المترابيين يتواطآن على الربا، ثم يعمدان إلى رجل عنده متاع فيشتريه منه المحتاج ثم يبيعه للمربي بثمن حال ويقبضه منه ثم يبيعه إياه المربي بثمن مؤجل وهو ما اتفقا عليه ثم يعيد المتاع إلى ربه ويعطيه شيئا وهذه تسمى الثلاثية لأنها بين ثلاثة وإذا كانت السلعة بينهما خاصة فهي الثنائية، وفي الثلاثية: قد أدخلا بينهما محللا يزعمان أنه يحلل لهما ما حرم الله من الربا، وهو كمحلل النكاح فهذا محلل الربا، وذلك محلل الفروج، والله تعالى لا تخفى عليه خافية بل يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور (١).
سئل الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵏ عن رجل عليه دين لرجل يحتاج إلى بضاعة أو حيوان ينتفع به أو يتاجر فيه فيطلبه من إنسان دينا فلم يكن عنده هل للمطلوب أن يشتريه ثم يبيعه له بثمن إلى أجل وهل له أن يوكله في شرائه ثم يبيعه له بعد ذلك بربح اتفقا عليه قبل الشراء؟
فأجاب: من كان له عليه دين فإن كان موسرا وجب عليه أن يوفيه وإن كان معسرا وجب إنظاره ولا يجوز قلبه عليه بمعاملة ولا غيرها وأما البيع إلى أجل ابتداء فإن كان مقصود المشتري الانتفاع بالسلعة أو التجارة فيها جاز إذا كان على الوجه المباح وأما إذا كان مقصوده الدراهم فيشتريها بمائة مؤجلة ويبيعها في السوق بسبعين حالة فهذا مذموم منهي عنه في أظهر قولي العلماء وهذا يسمى التورق، قال أبو عمر بن عبد البر: التورق أخية الربا.
стр. 2977
وسئل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ عن حكم التورق فأجاب فيما يلي:
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم أحمد علي الروضان، سلمه الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد
وصل كتابك الذي تستفتي فيه عما يتعامل به بعض الناس إذا احتاج إلى نقود وذهب إلى التاجر ليستدين منه وباع عليه أكياس سكر وغيرها نسيئة بثمن يزيد على ثمنها نقدا فيأخذ المحتاج السكر ويبيعه بالنقص عما اشتراه به من التاجر ليقضي حاجته، وتسأل هل هذا التعامل حرام أم حلال وهل يعتبر من الربا في شيء؟
الجواب: هذه المسألة تسمى مسألة التورق والمشهور من المذهب جوازها وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا لم يكن للمشتري حاجة إلى السلعة بل حاجته إلى الذهب والورق فيشتري السلعة ليبيعها بالعين التي احتاج إليها فإن أعاد السلعة إلى البائع فهو الذي لا يشك في تحريمه وإن باعها لغيره بيعا تاما ولم تعد إلى الأول بحال فقد اختلف السلف في كراهته ويسمونه التورق، وكان عمر بن عبد العزيز يكرهه ويقول: التورق أخية الربا وإياس بن معاوية يرخص فيه وعن الإمام أحمد روايتان.
والمشهور الجواز وهو الصواب قال في (مطالب أولي النهى): ولو احتاج إنسان لنقد فاشترى ما يساوي مائة بأكثر كمائة وخمسين مثلا ليتوسع بثمنه فلا بأس بذلك نص عليه وهي مسألة التورق، وقال في الاختيارات، قال أبو طالب: قيل للإمام أحمد إن ربح الرجل في العشرة خمسة يكره ذلك، قال: إذا كان أجله إلى سنة أو بقدر الربح فلا بأس وقال جعفر بن محمد: سمعت أبا عبد الله (يعني أحمد بن حنبل) يقول: بيع النسيئة إذا كان مقاربا فلا بأس به وهذا يقتضي كراهة الربح الكثير الذي يزيد على قدر الأجل لأنه يشبه بيع المضطر وهذا يعم بيع المرابحة والمساومة. والله أعلم.
مفتي البلاد السعودية في ١٢/ ٥ / ١٣٨٦هـ.
стр. 2978
وسئل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز عن حكم البيع إلى أجل وبيع التورق والعينة والقرض بالفائدة فأجاب وفقه الله:
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وآله وصحبه.
أما بعد، فقد سئلت عن حكم بيع كيس السكر ونحوه بمبلغ مائة وخمسين ريالا إلى أجل وهو يساوي مبلغ مائة ريال نقدا؟
والجواب عن ذلك أن هذه المعاملة لا بأس بها؛ لأن بيع النقد غير بيع التأجيل. ولم يزل المسلمون يستعملون مثل هذه المعاملة، وهو كالإجماع منهم على جوازها، وقد شذ بعض أهل العلم فمنع الزيادة لأجل الأجل وظن ذلك من الربا وهو قول لا وجه له وليس من الربا في شيء؛ لأن التاجر حين باع السلعة إلى أجل إنما وافق على التأجيل من أجل انتفاعه بالزيادة والمشتري إنما رضي بالزيادة من أجل المهلة وعجزه عن تسليم الثمن نقدا فكلاهما منتفع بهذه المعاملة وقد ثبت عن النبي ﷺ ما يدل على جواز ذلك «أنه ﷺ أمر عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن يجهز جيشا فكان يشتري البعير بالبعيرين (١)» إلى أجل ثم هذه المعاملة تدخل في عموم قول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٢) الآية، وهذه المعاملة من المداينات الجائزة الداخلة في الآية المذكورة وهي من جنس معاملة بيع السلم، فإن البائع في السلم يبيع من ذمته حبوبا أو غيرها مما يصح السلم فيه بثمن حاضر أقل من الثمن الذي يباع به المسلم فيه وقت السلم لكون المسلم فيه مؤجلا والثمن معجلا فهو عكس المسألة المسؤول عنها.
وهو جائز بالإجماع وهو مثل البيع إلى أجل في المعنى والحاجة إليه ماسة كالحاجة إلى المسلم والزيادة في السلم مثل الزيادة في البيع إلى أجل سببها فيهما تأخير تسليم المبلغ في مسألة السلم وتأخير تسليم الثمن في مسألة البيع إلى أجل لكن إذا كان مقصود المشتري لكيس السكر ونحوه بيعه والانتفاع بثمنه وليس مقصوده الانتفاع بالسلعة نفسها فهذه المعاملة تسمى مسألة (التورق) ويسميها بعض العامة (الوعدة).
* وقد اختلف العلماء في جوازها على قولين:
стр. 2979
أحدهما: أنها ممنوعة أو مكروهة لأن المقصود منها شراء دراهم بدراهم وإنما السلعة المبيعة واسطة غير مقصودة.
والقول الثاني: للعلماء جواز هذه المعاملة لمسيس الحاجة إليها لأنه ليس كل أحد اشتدت حاجته إلى النقد يجد من يقرضه بدون ربا، ولدخولها في عموم قوله سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٢) ولأن الأصل في الشرع حل جميع المعاملات إلا ما قام الدليل على منعه ولا نعلم حجة شرعية تمنع هذه المعاملة، وأما تعليل من منعها أو كرهها لكون المقصود منها هو النقد فليس ذلك موجبا لتحريمها ولا لكراهتها لأن مقصود التجار غالبا في المعاملات هو تحصيل نقود أكثر بنقود أقل والسلع المبيعة هي الواسطة في ذلك وإنما يمنع مثل هذا العقد إذا كان البيع والشراء من شخص واحد كمسألة العينة.
فإن ذلك يتخذ حيلة على الربا وصورة ذلك أن يشتري شخص سلعة من آخر بثمن في الذمة ثم يبيعها عليه بثمن أقل ينقده إياه فهذا ممنوع شرعا لما فيه من الحيلة على الربا، وتسمى هذه المسألة مسألة العينة، وقد ورد فيها من حديث عائشة وابن عمر ﵄ ما يدل على منعها. أما مسألة التورق التي يسميها بعض الناس الوعدة فهي معاملة أخرى ليست من جنس مسألة العينة لأن المشتري فيها اشترى السلعة من شخص إلى أجل وباعها من آخر نقدا من أجل حاجته للنقد وليس في ذلك حيلة على الربا لأن المشتري غير البايع ولكن كثيرا من الناس في هذه المعاملة لا يعملون بما يقتضيه الشرع في هذه المعاملة فبعضهم يبيع ما لا يملك ثم يشتري السلعة بعد ذلك ويسلمها للمشتري وبعضهم إذا اشتراها يبيعها وهي في محل البايع قبل أن يقبضها القبض الشرعي وكلا الأمرين غير جائز لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك (٣)» وقال ﵊ «لا يحل سلف وبيع ولا بيع ما ليس عندك (٤)» وقال ﷺ : «من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه (٥)» قال ابن عمر ﵄: «كنا نشتري الطعام جزافا فيبعث إلينا رسول الله ﷺ من ينهانا أن نبيعه حتى ننقله إلى رحالنا (٦)» وثبت عنه عليه الصلاة
стр. 2980
والسلام أيضا أنه «نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم (١)».
