← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

قالوا: ثنا شريك عن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، قال: «نهى النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة (١)» قال أسود: قال شريك: قال سماك: هو أن يبيع الرجل بيعا فيقول: هو نقدا بكذا، ونسيئة بكذا، انتهى. ورواه البزار في (مسنده) عن أسود بن عامر به، ورواه الطبراني في (معجمه الوسط) حدثنا أحمد بن القاسم حدثنا عبد الملك بن عبد ربه الطائي حدثنا ابن السماك بن حرب عن أبيه مرفوعا: «لا تحل صفقتان في صفقة» انتهى. ورواه العقيلي في (ضعفائه) من حديث عمرو بن عثمان بن أبي صفوان الثقفي حدثنا سفيان عن سماك به مرفوعا: «الصفقة في الصفقتين ربا»، انتهى. وأعله بعمرو بن عثمان هذا، وقال: لا يتابع على رفعه، والموقوف أولى، ثم أخرجه من طريق أبي نعيم حدثنا سفيان به موقوفا، وهكذا رواه الطبراني في (معجمه الكبير) من طريق أبي نعيم به موقوفا، وكذلك رواه أبو عبيد القاسم بن سلام حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان به موقوفا، قال أبو عبيد: ومعنى صفقتان في صفقة: أن يقول الرجل للرجل: أبيعك هذا نقدا بكذا ونسيئة بكذا، ويفترقان عليه، انتهى. وكذلك رواه ابن حبان في (صحيحه) في النوع الثامن والعشرين، من القسم الأول من حديث شعبة عن سماك به موقوفا. الصفقة في الصفقتين ربا. وأعاده في النوع التاسع والمائة من القسم الثاني كذلك. بلفظ: لا تحل صفقتان في صفقة اهـ. * حديث آخر: أخرجه الترمذي والنسائي عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص عن أبي سلمة عن أبي هريرة «أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة (٢)» انتهى. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، قال: وفسره بعض أهل العلم: أن يقول الرجل: أبيعك هذا الثوب نقدا بعشرة، ونسيئة بعشرين، ولا يفارقه على أحد البيعين فإذا فارقه على أحدهما فلا بأس إذا كانت العقدة على أحدهما، وقال الشافعي: معناه أن يقول: أبيعك داري هذه بكذا، على أن تبيعني غلامك بكذا، فإذا وجب لي غلامك وجبت لك داري، انتهى. والمصنف فسره بأن يقول: أبيعك عبدي هذا على أن تخدمني شهرا، أو داري هذه على أن أسكنها شهرا قال: فإن الخدمة والسكنى إن كان يقابلها شيء من

стр. 3012

الثمن يكون إجارة في بيع، وإلا فهو إعارة في بيع، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع صفقتين الحديث، والحديث في (الموطأ) بلاغ قال أبو مصعب: أخبرنا مالك أنه بلغه «أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة (١)» اهـ.

стр. 3013

بيع المضطر: أجاء في سنن أبي داود (١): عن شيخ من بني تميم قال: «خطبنا علي بن أبي طالب - أو قال: قال علي سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يديه ولم يؤمر بذلك قال الله تعالى: ويبايع المضطرون. . وقد نهى النبي ﷺ عن بيع المضطر، وبيع الغرر، وبيع الثمر قبل أن تدرك، (٣)» في إسناده رجل مجهول. * قال الشيخ: بيع المضطر يكون من وجهين: * أحدهما: أن يضطر إلى العقد من طريق الإكراه عليه فهذا فاسد لا ينعقد. والوجه الآخر: أن يضطر إلى البيع لدين يركبه أو مؤونة ترهقه فيبيع ما في يده بالوكس من أجل الضرورة. لهذا سبيله في حق الدين والمروءة أن لا يبايع على هذا الوجه وأن لا يفتات عليه بماله، ولكن يعان ويقرض ويستمهل له إلى الميسرة حتى يكون له في ذلك بلاغ فإن عقد البيع مع الضرورة على هذا الوجه جاز في الحكم ولم يفسخ. وفي إسناد الحديث رجل مجهول لا ندري من هو إلا أن عامة أهل العلم قد كرهوا البيع على هذا الوجه. * قال الشيخ: أصل الغرر: هو ما طوي عنك علمه وخفي عليك باطنه وسره، وهو مأخوذ من قولك طويت الثوب على غرة، أي على كسره الأول، وكل بيع كان المقصود منه مجهولا غير معلوم، ومعجوزا عنه غير مقدور عليه فهو غرر وذلك: مثل أن يبيعه سمكا في الماء، أو طيرا في الهواء، أو لؤلؤة في البحر، أو عبدا آبقا، أو جملا شاردا، أو ثوبا في جراب لم يره ولم ينشره، أو طعاما في بيت لم يفتحه،

стр. 3014

أو ولد بهيمة لم يولد، أو ثمر شجرة لم تثمر في نحوها من الأمور التي لا تعلم ولا يدري هل تكون أم لا؟ فإن البيع مفسوخ فيها. وإنما نهى النبي ﷺ عن هذه البيوع تحصينا للأموال أن تضيع وقطعا للخصومة والنزاع أن يقعا بين الناس فيها.

стр. 3015

ب قال ابن مفلح في البيع وله شروط (١): * أحدها: الرضا فإن أكره بحق صح، وإن أكره على وزن مال فباع ملكه كره الشراء ويصح على الأصح وهو مع المضطر ونقل حرب تحريمه وكراهته وفسره في روايته فقال: يجيئك محتاج فتبيعه ما يساوي عشرة بعشرين، ولأبي داود عن محمد بن عيسى عن هشيم عن صالح بن عامر، كذا قال محمد قال: حدثنا شيخ من بني تميم قال: خطبنا علي أو قال: قال علي: «نهي النبي ﷺ عن بيع المضطر وبيع الغرر وبيع الثمرة قبل أن تدرك (٢)». صالح لا يعرف: تفرد عنه هشيم والشيخ لا يعرف أيضا، ولأبي يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا روح بن حاتم حدثنا هشيم عن الكوثر بن حكيم عن مكحول قال بلغني عن حذيفة أنه قال: قال رسول الله ﷺ فذكر الحديث وفيه «إلا أن بيع المضطرين حرام (٣)». الكوثر ضعيف بإجماع، قال أحمد: أحاديثه بواطيل ليس بشيء وقال ابن هبيرة: رأيت بخط ابن عقيل حكي عن كسرى أن بعض عماله أراد أن يجري نهرا فكتب إليه أنه لا يجري إلا في بيت لعجوز فأمر أن يشتري منها فضوعف لها الثمن فلم تقبل، فكتب كسرى أن خذوا بيتها فإن المصالح الكليات تغفر فيها المفاسد الجزئيات. قال ابن عقيل وجدت هذا صحيحا فإن الله وهو الغاية في العدل يبعث المطر والشمس فإن كان الحكيم القادر لم يراع نوادر المضار لعموم المصالح فغيره أولى.

стр. 3016

ج قال ابن القيم ﵀ بصدد حديثه عن اعتبار القصود في العقود (١): * الصورة السابعة: إذا اشترى أو استأجر مكرها لم يصح وإن كان في الظاهر قد حصل صورة العقد لعدم قصده وإرادته فدل على أن القصد روح العقد ومصححه ومبطله فاعتبار القصود في العقود أولى من اعتبار الألفاظ فإن الألفاظ مقصودة لغيرها ومقاصد العقود هي التي تراد لأجلها فإذا ألغيت واعتبرت الألفاظ التي لا تراد لنفسها كان هذا إلغاء لما يجب اعتباره لما قد يسوغ إلغاؤه، وكيف يقدم اعتبار اللفظ الذي قد ظهر كل الظهور أن المراد خلافه؟ بل قد يقطع بذلك على المعنى الذي قد ظهر بل قد يتيقن أنه المراد. تقدم بعض الكلام في بيع المضطر في الحديث عن العينة والتورق.

