القضاء في الإسلام
وأثر تطبيق السعودية له
في حفظ الحقوق ومكافحة الجريمة
بقلم الشيخ / عبد الله بن سليمان بن منيع (١)
عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية
والقاضي بمحكمة التمييز بمكة المكرمة
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
لا شك أن للقضاء أهميته في حضارة الشعوب، وتقدمها، وأصالة حياتها، وحسن جوارها، وطيب تعايشها الاجتماعي، وهو معيار ذلك والدليل على اعتباره، ذلك أن القضاء ميزان الادعاء ونبراس العدل وملاذ المظلوم والسد المانع لأنواع المظالم والغصوب والتعديات، وبقدر ما يكون للقضاء من هيبة وسلطة ونفاذ في أي مجتمع ما، فإن لذلك المجتمع نصيبه الموازي لذلك القدر من السعادة والرخاء، وتوافر مسالك الحياة الأفضل لكافة أفراده، كما أن له نصيبه من الاحترام والتقدير والثقة والاطمئنان إلى التعامل معه من المجتمعات الأخرى.
ونظرا إلى أن بني الإنسان خلق الله خلقهم تعالى لحكمة أرادها، ونفى الفوارق بينهم في الخلق إلا بالتقوى والعمل الصالح، فمن كان ذا تقى وصلاح ونفع لعباده كان
стр. 3537
أفضل من غيره ممن كان دون ذلك، وحيث إن الإنسان مجبول على الظلم والجهل والطمع والأنانية؛ فقد أرسل الله رسله ليبينوا للناس حكمة وجودهم، وضرورة رعايتهم حقوق بني جنسهم من عقيدة ونفس وعقل ومال وعرض وغير ذلك مما يعود على هذه الحقوق الأساسية بالرعاية والعناية والبقاء، وجعل رسله قضاة بين الناس ليحكموا بالعدل، وأن يكون في أحكامهم من أسباب الاقتداء والاهتداء والعدل في القضاء ما يكون طريقا قويما لمن يأتي بعدهم من القضاة، قال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٢)، والإسلام وهو خلاصة الأديان السماوية، وعنده الكلمة الفصل فيما اختلف فيه أهل الكتاب في الأصول والفروع؛ له عنايته الفائقة بالقضاء، وبضرورة إعطائه السلطة العليا في إحقاق الحق وإزهاق الباطل، ورد المظالم، وفض الخصومات، والقضاء على التنازع.
стр. 3538
تتمثل عناية الإسلام بالقضاء فيما يلي:
١ - الدقة في اختيار القضاة، وأن يكونوا على جانب كبير من العلم والتقوى والصلاح وصلابة الإيمان بالله وبوعده ووعيده، فضلا عما يجب أن يكونوا عليه من النزاهة والعفة وقوة الشخصية وصلابة الرأي وبعد النظر ودقة الإدراك ورجاحة العقل وجلال المظهر وطهارة المخبر.
٢ - التحذير ممن طلب القضاء، وضرورة رفض طلبه حتى لا يسند القضاء إلى من يمكن أن يستغله فيما تمليه عليه عواطفه ومشاعره وهواه، فقد روي عن رسول الله ﷺ قوله: «من سأل القضاء وكل إلى نفسه، ومن جبر عليه ينزل عليه ملك يسدده (١)».
٣ - التحذير من ممارسة أعمال القضاء وإبراز خطورة القيام به، ومن ذلك ما روي
стр. 3539
عن رسول الله محمد ﷺ أنه قال: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة، قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاض علم الحق فجار متعمدا فذلك في النار، وقاض قضى بغير علم واستحيا أن يقول: إني لا أعلم فهو في النار (١)»، ولهذا كان مجموعة من أهل العلم والتقى والصلاح ينفرون من القضاء، ويجد السلطان مشقة كبيرة في تكليفهم، من ذلك أن عمر بن الخطاب ﵁ استدعى سعيد بن عامر الجمحي، فقال له: إني مستعملك على كذا، فقال له سعيد: لا تفتني، فقال عمر: والله لا أدعك قلدتموها عنقي وتتركوني.
وأراد أبو جعفر المنصور أحد ملوك بني العباس إسناد القضاء إلى الإمام أبي حنيفة فرفض، فحلف عليه الخليفة أن يتولاه، فحلف أبو حنيفة ألا يتولاه، وقال: اتق الله ولا تشرك في أمانتك إلا من يخاف الله، والله ما أنا بمأمون الرضا، فكيف أكون مأمون الغضب، وإني لا أصلح لذلك، فقال له الخليفة: كذبت أنت تصلح.
فقال له أبو حنيفة: أنت حكمت على نفسك، فكيف يحل لك أن تولي قاضيا على أمانتك وهو كذاب؟
ولولا الإطالة المملة لذكرنا العديد من هذه الصور المشرقة الناطقة بجلال القضاء، ومدى أهميته، واستشعار أولي الفضل والعقول والبصائر خطورة مزاولته.
٤ - ضرورة إكرام القضاة، وكفالة متطلبات حياتهم العامة والخاصة حتى لا تضطرهم الحاجة إلى الممالأة المفضية إلى الجور في الحكم والقضاء، في هذا يقول رسول الله ﷺ : «من كان لنا عاملا فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادما، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنا (٢)».
