← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ملابسه يبدو أن الرجل كان يخترع في كيفية خياطة الملابس ما يتلاءم وحياته، فهو قد وقف نفسه على العلم، فكل ما يساعده من اللباس على حمل كتب واصطحابها فهو اللباس الجيد، لأن العلم أضحى عنده هو كل شيء؛ ذكروا أنه كان له كم واسع وضيق، ولما سئل قال: الواسع للكتب والآخر لا نحتاج إليه - (١). وما سأله السائل عنه إلا لأنه شيء غريب لم يؤلف.

стр. 352

أقواله كان الرجل حكيما، وليس ذلك بمستغرب على من اجتمعت فيه هذه الأوصاف التي أشرنا إليها آنفا، وصاحب حديث رسول الله ﷺ جدير بأن تفيض الحكمة على لسانه. وقد ذكرت الكتب التي ترجمت له بعض هذه الجمل المأثورة الجميلة. فمن ذلك قوله: " الشهوة الخفية حب الرئاسة. -. وقوله: خير الكلام ما دخل الأذن بدون إذن (١). وقوله: من اقتصر على لباس دون ومطعم دون أراح جسده - (٢). وهذه الأقوال وغيرها مما يدل على حكمة رصينة انتهى إليها المؤلف بعد علم ونظر وتمرس بالحياة الفاضلة. ومما يدل على سيرته وعلى بصره بالعلم العملي وفقهه الحق في الدين قوله متحدثا عن كتابه السنن " جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه. ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أحاديث أحدها قوله ﷺ : «الأعمال بالنيات (٣)». وقوله ﷺ «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه (٤)». والثالث قوله ﷺ «لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه (٥)». والرابع قوله ﷺ «الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات (٦)».

стр. 353

وفاته توفي أبو داود ﵀ يوم الجمعة ١٥ شوال من سنة ٢٧٥ بالبصرة، ودفن إلى جانب قبر سفيان الثوري بعد أن قدم خدمات جليلة لدينه وأمته وللثقافة الإسلامية.

стр. 354

كتبه ١ - المراسيل: وقد طبع في القاهرة سنة ١٣١٠ هـ. ومخطوطاته موجودة في تركيا ومصر وغيرهما، وقد ذكرها سزكين في " تاريخ التراث العربي " - (١). ٢ - مسائل الإمام أحمد: وهي مرتبة على أبواب الفقه، يذكر فيها أبو داود السؤال الموجه لأحمد وجوابه عليها، وهو كتاب جليل من الناحية الفقهية ينقل لنا بدقة وأمانة آراء الإمام أحمد بن حنبل، وطبع في القاهرة بتحقيق السيد رشيد رضا، وأعيد تصويره في بيروت مؤخرا. وقد ذكرته معظم الكتب التي ترجمت لأبي داود أو عنيت بإحصاء تراثنا الإسلامي انظر (٢)، وذكر ابن حجر أن أبا عبيد محمد بن علي بن عثمان الآجري الحافظ هو راوي المسائل عنه (٣). ٣ - الناسخ والمنسوخ: ذكر ابن حجر أن راوي هذا الكتاب عنه (٤) أبو بكر أحمد بن سليمان النجار. ونقل السيوطي عن هذا الكتاب (٥) وذكره إسماعيل البغدادي بعنوان " ناسخ القرآن ومنسوخه " (٦) ". ٤ - إجاباته عن سؤالات أبي عبيد محمد بن علي بن عثمان الآجري: قال ابن كثير: ولأبي عبيد الآجري عنه " أسئلة في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل " كتاب مفيد (٧) وذكرها سزكين بعنوان: " سؤالات أجاب عنها أبو داود في معرفة الرجال وجرحهم وتعديلهم " وذكر أنها موجودة في كوبريلي وباريس (٨). وذكر أن ابن حجر استخدم هذه الرسالة كثيرا في " تهذيب التهذيب " (٩).

стр. 355

٥ - رسالته في وصف كتاب " السنن ": وحققتها ونشرتها في مجلة أضواء الشريعة في الرياض العدد الخامس سنة ١٣٩٤ هـ ثم نشرتها مفردة دار العربية في بيروت، وقد سبق أن نشرت في مصر سنة ١٣٦٩ ومخطوطتها في المكتبة الظاهرية في دمشق (١). ٦ - كتاب الزهد: وتوجد منه نسخة بالقرويين بفاس كما أشار إلى ذلك الأستاذ سزكين (٢). ٧ - تسمية الإخوة الذين روي عنهم الحديث: وهي رسالة من ثماني ورقات محفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق، وهي من رواية السلفي، ومكتوبة بخط مغربي كما ذكر ذلك الأستاذ ناصر الدين الألباني (٣) وذكر الأستاذ أكرم العمري هذه الرسالة بعنوان " تسمية الإخوة من أهل الأمصار " وقال: (وقد استفاد أبو داود في تصنيف رسالته " تسمية الإخوة " مما قرأه في كتاب علي بن المديني بخطه، كما استفاد من طريقته في تنظيم المادة، فنجده يرتب الإخوة الذين روي عنهم الحديث على المدن، وقد اكتفى أبو داود بتجريد الأسماء ولم يقتصر على ذكر الصحابة، بل ذكر من تلاهم أيضا " (٤). وذكر الأستاذ العمري في تعليقه في الصفحة نفسها (٥) أن الرسالة تقع في ٧ ورقات وأن الورقة ٢٤ سطرا وأنها مكتوبة بخط ناعم، وذكر سزكين أنها مكتوبة في القرن السادس الهجري (٦). ٨ - أسئلة لأحمد بن حنبل عن الرواة والثقات والضعفاء: قال الأستاذ الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: (رتبت أسماؤهم على أسماء بلادهم، ثقات مكة، ثقات المدينة. . .، وينتهي بضعفاء المدينة.) " فهرس مخطوطات الظاهرية " ص ١٦١. وهي نسخة ناقصة من أولها، وموجودة في الظاهرية " فهرس مخطوطات الظاهرية " ص ١٦١. . ٩ - كتاب القدر: وذكر ابن حجر في " تهذيب التهذيب " باسم " الرد على أهل القدر " وذكر أن راوي هذا الكتاب عنه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يعقوب المتوثي البصري (٧).

стр. 356

وقال سزكين: اقتبس منه ابن حجر في كتابه " الإصابة " (١). ١٠ - كتاب البعث والنشور: ذكره بروكلمان وذكر أنه موجود في دمشق (٢). ١١ - المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد: ذكره سزكين وقال: إنه موجود في دمشق (٣). ١٢ - دلائل النبوة: ذكره إسماعيل البغدادي (٤) وابن حجر في " تهذيب التهذيب " (٥). ١٣ - التفرد في السنن: ذكره إسماعيل البغدادي (٦). ١٤ - فضائل الأنصار: ذكره ابن حجر في مقدمة كتابه " تقريب التهذيب " (٧). ١٥ - مسند مالك: ذكره ابن حجر في مقدمة كتابه " تقريب التهذيب " (٨). ١٦ - الدعاء: ذكره ابن حجر في مقدمة " تهذيب التهذيب " (٩). ١٧ - ابتداء الوحي: ذكره ابن حجر في مقدمة " تهذيب التهذيب " (١٠). ١٨ - أخبار الخوارج: ذكره ابن حجر في مقدمة " تهذيب التهذيب " (١١).