стр. 3017

بيع الإنسان ما لم يقبض وبيعه ما ليس عنده وذكر آراء الفقهاء في ذلك. أقال صاحب بدائع الصنائع وترتيب الشرائع ﵀ بصدد كلامه عن شروط صحة البيع: ومنها القبض في بيع المشتري المنقول فلا يصح بيعه قبل القبض لما روي «أن النبي ﷺ نهى عن بيع ما لم يقبض (١)» (١٦٧٢) والنهي يوجب فساد المنهي ولأنه بيع فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه، لأنه إذا هلك المعقود عليه قبل القبض يبطل البيع الأول فينفسخ الثاني لأنه بناه على الأول، وقد «نهى رسول الله ﷺ عن بيع فيه غرر» (١٦٧٣) وسواء باعه من غير بائعه لأن النهي مطلق لا يوجب الفصل بين البيع من غير بائعه وبيع البيع من بائعه، وكذا معنى الغرر لا يفصل بينهما فلا يصح الثاني والأول على حاله ولا يجوز إشراكه وتوليته لأن كل ذلك بيع اهـ، المقصود منه (٢).

стр. 3018

ب قال ابن رشد ﵀ في بداية المجتهد ونهاية المقتصد (١): وأما بيع الطعام قبل قبضه فإن العلماء مجمعون على منع ذلك إلا ما يحكى عن عثمان البتي، وإنما أجمع العلماء على ذلك لثبوت النهي عنه عن رسول الله ﷺ من حديث مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه (٢)» واختلف من هذه المسألة في ثلاثة مواضع: أحدها: فيما يشترط فيه القبض من المبيعات. والثاني: في الاستفادات التي يشترط في بيعها القبض من التي لا يشترط. والثالثة: في الفرق بين ما يباع من الطعام مكيلا وجزافا، ففيه ثلاثة فصول: الفصل الأول - فيما يشترط فيه القبض من المبيعات: وأما بيع ما سوى الطعام قبل القبض فلا خلاف في مذهب مالك في إجازته، وأما الطعام الربوي فلا خلاف في مذهبه أن القبض شرط في بيعه، وأما غير الربوي من الطعام فعنه في ذلك روايتان: إحدهما: المنع وهي الأشهر، وبها قال أحمد وأبو ثور إلا أنهما اشترطا مع الطعام الكيل والوزن. والرواية الأخرى: الجواز. وأما أبو حنيفة فالقبض عنده شرط في كل مبيع ما عدا المبيعات التي لا تنقل ولا تحول من الدور والعقار وأما الشافعي فإن القبض عنده شرط في كل مبيع، وبه قال الثوري، وهو مروي عن جابر بن عبد الله وابن عباس، وقال أبو عبيد وإسحاق: كل شيء لا يكال ولا يوزن فلا بأس ببيعه قبل قبضه، فاشترط هؤلاء القبض في المكيل والموزون، وبه قال ابن حبيب وعبد العزيز بن أبي سلمة وربيعة، وزاد هؤلاء مع الكيل والوزن المعدود، فيحصل في اشتراط القبض سبعة أقوال:

стр. 3019

الأول: في الطعام الربوي فقط. الثاني: في الطعام بإطلاق. الثالث: في الطعام المكيل والموزون. الرابع: في كل شيء ينقل. الخامس: في كل شيء. السادس: في المكيل والموزون. السابع: في المكيل والموزون المعدود. أما عمدة مالك في منعه ما عدا المنصوص عليه فدليل الخطاب في الحديث المتقدم، وأما عمدة الشافعي في تعميم ذلك في كل بيع فعموم قوله ﷺ : «لا يحل بيع وسلف ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك (١)» وهذا من باب بيع ما لم يضمن، وهذا مبني على مذهبه من أن القبض شرط في دخول المبيع في ضمان المشتري، واحتج أيضا بحديث حكيم بن حزام قال: «قلت يا رسول الله إني أشتري بيوعا فما يحل لي منها وما يحرم؟ فقال: يا ابن أخي إذا اشتريت بيعا فلا تبعه حتى تقبضه (٢)» قال أبو عمر: حديث حكيم بن حزام رواه يحيى بن أبي كثير عن يوسف بن ماهك أن عبد الله بن عصمة حدثه أن حكيم بن حزام قال: ويوسف بن ماهك وعبد الله بن عصمة لا أعرف لهما جرحة إلا أنه لم يرو عنهما إلا رجل واحد فقط، وذلك في الحقيقة ليس بجرحة وإن كرهه جماعة من المحدثين. ومن طريق المعنى أن بيع ما لم يقبض يتطرق منه إلى الربا، وإنما استثنى أبو حنيفة ما يحول وينقل عنده مما لا ينقل، لأن ما ينقل القبض عنده فيه هي التخلية. وأما من اعتبر الكيل والوزن فلاتفاقهم أن المكيل والموزون لا يخرج من ضمان البائع إلى ضمان المشتري إلا بالكيل أو الوزن وقد نهى عن بيع ما لم يضمن. الفصل الثاني: في الاستفادات التي يشترط في بيعها القبض من التي لا يشترط. وأما ما يعتبر ذلك فيه مما لا يعتبر، فإن العقود تنقسم أولا إلى قسمين: قسم

стр. 3020

يكون بمعاوضة، وقسم يكون بغير معاوضة، كالهبات والصدقات، والذي يكون بمعاوضة ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: يخص بقصد المغابنة والمكايسة وهي البيوع والإجارات والمهور والصلح والمال المضمون بالتعدي وغيره. والقسم الثاني: لا يختص بقصد المغابنة وإنما يكون على جهة الرفق وهو القرض. والقسم الثالث: فهو ما يصح أن يقع على الوجهين جميعا: أعني على قصد المغابنة وعلى قصد الوفق، كالشركة والإقالة والتولية وتحصيل أقوال العلماء في هذه الأقسام، أما ما كان بيعا ويعوض فلا خلاف في اشتراط القبض فيه، وذلك في الشيء الذي يشترط فيه القبض واحد من العلماء. وأما ما كان خالصا للرفق: أعني القرض، فلا خلاف أيضا أن القبض ليس شرطا في بيعه، أعني أنه يجوز للرجل أن يبيع القرض قبل أن يقبضه، واستثنى أبو حنيفة مما يكون بعوض المهر والخلع فقال: يجوز بيعهما قبل القبض، وأما العقود التي تتردد بين قصد الرفق والمغابنة، وهي التولية والشركة والإقالة، فإذا وقعت على وجه الرفق من غير أن تكون الإقالة أو التولية بزيادة أو نقصان، فلا خلاف أعلمه في هذا المذهب أن ذلك جائز قبل القبض وبعده، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تجوز الشركة ولا التولية قبل القبض، وتجوز الإقالة عندهما لأنها قبل القبض فسخ بيع لا بيع، فعمدة من اشترط القبض في جميع المعاوضات أنها في معنى البيع المنهي عنه، وإنما استثنى مالك من ذلك التولية، والإقالة والشركة للأثر والمعنى. وأما الأثر فما رواه من مرسل سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه (١)» إلا ما كان من شركة أو تولية أو إقالة وأما طريق المعنى فإن هذه إنما يراد بها الرفق لا المغابنة إذا لم تدخلها زيادة ولا نقصان، وإنما استثنى من ذلك أبو حنيفة الصداق والخلع والجعل، لأن العوض في ذلك ليس بينا إذا لم يكن عينا.

стр. 3021

الفصل الثالث: في الفرق بين ما يباع من الطعام مكيلا وجزافا: وأما اشتراط القبض فيما بيع من الطعام جزافا، فإن مالكا رخص فيه وأجازه وبه قال الأوزاعي ولم يجز ذلك أبو حنيفة والشافعي، وحجتهما عموم الحديث المتضمن للنهي عن بيع الطعام قبل قبضه، لأن الذريعة موجودة في الجزاف وغير الجزاف، ومن الحجة لهما ما روي عن ابن عمر أنه قال: «كنا في زمان رسول الله ﷺ نبتاع الطعام جزافا، فبعث إلينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه (١)» قال أبو عمر: وإن كان مالك لم يرو عن نافع في هذا الحديث ذكر الجزاف. فقد روته جماعة وجوده عبيد الله بن عمر وغيره، وهو مقدم في حفظ حديث نافع، وعمدة المالكية أن الجزاف ليس فيه حق توفيه، فهو عندهم من ضمان المشتري بنفس العقد، وهذا من باب تخصيص العموم بالقياس المظنون العلة. وقد يدخل في هذا الباب إجماع العلماء على منع بيع الرجل شيئا لا يملكه، وهو المسمى عينة عند من يرى نقله (٢) من باب الذريعة إلى الربا، وأما من رأى منعه من جهة أنه قد لا يمكنه نقله فهو داخل في بيوع الغرر، وصورة التذرع منه إلى الربا المنهي عنه أن يقول رجل لرجل: أعطني عشرة دنانير على أن أدفع لك إلى مدة كذا ضعفا، فيقول له: هذا لا يصلح، ولكن أبيع منك سلعة كذا لسلعة يسميها ليست عنده بهذا العدد، ثم يعمد هو فيشتري تلك السلعة فيقبضها له بعد أن كمل البيع بينهما، وتلك السلعة قيمتها قريب مما كان سأله أن يعطيه من الدراهم قرضا فيرد عليه ضعفها، وفي المذهب في هذا تفصيل ليس هذا موضع ذكره، ولا خلاف في هذه الصورة التي ذكرنا أنها غير جائزة في المذهب: أعني إذا تقارا على الثمن الذي يأخذ به السلعة قبل شرائها، وأما الدين بالدين، فأجمع المسلمون على منعه، واختلفوا في مسائل هل هي منه أم ليست منه؟ مثل ما كان ابن القاسم لا يجيز أن يأخذ الرجل من غريمه في دين له عليه تمرا قد بدا صلاحه ولا سكنى دار ولا جارية تتواضع، ويراه من باب

