القرن العاشر:
أما القرن العاشر فلم يحظ إلا بمجموع في ست ورقات، كتبه كمال الدين أبو المعالي محمد بن أحمد الشافعي المقدسي المتوفى سنة ٩٠٦ هـ (١).
* * *
القرن الثاني عشر:
وفي القرن الثاني عشر الهجري صنف أبو بكر بن هداية الله الحسيني الملقب بالمصنف المتوفى سنة ١٠١٤ هـ كتابا في طبقات الشافعية (٢).
وآخر من نعرف ممن ألف في طبقات الشافعية شيخ الإسلام عبد الله الشرقاوي المتوفى سنة ١٢٢٧ هـ، وقد جمع في كتابه تراجم متأخري الشافعية من سنة ٩٠٠ إلى سنة ١١٢١ هـ (٣).
стр. 317
مصنفات الحنابلة
هذه جهود علماء الشافعية في التعريف برجال مذهبهم أما الحنابلة، فإن أقدم مصنف نعرفه لهم في ذلك ظهر في القرن السادس الهجري.
القرن السادس:
فقد صنف القاضي أبو الحسين محمد بن محمد الحسين أبي يعلى الحنبلي الفراء الشهيد سنة ٥٢٦ هـ صاحب المجرد في مناقب الإمام أحمد، كتابا في ذلك انتهى فيه إلى سنة ٥١٢ هـ، ثم ذيله الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد المعروف بابن النقيب وبابن رجب المتوفى سنة ٧٩٥ هـ.
القرن الثامن:
وللشيخ زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب السابق الذكر كتاب في تراجم رجال المذهب وصل فيه إلى سنة ٧٥٠ هـ، ورتبه على الوفيات، ثم ذيله العلامة يوسف بن حسن بن أحمد الحنبلي المقدسي بكتاب مرتب على الحروف، سماه الجوهر المنضد في طبقات أصحاب أحمد، وقد فرغ من تأليفه سنة ٧٨١ هـ، وذيله أيضا الشيخ تقي الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح الراميني الأصل المقدسي الدمشقي الصالحي المتوفى سنة ٨٠٣ هـ (١).
القرن العاشر:
وفي القرن العاشر الهجري صنف أبو اليمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي المتوفى سنة ٩٢٨ هـ كتابه المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد، وقد اختصر هذا الكتاب جميل
стр. 318
الشطي من أهل دمشق كما اختصر بعض تراجم الحنابلة من غيره، وتوجد نسخة من كتابه هذا في المكتبة السعودية بحي دخنة بالرياض.
القرن الرابع عشر:
وقد صنع عثمان بن بشر النجدي المتوفى سنة ١٢٨٨ هـ فهرسا لطبقات الحنابلة لابن رجب وجعل تراجمها على حروف المعجم (١).
وللشيخ محمد بن عبد الله بن علي بن عثمان بن حميد العامري النجدي المتوفى سنة ١٢٩٥ هـ كتاب " السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة " ومنه نسخة بدار الكتب المصرية بالقاهرة (المكتبة التيمورية) وله أيضا " النعت الأكمل بتراجم أصحاب الإمام أحمد بن حنبل " ذكره في السحب الوابلة (٢).
القرن الثالث عشر:
وللشيخ عبد القادر بن أحمد بن مصطفى، ابن بدران الدمشقي المتوفى سنة ١٣٤٦ هـ كتاب في طبقات الحنابلة لم يكمل (٣)، كما أن إبراهيم بن ضويان المتوفى سنة ١٣٥٣ هـ وهو من أهل الرس في منطقة القصيم، ألف في تراجم الحنابلة كتاب " كشف النقاب في تراجم الأصحاب " (٤).
وقد ذيل محمد بن قاسم العاصمي القحطاني النجدي كتابه " الدرر السنية في الأجوبة النجدية " بجزء خاص في تراجم أصحاب تلك الرسائل والأجوبة، هو الجزء الثاني عشر، وجل هؤلاء فقهاء حنابلة.
وللشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله آل الشيخ المولود سنة ١٣٣٢ هـ كتاب علماء الدعوة، وقد طبع بمصر سنة ١٣٨٦ هـ، وكتاب مشاهير علماء نجد، وقد طبع بإشراف دار اليمامة سنة ١٣٩٢ هـ، وعلماء الدعوة (الدعوة إلى التوحيد (التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب)، وعلماء نجد حنابلة.
وللشيخ محمد بن عبد العزيز بن عثيمين (معاصر) كتاب " تسهيل السابلة في تراجم علماء الحنابلة " (٥).
هذا وقد اشتمل كتاب " تذكرة أولي النهى والعرفان " للشيخ إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن، وهو كتاب في تاريخ نجد للسنوات القريبة على تراجم كثيرة مفصلة لعلماء الحنابلة في هذه الديار، وقد طبع في مؤسسة النور بالرياض في أربعة أجزاء.
стр. 319
مصنفات المالكية
القرن السادس:
وكان القاضي عياض بن موسى اليحصبي المالكي المتوفى سنة ٥٤٤ هـ سابق الحلبة في تسجيل تراجم المالكية، فقد ألف في ذلك كتابه ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام
стр. 320
مذهب مالك، جمع فيه المالكية وأحسن، وهو تأليف غريب لم يسبق إليه.
القرن الثاني:
ثم ألف ابن فرحون برهان الدين إبراهيم بن علي بن محمد المدني المتوفى سنة ٧٨٩ هـ كتابه في طبقات المالكية، وسماه الديباج المذهب في علماء المذهب (١).
القرن الحادي عشر:
وذيله بدر الدين محمد بن يحيى القرافي المتوفى سنة ١٠٠٨ هـ بكتابه المسمى بتوشيح الديباج وحلية الابتهاج (٢)، كما ذيله أحمد بابا بن أحمد التنبكتي المتوفى سنة ١٠٣٦ هـ وسمى كتابه نيل الابتهاج.
стр. 321
مصنفات الحنفية
أما علماء الحنفية فقد تأخر بهم القصد إلى القرن الثامن للهجرة، وظلت تراجمهم مضمنة في كتب التاريخ العامة وتواريخ البلدان وطبقات الأدباء واللغويين والفقهاء، ثم نشطوا لهذا الأمر، فحفلت القرون: الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر والثالث عشر، بمؤلفات كثيرة، ترجمت لعلماء المذهب وتضمنت خيارهم، واشتملت على مسائلهم.
