فتوى رقم ١٤٠٧ - ٩/ ١١ / ١٣٩٦هـ
الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وآله وصحبه وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء على الاستفسار المرسل من أحد السائلين وهو:
س: ما حكم التجارة في الدخان والجراك وأمثالهما، وهل تجوز الصدقة والحج وأعمال البر من أثمانها وأرباحها؟ الجواب: لا تحل التجارة في الدخان والجراك وسائر المحرمات؛ لأنها من الخبائث، ولما فيها من الضرر البدني والروحي والمالي، وإذا أراد الشخص أن يتصدق أو يحج أو ينفق في وجوه البر فينبغي له أن يتحرى الطيب من ماله ليتصدق به أو يحج به أو ينفقه في وجوه البر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ (١) الآية، وقوله ﷺ : «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا (٢)» الحديث. . وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن منيع ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن باز
стр. 3082
فتوى رقم ١٦٣٨ - ٧/ ٨ / ١٣٩٧هـ
الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وآله وصحبه، وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء على الاستفسار المرسل من أحد السائلين وهو:
س: أراد رجل الزواج - مثلا - وليس عنده ما يكفي من مبلغ الصداق، فذهب إلى صاحب دكان، فقال له صاحب الدكان أبيعك سيارة داتسون بسبعة عشر ألف ريال سعودي دينا تدفعها كاملة عند نهاية السنة، فهل هذا ربا؟ وهل بالمقابل حلال أو حرام؟ مع العلم أن قيمة السيارة نقدا عشرة آلاف وخمسمائة ريال سعودي فقط، وهذه السيارة هي التي اشترط عليها، وهي محور الاشتراط ما بين هذا البائع ومن يريد الزواج.
الجواب: إذا كان الواقع كما ذكر من شراء شخص من آخر سيارة لأجل ثمن أكثر مما تباع به نقدا عاجلا ليبيعها المشتري إلى من شاء سوى من باعها عليه ومن في حكمه فليس ربا، بل هو عقد بيع صحيح جائز، أما إذا اشترى السيارة - مثلا - من شخص لأجل على أن يردها عليه بثمن عاجل أقل مما اشتراها به فذلك بيع نقد مع التفاضل، وهو الربا الذي حرمه الله تعالى ورسوله ﷺ والعقد على السيارة صوري قصد به الخداع
стр. 3083
والاحتيال على الربا وأكل الأموال بالباطل وكذا لو باع المشتري السيارة على شخص عرف أنه تابع للبائع الأول في عمله، أو شخص وسيط تواطآ عليه لتعود السيارة في النهاية إلى البائع الأول، فكل هذا من الخداع والاحتيال على الربا.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن منيع ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن باز
стр. 3084
فتوى رقم ٢٠٢٠ - ٩/ ٧ / ١٣٩٨هـ
الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وآله وصحبه، وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء على الاستفسار المرسل من أحد السائلين وهو:
س: طلب إنسان من صديقه أن يشتري له سيارة بنقد ثم يعيد بيعها له إلى أجل مع ربح في البيع ، بمعنى إذا كانت السيارة بألف عند الشراء بنقد يعيد بيعها لصديقه بألف ومائة - مثلا - على أجل ونحوه، مع بيان القول في قول الإمام مالك ﵀ أنه بلغه أن رسول الله ﷺ «نهى عن بيعتين في بيعة (١)»، مع رجاء إيراد بعض الصور التي يمكن أن تندرج تحت هذا النهي، وهل يعد من باب الربا؟
стр. 3085
الجواب: إذا طلب إنسان من آخر أن يشتري سيارة - مثلا - معينة أو موصوفة بوصف يضبطها، ووعده أن يشتريها منه، فاشتراها من طلبت منه وقبضها؛ جاز لمن طلبها أن يشتريها منه بعد ذلك نقدا أو أقساطا مؤجلة بربح معلوم، وليس هذا من بيع الإنسان ما ليس عنده؛ لأن من طلب منه السلعة إنما باعها على طالبها بعد أن اشتراها وقبضها، وليس له أن يبيعها على صديقه - مثلا - قبل أن يشتريها أو بعد شرائه إياها وقبل قبضها؛ لنهى النبي ﷺ عن بيع السلع حين تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم.
أما ما نهى عنه النبي ﷺ من البيعتين في بيعة فقد فسره جمهور العلماء بأن يقول صاحب السلعة بعتك هذه السلعة بعشرة دراهم - مثلا - نقدا أو بخمسة عشر إلى سنة - مثلا - أو يقول: بعتك إحدى هاتين البقرتين بألف ريال - مثلا - ويتم القبول من المشتري ثم يفترقان دون تعيين إحدى الحالين من نقد أو أجل في الصورة الأولى ودون تعيين إحدى البقرتين - مثلا - في الصورة الثانية؛ فهذا محرم لجهالة الحال من التعجيل أو التأجيل وجهالة الثمن تبعا لذلك في المسألة الأولى، ولجهالة السلعة التي وقع عليها بالعقد في المسألة الثانية.
وجعل منه جمهور العلماء أيضا قول إنسان لآخر: بعتك داري هذه بكذا على أن تبيعني دارك هذه، أو على أن تشتغل أجيرا عندي شهرا - مثلا - بكذا، أو على أن تزوجني ابنتك بكذا، أو على أن أزوجك ابني بكذا، فهذه الصور من البيوع الباطلة؛ لكونها من صور البيعتين في بيعة، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، ومن صور البيعتين في بيعة مسألة العينة المشهورة.
стр. 3086
وننصح لك مراجعة المغني لابن قدامة ﵀ في هذه المسألة، وكلام العلامة ابن القيم على حديث النهي عن بيعتين في بيعة في كتاب تهذيب السنن وأعلام الموقعين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن باز
стр. 3087
الزاني المحصن
قرار رقم ٨٤ وتاريخ ١١/ ١١ / ١٤٠١هـ
الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه وبعد:
فقد اطلع مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الثامنة المنعقدة في مدينة الطائف ابتداء من يوم السبت ٢٩/ ١٠ / ١٤٠١هـ على البحث المعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في بيان حكم حد الزاني المحصن . وبعد الإطلاع على ما فيه من الأدلة ونقول إجماع أهل العلم المعتد بهم في هذا المجال؛ فإن مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية رأى ذكر بعض النصوص من كتاب الله وسنة رسوله، وبعض كلام أهل العلم في بيان هذا الحكم الذي استمر عليه العمل من حين رجم رسول الله ﷺ ومعه الصحابة- ﵃ إلى يومنا هذا في كافة العصور التي يقضي فيها بأحكام الإسلام قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣) وقال جل من قائل: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٤)
وثبت في صحيح مسلم وغيره من رواية عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا؛ البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم (٥)» رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم، وثبت عن عمر ﵁ أنه قال: «الرجم في كتاب الله
стр. 3088
حق على من زنى من الرجال والنساء إذا أحصن إذا قامت البينة أو الحبل أو الاعتراف (١)». رواه مالك والبخاري ومسلم، وروى مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: سمعت عمر ﵁ وهو على منبر رسول الله ﷺ يخطب ويقول: «إن الله بعث محمدا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، ومما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله. فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله في كتابه؛ فإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف، وايم الله لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله، لكتبتها (٢)».