ومن هذه الأحاديث وما جاء في معناها يتضح لطالب الحق أنه لا يجوز للمسلم أن يبيع سلعة ليست في ملكه ثم يذهب فيشتريها، بل الواجب تأخير بيعها حتى يشتريها ويحوزها إلى ملكه ويتضح أيضا أن ما يفعله كثير من الناس من بيع السلع وهي في محل البائع قبل نقلها إلى ملك المشتري أو إلى السوق أمر لا يجوز، لما فيه من مخالفة سنة الرسول ﷺ ، ولما فيه من التلاعب بالمعاملات، وعدم التقيد فيها بالشرع المطهر وفي ذلك من الفساد والشرور والعواقب الوخيمة ما لا يحصيه إلا الله ، نسأل الله لنا ولجميع المسلمين التوفيق للتمسك بشرعه والحذر مما يخالفه.
أما الزيادة التي تكون بها المعاملة من المعاملات الربوية فهي التي تبذل لدائن بعد حلول الأجل ليمهل المدين وينظره، فهذه الزيادة هي التي كان يفعلها أهل الجاهلية.
ويقولون للمدين قولهم المشهور: "إما أن تقضي وإما أن تربى" فمنع الإسلام ذلك وأنزل الله فيه قوله سبحانه ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢) وأجمع العلماء على تحريم هذه الزيادة وعلى تحريم كل معاملة يتوسل بها إلى تحليل هذه الزيادة مثل أن يقول الدائن للمدين: اشتر مني سلعة من سكر أو غيره إلى أجل ثم بعها بالنقد وأوفني حقي الأول، فإن هذه المعاملة حيلة ظاهرة على استحلال الزيادة الربوية التي يتعاطاها أهل الجاهلية لكن بطريق آخر غير طريقهم.
فالواجب تركها والحذر منها وإنظار المدين المعسر حتى يسهل الله له القضاء كما أن الواجب على المدين المعسر أن يتقي الله ويعمل الأسباب الممكنة المباحة لتحصيل ما يقضي به الدين ويبرئ به ذمته من حق الدائنين.
وإذا تساهل في ذلك ولم يجتهد في أسباب قضاء ما عليه من الحقوق فهو ظالم لأهل الحق غير مؤد للأمانة فهو في حكم الغني المماطل وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مطل الغني ظلم (٣)» وقال: ﵊ «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته (٤)» والله المستعان.
стр. 2981
ومن المعاملات الربوية أيضا ما يفعله بعض البنوك وبعض التجار من الزيادة في القرض إما مطلقا، وإما في كل سنة شيئا معلوما، فالأول مثل أن يقرضه ألفا على أن يرد إليه ألفا ومائة، أو يسكنه داره، أو دكانه، أو يعيره سيارته، أو دابته مدة معلومة، أو ما أشبه ذلك من الزيادات.
وأما الثاني: فهو أن يجعل له كل سنة أو كل شهر ربحا معلوما في مقابل استعماله المال الذي دفعه إليه المقرض سواء دفعه باسم القرض أم باسم الأمانة. فإنه متى قبضه باسم الأمانة للتصرف فيه كان قرضا مضمونا ولا يجوز أن يدفع إلى صاحبه شيئا من الربح إلا أن يتفق هو والبنك أو التاجر على استعمال ذلك المال على وجه المضاربة بجزء مشاع معلوم من الربح لأحدهما والباقي للآخر، وهذا العقد يسمى أيضا: القراض وهو جائز بالإجماع لأنهما قد اشتركا في الربح والخسران والمال الأساسي في هذا العقد في حكم الأمانة في يد العامل إذا تلف من غير تعد ولا تفريط لم يضمنه وليس له عن عمله إلا الجزء المشاع المعلوم من الربح المتفق عليه في العقد.
وبهذا تتضح المعاملة الشرعية والمعاملة الربوية.
والله ولي التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
مجمل ما ذكر في النقول في العينة والتورق
١ - تطلق العينة ويراد بها بيع إنسان من آخر سلعة لأجل بمائة ريال مثلا، ثم شراؤه إياها منه نقدا بأقل من ذلك، وهي بهذا المعنى من أبرز أنواع البيوع في التحايل على الربا، وأظهرها في استغلال حاجة المضطرين.
وسميت عينة، لأن المقصد منها الحصول على العين، وهو النقد، دون قصد حقيقة البيع وتملك السلعة، وقيل: هي فعلة من العون، لأن البائع يستعين بالمشتري على تحصيل مقاصده، وقيل من العناء وهو تجشم المشقة.
стр. 2982
٢ - قال بتحريم العينة بهذا المعنى جمهور العلماء لأدلة:
أمنها أنها ذريعة قريبة إلى الربا، فكانت حراما، وقد أوضح هذا ابن القيم بوجوه نقلت في الأعداد.
ب ومنها ما رواه الإمام أحمد في المسند من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعتم بالعينة (١)». . . " الحديث ورواه أبو داود في سننه من طريق عطاء الخراساني أن نافعا حدثه عن ابن عمر ﵄ فذكره.
ج ومنها ما ذكرته عائشة ﵂ في قصة زيد بن أرقم وأم ولده، ورجوع أم ولده عن أخذ الزيادة من زيد ولم ينقل أن زيدا رد على عائشة قولها، ﵃، ومثل هذا الإنكار من عائشة لا يكون إلا عن توقيف.
د ومنها قول أنس ﵁ حينما سئل عن العينة: "إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله"، وقول ابن عباس لما سئل عن حريرة بيعت بدراهم، ثم اشتراها من باعها بأقل: (دراهم بدراهم بينهما حريرة، هذا مما حرم الله ورسوله) ومثل هذا القول من أنس وابن عباس ﵁ له حكم المرفوع.
هـ ومنها ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا (٢)» فإنه ينطبق على العينة بالمعنى المتقدم كما صرح بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم رحمة الله عليهما.
وقال الشافعي: يجوز بيع العينة بالمعنى المتقدم ولم يثبت الأحاديث الواردة في النهي عنها، وتأول حديث عائشة ﵂ بحمله على البيع إلى العطاء وهو أجل مجهول، وقال: إن هذه السلعة كسائر مالي، فلم لا أبيع ملكي بما شئت وشاء
стр. 2983
المشتري؟ وقال: إن قول عائشة عارضه عمل زيد.
ورد طعنه في حديث عائشة ﵂ بأن العالية بنت سبيع معروفة برواية ابنها يونس وزوجها أبي إسحاق عنها وتوثيق العجلي لها، ورد تأويله حديثها بأنها ترى جواز البيع إلى العطاء، وردت معارضته قولها بعمل زيد ﵄ بأنه لم يعرف عنه إنكار قولها أو الإصرار على بقائه على العمل بالعينة ورد قياسه بأنه قياس مع الفارق ومنقوض بمعارضته لقاعدة سد الذرائع ولأحاديث النهي عن العينة.
٣ وتطلق العينة أيضا على ما إذا تواطأ المترابيان على الربا ثم عمدا إلى رجل عنده متاع فيشتريه منه المحتاج ثم يبيعه للمربي بثمن حال ويقبضه منه، ثم يبيعه إياه المربي بثمن أكثر مؤجل وهو ما اتفقا عليه، ثم يعيد المتاع إلى ربه ويعطيه شيئا وهذه تسمى: الثلاثية لأنها بين ثلاثة، وذكر ابن القيم ﵀ أن هذه الصورة أقبح صور العينة، وأشدها تحريما، وأنها في البيع شبيهة بصورة المحلل في النكاح.
٤ قال ابن القيم ﵀ فيما إذا باع إنسان سلعة بنقد ثم اشتراها ممن باعها له أولا بأكثر منه إلى أجل: إن هذه الصورة شبيهة بالعينة في المقصد لأنه قد ترتب في ذمة كل منهما دراهم مؤجلة بأقل منها نقدا، لكن في إحدى الصورتين البائع هو الذي اشتغلت ذمته، وفي الصورة الأخرى المشتري هو الذي اشتغلت ذمته فلا فرق بينهما في الحكم، وذكر أن الإمام أحمد ﵀ نص في رواية حرب أن هذه الصورة لا تجوز، وذكر عن بعض الأصحاب احتمال جواز الصورة الثانية ونقل عنهم الفرق بين الصورتين ثم رده. وقال: ليس في النص ما يدل على اختصاص العينة بالصورة الأولى حتى تتقيد به نصوص مطلقة على تحريم العينة.
٥ ذكر ابن القيم أن من صور العينة ما إذا اضطر الإنسان إلى مال فاشترى سلعة ليبيعها حتى يحصل على المال الذي يسد به حاجته وقال: قد نص أحمد في
стр. 2984
رواية أبي داود على أنها من العينة وأطلق عليها اسمها، وذكر أيضا أن هذه الصورة تسمى: التورق. لأن المقصود منها الورق لسد حاجته وسبقه إلى ذلك ابن تيمية وتبعهما فيه الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ورجحوا تحريمها سواء سميت تورقا أو عينة.
٦ من صور العينة عند بعضهم أن يكون عند الرجل أمتعة لا يبيعها إلا نسيئة قصدا للزيادة في الربح وقد نص الإمام أحمد ﵀ على كراهة ذلك أما إذا كان يبيع بنقد ونسيئة فلا بأس.