* * *
القرن الثامن:
ففي القرن الثامن ألف نجم الدين إبراهيم بن علي بن أحمد الطرطوسي المتوفى سنة ٧٥٨ هـ كتاب وفيات الأعيان من مذهب النعمان، وجمع صلاح الدين عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن المهندس المتوفى سنة ٦٧٩ هـ تاريخا كبيرا لفقهاء الحنفية، يذكر ابن حجر أنه تعب عليه، فإنه طالع كتبا كثيرة ببلاد متفرقة (١) ثم جاء أبو محمد محي الدين عبد القادر بن محمد بن نصر الله القرشي المتوفى سنة ٧٧٥ هـ فأخرج كتابه الجواهر المعنية في طبقات الحنفية (٢).
* * *
القرن التاسع:
وفي القرن التاسع ألف صارم الدين إبراهيم بن محمد بن أيدمر بن دقمان القاهري المتوفى سنة ٨٠٩ هـ كتاب " نظم الجمان في طبقات أصحاب إمامنا النعمان " (٣)، ويذكر حاجي خليفة أنه في ثلاث مجلدات، الأولى في مناقب أبي حنيفة والثانية والثالثة في أصحابه، وجاء بعد ابن دقمان مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي الشيرازي الشافعي المتوفى سنة ٨١٧ هـ، فألف كتاب " المرقاة الوفية في طبقات
стр. 322
الحنفية " (١). ولتقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر المقريزي المتوفى سنة ٨٤٥ هـ تذكرة (٢)، جمع منها قاسم بن قطلو يغا مادة كتابه تاج التراجم، وصنف القاضي بدر الدين أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى العيني المتوفى سنة ٨٥٥ هـ كتابا في طبقات الحنفية (٣)، كما صنف زين الدين أبو العدل قاسم بن قطلو بغا السوروني الجمال المتوفى سنة ٨٧٩ هـ كتابا مختصرا أسماه تاج التراجم ويذكر ابن الشحنة في هوامشه على أن الإمام مسعود بن شيبه عماد الدين السندي وابن سابق جمعا طبقات أصحاب أبي حنيفة (٤)، ولابن الشحنة هذا وهو أبو الفضل محمد بن محمد الثقفي الحلبي المعروف بابن الشحنة الصغير المتوفى سنة ٨٩٠ هـ، كتاب طبقات الحنفية في عدة مجلدات (٥).
* * *
القرن العاشر:
أما القرن العاشر فقد زخر بعدد كبير من كتب تراجم الحنفية؛ فقد ألف شمس الدين محمد بن علي بن أحمد بن طولون الصالحي الدمشقي المتوفى سنة ٩٥٣ هـ كتاب " الغرف العلية في تراجم متأخري الحنفية " (٦)، وألف شمس الدين بن آجا محمد بن محمد كتابا " في طبقات الحنفية ثلاث مجلدات " (٧)، واختصر إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلبي المتوفى سنة ٩٥٦ هـ كتاب صلاح الدين عبد الله بن محمد المهندس الذي سبقت الإشارة إليه، كما اختصر الجواهر المضيئة (٨)، وألف محمد بن عمر حفيد آق شمس الدين المتوفى سنة ٩٥٩ هـ كتابا في طبقات الحنفية (٩)، وجمع المولى علي بن أمر الله الجنائي المتوفى سنة ٩٧٩ هـ مختصر على إحدى وعشرين طبقة كتب فيه المشاهير، بدأ فيه بالإمام أبي حنيفة، وختم بابن كمال باشا (١٠)، وألف محمود بن سليمان الرومي الكفوي المتوفى سنة ٩٩٠ هـ كتاب كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار (١١)، كما صنف قطب الدين محمد بن علاء الدين أحمد بن محمد النهرواني (النهروالي) الهندي الحنفي المتوفى سنة ٩٩٠ هـ كتابا في طبقات الحنفية في أربعة مجلدات، ثم احترق مع كتبه، ثم كان في صدد تجديدها ولم يمهل (١٢).
* * *
стр. 323
القرن الحادي عشر:
وجاء القرن الحادي عشر الهجري فألف تقي الدين بن عبد القادر التميمي الداري الغزي المصري الحنفي المتوفى سنة ١٠٠٥ هـ كتابه " الطبقات السنية في تراجم الحنفية "، وهو أكبر موسوعة في تراجم الحنفية، وقد أوعى فيه وأجاد كما يقول حاجي خليفة (١)، ثم ألف نور الدين علي بن سلطان (محمد سلطان) الهروي القاري المتوفى سنة ١٠١٤ هـ كتاب الأثمار الجنية في أسماء الحنفية (٢).
* * *
القرن الثالث عشر:
وفي القرن الثالث عشر الهجري شغل أبو الحسنات محمد بن عبد الحي اللكنوي الهندي المتوفى سنة ١٣٠٤ هـ بهذا الأمر، ورأى أنه لو جمع رجال المذهب في كتاب فسيصير المجموع أكبر، لا ينتفع به إلا الأندر، ففرقهم في أكثر من كتاب، فصنع لرجال الهداية كتاب " مقدمة الهداية "، وجعل له ذيلا سماه " مذيلة الدراية "، وأفرد لتراجم شراح الجامع الصغير وأرباب المتون المشهورة وأصحاب الكتب المعروفة رسالة سماها " النافع الكبير "، وذكر من له أو لكتابه ذكر في شرح الوقاية كما ذكر شراح الوقاية ومحشى شرح الوقاية وشراح النقابة في مقدمة شرحه لشرح الوقاية المسمى " بالسعاية في كشف ما في شرح الوقاية "، ثم اطلع على كتاب الكفوي ولخص منه تراجم الفقهاء دون حذف ما يتعلق بها، ثم حذف الفوائد الفقهية وزاد بعد ذلك عليها، وسمى عمله هذا " الفوائد البهية في تراجم الحنفية "، فرغ منه سنة ١٢٩٢ هـ (٣).
* * *
هذا مبلغ ما وصل إليه علمنا من كتاب تراجم الفقهاء، ولعل ما لم يصل إلينا كثير حافل بالتراجم العلمية، والفوائد والنكت الفقهية، وهذا الذي عرفناه من كتب تراجم الفقهاء، كثير منه نعرفه بالاسم فقط أما أصوله فقد عدت عليها العوادي، وفقدناها فيما فقدنا من تراثنا العظيم.