وروى مالك في الموطأ من حديث ابن عباس ﵄ أن عمر ﵁ لما قدم المدينة من حجته خطب الناس فقال: «يا أيها الناس، قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة إلا أن تضلوا يمينا وشمالا، وضرب بإحدى يديه على الأخرى ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم، يقول قائل: لا نجد حدين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله، لكتبتها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، فإنا قد قرأناها (٣)». قال مالك: قال يحيى بن سعيد: قال سعيد بن المسيب: فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل عمر ﵁ قال مالك: الشيخ والشيخة: يعني الثيب والثيبة.
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وقد ثبت في الصحاح والسنن والمسانيد «أن رسول الله ﷺ رجم ماعزا ورجم الغامدية (٤)» ورجم التي زنى بها العسيف حيث قال: «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها (٥)»، ورجم اليهوديين الذين زنيا، وتلقى الناس هذا الحكم وعملوا به مع رسول الله ﷺ وبعده مع خلفائه الراشدين، وعمل به المسلمون بعدهم إلى يومنا هذا في كل بلد تطبق فيه أحكام شريعة الإسلام، وأجمع على هذا الحكم علماء الإسلام، فنقل الإجماع على ذلك الإمام ابن المنذر وابن عبد البر وابن حزم وابن رشد وابن هبيرة في الإفصاح، والموفق في المغنى، ولم يذكر شيخ الإسلام ابن تيميه خلافا في ذلك إلا في جمع الجلد مع الرجم، كما نقل الإجماع عن ابن المنذر بهاء الدين المقدسي في شرح العمدة، وكذا نقل الإجماع ابن الهمام الحنفي والرملي والشربيني وغيرهم، ولم يعلم
стр. 3089
أن أحدا خالف في ذلك من أهل العلم إلا من لا يعتد بخلافهم من إحدى طوائف الضلال، وهؤلاء لا عبرة بخلافهم لإجماع علماء السلف على شناعة بدعتهم وضلالهم.
ولما تقدم يقرر المجلس أن الرجم حد ثابت بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وإجماع الأمة، وأن من خالف في حد الرجم للزاني المحصن فقد خالف كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة والتابعين وجميع علماء الأمة المتبعين لدين الله، ومن خالف في هذا العصر فقد تأثر بدعايات أهل الكفر وتشكيكهم بأحكام الإسلام؛ ليفسدوا على المسلمين أحوالهم بانتشار الفساد وشيوع الفواحش واختلاط الأنساب، وكثرة البغاء حتى تذهب من نفوس المسلمين حميتهم لدينهم وغيرتهم على عقيدتهم ومكارم أخلاقهم، ولهذا فإن من ينكر حد الرجم قد خالف الكتاب والسنة والإجماع واتبع غير سبيل المؤمنين؛ إذ لا بقاء لدين الإسلام إذا ألغيت منه حدوده، واستبعدت منه عقوباته التي هي العلاج الواقي من الهلاك، وقد قال عمر - وهو المحدث الملهم-: لا تهلكوا عن آية الرجم. فعد ترك هذا الحد هلاكا للأمة الإسلامية؛ إذ هو ضياع لأمرها، وتسليط لأهل الفساد عليها، ولا بقاء لدين استبعدت عنه أسباب حفظه. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
стр. 3090
العقيدة الصحيحة وما يضادها
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فلما كانت العقيدة الصحيحة هي أصل دين الإسلام وأساس الملة، رأيت أن تكون هي موضوع هذا المقال، ومعلوم بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة أن الأعمال والأقوال إنما تصح وتقبل إذا صدرت عن عقيدة صحيحة، فإن كانت العقيدة غير صحيحة بطل ما يتفرع عنها من أعمال وأقوال كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقد دل كتاب الله المبين وسنة رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم على أن العقيدة الصحيحة تتلخص في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره
стр. 3091
وشره، فهذه الأمور الستة هي أصول العقيدة الصحيحة التي نزل بها كتاب الله العزيز، وبعث الله بها رسوله محمدا ﵊، ويتفرع عن هذه الأصول كل ما يجب الإيمان به من أمور الغيب، وجميع ما أخبر الله به ورسوله ﷺ .
وأدلة هذه الأصول الستة في الكتاب والسنة كثيرة جدا، فمن ذلك قول الله سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (١) الآية، وقوله سبحانه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (٢) الآية، وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ (٣)، وقوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضَ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٤).
أما الأحاديث الصحيحة الدالة على هذه الأصول فكثيرة جدا، منها الحديث الصحيح المشهور الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن جبريل- ﵇ سأل النبي ﷺ عن الإيمان، فقال له: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره (٥)» الحديث، وأخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة.
وهذه الأصول الستة يتفرع عنها جميع ما يجب على المسلم اعتقاده في حق الله سبحانه، وفي أمر الميعاد وغير ذلك من أمور الغيب.
فمن الإيمان بالله سبحانه: الإيمان بأنه الإله الحق المستحق للعبادة دون كل ما سواه؛ لكونه خالق العباد والمحسن إليهم والقائم بأرزاقهم والعالم بسرهم وعلانيتهم،
стр. 3092
والقادر على إثابة مطيعهم وعقاب عاصيهم، ولهذه العبادة خلق الله الثقلين وأمرهم بها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٣) وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٤) ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٥).
وقد أرسل الله الرسل وأنزل الكتب لبيان هذا الحق والدعوة إليه، والتحذير مما يضاده، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٧)، وقال : ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (٨) ﴿أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ (٩).