٧ أطلق التورق على ما ذكر في الفقرة الخامسة ومقتضى تعليل تسميته تورقا بأنه بيع يقصد منه الورق لا تملك السلعة ولا الحاجة إلى استهلاكها أنه يطلق على كل صور العينة.
٨ الغالب في العينة والتورق أن يكون عقدهما بين موسر ومحتاج أو مضطر وقد ورد النهي عن استغلال المضطر في البيع، وقد يكون عقدهما أحيانا بين موسرين حرصا من المغبون فيهما على زيادة رأس ماله ليتسع نطاق تصرفه في التجارة ونحوها مثلا.
стр. 2985
من مسائل السلم:
آراء الفقهاء في حكم بيع دين السلم مع التوجيه والمناقشة:
أ - قال صاحب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ﵀ (١) -:
(فصل)
وأما بيان ما يجوز من التصرف في المسلم فيه وما لا يجوز فنقول وبالله التوفيق: لا يجوز استبدال المسلم فيه قبل قبضه، بأن يأخذ رب السلم مكانه من غير جنسه لما ذكرنا أن المسلم فيه وإن كان دينا فهو مبيع ولا يجوز بيع المبيع المنقول قبل القبض، ويجوز الإبراء عنه لأن قبضه ليس بمستحق على رب السلم، وكان هو بالإبراء متصرفا في خالص حقه بالإسقاط فله ذلك بخلاف الإبراء عن رأس المال، لأنه مستحق القبض حقا للشرع فلا يملك إسقاطه بنفسه بالإبراء على ما ذكرنا.
بـ - قال ابن رشد ﵀ في بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٢):
مسألة اختلاف العلماء في بيع المسلم فيه إذا حان الأجل من المسلم إليه قبل قبضه فمن العلماء من لم يجز ذلك أصلا، وهم القائلون بأن كل شيء لا يجوز بيعه قبل قبضه، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق. وتمسك أحمد وإسحاق في منع هذا بحديث عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «ومن أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره (٣)».
وأما مالك فإنه منع شراء المسلم فيه قبل قبضه في موضعين:
أحدهما: إذا كان المسلم فيه طعاما، وذلك بناء على مذهبه في أن الذي يشترط في بيعه القبض هو الطعام على ما جاء عليه النص في الحديث.
стр. 2986
والثاني: إذا لم يكن المسلم فيه طعاما فأخذ عوضه المسلم ما لا يجوز أن يسلم فيه رأس ماله قبل أن يكون المسلم فيه عرضا، والثمن عرضا مخالفا له، فيأخذ المسلم من المسلم إليه إذا حان الأجل شيئا من جنس ذلك العرض الذي هو الثمن وذلك أن هذا يدخله إما سلف أو زيادة إن كان العرض المأخوذ أكثر من رأس مال السلم، وإما ضمان وسلف إن كان مثله أو أقل وكذلك إن كان رأس مال السلم طعاما لم يجز أن يأخذ فيه طعاما آخر أكثر، لا من جنسه ولا من غير جنسه، فإن كان مثل طعامه في الجنس والكيل والصفة فيما حكاه عبد الوهاب جاز، لأنه يحمله على العوض وكذلك يجوز عنده أن يأخذ من الطعام المسلم فيه طعاما من صفته، وإن كان أقل جودة، لأنه عنده من باب البدل في الدنانير والإحسان: مثل أن يكون له عليه قمح فيأخذ بمكيلته شعيرا، وهذا كله من شرطه عند مالك أن لا يتأخر القبض لأنه يدخله الدين بالدين.
وإن كان رأس مال السلم عينا وأخذ المسلم فيه عينا من جنسه جاز ما لم يكن أكثر منه، ولم يتهمه على بيع العين بالعين نسيئة إذا كان مثله أو أقل وإن أخذ دراهم في دنانير لم يتهمه على الصرف المتأخر، وكذلك إن أخذ فيه دنانير من غير صنف الدنانير التي هي رأس مال السلم.
وأما بيع السلم من غير المسلم إليه، فيجوز بكل شيء يجوز به التبايع ما لم يكن طعاما، لأنه يدخله ببيع الطعام قبل قبضه. وأما الإقالة فمن شرطها عند مالك أن لا يدخلها زيادة ولا نقصان فإن دخلها زيادة أو نقصان كان بيعا من البيوع ودخلها ما يدخل البيوع، أعني أنها تفسد عنده بما يفسد بيوع الآجال مثل أن يتذرع إلى بيع وسلف، أو إلى وضع وتعجل، أو إلى بيع السلم بما لا يجوز بيعه، مثال ذلك في دخول بيع وسلف به إذا حل الأجل، فأقاله على أن أخذ البعض وأقال من البعض فإنه لا يجوز عنده فإنه يدخله التذرع إلى بيع وسلف. وذلك جائز عند الشافعي وأبي حنيفة لأنهما لا يقولان بتحريم بيوع الذرائع.
стр. 2987
ج قال صاحب المجموع شرح المهذب (١):
قال المصنف ﵀:
(فصل)
يجوز فسخ عقد السلم بالإقالة لأن الحق لهما فجاز لهما الرضا بإسقاطه فإذا فسخا أو انفسخ بانقطاع الثمرة في أحد القولين أو بالفسخ في القول الآخر رجع المسلم إلى رأس المال فإن كان باقيا وجب رده وإن كان تالفا ثبت بدله في ذمة المسلم إليه، فإن أراد أن يسلمه في شيء آخر لم يجز لأنه بيع دين بدين، وإن أراد أن يشتري به عينا نظرت فإن كان تجمعهما علة واحدة في الربا كالدراهم بالدنانير والحنطة بالشعير لم يجز أن يتفرقا قبل القبض، كما لو أراد أن يبيع أحدهما بالآخر عينا بعين وإن لم تجمعهما علة واحدة في الربا كالدراهم بالحنطة والثوب بالثوب ففيه وجهان.
أحدهما: يجوز أن يتفرقا من غير قبض كما يجوز إذا باع أحدهما بالآخر عينا بعين أن يتفرقا من غير قبض.
والثاني: لا يجوز، لأن المبيع في الذمة فلا يجوز أن يتفرقا قبل قبض عوضه كالمسلم فيه. والله تعالى أعلم.
الشرح - الأحكام: الإقالة فسخ وليست ببيع على المشهور من المذهب سواء كان قبل القبض أو بعده، وبه قال أبو حنيفة ﵀ لأنه يقول: هي بيع في حق غير المتعاقدين، فثبتت بها الشفعة، وقال أبو يوسف ﵀: إن كان قبل القبض فهي فسخ، وإن كان بعد القبض فهي بيع، وقال مالك ﵀: هي بيع بكل حال.
وحكى القاضي أبو الطيب أنه قول قديم للشافعي ﵀. وأما أبو حامد فحكاه وجها لبعض أصحابنا. دليلنا أن المبيع عاد إلى البائع بلفظ لا ينعقد به البيع فكان فسخا كالرد بالعيب، إذا ثبت هذا فإن سلم رجل إلى غيره شيئا في شيء ثم تقابلا في عقد السلم صح. وقد وافقنا مالك -رحمه
стр. 2988
الله- على ذلك وهذا من أوضح دليل على أن الإقالة فسخ، لأنها لو كانت بيعا لما صح في المسلم فيه قبل القبض، كما لا يصح بيعه. وإن أقاله في بعض المسلم فيه صح في القدر الذي أقاله.
وقال ابن أبي ليلى. يكون إقالة في الجميع، وقال ربيعة ومالك لا يصح؛ دليلنا أن الإقالة مندوب إليها بدليل قوله ﷺ : «من أقال نادما في بيع أقاله الله نفسه يوم القيامة (١)» وما جاز في جميع المبيع جاز في بعضه كالإبراء والإنظار، وإن أقاله بأكثر من الثمن أو أقل منه إلي جنس آخر لم تصح الإقالة، وقال أبو حنيفة تصح الإقالة، ويجب رد الثمن المسمى في العقد، دليلنا أن المسلم والمشتري لم يسقط حقه من المبيع إلا بشرط العوض الذي شرطه، فإذا لم يصح له العوض لم تصح له الإقالة، كما لو اشترى منه داره بألف بشرط العوض الذي شرطه، فإذا لم يصح له العوض لم تصح له الإقالة. كما لو اشترى منه داره بألف بشرط أن يبيعه سيارته بألف.
(فرع) وإن ضمن ضامن عن المسلم إليه المسلم فيه ثم إن الضامن صالح المسلم عما في ذمة المسلم إليه بمثل رأس مال المسلم لم يصح الصلح، لأن الضامن لا يملك المسلم فيه فيعوض عنه، فأما إذا أكد المسلم إليه بمثل رأس مال السلم، قال أبو العباس صح الصلح وكان إقالة، لأن الإقالة هي أن يشتري ما دفع ويعطي ما أخذ. وهذا مثله.