стр. 324
ولا يتيسر لنا معرفة القيمة الحقيقية للبقية بين أيدينا إلا بدراستها، والتعرف إلى منهجها، ولعل لنا عودة إلى هذا الأمر، يتاح لنا فيها أن ندرس كتب التراجم في كل مذهب من المذاهب الأربعة على حدة، حتى نميز المعالم المشتركة، والخصائص التي يتفرد بها كل كتاب؛ لنستطيع بعد ذلك أن نسجل وصفا تحليليا لتراجم الفقهاء المسلمين، وعسى أن يكون في هذا ما يدفع إلى قراءة هذا التراث ودرسه والإفادة منه، والله من وراء القصد.
стр. 325
عبد الفتاح محمد الحلو
كلية اللغة العربية بالرياض
стр. 326
الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو
١ - تخرج من كلية العلوم سنة ١٩٦١ م.
٢ - نال درجة الدكتوراه في الأدب العربي منها سنة ١٩٧٤ م.
٣ - يعمل بمعهد المخطوطات - جامعة الدول العربية، وهو الآن معار إلى كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية بالرياض.
٤ - ألف كتاب شعراء هجر عن شعراء المنطقة الشرقية من المملكة في القرون الأربعة الأخيرة.
٥ - حقق من الكتب الأدبية: التمثيل والمحاضرة للثعالبي، وديوان ابن المقرب، وريحانة الألبا للشهاب الخفاجي، ونفحة الريحانة للمحبي، ودمية القصر للباخرزي.
٦ - حقق في اللغة الجزأين الثالث والعشرين من كتاب تاج العروس للزبيدي.
٧ - حقق من كتب تراجم الفقهاء طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (بالاشتراك والطبقات السنية في تراجم الحنفية للتميمي).
٨ - يتابع نشر بعض بحوثه في المجلات العلمية والأدبية.
стр. 327
مجلة البحوث الإسلامية
محمد الصباغ
أبو داود
حياته وسننه
الإشراف الفني
جمال النهري
стр. 328
مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
فإن الشريعة المطهرة تقوم على المصدرين الخالدين: كتاب الله وسنة رسوله وفيهما الهدى والفلاح. من تمسك بها لم يضل، ولا يدعهما إعراضا عنهما إلا زائغ هالك.
وقد حفظهما الله من عدوان المعتدين، وتحريف المغرضين، فتكفل الله سبحانه بحفظ الذكر الحكيم ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١)، وهيأ للسنة رجالا يذبون عنها افتراء المفترين وينقونها عن الزيف والدخيل حتى استبان الصحيح من السقيم واتضحت معالم الطريق. ووصلت إلينا كتب السنة متواترة لأصحابها بعد أن استغرقوا وسعهم وبذلوا جهدهم ولم يدعوا وسيلة من وسائل التثبت والتيقن إلا سلكوها. فجزاهم الله خير الجزاء وأحسن مثوبتهم في دار كرامته.
وإن مما يحق لنا أن نفخر به أعظم الفخر تلك الإنجازات العظيمة التي حققها أولئك العلماء في ميدان التحقيق والتنقيح حتى غدت قواعد المصطلح مثلا يحتذى.
ومن أهم كتب السنة الكتب الستة، وهي: الصحيحان وسنن النسائي وسنن أبي داود وجامع الترمذي وسنن ابن ماجه.
وقد أصبح لهذه الكتب من المنزلة الرفيعة ما جعل بعض العلماء يطلق عليها اسم الصحاح (٢)، ولم يزاحم هذه الكتب إلا مسند أحمد وموطأ مالك وسنن الدارمي، ولكل منها مزية. . . ومهما يكن من أمر فقد غدت هذه الكتب التسعة من أشهر كتب السنة ومصادر لفهم الدين
стр. 329
أصوله وفروعه ومن أجل ذلك فقد حظيت بعناية المسلمين على مر العصور دراسة وشرحا واستنباطا وتخريجا واختصارا وفهرسة. . . .
وبحثي المتواضع هذا محاولة في دراسة " سنن أبي داود " وبيان منزلة هذا الكتاب وذكر خصائصه والتعريف بمؤلفه.
ويقع في بابين:
الأول: في حياته.
الثاني: في سننه.
وأرجو أن يكون كلامي تذكيرا لأهل العلم بواجب خدمة هذه الكتب وحثا لأولي الأهلية على القيام بهذا الواجب، ولعل من أهم مجالات الخدمة التي نتطلبها تخريج أحاديث هذه الكتب وتحقيق الحكم عليها.
وأنا أعرف أن ذلك مطلب ليس يسيرا ولا هينا، ذلك لأن الحديث الواحد قد يكون مرويا بأسانيد متعددة، فإذا كان سنده في كتاب ضعيفا فليس يبعد أن يكون واردا في كتاب آخر معتمدا بسند قوي.
من أجل ذلك ينبغي أن نقرر أن هذا الحديث بهذا السند يستحق هذا الحكم، والذي يخفف من الحرج أمران:
أولهما: عندما نحكم على حديث بأنه ضعيف بسبب ضعف سنده لا نكون قد أخطأنا.
هذا والمشكلة تكون كبيرة عندما ندخل في الدين ما ليس منه أما أن نحكم على حديث بالضعف بسبب ضعف سنده فهذا أمر طبيعي، ويبقى هذا الحكم ساريا حتى نقف على طريق آخر صحيح له. وإذا بذل المرء جهده ومستطاعه كان مأجورا إن شاء الله ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
وثانيهما: أنه مما يخفف من الحرج والمشقة أننا إذا جرينا على هذا النهج في الكتب الأخرى نستطيع بوساطة الفهارس العديدة أن نتبين بسهولة بالغة إن كان هذا الحديث مثلا مرويا في كتاب آخر بسند صحيح.
وأحسب أن العقل الإلكتروني يساعد في هذا المجال إن استخدام مساعدة فعالة.
وأنا أسأل الله أن يشرفني بالانضواء تحت لواء الخادمين لسنة رسوله ﷺ المدافعين عنها العاملين بها إنه سبحانه خير مسؤول.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١) وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الرياض في ٢٠ صفر سنة ١٣٩٤ هـ.
محمد بن لطفي بن عبد اللطيف بن ياسين الصباغ
стр. 330
الباب الأول
أبو داود
حياته
عصره
ولد أبو داود في مطلع القرن الثالث الهجري وتوفي في أواخره.
والقرن الثالث هو العصر العلمي الذهبي في تاريخنا كله، وقد أتيح للمؤلف ﵀ أن يشهد نضج الحضارة الإسلامية في هذا القرن، كما أتيح له أن يعيش هذا العصر الذي ازدحم بالعبقريات والموهوبين الأفذاذ في شتى شؤون الفكر.