وحقيقة هذه العبادة هي إفراد الله سبحانه بجميع ما تعبد العباد به من دعاء وخوف ورجاء وصلاة وصوم وذبح ونذر وغير ذلك من أنواع العبادة، على وجه الخضوع له والرغبة والرهبة، مع كمال الحب له سبحانه والذل لعظمته، وغالب القرآن الكريم نزل في هذا الأصل العظيم، كقوله سبحانه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (١٠) ﴿أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (١١)، وقوله سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ (١٢)، وقوله : ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١٣)، وفي الصحيحين عن معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا (١٤)».
ومن الإيمان بالله أيضا الإيمان بجميع ما أوجبه على عباده وفرضه عليهم من أركان الإسلام الخمسة
стр. 3093
الظاهرة وهي:
شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا، وغير ذلك من الفرائض التي جاء بها الشرع المطهر، وأهم هذه الأركان وأعظمها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛ فشهادة أن لا إله إلا الله تقتضي إخلاص العبادة لله وحده، ونفيها عما سواه، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن معناها لا معبود بحق إلا الله، فكل ما عبد من دون الله من بشر أو ملك أو جنى أو غير ذلك فكله معبود بالباطل، والمعبود بالحق هو الله وحده كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (١)، وقد سبق بيان أن الله سبحانه خلق الثقلين لهذا الأصل الأصيل وأمرهم به، وأرسل به رسله، وأنزل به كتبه، فتأمل ذلك جيدا وتدبره كثيرا ليتضح لك ما وقع فيه أكثر المسلمين من الجهل العظيم بهذا الأصل الأصيل حتى عبدوا مع الله غيره، وصرفوا خالص حقه لسواه، فالله المستعان.
* * *
ومن الإيمان بالله سبحانه، الإيمان بأنه خالق العالم ومدبر شئونهم، والمتصرف فيهم بعلمه وقدرته كما يشاء سبحانه، وأنه مالك الدنيا والآخرة، ورب العالمين جميعا، لا خالق غيره، ولا رب سواه، وأنه أرسل الرسل وأنزل الكتب لإصلاح العباد ودعوتهم إلى ما فيه نجاتهم وصلاحهم في العاجل والآجل، وأنه سبحانه لا شريك له في جميع ذلك، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣).
стр. 3094
ومن الإيمان بالله أيضا الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلا الواردة في كتابه العزيز، والثابتة عن رسوله الأمين، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، بل يجب أن تمر كما جاءت بلا كيف، مع الإيمان بما دلت عليه من المعاني العظيمة التي هي أوصاف لله يجب وصفه بها على الوجه اللائق به من غير أن يشابه خلقه في شيء من صفاته، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١)، وقال : ﴿فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وأتباعهم بإحسان، وهي التي نقلها الإمام أبو الحسن الأشعري ﵀ في كتابه (المقالات عن أصحاب الحديث وأهل السنة)، ونقلها غيره من أهل العلم والإيمان.
* قال الأوزاعي ﵀: سئل الزهري ومكحول عن آيات الصفات فقالا: أمروها كما جاءت. وقال الوليد بن مسلم ﵀: سئل مالك والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان الثوري ﵏ عن الأخبار الواردة في الصفات، فقالوا جميعا: أمروها كما جاءت بلا كيف. وقال الأوزاعي ﵀: كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله سبحانه على عرشه، ونؤمن بما ورد في السنة من الصفات. ولما سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك -رحمة الله عليهما- عن الاستواء قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التصديق. ولما سئل الإمام مالك ﵀ عن ذلك قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ثم قال للسائل: ما أراك إلا رجل سوء، وأمر به فأخرج. وروي هذا المعنى عن أم المؤمنين أم سلمة ﵂ وقال الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك - رحمة الله عليه-: نعرف ربنا سبحانه بأنه فوق سماواته على عرشه، بائن من
стр. 3095
خلقه.
وكلام الأئمة في هذا الباب كثير جدا لا يمكن نقله في هذا المقال الموجز، ومن أراد الوقوف على كثير من ذلك فليراجع ما كتبه علماء السنة في هذا الباب، مثل كتاب (السنة) لعبد الله الإمام أحمد، وكتاب (التوحيد) للإمام الجليل محمد بن خزيمة، وكتاب (السنة) لأبي القاسم اللالكائي الطبري، وكتاب (السنة) لأبي بكر بن أبي عاصم، وجواب شيخ الإسلام ابن تيمية لأهل حماة، وهو جواب عظيم كثير الفائدة قد أوضح فيه- ﵀ عقيدة أهل السنة، ونقل فيه الكثير من كلامهم والأدلة الشرعية والعقلية على صحة ما قاله أهل السنة، وبطلان ما قاله خصومهم، وهكذا رسالته الموسومة بالتدمرية قد بسط فيها المقام، وبين فيها عقيدة أهل السنة بأدلتها النقلية والعقلية، والرد على المخالفين بما يظهر الحق ويدمغ الباطل لكل من نظر في ذلك من أهل العلم بقصد صالح ورغبة في معرفة الحق، وكل من خالف أهل السنة فيما اعتقدوا في باب الأسماء والصفات فإنه يقع ولا بد في مخالفة الأدلة النقلية والعقلية مع التناقض الواضح في كل ما يثبته وينفيه.
* أما أهل السنة والجماعة فأثبتوا لله سبحانه ما أثبته لنفسه في كتابه الكريم، أو أثبته له رسوله محمد ﷺ في سنته الصحيحة إثباتا بلا تمثيل، ونزهوه سبحانه عن مشابهة خلقه تنزيها بريئا من التعطيل، ففازوا بالسلامة من التناقض وعملوا بالأدلة كلها، وهذه سنة الله سبحانه فيمن تمسك بالحق الذي بعث به رسله وبذل وسعه في ذلك وأخلص لله في طلبه أن يوفقه للحق، ويظهر حجته كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (٢) ٢٣ الفرقان. .
وقد ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره المشهور عند كلامه على قول الله : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٣)، الآية
стр. 3096
كلاما حسنا في هذا الباب يحسن نقله هاهنا لعظم فائدته، قال- ﵀ ما نصه:
للناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير، بل الأمر كما قال الأئمة منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري، قال: من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله، ونفى عن الله تعالى النقائص؛ فقد سلك سبيل الهدى.