стр. 3022

الدين بالدين وكان أشهب يجيز ذلك ويقول: ليس هذا من باب الدين بالدين وإنما الدين بالدين لم يشرع في أخذ شيء منه، وهو القياس عند كثير من المالكيين، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة، ومما أجازه مالك من هذا الباب وخالفه فيه جمهور ما قاله في المدونة من أن الناس كانوا يبيعون اللحم بسعر معلوم والثمن إلى العطاء، فيأخذ المبتاع كل يوم وزنا معلوما قال: ولم ير الناس بذلك بأسا، وكذلك كل ما يبتاع في الأسواق، وروى ابن القاسم أن ذلك لا يجوز إلا فيما خشي عليه الفساد من الفواكه إذا أخذ جميعه، أما القمح وشبهه فلا، فهذه هي أصول هذا الباب، وهذا الباب كله إنما حرم في الشرع لمكان الغبن الذي يكون طوعا وعن علم. ج قال صاحب المجموع شرح المهذب (١): * (فرع) في مذاهب العلماء في بيع المبيع قبل القبض. قد ذكرنا أن مذهبنا بطلانه مطلقا سواء كان طعاما أو غيره وبه قال ابن عباس ثبت ذلك عنه ومحمد بن الحسن. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن من اشترى طعاما فليس له بيعه حتى يقبضه، قال: واختلفوا في غير الطعام في أربعة مذاهب: أحدها: لا يجوز بيع شيء قبل قبضه سواء جميع المبيعات كما في الطعام قاله الشافعي ومحمد بن الحسن. والثاني: يجوز بيع كل مبيع قبل قبضه إلا المكيل والموزون قاله عثمان بن عفان وسعيد بن المسيب والحسن والحكم وحماد والأوزاعي وأحمد وإسحاق. والثالث: لا يجوز بيع مبيع قبل قبضه إلا الدور والأرض قاله أبو حنيفة وأبو يوسف. والرابع: يجوز بيع كل مبيع قبل قبضه إلا المأكول والمشروب قاله مالك وأبو ثور قال ابن المنذر: وهو أصح المذاهب لحديث النهي عن بيع الطعام قبل أن يستوفى.

стр. 3023

واحتج لمالك وموافقيه بحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه (١)» رواه البخاري ومسلم، وعنه قال: «لقد رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ يتبايعون جزافا يعني الطعام فضربوا أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤوه إلى رحالهم (٢)» رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عباس قال «أما الذي نهى عنه النبي ﷺ فهو الطعام أن يباع حتى يقبض (٣)». قال ابن عباس: وأحسب كل شيء مثله، رواه البخاري ومسلم وفي رواية لمسلم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه (٤)» قال ابن عباس: وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يكيله» رواه مسلم، وفي رواية قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يستوفى (٥)» وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا ابتعت طعاما فلا تبعه حتى تستوفيه (٦)» رواه مسلم قالوا: فالتنصيص في هذه الأحاديث يدل على أن غيره بخلافه قالوا: وقياسا على ما ملكه بإرث أو وصية. وعلى إعتاقه وإجارته قبل قبضه، وعلى بيع الثمر قبل قبضه. واحتج أصحابنا بحديث حكيم بن حزام أن النبي ﷺ قال: «لا تبع ما لم تقبضه» وهو حديث حسن كما سبق بيانه في أول هذا الفصل. وبحديث زيد بن ثابت «أن النبي ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم (٧)». رواه أبو داود بإسناد صحيح إلا أنه من رواية محمد بن إسحاق بن يسار عن أبي الزناد وابن إسحاق مختلف في الاحتجاج به وهو مدلس وقد قال: عن أبي الزناد والمدلس إذا قال: "عن" لا يحتج به. لكن لم يضعف أبو داود هذا الحديث. وقد سبق أن ما لم يضعفه فهو حجة عنده فلعله اعتضد عنده أو ثبت عنده بسماع ابن إسحاق له من أبي الزناد وبالقياس على الطعام. (والجواب): عن احتجاجهم بأحاديث النهي عن بيع الطعام من وجهين: أحدهما: أن هذا استدلال بداخل الخطاب والتنبيه مقدم عليه: فإنه إذا نهى عن بيع الطعام مع كثرة الحاجة إليه فغيره أولى. والثاني: أن النطق الخاص مقدم عليه وهو حديث حكيم وحديث زيد.

стр. 3024

وأما قياسهم على العتق ففيه خلاف سبق فإن سلمناه فالفرق أن العتق له قوة وسراية. ولأن العتق إتلاف للمالية والإتلاف قبض. (والجواب): عن قياسهم على الثمن أن فيه قولين فإن سلمناه فالفرق أنه في الذمة مستقر لا يتصور تلفه ونظير المبيع إنما هو الثمن المعين ولا يجوز بيعه قبل القبض، وأما بيع الميراث والموصى به فجوابه أن الملك فيهما مستقر بخلاف المبيع والله أعلم. واحتج لأبي حنيفة بإطلاق النصوص ولأنه لا يتصور تلف العقار بخلاف غيره. واحتج أصحابنا بما سبق في الاحتجاج على مالك وأجابوا عن النصوص بأنها مخصوصة بما ذكرناه. وأما قولهم: لا يتصور تلفه. فينتقض بالجديد الكثير والله أعلم. * قال المصنف ﵀: وأما الديون فينظر فيها. فإن كان الملك عليها مستقرا كغرامة المتلف وبدل القرض، جاز بيعه ممن عليه قبل القبض لأن ملكه مستقر عليه. فجاز بيعه كالمبيع بعد القبض وهل يجوز من غيره؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز، لأن ما جاز بيعه ممن عليه جاز بيعه من غيره كالوديعة. والثاني: لا يجوز لأنه لا يقدر على تسليمه إليه لأنه ربما منعه أو جحده، وذلك غرر لا حاجة به إليه، فلم يجز والأول أظهر لأن الظاهر أنه يقدر على تسليمه إليه من غير منع ولا جحود. وإن كان الدين غير مستقر نظرت فإن كان مسلما فيه لم يجز بيعه لما روي أن ابن عباس ﵄ سئل عن رجل أسلف في حلل دقاق فلم يجد تلك الحلل فقال: آخذ منك مقام كل حلة من الدقاق حلتين من الجل فكرهه ابن عباس، وقال: خذ برأس المال علفا أو غنما، ولأن الملك في المسلم فيه غير مستقر لأنه ربما تعذر فانفسخ البيع فيه فلم يجز بيعه كالبيع قبل القبض. وإن كان ثمنا في بيع ففيه قولان قال في الصرف: يجوز بيعه قبل القبض لما روى