стр. 357

الباب الثاني: سنن أبي داود هذا الكتاب من أهم كتب الإسلام كما أسلفنا، وهو أحد الكتب الستة التي تقبلتها الأمة بقبول حسن، وسنحاول في هذا الباب دراسته والتعرف لأهم خصائصه وشروحه ومختصراته، ومن ثم نتعرف إلى منزلته. اسم الكتاب الاسم المعروف به هو " السنن " ويبدو " أن المؤلف نفسه سماه بهذا الاسم، نستدل على ذلك من قوله في رسالته إلى أهل مكة: (فإنكم سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب " السنن " أهي أصح ما عرفت في الباب؟) (١). وقوله في الرسالة المذكورة أيضا: (وإن من الأحاديث في كتابي " السنن " ما ليس بمتصل، وهو مرسل. . .) (٢). وكذلك فإن العلماء على مر العصور كانوا يدعون كتابه بالسنن.

стр. 358

ومن المفيد أن نتعرف إلى مدلول كلمة " السنن ": السنن جمع سنة وهي لغة: الطريقة المسلوكة المتبعة. والسنة عند جمهور العلماء ترادف الحديث وهو قول النبي ﷺ وفعله وتقريره وصفته، وقد ذهب بعضهم إلى أن هناك فرقا بين الكلمتين، وهو أن السنة هي الواقع العملي لمجتمع الإسلام في عهد الرسول ﷺ والصحابة، ويتضح هذا التفريق في مثل قول عبد الرحمن بن مهدي عندما سئل عن سفيان بن عيينة ومالك والأوزاعي. فقال: الأوزاعي إمام في السنة وليس بإمام في الحديث، وسفيان إمام في الحديث وليس بإمام في السنة ومالك إمام فيهما. وقد فرق بعضهم بين الكلمتين تفريقا قريبا من هذا فذهب إلى أن الحديث قول النبي وفعله وتقريره ووصفه. أما السنة فهي التي تعني حكما تشريعيا سواء روي فيه كلام أم لا. وهناك استعمال خاص للسنن وهو أوثق صلة بموضوع بحثنا، وقد ذكره الكتاني في كتابه القيم " الرسالة المستطرفة " فقال: وهي في اصطلاحهم الكتب المرتبة على الأبواب الفقهية من الإيمان والطهارة والصلاة والزكاة، وليس فيها شيء من الموقوف، لأن الموقوف لا يسمى في اصطلاحهم سنة، ويسمى حديثا) (١). وهكذا فإن كتب السنن ينبغي أن تتوافر فيها الأمور الآتية: ١ - أن تكتفي بذكر الأحاديث وألا يذكر فيها شيء من الآثار. ٢ - أن تكون هذه الأحاديث متعلقة بالأحكام. ٣ - أن ترتب الأحاديث على أبواب الفقه (٢). ومن هنا يتضح لنا لماذا سمي كتابه السنن، فذلك لأنه جمع أحاديثه من وجهة فقهية فلم يضمنه غير أحاديث الفقه والتشريع، مما ورد في الأخلاق والأخبار والزهد ونحو ذلك (٣). قال في " رسالته إلى أهل مكة ": (وإنما لم أصنف في كتاب السنن إلا الأحكام، ولم أصنف كتب الزهد وفضائل الأعمال وغيرها) (٤). ونقل بعضهم ممن لا علم لديهم ولا تحقيق عن القرطبي أنه سمى كتاب أبي داود في تفسيره " مصنف أبي داود "، وما أظنه إلا أنه يريد بذلك كتابه وليست تلك تسمية جديدة.

стр. 359

وقد يطلقون على كتاب أبي داود ونحوه لفظ الصحاح، قال حاجي خليفة ينقل عن ابن السبكي قوله في " سنن أبي داود ": (وهي من دواوين الإسلام، والفقهاء لا يتحاشون من إطلاق لفظ الصحاح عليها وعلى سنن الترمذي، ولا سيما سنن أبي داود) (١). وقد جاء في كلام لأبي داود نقله محمد بن صالح الهاشمي ما قد يفيد أنه سماه " المسند " قال أبو داود: (أقمت بطرسوس عشرين سنة أكتب المسند، فكتبت أربعة آلاف حديث) (٢) ولعله لا يريد بالمسند الاسم الخاص المصطلح عليه.

стр. 360

هل هو أول من صنف السنن ذهب بعضهم إلى أن أبا داود هو أول من صنف في السنن قال الأستاذ الكتاني: (وهو أول من صنف في السنن، وفيه نظر يتبين مما يأتي) (١). ومهما يكن من أمر فإن من المؤكد أن أبا داود كان من السابقين إلى التأليف في هذا المجال؛ ذلك لأن مجرد اختلاف العلماء في كونه أول من صنف في السنن يدل بوضوح على سبقه في ذلك الصدد. ومن الصعب دائما الجزم بالأوليات، ويغلب على من يتشدد ويذهب مذهبا معينا في الجزم يغلب عليه أنه يقع في الغلط. ويذهب الخطابي إلى أن أبا داود لم يسبق إلى الإجادة في جمع السنن فقال: (فأما السنن المحضة فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبي داود) (٢). وقال الخطابي أيضا: (وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدما ما، سبقه إليه ولا متأخرا لحقه فيه) (٣).

стр. 361

ثناء العلماء على السنن لن أستطيع الحصر ولا الاستقصاء لو أردت أن أذكر كل ما قيل في الثناء على هذا الكتاب العظيم ولذلك فسأكتفي بإيراد بعض الكلمات لأشهر العلماء: * قال أبو زكريا الساجي: كتاب الله أصل الإسلام، وكتاب " السنن " لأبي داود عهد الإسلام. (١). * وقال محمد بن مخلد: لما صنف أبو داود " السنن " وقرأه على الناس صار كتابه لأهل الحديث كالمصحف يتبعونه، وأقر له أهل زمانه بالحفظ فيه (٢). * وقال ابن الأعرابي وأشار إلى النسخة وهي بين يديه: لو أن رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب الله ثم هذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شيء من العلم البتة. (٣). وعلق الخطابي على كلمة ابن الأعرابي هذه فقال: (وهذا - كما قال - لا شك فيه، لأن الله تعالى أنزل كتابه تبيانا لكل شيء وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٤) فأخبر سبحانه أنه لم يغادر شيئا من أمر الدين لم يتضمن بيانه الكتاب، إلا أن البيان على ضربين: بيان جلي تناوله الذكر نصا، وبيان خفي اشتمل عليه معنى التلاوة ضمنا؛ فما كان من هذا الضرب كان تفصيل بيانه موكولا إلى النبي ﷺ وهو معنى قوله سبحانه ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٥) فمن جمع بين الكتاب والسنة فقد استوفى وجهي البيان، وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدما سبقه إليه ولا متأخرا لحقه فيه (٦).