* (فرع) وإذا انفسخ عقد السلم بالفسخ أو الانفساخ سقط المسلم فيه عن ذمة المسلم إليه، ورجع المسلم إلى رأس مال السلم، فإن كان باقيا أخذه، وإن كان تالفا رجع إلى مثله إن كان له مثل وإن كان لا مثل له رجع إلى قيمته، وإن أراد أن يسلم في شيء آخر لم يجز لأنه بيع دين بدين، وإن أراد أن يأخذ ما هو من جنسه جاز أن يأخذ مثله، ولم يجز أن يأخذ أكثر منه ولا أقل منه، ولا يصح أن يتفرقا قبل قبضه، كما قلنا في البيع، وإن أراد أن يأخذ منه عوضا ليس من أموال الربا، كالثياب والدواب، أو كان رأس المال من غير أموال الربا صح ذلك أيضا.
стр. 2989
وهل يشترط فيه القبض قبل التفرق؟
فيه وجهان:
أحدهما: أنه يشترط ذلك، فلا يفترقان والعوض المعوض في ضمان واحد.
والثاني: لا يشترط ذلك، كما لو اشترى أحدهما بالآخر، وإن اختلفا في قدر رأس مال السلم فالقول قول المسلم إليه مع يمينه، لأن الأصل براءة ذمته مما زاد على ما أقر به، وإن اختلفا في قدر المسلم فيه أو الأجل أو في قدره تحالفا وإن اتفقا على الأجل واختلفا في انقضائه وادعى المسلم انقضاء الأجل وادعى المسلم إليه بقاءه فالقول قول المسلم إليه مع يمينه لأن الأصل بقاؤه، والله أعلم.
د قال صاحب المغني ﵀ (١):
مسألة - قال: (وبيع المسلم فيه من بائعه أو من غيره قبل قبضه فاسد وكذلك الشركة فيه والتولية والحوالة به طعاما كان أو غيره) أما بيع المسلم فيه قبل قبضه فلا نعلم في تحريمه خلافا، وقد «نهى النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه وعن ربح ما لم يضمن». لأنه مبيع لم يدخل في ضمانه. فلم يجز بيعه كالطعام قبل قبضه.
وأما الشركة فيه والتولية فلا تجوز أيضا. لأنهما بيع على ما ذكرنا من قبل وبهذا قال أكثر أهل العلم، وحكى عن مالك جواز الشركة والتولية. لما روي عن النبي ﷺ : «أنه نهى عن بيع الطعام قبل قبضه وأرخص في الشركة والتولية».
* ولنا: أنها معاوضة في المسلم فيه قبل القبض فلم تجز كما لو كانت بلفظ البيع، ولأنهما نوعا بيع فلم يجوزا في السلم قبل قبضه كالنوع الآخر، والخبر لا نعرفه، وهو حجة لنا، لأنه نهى عن بيع الطعام قبل قبضه والشركة والتولية بيع، فيدخلان في النهي. ويحمل قوله «وأرخص في الشركة والتولية» على أنه أرخص فيهما في الجملة لا في هذا الموضع.
стр. 2990
وأما الإقالة: فإنها فسخ وليست بيعا.
وأما الحوالة به فغير جائزة، لأن الحوالة إنما تجوز على دين مستقر والسلم بعرض الفسخ فليس بمستقر، ولأنه نقل الملك في السلم فيه على غير وجه الفسخ فلم يجز كالبيع، ومعنى الحوالة به أن يكون لرجل طعام من سلم وعليه مثله من قرض أو سلم آخر أو بيع فيحيل بما عليه من الطعام على الذي له عنده السلم فلا يجوز. وإن أحال المسلم إليه المسلم بالطعام الذي عليه لم يصح أيضا، لأنه معاوضة بالمسلم فيه قبل قبضه فلم يجز كالبيع.
وأما بيع المسلم فيه من بائعه فهو أن يأخذ غير ما أسلم فيه عوضا، عن المسلم فيه، فهذا حرام سواء كان المسلم فيه موجودا أو معدوما سواء كان العرض مثل المسلم فيه في القيمة أو أقل أو أكثر وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وذكر ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى فيمن أسلم في بر فعدمه عند المحل، فرضي المسلم بأخذ الشعير مكان البر جاز ولم يجز أكثر من ذلك. وهذا يحمل على الرواية التي فيها أن البر والشعير جنس واحد، والصحيح في المذهب خلافه.
وقال مالك: يجوز أن يأخذ غير المسلم فيه مكانه بتعجله ولا يؤخره، إلا الطعام.
قال ابن المنذر: وقد ثبت أن ابن عباس قال: "إذا أسلم في شيء إلى أجل فإن أخذت ما أسلفت فيه وإلا فخذ عوضا أنقص منه ولا تربح مرتين" رواه سعيد في سننه.
* ولنا: قول النبي ﷺ «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره (١)» رواه أبو داود وابن ماجه، ولأن أخذ العوض عن المسلم فيه بيع، فلم يجز كبيعه من غيره، فأما إن أعطاه من جنس ما أسلم فيه خيرا منه أو دونه في الصفات جاز لأن ذلك ليس ببيع، إنما هو قضاء للحق مع تفضل من أحدهما.
* قال ابن القيم ﵀ في تهذيب السنن على حديث «من أسلف في
стр. 2991
شيء فلا يصرفه إلى غيره» اختلف الفقهاء في حكم هذا الحديث وهو جواز أخذ غير المسلم فيه عوضا عنه وللمسألة صورتان:
* إحداهما: أن يعارض عن المسلم فيه مع بقاء عقد السلم، فيكون قد باع دين السلم قبل قبضه.
* والصورة الثانية: أن ينفسخ العقد بإقالة أو غيرها، فهل يجوز أن يصرف الثمن في عوض آخر غير المسلم فيه؟
* فأما المسألة الأولى: فمذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد -في المشهور عنه- أنه لا يجوز بيعه قبل قبضه لا لمن هو في ذمته ولا لغيره. وحكى بعض أصحابنا ذلك إجماعا. وليس بإجماع، فمذهب مالك جوازه وقد نص عليه أحمد في غير موضع. وجوز أن يأخذ عوضه عرضا بقدر قيمة دين السلم وقت الاعتياض ولا يربح فيه.
* وطائفة من أصحابنا خصت هذه الرواية بالحنطة والشعير فقط. كما قال في المستوعب: ومن أسلم في شيء لم يجز أن يأخذ من غير جنسه بحال في إحدى الروايتين. والأخرى: يجوز أن يأخذ ما دون الحنطة من الحبوب كالشعير ونحوه بمقدار كيل الحنطة لا أكثر منها ولا بقيمتها، نص عليه في رواية أبي طالب إذا أسلفت في كر حنطة فأخذت شعيرا فلا بأس وهو دون حقك ولا يأخذ مكان الشعير حنطة.
* وطائفة ثالثة من أصحابنا: جعلت المسألة رواية واحدة وأن هذا النص بناء على قوله في الحنطة والشعير أنهما جنس واحد وهي طريقة صاحب المغني.
* وطائفة رابعة من أصحابنا: حكوا رواية مطلقة في المكيل والموزون وغيره. ونصوص أحمد تدل على صحة هذه الطريقة وهي طريقة أبي حفص الطبري وغيره.
стр. 2992
قال القاضي: نقلت من خط أبي حفص في مجموعه: فإن كان ما أسلم فيه مما يكال أو يوزن فأخذ من غير نوعه مثل كيله مما هو دونه في الجودة جاز وكذلك إن أخذ بثمنه مما لا يكال ولا يوزن كيف شاء.
ونقل أبو القاسم عن أحمد قلت لأبي عبد الله: إذا لم يجد ما أسلم فيه ووجد غيره من جنسه أيأخذه؟ قال: نعم، إذا كان دون الشيء الذي له كما لو أسلم في قفيز حنطة موصلي فقال: أخذ مكانه شلبيا. أو قفيز شعير فكيلته واحدة لا يزداد، وإن كان فوقه فلا يأخذ. وذكر حديث ابن عباس الذي رواه طاوس عنه: "إذا أسلمت في شيء فجاء الأجل فلم تجد الذي أسلمت فيه فخذ عوضا بأنقص منه ولا تربح مرتين".
ونقل أحمد بن أصرم: سئل أحمد عن رجل أسلم في طعام إلى أجل، فإذا حل الأجل يشتري منه عقارا أو دار؟ فقال: نعم، يشتري منه ما لا يكال ولا يوزن.
وقال حرب: سألت أحمد فقلت: رجل أسلم إلى رجل دراهم في بر فلما حل الأجل لم يكن عنده بر؟ فقال: قوم الشعير بالدراهم فخذ من الشعير فقال: لا يأخذ منه الشعير إلا مثل كيل البر أو أنقص، قلت: إذا كان البر عشرة أجربة يأخذ الشعير عشرة أجربة؟ قال: نعم.
إذا عرف هذا. فاحتج المانعون بوجوه:
أحدها: الحديث.
والثاني: نهى النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه.
الثالث: نهيه ﷺ عن ربح ما لم يضمن وهذا غير مضمون عليه. لأنه في ذمة المسلم إليه.
والرابع: أن هذا المبيع مضمون له على المسلم إليه. فلو جوزنا بيعه صار مضمونا عليه للمشتري فيتولى في المبيع ضمانان.
الخامس: أن هذا إجماع كما تقدم.
هذا جملة ما احتجوا به.
قال المجوزون بالصواب: جواز هذا العقد والكلام معكم في مقامين:
стр. 2993
أحدهما: في الاستدلال على جوازه.