стр. 3025

ابن عمر قال: «كنت أبيع الإبل بالبقيع بالدنانير، فآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم فآخذ الدنانير، فقال رسول الله ﷺ : لا بأس ما لم تتفرقا وبينكما شيء (١)» ولأنه لا يخشى انفساخ العقد فيه بالهلاك فصار كالبيع بعد القبض. وروى المزني في جامعه الكبير أنه لا يجوز لأن ملكه غير مستقر عليه، لأنه قد ينفسخ البيع فيه بتلف المبيع أو بالرد بالعيب، فلم يجز بيعه كالمبيع قبل القبض، وفي بيع نجوم المكاتب قبل القبض طريقان: أحدهما: أنه على قولين بناء على القولين في بيع رقبته. والثاني: أنه لا يصح ذلك قولا واحدا وهو المنصوص في المختصر لأنه لا يملكه ملكا مستقرا فلم يصح بيعه كالمسلم فيه. * (الشرح) حديث ابن عمر صحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائي وآخرون بأسانيد صحيحة عن سماك بن حرب عن سعيد بن عمر بلفظه هذا قال الترمذي وغيره: لم يرفعه غير سماك وذكره البيهقي في معرفة السنن والآثار إن أكثر الرواة وقفوه على ابن عمر، (قلت): وهذا لا يقدح في رفعه وقد قدمنا مرات أن الحديث إذا رواه بعضهم مرسلا وبعضهم متصلا وبعضهم موقوفا مرفوعا كان محكوما بوصله ورفعه على المذهب الصحيح الذي قاله الفقهاء والأصوليون ومحققو المحدثين من المتقدمين والمتأخرين. بالبقيع هو بالباء الموحدة وإنما قيدته لأني رأيت من يصحفه. (وقوله) السلم في حلل هو جمع حلة بضم الحاء وهي ثوبان ولا يكون إلا ثوبان كذا قاله أهل اللغة. والمدق بكسر الدال والجل بكسر الجيم وهو الغليظ. (وقوله) من غير حاجة إليه يحترز من أساس الدار فإنه يصح بيعه وهو غرر للحاجة وهذا الاحتراز يكرره المصنف في كتاب البيوع كثيرا. أما الأحكام فقد لخصها الرافعي أحسن تلخيص وهذا مختصر كلامه قال: الدين في الذمة ثلاثة أضرب: مثمن وثمن وغيرهما وفي حقيقة الثمن ثلاثة أوجه:

стр. 3026

أحدها: أنه ما ألصق به الباء كقولك بعت كذا بكذا والأول مثمن. والثاني ثمن وهذا قول القفال. والثاني: أنه النقد مطلقا والمثمن ما يقابله على الوجهين. أصحهما: أن الثمن النقد، والمثمن ما يقابله، فإن لم يكن في العقد نقد أو كان العوضان نقدين فالثمن ما ألصقت به الباء. والمثمن ما يقابله. فلو باع أحد النقدين بالآخر فلا مثمن فيه على الوجه الثاني، ولو باع عرضا بعرض فعلى الوجه الثاني لا ثمن فيه وإنما هو مبادلة، ولو قال بعتك هذه الدراهم بهذا العبد فعلى الوجه الأول العبد ثمن والدراهم مثمن. وعلى الوجه الثاني والثالث في صحة هذا العقد وجهان: كالسلم في الدراهم والدنانير (الأصح) الصحة في الموضعين. فإن صححناه فالعبد مثمن. ولو قال: بعتك هذا الثوب بهذا العبد ووصفه صح العقد. (فإن قلنا): الثمن ما ألصق به الباء فالعبد ثمن ولا يجب تسليم الثوب في المجلس وإلا ففي وجوب تسليم الثوب وجهان لأنه ليس فيه لفظ السلم لكن فيه معناه. فإذا عرف عدنا إلى بيان الأضرب الثلاثة. * الضرب الأول: المثمن وهو المسلم فيه فلا يجوز بيعه ولا الاستبدال عنه، وهل تجوز الحوالة به؟ بأن يحيل المسلم إليه المسلم بحقه على من له عليه دين قرض، أو إتلاف، أو الحوالة عليه بأن يحيل المسلم من له عليه دين قرض أو إتلاف على المسلم إليه. فيه ثلاثة أوجه: أصحها: لا. والثاني: نعم. والثالث: لا يجوز عليه ويجوز به. هكذا حكموا الثالث. وعكسه الغزالي في الوسيط فقال: يجوز عليه لا به ولا أظن نقله ثابتا. * الضرب الثاني: الثمن فإذا باع بدراهم أو دنانير في الذمة ففي الاستبدال عنها طريقان:

стр. 3027

أحدهما: القطع بالجواز قاله القاضي أبو حامد وابن القطان. وأشهرهما: على قولين: أصحهما: وهو الجديد جوازه. والقديم: منعه، ولو باع في الذمة بغير الدراهم والدنانير، فإن قلنا الثمن ما ألصقت به الباء صح الاستبدال عنه كالنقدين وادعى البغوي أنه المذهب وإلا فلا؛ لأن ما نثبت في الذمة فثمنا لم يجز الاستبدال عنه وأما الأجرة فكالثمن وأما الصداق وبدل الخلع فكذلك إن قلنا إنهما مضمونان ضمان العقد وإلا فهما كبدل الإتلاف. * (التفريع) إن منعنا الاستبدال عن الدراهم فذلك إذا استبدل عنها عرضا، فلو استبدل نوعا منها بنوع أو استبدل الدراهم عن الدنانير فوجهان لاستوائهما في الجواز وإن جوزنا الاستبدال فلا فرق بين بدل وبدل ثم ينظر إن استبدل ما يوافقهما في علة الربا كدنانير عن دراهم اشترط قبض البدل في المجلس. وكذا إن استبدل عن الحنطة المبيعة شعيرا إن جوزنا ذلك. وفي اشتراط تعيين البدل عند العقد وجهان: أحدهما: يشترط وإلا فهو بيع دين بدين. وأصحهما: لا يشترط كما لو تصارفا في الذمة ثم عينا وتقابضا في المجلس وإن استبدل ما ليس موافقا لها في علة الربا كالطعام والثياب عن الدراهم نظر إن عين البدل في الاستبدال جاز، وفي اشتراط قبضه في المجلس وجهان: "صحح" الغزالي وجماعة الاشتراط وهو ظاهر نصه في المختصر، وصحح الإمام البغوي عدمه، قلت: هذا الثاني أصح، وصححه الرافعي في المحرر، وإن لم يعين بل وصف في الذمة فعلى الوجهين السابقين. وإن جوزناه اشترط التعيين في المجلس وفي اشتراط القبض الوجهان. * (الضرب الثالث) ما ليس ثمنا ولا مثمنا كدين القرض والإتلاف فيجوز الاستبدال عنه بلا خلاف كما لو كان له في يد غيره مال بغصب أو عارية فإنه يجوز بيعه له. ثم الكلام في اعتبار التعيين والقبض على ما سبق. وذكر صاحب

стр. 3028

الشامل أن القرض إنما يستبدل عنه إذا تلف، فإن بقي في يده فلا، ولم يفرق الجمهور بينهما، ولا يجوز استبدال المؤجل عن الحال -ويجوز عكسه- وهذا الذي ذكرنا كله في الاستبدال وهو بيع الدين ممن هو عليه. فأما بيعه لغيره كمن له على رجل مائة فاشترى من آخر عبدا بتلك المائة ففي صحته قولان مشهوران: أصحهما: لا يصح لعدم القدرة على التسليم. والثاني: يصح بشرط أن يقبض مشتري الدين الدين ممن هو عليه وأن يقبض بائع الدين العوض في المجلس فإن تفرقا قبل قبض أحدهما بطل العقد. ولو كان له دين على إنسان ولآخر مثله على ذلك الإنسان فباع أحدهما ما له عليه بما لصاحبه له لم يصح سواء اتفق الجنس لنهيه ﷺ عن بيع الكالئ بالكالئ هذا آخر كلام الرافعي. (قلت): قد صحح المصنف هنا وفي التنبيه جواز بيع الدين لغير من هو عليه وصحح الرافعي في الشرح والمحرر أنه لا يجوز.