* وأما الإيمان بالملائكة فيتضمن الإيمان بهم إجمالا وتفصيلا، فيؤمن المسلم بأن لله ملائكة خلقهم لطاعته، ووصفهم بأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (١) ٢٨ الأنبياء، وهم أصناف كثيرة منهم الموكلون بحمل العرش، ومنهم خزنة الجنة والنار، ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد، ونؤمن على سبيل التفصيل بمن سمى الله ورسوله منهم، كجبريل وميكائيل، ومالك خازن النار، وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور، وقد جاء ذكره في أحاديث صحيحة، وقد ثبت في الصحيح عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم، (٢)» خرجه مسلم في صحيحه.
وهكذا الإيمان بالكتب، يجب الإيمان بأن الله سبحانه أنزل كتبا على أنبيائه ورسله؛ لبيان حقه والدعوة إليه، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (٣) الآية، وقال تعالى:
стр. 3097
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (١)، الآية.
* * *
ونؤمن على سبيل التفصيل بما سمى الله منها كالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن، والقرآن هو أفضلها وخاتمها، وهو المهيمن عليها والمصدق لها، وهو الذي يجب على جميع الأمة اتباعه وتحكيمه مع ما صحت به السنة عن رسول الله ﷺ ؛ لأن الله سبحانه بعث رسوله محمدا ﷺ رسولا إلى جميع الثقلين، وأنزل عليه هذا القرآن ليحكم به بينهم، وجعله شفاء لما في الصدور، وتبيانا لكل شيء وهدى ورحمة للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٤)، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وهكذا الرسل يجب الإيمان بهم إجمالا وتفصيلا، فنؤمن أن الله سبحانه أرسل إلى عباده رسلا منهم، مبشرين ومنذرين ودعاة إلى الحق، فمن أجابهم فاز بالسعادة، ومن خالفهم باء بالخيبة والندامة، وخاتمهم وأفضلهم هو نبينا محمد بن عبد الله ﷺ ، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٦) ١٦٥ النساء.، وقال تعالى:
стр. 3098
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١)، ومن سمى الله منهم أو ثبت عن رسول الله ﷺ تسميته آمنا به على سبيل التفصيل والتعيين، كنوح وهود وصالح وإبراهيم وغيرهم صلى الله عليهم وسلم وعلى آلهم وأتباعهم.
* * *
وأما الإيمان باليوم الآخر فيدخل فيه الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله ﷺ مما يكون بعد الموت كفتنة القبر وعذابه ونعيمه، وما يكون يوم القيامة من الأهوال والشدائد والصراط والميزان والحساب والجزاء ونشر الصحف بين الناس، فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره، ويدخل في ذلك أيضا الإيمان بالحوض المورود لنبينا محمد ﷺ ، والإيمان بالجنة والنار، ورؤية المؤمنين لربهم سبحانه، وتكليمه إياهم، وغير ذلك مما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، فيجب الإيمان بذلك كله وتصديقه على الوجه الذي بينه الله ورسوله ﷺ .
* وأما الإيمان بالقدر فيتضمن الإيمان بأمور أربعة:
* أولها: أن الله سبحانه قد علم ما كان وما يكون، وعلم أحوال عباده، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم، وغير ذلك من شئونهم لا يخفى عليه من ذلك شيء ، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢)، وقال : ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٣).
* الأمر الثاني: كتابته سبحانه لكل ما قدره وقضاه كما قال سبحانه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (٥) ١٢ يس.، وقال تعالى:
стр. 3099
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضَ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (١).
* الأمر الثالث: الإيمان بمشيئته النافذة؛ فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (٢)، وقال : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤).
* الأمر الرابع: خلقه سبحانه لجميع الموجودات، لا خالق غيره، ولا رب سواه، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (٦).
فالإيمان بالقدر يشمل الإيمان بهذه الأمور الأربعة عند أهل السنة والجماعة خلافا لمن أنكر بعض ذلك من أهل البدع.
ويدخل في الإيمان بالله اعتقاد أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأنه لا يجوز تكفير أحد من المسلمين بشيء من المعاصي التي دون الشرك والكفر، كالزنا والسرقة وأكل الربا وشرب المسكرات وعقوق الوالدين، وغير ذلك من الكبائر، ما لم يستحل ذلك؛ لقول الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٧)، ولما ثبت في الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ أن الله يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان.
ومن الإيمان بالله الحب في الله والبغض في الله، والموالاة في الله والمعاداة في الله، فيحب المؤمن المؤمنين ويواليهم، ويبغض الكفار ويعاديهم، وعلى رأس المؤمنين من هذه الأمة أصحاب رسول الله ﷺ ، فأهل السنة والجماعة يحبونهم ويوالونهم، ويعتقدون أنهم خير الناس بعد الأنبياء؛ لقول النبي ﷺ : «خير الناس قرني ثم
стр. 3100
الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (١)»، متفق على صحته، ويعتقدون أن أفضلهم أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق ثم عثمان ذو النورين ثم علي المرتضى ﵃ أجمعين- وبعدهم بقية العشرة، ثم بقية الصحابة ﵃ أجمعين، ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويعتقدون أنهم في ذلك مجتهدون، من أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر، ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ المؤمنين به، ويتولونهم، ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، ويترضون عنهن جميعا، ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون أصحاب رسول الله ﷺ ويسبونهم، ويغلون في أهل البيت ويرفعونهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله ، كما يتبرءون من طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل.
* * *
وجميع ما ذكرناه في هذا المقال الموجز داخل في العقيدة الصحيحة التي بعث الله بها رسوله محمدا ﷺ ، وهي عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة التي قال فيها النبي ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله سبحانه (٢)»، وقال ﵊: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. فقال الصحابة: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي (٣)»، وهي العقيدة التي يجب التمسك بها والاستقامة عليها والحذر مما خالفها.
وأما المنحرفون عن هذه العقيدة والسائرون على ضدها فهم أصناف كثيرة، فمنهم عباد الأصنام والأوثان والملائكة والأولياء والجن والأشجار والأحجار وغيرها، فهؤلاء لم يستجيبوا لدعوة الرسل بل خالفوهم وعاندوهم كما فعلت قريش وأصناف العرب مع نبينا محمد ﷺ ، وكانوا يسألون معبوداتهم قضاء الحاجات وشفاء المرضى والنصر على الأعداء، ويذبحون لهم وينذرون لهم، فلما أنكر عليهم رسول الله ﷺ ذلك وأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده، استغربوا ذلك وأنكروه وقالوا:
стр. 3101
﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (١) فلم يزل ﷺ يدعوهم إلى الله وينذرهم من الشرك، ويشرح لهم حقيقة ما يدعو إليه؛ حتى هدى الله منهم من هدى، ثم دخلوا بعد ذلك في دين الله أفواجا، فظهر دين الله على سائر الأديان بعد دعوة متواصلة وجهاد طويل من رسول الله ﷺ وأصحابه- ﵃ والتابعين لهم بإحسان.