٥ - كراهة مباشرتهم قضاء حاجاتهم بيعا أو شراء أو نحو ذلك مما يقتضي اختلاط
стр. 3540
القاضي بأهل الأعمال التجارية أو المهنية ممن يحتمل التجاؤهم إليه في قضائه، فيكون للعواطف والأحاسيس أثرها في الجور في القضاء.
٦ - ضرورة أن يكون للقاضي من الأصفياء والأصدقاء من ذوي العلم والتقى والصلاح من يجد لديهم القدرة على بذل النصح والمشورة فيما يستشكله في قضائه، وما يستعصي عليه من حل مشكلاته وفض خصوماته.
٧ - ضرورة أن يكون للقاضي صلاحية ما في تأديب من يتجاوز حده عند التقاضي حتى يكون للقاضي ولمجلس القضاء من الهيبة والجلال والتقدير والاحترام ما يكون سببا في إضعاف صوت الباطل وتقوية صوت الحق.
٨ - ضرورة أن يكون لمكان التقاضي شكل معين يعطي الضعيف قوة في إبراز حجته، ويحد من غطرسة المبطل فلا يجد مجالا لغمط الناس حقوقهم، فقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم (١)».
٩ - مراعاة أولوية القضايا التي لها صفة الاستعجال والاهتمام الأكثر، كقضايا السجناء والغرباء ونحوهم.
١٠ - ضرورة عناية القاضي بحفظ مشاعره وعواطفه بين الخصوم، وأن يظهر لهم سواسيتهم في مجلسه ونظره حتى لا يطمع مبطل في باطل، ولا ييئس محق من حقه.
١١ - منع القاضي من أن يحكم بعلمه فيما طريقه الإثبات حتى لا تتجه الريبة إليه في قضائه، وليكون حكمه مبنيا على وضوح المستند وقوة الاحتجاج.
١٢ - منع القاضي من القضاء، وهو في حال من القلق والاضطراب، كأن يكون خائفا أو جائعا أو غاضبا أو في جو غير مناسب للراحة النفسية، حتى لا ينغلق عليه الإدراك ويتعذر عليه الفهم، وفي ذلك التوجيه النبوي الكريم: «لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان (٢)».
стр. 3541
وفضلا عن ذلك كله فإن الإسلام يعتبر القضاء سلطة عليا لها استقلالها الكامل، فلا سلطان لأحد عليها مهما كان ذلك الأحد.
ولم يكن لتحذير الإسلام من القضاء أثر في تعطيل هذا المرفق العظيم، بل كان له أثره الكبير في القدرة على الانتقاء والاختيار، فمن كان أهلا للقضاء علما وخلقا وتقى وصلاحا ونزاهة، واستجاب لرغبة ولي الأمر في مزاولة القضاء؛ كان معنيا بفضل الله وكرمه بما جاء من النصوص في فضل القضاء والقضاة.
من ذلك قول رسول الله ﷺ : «إن المقسطين عند الله على منابر من نور الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا (١)»، وقوله ﷺ : «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعمل بها (٢)»، وكذلك قوله ﷺ : «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن اجتهد فأصاب فله أجران (٣)»، وثبت عن رسول الله ﷺ : «أن الإمام العادل ممن يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله (٤)».
ومصادر القضاء في الإسلام تعتمد أول ما تعتمد على أصلين عظيمين هما: كتاب الله وهو القرآن، وسنة رسول الله محمد ﷺ وهي أقواله وأفعاله وتقريراته، وفي التحذير والترهيب من الحكم بغيرهما نصوص صريحة منها قول الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٥)، وقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٦)، وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٧)، ومن السنة ما روي عن رسول الله ﷺ
стр. 3542
حينما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قاضيا، قال له: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله ﷺ ، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله، ولا في كتاب الله، قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله ﷺ صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى به رسول الله (١)».
وهناك مصدران متفرعان عن الأصلين السابقين هما: الإجماع والقياس، أما الإجماع: فالمراد به إجماع علماء المسلمين على الحكم في مسألة ما، ولا شك أن إجماعهم مفترض فيه أن يكون مبنيا على نص من كتاب الله تعالى، أو سنة رسوله محمد ﷺ علمه من علمه، وجهله من جهله، وأما القياس: فوجه الأخذ به أن النصوص متناهية، والقضايا غير متناهية، فليست كل قضية مهيأة لاختصاصها بنص ينص على الحكم فيها، وإنما تقاس الأشباه بالنظائر، وتلحق الجزئيات بكلياتها، فيكون الحكم فيما لا نص فيه بما فيه نص مما هو نظيره ومشابهه، فإذا لم يجد القاضي حكمه في كتاب الله، ولا في سنة رسوله محمد ﷺ ولم يجد للأمة الإسلامية إجماعا في ذلك، وتعذر عليه القياس؛ كان عليه أن يبذل قصارى جهده في الاجتهاد آخذا في تقديره ما لكل قضية من الملابسات والاعتبارات والتقديرات.
ثم إن هناك أمرا ذا أهمية بالغة في المحيط القضائي ألا وهو القرينة، فإن القرينة اعتبارها في الإسلام ذلكم الاعتبار يمثل في تقويتها جانب حاملها من المتخاصمين، فإذا انعدمت البينة، كانت اليمين مشروعة في جانب حاملها إن كان لها من القوة ما تشد به أزر صاحبها.
وللعلامة ابن القيم ﵀ في كتابه "الطرق الحكمية" بحث في القرينة وضرورة اعتبارها والأخذ بها، يجدر بالمهتمين بشئون القضاء الاطلاع عليه، وإعطاؤه ما يستحقه من النظر والدراسة والاعتبار.
وللخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ كتاب لأحد قضاته يعتبر
стр. 3543
نبراسا يستضيء به القضاة في أحكامهم، ونظاما قضائيا يجدر بالمهتمين بشئون القضاء إعارته ما يستحقه في الدراسة والتحليل والنظر والاعتبار، وأجد المقام يلح علي في إيراده:
بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس، سلام عليك، أما بعد: فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، وآس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييئس ضعيف من عدلك، البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا، ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس فراجعت اليوم فيه عقلك، وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأشباه والأمثال، وقس الأمور بنظائرها، واجعل لمن ادعى حقا غائبا، أو بينة أمدا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة أخذت له بحقه وإلا وجهت القضاء عليه فإن ذلك أبلغ للعذر وأجلى للغمة، المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد، أو مجربا عليه في شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو نسب.
فإن الله تولى منكم السرائر، ودرأ عنكم بالبينات والأيمان والشبهات، وإياك والقلق والضجر والتأذي بالخصوم، والتنكر عند الخصومات، فإن الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر، ويحسن به الذكر، فمن صحت نيته وأقبل على الناس كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه شانه الله، فما ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته؟ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. اهـ.
وقد اعتنى علماء الإسلام بهذا الكتاب القيم الجامع المانع فتناولوه بالشرح والتحليل والاستنباط، وكان من أبرز من تناوله بالشرح المستفيض الإمام العالم العلامة ابن القيم ﵀ فقد أورده في كتاب " أعلام الموقعين "، وشرحه شرحا وافيا أتى فيه على القضاء ومدى أهمية رسالته وخطورة مزاولته، وعلى الصلح ومدى صحته ونفاذه، وعلى
стр. 3544
البينة وتعريفها وأنها أوسع من أن تكون محصورة في الشهادة أو الإقرار، وعلى الشهادة وضرورة أدائها، والإثم في كتمانها، وأن تكون على حال من الوضوح والجلاء كوضوح الشمس في وسط النهار، وعلى موانع ردها كما أتى على القياس وأقسامه، وأنه ليس في الشريعة الإسلامية في المجالات المدنية والجزئية ما يخرج عن التعليل بحيث لا يكون للقياس مجال في الأخذ به.
والخلاصة أن ابن القيم ﵀ قد شرح هذا الكتاب في أكثر من ألف صفحة من كتابه القيم " أعلام الموقعين " البالغ أربعة أجزاء.
والمملكة العربية السعودية وهي إحدى الدول الإسلامية، ومركز الثقل للإسلام باعتبارها مهبط الوحي، وفيها قبلة المسلمين، ومنها انبعث الإسلام وانتشر في أنحاء المعمورة، يسير القضاء فيها وفق ما تقضي به تعاليم الإسلام.
فمصدر القضاء فيها كتاب الله، وسنة رسوله والإجماع والقياس، فإذا وجد الحكم في قضية ما موضع خلاف بين علماء المسلمين أخذ القاضي السعودي بالراجح من مذهب الإمام أحمد بن حنبل مما يؤيده الدليل، وهو يتمثل فيما يذكره العلامة الشيخ منصور البهوتي في كتابه " كشاف القناع عن متن الإقناع "، و " شرح منتهى الإرادات "، فإن وجد بينهما خلاف في مسألة ما فالمصير إلى ما ذهب إليه في كتابه " شرح منتهى الإرادات "، وفي المملكة ثلاث درجات للتقاضي:
стр. 3545
الدرجة الأولى: المحكمة العامة ، ويصدر الحكم فيها من قاض واحد إلا إذا كانت القضية قتلا أو موجبة لحد السرقة أو الزنا، فيجب أن يصدر الحكم من ثلاثة قضاة على الأقل؛ فإذا لم يكن الحكم جزائيا، وحصلت القناعة به من الخصوم، اكتسب الحكم بالقناعة به القطعية. فإن أبدى الخصوم أو أحدهم الاعتراض على الحكم؛ صار لزاما على قلم المحكمة أن يمكن المعترض على الحكم من الاعتراض بإعطائه صك الحكم ليعيده بعد مدة محدودة ومعه لائحته الاعتراضية. وبعد اطلاع الحاكم على اللائحة الاعتراضية، فإن بدا له منها ما يدعوه إلى إعادة النظر فيما حكم به تعين عليه ذلك، وإن لم ير في اللائحة ما يقتضي منه إعادة النظر تعين عليه بعث
стр. 3546
كامل ملف القضية بما في ذلك صك الحكم وصورة ضبط جلسات المحاكمة واللائحة الاعتراضية على الحكم إلى محكمة التمييز لمراجعة الحكم والنظر في دعوى بطلانه، أما إن كان الحكم جزائيا فيتعين بعث كامل ملف القضية لمحكمة التمييز لمراجعته سواء حصلت القناعة به أو لم تحصل.