стр. 3029

(فرع) قال الشيخ أبو حامد في تعليقه في آخر باب بيع الطعام قبل أن يستوفي: إذا باع طعاما بثمن مؤجل فحل الأجل فأخذ بالثمن طعاما جاز عندنا قال الشافعي: وقال مالك: لا يجوز لأنه يصير في معنى بيعي طعام بطعام مؤجل دليلنا أنه إنما يأخذ منه الطعام بالثمن الذي له عليه لا بالطعام وهذا الذي جزم به أبو حامد تفريعا على الصحيح وهو الاستبدال عن الثمن وقد صرح بهذا جماعة منهم القاضي أبو الطيب في تعليقه، قال صاحب البيان: قال الصيمري والصيدلاني: فلو أراد أن يأخذ ثمن الدين المؤجل عوضا من نقد وعرض قبل حلوله لم يصح. أما تقديم الدين نفسه فيجوز لأنه لا يملك المطالبة به قبل الحلول فكأنه أخذ العوض عما لا يستحقه. والله أعلم. قال المصنف ﵀: (والقبض فيما ينقل النقل لما روى زيد بن ثابت «أن رسول الله ﷺ نهى أن

стр. 3030

تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم، (١)» وفيما لا ينقل كالعقار والثمر قبل أوان الجذاذ التخلية؛ لأن القبض ورد به الشرع وأطلقه فحمل على العرف. والعرف فيما ينقل النقل وفيما لا ينقل التخلية). * (الشرح) أما حديث زيد فسبق بيانه قريبا في فرع مذاهب العلماء في بيع المبيع قبل القبض وفي التجار لغتان -كسر التاء مع تخفيف الجيم، وضمها مع التشديد -والجذاذ- بفتح الجيم وكسرها-. أما الأحكام فقال أصحابنا: الرجوع في القبض إلى العرف وهو ثلاثة أقسام: أحدها: العقار والثمر على الشجرة فقبضه بالتخلية. والثاني: ما ينقل في العادة كالأخشاب والحبوب والحيتان ونحوها فقبضه بالنقل إلى مكان لا اختصاص للبائع به سواء نقل إلى ملك المشتري أو موات أو شارع أو مسجد أو غيره. وفيه قول حكاه الخراسانيون أنه يكفي فيه التخلية وهو مذهب أبي حنيفة. والثالث: ما يتناول باليد كالدراهم والدنانير والمنديل والثوب والإناء الخفيف والكتاب ونحوها فقبضه بالتناول بلا خلاف. صرح بذلك الشيخ أبو حامد في تعليقه، والقاضي أبو الطيب والمحاملي والماوردي والمصنف في التنبيه والبغوي وخلائق لا يحصون، وينكر على المصنف كونه أهمله هنا مع شهرته ومع ذكره له في التنبيه والله تعالى أعلم. وقد فحص الرافعي ﵀ كلام الأصحاب وجمع متصرفه مختصرا، وأنا أنقل مختصره وأضم إليه ما أهمله إن شاء الله تعالى، قال ﵀: القول الجملي فيه أن الرجوع فيما يكون قبضا إلى العادة وتختلف بحسب اختلاف المال. * وأما تفصيله فنقول: المال إما أن يباع من غير اعتبار تقدير فيه وإما مع اعتبار فيه فهما نوعان:

стр. 3031

* الأول ما لا يعتبر فيه تقدير إما لعدم إمكانه وإما مع إمكانه فينظر إن كان المبيع مما لا ينقل كالأرض والدار فقبضه بالتخلية بينه وبين المشتري ويمكنه من اليد والتصرف بتسليم المفتاح إليه ولا يعتبر دخوله وتصرفه فيه، ويشترط كونه فارغا من أمتعة البائع، فلو باع دارا فيها أمتعة للبائع توقف التسليم على تفريقها، وكذا لو باع سفينة مشحونة بالقماش. وحكى الرافعي بعد هذا وجها شاذا ضعيفا عند ذكر بيع الدار المذروعة أنه لا يصح بيع الدار المشحونة بالأقمشة وادعى إمام الحرمين أنه ظاهر المذهب. ولو جمع البائع متاعه في بيت من الدار وخلى بين المشتري وبين الدار حصل القبض فيما عدا ذلك البيت كذا قاله الأصحاب وكذا نقله المتولي عن الأصحاب. وفي اشتراط حضور البائع عند المبيع في حال الإقباض ثلاثة أوجه: أحدها: يشترط. فإن حضرا عنده فقال البائع للمشتري: دونك هذا ولا مانع حصل القبض وإلا فلا. والثاني: يشترط حضور المشتري دون البائع. وأصحها: لا يشترط حضور واحد منهما، لأن ذلك يشق فعلى هذا هل يشترط زمان إمكان المضي؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم، وبه قطع المتولي وغيره، وفي معنى الأرض الشجر الثابت والثمرة المبيعة على الشجر قبل أوان الجذاذ، والله سبحانه أعلم. * وأما إذا كان المبيع من المنقولات فالمذهب والمشهور أنه لا تكفي التخلية بل يشترط النقل والتحويل. وفي قول رواه حرملة تكفي التخلية لنقل الضمان إلى المشتري ولا تكفي لجواز تصرفه فعلى المذهب إن كان المبيع عبدا يأمره بالانتقال من موضعه، وإن كان دابة ساقها أو قادها (قلت): قال صاحب البيان: لو أمر العبد بعمل لم ينتقل فيه عن موضعه، أو ركب البهيمة ولم تنقل عن موضعها فالذي يقتضيه المذهب أنه لا يكون قبضا كما لا يكون غصبا، قال: ولو وطيء الجارية فليس قبضا على الصحيح من الوجهين، وبهذا قطع الجمهور وهذا الذي ذكره في الغصب فيه خلاف نذكره في الغصب إن شاء الله تعالى. قال الرافعي: إذا كان المبيع في موضع لا يختص بالبائع كموات ومسجد وشارع أو

стр. 3032

في موضع يختص بالمشتري فالتحويل إلى مكان منه كاف في حصول القبض، وإن كان في بقعة مخصوصة بالبائع فالنقل من زاوية منه إلى زاوية، أو من بيت من داره إلى بيت بغير إذن البائع لا يكفي لجواز التصرف ويكفي لدخوله في ضمانه، وإن نقل بإذنه حصل القبض وكأنه استعار ما نقل إليه. ولو اشترى الدار مع أمتعة فيها صفقة واحدة، فخلى البائع بينهما وبينه حصل القبض في الدار وفي الأمتعة وجهان: أصحهما: يشترط نقلها لأنها منقولة كما لو أفردت. والثاني: يحصل فيها القبض تبعا وبه قطع الماوردي وزاد فقال: لو اشترى صبرة ولم ينقلها حتى اشترى الأرض التي عليها الصبرة وخلى البائع بينه وبينها حصل القبض في الصبرة. (قلت) قال الماوردي: ولو استأجر الأرض من البائع فوجهان: أصحهما: أنه ليس قبضا للأمتعة والله أعلم.

стр. 3033

قال الرافعي: ولو لم يتفقا على القبض فجاء البائع بالمبيع فامتنع المشتري من قبضه أجبره الحاكم عليه، فإن أصر أمر الحاكم من يقبضه كما لو كان غائبا، قال: ولو جاء البائع بالمبيع فقال المشتري شيئا أو قال: لا أريده فوجهان: أحدهما: لا يحصل القبض كما لا يحصل الإيداع. وأصحهما: يحصل لوجوب التسليم، كما لو وضع المغصوب بين يدي المالك فإنه يبرأ من الضمان فعلى هذا للمشتري التصرف فيه، ولو تلف فمن ضمانه، لكن لو خرج مستحقا ولم يجر إلا وضعه فليس للمستحق مطالبة المشتري الضمان، لأن هذا القدر لا يكفي لضمان الغصب. قال ابن قدامة ﵀ في المغني (١): * (فصل) وقبض كل شيء بحسبه فإن كان مكيلا أو موزونا بيع كيلا أو وزنا

стр. 3034

فقبضه بكيله ووزنه وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: التخلية في ذلك قبض. وقد روى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى أن القبض في كل شيء بالتخلية مع التمييز لأنه خلى بينه وبين المبيع من غير حائل فكان قبضا له كالعقار، ولنا ما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا بعت فكل، وإذا ابتعت فاكتل (١)» رواه النجاد، وعن النبي ﷺ «أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري (٢)» رواه ابن ماجه وهذا فيما بيع كيلا، وإن بيع جزافا فقبضه نقله لأن ابن عمر قال: «كانوا يضربون على عهد رسول الله ﷺ إذا اشتروا طعاما جزافا أن يبيعوه حتى يحولوه، (٣)» وفي لفظ «كنا نبتاع الطعام جزافا فبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من مكانه الذي ابتعناه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه (٤)»، وفي لفظ: «كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله (٥)»، رواهن مسلم. وهذا يبين أن الكيل إنما وجب فيها بيع بالكيل وقد دل على ذلك أيضا قول النبي ﷺ «إذا سميت الكيل فكل (٦)» رواه الأثرم. وإن كان المبيع دراهم أو دنانير فقبضها باليد وإن كان ثيابا فقبضها بنقلها، وإن كان حيوانا فقبضه تمشيته من مكانه، وإن كان مما لا ينقل ويحول فقبضه التخلية بينه وبين مشتريه لا حائل دونه، وقد ذكره الخرقي في باب الرهن فقال: إن كان مما ينقل فقبضه أخذه إياه من راهنه منقولا، وإن كان مما لا ينقل فقبضه تخلية راهنه بينه وبين مرتهنه لا حائل دونه، ولأن القبض مطلق في الشرع فيجب الرجوع فيه إلى العرف كالإحراز والتفرق والعادة في قبض هذه الأشياء ما ذكرنا. إلى أن قال:

стр. 3035

مسألة: قال (ومن اشترى ما يحتاج إلى قبضه لم يجز بيعه حتى يقبضه). وقد ذكرنا الذي يحتاج إلى قبض والخلاف فيه وكل ما يحتاج إلى قبض إذا اشتراه لم يجز بيعه حتى يقبضه لقول النبي ﷺ «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه (١)» متفق عليه، ولأنه من ضمان بائعه فلم يجز بيعه كالسلم ولم أعلم بين أهل العلم خلافا إلا ما حكي عن البتي أنه قال: لا بأس ببيع كل شيء قبل قبضه، وقال ابن عبد البر وهذا قول مردود بالسنة والحجة المجمعة على

стр. 3036

الطعام وأظنه لم يبلغه هذا الحديث ومثل هذا لا يلتفت إليه، وأما غير ذلك فيجوز بيعه قبل قبضه في أظهر الروايتين ويروى مثل هذا عن عثمان بن عفان ﵁ وسعيد بن المسيب والحكم وحماد والأوزاعي وإسحاق، وعن أحمد رواية أخرى لا يجوز بيع شيء قبل قبضه اختارها ابن عقيل وروى ذلك عن ابن عباس وهذا قول أبي حنيفة والشافعي إلا أن أبا حنيفة أجاز بيع العقار قبل قبضه واحتجوا بنهي النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه، وبما روى أبو داود «أن النبي ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم (١)»، وروى ابن ماجه «أن النبي ﷺ نهى عن شراء الصدقات حتى تقبض (٢)»، وروى «أن النبي ﷺ لما بعث عتاب بن أسيد إلى مكة قال: "انههم عن بيع ما لم يقبضوه وعن ربح ما لم يضمنوه» ولأنه لم يتم الملك عليه فلم يجز بيعه كغير المتعين أو كالمكيل والموزون. ولنا ما روى ابن عمر قال: «كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم فنأخذ بدل الدراهم الدنانير ونبيعها بالدنانير فنأخذ بدلها الدراهم فسألنا النبي ﷺ عن ذلك فقال: " لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شيء (٣)» وهذا التصرف في الثمن قبل قبضه وهو أحد العوضين، وروى «ابن عمر أنه كان على بعير صعب -يعني لعمر - فقال النبي ﷺ لعمر: "بعنيه" فقال هو لك يا رسول الله فقال النبي ﷺ : هو لك يا عبد الله بن عمر فاصنع به ما شئت، (٤)» وهذا ظاهره التصرف في المبيع بالهبة قبل قبضه، واشترى من جابر جمله ونقده ثمنه ثم وهبه إياه قبل قبضه، ولأنه أحد نوعي المعقود عليه فجاز التصرف فيه قبل قبضه كالمنافع في الإجارة فإنه يجوز له إجارة العين المستأجرة قبل قبض المنافع، ولأنه مبيع لا يتعلق به حق توفيه فصرح بيعه كالمال في يد مودعه أو مضاربه، فأما أحاديثهم فقد قيل لم يصح منها إلا حديث الطعام وهو حجة لنا بمفهومه فإن تخصيصه الطعام بالنهي عن بيعه قبل قبضه يدل على إباحة ذلك فيما سواه، وقولهم لم يتم الملك عليه ممنوع فإن السبب المقتضى للملك متحقق وأكثر ما فيه تخلف القبض، واليد ليست شرطا في صحة البيع بدليل جواز بيع المال المودع والموروث والتصرف في الصداق وعوض الخلع عند أبي حنيفة.

стр. 3037

(فصل) وما لا يجوز بيعه قبل قبضه لا يجوز بيعه لبائعه لعموم الخبر فيه، قال القاضي: لو ابتاع شيئا مما يحتاج إلى قبض فلقيه ببلد آخر لم يكن له مطالبته ولا أخذ بدله وإن تراضيا؛ لأنه مبيع لم يقبض، فإن كان مما لا يحتاج إلى قبض جاز أخذ البدل عنه وإن كان في سلم لم يجز أخذ البدل عنه لأنه أيضا لا يجوز بيعه. (فصل) وكل عوض ملك بعقد ينفسخ بهلاكه قبل القبض لم يجز التصرف فيه قبل قبضه كالذي ذكرنا، والأجرة وبدل الصلح إذا كانا من المكيل أو الموزون أو المعدود، وما لا ينفسخ العقد بهلاكه جاز التصرف فيه قبل قبضه كعوض الخلع والعتق على مال وبدل الصلح عن دم العمد وأرش الجناية وقيمة المتلف لأن المطلق للتصرف الملك وقد وجد، لكن ما يتوهم فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه لم يجز بناء عقد آخر عليه تحرزا من الغرر وما لا يتوهم فيه ذلك الغرر انتفى المانع فجاز العقد عليه وهذا قول أبي حنيفة والمهر كذلك عند القاضي وهو قول أبي حنيفة لأن العقد لا ينفسخ بهلاكه وقال الشافعي: لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه ووافقه أبو الخطاب في غير المتعين لأنه يخشى رجوعه بانتقاص سببه بالردة قبل الدخول أو انفساخه بسبب من جهة المرأة أو نصفه بالطلاق أو انفساخه بسبب من غير جهتها وكذلك قال الشافعي في عوض الخلع وهذا التعليل باطل بما بعد القبض فإن قبضه لا يمنع الرجوع فيه قبل الدخول، وأما ما ملك بإرث أو وصية أو غنيمة، أو تعين ملكه فيه فإنه يجوز له التصرف فيه بالبيع وغيره قبل قبضه لأنه غير مضمون بعقد معاوضة فهو كالمبيع المقبوض. وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي ولا أعلم عن غيرهم خلافهم. * وإن كان لإنسان في يد غيره وديعة أو عارية أو مضاربة أو جعله وكيلا فيه جاز له بيعه ممن هو في يده ومن غيره لأنه عين مال مقدور على تسليمها لا يخشى انفساخ الملك فيها فجاز بيعها كالتي في يده، وإن كان عصبا جاز بيعه ممن هو في يده لأنه مقبوض معه فأشبه بيع العارية ممن هي في يده وأما بيعه لغيره فإن كان عجزا عن استنقاذه أو ظن أنه عاجز لم يصح شراؤه له، لأنه معجوز

стр. 3038

عن تسليمه إليه فأشبه بيع الآبق والشارد وإن ظن أنه قادر على استنقاذه ممن هو في يده صح البيع لإمكان قبضه، فإن عجز عن استنقاذه فله الخيار بين الفسخ والإمضاء لأن العقد صح لكونه مظنون القدرة على قبضه ويثبت له الفسخ للعجز عن القبض فأشبه ما لو باعه فرسا فشردت قبل تسليمها أو غائبا بالصفة فعجز عن تسليمه. * قال ابن حجر في فتح الباري ﵀: باب بيع الطعام قبل أن يقبض وبيع ما ليس عندك، حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان قال: الذي حفظناه من عمرو بن دينار سمع طاوسا يقول: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: «أما الذي نهى عنه النبي ﷺ : فهو الطعام أن يباع حتى يقبض (١)»، قال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثله. حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه (٢)»، زاد إسماعيل فلا يبعه حتى يقبضه. باب من رأى إذا اشترى طعاما جزافا أن لا يبيعه حتى يؤويه إلى رحله والأدب في ذلك حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني سالم بن عبد الله أن ابن عمر ﵄ قال: «لقد رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ يبتاعون جزافا يعني الطعام يضربون أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤوه إلى رحالهم (٣)».