ويكفينا للدلالة على ذلك أن نذكر من أعلام هذا القرن الأسماء الآتية:
ففي الحديث:
كان البخاري ومسلم ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل والترمذي والنسائي.
وفي الفقه:
كان الربيع والمزني صاحبا الشافعي وداود الظاهري وغيرهم.
وفي الشعر:
كان علي بن الجهم وابن الرومي والبحتري وابن المعتز.
стр. 331
وفي العلم بالأدب:
كان المبرد وابن قتيبة والجاحظ وثعلب والفراء، وغيرهم كثير. وهكذا. .
ولا شك في أن أبا داود كان واحدا من هؤلاء العمالقة الأفذاذ في هذا العصر.
وكانت الحضارة قد بدأت تؤتي ثمارها وتنضج نضجا رائعا ترك أطيب الأثر في حياة المسلمين والدنيا كلها.
وما نزال معجبين بهذه الحضارة التي أينعت ثمارها وامتدت ظلالها في هذا القرن فكان هذا التراث العظيم الذي ما زالت الأجيال وستبقى تعيش مفيدة من مائدته.
ولد أبو داود سنة ٢٠٢ في ظل الخليفة العباسي العالم المأمون، وإن استعراض أسماء الخلفاء الذين جاءوا إلى سدة الخلافة خلال حياة أبي داود ليشعرنا بفخامة العصر الذي كان فيه.
فبعد المأمون (ت ٢١٨) جاء للخلافة للمعتصم (ت ٢٢٧) ثم الواثق (ت ٢٣٢) ثم المتوكل (ت ٢٤٧) ثم المنتصر (ت ٢٤٨) ثم المستعين (ت ٢٥٢) ثم المعتز (ت ٢٥٥) ثم المهتدي (ت ٢٥٦) ثم المعتمد على الله (ت ٢٧٩).
وهذا الأخير حجر عليه أخوه الموفق واستبد بالأمر دونه، ولم يصبح خليفة، وللموفق مع أبي داود أخبار سنذكر طرفا منها فيما بعد.
ومن المعروف أن اضطراب شؤون الدولة العباسية قد بدأ بمقتل المتوكل سنة ٢٤٧ هـ، فلقد أراد أن يكفكف من غلواء العسكريين الأتراك الذين بدأ تسلطهم أيام المعتصم فلم يفلح.
وإن عصرا هذا وزنه لا نستطيع أن نلم بجميع الجوانب فيه بكلمة مستعجلة.
ويكفينا أن نذكر بشأنه الأمور المقررة الآتية:
١ - التناحر بين أفراد الأسرة الحاكمة كان على أشده.
٢ - سيطرة العناصر الأعجمية عموما والتركية خصوصا كان أمرا واضحا.
٣ - الثورات في أطراف الدولة الإسلامية.
٤ - الثورة في قلب الدولة وفي العراق بصورة خاصة.
٥ - الصراع النصراني - الإسلامي في الحدود الشمالية الغربية.
٦ - تسلط رجال الفرق الضالة على بعض الخلفاء وممارسة لون من الاستبداد الفكري ومقاومة العلماء وسجنهم.
٧ - قيام نزعات فكرية متعددة، وبعضها هدام خطير.
стр. 332
ولولا أن الحياة الاجتماعية كانت تسير بوجه عام على سنن الإسلام العظيم، وأن الحياة الفكرية والعلمية كانت تقوم بمهمتها في الهداية والإرشاد وإقامة الحجة على أحقية الإسلام، لكانت الحياة السياسية تلقى لونا قاتما بعض الشيء على هذا العصر الموار.
стр. 333
اسمه. نسبه. نسبته
هو أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني.
وعمران هذا ذكر ابن عساكر وابن حجر أنه قتل مع علي بن أبي طالب بصفين. وأبو داود عربي صميم من الأزد (١)، والأزد قبيلة معروفة في اليمن (٢).
والسجستاني نسبة إلى البلد سجستان، وهي بكسر السين وفتحها، والكسر أشهر، والجيم مكسورة فيهما (٣)، ولم يذكر ياقوت في " معجم البلدان " إلا كسر السين (٤).
وقد ذكرت الكتب التي ترجمت له أنها بلد يتاخم أطراف مكران والسند، وقررت أنه ما وراء هراة (٥)، وذكر ياقوت أنها ناحية كبيرة وولاية واسعة وأنها جنوبي هراة، ووصف حسن جوها وثمراتها وسكانها وعاداتهم (٦) وقد وهم من زعم أن سجستان قرية من قرى البصرة (٧).
وذكر الأستاذ محب الدين الخطيب ﵀ في مقدمته لكتاب " موارد الظمآن " أن سجستان هي بلاد الأفغان الآن (٨) وهي في الحقيقة القسم الجنوبي من بلاد الأفغان.
стр. 334
ويقال له السجستاني والسجزي وهي نسبة على غير القياس قال فيها المنذري: وهو من عجيب التغيير في النسب (١).
وقيل: السجزي نسبة إلى سجز وهي سجستان (٢).
стр. 335
نشأته
ولد أبو داود سنة ٢٠٢ هـ كما ذكرنا وتلقى العلم على علماء بلده، ثم ارتحل وطوف بالبلاد في طلب العلم وتحصيل الرواية فزار العراق والجزيرة والشام ومصر وكتب عن علماء هذه البلاد جميعا. قال الخطيب: (وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين والجزريين) (١).
وليس من شك في أن هذه الرحلات قد وسعت من أفقه وأطلعته على ألوان الثقافة في عصره في كل أنحاء العالم الإسلامي.
والبلاد التي سكنها كثيرة نذكر منها ما وصل إليه علمنا وهي:
سجستان التي كانت بلده والتي نسب إليها، وخراسان، والري (٢) وهراة (٣) والكوفة التي دخلها سنة ٢٢١ كما ذكر الخطيب - (٤)، وبغداد التي قدم إليها مرات، وآخر مرة زارها كانت سنة ٢٧١ هـ، وطرسوس التي أقام بها عشرين سنة (٥) ودمشق التي سمع الحديث فيها كما يذكر ابن عساكر (٦)، ومصر أيضا، والبصرة التي انتقل إليها بطلب من الأمير أبي أحمد الموفق الذي جاء إلى منزله في بغداد واستأذن عليه ورجاه أن يتخذ البصرة وطنا ليرحل إليه طلبة العلم من أقطار الأرض فتعمر بسببه فإنها قد خربت وهجرت وانقطع الناس عنها لما جرى عليه من فتنة الزنج.