стр. 3547
الدرجة الثانية: التقاضي بمحكمة التمييز وهي ما تسمى لدى بعض الدول بمحكمة النقص والإبرام، ويختص هذا النوع من درجات التقاضي بمراجعة الحكم الصادر من المحكمة العامة شكلا وموضوعا وعلى ضوء لائحة الاعتراض، ويصدر القرار منها على الحكم بالملاحظة أو التصديق أو النقض من ثلاثة قضاة إلا إذا كان موضوع الحكم قتلا أو حد سرقة أو زنا فيتعين أن يصدر القرار على الحكم من خمسة قضاة، ويعتبر القرار النهائي من محكمة التمييز على أي حكم قرارا قطعيا سواء كان تأييدا أو نقضا إلا إذا كان الحكم بالقتل قصاصا أو حدا أو كان الحكم حدا في سرقة أو زنا وتأيد من محكمة التمييز، فيجب رفع كامل ملف القضية إلى المجلس الأعلى للقضاء لمراجعة الحكم.
стр. 3548
الدرجة الثالثة: التقاضي بالمجلس الأعلى للقضاء ويختص نظره القضائي بمراجعة الأحكام الصادرة في قضايا القتل حدا أو قصاصا ولقضايا حدود السرقة والزنا ولا يعتبر قراره لتأييد الحكم نهائيا حتى يتأيد من جلالة الملك وفي هذه الحال يجري تنفيذه، وغنى عن البيان القول بأن المملكة العربية السعودية تعيش في حال من الرخاء والاستقرار والأمن على الأموال والأنفس والأعراض، قد لا يوجد اختلاف بين متتبعي عوامل هذه الحياة السعيدة بأن أعظم الأسباب في ذلك تطبيقها الشريعة الإسلامية في قضاها وإدارة شؤونها.
كما أن القضاء في المملكة العربية السعودية مكفول للجميع بلا مقابل يستوي أمام القضاء كل من يتقدم يطلبه سواء كان مواطنا أو غيره وسواء كان على مستوى معين من الوجاهة والاعتبار أو كان غير ذلك، وأذكر مثالا من جملة أمثلة على نزاهة القضاء في المملكة واستقلاله وبعده عن أي مؤثر خارجي فقد تداعى الملك فيصل
стр. 3549
رحمه الله مع أحد خدمه في عقار لدى محكمة مدينة الطائف وانتهت القضية بالحكم على الملك فيصل بثبوت الدعوى عليه فأمر ﵀ بإنفاذه.
وفي المملكة العربية السعودية شعبة قضائية تسمى ديوان المظالم يديرها رئيس برتبة وزير وهي مختصة بنظر ما ينشأ من قضايا حقوقية بين الدولة والشخصيات الاعتبارية كالشركات والمؤسسات العامة والخاصة وبالنظر في تطبيق الأحكام الصادرة من المحاكم الأجنبية في البلاد الأخرى مما يقتضي المطالبة بتطبيقه على من حكم عليه به ممن يقيم في المملكة سواء كان مواطنا أو غيره، والمملكة العربية السعودية وإن كانت لم تأخذ بنظام ما يسمى بالنيابة العامة إلا أن اختصاصات النيابة العامة في الغالب ليست مهدورة بل هي موكولة إلى وزارة الداخلية فهي التي تقوم بالتحقيقات الجنائية وهي التي تتقدم لدى القضاء بالادعاء العام وهي صاحبة الاختصاص في الاعتراض على الحكم الصادر في أي قضية أخلاقية أو جنائية أو مخلة بأمن الدولة.
هذه لمحة خاطفة عن القضاء في الإسلام ومدى أهميته وخطورته وعن الوضع القضائي في المملكة العربية السعودية وأثره في استتباب الأمن وحفظ الحقوق ومكافحة الجريمة وتواجد الفرص للحياة الأفضل، أرجو أن يكون فيها ما يغري ذوي العقول السليمة والبصائر النيرة في إعطاء القضاء في الإسلام ما يستحقه من النظر والدراسة والاعتبار فإن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى قضاء عادل يحسم النزاع ويعطي الحق لصاحبه والله المستعان.
عبد الله بن سليمان المنيع
القاضي بمحكمة التمييز بمكة المكرمة
стр. 3550
التمسك بالسنة
وأثره في استقامة المسلم
بقلم الشيخ / صالح بن سعود العلي
مدير المعهد العالي للدعوة الإسلامية بالرياض
من مواليد مدينة حائل سنة ١٣٥٧هـ
نال الشهادة العالمية من كلية الشريعة بالرياض
نال شهادة الماجستير من المعهد العالي للقضاء سنة ١٣٩٤هـ
عمل مدرسا في المعاهد العلمية وفي كلية الشريعة
ولا يزال أستاذا مشاركا في الكلية
عمل مديرا للمعهد العالي للدعوة الإسلامية منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، ولا يزال.
стр. 3551
١ - مقدمة عن:
أ- كمال الشريعة. ب- الحث على التمسك بالسنة ونشرها.
٢ - معنى السنة في اللغة - معناها في الشرع - العلاقة بين المعنيين.
٣ - أمثلة لأنواع السنة من حيث هي قول وفعل وتقرير - اعتبار قول الرسول ﷺ حجة - اعتبار تقريره حجة - فعل الرسول ﷺ متى يكون حجة وتفصيل القول في هذا.
٤ - ترك الرسول ﷺ بعض الأشياء متى يكون سنة ومتى لا يكون وبسط القول في هذا.
٥ - رأي بعض العلماء في ترك بعض المندوبات خوفا من فهم العامة وجوبها ومناقشة هذا الرأي.
٦ - بعض المندوبات قد لا يحافظ عليه إلا بعض المبتدعة فهل يجوز هجر هذا المندوب خوفا من التشبه بالمتبدعة.