стр. 3039

(قوله باب بيع الطعام قبل أن يقبض وبيع ما ليس عندك) لم يذكر في حديثي الباب بيع ما ليس عندك وكأنه لم يثبت على شرطه فاستنبطه من النهي عن البيع قبل القبض ووجه الاستدلال منه بطريق الأولى. وحديث النهي عن بيع ما ليس عندك أخرجه أصحاب السنن من حديث حكيم بن حزام بلفظ «قلت: يا رسول الله يأتيني الرجل فيسألني البيع ليس عندي أبيعه منه ثم أبتاعه له من السوق؟ فقال: لا تبع ما ليس عندك (١)». وأخرجه الترمذي مختصرا ولفظه: «نهاني رسول الله ﷺ عن بيع ما ليس عندي (٢)»، قال ابن المنذر: وبيع ما ليس عندك يحتمل معنيين:

стр. 3040

أحدهما: أن يقول أبيعك عبدا أو دارا معينة وهي غائبة فيشبه بيع الغرر لاحتمال أن تتلف أو لا يرضاها. ثانيهما: أن يقول هذه الدار بكذا على أن أشتريها لك من صاحبها أو على أن يسلمها لك صاحبها أهـ. وقصة حكيم موافقة للاحتمال الثاني. (قوله حدثنا سفيان) هو ابن عيينة وقوله الذي حفظناه من عمرو كأن سفيان يشير إلى أن في رواية غير عمرو بن دينار عن طاوس زيادة على ما حدثهم به عمرو بن دينار عنه كسؤال طاوس من ابن عباس عن سبب النهي وجوابه وغير ذلك. (قوله عن ابن عباس أما الذي نهى عنه الخ. .) أي وأما الذي لم أحفظ نهيه فيما سوى ذلك (قوله فهو الطعام أن يباع حتى يقبض) في رواية مسعر عن عبد الملك بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه قال مسعر: وأظنه قال: أو علفا وهو بفتح المهملة واللام والفاء. (قوله قال ابن عباس: لا أحسب كل شيء إلا مثله) ولمسلم من طريق معمر عن ابن طاوس عن أبيه وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام وهذا من تفقه ابن عباس، ومال ابن المنذر إلى اختصاص ذلك بالطعام واحتج باتفاقهم على أن من اشترى عبدا فأعتقه قبل قبضه أن عتقه جائز، قال: فالبيع كذلك وتعقب بالفارق وهو تشوف الشارع إلى العتق وقول طاوس في الباب قبله قلت لابن عباس كيف ذاك؟ قال: ذاك دراهم بدراهم والطعام مرجأ معناه أنه استفهم عن سبب هذا النهي، فأجابه ابن عباس بأنه إذا باعه المشتري قبل القبض وتأخر المبيع في يد البائع فكأنه باعه دراهم بدراهم ويبين ذلك ما وقع في رواية سفيان عن ابن طاوس عند مسلم قال طاوس: قلت لابن عباس: لم؟ قال ألا تراهم يتبايعون بالذهب والطعام مرجأ أي فإذا اشترى طعاما بمائة دينار مثلا ودفعها للبائع ولم يقبض منه الطعام ثم باع الطعام لآخر بمائة وعشرين دينارا وقبضها والطعام في يد البائع فكأنه باع مائة دينار بمائة وعشرين دينارا، وعلى هذا التفسير لا يختص النهي بالطعام ولذلك قال ابن عباس: لا يحسب كل شيء إلا مثله ويؤيده حديث زيد بن ثابت «نهى رسول الله ﷺ أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم (١)» أخرجه أبو داود

стр. 3041

وصححه ابن حبان، قال القرطبي: هذه الأحاديث حجة على عثمان الليثي حيث أجاز بيع كل شيء قبل قبضه وقد أخذ بظاهرها مالك فحمل الطعام على عمومه وألحق بالشراء جميع المعاوضات، وألحق الشافعي وابن حبيب وسحنون بالطعام كل ما فيه حق توفيه، وزاد أبو حنيفة والشافعي فعدياه إلى كل مشتري إلا أن أبا حنيفة استثنى العقار وما لا ينقل واحتج الشافعي بحديث عبد الله بن عمر وقال: «نهى النبي ﷺ عن ربح ما لم يضمن (١)» أخرجه الترمذي، (قلت) وفي معناه حديث حكيم بن حزام المذكور في صدر الترجمة وفي صفة القبض عن الشافعي تفصيل فما يتناول باليد كالدراهم والدنانير والثوب فقبضه بالتناول، وما لا ينقل كالعقار والثمر على الشجر فقبضه بالتخلية، وما ينقل في العادة كالأخشاب والحبوب والحيوان فقبضه بالنقل إلى مكان الاختصاص للبائع به، وفيه قول أنه يكفي فيه التخلية. قوله عقب حديث ابن عمر: زاد إسماعيل فلا يبعه حتى يقبضه يعني أن إسماعيل بن أبي أويس روى الحديث المذكور عن مالك بسنده بلفظ حتى يقبضه بدل قوله حتى يستوفيه، وقد وصله البيهقي من طريق إسماعيل كذلك، وقال الإسماعيلي وافق إسماعيل على هذا اللفظ ابن وهب وابن مهدي والشافعي وقتيبة. (قلت) وقول البخاري زاد إسماعيل يريد الزيادة في المعنى لأن في قوله: حتى يقبضه زيادة في المعنى على قوله: حتى يستوفيه لأنه قد يستوفيه بالكيل بأن يكيله البائع ولا يقبضه للمشتري بل يحبسه عنده لا لينقده الثمن مثلا وعرف بهذا جواب من اعترضه من الشراح فقال: ليس في هذه الرواية زيادة، وجواب من حمل الزيادة على مجرد اللفظ فقال: معناه زاد لفظا آخر وهو يقبضه وإن كان هو بمعنى يستوفيه ويعرف من ذلك أن اختيار البخاري أن استيفاء المبيع المنقول من البائع وتبقيته في منزل البائع لا يكون قبضا شرعيا حتى ينقله المشتري إلى مكان لا اختصاص للبائع به كما تقدم نقله عن الشافعي وهذا هو النكتة في تعقيب المصنف له بالترجمة الآتية: (قوله باب من رأى إذا اشترى طعاما جزافا ألا يبيعه حتى يؤويه إلى رحله والأدب في ذلك) أي: تعزيره من يبعه قبل أن يؤويه إلى رحله ذكر فيه حديث ابن عمر في ذلك

стр. 3042

وهو ظاهر فيما ترجم له وبه قال الجمهور لكنهم لم يخصوه بالجزاف ولا قيموه بالإيواء إلى الرحال. أما الأول فلما ثبت من النهي عن بيع الطعام قبل قبضه فدخل فيه المكيل، وورد التنصيص على المكيل من وجه آخر عن ابن عمر مرفوعا، أخرجه أبو داود. وأما الثاني فلأن الإيواء إلى الرحال خرج مخرج الغالب، وفي بعض طرق مسلم عن ابن عمر «كنا نبتاع الطعام فيبعث إلينا رسول الله ﷺ من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه، (١)» وفرق مالك في المشهور عنه بين الجزاف والمكيل فأجاز بيع الجزاف قبل قبضه وبه قال الأوزاعي وإسحاق واحتج لهم بأن الجزاف مرئي فتكفى فيه التخلية، والاستيفاء إنما يكون في مكيل أو موزون وقد روى أحمد من حديث ابن عمر مرفوعا «من اشترى طعاما بكيل أو وزن فلا يبعه حتى يقبضه (٢)» ورواه أبو داود والنسائي بلفظ: «نهى أن يبيع أحد طعاما اشتراه بكيل حتى يستوفيه (٣)»، والدارقطني من حديث جابر «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع والمشتري، (٤)» ونحوه للبزار من حديث أبي هريرة بإسناد حسن وفي ذلك دلالة على اشتراط القبض في المكيل بالكيل وفي الموزون بالوزن. فمن اشترى شيئا مكايلة أو موازنة فقبضه جزافا فاسد. وكذا لو اشترى مكايلة فقبضه موازنة وبالعكس ومن اشترى مكايلة وقبضه ثم باعه لغيره لم يجز تسليمه بالكيل الأول حتى يكيله على من اشتراه ثانيا، وبذلك كله قال الجمهور، وقال عطاء: يجوز بيعه بالكيل الأول مطلقا، وقيل: إن باعه بنقد جاز بالكيل الأول وإن باعه بنسيئة لم يجز بالأول والأحاديث المذكورة ترد عليه، وفي الحديث مشروعية تأديب من يتعاطى العقود الفاسدة وإقامة الإمام على الناس من يراعي أحوالهم في ذلك والله أعلم. وقوله: جزافا مثلثة الجيم والكسر أفصح وفي هذا الحديث جواز بيع الصبرة جزافا سواء علم البائع قدرها أم لم يعلم، وعن مالك التفرقة فلو علم لم يصح، وقال ابن قدامة: يجوز بيع الصبرة جزافا لا نعلم فيه خلافا إذا جهل البائع والمشتري قدرها فإن اشتراها جزافا ففي بيعها قبل نقلها روايتان عن أحمد، ونقلها قبضها (٥).