стр. 336
وهذا الخبر يدل على أن شهرة أبي داود قد طبقت الآفاق، فالناس يعرفون له قدره وفضله وشهرته، وأحست الدولة بذلك فطلبت إليه أن يرحل إلى البصرة البلدة المنكوبة لتعود إليها الحياة ولتعمر من جديد.
وفي هذا دلالة على طبيعة حضارتنا ومنزلة العلم والعلماء فيها، فإن سكنى مثل أبي داود فيها كان العلاج لرد العمران إلى بلد مخرب مهجور. وهكذا فقد وفق الله أبا داود أن يكون شخصية علمية مرموقة في عصره كان لها أكبر الأثر على الناس في عصره والعصور التي تلت.
стр. 337
علمه
كان أبو داود أحد حفاظ الإسلام، وكان من أوسع العلماء معرفة بحديث رسول الله ﷺ وفقهه وعلله ومتونه ورجاله.
ويبدو أن علماء عصره كانوا يعرفون مكانته العلمية الكبرى ويقدرونه حق قدره؛ يدل على ذلك عدد من الأخبار:
منها ما ذكروا من أن أحمد بن حنبل روى عنه حديثا، وكان أبو داود شديد الاعتزاز به.
ومنها ما ذكروا من أن سهل بن عبد الله التستري جاء إلى أبي داود. فقيل: يا أبا داود هذا سهل جاءك زائرا، فرحب به وأجله.
فقال له سهل: يا أبا داود لي إليك حاجة.
قال: وما هي؟
قال: حتى تقول قد قضيتها مع الإمكان.
قال: قد قضيتها مع الإمكان.
قال: أخرج إلي لسانك الذي حدثت به أحاديث رسول الله ﷺ حتى أقبله، فأخرج إليه لسانه فقبله (١).
وكان علمه متعدد الجوانب، فهو - مع تخصصه في الحديث - فقيه عظيم، وقد عده الشيخ أبو الحسن الشيرازي في طبقات الفقهاء من جملة أصحاب أحمد بن حنبل، وكذا أبو يعلى في.
стр. 338
وأبو داود ناقد كبير، وليس هذا غريبا على إمام من أئمة الحديث، لأن هذا العلم يربي في أتباعه حاسة النقد، وقد استطاع أن يبلغ مستوى راقيا من رهافة الحس ودقة النقد، وسنرى في دراستنا لكتاب " السنن " نماذج من نقده العميق، ولكنني هنا أود أن أشير إلى مجال سبق إليه أبو داود ويحسب بعض الباحثين أنه جديد وأن الأقدمين لم يعرفوه، وذلك هو نقد الكتابة وتقدير عمرها بالنسبة إلى الحبر القديم والحديث، يدل على ذلك خبر جاء في كتاب " الميزان " للحافظ الذهبي وهو:
(قال زكريا بن يحيى الحلواني: رأيت أبا داود السجستاني قد جعل حديث يعقوب بن كاسب وقايات (١) على ظهور كتبه، فسألته عنه فقال: رأينا في مسنده أحاديث أنكرناها، فطالبناه بالأصول، فدافعنا، ثم أخرجها بعد، فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيرة بخط طري؛ كانت مراسيل فأسندها وزاد فيها) (٢).
وتقدير العمر بالنسبة للحبر أمر يتصل بتقدير العمر بالنسبة إلى الورق ولا أستبعد أن تكون هناك حوادث من هذا القبيل في حياة صاحبنا العلمية، والله أعلم.
ومما يدل على مكانته العلمية ثناء العلماء عليه وسنذكر بعضه في الفقرة الآتية:
стр. 339
ثناء العلماء عليه
كان الثناء عليه من قبل المعاصرين له والذين جاءوا من بعده منصبا على ناحيتين:
سعة علمه ودقة تحقيقه.
وكرم أخلاقه وتقواه.
فلقد كان ﵀ مثلا عاليا في صفتي المحدث القوي وهما العدالة والضبط.
وسنورد شذرات من أقوالهم.
١ - قال أبو بكر الخلال:.
أبو داود سليمان بن الأشعث، الإمام المقدم في زمانه رجل لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم، وبصره بمواضعها أحد في زمانه، رجل ورع مقدم (١).
стр. 340
٢ - وقال أحمد بن محمد بن ياسين الهروي:
سليمان بن الأشعث أبو داود السجزي، كان أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله وعلمه وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف والصلاح والورع، كان من فرسان الحديث.
٣ - وقال إبراهيم الحربي:
ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود النبي ﵇ الحديد.
٤ - وهذه الكلمة رويت أيضا عن أبي بكر الصغاني.
٥ - وقال موسى بن هارون الحافظ (١):
خلق أبو داود في الدنيا للحديث، وفي الآخرة للجنة. ما رأيت أفضل منه (٢).
٦ - وقال علان بن عبد الصمد:
كان من فرسان هذا الشأن (٣). ٧ - وقال أبو حاتم بن حبان (٤):
كان أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وحفظا نسكا وورعا وإتقانا، جمع وصنف وذب عن السنن (٥).
٨ - وقال أبو عبد الله بن منده (٦):
الذين أخرجوا وميزوا الثابت من المعلول والخطأ من الصواب أربعة: البخاري ومسلم، وبعدهما أبو داود والنسائي (٧).
٩ - وقال الحاكم:
أبو داود إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة (٨).
стр. 341
١٠ - وقال محمد بن مخلد:
كان أبو داود يفي بمذاكرة مائة ألف حديث وأقر له أهل زمانه بالحفظ (١).
١١ - وقال ابن ماكولا:
هو إمام مشهور (٢).
١٢ - ١٣ - وكان إبراهيم الأصبهاني وأبو بكر بن صدقة (٣) يرفعان من قدره بما لا يذكران أحدا في زمانه مثله (٤).
١٤ - وقال الذهبي (٥):
وبلغنا أن أبا داود كان من العلماء حتى إن بعض الأئمة قال: كان أبو داود يشبه بأحمد بن حنبل في هديه ودله وسمته، وكان أحمد يشبه في ذلك بوكيع، وكان وكيع يشبه في ذلك بسفيان، وسفيان بمنصور، ومنصور بإبراهيم، وإبراهيم بعلقمة، وعلقمة بعبد الله بن مسعود. وقال علقمة: كان ابن مسعود يشبه بالنبي ﷺ في هديه ودله (٦).