стр. 362

وقال الخطابي أيضا: (كتاب السنن لأبي داود كتاب شريف لم يصنف في علم الدين كتابه مثله، وقد رزق القبول من الناس كافة فصار حكما بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم فلكل فيه ورد ومنه شرب، وعليه معول أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب وكثير من مدن أقطار الأرض. فأما أهل خراسان فقد أولع أكثرهم بكتابي محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج (١) ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاد، إلا أن كتاب أبي داود أحسن رصفا وأكثر فقها) (٢). وقال الخطابي أيضا: (اعملوا أن الحديث عند أهله على ثلاثة أقسام: حديث صحيح، وحديث حسن، وحديث سقيم. فالصحيح عندهم ما اتصل سنده وعدلت نقلته، والحسن منه ما عرف مخرجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء، وكتاب أبي داود جامع لهذين النوعين من الحديث، فأما السقيم منه فعلى طبقات شرها الموضوع ثم المقلوب - أعني ما قلب إسناده - ثم المجهول، وكتاب أبي داود خلي منها برئ من جملة وجوهها، فإن وقع فيه شيء من بعض أقسامها لضرب من الحاجة تدعوه إلى ذكره فإنه لا يألو أن تبين أمره ويذكر علته ويخرج من عهدته. وحكي لنا عن أبي داود أنه قال: ما ذكرت في كتابي حديثا اجتمع الناس على تركه ". وكان تصنيف علماء الحديث - قبل زمان أبي داود - الجوامع والمسانيد ونحوهما، فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخبارا وقصصا ومواعظ وآدابا، فأما السنن المحضة فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبي داود، ولذلك حل هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محل العجب فضربت فيه أكباد الإبل ودامت إليه الرحل) (٣). * وقال أبو حامد الغزالي عن " سنن أبي داود ": " إنها تكفي المجتهد في أحاديث الأحكام ". * وقال ابن القيم: (لما كان كتاب " السنن " لأبي داود ﵀ من الإسلام بالموضع الذي خصه الله به، بحيث صار حكما

стр. 363

بين أهل الإسلام، وفصلا في موارد النزاع والخصام، فإليه يتحاكم المنصفون، وبحكمه يرضي المحققون، فإنه جمع شمل أحاديث الأحكام، ورتبها أحسن ترتيب ونظمها أحسن نظام، مع انتقائها أحسن انتقاء، واطراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء) (١).

стр. 364

تأليفه ألف: أبو داود كتابه " السنن " في وقت مبكر، وعني بتأليفه وترتيبه عناية بالغة، وأعاد النظر فيه مرات متعددة. هذا أمر لا شك فيه. أما كونه ألفه في وقت مبكر فيدلنا على ذلك ما ذكره مترجمو أبي داود من أن المؤلف روى كتابه " السنن " ببغداد ونقله عن أهلها، ويقال: إنه صنفه قديما وعرضه على أحمد بن حنبل فاستجاده واستحسنه، والإمام أحمد متوفى سنة ٢٤١ هـ. وقد يمكننا هذا النص أن نفهم أنه ألف الكتاب قبل أن يأتي بغداد، ولعله ألفه في طرسوس، لأنه جاء في أخباره أنه ألف المسند بطرسوس ومكث في ذلك مدة طويلة يبذل جهده في الاختيار والانتقاء والتبويب والترتيب. قال محمد بن صالح الهاشمي (١). (قال أبو داود: أقمت بطرسوس عشرين سنة أكتب المسند، فكتبت أربعة آلاف حديث، ثم نظرت فإذا مدار الأربعة آلاف على أربعة أحاديث لمن وفقه الله) ثم ذكر الأحاديث. وواضح أنه يريد بالمسند كتابه " السنن " لأن قريبا من هذا النص نقله عنه ابن داسة مصرحا فيه بذكر السنن (٢)، وعدد أحاديث كتاب " السنن " قريب من هذا الرقم. ومما يؤكد لنا أن تأليفه كان في وقت مبكر من حياته النظر في مجموع أخباره فهناك ما يدل على أن الرجل بذل به عناية فائقة وأنفق في ذلك مدة طويلة وأنه عرض هذا الكتاب بعد تمامه على الإمام أحمد المتوفى سنة ٢٤١ فإذا كان أبو داود قد ولد سنة ٢٠٢ واستغرق مدة عشر سنوات في تأليفه وافترضنا أنه عرضه عليه قبل وفاته بخمس سنوات، فيكون عمر المؤلف عند ذلك بضعا وعشرين سنة، أي في وقت النشاط والقدرة. وهذا وقت مبكر جدا.

стр. 365

وأما كونه عني به عناية بالغة فهذا أمر تدل عليه دلائل كثيرة كلها تقطع بأن المؤلف بذل مجهودا كبيرا وأنه نظر فيه ونقحه وقرأه مرات وكان يزيد فيه وينقص. من هذه الدلائل ما ذكره راوي هذا الكتاب الإمام الحافظ أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي الذي قال بعد أن روى الحديث ٩١١ ما يلي: (هذا الحديث لم يقرأه أبو داود في العرضة الرابعة) (١) وقال صاحب " عون المعبود " في شرح ذلك: (أي لما حدث وقرأ أبو داود هذا الكتاب في المرة الرابعة لم يقرأ هذا الحديث) (٢). ومن هذه الدلائل قول علي بن الحسن بن العبد: (سمعت كتاب السنن من أبي داود ست مرار. بقيت من المرة السادسة بقية) (٣) وفي تتمة الخبر أنه قرأها في السنة التي مات فيها وهي سنة ٢٧٥ هـ. أي أن المؤلف ظل يقرأ الكتاب ويذيعه في الناس مدة تقرب من أربعين سنة فلا عجب أن يكون واحد كعلي بن الحسن قد سمع منه هذا ست مرات. ومن هذه الدلائل ما نقله أبو بكر بن داسة عن أبي داود حيث يقول: (كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب - يعني كتاب السنن - جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث ذكرت فيها الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما فيه وهن شديد بينته، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث: أحدها: قوله ﷺ : «الأعمال بالنيات (٤)». والثاني: قوله ﷺ : «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه (٥)». والثالث: قوله: ﷺ : «لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه (٦)». والرابع: قوله: ﷺ : «الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات (٧)». ومما يدل على عنايته وإجادته لهذا الكتاب تعليق الذهبي على كلام أبي داود الذي نقله ابن داسة والمتضمن وعدا بتبيين الضعيف الظاهر. قال الذهبي: (وقد وفى بذلك فإنه بين الضعيف الظاهر، وسكت عن الضعيف المحتمل) (٨).

стр. 366

رواياته نتوقع أن يكون هذا الكتاب قد روي من طرق كثيرة، غير أن الرواة الذين ذكرهم العلماء تسعة وقد أوردنا أسماءهم في كلامنا على تلامذته. والحق أن هؤلاء الرواة الذين عرفناهم - وغيرهم كثير ممن لم نقف على أسماءهم - قد أدوا خدمة جليلة لكتاب أبي داود، وللسنة بوجه عام، فجزاهم الله عن ذلك خير الجزاء. وقد انتهيت من بحثي إلى كتاب " السنن " متواتر إلى صاحبه دون شك. وأن أولئك الدساسين الذين يريدون أن يشككوا المسلمين بكتب ثقافتهم الدينية وبالأصول الإسلامية قوم دفعهم إلى ذلك التعصب الأعمى والحقد الدفين. ذكر العلماء أن الروايات عن أبي داود بكتابه " السنن " كثيرة جدا وهذا أمر طبيعي، لأن رجلا ظل يقرئ كتابه مدة تقرب من أربعين سنة لا بد أن يكون عدد الذين رووه عنه كبيرا، لا سيما أن أبا داود - كما سبق أن أشرنا إلى ذلك في ترجمة حياته - محدث مشهور يقصده الناس لعلمه وفضله حتى إن الدولة رأت في سكناه بالبصرة سببا لإحياء المدينة الميتة وعمارة القرية الخربة. ومن عادة المؤلفين أنهم دائما في تنقيح مستمر لكتبهم، يقدمون ويؤخرون ويزيدون وينقصون، وكلما نظروا في أثر من آثارهم رأوا أنه بحاجة إلى تعديل. ومن أجل ذلك كان كلام الحافظ ابن كثير عن روايات سنن أبي داود هو الكلام الطبيعي الذي جاء نتيجة لما ذكرنا. قال في " مختصر علوم الحديث ": (الروايات عند أبي داود بكتابه السنن كثيرة جدا، ويوجد في بعضها من الكلام بل والأحاديث ما ليس في الأخرى) (١). ولذلك كان أبو داود يحذف بعض الأحاديث ويزيد بعضا في محاولات تنقيح الكتاب وإحكام تربيته، وقد مر معنا كلام اللؤلؤي الذي يذكر فيه أن أبا داود في المرة الرابعة لم يقرأ حديثا - ذكره - ويحسن بنا أن نتعرف إلى أصحاب هذه الروايات وهم: ١ - أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي: وهذه النسبة تتصل بالمهنة، فهي نسبة إلى اللؤلؤ لأنه كان يبيعه وقد توفي (٢) سنة ٣٣٣ هـ.

стр. 367

وروايته من أصح الروايات لأنها من آخر ما أملى أبو داود فقد سمع السنن مرات عديدة كانت آخرهن في السنة التي توفي فيها أبو داود: سنة ٢٧٥ هـ. وقد روى عن اللؤلؤي هذه السنن القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي أبو عمر، وهو ممن ترجم له الخطيب (١) وذكر أنه من أهل البصرة وعدد أساتذته فذكر منهم اللؤلؤي وعبد الفاخر بن سلامة الحمصي ومحمد بن أحمد الأثرم وعلي بن إسحاق المارديني ويزيد بن إسماعيل الخلال ومحمد بن الحسين الزعفراني الواسطي، وأثنى عليه الخطيب (٢) فقال: (" كان ثقة أمينا، ولي القضاء بالبصرة، وسمعت منه بها " سنن أبي داود ") وذكر أنه ولد سنة ٣٢٢ وتوفي سنة ٤١٤ هـ. وقد روى عن القاسم الهاشمي هذه السنن الخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣ والخطيب البغدادي إمام ثقة ذائع الصيت (٣). ورواية الخطيب هي التي اعتمدت بالنسبة للشائع مع نسخ أبي داود برواية اللؤلؤي. ومن المفيد أن نذكر أن ابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ قد ألف كتابه " الإشراف على معرفة الأطراف " (٤) الذي جمع فيه أطراف " سنن أبي داود " معتمدا على رواية اللؤلؤي (٥). أما المزي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ فقد جمع في كتابه " تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف " أطراف أحاديث " سنن أبي داود " من الروايات الأربعة وهي روايات: اللؤلؤي، وابن داسة، وابن العبد، وابن الأعرابي، بحيث يورد حديث السنن ثم يقول: أخرجه أبو داود في باب كذا، فإن كان ذلك الحديث موجودا في رواية اللؤلؤي يسكت عنه ولا يقول: إن هذا الحديث من رواية اللؤلؤي سواء كان ذلك الحديث في باقي الروايات الثلاثة موجودا أم لا. وإن لم يكن الحديث من رواية اللؤلؤي، بل من رواية الثلاثة الآخرين أو من رواية واحد منهم فيقول بعد إخراجه: حديث أبي داود في رواية ابن داسة مثلا أو رواية ابن العبد مثلا أو في رواية ابن الأعرابي مثلا أو في رواية هؤلاء الثلاثة أو اثنين منهم (٦). ٢ - أبو بكر محمد بن بكر بن عبد الرازق بن داسة التمار: المتوفى سنة ٣٤٦ هـ. وروايته مشهورة ولا سيما في بلاد المغرب وتقارب رواية اللؤلؤي. والاختلاف بينهما غالبا بالتقديم والتأخير (٧).

стр. 368

وقد وصلت إلينا بعض المخطوطات برواية ابن داسة وقد اعتمد على واحدة منها صاحب عون المعبود " عون المعبود " ٤/ ٥٤٧. ونقل عن السيوطي قوله فيها: وروايته أكمل الروايات (١) وقال: إن كثيرا من الروايات موجودة في رواية ابن داسة وليس هو في رواية اللؤلؤي كما نبهت على ذلك في مواضعها من هذا الشرح " عون المعبود " ٤/ ٥٤٧. كما سنشير إلى ذلك في موضعه إن شاء الله. وقد أتيح لي أن أقف على نسخة مصححة على مخطوطة أثبتت الفروق بين رواية ابن داسة واللؤلؤي. ٣ - أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم البصري المعروف بابن الأعرابي (٢): صاحب التصانيف، الإمام الزاهد الحافظ شيخ الحرم. كان أبو داود أحد أساتذته وقد سمع منه " السنن ". ومن شيوخه أيضا الحسن بن محمد الزعفراني ومحمد بن عبد الملك الدقيقي. وروى عنه ابن المقرئ وابن منده وأحمد بن محمد بن مفرج القرطبي. ولد ابن الأعرابي سنة ٢٤٦ وتوفي ٣٤٠ هـ. وقد سقط من نسخته كتاب الفتن والملاحم والحروف والقراءات والخاتم ونحو النصف من كتاب اللباس، وفاته أيضا من كتاب الوضوء والصلاة والنكاح أوراق كثيرة (٣). ٤ - أبو الحسن علي بن الحسن بن العبد الأنصاري المتوفى سنة ٣٢٨: ويعرف بأبي الحسن الوراق سمع أبا داود السجستاني وعثمان بن خرزاذ الأنطاكي؛ روى عنه الدارقطني (٤). وهذه الرواية فيها من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ما ليس في رواية اللؤلؤي (٥). وقد جاء في آخر مخطوطة الرسالة التي في وصف السنن نص ينقل عن هذا الراوي (علي بن الحسن بن العبد) وهو قوله: (سمعت كتاب السنن من أبي داود ست مرار بقيت من المرة السادسة بقية) وقد سبق أن أوردت هذا الكلام (٦).

стр. 369

٥ - أبو أسامة محمد بن عبد الملك الرؤاسي لم أجد لهؤلاء الرواة تراجم مفصلة تنقع الغلة، ولعلي أجد ذلك أو شيئا منه في المستقبل. . ٦ - أبو سالم محمد بن سعيد الجلودي (١). ٧ - أبو عمرو أحمد بن علي بن الحسن البصري (٢). ٨ - أبو الطيب أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الأشناني (٣). ٩ - أبو عيسى إسحاق بن موسى بن سعيد الرملي الوراق المتوفى سنة ٣٢٠ هـ وقالوا: إنه وراق أبي داود (٤).

стр. 370

تجزئة الكتاب ذكر: أبو داود في " رسالته إلى أهل مكة " أن عدد كتب هذه السنن ١٨ جزءا مع المراسيل، منها جزء واحد مراسيل. ويبدو أن النساخ والرواة جزءوا الكتاب إلى أجزاء، ومن أجل ذلك فهذه التجزئة تختلف من إنسان لآخر. أما تجزئة الخطيب البغدادي وهو الذي روى سنن أبي داود برواية اللؤلؤي فتبلغ تقديرا حوالي ٣٠ جزءا لأنه يفهم من تعليقات المحقق الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد أن عدد أجزاء المقدار المطبوع في الجزأين الأولين بلغ ١٤ جزءا من تجزئة الخطيب البغدادي (١). وقد استعرضت الجزأين الثالث والرابع فلم أجد المحقق ذكر شيئا عن هذه التجزئة. وفي عصر الطباعة رأينا كتاب أبي داود مطبوعا في جزء مرة، ورأيناه مرة أخرى مطبوعا في جزأين، ورأيناه مطبوعا مرة ثالثة بأربعة أجزاء.

стр. 371

أقسام الكتاب وتبويبه ١ - خلا الكتاب من المقدمة، وهذا موضع تعجب، ذلك لأن مؤلفه كتب رسالة في وصف سننه وهي أحسن ما تكون توضيحا لعمله وعرضا لخطته ووضعا للأمور في نصابها، ولو أن قائلا ذهب إلى أنها تصلح أن تسد مسد المقدمة لما كان مخطئا.

стр. 372

وليس أبو داود وحده الذي خلا كتابه من المقدمة، بل شاركه في ذلك غيره، فالبخاري أيضا لم يكتب لجامعه الصحيح مقدمة، لكن الفرق بينهما أن البخاري ﵀ لم يتح له النظر في كتابه بعد تأليفه (١)، أما أبو داود فقد بقي يقرأ " السنن " ويذيعها بين الناس أربعين سنة كما أسلفنا. ولعل الأمر يتعلق بأطوار التأليف، إذ ليس البخاري وأبو داود وحدهما لم يكتبا مقدمات لكتبهما، بل نجد كذلك الإمام أحمد لم يكتب مقدمة لمسنده وابن المبارك لم يكتب مقدمة لكتابيه: الزهد، والجهاد. ٢ - ينقسم كتاب " السنن " إلى كتب كبيرة بلغت ٣٦ كتابا هي: (١) الطهارة - (٢) الصلاة - (٣) الزكاة - (٤) اللقطة - (٥) المناسك - (٦) النكاح - (٧) الطلاق - (٨) الصوم - (٩) الجهاد - (١٠) الضحايا - (١١) الصيد - (١٢) الوصايا - (١٣) الفرائض - (١٤) الخراج والإمارة والفيء - (١٥) الجنائز - (١٦) الأيمان والنذور - (١٧) البيوع - (١٨) الإجارة - (١٩) الأقضية - (٢٠) العلم - (٢١) الأشربة - (٢٢) الأطعمة - (٢٣) الطب - (٢٤) العتق - (٢٥) الحروف والقراءات - (٢٦) الحمام - (٢٧) اللباس - (٢٨) الترجل - (٢٩) الخاتم - (٣٠) الفتن - (٣١) المهدي - (٣٢) الملاحم - (٣٣) الحدود - (٣٤) الديات - (٣٥) السنة - (٣٦) الأدب. ٣ - وكل كتاب من هذه الكتب ينقسم إلى أبواب، باستثناء ثلاثة كتب لم نجد فيها أبوابا هي: كتاب اللقطة - وكتاب الحروف والقراءات - وكتاب المهدي. ولا يستوي عدد أبواب الكتب، فبينما نجد كتابا يشتمل على أكثر من مائة باب ككتاب الصلاة - - الذي يشتمل على ثلاثمائة باب وسبعة وستين بابا - نجد كتابا لا تتجاوز أبوابه الثلاثة ككتاب الحمام الذي اشتمل على ثلاثة أبواب فقط. ٤ - وقد نجد بابا كبيرا تحته أبواب كثيرة، وذلك كالباب الذي جاء بعنوان " باب تفريع أبواب الجمعة " (٢)، وقد جاء تحته ٣٨ بابا. وكالباب الذي جاء بعنوان " جماع أبواب الاستسقاء وتفريعها " (٣)، وقد جاء تحته ثلاثة أبواب. ٥ - هذا وليست الأبواب متساوية في حجمها وإن كان يغلب على معظمها القصر، فقلما نجد بابا يجاوز الصفحة. بل أكثر الأبواب قصيرة قصرا واضحا، وربما لا يكون في الباب إلا أثر، كما في الباب الآتي: (باب إخفاء التشهد حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي، ثنا يونس - يعني ابن بكير - عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن

стр. 373

بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله قال: من السنة أن يخفي التشهد) (١). وقد صرح أبو داود في " رسالته إلى أهل مكة " أنه يعتمد قلة الأحاديث في الباب فقال: (ولم أكتب في الباب إلا حديثا أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح؛ لأنه يكبر، وإنما أردت قرب منفعته) (٢). وهذه الخاصة من أبرز خصائص السنن، وكأن أبا داود استخرج من الحديث أو الحديثين أبرز ما فيهما فجعله عنوان الباب، أو كأنه أدخل تحت العنوان أبرز الأحاديث عليه، ولذا يستطيع المرء أن يعثر على الحديث المطلوب بسهولة؛ لأن الباب قليل الأحاديث، ومن هنا قربت منفعته على حد تعبير أبي داود. وأكد أبو داود حرصه على قلة الأحاديث في الباب فقال في " رسالته إلى أهل مكة ": (وإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة فإنما هو من زيادة كلام فيه) (٣)، أي من أجل زيادة كلام فيه، على أننا قد نقف على بعض الأبواب الطويلة، وذلك كباب صفة حجة النبي ﷺ الذي استغرق سبع صفحات (٤). ولعل السبب يعود إلى موضوع الباب نفسه. ٦ - وأخيرا فإن مجموع عدد أبواب كتاب " السنن " حسب إحصاء الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد هو ١٨٨٩ بابا.

стр. 374

درجات أحاديث الكتاب وأنواعها يذكر: العلماء كتاب " السنن " لأبي داود على أنه من مظان الحديث الحسن. قال ابن الصلاح: (روينا عنه - أي عن أبي داود - أنه قال: ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما كان فيه وهن شديد بينته، وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح، وبعضهما أصح من بعض) (١)، وعقب ابن الصلاح على ذلك بقوله: (فعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكورا مطلقا وليس في واحد من الصحيحين ولا نص على صحته أحد عرفنا أنه الحسن عند أبي داود) (٢).

стр. 375

وسنرى بعد قليل أن هذا الرأي موضع نظر لدى المحققين. هذا وقد حلل البقاعي في " حاشيته على الألفية " كلام أبي داود المتقدم وانتهى إلى أن هناك - على قول أبي داود - ستة أنواع من الأحاديث في كتابه وهي: ١ - الأول الصحيح: ويجوز أن يريد به الصحيح لذاته. ٢ - الثاني شبهه: ويجوز أن يريد به الصحيح لغيره. ٣ - الثالث مقاربة: ويجوز أنه يريد به الحسن لذاته. ٤ - الرابع الذي فيه وهن شديد. ٥ - وقوله (وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح) يفهم منه الذي فيه وهن ليس بشديد فهو قسم خامس، فإن لم يعتضد كان قسما صالحا للاعتبار فقط. ٦ - وإن اعتضد صار حسنا لغيره، أي للهيئة المجموعة وصلح للاحتجاج وكان قسما سادسا) (١). وكذلك فإن الذهبي ذكر في " سير أعلام النبلاء " أن الأحاديث في " سنن أبي داود " ستة أنواع فقال: ١ - إن أعلى ما في كتاب أبي داود من الثابت ما أخرجه الشيخان وذلك نحو شطر الكتاب. ٢ - ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين ورغب عنه الآخر. ٣ - ثم يليه ما رغبا عنه وكان إسناده جيدا سالما من علة وشذوذ. ٤ - ثم يليه ما كان إسناده صالحا وقبله العلماء لمجيئه من وجهين لينين فصاعدا. ٥ - ثم يليه ما ضعف إسناده لنقص حفظ راويه، فمثل هذا يسكت عنه أبو داود غالبا. ٦ - ثم يليه ما كان بين الضعف من جهة راويه، فهذا لا يسكت عنه بل يوهنه غالبا، وقد يسكت عنه بحسب شهرته ونكارته) (٢). والحق أن أحاديث أبي داود متفاوتة المراتب ومثل هذا التصنيف يعطي فكرة مناسبة عن أحاديث الكتاب، هذا وقد شهد العلماء بأن أبا داود قد وفى بوعده بتبيين ما فيه وهن شديد. نقل السبكي عن الذهبي قوله الآتي: (وقد وفى بذلك فإنه بين الضعيف الظاهر وسكت عن الضعيف المحتمل، فما سكت عنه لا يكون حسنا عنده ولا بد، بل قد يكون مما فيه ضعف) (٣). وبالغ الحافظ السلفي فزعم أن ما في سنن أبي داود صحيح، فقد ذكر الكتب الخمسة وقال: (اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب).

стр. 376

فرد عليه ابن الصلاح وقال: (وهذا تساهل، لأن فيها ما صرحوا بكونه ضعيفا أو منكرا أو نحو ذلك من أوصاف الضعيف، وصرح أبو داود فيما قدمنا روايته عنه بانقسام ما في كتابه إلى صحيح وغيره) (١). وكلام ابن الصلاح هذا صحيح، وإن كان المحققون من العلماء - كما رأيت - لا يوافقونه على رأيه الذي ورد آنفا من أن الأحاديث التي سكت عنها أبو داود حسنة. ومن هؤلاء المحققين الذهبي والحافظ العراقي وغيرهما. والسبب في موقف ابن الصلاح أنه كان يرى أن ليس للمتأخر أن يجرؤ على الحكم بصحة حديث ليس في أحد الصحيحين أو لم ينص على صحته أحد من أئمة الحديث السابقين. قال الأستاذ أحمد شاكر: (إن ابن الصلاح يحكم بحسن الأحاديث التي سكت عنها أبو داود ولعله سكت عن أحاديث في السنن، وضعفها في شيء من أقواله الأخرى كإجاباته للآجري في الجرح والتعديل، والتصحيح والتعليل، فلا يصح إذن أن يكون ما سكت عنه في " السنن " وضعفه في موضع آخر من كلامه حسنا، بل يكون عنده ضعيفا. وإنما لجأ ابن الصلاح إلى هذا اتباعا لقاعدته التي سار عليها من أنه لا يجوز للمتأخرين التجاسر على الحكم بصحة حديث لم يوجد في أحد الصحيحين أو لم ينص أحد من أئمة الحديث على صحته) (٢). وقال في موضع آخر: (وقد رد العراقي وغيره قول ابن الصلاح هذا، وأجازوا لمن تمكن وقويت معرفته أن يحكم بالصحة أو بالضعف على الحديث بعد الفحص عن إسناده وعلله، وهو الصواب. والذي أراه أن ابن الصلاح ذهب إلى ما ذهب إليه بناء على القول بمنع الاجتهاد بعد الأئمة، فكما حظروا الاجتهاد في الفقه أراد ابن الصلاح أن يمنع الاجتهاد في الحديث، وهيهات فالقول بمنع الاجتهاد قول باطل لا برهان عليه من كتاب ولا سنة ولا تجد له شبه دليل) (٣)

стр. 377

الضعيف في سنن أبي داود في كتاب " السنن " كما اتضح لنا أحاديث ضعيفة، صرح أبو داود نفسه بضعف بعضها ولم يصرح بتضعيف بعضه الآخر؛ إما لأن ضعفها محتمل عنده وليس بشديد، إما لأنه صرح في غير " السنن " بضعفها كما ذكر ذلك الأستاذ أحمد شاكر في النص الذي أوردناه قبل قليل (١). فالأحاديث التي صرح بضعفها أمرها هين، وكذلك الأحاديث التي سكت عنها وأخرجها الشيخان أو أحدهما فهي صحيحة، أما الأحاديث التي سكت عنها وليست من هذا القبيل ولا ذاك فإننا نستطيع أن نحكم عليها بالنظر في أسانيدها، فما حكم له سنده بالصحة كان صحيحا وما حكم له سنده بالضعف كان ضعيفا. ومن الجدير بالذكر أن ننوه هنا بأن المنذري وابن الصلاح وغيرهما ذكروا أن محمد بن إسحاق بن منده الحافظ حكى أن شرط أبي داود والنسائي إخراج حديث أقوام لم يجتمع على تركهم، ويحكون عن أبي داود أنه قال: (ما ذكرت في كتابي حديثا اجتمع الناس على تركه). وهذا الذي يحكونه عن أبي داود أدق من كلمته الواردة في رسالته إلى أهل مكة وهي (وليس في كتاب السنن عن رجل متروك الحديث شيء) إذ قد أخرج عن أبي جناب الكلبي (٢) ومحمد بن عبد الرحمن البيلماني (٣) وهما من المتروكين وإن وجد من يزكيهما، فلا يعد أمثالهما من المجتمع على تركهم. وروي عن جابر الجعفي فقد أخرج له الحديث رقم ١٠٣٦ ونصه «إذا قام الإمام في الركعتين فإن ذكر قبل أن يستوي قائما فليجلس فإن استوى قائما فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو (٤)» ثم قال عقبه: (وليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث) (٥). وقد ترجم الذهبي في " الميزان " لجابر هذا وذكر ما يدل على ضعفه واتهامه (٦) وذكر أبو داود في كتابه السنن عمرو بن ثابت (٧) وهو رافضي، وقد قرر ذلك أبو داود نفسه فقال بعد أن أورد الحديث رقم ٢٨٧: (ورواه عمرو بن ثابت عن ابن عقيل. . .) ثم قال: (قال أبو داود: وعمرو بن ثابت رافضي رجل سوء ولكنه كان صدوقا في الحديث) (٨).

стр. 378

وروى أيضا عن الحارث الأعور (١) الحديث رقم ٩٠٨ وفي الحارث ما فيه (٢).

стр. 379

لماذا أورد في كتابه الضعيف أورد أبو داود بعض الأحاديث الضعيفة في كتابه للأمور الآتية: ١ - لأن طريقته في التصنيف هي أن يجمع كل الأحاديث التي تتضمن أحكاما فقهية ذهب إلى القول بها عالم من العلماء. ٢ - لأنه كان يرى أن الحديث الضعيف إن لم يكن شديد الضعف أقوى من رأي الرجال ومن القياس (حكى ابن منده أنه سمع محمد الباوردي يقول: كان من مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه قال ابن منده: وكذلك أبو داود السجستاني يأخذ مأخذه ويخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره لأنه أقوى عنده من رأي الرجال) (١). وحكى ابن العربي عن أبي داود أنه قال لابنه: (إن أردت أن أقتصر على ما صح عندي لم أر من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء، ولكنك يا بني تعرف طريقي في الحديث أني لا أخالف ما يضعف إلا إذا كان في الباب ما يدفعه) (٢). ٣ - أما إذا كان الحديث شديد الضعف فإنما يورده ليدل على عدم تبنيه لمضمونه، وكأنه بذلك يرد على الآخرين به قائلا: ليس لكم دليل بهذا الحديث على رأيكم لأن الحديث شديد الضعف. ومثال ذلك ما جاء في باب النهي عن التلقين (٣) حيث عقد الباب على حديث ضعيف ولم يورد في الباب غيره، فقد جاء بالحديث رقم ٩٠٨ فقط وهو: (عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا علي! لا تفتح على الإمام في الصلاة (٤)» قال أبو داود: أبو إسحاق لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها) (٥). أي أن الحديث منقطع، فإذا أضفنا إلى ذلك أن الحارث نفسه متهم بالكذب عرفنا أن الحديث شديد الضعف.

стр. 380

موازنة بين سنن أبي داود والصحيحين هذا الموضوع وحده يصلح أن يكون محل دراسة خاصة وعناية تامة ويمكن أن تؤلف فيه رسالة كبيرة، غير أني أرمي من وراء ذكرها هنا أن أشير فقط إلى أن كتاب السنن جليل الشأن عند كثير من العلماء المتقدمين فهو يأتي بعد الصحيحين مباشرة، بل إن الخطابي ﵀ قدم السنن عليهما كما مر معنا في مبحث (ثناء العلماء على السنن) ويحسن أن نورد قول الخطابي مرة أخرى؛ قال: (فأما أهل خراسان فقد أولع أكثرهم بكتابي محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاد إلا أن كتاب أبي داود أحسن رصفا وأكثر فقها) (١). وقد أقام عدد من العلماء موازنة بين سنن أبي داود وصحيح مسلم وذكروا أوجه الاتفاق وأوجه الاختلاف، ومنهم من رجح عمل هذا، ومنهم من رجح عمل ذاك، والذي يهمني من هذه الموازنة أن طائفة من العلماء ترى أن " سنن أبي داود " في درجة تقارب درجة الصحيحين أو تفوقها.

стр. 381

زوائد أبي داود يظهر أن زوائده عما في الكتب الخمسة الأخرى قليلة فقد سبق أن أوردنا أن الذهبي ذكر أن ما في " السنن " مما يوافق ما أخرجه الشيخان يبلغ شطر الكتاب (١). وإذا تتبعنا تعليقات الحافظ المنذري تبين أن زوائده عما في الكتب الخمسة قليلة جدا، فما أقل الأحاديث التي لا يذكر المنذري أنها وردت في بعض هذه الكتب. وقد ألف بعضهم في شيء من ذلك فجمع زوائد أبي داود على الصحيحين وشرحها (٢) ويحسن أن نشير هنا إلى أن كتاب أبي داود أجمع هذه الكتب، نعم ليست فيه زيادات كثيرة على ما في هذه الكتب بمجموعها غير أن فيه كثيرا مما ليس في واحد منها على انفراد، هذا وزوائده أحسن حالا من زوائد غيره كابن ماجه مثلا.

стр. 382

خصائصه يحسن أن نورد بعض الخصائص المهمة التي نستطيع أن نلمسها في " السنن ". تعدد الطرق: هناك أحاديث كثيرة في " السنن " مروية بطريقين أو أكثر، وهو يورد هذين الطريقين أو هذه الطرق في الإسناد قبل أن يأتي بمتن الحديث غالبا، وإذا أراد التحويل من طريق إلى آخر رمز إلى ذلك بالحرف (ح) على عادة المحدثين (١) قال في " رسالته ": (وإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة فإنما هو من زيادة كلام فيه وربما تكون فيه كلمة زيادة على الأحاديث) (٢). تكرار الحديث: في الحديث الواحد من المعاني والأحكام الشيء الكثير، فلقد أوتي ﷺ جوامع الكلم (٣). فإذا أورد المؤلف الحديث في باب من الأبواب من أجل معنى وارد فيه، اضطر إلى إعادته في باب آخر من أجل معنى آخر تضمنه الحديث، ومن هنا كان لا مفر من تكرار الحديث في الكتب المصنفة على الأبواب. وهذا هو السبب الذي جعل أبا داود يكرر الحديث أحيانا. ولكنه لا يبلغ في تكراره مبلغ البخاري في صحيحه. ولا يقطعه تقطيعه.

стр. 383

الدقة في إيراد الروايات الدقة ظاهرة واضحة تمام الوضوح في " كتاب السنن " ونضرب على ذلك بعض الأمثلة: - فهو إذا روى الحديث عن طريق رجلين يثبت الرواية التي يرى أنها الصواب ثم يورد رواية الرجل الآخر كما فعل في الحديث رقم ٢٠ الذي رواه عن زهير بن حرب وهناد بن السري وفيه: «أما هذا

стр. 384

فكان لا يستنزه من البول (١)» وبعد أن انتهى من رواية الحديث قال: (قال هناد " يستتر " مكان " يستنزه "). ومما يدلنا على أن أبا داود يرى الصواب رواية زهير أن عنوان الباب الذي ورد هذا الحديث فيه هو باب الاستبراء من البول (٢). - وقد يقتصر على رواية أحدهما دون أن يشير إلى الرواية الأخرى، ولكنه ينبه على أنه إنما أورد رواية فلان كما في الحديث ٩٣٨ قال: (حدثنا الوليد بن عتبة الدمشقي ومحمود بن خالد قالا:. . . . .) وبعد نهاية الحديث قال: (وهذا لفظ محمود) (٣). - وقد يروي الحديث عن أربعة رجال ولا يثبت واحدة يرجحها ثم ينبه على الروايات الأخرى، وإنما يورد الروايات الأربع مرة واحدة مجموعة على وجه يدل على الدقة والاختصار كالحديث ٩٩٢ في باب كراهية الاعتماد على اليد في الصلاة قال: (حدثنا أحمد بن حنبل، وأحمد بن محمد بن شبويه ومحمد بن رافع ومحمد بن عبد الملك الغزال قالوا: حدثنا عبد الرازق عن معمر عن إسماعيل عن أبيه عن نافع عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ . قال أحمد بن حنبل: «أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده (٤)». وقال ابن شبويه: «نهى أن يعتمد الرجل على يده في الصلاة (٥)». وقال ابن رافع: «نهى أن يصلي الرجل وهو معتمد على يده (٦)» وذكره في باب الرفع من السجود. وقال ابن عبد الملك: «نهى أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة (٧)». ولم يرجح المؤلف رواية على رواية. وقد يأتي بالحديث عن طرق بينها فروق طفيفة لا تؤثر في المعنى، ومع ذلك فهو حريص على ذكر هذه الفروق، كما فعل في الحديث رقم ٤ الذي رواه عن مسدد بن مسرهد عن حماد بن زيد وعبد الوارث (عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء قال:

стр. 385

عن حماد - قال: " اللهم إني أعوذ بك (١)». وقال - عن عبد الوارث - قال: «أعوذ بالله من الخبث والخبائث (٢)») (٣). - ومن الأمثلة على ذلك - وهي كثيرة جدا - حديث البول في المستحم رقم ٢٧ الذي رواه عن أحمد بن حنبل والحسن بن علي وهو. «لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه (٤)» - قال أحمد: «ثم يتوضأ فيه فإن عامة الوسواس منه (٥)») (٦). والمؤلف هنا بين الفرق بين الروايتين أثناء الحديث. وهذه الدقة دليل على مدى الحرص في نقل حديث النبي بالتحري الخالص والأداء الأمين. وتلك خصيصة خص الله بها أمة محمد ﷺ ، فوق مجرد نقل أخبار النبي ﷺ وأحاديثه. .

стр. 386

الاختصار وفي كتاب أبي داود الاختصار الموفق لأننا نجده مقترنا بالدقة البالغة والوضوح البين، وهذه خاصة من أهم الخصائص التي يمتاز بها كتاب " السنن ". ومن مظاهر الاختصار ما مر بنا في تبويب الكتاب من قلة الأحاديث في الباب الواحد. ومن أنواع هذا الاختصار أنه يعمد إلى الحديث الطويل فيختصره فلا يورد منه إلا موضع الفقه منه، وقد أشار أبو داود نفسه إلى هذه الخاصة فقال في رسالته: (وربما اختصرت الحديث الطويل، لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك) (١). * ومن أنواع هذا الاختصار أنه يأتي بحديث، ثم بعد ذلك يأتي بسند آخر ويقول: (بمعناه) كما في الحديث (٢) رقم ٣٤ فهذه الكلمة أغنته عن إعادة الحديث، ولكي يكون كلامه دقيقا قال: (بمعناه) منبها على أن هناك فرقا لفظيا بين الروايتين لا يؤثر في المعنى. * ومن أنواع هذا الاختصار أنه إذا وجد روايتين في إحداهما زيادة جاء بالأولى، ثم أورد سند الثانية وجاء بالزيادة ولا يعيد ما سبق ذكره، وإنما يكتفي بقوله: (وذكر الحديث) ومثل هذا كثير الورود في كتابه، فمن ذلك الأحاديث (١١١ - ١١٢ - ١١٣ - ١١٤. . . . .).

стр. 387

ففي الأول منها يذكر أبو داود حديث عبد خير الذي يصف وضوء علي ﵁ كما يلي: (حدثنا مسدد، حدثنا أبو عوانة، عن خالد بن علقمة عن عبد خير قال: «أتانا علي ﵁ وقد صلى فدعى بطهور فقلنا: ما يصنع بالطهور وقد صلى؟ ما يريد إلا ليعلمنا فأتي بإناء فيه ماء وطست، فأفرغ من الإناء على يمينه فغسل يديه ثلاثا ثم تمضمض واستنثر ثلاثا فمضمض ونثر من الكف الذي يأخذ فيه ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل يده اليمنى ثلاثا وغسل يده الشمال ثلاثا، ثم جعل يده في الإناء فمسح برأسه مرة واحدة ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا ورجله الشمال ثلاثا، ثم قال: من سره أن يعلم وضوء رسول الله فهو هذا (١)». * وبعد ذلك أورد أبو داود رواية أخرى بسند آخر عن عبد خير هي: «صلى علي ﵁ الغداة ثم دخل الرحبة فدعا بماء فأتاه الغلام بإناء فيه ماء وطست قال: فأخذ الإناء بيده اليمنى فأفرغ على يده اليسرى وغسل كفيه ثلاثا ثم أدخل يده اليمنى في الإناء فمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا (٣)». ثم ساق قريبا من حديث أبي عوانة قال ثم مسح رأسه مقدمه ومؤخره مرة ثم ساق الحديث نحوه (٤). ثم أورد الرواية الثالثة بسند ثالث عن عبد خير أيضا وفيها زيادة: «رأيت عليا ﵁ أتي بكرسي فقعد عليه، ثم أتي بكوز من ماء فغسل يديه ثلاثا ثم تمضمض مع الاستنشاق بماء واحد (٥)» وذكر الحديث (٦). ثم أورد الرواية الرابعة عن زر بن حبيش: أنه «سمع عليا ﵁ وسئل عن وضوء رسول الله ﷺ فذكر الحديث. وقال: مسح على رأسه حتى لما يقطر، وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ (٧)». * وإذا روى حديثا مختصرا نقل قول الراوي باختصاره، كما في الحديث ٤٩ فقد قال بعد أن أورده: (قال أبو داود: قال مسدد: فكان حديثا طويلا ولكني اختصرته) (٨).

стр. 388

طريقته واستقصاؤه كان أبو داود - كما سلفنا - يريد جمع أحاديث الأحكام التي يحتج بها الفقهاء وكان ذلك همه الأول، وقد استطاع أن يبلغ أكثر ما يريد، وهذا واضح من استعراض كتابه وهذا ما قرره العلماء أيضا. قال الدهلوي في " حجة الله البالغة ": (كانت همة أبي داود جمع الأحاديث التي استدل بها الفقهاء ودارت فيهم، وبنى عليها الأحكام علماء الأمصار فصنف " سننه " وجمع فيها الصحيح والحسن واللين والصالح للعمل) (١). وقال الدهلوي أيضا في صدد حديثه عن الترمذي وأنه جمع بين طريقة الشيخين الذين بينا وطريقة أبي داود الذي جمع كل ما ذهب إليه عالم من العلماء فقال: (كان استحسن طريقة الشيخين حيث بينا وما أبهما، وطريقة أبي داود حيث جمع كل ما ذهب إليه ذاهب، فجمع كلتا الطريقتين وزاد) (٢) ويدلك على ذلك أنه يعقد بابا في جواز الشيء وكراهته، وهذا كثير جدا، مثل: (باب كراهة استقبال القبلة عند الحاجة) والباب الذي يليه (باب الرخصة في ذلك) (٣) ومثل (باب الوضوء من مس الذكر) والباب الذي يليه (باب الرخصة في ذلك) (٤). وفي جمعه لكل ما ذهب إليه العلماء فوائد منها: بيان أن بعض الأحاديث أقوى من بعض، لا سيما عندما يعلق على واحد مضعفا إياه ويسكت عن آخر. ومنها بيان أن الأمر جائز مع الكراهة وليس حراما، أو هو رخصة. ومنها إتاحة الفرصة للإنسان لكي يوازن بين أقوال العلماء ويرجح ما ينصره الدليل ويعضده. * وقد ذكر هو في " رسالته إلى أهل مكة " أنه قصد جمع أكبر قدر ممكن من السنن التي عليها مدار الأحكام فقال: (فإن ذكر لك عن النبي ﷺ سنة ليس مما خرجته فاعلم أنه حديث واه إلا أن يكون

стр. 389

في كتابي من طريق آخر، فإني لم أخرج الطرق لأنه يكبر على المتعلم ولا أعرف أحدا جمع على الاستقصاء غيري) (١). * ومن حرصه على الاستقصاء في جمع الأحاديث المتصلة بالأحكام أنه قد يورد الحديث دون سند بعد أن يكون قد أورد حديثا مسندا، كما في الحديث ١٦ وهو: (حدثنا عثمان وأبو بكر قالا: حدثنا عمر بن سعد عن سفيان عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر قال: «مر رجل على النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه فلم يرد عليه (٢)». قال أبو داود: وروي عن ابن عمر وغيره «أن النبي ﷺ تيمم ثم رد على الرجل السلام (٣)». فالزيادة التي في الرواية الثانية قد أوردها هنا دون سند وبصيغة التمريض رغبة منه في الاستقصاء مع الاختصار؛ وذلك لأنه أوردها في باب التيمم بالسند وذلك في الحديث (٤) رقم ٣٣٠، ولكنه ذكر هناك ما يدل على ضعف هذا الحديث. - ومن طريقته أنه كثيرا ما يروي الحديث عن أكثر من شيخ وتارة عن ثلاثة وتارة عن أربعة. ففي الحديث ١٨٨ روى الحديث عن شيخين وكذا في ١٣٦٥. وفي الحديث ١٨٥ روى الحديث عن ثلاثة شيوخ. وفي الحديث ٩٩٢ روى الحديث عن أربعة شيوخ.

стр. 390

عناوينه للعناوين قيمة كبرى في كتب الحديث، ففيها يتجلى فقه المؤلف وعلمه واستنباطه الدقيق وفهمه، ذلك لأن جهده مقصور على تبويب هذه الأحاديث ووضع عنوان لكل طائفة منها والتعليق على بعضها، إذ كتابه في جمع الأحاديث وليس في شرحها. وسنذكر بعض الملاحظات حول عناوين أبي داود كما انتهينا إليها بعد شيء من الدراسة والتأمل: ١ - الناحية الفقهية بادية في عناوين أبي داود، وهذا أمر طبيعي، لأن الكتاب مؤلف على أساس فقهي
следующие страницы →