(١) مقدمة عن:
أ- كمال الشريعة.
ب- الحث على التمسك بالسنة ونشرها.
أ- من الله على هذه الأمة بأن بعث فيها محمدا ﷺ رسولا ونبيا وجعله خاتم النبيين وأرسله إلى الثقلين الجن والإنس العرب والعجم وأنزل عليه قرآنا عربيا غير ذي عوج ما ترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فيه نبأ ما قبلنا وخبر ما بعدنا وحكم ما بيننا من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم.
فكانت شريعته ﷺ أكمل الشرائع ورسالته خاتمة
стр. 3552
الرسالات يدل على هذا قوله تعالى ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢) وقوله سبحانه في الآية الأخرى من سورة النساء التي بين فيها كثيرا من أحكام الأموال والأبضاع
﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) وقوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ (٤) وقد وكل بيان ما أشكل من التنزيل إلى رسوله الأمين محمد ﷺ كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٥) لهذا بلغ ﵇ رسالة ربه وأدى الأمانة ونصح للأمة وما قبض ﷺ حتى أكمل الله له ولأمته هذا الدين كما أخبر سبحانه ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٦) وأخبر عن هذا الكمال المصطفى ﵇ بقوله: «إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه (٧)» رواه الحاكم وقال صحيح (٨) الإسناد وقال أبو ذر ﵁: «توفي رسول الله ﷺ وما طائر يحرك جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما (٩)»، ولما شك ناس في موت رسول الله ﷺ قال عمه العباس بن عبد المطلب: والله ما مات رسول الله حتى ترك السبيل نهجا واضحا وأحل الحلال وحرم الحرام ونكح وطلق وحارب وسالم وما كان راعي غنم يتبع بها رؤوس الجبال يخبط عليها العضاة (١٠) بمخطبته ويمدد (١١) حوضها بيده بأنصب ولا أدأب من رسول الله ﷺ فيكم (١٢).
стр. 3553
وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: قيل لسلمان: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراء؟؟ فقال سلمان أجل، «نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول أو نستنجي باليمين أو أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (١)» رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (٢).
فمن هذا يتضح أن رسول الله ﷺ تلقى هذا الدين عن ربه جل وعلا كاملا لا يعتريه نقص، شاملا لجميع متطلبات الناس وهذا مقتضى حكمته وعدله لأنه سبحانه لا يطلب من عباده أن يأتمروا بأمر أو ينتهوا عن نهي إلا وقد وضحه لهم أتم توضيح كم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٣)، وكما قال سبحانه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٤). ب- الحث على السنة والتمسك بها ونشرها:
أوجب الله على هذه الأمة أن تتبع في أمر دينها نبيها محمدا ﷺ : تأتمر بأمره وتنتهج سنته وتنزجر عما عنه نهاها كما قال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٥) يوضح هذا قوله ﷺ : «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم (٦)» رواه الشيخان (٧).
وهي حينما تقتدي به في هذا إنما ستفعله لأنه السبيل الوحيد الذي يرضى الله عنه لأن ما يصدر عنه ﷺ إنما هو وحي يوحى من عند الله كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٨) ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٩).
стр. 3554
ثم إن اتباعه ﵇ إنما هو دليل على محبة الله وشرعه والله جعل اتباع نبيه دليلا على محبته جل وعلا كما أخبر سبحانه بقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١) وقال جل من قائل ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢) فاتباع الرسول ﷺ دليل محبة الله سبحانه التي لا يحصل إيمان دونها وطاعة هذا الرسول من طاعة الله التي لا ينجو أحد بسواها.
ثم إن نهجه ﵇ هو النهج المقبول عند الله تعالى كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (٣) فالمهتدي به هو الأهدى سبيلا والأصح عملا ومن حاد عن سنته فلا إيمان له وهو من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
والتحكيم فيما يعرض للأمة هو أمر يجب أن يكون الرسول ﵇ هو القدوة فيه والمحكم كما قال سبحانه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤).
وعند التنازع نحتكم لسنته ﵇ كما نحتكم إلى كتاب الله حتى يصح إيماننا بالله واليوم الآخر كما أخبر الباري جل وعز ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٥) قال الإمام النووي (٦) ﵀: قال العلماء: معناه إلى الكتاب والسنة، وقد ظهر من هذا أن الله لا يقبل من عبد عملا ما لم يستن صاحبه فيه برسول الله ﵇ وقولا كان أو فعلا، فالعمل الذي يمكن أن يقبله الله سبحانه هو ما التزم
стр. 3555
فيه صاحبه الإخلاص لله وحده والمتابعة لرسوله ﵇ الهادي إلى الصراط المستقيم صراط الله القويم كما أخبر سبحانه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١) ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ (٢)، وكما قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٣).
وأما ما يدل على وجوب التمسك بسنته ﷺ من الأحاديث فأكثر من أن يحصر منها:
١ - قوله ﷺ من حديث أبي هريرة: «دعوني ما تركتكم إنما أهلك من كان قبلكم لكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (٤)» متفق عليه (٥).
٢ - وقال ﵇ من حديث العرباض بن سارية ﵁: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ (٦)» رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح (٧).
٣ - وقال ﵇ فيما رواه أبو هريرة ﵁ «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى (٨)» رواه البخاري.
