابن مسعود غيرهم ممن تتلمذوا على أيدي غيره من الصحابة حتى قال الشعبي: " لم يكن أحد من أصحاب رسول الله أفقه أصحابا من عبد الله بن مسعود (٣).
وحفظ هؤلاء الأصحاب فتاوى ابن مسعود وعلمه، وفهموا مراميها وأهدافها، وحرروها، حتى قال الإمام محمد بن جرير الطبري: " لم يكن أحد له أصحاب معروفون حرروا فتياه ومذهبه في الفقه غير ابن مسعود (٤) وكان أحفظ هؤلاء الأصحاب لفقه ابن مسعود وأكثرهم تأسيا به هو علقمة بن قيس النخعي، لأنه كان أكثرهم ملازمة له، حتى إنه كان يبيت في بيت ابن مسعود فيسمع منه ويخدمه، والذي أعانه على ذلك خفة حمله، فقد كان لا عقب له.
وكان أشهر من حمل علم ابن مسعود عن هؤلاء الأصحاب إبراهيم النخعي، وعامرا الشعبي، والحكم بن عتيبة، وكان المبرز من هؤلاء إبراهيم النخعي، وكان إبراهيم أكثر الناس ملازمة لعلقمة وأكثرهم تأسيا به وأحفظهم لفقهه، نظرا لقرابة إبراهيم من علقمة، ولاحتضان علقمة إبراهيم منذ نعومة أظفاره واعتباره ولدا من أولاده، لأن علقمة لا ولد له، حتى إنهم كانوا يقولون: " إذا رأيت علقمة فلا يضرك ألا ترى ابن مسعود، أشبه الناس به سمتا وهديا، وإذا رأيت إبراهيم فلا يضرك ألا ترى علقمة " (٥) حتى كان البيهقي يرجح رواية النخعي والشعبي المنقطعة عن ابن مسعود على رواية أبي قيس الأودي الموصولة، وقال مبررا هذا الترجيح: والشعبي والنخعي أعلم بمذهب عبد الله وإن لم يرياه (٦).
ثم حمل الفقه عن هؤلاء حماد بن أبي سليمان، وسليمان بن مهران الأعمش، وسليمان بن
стр. 2792
المعتمر، ومسعر بن كدام وكان أوعى هؤلاء حماد بن أبي سليمان.
ثم حمل الفقه عن هؤلاء، أبو حنيفة وسفيان الثوري ومحمد بن أبي ليلى، وعبد الله بن شبرمة والحسن بن صالح بن حي وغيرهم وبذلك نرى أن فقه أبي حنيفة -بل فقه العراق جملة- يعود في أصوله إلى فقه عبد الله بن مسعود، فهو العميد الأول للمدرسة، وغارس البذور الأولى فيها، وحتى إذا ما فارق أبو حنيفة عبد الله بن مسعود في الاجتهاد فما هي بالمفارقة البعيدة، المبعدة لأبي حنيفة عن الخط الذي رسمه عبد الله بن مسعود.
وأرجو الله تعالى أن يمد في أجلي حتى أحقق الصلة بين فقه أبي حنيفة وفقه عبد الله بن مسعود، بعد أن بقي علي من سلسلتهما حلقتان هما: فقه علقمة بن قيس، وفقه حماد بن أبي سليمان بعد أن جمعت فقههما عندي.
رحم الله عبد الله بن مسعود، لقد أنشأ جيلا من الفقهاء تمتلئ بهم العين، وتقر بهم النفس.
стр. 2793
علامة الكيمياء
الجلدكي
علي عبد الله الدفاع
عز الدين أيدمر علي الجلدكي من علماء القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي)، ولم نتمكن من العثور على تاريخ ولادته أو تاريخ وفاته بالضبط على الرغم من التحريات الكثيرة.