والثاني: في الجواب عما استدللتم به على المنع.
* فأما الأول: فنقول قال ابن المنذر: ثبت عن ابن عباس أنه قال: "إذا أسلفت في شيء إلى أجل فإن أخذت ما أسلفت وإلا فخذ عوضا أنقص منه ولا تربح مرتين" رواه شعبة.
فهذا قول صحابي، وهو حجة، ما لم يخالف.
قالوا: وأيضا فلو امتنعت المعاوضة عليه لكان ذلك لأجل كونه مبيعا لم يتصل به القبض، وقد ثبت عن ابن عمر أنه قال: «أتيت النبي ﷺ فقلت: إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير؟ فقال: لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء فهذا بيع للثمن ممن هو في ذمته قبل قبضه (١)».
فما الفرق بينه وبين الاعتياض عن دين السلم بغيره؟
قالوا: وقد نص أحمد على جواز بيع الدين لمن هو في ذمته ولغيره وإن كان أكثر أصحابنا لا يحكون عنه جوازه لغير من هو في ذمته فقد نص عليه في مواضع حكاه شيخنا أبو العباس ابن تيمية ﵀ عنه.
والذين منعوا جواز بيعه لمن هو في ذمته قاسوه على السلم وقالوا لأنه دين. فلا يجوز بيعه كدين السلم. وهذا ضعيف من وجهين:
أحدهما: أنه قد ثبت في حديث ابن عمر جوازه.
والثاني: أن دين السلم غير مجمع على منع بيعه فقد ذكرنا عن ابن عباس جوازه. ومالك يجوز بيعه من غير المستلف.
والذين فرقوا بين دين السلم وغيره لم يفرقوا بفرق مؤثر والقياس التسوية بينهما.
وأما المقام الثاني: فقالوا: أما الحديث: فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: ضعفه كما تقدم.
والثاني: أن المراد به أن لا يصرف المسلم فيه إلى سلم آخر أو يبيعه بمعين
стр. 2994
مؤجل لأنه حينئذ يصير بيع دين بدين وهو منهي عنه، وأما بيعه بعوض حاضر من غير ربح فلا محذور فيه كما أذن فيه النبي ﷺ في حديث ابن عمر.
فالذي نهى عنه من ذلك: هو من جنس ما نهى عنه من بيع الكالئ بالكالئ والذي يجوز منه هو من جنس ما أذن فيه من بيع النقد لمن هو في ذمته بغيره من غير ربح.
وأما نهي النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه: فهذا إنما هو في المعين أو المتعلق به حق التوفية من كيل أو وزن فإنه لا يجوز بيعه قبل قبضه. وأما ما في الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء وفائدته سقوط ما في ذمته عنه لا حدوث ملك له. فلا يقاس بالبيع الذي يتضمن شغل الذمة. فإنه إذا أخذ منه عن دين السلم عوضا أو غيره أسقط في ذمته. فكان كالمستوفي دينه لأن بدله يقوم مقامه. ولا يدخل هذا في بيع الكالئ بالكالئ بحال.
والبيع المعروف: هو أن يملك المشتري ما اشتراه. وهذا لم يملك شيئا. بل سقط الدين من ذمته. ولهذا لو وفاه ما في ذمته لم يقل إنه باعه دراهم بدراهم بل يقال وفاه حقه بخلاف ما لو باعه دراهم معينة بمثلها. فإنه بيع. ففي الأعيان إذا عاوض عليها بجنسها أو بعين غير جنسها يسمى بيعا. وفي الدين إذا وفاها بجنسها لم يكن بيعا. فكذلك إذا وفاها بغير جنسها لم يكن بيعا بل هو إيفاء فيه معنى المعاوضة ولو حلف ليقضينه حقه غدا فأعطاه عنه عوضا بر في أصح الوجهين.
وجواب آخر: أن النهي عن بيع الطعام قبل قبضه أريد به بيعه من غير بائعه. وأما بيعه من البائع ففيه قولان معروفان.
وذلك لأن العلة في المنع إن كانت توالي الضمانين اطرد المنع في البائع وغيره، وإن كانت عدم تمام الاستيلاء. وأن البائع لم تنقطع علقه عن المبيع. بحيث ينقطع طمعه في الفسخ ولا يتمكن من الامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه. لم يطرد النهي في بيعه من بائعه قبل قبضه لانتفاء هذه العلة في حقه. وهذه العلة أظهر وتوالي الضمانين ليس بعلة مؤثرة ولا تتنافى بين كون العين الواحدة مضمونة له من وجه وعليه من وجه آخر. فهي مضمونة له وعليه
стр. 2995
باعتبارين. وأي محذور في هذا؟ كمنافع الإجارة فإن المستأجر له أن يؤجر ما استأجره، فتكون المنفعة مضمونة له وعليه وكالثمار بعد بدو صلاحها، له أن يبيعها على الشجر وإن أصابتها جائحة رجع على البائع، فهي مضمونة له وعليه. ونظائره كثيرة.
وأيضا: فبيعه من بائعه شبيه بالإقالة وهي جائزة قبل القبض على الصحة.
وأيضا: فدين السلم تجوز الإقالة فيه بلا نزاع. وبيع المبيع لبائعه قبل قبضه غير جائز في أحد القولين.
فعلم أن الأمر في دين السلم أسهل منه في بيع الأعيان. فإذا جاز في الأعيان أن تباع لبائعها قبل القبض فدين السلم أولى بالجواز، كما جازت الإقالة فيه قبل القبض اتفاقا. بخلاف الإقالة في الأعيان.
ومما يوضح ذلك: أن ابن عباس لا يجوز بيع المبيع قبل قبضه، واحتج عليه بنهي النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه. وقال "أحسب كل شيء بمنزلة الطعام ومع هذا فقد ثبت عنه: أنه جوز بيع دين السلم ممن هو عليه إذا لم يربح فيه ولم يفرق بين الطعام وغيره، ولا بين المكيل والموزون وغيرهما، لأن البيع هنا من البائع للبائع الذي هو في ذمته. فهو يقبضه من نفسه لنفسه، بل في الحقيقة ليس هنا قبض، بل يسقط عنه ما في ذمته، فتبرأ ذمته وبراءة الذمم مطلوبة في نظر الشرع لما في شغلها من المفسدة. فكيف يصح قياس هذا على بيع شيء غير مقبوض لأجنبي لم يتحصل بعد ولم تنقطع علق بائعه عنه؟ وأيضا: فإنه لو سلم المسلم فيه ثم أعاده إليه جاز فأي فائدة في أخذه منه ثم إعادته إليه؟ وهل ذلك إلا مجرد كلفة ومشقة لم تحصل بها فائدة؟
ومن هنا يعرف فضل علم الصحابة وفقههم على كل من بعدهم.
قالوا: وأما استدلالكم بنهي النبي ﷺ عن ربح ما لم يضمن: فنحن نقول بموجبه وأنه لا يربح فيه كما قال ابن عباس: "خذ عوضا بأنقص منه ولا تربح مرتين".
فنحن إنما نجوز له أن يعارض عنه بسعر يومه، كما «قال النبي ﷺ لعبد الله بن عمر في بيع النقود في الذمة: " لا بأس إذا أخذتم بسعر يومها (١)» فالنبي ﷺ
стр. 2996
إنما جوز الاعتياض عن الثمن بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن.
وقد نص أحمد على هذا الأصل في بدل العوض وغيره من الديون: أنه إنما يعتاض عنه بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن.
وكذلك قال مالك: يجوز الاعتياض عنه بسعر يومه كما قال ابن عباس، لكن مالك يستثنى الطعام خاصة، لأن من أصله: أن بيع الطعام قبل قبضه لا يجوز، بخلاف غيره.
وأما أحمد: فإنه فرق بين أن يعتاض عنه بعوض أو حيوان أو نحوه دون أن يعتاض بمكيل أو موزون، فإن كان بعوض ونحوه جوزه بسعر يومه كما قال ابن عباس ومالك. وإن اعتاض عن المكيل بمكيل أو عن الموزون بموزون فإنه منعه لئلا يشبه بيع المكيل بالمكيل من غير تقابض إذا كان لم توجد حقيقة التقابض من الطرفين، ولكن جوزه إذا أخذ بقدره مما هو دونه كالشعير عن الحنطة نظرا منه إلى أن هذا استيفاء لا معاوضة كما لا يستوفى الجيد عن الردئ. ففي العوض جوز المعاوضة إذ لا يشترط هناك تقابض. وفي المكيل والموزون منع المعاوضة لأجل التقابض وجوز أخذ قدر حقه أو دونه، لأنه استيفاء. وهذا من دقيق فقهه ﵁.
* قالوا: وأما قولكم: إن هذا الدين مضمون له فلو جوزنا بيعه لزم توالي الضمانين فهو دليل باطل من وجهين:
أحدهما: أنه لا توالي ضمانين هنا أصلا، فإن الدين كان مضمونا له في ذمة المسلم إليه. فإذا باعه إياه لم يصر مضمونا عليه بحال، لأنه مقبوض في ذمة المسلم إليه. فمن أي وجه يكون مضمونا على البائع بل لو باعه لغيره لكان مضمونا له على المسلم إليه ومضمونا عليه للمشتري، وحينئذ يتوالى ضمانان.