٤ - وعن أبي رافع أن رسول الله ﷺ قال: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكة يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدري: ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه (٩)» حديث صحيح (١٠) رواه الشافعي، قال الشافعي ﵀: فيما وصفت من فرض الله على الناس اتباع أمر رسول الله دليل على أن
стр. 3556
سنة رسول الله إنما قبلت عن الله فمن اتبعها فبكتاب الله تبعها ولا نجد خبرا ألزمه الله خلقه نصا بينا إلا كتابه ثم سنة نبيه (١).
وبعد: فهذه نصوص من الكتاب والسنة تدل على أن الله لا يقبل أن يعبد إلا بما شرعه على لسان رسوله ﷺ وأن الخير كل الخير في اجتناب ما عنه نهى وزجر فمن زاد أو استزاد فقد خسر خيري الدنيا والآخرة وعمله عليه مردود كما أخبر ﷺ بقوله: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢)» رواه مسلم (٣)، فلا مجال بعد هذه النصوص التي تقرع الأسماع لأحد أن يلتمس لنفسه العذر في الابتعاد عن السنة والميل عن هدي محمد ﷺ يمينا أو شمالا لأنه لا خيار بعد هذه الآيات والأحاديث الصحيحة الصريحة فالأمر إما اهتداء وإما ضلال ولا ثالث لهما.
стр. 3557
٢ - معنى السنة في اللغة - معناها في الشرع - العلاقة بين المعنيين:
السنة في اللغة:
قال في المصباح المنير: معنى السنة في أصل اللغة الطريقة حسنة كانت أم سيئة، والسنة: السيرة حميدة كانت أم ذميمة.
وقال صاحب المفردات في غريب القرآن: السنن جمع سنة، وسنة الوجه طريقته وسنة النبي طريقته التي كان يتحراها، وسنة الله تعالى قد تقال: لطريقة حكمته وطريقة طاعته نحو قوله سبحانه: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ (١)، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا﴾ (٢).
стр. 3558
وقال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث:
السنة وما تصرف منها: الأصل فيها الطريقة والسيرة.
من هذا يتضح أن هذه التعاريف متفقة على أن السنة معناها اللغوي هو الطريقة ذميمة أم حسنة.
السنة في الشرع:
* قال ابن الأثير ﵀ (١): إذا أطلقت السنة في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به النبي ﷺ ونهى عنه وندب إليه قولا وفعلا مما لم ينطق به الكتاب العزيز ولهذا يقال في أدلة الشرع: الكتاب والسنة، أي القرآن والحديث.
* وقال الشاطبي ﵀ (٢): يطلق لفظ السنة على ما جاء منقولا عن النبي ﵇ على الخصوص مما لا ينص عليه في الكتاب العزيز.
ويطلق أيضا في مقابلة البدعة فيقال فلان على سنته إذا عمل على وفق ما عمل عليه النبي ﷺ .
* وقال الآمدي: (٣) السنة في الشرع: قد تطلق على ما كان من العبادات نافلة منقولة عن النبي ﷺ وقد تطلق على ما صدر من الرسول ﵇ من الأدلة الشرعية مما ليس بمتلو ولا هو معجز ولا داخل في المعجز ويدخل في ذلك أقوال النبي ﵇ وأفعاله وتقاريره. اهـ.
стр. 3559
من هذا يظهر أن لفظ السنة إذا أطلق في الاصطلاح فإنه يعني واحدا من ثلاثة معان:
١ - ما يقابل القرآن فيراد به قول النبي ﷺ وفعله وتقريره.
٢ - ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه مما فعله النبي ﷺ وواظب عليه.
٣ - ما يقابل البدعة، فيراد بها ما وافق القرآن أو حديث النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير. وسواء كانت دلالة القرآن أو الحديث على طلب الفعل مباشرة أو بوسيلة القواعد المأخوذة منها ويدخل في هذا ما عمل عليه الصحابة ﵃ سواء وجد ذلك في الكتاب والسنة أم لا لكونه اتباعا لسنة ثبتت عندهم لم تنقل إلينا أو اجتهادا مجمعا عليه منهم أو من خلفائهم كما فعلوا في جمع المصحف وتدوين الدواوين وما أشبه ذلك، ويدل لهذا الإطلاق قوله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي (١)» الحديث. فالسنة إذا هي مجموع أقواله ﷺ وأفعاله وتقريراته يدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) فإنه شامل لكل ما جاء به ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، كما يدل أيضا قوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٣) والاتباع له ﷺ يتحقق في جميع ما ذكر.
وقال الرسول ﵇: «صلوا كما رأيتموني أصلي (٤)» رواه (٥) البخاري فأمر أن نقتدي بفعله وأن نستن بهديه وهذا يدل على أن الفعل من سنته.
أما تقريره فمثل مشاهدته للأحباش في المسجد وهم يلعبون ولم ينكر عليهم.
стр. 3560
العلاقة بين المعنيين اللغوي والشرعي:
بالنظر إلى تعريف "سنة" لغة وشرعا يتضح أن المعنى اللغوي أعم وأشمل لأن السنة فيه تعني الطريقة حميدة أو ذميمة كما أنها شاملة لطريقة كل شخص سواء كان الرسول ﷺ أو غيره من الناس، في حين أن معناها في الاصطلاح قاصر على ما يقابل القرآن وهو سنته ﷺ التي تعني قوله وفعله وتقريره، أما من عدا الرسول ﷺ فلا يطلق على طريقته سنة بهذا المعنى سوى الخلفاء الراشدين لقوله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ (١)».