ثم تغيرت الأحوال، وغلب الجهل على أكثر الخلق حتى عاد الأكثرون إلى دين الجاهلية، بالغلو في الأنبياء والأولياء ودعائهم والاستغاثة بهم، وغير ذلك من أنواع الشرك، ولم يعرفوا معنى لا إله إلا الله كما عرف معناها كفار العرب، فالله المستعان.
ولم يزل هذا الشرك يفشو في الناس إلى عصرنا هذا بسبب غلبة الجهل وبعد العهد بعصر النبوة.
وشبهة هؤلاء المتأخرين هي شبهة الأولين، وهي قولهم: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢)، ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٣)، وقد أبطل الله هذه الشبهة وبين أن من عبد غيره كائنا من كان فقد أشرك به وكفر، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٤)، فرد الله عليهم سبحانه بقوله: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٥)، فبين سبحانه في هذه الآية أن عبادة غيره من الأنبياء والأولياء أو غيرهم هي الشرك الأكبر، وإن سماها فاعلوها بغير ذلك، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٦)، فرد الله عليهم سبحانه بقوله: ﴿اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (٧)، فأبان بذلك سبحانه أن عبادتهم لغيره بالدعاء والخوف والرجاء ونحو ذلك كفر به سبحانه، وأكذبهم في قولهم: إن آلتهم تقربهم إليه زلفى.
стр. 3102
* ومن العقائد الفكرية المضادة للعقيدة الصحيحة والمخالفة لما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام ما يعتقده الملاحدة في هذا العصر من أتباع ماركس ولينين وغيرهم من دعاة الإلحاد والكفر، سواء سموا ذلك اشتراكية أو شيوعية أو بعثية أو غير ذلك من الأسماء، فإن من أصول هؤلاء الملاحدة أنه لا إله والحياة مادة، ومن أصولهم إنكار المعاد وإنكار الجنة والنار، والكفر بالأديان كلها، ومن نظر في كتبهم ودرس ما هم عليه علم ذلك يقينا، ولا ريب أن هذه العقيدة مضادة لجميع الأديان السماوية، ومفضية بأهلها إلى أسوأ العواقب في الدنيا والآخرة.
ومن العقائد المضادة للحق ما يعتقده بعض الباطنية وبعض المتصوفة من أن بعض من يسمونهم بالأولياء يشاركون الله في التدبير، ويتصرفون في شئون العالم، ويسمونهم بالأقطاب والأوتاد والأغواث، وغير ذلك من الأسماء التي اخترعوها لآلهتهم، وهذا من أقبح الشرك في الربوبية، وهو شر من شرك جاهلية العرب؛ لأن كفار العرب لم يشركوا في الربوبية، وإنما أشركوا في العبادة، وكان شركهم في حال الرخاء، أما في حال الشدة فيخلصون لله العبادة، كما قال سبحانه: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (١)، أما الربوبية فكانوا معترفين بها لله وحده، كما قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضَ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ (٣)، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
* أما المشركون المتأخرون فزادوا على الأولين من جهتين:
* إحداها: شرك بعضهم في الربوبية.
* والثانية: شركهم في الرخاء والشدة كما يعلم ذلك من خالطهم وسبر
стр. 3103
أحوالهم، ورأى ما يفعلون عند قبر الحسين والبدوي وغيرهما في مصر، وعند قبر العيدروس في عدن، والهادي في اليمن وابن عربي في الشام، والشيخ عبد القادر الجيلاني في العراق، وغيرها من القبور المشهورة التي غلت فيها العامة، وصرفوا لها الكثير من حق الله ، وقل من ينكر عليهم ذلك ويبين علهم حقيقة التوحيد الذي بعث الله به نبيه محمدا ﷺ ، ومن قبله من الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ونسأله أن يردهم إلى رشدهم، وإن يكثر بينهم دعاة الهدى، وأن يوفق قادة المسلمين وعلماءهم لمحاربة هذا الشرك والقضاء عليه ووسائله، إنه سميع قريب.
* ومن العقائد المضادة للعقيدة الصحيحة في باب الأسماء والصفات عقائد أهل البدع من الجهمية والمعتزلة ومن سلك سبيلهم في نفي صفات الله وتعطيله سبحانه من صفات الكمال، ووصفه بصفة المعدومات والجمادات والمستحيلات، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، ويدخل في ذلك من نفى بعض الصفات وأثبت بعضها، كالأشاعرة، فإنه يلزمهم فيما أثبتوه من الصفات نظير ما فروا منه في الصفات التي نفوها وتأولوا أدلتها، فخالفوا بذلك الأدلة السمعية والعقلية، وتناقضوا في ذلك تناقضا بينا.
أما أهل السنة والجماعة فقد أثبتوا لله سبحانه ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله محمد ﷺ من الأسماء والصفات على وجه الكمال، ونزهوه عن مشابهة خلقه تنزيها بريئا من شائبة التعطيل، فعملوا بالأدلة كلها، ولم يحرفوا ولم يعطلوا، وسلموا من التناقض الذي وقع فيه- كما سبق بيان ذلك- وهذا هو سبيل النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة، وهو الصراط المستقيم الذي سلكه سلف هذه الأمة وأئمتها، ولن يصلح آخرهم إلا ما صلح به أولهم وهو اتباع الكتاب والسنة وترك ما خالفهما.