стр. 3043

يمكن القضاء على جشع التجار الذين يحتالون بأنواع من البيوع المحرمة على استغلال حاجة المضطرين بالأمور التالية: أولا: التوعية الشاملة: يقوم العلماء بتبيين أنواع البيوع المحرمة، ويحذرون الناس من التعامل بها لما فيها من غضب الله وسخطه، ولما يترتب عليها من أخطار على الأمة وخاصة المحتاجين، وما ينشأ عنها من أضرار اجتماعية ومالية من توليد الضغائن والأحقاد وتقطيع أواصر المحبة والإخاء وتكبيل من صاروا فريسة للتحايل في البيوع وسائر المعاملات والتلاعب فيها بكثرة الديون وتراكمها على الضعفاء وشغل القضاة وسائر ولاة الأمور بالخصومات. ويكون ذلك بإلقاء الخطب والدروس بالمساجد والمحاضرات في النوادي والتلفزيون والإذاعة والمجتمعات العامة وبنشر المقالات في الصحف والمجلات، فإن لذلك التأثير البين إن شاء الله على ذوي القلوب الحية والنفوس الطيبة وبه يخف الجشع والاحتيال لأكل الأموال بالباطل. ثانيا: ينصح الجمهور بالاقتصاد في النفقات فلا يتوسعون في وسائل الترف وينصح من عنده رأس مال يتجر فيه ألا يدخل في مداينات أو معاملات محرمة ليتوسع بها في رأس ماله وليستغن بما آتاه الله وما أباحه له من طرق الاتجار والكسب الحلال عما حرمه الله عليه شكرا لنعمة الله عليه عسى أن يزيده من فضله. ثالثا: الأخذ على يد المتلاعبين في المعاملات: يقوم ولاة الأمور بمراقبة الأسواق العامة والمحلات التجارية لمعرفة ما يجري فيها من المعاملات المحرمة ويأخذون على يد من حصل منه ذلك فيعزرونه بما يردعه من حبس أو ضرب أو غرامات مالية أو بمصادرة العوض في المعاملة المحرمة إلى أمثال

стр. 3044

هذا مما يرونه للمسيء ولأمثاله الذين لم يستجيبوا للتوعية والإرشاد ولم تؤثر فيهم الدروس والمواعظ فلم يعبئوا بالتحذير ولم يبالوا بالوعيد وصارم الجزاء. وهذا مما يقضي على جشعهم أو يقلله إن شاء الله ويجعلهم على حذر مستمر من الاستغلال السيء والكسب المحرم. رابعا: توجيه الزراع إلى بنك التسليف الزراعي ليتعاملوا معه فيأخذوا منه ما يحتاجونه لمزارعهم من الآلات الزراعية وغيرها بأسعار معتدلة تدفع على أقساط مناسبة دون ربا وإرهاق أو استغلال للظروف. خامسا: توجيه من يريد بناء مسكن له أو يريد التوسع في بناء مساكن للإسهام في حل أزمة المساكن ولينتفع بذلك. إلى بنك التنمية والاستثمار العقاري ليقدم إليه من المال ما يستعين به في إقامة ما يريد من بناء ثم يسدد ما أخذ أقساطا لا يشق عليه الوفاء بها في مواعيدها دون أن يتقاضى البنك على ذلك منه ربا. سادسا: إرشاد من يحتاج إلى قرض لشئون أخرى يحتاجها في حياته أن يتقدم إلى البنك الإسلامي أو أحد الأفراد الأغنياء بإبداء حاجته ليعطيه قرضا بلا ربا يسد به حاجته. هذا ما تيسر إعداده وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 3045

الفتاوى إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية في هذه الزاوية تجيب اللجنة الدائمة للإفتاء على ما يرد إليها من أسئلة واستفتاءات تهم المسلمين في شؤونهم الدينية والاجتماعية

стр. 3046

فتوى رقم ٥١ - ١٧/ ٣ / ١٣٩٣هـ الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وآله وصحبه وبعد: فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء على الاستفسار المرسل من أحد السائلين وهو: س: رجل باع على رجل أكياس أرز إلى أجل معلوم فقبضهن المشتري من البائع وحرج عليهن الدلال بالسوق واشتراهن رجل آخر من الدلال وقال: اقبضهن، فلم يوجد المشتري حاضرا، فقال البائع الأول: أنا وكيل أقبضهن له من الدلال، فصاح الحاضرون وقالوا: ربا، ربا، أفتونا مأجورين. الجواب: إن كان من اشترى الأرز من الدلال إنما اشتراه لنفسه ولم يكن بينه وبين البائع الأول تواطؤ واتفاق على أن يشتريه له ولا هو عامل عنده يقوم بأعماله وكان قبض البائع الأول لأكياس الأرز إنما هو عن طريق الوكالة للمشتري من الدلال: فالبيع صحيح وليس فيه ربا. وإن كان هناك تواطؤ سابق بين البائع الأول ومشتري أكياس الأرز من الدلال على أن يتولى الشراء لتعود الأكياس إلى البائع الأول فهو من الربا، والبيع غير صحيح، وما جرى بينهم مخادعة لا تخفى على الله، ولا تحل حراما. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبد الله بن منيع ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ

стр. 3047

فتوى رقم ٧١ - ٢٢/ ٤ / ١٣٩٢هـ الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وآله وصحبه وبعد: فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء على الاستفسار المرسل من أحد السائلين وهو: س: إذا كان عند رجل كيس من السكر يباع حاليا بثمانين ريالا. وطلبه منه مشتر لأجل فباعه عليه بمائة وخمسين لأجل فهل للزيادة حد تقف عنده؟ الجواب: البيع حالا أو لأجل مشروع لا حظر فيه والأصل في الأثمان عدم التحديد سواء أكانت في بيع حال أو مؤجل فتترك لتأثير العرض والطلب، إلا أنه ينبغي للناس أن يتراحموا فيما بينهم وأن تسود بينهم السماحة في البيع والشراء، وألا ينتهزوا الفرص لإدخال بعضهم الضيق في المعاملات على بعض. . قال ﷺ «رحم الله امرأ سمحا إذا باع وإذا اشترى (١)». فإذا انتهز إنسان فرصة الضيق وشدة حاجة أخيه إلى ما بيده وهو لا يجده عند غيره أو يجده ولكن تواطأ من في السوق من التجار على رفع الأسعار طمعا في زيادة الكسب وغلوا فيه، حرم على من بيده السلعة أن يبيعها على من اشتدت حاجته إليها بأكثر من ثمن مثلها حالا في البيع الحال وثمن مثله مؤجلا في المؤجل، وعلى من حضر ذلك أن يساعد على العدل ويمنع من الظلم كل على قدر حاله. . وفي درجته التي تليق به من درجات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والحال الراهنة وقت البيع والشراء هي التي تحدد ثمن المثل فلكل سوق سعره ولكل وقت سعره ولكل حال من كثرة

стр. 3048

العرض وقلته وقلة الطلب وكثرته سعره. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبد الله بن منيع ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ

стр. 3049

فتوى رقم ٧١ - ٢٢/ ٤ / ١٣٩٣هـ الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وآله وصحبه وبعد: فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء على الاستفسار المرسل من أحد السائلين وهو: س: رجل صاحب إبل اختلطت معها واحدة من الإبل صغيرة السن وليس عليها وسم تعرف به وبقيت مع إبله حتى كبرت وأنجبت ولم يعرف لها طالب، وتفقد أحيانا ويبحث وراءها حتى يجدها ولم يعارض فيها ولا تزال إلى الآن عنده هي وأولادها ويرغب معرفة حكم الشرع فيها؟ الجواب: إن كان ما اختلط من الإبل بإبله صغيرا صغرا لا يقوى معه على ورود الماء ولا على الامتناع من صغار السباع فهو كالغنم يجوز له إبقاؤه مع إبله صيانة له من الهلاك لضعفه. . وعليه أداؤه فقط لصاحبه إن جاء يوما من الدهر. . فإن أعطاه النماء مع الأصل كان ذلك فضلا منه وإحسانا. . وإن كان ما اختلط من الإبل بإبله كبيرا أو صغيرا لا يمنعه من أن يرد الماء بنفسه ويدفع عن نفسه صغار السباع كان آثما بإبقاء تلك الإبل مع إبله وضمن

стр. 3050

ذلك لصاحبه، ولو تلفت لأنه في حكم الغاصب لقوله ﷺ لما «سأله رجل عن ضالة الإبل ما لك وما لها: " دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها (١)» رواه أحمد والبخاري ومسلم. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبد الله بن منيع ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
следующие страницы →