وقد تعرضت بعض المراجع لإسهام الجلدكي وذكرت أنه توفي عام ٧٤٣ هجرية (١٣٤٣ - ميلادية). كان الجلدكي كثير التنقل بين القاهرة ودمشق حتى قبيل وفاته إذ كان في دمشق سنة ٧٣٩ هجرية (١٣٣٩ ميلادية)، وفي القاهرة سنة ٧٤١ هجرية (١٣٤١ ميلادية). وهناك إجماع بين علماء التاريخ أن الجلدكي ينتمي إلى القطر المصري. يقول خير الدين الزركلي في كتابه (الأعلام): " إنه علي بن محمد بن أيدمر الجلدكي، عز الدين، كيميائي حكيم. اختلفت المصادر في اسمه واسم أبيه. نسبته إلى جلدك من قرى خراسان على فرسخين من مشهد الرضا (بإيران اليوم). صنف أحد كتبه في دمشق عام ٧٤٠ هجرية، وآخر في القاهرة في أواخر شوال ٧٤٢ هـ " أما دائرة المعارف الإسلامية فتنص على أن الجلدكي ألف كتابه " نتائج الفكر في أحوال الحجر" في القاهرة، وكتاب " البدر المنير في معرفة أسرار الإكسير " في دمشق.
стр. 2794
امتدح الجلدكي كثير من علماء الكيمياء الحديثة ومنهم م. المان جينما قال في مقالة نشرت له في مجلة الأورينستك: " الجلدكي يعتبر من عباقرة علماء الإسلام في حقل الكيمياء، وحقيقة الأمر أنه من هؤلاء العلماء الذين وضعوا أسس الكيمياء لمن أتوا بعده ". أما أ. ج هولميارد فيقول في كتابه (صانعو الكيمياء): " إن الجلدكي الذي قضى جزءا من حياته في القاهرة يعتبر بحق من العلماء الذين لهم دور عظيم في علم الكيمياء. اهتم الجلدكي اهتماما بالغا بقراءة ما كتب عن علم الكيمياء، فاتخذ من قراءاته وتحليله طريقة لبناء مسلك علمي في علم الكيمياء وهذا ما يسمى بآداب علم الكيمياء العربية والإسلامية. قام الجلدكي بتجارب علمية في حقل الكيمياء، وإن كان معظم عمله تحليليا، فهو من علماء العالم الذين يدين لهم علماء العصر الحديث بالكثير ". ويذكر سامي حمارنه في كتابه (فهرست مخطوطات دار الكتب الظاهرية في الطب والصيدلة): " إن الجلدكي يعتبر آخر كيمياوي مسلم واسع الشهرة إذ ليس بين من جاء بعده من أحرز شهرته ".
стр. 2795
اهتم الجلدكي بدراسة تاريخ علم الكيمياء فتابع تطوراته بكل تمعن عبر الحضارات السابقة للحضارة الإسلامية. وقضى جل وقته في دراسة إسهام جابر بن حيان والرازي في علم الكيمياء وغيرهما من علماء الإسلام واشتهر الجلدكي بتعليقاته وتفسيراته لبعض النظريات والأفكار الكيميائية الغامضة لذا فإنه قد قدم خدمة عظيمة لطلاب هذا الحقل. يقول عمر رضا كحالة في كتابه (العلوم البحتة في العصور الإسلامية): " إن الجلدكي المتوفى سنة ٧٤٣هجرية (١٣٤٢ ميلادية) يعد من أعظم العلماء معرفة بتاريخ الكيمياء وما كتب فيها من قبله كان مغرما بجمع المؤلفات الكيميائية وتفسيرها وكانت عاداته أن ينقل عن من تقدموا من المشاهير كجابر بن حيان وأبي بكر محمد بن زكريا الرازي فقرات كاملة. وبذلك يكون قد أدى لتاريخ الكيمياء في الإسلام خدمة جليلة، إذ دون في كتبه الحديثة نسبيا ما يكون قد اندثر وضاع من كتب سابقيه ".
من دراسة الجلدكي المكثفة لإنتاج علماء العرب والمسلمين في حقل الكيمياء وتجاربه الكيمياوية الدقيقة التي أجراها بنفسه استنتج أن المواد الكيماوية لا تتفاعل مع بعضها إلا بأوزان معينة. ومما لا يقبل الجدل أن هذه الفكرة بحد ذاتها اللبنة الأساسية لابتكار قانون النسب الثابتة في الاتحاد
стр. 2796
الكيمياوي، الذي ادعى ابتكاره لنفسه كذبا وبهتانا جوزيف برواست الذي أتى بعد الجلدكي بخمسة قرون. كما أن الجلدكي طور طريقة كيميائية لفصل الذهب من الفضة بواسطة حامض النتريك التي استمرت تستعمل حتى يومنا هذا. وصدق جابر الشكري في كتابه (كيمياء عند العرب): " الجلدكي هو آخر الحكماء الذين تكلموا في الكيمياء، جمع أقوال العلماء والفلاسفة العرب والمسلمين، وصنفها تصنيفا جيدا مما يسر للباحثين المؤرخين مراجعة ما بحث وكتب في علم الكيمياء في أوج عصر النهضة العربية والإسلامية. وله آراء مهمة في الكيمياء، فهو القائل: إن المواد الكيميائية لا تتفاعل مع بعضها إلا بأوزان معينة، وهذا المفتاح الرئيسي في قانون النسب الثابتة في الاتحاد الكيمياوي وتوصل أيضا إلى فصل الذهب عن الفضة بواسطة حامض النتريك الذي يذيب الفضة تاركا الذهب الخالص ". أما عبد الرزاق نوفل فيقول في كتابه (المسلمون والعلم الحديث): " إن فضل الجلدكي على علم الكيمياء يظهر واضحا جليا من قوانينه التي وضعها في هذا العلم، ومنها قانونه الذي قرر فيه أن المواد لا تتفاعل إلا بأوزان معينة، وبعد خمسة قرون من وفاة الجلدكي أعلن العالم برواست قانون النسب الثابتة في الاتحاد الكيميائي ومنطوقه هو نفس نظرية الجلدكي ".
стр. 2797
لقد أعطى الجلدكي وصفا مفصلا لطريقة الوقاية والاحتياطات اللازمة من خطر استنشاق الغازات الناتجة عن التفاعلات الكيمياوية. فهو بذلك أول من فكر في ابتكار واستخدام الكمامات في معامل الكيمياء. كما درس دراسة وافية القلويات والحمضيات، وتمكن بكل جدارة من تقديم بعض التحسينات على طريقة صناعة الصابون المعروفة آنذاك وذلك بإضافة بعض المواد الكيمياوية التي تقلل من مفعول المواد الكاوية التي تحرق الغسيل. كما طور طريقة التقطير، وهو أول من قال إن المادة تعطي لونا خاصا بها عند إحراقها. فهو العالم المسلم العظيم المتقصي للحقائق العلمية. ويقول عبد الرزاق نوفل في كتابه (المسلمون والعلم الحديث): " إن الجلدكي أول عالم نبه الأذهان إلى خطر استنشاق الإنسان للغازات والأبخرة الناتجة من التفاعلات الكيميائية، وضرورة اتخاذ الاحتياطات الكافية، وهو إن كان أوصى بوضع قطعة من القطن والقماش في أنفه فلعل ذلك هو ما أوحى بالعلماء حاليا أن يستعملوا الكمامات في معامل الكيمياء. . وقد درس القلويات والحمضيات وتمكن من أن يضيف مواد كيمياوية إلى الصودا الكاوية المستعملة في صناعة
стр. 2798
الصابون للمحافظة على الثياب من تأثير الصودا الكاوية إذ إنها تحرق الثياب، وأوضح في مؤلفاته تفصيلا للأنواع المختلفة للتقطير، وشرح طريقة التقطير التي تستعمل حاليا مثل أوراق الترشيح والتقطير تحت الحمام المائي والتقطير المزدوج. وفي وصفه للمواد الكيميائية لا يترك خاصية للمادة إلا ذكرها، وأوضحها، بل أنه يعتبر أول عالم تمكن من معرفة أن كل مادة يتولد منها بالاحتراق ألوان خاصة، فهو مثلا عندما يصف الرصاص يذكر كل ما يمكن أن يأتي به العلم الحديث من خواص فيقول عنه: (الرصاص جسم ثقيل بطباعه يذوب بالنار ذوبا سريعا، ويحترق فيها ويتولد منه بالاحتراق المرتك والإسرنج، أصفر وأسرنجه أحمر، وإذا طرق يتحمل التطريق حتى يسرع إليه التفتت والتقصب، ويسرع إليه التصديد بالحموضات وبخل العنب إلى أن يصير اسفيدجا).