والله ولي التوفيق وهو سبحانه حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا به، وصلى الله عليه وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 3104
أسئلة وأجوبة
مع سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
توجهت مجلة البحوث الإسلامية لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالأسئلة التالية التي تهم المسلمين في كل مكان، فتفضل الإجابة عنها بما يلي:
س١: يعتبر الحج موسما لتجمع المسلمين، فما دوره في سبيل الدعوة إلى الله؟
* * *
ج١: جعل الله كثيرا من أنواع العبادات في الإسلام من وسائل اجتماع المسلمين والتعرف على أحوال بعضهم من بعض؛ لأن الدين الإسلامي هو دين الله الذي بعث به أنبياءه ورسله، وهو الدين الذي اختاره الله لخير أمة أخرجت في الأرض على يد نبيه محمد ﷺ ، وما دام دين الله كله خيرا، فلا بد أن تتمثل شرائعه وتعليماته بالكمال فيما يتعلق بإصلاح الفرد والمجتمع، والمتمعن في تعاليم هذا الدين وشرائعه يستنتج أن كل شيء جاء لحكمة لما فيها من صلاح وإصلاح. فصلاة الجمعة والجماعة نموذج للالتقاء ولاهتمام بعض الناس ببعض، والزكاة نموذج للتكافل وإرضاء الفقير حتى لا ينقم على الغني فتحصل الجريمة في المجتمع، ويأتي دور الحج حيث يلتقي المسلمون من أطراف الأرض الواسعة فيتعارفون ويتحابون ويتدارسون أمور دينه، وهذا اللقاء فرصة لتقارب المسلمين وإزالة ما علق بالأذهان من تنافر وتباعد، وهو مناسبة للالتقاء على صراط الله المستقيم، ومنهجه السليم؛ فالعالم يوجه ويبذل
стр. 3105
من علمه، والجاهل يسترشد ويسأل، والشاك يستوضح حتى تتبين له الحقيقة التي تتفق مع حكم الله وتشريعه وسنة رسوله الكريم.
كما أن الحج فرصة لإزالة ما علق ببعض الفرق الإسلامية من شكوك أو بدع، والتي قد لا يدركها المسلم في بلده لأن من حوله متعلقون بها، فيظنها من تعاليم الإسلام، فيبينها له إخوانه المسلمون بالدليل المقنع، وبالقدوة في العمل، حيث إن باب الله مفتوح، والولوج فيه سهل إن يسره الله عليه، وإن التقاء المسلمين ببعضهم في الحج مفتاح من مفاتيح هذا الباب.
* * *
стр. 3106
س٢: ذكر الله في كتابه الكريم أن هناك منافع في الحج فما هي هذه المنافع؟
ج٢: لقد ذكر الله هذه المنافع في قوله جل وعلا في سورة الحج بعدما أمر نبيه وخليله إبراهيم ببناء البيت الحرام: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (١) ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٢).
ومن هذا ذكر بعض المفسرين رحمهم الله تعالى المنافع التي تحصل للحجاج: دنيوية وأخروية مما يشاهده ويحس به الفرد المسلم في نفسه وفي أمت، فمن المنافع الدنيوية التي يلمسها الناس البيع والشراء، ومكاسب أصحاب الحرف التي تتعلق بالحجاج والحركة المستمرة في وسائل النقل المختلفة، وفائدة الفقراء بما يدفع لهم من صدقات أو يقدم من ذبائح الهدي والكفارات عن كل محظور يرتكبه المحرم، وتسويق البضائع والأنعام إلى غير ذلك مما يلمسه كل مسلم يشارك في الحج، ومن المشاهد أن الله يهون النفقة والبذل فيه على الإنسان حتى تجود يده بما لم يجد به من قبل في حياته العادية، علاوة على ما في الحج من التعارف فيما بين المسلمين والتعاون على مصالحهم.
стр. 3107
أما المنافع الدينية والتي تعود بالخير الجزيل على أعمال الآخرة فمنها: التفقه في الدين، والاهتمام بشئون المسلمين عموما، والتعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله سبحانه، والفوز بما وعد الله به الحجاج والعمار من تكفير السيئات، والفوز بالجنة، وتنزل الرحمة على عباد الله في هذه المشاعر العظيمة. وقد صح عنه ﷺ أنه قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو فيباهي بهم ملائكته فيقول: ما أراد هؤلاء؟ (١)» رواه مسلم من حديث عائشة ﵂ وقال ﵊: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة (٢)» متفق عليه. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه (٣)»، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
* * *
стр. 3108
س٣: ما ا لحكم إذا لم يستطع الحاج المبيت في منى أيام التشريق ؟
ج٣: لا شيء عليه؛ لقول الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) سواء كان تركه المبيت لمرض أو عدم وجود مكان أو نحوهما من الأعذار الشرعية كالسقاة والرعاة ومن في حكمهما.
* * *
س٤: ما العبرة التي يخرج بها المسلم عند رميه الجمرات؟
* * *
ج٤: رمي جمرة العقبة في يوم العيد ورمي الجمار الثلاث في أيام منى وبمواعيدها
стр. 3109
التي حددها رسول الله ﷺ تفيد المسلم في العبرة من وجوه منها:
* أولا: أنها قدوة بأبينا إبراهيم الخليل ﵇ عندما اعترضه إبليس في هذه المواقف ليحاول إغواءه - مع أن الأنبياء ﵈ قد عصمهم الله منه، وهو يعلم هذا - أو إلهاءه عن الامتثال لأوامر ربه وأدائها على وجهها.
* ثانيا: إقامة ذكر الله وإعلانه؛ لقول النبي ﷺ : «إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله (١)».
* ثالثا: التقيد بالعدد سبعة له حكمة عظيمة ترمي بسبع حصيات كالطواف سبعا، والسعي سبعا، وقد قال النبي ﷺ : «أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر (٢)»، وله سبحانه وبحمده حكم كثيرة فيما يشرعه لعباده قد يعلمها العباد أو بعضها، وقد لا يعلمونها، لكنهم موقنون بأن الله سبحانه حكيم عليم، لا يفعل شيئا ولا يشرع شيئا عبثا.
* رابعا: أن الدين الإسلامي دين امتثال لأمر الله، وأن المسلم مأمور بالعبادة حسب النص التشريعي ولو خفيت عليه الأسرار؛ لأن الله عليم بكل شيء، وعلم البشر قاصر ولا يساوي شيئا إلى جانب علم الله .
* خامسا: رمي الجمار يشعر المسلم بالتواضع والخضوع في امتثال الأمر، وفي حالة الأداء، كما أنه يعود الفرد المسلم على النظام والترتيب في المواعيد المحددة والمواظبة على ذلك في ذهابه لرمي الجمار الأولى والثانية ثم الثالثة التي هي جمرة العقبة، ثم التقيد بالحصيات السبع واحدة بعد أخرى، مع الهدوء وعدم الإيذاء للآخرين من فسوق أو جدال، كل هذا يعود المؤمن على تنظيم الأمور المهمة، والعناية بها حتى تؤدي في أوقاتها كاملة.
* سادسا: الاحتفاظ بالحصيات وعدم وضعها في غير مكانها تشعر المسلم بأهمية المحافظة على ما شرع ربه وعدم الإسراف، ووضع الأمور في مواضعها من غير تبذير ولا زيادة أو نقص.
стр. 3110
س٥: ما واجب علماء المسلمين تجاه الأزمات والنكبات التي حلت بالعالم الإسلامي ؟
* * *
ج٥: مما لا شك فيه أن السيئات والابتعاد عن عقيدة الإسلام الصحيحة قولا وعملا من أهم الأسباب التي جعلت الأزمات والنكبات تحل بالمسلمين، يقول الله جلت قدرته: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (١)، ويقول : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٢).
فالله جلت قدرته حليم على عباده غفور رحيم يرسل لهم الآيات والنذر لعلهم يرجعون إليه ليتوب عليهم، وإذا تقرب إليه عبدا ذراعا تقرب سبحانه إلى عبده باعا؛ لأنه تعالى يحب من عبده التوبة ويفرح بها، وهو جل وعلا غني عن عباده، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، ولكنه بعباده رءوف رحيم، وهو الموفق لهم لفعل الطاعات وترك المعاصي، والأزمات والنكبات ما هي إلا نذر لعباده ليرجعوا إليه، وبلوى يختبرهم بها، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٤) ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٥)، وقال سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٦).
فالواجب على قادة المسلمين علماء وأمراء الاهتمام بكل مصيبة تحل أو نكبة تقع، وتذكير الناس، وبيان ما وقعوا فيه، وأن يكون ولاة الأمر من العلماء
стр. 3111
والحكام هم القدوة الصالحة في العمل الصالح، والبحث عن مسببات غضب الله ونقمته وعلاجها بالتوبة والاستغفار، وإصلاح الأوضاع، والأمة تبع لهم؛ لأن هداية العالم وحكمة الوالي ذات أثر في الرعية، «فكلكم راع وكل مسئول عن رعيته (١)»، وإذا استمرأ المسلمون المعاصي ولم ينكرها من بيده الأمر والحل والعقد يوشك أن يعم الله الأمة بغضب منه، وإذا وقع غضب الله وحلت نقمته فإن ذلك يشمل المحسن والمسيء عياذا بالله من ذلك، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (٢) الآية.
وقال ﷺ : «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقابه (٣)»، وقال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٤).
وعلى العلماء بالذات مسئولية كبيرة أمام الله في تبصير الناس وإرشادهم وبيان الصواب من الخطأ والنافع من الضار.
نسأل الله أن يعيد المسلمين إلى طاعة ربهم والتمسك بهدي نبيهم محمد ﷺ ، وأن يوفق قادتهم ويبصر علماءهم بطريق الرشاد حتى يسلكوه، ويوجهوا الأمة إليه، وأن يهدي ضال المسلمين ويصلح أحوالهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
* * *
стр. 3112
س٦: ما واجب علماء المسلمين حيال كثرة الجمعيات والجماعات في كثير من الدول الإسلامية وغيرها، واختلافها فيما بينها، حتى إن كل جماعة تضلل الأخر؟ ألا ترون من المناسب التدخل في مثل هذه المسألة بإيضاح وجه
стр. 3113
الحق في هذه الخلافات خشية تفاقمها وعواقبها الوخيمة على المسلمين هناك؟
* * *
ج٦: إن نبينا محمدا ﷺ بين لنا دربا واحدا يجب على المسلمين أن يسلكوه وهو صراط الله المستقيم ومنهج دينه القويم، يقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١)، كما ينهى رب العزة والجلال أمة محمد ﷺ عن التفرق واختلاف الكلمة، فيكون ذلك سببا من أسباب الفشل وتسلط العدو، وفي قوله جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ (٣).
فهذه دعوة إلهية باتحاد الكلمة وتآلف القلوب، والجمعيات إذا كثرت في أي بلد إسلامي من أجل الخير والمساعدات والتعاون بين المسلمين دون أن تختلف أهواء أصحابها فهي خير وبركة، أما إذا كانت كما جاء في السؤال كل واحدة تضلل الأخرى وتنقد أعمالها فإن الضرر بها حينئذ عظيم، والعواقب وخيمة، فالواجب على علماء المسلمين توضيح الحقيقة ومناقشة كل جماعة أو جمعية، ونصح الجميع بأن يسيروا في الخط الذي رسمه نبينا محمد ﷺ ، ومن تجاوز هذا أو استمر في عناده لمصالح شخصية أو لمقاصد لا يعلمها إلا الله فإن الواجب التشهير به، والتحذير منه ممن عرف الحقيقة؛ حتى يتجنب الناس
стр. 3114
طريقهم، وحتى لا يدخل معهم من لا يعرف حقيقة أمرهم فيضلوه ويصرفوه عن الطريق المستقيم الذي أمرنا الله باتباعه في قوله جل وعلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١).
ومما لا شك فيه أن كثرة الفرق والجماعات في المجتمع الإسلامي مما يحرص عليه الشيطان أولا وأعداء الإسلام من الإنس ثانيا؛ لأن اتفاق كلمة المسلمين ووحدتهم وإدراكهم الخطر الذي يهددهم ويستهدف عقيدتهم يجعلهم ينشطون لمكافحة ذلك والعمل في صف واحد من أجل مصلحة المسلمين ودرء الخطر عن دينهم وبلادهم وإخوانهم، وهذا مسلك لا يرضاه الأعداء، فلذا يحرصون على تفريق كلمة المسلمين وتشتيت شملهم، وبذر أسباب العداوة بينهم، نسأل الله أن يجمع كلمة المسلمين على الحق، وأن يزيل من مجتمعهم كل فتنة وضلالة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
* * *
стр. 3115
س٧: يحرص أعداء الله على التغلغل في ديار الإسلام بشتى الطرق، فما المجهود الذي ترون بذله للوقوف أمام هذا التيار الذي يهدد المجتمعات الإسلامية؟
* * *
ج٧: هذا ليس بغريب من الدعاة إلى النصرانية أو اليهودية أو غيرهما من ملل الكفر ومذاهب الهدم؛ لأن الله سبحانه وبحمده قد أخبرنا عن ذلك بقوله في محكم التنزيل: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (١).