* الجواب الثاني: أنه لا محذور في توالي الضمانين، وليس بوصف مستلزم لمفسدة يحرم العقد لأجلها. وأين الشاهد من أصول الشرع لتأثير هذا الوصف وأي حكم علق الشارع فساده على توالي الضمانين؟ وما كان من الأوصاف هكذا فهو طردي لا تأثير له.
стр. 2997
وقد قدمنا ذكر الصور التي فيها توالي الضمانين، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه جوز المعاوضة عن ثمن المبيع في الذمة ولا فرق بينه وبين دين السلم.
قالوا: وأيضا فالمبيع إذا أتلف قبل التمكن من قبضه كان على البائع أداء الثمن الذي قبضه من المشتري، فإذا كان هذا المشتري قد باعه فعليه أداء الثمن الذي قبضه من المشتري الثاني، فالواجب بضمان هذا غير الواجب بضمان الآخر. فلا محذور في ذلك.
وشاهده: المنافع في الإجارة والثمرة قبل القطع، فإنه قد ثبت في السنة الصحيحة التي لا معارض لها: وضع الثمن عن المشتري إذا أصابتها جائحة، ومع هذا يجوز التصرف فيها، ولو تلفت لصارت مضمونة عليه بالثمن الذي أخذه، كما هي مضمونة له بالثمن الذي دفعه.
قالوا: وأما قولكم: إن المنع منه إجماع فكيف يصح دعوى الإجماع مع مخالفة حبر الأمة ابن عباس وعالم المدينة مالك بن أنس؟
فثبت أنه لا نص في التحريم ولا إجماع ولا قياس، وأن النص والقياس يقتضيان الإباحة كما تقدم والواجب عند التنازع: الرد إلى الله وإلى رسول الله ﷺ .
стр. 2998
* (فصل) وأما المسألة الثانية: وهي إذا انفسخ العقد بإقالة أو غيرها فهل يجوز أن يأخذ عن دين السلم عوضا من غير جنسه؟ فيه وجهان:
* أحدهما: لا يجوز ذلك حتى يقبضه ثم يصرفه فيما شاء وهذا اختيار الشريف أبي جعفر وهو مذهب أبي حنيفة.
والثاني: يجوز أخذ العوض عنه وهو اختيار القاضي أبي يعلى، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو مذهب الشافعي وهو الصحيح، فإن هذا عوض مستقر في الذمة فجازت المعاوضة عليه كسائر الديون من القرض وغيره.
وأيضا: فهذا مال رجع إليه بفسخ العقد فجاز أخذ العوض عنه كالثمن في المبيع.
وأيضا: فحديث ابن عمر في المعاوضة عما في الذمة صريح في الجواز.
стр. 2999
واحتج المانعون بقوله ﷺ : «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره (١)».
قالوا: ولأنه مضمون على المسلم إليه بعقد السلم فلم تجز المعاوضة عليه قبل قبضه وحيازته كالمسلم فيه.
قال المجوزون: أما استدلالكم بالحديث: فقد تقدم ضعفه، ولو صح له بتناول محل النزاع، لأنه لم يصرف المسلم فيه في غيره، وإنما عاوض عن دين السلم بغيره فأين المسلم فيه من رأس مال السلم.
وأما قياسكم المنع على نفس المسلم فيه: فالكلام فيه أيضا وقد تقدم: أنه لا نص يقتضي المنع منه ولا إجماع ولا قياس.
ثم لو قدر تسليمه لكان الفرق بين المسلم فيه ورأس مال السلم واضحا، فإن المسلم فيه مضمون بنفس العقد، والثمن إنما يضمن بعد فسخ العقد فكيف يلحق أحدهما بالآخر؟ فثبت أنه لا نص في المنع ولا إجماع ولا قياس.
فإذا عرف هذا فحكم رأس المال بعد الفسخ حكم سائر الديون لا يجوز أن تجعل سلما في شيء آخر لوجهين:
* أحدهما: أنه بيع دين بدين.
* والثاني: أنه من ضمان المسلم إليه فإذا جعله سلما في شيء آخر ربح فيه وذلك ربح ما لم يضمن، ويجوز فيه ما يجوز في دين القرض وأثمان المبيعات إذا قسمت، فإذا أخذ فيه أحد النقدين عن الآخر وجب قبض العوض في المجلس لأنه صرف بسعر يومه لأنه غير مضمون عليه، وإن عاوض عن المكيل بمكيل أو عن الموزون بموزون من غير جنسه كقطن بحرير أو كتان وجب قبض عوضه في مجلس التعويض، وإن بيع بغير مكيل أو موزون كالعقار والحيوان فهل يشترط القبض في مجلس التعويض؟
فيه وجهان:
* أصحهما: لا يشترط، وهو منصوص أحمد.
* والثاني: يشترط.
ومآخذ القولين: أن تأخير قبض العوض يشبه بيع الدين بالدين فيمنع منه ومأخذ الجواز - وهو الصحيح - أن النسائين ما لا يجمعهما علة الربا
стр. 3000
كالحيوان بالموزون جائز للاتفاق على جواز سلم النقدين في ذلك، والله أعلم.
ونظير هذه المسألة: إذا باعه ما يجري فيه الربا كالحنطة مثلا بثمن مؤجل فحل الأجل فاشترى بالثمن حنطة أو مكيلا آخر من غير الجنس مما يمتنع ربا النساء بينهما فهل يجوز ذلك؟ فيه قولان:
* أحدهما: المنع، وهو المأثور عن ابن عمر وسعيد بن المسيب وطاوس وهو مذهب مالك وإسحاق.
* والثاني: الجواز، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وابن المنذر وبه قال جابر بن زيد وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين وهو اختيار صاحب المغني وشيخنا.
والأول: اختيار عامة الأصحاب.
والصحيح: الجواز لما تقدم.
قال عبد الله بن زيد: قدمت على علي بن حسين فقلت له: "إني أجذ نخلي وأبيع ممن حضرني التمر إلى أجل، فيقدمون بالحنطة وقد حل الأجل فيوقفونها بالسوق، فأبتاع منهم وأقاصهم؟ " قال: لا بأس بذلك، إذا لم يكن منك على رأي: يعني إذا لم يكن حيلة مقصودة.
فهذا شراء للطعام بالدراهم التي في الذمة بعد لزوم العقد الأول فصح لأنه لا يتضمن ربا بنسيئة ولا تفاضل.
والذين يمنعون ذلك يجوزون أن يشتري منه الطعام بدراهم ويسلمها إليه ثم يأخذها منه وفاء أو نسيئة منه بدراهم في ذمته ثم يقاصه بها ومعلوم أن شراءه الطعام منه بالدراهم التي له في ذمته أيسر من هذا وأقل كلفة، والله أعلم.
قال محمد بن إسماعيل الصنعاني في سبل السلام:
وعن ابن عمر ﵄ «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ» يعني الدين بالدين رواه إسحاق والبزار بإسناد ضعيف ورواه الحاكم والدارقطني من دون تفسير لكن في إسناده موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف، قال
стр. 3001
أحمد: لا تحل الرواية عندي عنه ولا أعرف هذا الحديث لغيره وصحفه الحاكم فقال موسى بن عتبة فصححه على شرط مسلم، وتعجب البيهقي من تصحيفه على الحاكم. قال أحمد: ليس في هذا حديث يصح، لكن إجماع الناس أنه لا يجوز بيع دين بدين. وظاهر الحديث أن تفسيره بذلك مرفوع، والكالئ من كلاء الدين، كلوا فهو كالئ إذا تأخر، وكلأته إذا أنسأته وقد لا يهمز تخفيفا.
قال في النهاية: هو أن يشتري الرجل شيئا إلى أجل، فإذا حل الأجل لم يجد ما يقضي به فيقول: بعنيه إلى أجل آخر بزيادة شيء فيبيعه ولا يجري بينهما تقابض، والحديث دل على تحريم ذلك وإذا وقع كان باطلا.
стр. 3002
بيعتان في بيعة:
آراء الفقهاء في حكم البيعتين في بيعة مع التوجيه والمناقشة:
أ: قال النووي ﵀ في المجموع شرح المهذب (١):
* قال المصنف ﵀:
(فإن قال بعتك بألف مثقال ذهبا وفضة، فالبيع باطل. لأنه لم يبين القدر من كل واحد منهما فكان باطلا. وإن قال: بعتك بألف نقدا أو بألفين نسيئة: فالبيع باطل، لأنه لم يعقد على ثمن بعينه، فهو كما لو قال: بعتك أحد هذين العبدين).
* (الشرح) هاتان المسألتان كما قالهما باتفاق الأصحاب وهما داخلتان في النهي عن بيع الغرر وقد روى أبو هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين
стр. 3003
في بيعة (١)» رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، قال: وفي الباب عن ابن عمر وابن عباس وأبي سعيد وأنس وفسر الشافعي وغيره من العلماء البيعتين في بيعة تفسيرين:
أحدهما: أن يقول: بعتك هذا بعشرة نقدا أو بعشرين نسيئة.