ولم يرض السبكي في " طبقاته " أن يمضي بالسلسلة إلى نهايتها، بل اختار الوقوف عند ابن مسعود (٧).
ونقل ابن العماد عن الذهبي أيضا قوله في أبي داود:
كان رأسا في الحديث، رأسا في الفقه، ذا جلالة وحرمة وصلاح وورع حتى إن كان يشبه بأحمد (٨).
١٥ - وقال ابن الجوزي (٩):
كان عالما حافظا عارفا بعلل الحديث، ذا عفاف وورع وكان يشبه بأحمد بن حنبل (١٠).
وسيمر بنا عند الكلام على " السنن " مزيد من الثناء على أبي داود وشهادات أهل العلم بفضله.
стр. 342
أساتذته
إن الحديث عن أساتذته لا يتسع له صدر هذا المقال لأن عددهم كبير، وقد ذكر ابن حجر أن شيوخه في " السنن " وغيرها من كتبه نحو من ٣٠٠ نفس (١).
وقد ألف العلماء في شيوخه المؤلفات، وكل كتب الرجال التي تحدثت عن رجال الكتب الستة تحدثت عن أساتذة أبي داود وسنورد أسماء بعضهم فيما يلي.
فمنهم: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعثمان بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو عمرو الحوضي، ومسلم بن إبراهيم، وسليمان بن حرب، وأبو الوليد الطيالسي، وموسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وهناد بن السري، ومخلد بن خالد، وقتيبة بن سعيد، ومسدد بن مسرهد، ومحمد بن بشار، وزهير بن حرب، ومحمد بن المثنى، وعمرو بن محمد الناقد، وسعيد بن منصور، وحميد بن مسعدة، وحفص بن عمر وهو أبو عمر الضرير، وتميم بن المنتصر، وحامد بن يحيى، وإسحاق بن إسماعيل الطالقاني.
ولن نستطيع أن نترجم لهؤلاء جميعا وقد تعمدت أن أذكر المشهورين لتغني شهرتهم عن التعريف بهم.
وليس غريبا أن يكون عدد من أساتذته عمالقة علماء أفذاذا لأن طبيعة العصر الذي كان فيه أبو داود تقتضي أن يكون هناك نماذج من هذا النوع، كما سبق أن أشرت إلى ذلك عند حديثي عن عصره. وكثرة الأساتذة أمر معروف معهود في تاريخنا الفكري (٢).
وينبغي أن نخص واحدا من أساتذته بإشارة لا بد منها وهو الإمام أحمد بن حنبل، فقد تكرر ذكره كثيرا في أخبار أبي داود، وقد اتصل به ورافقه، وعرض عليه " سننه " فاستجادها، وكان يسأله أبو داود كثيرا عن أمور الدين وشؤون الحديث، وقد بلغ من اهتمام أبي داود بأجوبة شيخه أحمد أن ألف كتابا جمع فيه الأسئلة التي ألقيت على الإمام أحمد وأجوبته عليها. وقد طبع هذا الكتاب بعنوان " مسائل أحمد ".
وذكر العلماء في ترجمة أبي داود كثيرا من هذه الأسئلة التي كان أبو داود نفسه يتوجه بها إلى الإمام أحمد، أو الأسئلة التي كانت تطرح عليه بحضوره. فمن ذلك ما ذكره أبو يعلى أن أبا داود قال:
سمعت أحمد سئل عن القراءة في فاتحة الكتاب: (ملك) أو (مالك)؟ يعني: أيهما أحب إليك؟ قال: (مالك) أكثر ما جاء في الحديث (٣) فهذا سؤال سمعه فحفظه ورواه.
стр. 343
ونجده يصرح أحيانا بأنه هو الذي سأل الإمام أحمد كما في المثال الآتي:
قال أبو داود: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: أرى رجلا من أهل السنة مع رجل من أهل البدعة أترك كلامه؟
قال: لا، أو تعلمه أن الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة. فإن ترك كلامه فكلمه، وإلا فألحقه به.
قال ابن مسعود: " المرء بخدنه " (١).
وكثيرا ما يذكر في كتابه " السنن " مثل هذه الأسئلة التي كان يتوجه بها إلى الإمام أحمد (٢).
وقد ينقل قوله دون أن يكون هذا القول جوابا لسؤال سائل كما ذكر أبو يعلى:
قال أبو داود: سمعت أبا عبد الله يقول: من قال إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر (٣).
وهذا كثير الورود في " السنن " أيضا.
ويظهر أن إعجابه البالغ بأحمد وحبه الكبير له كان يحمله على أن يتشبه به حتى رأينا بعض العلماء يذكر تشبهه بأحمد، وهذا مشاهد عند الطلبة المعجبين بأستاذهم، فتراهم يقلدونه حتى في نبرات صوته وسلوكه، مظهره.
стр. 344
تلاميذه
روى عنه خلق كثير من العلماء الأئمة؛ نذكر المشهورين منهم، من أمثال الإمام أحمد بن حنبل الذي روى عنه حديثا واحدا كان أبو داود يعتز بذلك جدا (١).
ومنهم الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، والإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، والإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال، ومنهم إسماعيل بن محمد الصفار، وأبو بكر بن داود الأصفهاني، وحرب بن إسماعيل الكرماني، وأبو عوانة الاسفراييني، وزكريا الساجي، وأبو بشر محمد بن أحمد الدولابي، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو بكر محمد بن يحيى الصولي.
стр. 345
ومن تلامذته رواة السنن عنه وعددهم تسعة ذكر الذهبي (١) والسبكي (٢) سبعة منهم. وزاد ابن حجر راويين هما أبو الطيب أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الأشناني، وأبو عيسى إسحاق بن موسى بن سعيد الرملي وراقه. أما الرواة السبعة الذين ذكرتهم معظم المصادر فهم:
- أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي.
- وأبو بكر محمد بن بكر بن عبد الرازق بن داسة التمار.
- وأبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي.
- وأبو الحسن علي بن الحسن بن العبد الأنصاري.
- وأبو أسامة محمد بن عبد الملك الرؤاسي.
- وأبو سالم محمد بن سعيد الجلودي.
- وأبو عمرو أحمد بن علي بن الحسن البصري.
стр. 346
وضعه الاجتماعي والمنزلي
كان الرجل يتمتع بمنزلة اجتماعية مرموقة، وقد اكتسب شهرة قليلة النظير، وشاع كتابه في حياته، وكان الطلبة يؤمون منزله من كل مكان.
وكانت له مخالطة طيبة للعلماء في كل الأمصار، ويكفينا في الدلالة على ذلك ما ذكرناه في مبحث أساتذته، كما كانت له صلة قائمة على الاحترام مع الحكام، ويكفينا في الدلالة على ذلك أن يقوم رجل الدولة الأول الموفق بزيارته وأن يطلب منه ما يطلب لعمارة البصرة كما أشرنا. وكان الرجل متزوجا وله أولاد من أشهرهم ابنه عبد الله.
ويبدو أنه كان حريصا أشد الحرص على أن يطلب أولاده العلم في وقت مبكر، ولذلك فقد كان يأخذهم معه ليحضروا مجالس العلم وليسمعوا.
نقل ياقوت عن ابن عساكر خبرا يرويه عن الحسن بن بندار قال: (كان أحمد بن صالح يمتنع
стр. 347
على المرد من رواية الحديث لهم تعففا وتنزها ونفيا للمظنة عن نفسه. وكان أبو داود يحضر مجلسه ويسمع منه، وكان له ابن أمرد يحب أن يسمع حديثه، وعرف عادته في الامتناع عليه من الرواية، فاحتال أبو داود بأن شد على ذقن ابنه قطعه من الشعر ليتوهم أنه ملتح، ثم أحضره المجلس وأسمعه جزءا.
فأخبر الشيخ بذلك، فقال لأبي داود: أمثلي يعمل معه هذا؟
فقال له: أيها الشيخ لا تنكر علي ما فعلته واجمع أمردي هذا مع شيوخ الفقهاء والرواة فإن لم يقاومهم بمعرفته فاحرمه حينئذ من السماع عليك.
قال: فاجتمع طائفة من الشيوخ، فتعرض لهم هذا الأمرد مطارحا، وغلب الجميع بفهمه، ولم يرو له الشيخ مع ذلك من حديثه شيئا. وحصل له ذلك الجزء الأول (١).
وذكروا في بعض أخباره ما ينبئ عن اتخاذه بعض الخدم، ومنهم أبو بكر بن جابر خادمه الذي روى حديث مقابلة الموفق له.
стр. 348
أخلاقه وصفاته
كان أبو داود رجلا كبيرا ذا خلق كريم. كان صالحا عابدا ورعا، وكان ذكيا مجدا دؤوبا كثير الاحتمال لمشاق الارتحال وطلب العلم، وكان يقظا شديد الانتباه يعرف الناس على حقيقتهم ولا تنطلي عليه وسائل الخداع، وكان أبيا كريم النفس، وكان جريئا في الحق أمينا على رسالة العلم قائما بحق الدين. وسأورد فيما يلي أخبارا تدل على صراحته في الحق وجرأته في قوله، لا يخاف في ذلك لومة لائم، وسيمر بنا أيضا في دراسة " السنن " أمثلة عديدة على ذلك في موضوع جرح الرجال.
وقد خصصت هذا الخلق بالبيان لأنه الخلق الذي أعتقد أنه من أهم صفات العلماء، ولأن الناس يعانون الكثير من فقد الخلق في حياتهم وعند نفر من العلماء، ويشهدون كم تجر المجاملة التي يتصف بها كثير من الناس من الولايات على الدين والعلم والحق.
стр. 349
والعلماء يمثلون القيادة الفكرية للأمة، والقوة الموجهة التي تحول بين الجماهير والانحراف والفساد، فإذا فقدوا فضيلة الصراحة في الحق والجرأة في إلقاء الكلمة المؤمنة الصادقة كان إيذاء ذلك شديدا.
وكانت عاقبة ذلك دمارا للأمة ولكل معاني الخير فيها.
فمن أجل ذلك رأيت أن أضرب بعض الأمثلة على أصالة هذا الخلق العظيم في سيرة هذا الإمام العظيم: ذكر أبو يعلى (أن محمد بن علي الآجري قال:
قلت لأبي داود: أيهما أعلى عندك: علي بن الجعد أو عمرو بن مرزوق؟
قال: عمرو أعلى عندنا. علي بن الجعد وسم بميسم سوء قال: " وما يسؤوني أن يعذب الله معاوية "
وقال: " ابن عمر ذاك الصبي ") (١).
فأبو داود يعلن رأيه بصراحة، ويجرح علي بن الجعد ويذكر سبب الجرح وهو وقوعه في الصحابة، إذ أن كلمته في معاوية تدل على شيء من الكراهية لبعض الصحابة أو عدم اهتمام على أقل تقدير، وذلك عندما يقرر أنه لا يسؤوه أن يعذب الله معاوية ﵁، وكذلك فإن قوله عن ابن عمر إنه صبي فيه ما يدل على قلة احترام للصحابة وعلى التهوين من شأنهم.
ومن الأمثلة الرائعة على جرأته في الحق ومواجهته الحكام بما يعتقد سواء وافق رغبتهم أم لم يوافق ما رواه خادمه أبو بكر بن جابر الذي قال:
كنت معه ببغداد، فصلينا المغرب إذ قرع الباب، ففتحته فإذا خادم يقول: هذا الأمير أبو أحمد الموفق يستأذن. فدخلت إلى أبي داود فأخبرته بمكانه، فأذن له، فدخل، وقعد، ثم أقبل عليه أبو داود وقال:
ما جاء بالأمير في مثل هذا الوقت؟
فقال: خلال ثلاث.
فقال: وما هي؟
قال: تنتقل إلى البصرة فنتخذها وطنا ليرحل إليك طلبة العلم من أقطار الأرض فتعمر بك، فإنها قال خربت، وانقطع عنها الناس لما جرى عليها من محنة الزنج.
стр. 350
فقال: هذه واحدة. هات الثانية.
قال: وتروي لأولادي كتاب " السنن "؟
فقال: نعم. هات الثالثة.
قال: وتفرد لهم مجلسا للرواية، فإن أولاد الخلفاء لا يقعدون مع العامة.
فقال: أما هذه فلا سبيل إليها، لأن الناس شريفهم ووضيعهم في العلم سواء.
قال ابن جابر: فكانوا يحضرون بعد ذلك ويقعدون وبينهم وبين الناس ستر فيسمعون مع العامة -.
ومن الأمثلة التي تدل على جرأته وقوله الحق دون مراعاة لقرابة أو صلة موقفه من ابنه أبي بكر عبد الله صاحب التصانيف.
فقد قال عنه: " ابني عبد الله كذاب " - (١)
стр. 351
ملابسه
يبدو أن الرجل كان يخترع في كيفية خياطة الملابس ما يتلاءم وحياته، فهو قد وقف نفسه على العلم، فكل ما يساعده من اللباس على حمل كتب واصطحابها فهو اللباس الجيد، لأن العلم أضحى عنده هو كل شيء؛ ذكروا أنه كان له كم واسع وضيق، ولما سئل قال: الواسع للكتب والآخر لا نحتاج إليه - (١).
وما سأله السائل عنه إلا لأنه شيء غريب لم يؤلف.
стр. 352
أقواله
كان الرجل حكيما، وليس ذلك بمستغرب على من اجتمعت فيه هذه الأوصاف التي أشرنا إليها آنفا، وصاحب حديث رسول الله ﷺ جدير بأن تفيض الحكمة على لسانه.
وقد ذكرت الكتب التي ترجمت له بعض هذه الجمل المأثورة الجميلة. فمن ذلك قوله:
" الشهوة الخفية حب الرئاسة. -.
وقوله:
خير الكلام ما دخل الأذن بدون إذن (١).
وقوله:
من اقتصر على لباس دون ومطعم دون أراح جسده - (٢).
وهذه الأقوال وغيرها مما يدل على حكمة رصينة انتهى إليها المؤلف بعد علم ونظر وتمرس بالحياة الفاضلة.
ومما يدل على سيرته وعلى بصره بالعلم العملي وفقهه الحق في الدين قوله متحدثا عن كتابه السنن " جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه. ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أحاديث أحدها قوله ﷺ : «الأعمال بالنيات (٣)».
وقوله ﷺ «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه (٤)».
والثالث قوله ﷺ «لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه (٥)».
والرابع قوله ﷺ «الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات (٦)».
стр. 353
وفاته
توفي أبو داود ﵀ يوم الجمعة ١٥ شوال من سنة ٢٧٥ بالبصرة، ودفن إلى جانب قبر سفيان الثوري بعد أن قدم خدمات جليلة لدينه وأمته وللثقافة الإسلامية.
стр. 354
كتبه
١ - المراسيل:
وقد طبع في القاهرة سنة ١٣١٠ هـ.
ومخطوطاته موجودة في تركيا ومصر وغيرهما، وقد ذكرها سزكين في " تاريخ التراث العربي " - (١).
٢ - مسائل الإمام أحمد:
وهي مرتبة على أبواب الفقه، يذكر فيها أبو داود السؤال الموجه لأحمد وجوابه عليها، وهو كتاب جليل من الناحية الفقهية ينقل لنا بدقة وأمانة آراء الإمام أحمد بن حنبل، وطبع في القاهرة بتحقيق السيد رشيد رضا، وأعيد تصويره في بيروت مؤخرا.
وقد ذكرته معظم الكتب التي ترجمت لأبي داود أو عنيت بإحصاء تراثنا الإسلامي انظر (٢)، وذكر ابن حجر أن أبا عبيد محمد بن علي بن عثمان الآجري الحافظ هو راوي المسائل عنه (٣).
٣ - الناسخ والمنسوخ:
ذكر ابن حجر أن راوي هذا الكتاب عنه (٤) أبو بكر أحمد بن سليمان النجار. ونقل السيوطي عن هذا الكتاب (٥) وذكره إسماعيل البغدادي بعنوان " ناسخ القرآن ومنسوخه " (٦) ".
٤ - إجاباته عن سؤالات أبي عبيد محمد بن علي بن عثمان الآجري:
قال ابن كثير: ولأبي عبيد الآجري عنه " أسئلة في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل " كتاب مفيد (٧) وذكرها سزكين بعنوان: " سؤالات أجاب عنها أبو داود في معرفة الرجال وجرحهم وتعديلهم " وذكر أنها موجودة في كوبريلي وباريس (٨). وذكر أن ابن حجر استخدم هذه الرسالة كثيرا في " تهذيب التهذيب " (٩).
стр. 355
٥ - رسالته في وصف كتاب " السنن ":
وحققتها ونشرتها في مجلة أضواء الشريعة في الرياض العدد الخامس سنة ١٣٩٤ هـ ثم نشرتها مفردة دار العربية في بيروت، وقد سبق أن نشرت في مصر سنة ١٣٦٩ ومخطوطتها في المكتبة الظاهرية في دمشق (١).
٦ - كتاب الزهد:
وتوجد منه نسخة بالقرويين بفاس كما أشار إلى ذلك الأستاذ سزكين (٢).
٧ - تسمية الإخوة الذين روي عنهم الحديث:
وهي رسالة من ثماني ورقات محفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق، وهي من رواية السلفي، ومكتوبة بخط مغربي كما ذكر ذلك الأستاذ ناصر الدين الألباني (٣) وذكر الأستاذ أكرم العمري هذه الرسالة بعنوان " تسمية الإخوة من أهل الأمصار " وقال:
(وقد استفاد أبو داود في تصنيف رسالته " تسمية الإخوة " مما قرأه في كتاب علي بن المديني بخطه، كما استفاد من طريقته في تنظيم المادة، فنجده يرتب الإخوة الذين روي عنهم الحديث على المدن، وقد اكتفى أبو داود بتجريد الأسماء ولم يقتصر على ذكر الصحابة، بل ذكر من تلاهم أيضا " (٤).
وذكر الأستاذ العمري في تعليقه في الصفحة نفسها (٥) أن الرسالة تقع في ٧ ورقات وأن الورقة ٢٤ سطرا وأنها مكتوبة بخط ناعم، وذكر سزكين أنها مكتوبة في القرن السادس الهجري (٦).
٨ - أسئلة لأحمد بن حنبل عن الرواة والثقات والضعفاء:
قال الأستاذ الشيخ محمد ناصر الدين الألباني:
(رتبت أسماؤهم على أسماء بلادهم، ثقات مكة، ثقات المدينة. . .، وينتهي بضعفاء المدينة.) " فهرس مخطوطات الظاهرية " ص ١٦١. وهي نسخة ناقصة من أولها، وموجودة في الظاهرية " فهرس مخطوطات الظاهرية " ص ١٦١. .
٩ - كتاب القدر:
وذكر ابن حجر في " تهذيب التهذيب " باسم " الرد على أهل القدر " وذكر أن راوي هذا الكتاب عنه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يعقوب المتوثي البصري (٧).