стр. 3116
ولهذا فإنهم يبذلون كل ما يستطيعون للنفوذ في ديار الإسلام، ولهم طرقهم المختلفة في هذا، منها: التشكيك وزعزعة الأفكار، وهم دائبون على ذلك بدون كلل أو، ملل تحركهم الكنيسة والحقد والبغضاء بالتوجيه والدفع والبذل.
والجهود التي يجب أن تبذل هي التوعية والتوجيه لأبناء المسلمين من القادة والعلماء، ومقابلة جهود أعداء الإسلام بجهود معاكسة، فأمة الإسلام أمة قد حملت أمانة هذا الدين وتبليغه، فإذا حرصنا في المجتمعات الإسلامية على تسليح أبناء وبنات المسلمين بالعلم والمعرفة والتفقه في، الدين والتعويد على تطبيق ذلك من الصغر فإننا لن نخشى بإذن الله عليهم شيئا ما داموا متمسكين بدين الله معظمين له متبعين شرائعه محاربين لما يخالفه، بل العكس سيخافهم الأعداء؛ لأن الله سبحانه وبحمده يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١)، ويقول : ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٢)، والآيات في هذا المعنى كثيرة، فأهم عامل للوقوف أمام هذا التيار هو تهيئة جيل عارف بحقيقة الإسلام، ويتم هذا بالتوجيه والرعاية في البيت والأسرة والمناهج التعليمية ووسائل الإعلام وتنمية المجتمع.
يضاف إلى هذا دور الرعاية والتوجيه من القيادات الإسلامية، والدأب على العمل النافع وتذكير الناس دائما بما ينفعهم وينمي العقيدة في نفوسهم ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٣)، ولا ريب أن الغفلة من أسباب نفاذ أعداء الإسلام إلى ديار المسلمين بالثقافة والعلوم التي تباعد المسلمين عن دينهم شيئا فشيئا، وبذا يدخل النفوذ عليهم فيتأثرون بأفكار أعدائهم، والله
стр. 3117
يأمر الفئة المؤمنة بالصبر والمصابرة والمجاهدة في سبيله بكل وسيلة في قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١).
وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يصلح أحوال المسلمين ويفقههم في الدين، وأن يجمع كلمة قادتهم على الحق، ويصلح لهم البطانة، إنه جواد كريم، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
стр. 3118
تبيين العجب بما ورد في فضل رجب
بقلم الدكتور عبد العزيز بن عبد الرحمن الربيعة
١) ولد في حريملاء عام ١٣٦١هـ، المملكة العربية السعودية.
٢) درس مرحلة الليسانس بكلية الشريعة بالرياض، ونال الماجستير من المعهد العالي للقضاء، والدكتوراه من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر.
٣) يعمل أستاذا مشاركا بقسم أصول الفقه بكلية الشريعة، الرياض.
٤) صدر له:
- (السبب عند الأصوليين) - ثلاثة أجزاء.
- (أدلة التشريع المختلف في الاحتجاج بها).
- (صور من سماحة الإسلام).
ومقالات وبحوث في مجلات علمية أخرى.
стр. 3119
تبيين العجب بما ورد في فضل رجب
هذا هو عنوان كتاب قام بتأليفه إمام زمانه في الحديث وعلومه، العلامة أحمد بن علي بن محمد أبو الفضل الكناني الشافعي، المعروف بابن حجر العسقلاني، المولود سنة ٧٧٣هـ والمتوفى سنة ٨٥٢هـ.
وهو عالم غني عن التعريف به، فله في كل فن من فنون الشريعة واللغة مكانة لا يوازيها إلا من تبحر فيه، وله من التآليف ما بز به الأقران سعة وشمولا، وعمقا وتحقيقا، وتتبعا واستقصاء، وحيادا ونزاهة، وتنوعا وكثرة، حيث وصلت في مقدارها مائة وخمسين مؤلفا، يقف على رأسها أكبر قاموس للسنة النبوية وهو (فتح الباري بشرح صحيح البخاري)، و (الإصابة في تمييز الصحابة)، و (تهذيب التهذيب) و (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة)، وغيرها من كنوز المؤلفات وروائع التراث.
ويأتي هذا الكتاب الذي معنا واحدا من الكتب التي دبجها يراع هذا العبقري الفذ، والعالم العملاق.
وستكون دراستنا له عرضا لوصفه، وبيانا لمنهج المؤلف فيه، وذكرا لمباحثه وتوضيحا لقيمته العلمية، ولذا كان البحث فيه على الطريقة الآتية:
стр. 3120
أولا: وصف الكتاب
يقع هذا الكتاب في حجم يبلغ طوله ١٩. ٥ سم وعرضه ١٣. ٥سم، ويشغل خمسا وثلاثين صفحة، وتبلغ أسطر كل صفحة على وجه العموم تسعة عشر سطرا، وقد طبع بالقاهرة بمطبعة المعاهد بجوار قسم الجمالية على نفقة الحاج (شكاره) سنة ١٣٥١هـ، وقام بتصحيحه الشيخ عبد الله بن محمد بن الصديق المغربي الحسني أحد علماء الأزهر، وتولت نشره مكتبة حضرة عبد الواحد التازاي، وكانت طباعته بحرف جيد، مناسب في حجمه، ولكن الكتاب مع ذلك لم يخل من الأخطاء كما هو واضح لمن يقرأ الكتاب، أو ينظر فيما سطرته المطبعة في قائمة التطبيعات.
* * *
ثانيا: موضوعه
لقد أعلن المؤلف- ﵀ في مستهل كتابه عن موضوعه بأنه جمع لما ورد في فضائل شهر رجب، وتبيان لما هو صحيح من ذلك وما هو سقيم، فهو يقول في الصفحة الثانية من هذا الكتاب:
". . . فقد تكرر سؤال جماعة من الإخوان في جمع ما ورد في فضائل شهر رجب الفرد، وصيامه، والصلاة فيه، وبيان صحيح ذلك من سقيمه، فسطرت في هذه الأوراق ما وصلت إليه بحسب العجلة".
* * *
ثالثا: منهج المؤلف
١ - ابتدأ المؤلف هذا الكتاب بمقدمة تستلزم طبيعة أي بحث علمي يقدم للناس: فيه الفكرة العميقة، والشمول الكامل، والاستقصاء للحقائق، والنقد المرتكز على المنقول والمعقول.
فهو ابتدأ بحمد الله، والشهادة بوحدانيته والعبودية والرسالة لمحمد ﷺ وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين وآل كل وصحبه قديما وأخيرا.