стр. 2799
والعجيب أن هذه كانت حال العالم الإسلامي في القرن الثامن الهجري، على حين كانت أوربا تحارب هذه العلوم، وحسبنا من جهل بابا روما أنه أمر بإتلاف جميع المؤلفات التي تبحث في الكيمياء، واعتبر علم الكيمياء نوعا من السحر. ويذكر جلال مظهر في كتابه (أثر العرب في الحضارة الأوربية - نهاية الظلام وتأسيس الحضارة الحديثة): " إن العلماء الذين يشتغلون في تحويل المعادن الرخيصة كالرصاص والقصدير إلى ذهب وفضة كانوا معرضين لحسد العامة من ناحية وغضب السلطان من ناحية أخرى.
فقد أمر بابا روما بإفناء البحوث العلمية المتعلقة بعلم الكيمياء، وقد ذكر ذلك الجلدكي في مؤلفاته ".
ولم يقتصر الجلدكي على علم الكيمياء بل كانت ثقافته واسعة جدا، إذ بحث في مجالات مختلفة مثل الميكانيكا وعلم الصوت والتموج الهوائي والمائي. وأعطى شروحا وتعليقات علمية دقيقة لبعض النظريات الميكانيكية وذلك في كتابة (أسرار الميزان) كما اشتغل بعلمي الطب والصيدلة وله في ذلك إنتاج مرموق واعتمد الجلدكي بدراسته بالظواهر الطبيعية على أساتذته ابن الهيثم والطوسي والشيرازي وغيرهم. يقول عمر رضا كحالة في كتابه (العلوم البحتة في العصور الإسلامية): قال عز الدين أيدمر بن علي بن أيدمر الجلدكي عن التموج الذي يحدث بأن ليس المراد منه حركة انتقال من ماء أو هواء واحد بعينه، بل هو أمر يحدث بصدم وسكون بعد سكون ".
стр. 2800
بقيت مصنفات الجلدكي مصدرا هاما لرواد علم الكيمياء في النظريات والبحوث الكيميائية. ويذكر مصطفى عبد الغني في كتابه (الكيمياء عند العرب): أن الجلدكي من خيرة علماء العرب والمسلمين بوجه عام، وكتبه تشبه الموسوعة لأنها شاملة على كثير من البحوث والأفكار الكيميائية والتجارب التي قام بها هو وزملاؤه وأساتذته علماء العرب والمسلمين. وخير مثال كتابه (التقريب في أسرار التركيب). أما جورج سارتون فيقول في كتابه (المدخل إلى تاريخ العلوم): " إن كتاب الجلدكي " نهاية الطلب " يعد من أهم الكتب التي أنتجها العقل العربي لما فيه من معلومات دقيقة مستندا بذلك على إنتاج عمالقة علماء الإسلام مثل جابر بن حيان والرازي ". ويذكر سامي حمارنه في كتابه (فهرست مخطوطات دار الكتاب الظاهرية في الطب والصيدلة) عن كتاب (نهاية الطلب) أن هذا الكتاب يحتوي على مقالتين الأولى في كيفية وضع الإكسير، والثانية تتعلق بماهية الرموز وأقوال الحكماء في فك الرموز ومفاتيح الكنوز. ويتضح جليا أن كيميائي القرن الرابع عشر الميلادي كانوا مهتمين باستعمال رموز للمصطلحات الكيمياوية، التي استكملت في شكلها الحالي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين.
وقد صنف الجلدكي كتاب البرهان في أسرار علم الميزان، فكان هذا الكتاب مفصلا ومبوبا تبويبا حديثا يدل على تعمقه في طريقة البحث العلمي التي تستعمل في أيامنا هذه. ويذكر سامي حمارنه في كتابه (فهرست مخطوطات دار الكتب الظاهرية في الطب والصيدلية) عن كتاب البرهان في أسرار علم الميزان للجلدكي أن هذا الكتاب يحتوي على ثماني مقالات في الحكم الإلهية والأسرار الخفية. فالمقالة الأولى تشتمل على المقدمة والثانية في أصول العناصر الأربعة وما يتعلق بموازين كل واحد منها. والثالثة في الإنسان والحيوان والنبات والمعدن وميزتها. والرابعة تبحث الأجساد السبعة: زحل والمشتري والمريخ والشمس والزهرة وعطارد والقمر وميزتها. والخامسة في الأملاح. والسادسة في الزينة والسابعة في اليقين المتعلق بموازين الأجسام الذاتية المعدنية وحكمة صنعها وفي بيان الفلزات. والثامنة، وهي المقالة الأخيرة، تحتوي على لواحق علم الميزان والعمل للوصول لتحضير الإكسير ومنافعه مع خاتمة.
بدا الجلدكي يفكر في كتابه بضم معظم ما توصل إليه من معلومات علمية بطريقة مختصرة، فألف (كتاب المصباح في علم المفتاح) يذكر عمر رضا كحالة في
стр. 2801
كتاب (العلوم البحتة في العصور الإسلامية) هذا الكتاب فيقول: إنه عبارة عن خلاصة خمسة كتب، وهي البرهان في أسرار علم الميزان، وغاية السرور ونهاية الطلب في شرح المكتسب، وزراعة الذهب، والتقريب في أسرار التركيب في الكيمياء، وكنز الاختصاص في معرفة الخواص لذا بقي هذا الكتاب مرجعا لا يستغني عنه طالب علم فصار متداولا بين طلاب العلوم بوجه عام فترجم هذا الكتاب إلى عدد كبير من اللغات العالمية.
عكف الجلدكي على التأليف فأنتج كثيرا من الكتب العلمية التي صارت متداولة في جميع مكتبات العالم، والجدير بالذكر أن معظمها لا يزال على شكل مخطوط في تلك المكتبات.
ذكر جورج سارتون في كتابه (المدخل إلى تاريخ العلوم) المؤلفات الخاصة في حقل الكيمياء وهي: ١ - البدر المنير في معرفة الإكسير.
٢ - بغية الخبير في قانون طلب الإكسير.
٣ - البرهان في أسرار علم الميزان.
٤ - الدر المنثور.
٥ - الدر المكنون في شارح قصيدة الظنون.
٦ - غاية السرور.
٧ - درة الغواص وكنز الاختصاص في معرفة الخواص.
٨ - كشف الستور.
٩ - المصباح في علم المفتاح.
١٠ - مخمس الماء الورقي.
١١ - نتائج الفكر في أحوال الحجر.
١٢ - نهاية الطلب في شرح المكتسب وزراعة الذهب.
١٣ - شرح قصيدة أبي الأصباع.
١٤ - شارح الشمس الكبرى لأبولونيوس.
١٥ - التقريب في أسرار تركيب الكيمياء.
١٦ - أنوار الدر في إيضاح الحجر.
١٧ - كنز الاختصاص في معرفة الخواص.
стр. 2802
لقد أدى الجلدكي خدمة جليلة لعلم الكيمياء، حيث قدم شروحا مفصلة للتجارب العلمية التي قام بها، إضافة إلى التي قام بها غيره من علماء العرب والمسلمين.
ويدعى علماء العرب أنهم يجهلون إسهام الجلدكي في الكيمياء لأن كتبه بقيت مهجورة في المكتبات العالمية باللغة العربية على شكل مخطوطات. ولهذا أعلن جوزيف براوست عام ١٢١٤ هجرية (١٧٩٩ ميلادية) - بكل تبجح ابتكاره لقانون النسب الثابتة في الاتحاد الكيمياوي، ومن ثم بدأ علماء الغرب يبلورون هذا الادعاء، حتى أصبح طلاب العلم في جميع أنحاء العالم يعتقدون ذلك. وعندما بدا المخلصون للعلوم ينكرون هذه الادعاءات محاولين نسبة الابتكار إلى صاحبه الجلدكي، كان الرد من علماء الغرب أن إنتاج الجلدكي في الكيمياء مغمور في مخطوطاته في المكتبات العامة. هذا طبعا لا يعني أن جوزيف براوست لم يطلع على فحوى إسهام الجلدكي في الكيمياء، أما كتاب المصباح في علم المفتاح كان في متناول علماء الشرق والغرب بلغات مختلفة، ومن ذلك يتضح أن براوست أخذ فكرته عن هذا العالم الجليل.
لم ينكر علماء الغرب أن الجلدكي هو أول عالم كيميائي فصل الذهب عن الفضة، بواسطة استخدام حامض النتريك الذي يذيب الفضة ويترك الذهب. وهذه الطريقة لا تزال تستعمل إلى يومنا هذا. أيضا اعترف علماء الشرق والغرب على السواء أن أول من فكر في قوانين السلامة في المعامل الكيميائية، وأول من استخدم الأكمام التي ترتدي عند القيام بتجربة كيميائية هو الجلدكي. وهناك نوع من الإجماع أن كتب الجلدكي هي عبارة عن موسوعات علمية تحتوي على معلومات نابغة وثمينة في علم الكيمياء لعلماء العرب والمسلمين ولغيرهم من علماء الحضارات الأخرى. فهو العالم العادل الذي يعطي كل ذي حق حقه بدون تحيز.