стр. 3561
٣ - أ * أمثلة لأنواع السنة من حيث هي قول وفعل وتقرير .
ب * اعتبار قول الرسول ﷺ حجة.
ج * اعتبار تقرير الرسول ﵇ حجة.
د * فعل الرسول ﷺ متى يكون حجة وتفصيل القول في هذا.
أ- ١) مثال قول الرسول ﵇: ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﵇ قال له رجل أوصني، قال: " لا تغضب فردد مرارا، قال: لا تغضب (١)» ومثاله أيضا ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (٢)».
فالرسول ﷺ بين شيئا من سنته التي يجب أن يطاع فيها وأن
стр. 3562
يقتدى به بطريق هو القول بكبح الغضب في الحديث الأول وتغيير المنكر في الحديث الثاني.
٢) ومثال فعله ﷺ : ما جاء من قوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي (١)» وقوله: «لتأخذوا عني مناسككم (٢)» فهذان الحديثان يدلان على أن من صلى كفعله للصلاة أو أخذ نسكه وفق نسك الرسول ﷺ فهو ممتثل له مقتد به يحظى بشرعية عمله ومثاله أيضا قطعه يد السارق من الكوع بيانا لقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٣) وكتيممه ﷺ حين ضرب الأرض بكفيه ومسح بهما وجهه وظاهر كفيه بيانا لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ (٤) الآية.
٢) ومثال تقريره ما روى مسلم (٥) عن عبد الله بن مفضل ﵁ قال: «أصبت جرابا من شحم يوم خيبر قال: فالتزمته فقلت: لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا قال: فالتفت فإذا رسول الله ﷺ مبتسما (٦)».
ووجه الدلالة أنه ﷺ تبسم دون إنكار فكان إقرارا منه ﷺ لهذا العمل وهذا يدل على أن الإقرار نوع من أنواع التشريع كالقول تماما.
ومثله: قصة قيافة المدلجي في أسامة بن زيد وأبيه وكذا أكل الضب على مائدته ﵊.
стр. 3563
ب) دلالة قول الرسول ﷺ على أن مقتضاه من شرع الله أمر لا إشكال فيه ولا تفصيل كما يقول الشاطبي (١) أي أن الامتثال لقوله ﷺ واضح أنه مطلوب، ولكن المجتهد مطالب بأن ينظر في هذه الأقوال من حيث
стр. 3564
كونها أوامر أو نواهي أو غيرهما وهل الأمر للوجوب أو للندب، أو للإباحة وكذا النهي هل هو للتحريم أو للكراهة، كما ينظر في هذه الأقوال من حيث سلامتها من المعارضة أو وجود معارض يتعين معه الترجيح، أو البحث عنها من حيث كونها ناسخة أو منسوخة إلى آخر ما يستدعيه نظر المجتهد كما هو مبين في كتب الأصول.
стр. 3565
جـ) تقرير الرسول ﷺ للفعل مع القدرة على إنكاره دليل إباحته وينسخ ما سبقه مما يدل على تحريم الفعل أو يخصصه لأنه لو لم يعتبر كذلك لكان سكوت الرسول ﷺ عن الإنكار تأخيرا للبيان عن وقت الحاجة. وهو محال، فإن رئي النبي ﷺ مستبشرا من الفعل كان ذلك أدل على إباحته ومثال هذا: تبسمه ﷺ من عبد الله بن المفضل في قصة الجراب التي مرت قريبا، وكما في قصة المدلجي لما دخل على النبي ﷺ فإذا أسامة بن زيد وأبوه زيد بن حارثة عليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وقد بدت أقدامهما فقال المدلجي: إن هذه الأقدام بعضها من بعض (١)، فدخل الرسول ﷺ على عائشة مسرورا تبرق (٢) أسارير وجهه فهذا إقرار منه ﷺ لما رأى فكان العمل به كالعمل بالقول الصادر منه ﷺ .
стр. 3566
٢ - فعل الرسول ﷺ متى يكون فيه أسوة؟
أفعاله ﵊ أنواع:
١) ما يفعله على وجه الجبلة والعادة كالقيام والقعود والأكل والشرب ونحوه: فهذا لا نزاع في كونه على الإباحة بالنسبة إليه وإلى أمته وهو غير داخل فيما يطلب فيه التأسي بل كل ما يفيده فعله ﷺ لهذه الأشياء الإباحة، فإذا جلس أو قام في مكان أو زمان أو ركب نوعا من الدواب أو تناول لونا من
стр. 3567
الأطعمة أو لبس صنفا من الثياب فلا يقال فيمن لم يفعل ذلك إنه تارك (١) لسنة فعلها الرسول ﷺ إلا إذا قام دليل خاص على أن هذا الفعل الجبلي مشروع مثل الأكل باليمين لا بالشمال.
ولهذا ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان في سفر فرأى قوما ينتابون مكانا يصلون فيه فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا مكان صلى فيه رسول الله ﷺ فقال: ومكان صلى فيه رسول الله ﷺ ؟ أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا، من أدركته الصلاة فيه فليصل وإلا فليمض (٢).
стр. 3568
٢) ما ثبت كونه من الأفعال الخاصة به ﷺ التي لا يشاركه فيها أحد: فلا يدل ذلك على التشريك بيننا وبينه فيه إجماعا وذلك كاختصاصه بوجوب صلاة الضحى والأضحى والوتر والتهجد بالليل والزيادة في النكاح على أربع نسوة والوصال في الصوم إلى غير ذلك من خصائصه (١) ﷺ فليس لأحد من المسلمين أن يقتدي به فيما هو مختص به من أمثال ما ذكر على النحو المطلوب منه ﷺ .