والثاني: أن يقول: بعتك بمائة مثلا على أن تبيعني دارك بكذا وكذا. وقد ذكر المصنف التفسيرين في الفصل الذي بعد هذا، وذكرهما أيضا في التنبيه وذكرهما الأصحاب وغيرهم. (والأول) أشهر وعلى التقديرين البيع باطل بالإجماع.
(وأما) الحديث الذي في سنن أبي داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو (٢)» الربا". فقال الخطابي وغيره: يحتمل أن يكون ذلك في قصة بعينها، كأن أسلف دينارا في قفيز حنطة إلى شهر فحل الأجل فطالبه فقال: بعني القفيز الذي لك علي إلى شهرين بقفيزينن، فهذا بيع ثان قد دخل على البيع الأول فصار بيعتين في بيعة، فيرد إلى أوكسهما وهو الأصل فإن تبايعا البيع الثاني قبل فسخ الأول كانا قد دخلا في الربا والله أعلم.
* (فرع) في مذاهب العلماء فيمن باع بألف مثقال ذهب وفضة. مذهبنا أنه بيع باطل. وقال أبو حنيفة: يصح ويكون الثمن نصفين واحتج أصحابنا بالقياس على ما لو باعه بألف بضعه ذهب وبعضه فضة فإنه لا يصح.
ب قال عبد الله بن قدامة ﵀ في المغني (٣):
* مسألة: قال: (وإذا قال بعتك بكذا على أن آخذ منك الدينار بكذا، لم ينعقد البيع وكذلك إن باعه بذهب على أن يأخذ منه دراهم بصرف ذكراه) وجملته: أن البيع بهذه الصفة باطل، لأنه شرط في العقد أن يصارفه بالثمن
стр. 3004
الذي وقع العقد به والمصارفة عقد بيع فيكون بيعتان في بيعة، قال أحمد هذا معناه. وقد روى أبو هريرة قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة (١)» أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وروى أيضا عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ وهكذا كل ما كان في معنى هذا مثل أن يقول: بعتك داري هذه على أن أبيعك داري الأخرى بكذا أو على أن تبيعني دارك أو على أن أؤجرك أو على أن تؤجرني كذا، أو على أن تزوجني ابنتك أو على أن أزوجك ابنتي ونحو هذا، فهذا كله لا يصح. قال ابن مسعود: " الصفقتان في صفقة ربا " وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وجمهور العلماء، وجوزه مالك وقال: لا ألتفت إلى اللفظ الفاسد، إذا كان معلوما حلالا، فكأنه باع السلعة بالدراهم التي ذكر أنه يأخذها بالدنانير.
* ولنا: الخبر وأن النهي يقتضي الفساد، ولأن العقد لا يجب بالشرط لكونه لا يثبت في الذمة فيسقط فيفسد العقد. لأن البائع لم يرض به إلا بذلك الشرط، فإذا فات الرضا به، ولأنه شرط عقدا في عقد لم يصح كنكاح الشغار وقوله: لا ألتفت إلى اللفظ، لا يصح لأن البيع هو اللفظ. فإذا كان فاسدا فكيف يكون صحيحا ويتخرج أن يصح البيع ويفسد الشرط بناء على ما لو شرط ما ينافي مقتضى العقد كما سبق. والله أعلم.
стр. 3005
(فصل)
وقد روى في تفسير بيعتين في بيعة وجه آخر: وهو أن يقول بعتك هذا العبد بعشرة نقدا أو بخمسة عشر نسيئة، أو بعشرة مكسرة أو تسعة صحاحا، هكذا فسره مالك والثوري وإسحاق وهو أيضا باطل. وهو قول الجمهور لأنه لم يجزم له ببيع واحد فأشبه ما لو قال بعتك هذا أو هذا، ولأن الثمن مجهول فلم يصح كالبيع بالرقم المجهول، ولأن أحد العوضين غير معين ولا معلوم، فلم يصح كما لو قال بعتك أحد عبيدي.
وقد روي عن طاوس والحكم وحماد أنهم قالوا: لا بأس أن يقول: أبيعك بالنقد بكذا وبالنسيئة بكذا. فيذهب على أحدهما وهذا محمول على أنه جرى بينهما بعد ما يجري في العقد.
стр. 3006
فكأن المشتري قال أنا آخذه بالنسيئة بكذا فقال: خذه أو قد رضيت ونحو ذلك. فيكون عقدا كافيا وإن لم يوجد ما يقوم مقام الإيجاب أو يدل عليه لم يصح؛ لأن ما مضى من القول لا يصلح أن يكون إيجابا لما ذكرناه، وقد روي عن أحمد فيمن قال: إن خطته اليوم فلك درهم. وإن خطته غدا فلك نصف درهم: أنه صحيح. فيحتمل أن يلحق به هذا البيع فيخرج وجها في الصحة، ويحتمل أن يفرق بينهما من حيث إن العقد ثم يمكن أن يصح لكونه جعالة يحتمل فيه الجهالة بخلاف البيع ولأن العمل الذي يستحق به الأجر لا يمكن وقوعه إلا على إحدى الصفقتين فتتعين الأجرة المسماة عوضا له. فلا يفضي إلى التنازع وهاهنا بخلافه.
стр. 3007
(فصل)
ولو باعه بشرط أن يسلفه أو يقرضه أو شرط المشتري ذلك عليه. فهو محرم والبيع باطل، وهذا مذهب مالك والشافعي، ولا أعلم فيه خلافا إلا أن مالكا قال: إن ترك مشترط السلف صح البيع.
* ولنا: ما روى عبد الله بن عمرو «أن النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن، وعن بيع ما لم يقبض، وعن بيعتين في بيعة، وعن شرطين في بيع، وعن بيع وسلف (١)» أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وفي لفظ «لا يحل بيع وسلف (٢)» ولأنه اشترط عقدا في عقد، ففسد كبيعتين في بيعة، ولأنه إذا اشترط القرض زاد في الثمن لأجله فتصير الزيادة في الثمن عوضا عن القرض وربحا له. وذلك ربا محرم ففسد كما لو صرح به ولأنه بيع فاسد فلا يعود صحيحا كما لو باع درهما بدرهمين ثم ترك أحدهما.
стр. 3008
(فصل)
ج قال محمد بن علي الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار (باب بيعتين في بيعة) (١):
стр. 3009
(عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا (١)» رواه أبو داود وفي لفظ «نهى النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة (٢)» رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه، وعن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: «نهى النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة (٣)» قال سماك هو الرجل يبيع البيع فيقول هو بنسأ بكذا وهو بنقد بكذا وكذا) رواه أحمد.
حديث أبي هريرة باللفظ الأول في إسناده محمد بن عمرو بن علقمة وقد تكلم فيه غير واحد قال المنذري: والمشهور عنه من رواية الدراوردي ومحمد بن عبد الله الأنصاري «أنه ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة (٤)» انتهى. وهو باللفظ الثاني عند من ذكره المصنف وأخرجه أيضا الشافعي ومالك في بلاغاته وحديث ابن مسعود أورده الحافظ في التلخيص وسكت عنه. وقال في مجمع الزوائد: رجال أحمد ثقات، وأخرجه أيضا البزار والطبراني في الكبير والأوسط، وفي الباب عن ابن عمر عند الدارقطني وابن عبد البر قوله: من باع بيعتين فسره سماك بما رواه المصنف عن أحمد عنه وقد وافقه على مثل ذلك الشافعي فقال: بأن يقول بعتك بألف نقدا أو ألفين إلى سنة فخذ أيهما شئت أنت وشئت أنا، ونقل ابن الرفعة عن القاضي أن المسألة مفروضة على أنه قبل على الإيهام، أما لو قال قبلت بألف نقدا أو بألفين بالنسيئة صح ذلك وقد فسر الشافعي في تفسير آخر فقال: هو أن يقول بعتك ذا العبد بألف على أن تبيعني دارك بكذا أي إذا وجب لك عندي وجب لي عندك وهذا يصلح تفسيرا للرواية الأخرى من حديث أبي هريرة لا للأولى، فإن قوله: فله أوكسهما يدل على أنه باع الشيء الواحد بيعتين ببيعة بأقل وبيعة بأكثر.
وقيل في تفسير ذلك هو أن يسلفه دينارا في قفيز حنطة إلى شهر فلما حل الأجل وطالبه بالحنطة قال: بعني القفيز الذي لك علي إلى شهرين بقفيزين، فصار ذلك بيعتين في بيعة لأن البيع الثاني قد دخل على الأول فيرد إليه أوكسهما وهو الأول، كذا في شرح السنن لابن رسلان، قوله "فله أوكسهما" أي أنقصهما قال الخطابي: لا أعلم أحدا قال بظاهر الحديث وصحح البيع بأوكس الثمنين إلا ما حكى
стр. 3010
عن الأوزاعي وهو مذهب فاسد انتهى. ولا يخفى أن ما قاله هو ظاهر الحديث لأن الحكم له بالأوكس يستلزم صحة البيع به، قوله: "أو الربا" يعني أو يكون قد دخل هو وصاحبه في الربا المحرم إذا لم يأخذ الأوكس بل أخذ الأكثر، وذلك ظاهر في التفسير الذي ذكره ابن رسلان، وأما في التفسير الذي ذكره أحمد عن سماك وذكره الشافعي ففيه متمسك من قال: يحرم بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النساء، وقد ذهب إلى ذلك زين العابدين علي بن الحسين والناصر والمنصور بالله والهادوية والإمام يحيى.
وقالت الشافعية والحنفية وزيد بن علي والمؤيد بالله والجمهور: إنه يجوز لعموم الأدلة القاضية بجوازه وهو الظاهر لأن ذلك المتمسك هو الرواية الأولى من حديث أبي هريرة، وقد عرفت ما في راويها من المقال ومع ذلك فالمشهور عنه اللفظ الذي رواه غيره وهو النهي عن بيعتين في بيعة ولا نتيجة فيه على المطلوب، ولو سلمنا أن تلك الرواية التي تفرد بها ذلك الراوي صالحة للاحتجاج لكان احتمالها لتفسير خارج عن محل النزاع كما سلف عن ابن رسلان قادحا في الاستدلال بها على التنازع فيه على أن غاية ما فيها الدلالة على المنع من البيع إذا وقع على هذه الصورة وهي أن يقول: نقدا بكذا ونسيئة بكذا، إلا إذا قال من أول الأمر: نسيئة بكذا فقط، وكان أكثر من سعر يومه مع أن المتمسكين بهذه الرواية يمنعون من هذه الصورة ولا يدل الحديث على ذلك فالدليل أخص من الدعوى، وقد جمعنا رسالة في هذه المسألة وسميناها شفاء الغلل في حكم زيادة الثمن لمجرد الأجل وحققناها تحقيقا لم نسبق إليه والعلة في تحريم بيعتين في بيعة عدم استقرار الثمن في ثورة بيع الشيء الواحد بثمنين والتعليق بالشرط المستقبل في صورة بيع هذا على أن يبيع منه ذاك ولزوم الربا في صورة القفيز الحنطة: قوله: " أو صفقتين في صفقة " أي بيعتين في بيعة.
د قال صاحب نصب الراية ﵀ في أحاديث الهداية:
الحديث الثالث عشر: روي «أن النبي ﷺ نهى عن صفقتين في صفقة (١)»، قلت رواه أحمد في (مسنده) حدثنا حسن، وأبو النضر، وأسود بن عامر،
стр. 3011
قالوا: ثنا شريك عن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، قال: «نهى النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة (١)» قال أسود: قال شريك: قال سماك: هو أن يبيع الرجل بيعا فيقول: هو نقدا بكذا، ونسيئة بكذا، انتهى.
ورواه البزار في (مسنده) عن أسود بن عامر به، ورواه الطبراني في (معجمه الوسط) حدثنا أحمد بن القاسم حدثنا عبد الملك بن عبد ربه الطائي حدثنا ابن السماك بن حرب عن أبيه مرفوعا: «لا تحل صفقتان في صفقة» انتهى.
ورواه العقيلي في (ضعفائه) من حديث عمرو بن عثمان بن أبي صفوان الثقفي حدثنا سفيان عن سماك به مرفوعا: «الصفقة في الصفقتين ربا»، انتهى. وأعله بعمرو بن عثمان هذا، وقال: لا يتابع على رفعه، والموقوف أولى، ثم أخرجه من طريق أبي نعيم حدثنا سفيان به موقوفا، وهكذا رواه الطبراني في (معجمه الكبير) من طريق أبي نعيم به موقوفا، وكذلك رواه أبو عبيد القاسم بن سلام حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان به موقوفا، قال أبو عبيد: ومعنى صفقتان في صفقة: أن يقول الرجل للرجل: أبيعك هذا نقدا بكذا ونسيئة بكذا، ويفترقان عليه، انتهى.
وكذلك رواه ابن حبان في (صحيحه) في النوع الثامن والعشرين، من القسم الأول من حديث شعبة عن سماك به موقوفا. الصفقة في الصفقتين ربا. وأعاده في النوع التاسع والمائة من القسم الثاني كذلك. بلفظ: لا تحل صفقتان في صفقة اهـ.
* حديث آخر: أخرجه الترمذي والنسائي عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص عن أبي سلمة عن أبي هريرة «أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة (٢)» انتهى. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، قال: وفسره بعض أهل العلم: أن يقول الرجل: أبيعك هذا الثوب نقدا بعشرة، ونسيئة بعشرين، ولا يفارقه على أحد البيعين فإذا فارقه على أحدهما فلا بأس إذا كانت العقدة على أحدهما، وقال الشافعي: معناه أن يقول: أبيعك داري هذه بكذا، على أن تبيعني غلامك بكذا، فإذا وجب لي غلامك وجبت لك داري، انتهى.
والمصنف فسره بأن يقول: أبيعك عبدي هذا على أن تخدمني شهرا، أو داري هذه على أن أسكنها شهرا قال: فإن الخدمة والسكنى إن كان يقابلها شيء من
стр. 3012
الثمن يكون إجارة في بيع، وإلا فهو إعارة في بيع، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع صفقتين الحديث، والحديث في (الموطأ) بلاغ قال أبو مصعب: أخبرنا مالك أنه بلغه «أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة (١)» اهـ.
стр. 3013
بيع المضطر:
أجاء في سنن أبي داود (١):
عن شيخ من بني تميم قال: «خطبنا علي بن أبي طالب - أو قال: قال علي سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يديه ولم يؤمر بذلك قال الله تعالى: ويبايع المضطرون. . وقد نهى النبي ﷺ عن بيع المضطر، وبيع الغرر، وبيع الثمر قبل أن تدرك، (٣)» في إسناده رجل مجهول.
* قال الشيخ: بيع المضطر يكون من وجهين:
* أحدهما: أن يضطر إلى العقد من طريق الإكراه عليه فهذا فاسد لا ينعقد.
والوجه الآخر: أن يضطر إلى البيع لدين يركبه أو مؤونة ترهقه فيبيع ما في يده بالوكس من أجل الضرورة. لهذا سبيله في حق الدين والمروءة أن لا يبايع على هذا الوجه وأن لا يفتات عليه بماله، ولكن يعان ويقرض ويستمهل له إلى الميسرة حتى يكون له في ذلك بلاغ فإن عقد البيع مع الضرورة على هذا الوجه جاز في الحكم ولم يفسخ.
وفي إسناد الحديث رجل مجهول لا ندري من هو إلا أن عامة أهل العلم قد كرهوا البيع على هذا الوجه.
* قال الشيخ: أصل الغرر: هو ما طوي عنك علمه وخفي عليك باطنه وسره، وهو مأخوذ من قولك طويت الثوب على غرة، أي على كسره الأول، وكل بيع كان المقصود منه مجهولا غير معلوم، ومعجوزا عنه غير مقدور عليه فهو غرر وذلك: مثل أن يبيعه سمكا في الماء، أو طيرا في الهواء، أو لؤلؤة في البحر، أو عبدا آبقا، أو جملا شاردا، أو ثوبا في جراب لم يره ولم ينشره، أو طعاما في بيت لم يفتحه،
стр. 3014
أو ولد بهيمة لم يولد، أو ثمر شجرة لم تثمر في نحوها من الأمور التي لا تعلم ولا يدري هل تكون أم لا؟ فإن البيع مفسوخ فيها.
وإنما نهى النبي ﷺ عن هذه البيوع تحصينا للأموال أن تضيع وقطعا للخصومة والنزاع أن يقعا بين الناس فيها.
стр. 3015
ب قال ابن مفلح في البيع وله شروط (١):
* أحدها: الرضا فإن أكره بحق صح، وإن أكره على وزن مال فباع ملكه كره الشراء ويصح على الأصح وهو مع المضطر ونقل حرب تحريمه وكراهته وفسره في روايته فقال: يجيئك محتاج فتبيعه ما يساوي عشرة بعشرين، ولأبي داود عن محمد بن عيسى عن هشيم عن صالح بن عامر، كذا قال محمد قال: حدثنا شيخ من بني تميم قال: خطبنا علي أو قال: قال علي: «نهي النبي ﷺ عن بيع المضطر وبيع الغرر وبيع الثمرة قبل أن تدرك (٢)». صالح لا يعرف: تفرد عنه هشيم والشيخ لا يعرف أيضا، ولأبي يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا روح بن حاتم حدثنا هشيم عن الكوثر بن حكيم عن مكحول قال بلغني عن حذيفة أنه قال: قال رسول الله ﷺ فذكر الحديث وفيه «إلا أن بيع المضطرين حرام (٣)».
الكوثر ضعيف بإجماع، قال أحمد: أحاديثه بواطيل ليس بشيء وقال ابن هبيرة: رأيت بخط ابن عقيل حكي عن كسرى أن بعض عماله أراد أن يجري نهرا فكتب إليه أنه لا يجري إلا في بيت لعجوز فأمر أن يشتري منها فضوعف لها الثمن فلم تقبل، فكتب كسرى أن خذوا بيتها فإن المصالح الكليات تغفر فيها المفاسد الجزئيات. قال ابن عقيل وجدت هذا صحيحا فإن الله وهو الغاية في العدل يبعث المطر والشمس فإن كان الحكيم القادر لم يراع نوادر المضار لعموم المصالح فغيره أولى.