لقد امتازت مؤلفات الجلدكي بالتفصيل وتقصي الحقائق والإيضاحات الضرورية لفهم المسألة، حتى لغير المتخصص في مادة الكيمياء. كان يسهب في الشرح، فيعطي كثيرا من الأمثلة الكثيرة لبعض التفاعلات الكيميائية. كما أنه اهتم بالنواحي التاريخية، لأن الحضارة العربية والإسلامية تأثرت كثيرا بثقافات الأمم القديمة، ذلك أن علماء العرب والمسلمين ترجموا الكتب التي ألفها علماء تلك الأمم، وتفننوا فيها فلخصوها وعلقوا عليها بشتى التعليقات.
стр. 2803
إن مما يؤلم جدا رؤية إهمال هذا العالم الجليل، لأن المستشرقين لم يهتموا بشأنه ولا اهتم به قومه. لو كان الجلدكي من علماء العرب لرأيت التقدير الفائق النظير، ولرأيت اسمه منتشرا بين الناس، كي تأخذ منه الأجيال حافزا لطلب العلم، ويقتدوا بسيرته وطريقته في البحث. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: أليس عيبا فاضحا أن يعرف شباب أمتنا العربية والإسلامية عن بطليموس وكبلر ونيوتن وانشتاين، ويجهلوا تماما كل شيء عن عز الدين أيدمر الجلدكي؟
لا مانع بالطبع أن نعرف عن علماء الغرب الكثير، ولكن أليس من الطبيعي أن يحفظ لكل عالم قدره، دون أن يكون ذلك على حساب علماء أمة الإسلام؟ إن الوقت قد حان لنبدأ بدراسة تاريخ العلوم، ونضع علماء العرب والمسلمين في الموضع اللائق بهم بين علماء العالم. .
стр. 2804
المصادر والمراجع:
١ - م. المان: الأورنيستك (مجلة).
٢ - سامي حمارنه: فهرست مخطوطات دار الكتب الظاهرية في الطب والصيدلة.
٣ - خير الدين الزركلي: الأعلام.
٤ - جورج سارتون: المدخل إلى تاريخ العلوم.
٥ - جابر الشكري: الكيمياء عند العرب.
٦ - مصطفى عبد الغني: الكيمياء عند العرب.
٧ - عمر رضا كحاله: العلوم البحتة في العصور الإسلامية.
٨ - جلال مظهر: أثر العرب في الحضارة الأوربية (نهاية الظلام وتأسيس الحضارة الحديثة).
٩ - عبد الرزاق نوفل: المسلمون والعلم الحديث.
١٠ - أ. ج. هولميارد: صانعو الكيمياء.
стр. 2805
الإسقاط المكي للعالم
حسين كمال الدين أحمد (١).
مقدمة هذا النوع من إسقاط الخرائط، هو نوع جديد من جميع الوجوه، ولا يرتبط بنوع ما من أنواع الإسقاطات الأخرى للخرائط المعروفة بين علماء المساحة أو الجغرافية. والغرض من كتابة هذا البحث هو شرح هذا الإسقاط الجديد بطريقة سهلة ومبسطة، لعامة الناس، حتى يستأنسوا بمعرفة موقع مكة المكرمة من القارات المستقرة على سطح الكرة الأرضية، دون الدخول في التفاصيل العلمية.
والمقصود عموما من إسقاط الخرائط هو كيفية تمثيل السطح الكروي للأرض على الخرائط المستوية للسطح، ولقد أصبح من البديهي الآن أن الأرض جسم كروي، وعلى ذلك فإننا إذا أخذنا في الاعتبار مساحة كبيرة جدا على هذا السطح، فإن تأثير كروية سطح الأرض يظهر فيه تماما، بينما كان هذا التأثير يختفي عنا في المساحات المحددة منه. ومن هنا نشأ التفكير في دراسة علم إسقاط الخرائط حتى نستطيع أن نربط بين السطح الكروي للكرة الأرضية، وبين السطح المستوى للخرائط المساحية والجغرافية.