стр. 3569
٣) ما عرف كون فعله بيانا لنا: فهذا الفعل منه ﷺ دليل على مشروعية التأسي به كقوله ﷺ بعد أن فعل الصلاة «صلوا كما رأيتموني أصلي (١)» رواه (٢) البخاري وقوله ﷺ : «لتأخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه (٣)» رواه مسلم (٤)، قال هذا ﷺ وهو يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر، فهذا الفعل هو
стр. 3570
بيان لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١) ولقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٢) الآية.
وكقطعه يد السارق من الكوع بيانا لقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٣) وحكم الاقتداء بفعله ﷺ في هذا حكمه المبين من وجوب أو استحباب أو إباحة.
стр. 3571
٤) ومن أفعاله ﷺ ما لم يكن جبليا ولا خاصا به ولا بيانا للقرآن فهذا يبحث في ظروفه:
أ- فإن كان ثمة ما يدل على حكمه في حقه ﷺ من وجوب أو ندب أو إباحة فأمر أمته فيه كأمره ﷺ سواء بسواء إذ الأصل تساوي المكلفين بالأحكام.
ب- أما إن فعل ﷺ أمرا ولم يقم دليل خاص على أنه فعله على سبيل الوجوب أو الندب أو الإباحة: فهذا إما أن يظهر فيه معنى القربة كصلاة ركعتين لم يواظب عليهما فهذا يحمل على أقل مراتب القرب وهو الندب ويكون التأسي به مستحبا.
وإما ألا يظهر فيه معنى القربة كإرساله ﷺ شعر رأسه إلى شحمة الأذن وإرسال ذؤابة العمامة بين كتفيه، فهذا فيه خلاف بين العلماء:
١ - فمنهم من يرى أن فعله ﷺ محمول على الندب نظرا إلى أنه ﷺ مشرع فالأصل في أفعاله التشريع.
٢ - ومنهم من يرى أن هذا الفعل مباح وهو من قبيل العادة لا العبادة فلا
стр. 3572
يحكم مثلا على من حلق شعر رأسه أو من لم يسدل ذؤابة عمامته أو من لم يلبس عمامة بأنه تارك لسنة (١).
٣ - والذي اختاره هو الرأي الأول القائل بدلالة هذه الأفعال على الندب لعموم الأدلة الواردة في اتباعه ﷺ والاستنان به كقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٣) وكقوله ﷺ في حديث العرباض بن سارية المتقدم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين (٤)» وهذا فعل فيكون من سنته. وكقول عمر لما قبل الحجر الأسود: ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك، وهذا اقتداء بفعل الرسول ﷺ فيعم موضوع النزاع لعدم الفارق، وقد سئل الإمام أحمد بن حنبل ﵀ عن الرجل يتخذ الشعر فقال: سنة حسنة لو أمكننا اتخذناه (٥) والاقتداء به ﷺ في هذه الأمور هو المتمشي مع الأدلة التي ذكرنا شيئا منها والتي يحمل الأمر فيها على أقل درجات القرب وهو الندب لأنه المتيقن.
стр. 3573
ترك الرسول ﵊ لبعض الأشياء متى يكون سنة يقتدى به فيها ومتى لا يكون: وتفصيل القول في هذا الموضوع
تروك الرسول ﷺ تختلف أحكامها باختلاف أنواعها كما يتضح من التفصيل الآتي.
١) النوع الأول: أن يكون ترك الرسول الفعل جبلة كما امتنع من أكل الضب فتركه ﷺ أكل الضب أمر جبلي ليس من مواضع التأسي لأنه ﷺ قال له خالد بن الوليد: «أحرام هو يا رسول الله؟ قال: " لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه "، فما لبث خالد بعد سماع هذا الجواب أن جر إليه الضب فأكله (١)».
стр. 3574
٢) النوع الثاني: أن يتركه ﷺ : لتحريم يختص به كما في تركه ﷺ أكل بعض البقول ذوات الريح فهذا ليس التأسي به فيه من السنة لظهور اختصاصه به ﷺ يدل لهذا ما جاء عن جابر بن عبد الله «أن النبي ﷺ : أتى بقدر فيه خضرات من بقول فوجد لها ريحا فسأل فأخبر بما فيها من البقول فقال: قربوها - إلى بعض أصحابه - فلما رآه كره أكلها. قال: " كل: فإني أناجي من لا تناجي (١)» رواه البخاري (٢).
ووجه الدلالة منه: أنه ﷺ : امتنع من أكل هذه البقول لأنه يناجي جبريل ﵇ وأمر أصحابه بأكله لعدم المانع فيهم، فدل ذلك على أن هذا الترك ليس موضع تأس به ﷺ لظهور ما يدل على انفراده ﷺ بهذا الترك دون أمته.
стр. 3575
٢ - ما تركه ﷺ لأمر غير جبلي ولا خاص به:
أ- فإن علم حكم هذا الترك في حقه من حرمة أو كراهة كان الحكم شاملا الأمة لأن الأصل عدم الخصوصية ومثال هذا: تركه ﷺ : الشهادة لمن نحل بعض ولده دون بعض، فإنه قال: «أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ قال: