٤) ومن أفعاله ﷺ ما لم يكن جبليا ولا خاصا به ولا بيانا للقرآن فهذا يبحث في ظروفه:
أ- فإن كان ثمة ما يدل على حكمه في حقه ﷺ من وجوب أو ندب أو إباحة فأمر أمته فيه كأمره ﷺ سواء بسواء إذ الأصل تساوي المكلفين بالأحكام.
ب- أما إن فعل ﷺ أمرا ولم يقم دليل خاص على أنه فعله على سبيل الوجوب أو الندب أو الإباحة: فهذا إما أن يظهر فيه معنى القربة كصلاة ركعتين لم يواظب عليهما فهذا يحمل على أقل مراتب القرب وهو الندب ويكون التأسي به مستحبا.
وإما ألا يظهر فيه معنى القربة كإرساله ﷺ شعر رأسه إلى شحمة الأذن وإرسال ذؤابة العمامة بين كتفيه، فهذا فيه خلاف بين العلماء:
١ - فمنهم من يرى أن فعله ﷺ محمول على الندب نظرا إلى أنه ﷺ مشرع فالأصل في أفعاله التشريع.
٢ - ومنهم من يرى أن هذا الفعل مباح وهو من قبيل العادة لا العبادة فلا
стр. 3572
يحكم مثلا على من حلق شعر رأسه أو من لم يسدل ذؤابة عمامته أو من لم يلبس عمامة بأنه تارك لسنة (١).
٣ - والذي اختاره هو الرأي الأول القائل بدلالة هذه الأفعال على الندب لعموم الأدلة الواردة في اتباعه ﷺ والاستنان به كقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٣) وكقوله ﷺ في حديث العرباض بن سارية المتقدم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين (٤)» وهذا فعل فيكون من سنته. وكقول عمر لما قبل الحجر الأسود: ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك، وهذا اقتداء بفعل الرسول ﷺ فيعم موضوع النزاع لعدم الفارق، وقد سئل الإمام أحمد بن حنبل ﵀ عن الرجل يتخذ الشعر فقال: سنة حسنة لو أمكننا اتخذناه (٥) والاقتداء به ﷺ في هذه الأمور هو المتمشي مع الأدلة التي ذكرنا شيئا منها والتي يحمل الأمر فيها على أقل درجات القرب وهو الندب لأنه المتيقن.
стр. 3573
ترك الرسول ﵊ لبعض الأشياء متى يكون سنة يقتدى به فيها ومتى لا يكون: وتفصيل القول في هذا الموضوع
تروك الرسول ﷺ تختلف أحكامها باختلاف أنواعها كما يتضح من التفصيل الآتي.
١) النوع الأول: أن يكون ترك الرسول الفعل جبلة كما امتنع من أكل الضب فتركه ﷺ أكل الضب أمر جبلي ليس من مواضع التأسي لأنه ﷺ قال له خالد بن الوليد: «أحرام هو يا رسول الله؟ قال: " لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه "، فما لبث خالد بعد سماع هذا الجواب أن جر إليه الضب فأكله (١)».
стр. 3574
٢) النوع الثاني: أن يتركه ﷺ : لتحريم يختص به كما في تركه ﷺ أكل بعض البقول ذوات الريح فهذا ليس التأسي به فيه من السنة لظهور اختصاصه به ﷺ يدل لهذا ما جاء عن جابر بن عبد الله «أن النبي ﷺ : أتى بقدر فيه خضرات من بقول فوجد لها ريحا فسأل فأخبر بما فيها من البقول فقال: قربوها - إلى بعض أصحابه - فلما رآه كره أكلها. قال: " كل: فإني أناجي من لا تناجي (١)» رواه البخاري (٢).
ووجه الدلالة منه: أنه ﷺ : امتنع من أكل هذه البقول لأنه يناجي جبريل ﵇ وأمر أصحابه بأكله لعدم المانع فيهم، فدل ذلك على أن هذا الترك ليس موضع تأس به ﷺ لظهور ما يدل على انفراده ﷺ بهذا الترك دون أمته.
стр. 3575
٢ - ما تركه ﷺ لأمر غير جبلي ولا خاص به:
أ- فإن علم حكم هذا الترك في حقه من حرمة أو كراهة كان الحكم شاملا الأمة لأن الأصل عدم الخصوصية ومثال هذا: تركه ﷺ : الشهادة لمن نحل بعض ولده دون بعض، فإنه قال: «أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ قال:
стр. 3576
لا، قال: فأشهد على هذا غيري (١)» رواه مسلم (٢).
ووجه الدلالة منه: أنه ﷺ ترك الشهادة على هذا التصرف لأنه جور، فدل ذلك على أن مثل هذا الترك منه ﷺ الذي قام الدليل على علته هو مما على الأمة أن تتأسى بالرسول ﷺ فيه، فالعلة التي امتنع الرسول ﷺ من أجلها عن الشهادة هي علة لا تخصه بل الأمة تشاركه فيها، فترك الشهادة على مثل هذا مشروع في حق المسلمين كما هو مشروع في حقه ﷺ .
ب- أما إن ترك النبي ﷺ أمرا ولم يعلم حكم هذا الترك فهذا يدل على عدم الإذن وأقل مراتب عدم الإذن الكراهة فيحمل عليها حتى يقوم الدليل على ما فوقها وهو التحريم.
стр. 3577
٤) النوع الرابع:
إذا ترك النبي ﷺ الأمر لمانع من الفعل يذكره سببا للترك ثم يزول هذا المانع فإنه يصح النظر بعد ذلك في أمر المتروك ويجري حكمه على ما تقتضيه أصول الشريعة كما ترك ﷺ صلاة القيام في رمضان جماعة وذكر أن المانع من استمراره عليها خوف افتراضها عليهم، ولما انقطع الوحي بانتقاله ﷺ إلى الرفيق الأعلى ارتفع المانع من صلاة التراويح جماعة وهو خوف فرضها عليهم فلم يبق في تركها موضع للتأسي ولذلك رجع بها عمر بن الخطاب ﵁ إلى الأصل الذي هو فعل النبي ﷺ لها في جماعة.
стр. 3578
٥) النوع الخامس: ترك الرسول ﷺ أمرا لم يظهر في عهده ما يقتضي فعله ثم طرأ حال يجعل المصلحة في الفعل: فهذا يرتفع في طلب التأسي ويصبح ذلك الأمر مجالا لنظر المجتهد حتى يلتمس له حكما حسب المصلحة
стр. 3579
الداعية إلى فعله ومثال هذا أن الرسول ﷺ لم يجمع القرآن في مصحف واحد إذ لم يظهر في عهده ما يدعو إلى هذا الجمع ولكن كثرة من قتل في حروب الردة من القراء أثارت الخوف على القرآن من الضياع ورأى أبو بكر صحة الجمع لهذا المقتضى الذي لم يكن في عهد الرسول ﷺ قائما.
стр. 3580
٦) النوع السادس: ترك الرسول ﷺ لأمور لم تكن وسائلها قد تهيأت ولا الفنون التي يتوقف عليها إنشاؤها قد ظهرت. فهذا الترك ليس مما يتأسى به فيه لأنه لا يخطر على الباب أن نمنع وضع آلات كالساعات التي تعرف بها الأوقات في المساجد أو آلات مكبرة لصوت المؤذن والخطيب ونستند في هذا المنع إلى أن النبي ﷺ لم يفعل هذا في مسجده. فهذا لا يعد الآخذ به مخالفا لسنته وإنما يعد مثل هذا العمل من قبيل المسكوت عنه وهو موضع اجتهاد يرى فيه العلماء رأيهم ويلحقونه بالأصل الذي يصح أن يلحق به من أصول الشريعة وقواعدها الكلية (١)
стр. 3581
٧) النوع السابع: ما نقله الصحابة ﵃ من تركه ﷺ لأمر من الأمور فهذا كما يقول الإمام ابن القيم ﵀ نوعان وكلاهما سنة، أحدهما: تصريحهم بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله كقوله في شهداء أحد، ولم يغسلهم ولم يصل عليهم وقوله في صلاة العيد: لم يكن أذان ولا إقامة ولا نداء وقوله في جمعه بين الصلاتين: ولم يسبح بينهما ولا على إثر واحدة منهما ونظائره.
والثاني: عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد منهم على فعله فحيث لم ينقله واحد منهم البتة ولا حدث به في مجمع أبدا على أنه لم يكن وهذا كتركه التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة وتركه الدعاء بعد
стр. 3582
الصلاة مستقبلا المأمومين وهم يؤمنون على دعائه دائما بعد الصبح والعصر أو في جميع الصلوات.
ومن هنا يعلم أن القول باستحباب ذلك خلاف السنة فإن تركه ﷺ سنة كما أن فعله سنة فإذا استحببنا فعل ما تركه كان نظير استحبابنا ترك ما فعله ولا فرق (١).
فمن هذا التقسيم يتضح أن تروك النبي ﷺ لبعض الأمور تختلف باختلاف أنواعها حسب التفصيل السابق، فيجب على طالب العلم الذي من الله عليه بالحرص على السنة والتأسي بالنبي ﷺ أن يفقه هذا الباب ويتبصر به حتى يعبد الله على بصيرة وحتى لا يقع في بعض المزالق التي وقع فيها بعض الغلاة وحتى لا يضيع في متاهات العباد الذين لم يكن لديهم الفقه في الدين الذي أخبر عنه النبي ﷺ بقوله: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين (٢)» متفق عليه (٣) لهذا فإن الفقه شرط للعمل، فعمل لا يستند إلى دليل، صاحبه في ضياع نسأل الله العافية.
стр. 3583
٥) ترك بعض المندوبات خوفا من فهم العامة أنها واجبة ورأي الإمام مالك ومناقشته:
لا شك أن الخير كل الخير في اتباع النبي ﷺ والسير على نهجه والاقتداء به في أقواله وأفعاله وتقريراته.
يدل لهذا قوله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١)» رواه مسلم وقوله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين (٢)» رواه الترمذي وقال حديث حسن (٣) صحيح وقوله ﷺ : «من رغب عن سنتي فليس مني (٤)» متفق عليه.
стр. 3584
والكلام عن السنة في هذا الموضع إنما هو من جهة أن الأمر قد يكون سنة قولية أو فعلية ثابتة عن النبي ﷺ ويخشى أن يفهم العامة من المداومة عليه وجوبه فهذا قد حصل فيه خلاف بين العلماء.
يرى الإمام مالك أن بعض المندوبات إذا خيف أن يفهم العامة من المداومة عليها وجوبها يرى أن تركها أفضل من فعلها، وقد بنى رأيه هذا على ما هو معروف عنه من القول بسد الذرائع الموصلة إلى الشرور ووجه ذلك أن الشارع قد ندب إلى أشياء ومعروف أن المندوب هو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه والشارع الحكيم الرحيم لما لم يوجبه أراد ألا يجعل المسلم في حرج من التزام هذا المندوب بل متى قدر عليه وتيسر له فعله أتى به وإلا تركه من غير حرج ولا تبعة ولكن قد يعمد البعض إلى التزام هذه السنة ويستديم عليها استدامة على الواجب فلا يتركها تحت أي ظرف من الظروف، فهذا عمل في حد ذاته طيب يثاب عليه لأنه اقتداء بالسنة وعض عليها بالنواجذ.
غير أن في استمرار المسلم على هذا المندوب بطريقة منتظمة حتى لو اعتل جسمه أو وجد مشقة وعنتا ما يجعل السواد الأعظم من العامة يعتقد وجوب هذا المندوب وأنه بمرتبة الواجب لا المندوب فيحافظون عليه محافظتهم على الواجبات ويتأثرون من تركه. فينشأ من ذلك الضيق والحرج والمشقة على الناس بسبب إيجاب ما ليس واجبا والتزام ما ليس لازما، وفي إيجاب المندوب تجن على الشريعة وتشريع لما لم يأذن به الله وهذا مفسدة أي مفسدة.
فلهذا السبب وهو خوف اعتقاد العامة وجوب بعض المندوبات من جراء المداومة عليها كره بعض العلماء ومنهم مالك هذه المواظبة على السنة وذلك للحيلولة دون فهم العامة ذلك وسدا لهذه الذريعة لأن إيجاب ما لم توجبه الشريعة هو مفسدة يجب منعها وسد الطرق الموصلة إليها.
قال الشاطبي ﵀: وكان مالك يكره المجيء إلى بيت المقدس خيفة أن يتخذ ذلك سنة (أي مستديمة) وكان يكره مجيء قباء خوفا من ذلك مع ما
стр. 3585
جاء في الآثار من الترغيب فيه، ولكن لما خاف العلماء عاقبة ذلك تركوه.
وقال الشاطبي: فهذه أمور مندوب إليها ولكنهم كرهوا فعلها خوفا من البدعة لأن اتخاذها سنة إنما هو بأن يواظب الناس عليها مظهرين لها وهذا شأن السنة وإذا جرت مجرى السنن صارت من البدع بلا شك (١).
والخلاصة: أن ما يخشى من فعله اعتقاد العامة وجوبه راعى فيه بعض الأئمة مفسدة اعتقاد العامة وجوب ما هو مندوب إليه فذهبوا إلى كراهته كما ذهب الإمام مالك إلى كراهة صوم ستة أيام من شوال مع صحة الحديث الوارد في فضلها خشية أن يعتقد العامة وجوبها، قال أبو إسحاق الشاطبي: والذي خشي منه مالك وقع فيه العجم فصاروا يتركون (المسحرين) على عادتهم و (البواقين) وكذلك قال أبو إسحاق المروزي في أصحاب الإمام الشافعي: لا أحب أن يداوم الإمام على مثل أن يقرأ كل يوم جمعة سورة الجمعة ونحوها لئلا يعتقد العامة وجوبه (٢).
رأينا في هذه المسألة:
رغم ما ذكره الإمام الشاطبي عن الإمام مالك ﵀ ومن وافقه من تبرير لكراهة بعض المندوبات فإنني أرى أن هذا رأي غير صائب ويترتب على الأخذ به خطأ كبير لأنه يؤدي إلى ترك بعض السنن التي سنها رسول الله ﷺ كما أنه يؤدي إلى إماتة بعض آخر منها ثم إنه قول مبني على الاجتهاد مع وجود النص ومعلوم أنه لا اجتهاد مع النص، فالمندوب إذا ثبت عن النبي ﷺ فإن الخير في الإتيان به والعصمة من الشرور والمفاسد في اتباعه لا في إماتته وإهماله.
فلو كان ما تخوف منه الإمام مالك متحققا لنبه إليه النبي ﷺ ولحذر منه فضلا عن أن يسنه ويندب إليه.
стр. 3586
أما إذا بلغ الجهل بالناس مبلغا يغلب على الظن إساءتهم فهم النصوص والخلط بين الواجب والمندوب فإن الواجب يقتضي حينئذ أن يهب العلماء والدعاة إلى الله لبيان حكم الله وإيضاح شرائعه وكشف ما قد يسبب اللبس والاشتباه على الناس.
أما أن نستسلم لأفهام السذج من الناس ونخضع الشريعة ونجمد بعض أحكامها تبعا لهذه الأفهام الخاطئة فهذا ما لا يجوز أن نلتفت إليه أو نوليه انتباهنا إلا بطريقة البيان والتوجيه وتصحيح الأخطاء، من ذلك فعل عمر بن الخطاب ﵁ حين قبل الحجر الأسود: إني أعلم أنك لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك، (١) فقد جمع بين الأخذ بالسنة ودفع ما عساه يخطر في أذهان العامة من اعتضاد فاسد.
وخلاصة الرأي في هذا هو أن الامتناع من بعض السنن سد لذريعة توهم العامة وجوبها هو امتناع عن سنة ورد النص بها فيكون باطلا لأنه اجتهاد حيث لا يجوز الاجتهاد وهو ملغى لا اعتبار له ولا التفات إليه.
стр. 3587
٦ - بعض المندوبات قد لا يحافظ عليه إلا بعض المبتدعة فهل يجوز هجر هذه السنة خوفا من التشبه بالمبتدعة؟
بعض الأمور يقوم الدليل على أنه مندوب ثم يتهاون فيه الناس ولا يحافظ عليه إلا البعض ممن عرفوا بالابتداع في الدين حتى صار هذا التمسك علامة مميزة لهم وذلك مثل لبس الخاتم باليمين وتسوية القبور وإعفاء اللحى في بعض الأقطار فبعض العلماء رأى ترك هذه السنة خوفا من التشبه بهؤلاء المبتدعة لأن ترك السنة أهون من مشابهة المبتدعة.
ولكن الحق الذي لا مراء فيه هو أن تحي هذه السنة ويعمل بها لثبوتها عنه ﷺ ولأنها من قوله أو فعله لا لأنها من قول مبتدع أو فعل مخرف أما الخوف من مشابهة هؤلاء المبتدعة فلا يعول عليه ولا يلتفت إليه، لأن الحق
стр. 3588
ضالة المؤمن أنى وجده أخذ به يدل لهذا:
١ - أن الرسول ﷺ لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فأمر بصيامه ولم يمنعه ﷺ من أن يصوم يوما كان اليهود يصومونه لأن هذا الصيام حق في نفسه فلا يضره أن صامه اليهود.
٢ - قول الرسول ﷺ لأبي هريرة لما أخبره أن إبليس علمه آية الكرسي ليقرأها إذا أوى إلى فراشه: قال له الرسول ﷺ : «أما إنه قد صدقك وهو كذوب: ذاك شيطان» رواه البخاري (١).
فالحق يقبل ويؤخذ به مهما كان قائله ولا يضر أن يصدر من غير محق كما صوب الرسول ﷺ ما قاله إبليس لأنه حق وافق الحق.
ولو أن الخوف من مشابهة الضالين ينبغي معه مخالفتهم حتى فيما جاء الشرع به لترتب على هذا مفسدة عظيمة حيث إن البعض من الناس قد يجعل هذا مطردا يتذرع به لترك بعض المشروعات، فمثلا:
لو أن غير أهل السنة لازموا إعفاء لحاهم أو حافظوا على دقة المواعيد أو لازموا النظافة في المأكل والملبس أو تميزوا بالصناعة وإتقانها فإن هذه الأمور ونحوها قد طلبها منا الشارع الرحيم لأن فيها عزنا وخيرنا في الدنيا والآخرة فلا يجوز لمدعي الاحتراز من المسلمين أن يقول: هذه أمور تميز بها غير أهل السنة فلا يجوز أن نحرص عليها خوفا من مشابهة هؤلاء، وهذا زعم واضح البطلان، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله.
стр. 3589
هل توجد في القرآن كلمات معربة
بقلم الدكتور محمد تقي الدين الهلالي
الأستاذ بالجامعة الإسلامية "سابقا" والداعية الإسلامي
بمدينة الدار البيضاء بالمغرب العربي
ولد بسلجماسة " تفيلات " سنة ١٣١١هـ
حصل على الدكتوراه في الأدب من جامعة برلين وعلى درجة أستاذ مساعد، ثم على درجة أستاذ من جامعة بغداد.
كان محاضرا في جامعة " بون " وأستاذا في جامعة بغداد، ثم في جامعة محمد الخامس بالمملكة المغربية، ثم في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
يقوم الآن بالدعوة إلى اتباع الكتاب والسنة في مساجد الدار البيضاء بالمغرب.
مؤلفاته كثيرة، منها: سبيل الرشاد - ستة أجزاء، القاضي العدل في حكم البناء على القبور، أحكام الخلع في الإسلام، الهدية الهادية إلى الطائفة التيجانية، تقويم اللسانين ترجمة محققة لمعاني القرآن الكريم بالإنجليزية، بمشاركة الدكتور محمد محسن خان طبيب الجامعة الإسلامية سابقا.
стр. 3590
اعلم أن علماء اللغات اتفقوا على أن كل لغة عظيمة تنسب إلى أمة عظيمة، لا بد أن توجد في مفرادتها كلمات وردت عليها من أمة أخرى، لأن الأمة العظيمة لا بد أن تخالف غيرها من الأمم وتتبادل معها المنافع من أغذية وأدوية ومصنوعات وتعلم وتعليم، فلا بد حينئذ من تداخل اللغات، ولا يمكن أن تستقل وتستغني عن جميع الأمم، فلا تستورد منها شيئا ولا تورد عليها شيئا، والقرآن نفسه يثبت هذا، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (١).
ذكر إبراهيم في دعائه أنه أسكن ذريته يعني إسماعيل وآله بواد غير ذي زرع وهو وادي مكة وإذا لم يكن فيه زرع لم تكن فيه ثمرات، وذكر أثناء دعائه ومناجاته لربه أنه أسكنه وذريته بذلك الوادي المقفر ليقيموا الصلاة، أي يؤدوها قائمة كاملة عند بيت الله ويعبدوه فسأل الله أن يجعل قلوب الناس تهوي إلى ذريته، أي تسرع إليهم شوقا ومحبة وتمدهم بما يحتاجون إليه وأن يرزقهم من الثمرات التي تجلب إليهم من الآفاق والأقطار المختلفة ليشكروا الله على ذلك فيزيدهم، وقد استجاب الله دعوته، فصارت أنواع الحبوب والثمرات والتوابل والأدوات والثياب والتحف والطرائف تجلب إلى مكة من جميع أنحاء المعمورة.
وهذه الأمور التي تجلب إليها كثير منها وضعت أسماؤها في البلدان التي تصدر منها فإذا جاءت مكة يسمونها بالاسم الذي جاءت به فتندمج في لغتهم وتصير جزءا منها والأصل في اللغات أن الأشياء العامة توجد لها أسماء في كل لغة، أما الأشياء الخاصة التي خص الله بها قطرا بعينه فإن الاسم الذي سماها بها أهل ذلك القطر الذي خلقت فيه يبقى في الغالب ملازما.
ولنضرب لذلك مثلا الجوز الهندي والنخيل الذي يثمره وهو "نارجيل" ويسمى بالهندية "ناريل" فهو يجلب إلى غير الهند، دون أن يبدل اسمه، وثمر
стр. 3591
"الأنبه" وهو أحسن الفواكه في الهند وقد يكون أحسن الفواكه مطلقا يوجد دائما في مكة شرفها الله في أحقاقه، إذا أكلته تظن أنك أكلته تحت شجرته وهذه الفاكهة موجودة في مصر وتسمى "مانكة" وتنقل إلى بلدان أخرى ويبقى اسمها ملازما لها.
وكذلك ثمر "أناناس" يجلب من إندونيسيا ويبقى اسمه ملازما له وقس على ذلك، وقد قال أحد علماء الفيلولوجيا أعني علماء اللغات أن لغة سكان أستراليا الأصليين لا تزيد مفرادتها على مائة، لأنهم أبعد الناس عن المدينة التي تستلزم مخالطة الأمم الأخرى وتبادل المنافع معها فكلما عظمت اللغة دلت عظمتها وثروتها ووفرة ألفاظها على مخالطة أهلها لشعوب أخرى واقتباسها منهم فهي تعطي وتأخذ.
وقد أخبرنا القرآن أن قريشا كانت لهم رحلتان، رحلة في الشتاء إلى جنوب الجزيرة العربية اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام وكانوا تجارا ينقلون البضائع من بلد إلى بلد، وكانت مكة شرفها الله تعالى مركزا عظيما للتجارة قبل الإسلام فكانت تنقل إليها البضائع من الشرق والغرب والجنوب والشمال فكيف يتصور أن لغة العرب تبقى مغلقة مختوما عليها لا تخرج منها كلمة ولا تدخلها كلمة.
والأئمة الذين أنكروا وجود كلمات غير عربية في القرآن تمسكوا بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (٢).
وما أشبه ذلك وهم على حق فيما قالوا فليس في القرآن كلمة أعجمية باقية على عجمتها ألبتة، فكل ما في القرآن من الكلمات تنطق به العرب وتفهمه وهو جار على سنن كلامها لا خلاف في ذلك نعلمه، إنما الخلاف في المعرب هل هو موجود في القرآن أم لا؟
стр. 3592
قال السيوطي في الإتقان: " قد أفردت في هذا النوع " كتابا سميته (المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب) وأنا ألخص فوائده فأقول: اختلف الأئمة في وقوع المعرب في القرآن فالأكثرون منهم الإمام الشافعي وابن جرير وأبو عبيدة والقاضي أبو بكر وابن فارس على عدم وقوعه فيه لقوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ (٢) وقد شدد الشافعي النكيرة على القائلين بذلك.
وقال أبو عبيدة: إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين فمن زعم أنه غير العربية فقد أعظم القول ومن زعم أن "لدا" بالنبطية فقد أكبر القول، وقال ابن فارس: لو كان فيه من لغة غير العربية شيئا لتوهم أن العرب: إنما عجزت عن الإتيان بمثله لأنه أتى بلغات لا يعرفونها.
قال محمد تقي الدين الهلالي: إنما يمكن أن يقال ذلك إذا كان في القرآن تراكيب أعجمية، أو كلمات باقية على عجمتها، أما وجود كلمات قد صقلتها العرب بألسنتها، ونحت بها مناحي كلماتها، ودخلت في أوزانها فلا يمكن أحد أن يدعي ذلك فيها، وقد رد القرآن نفسه على من زعم ذلك من أعداء الإسلام الأولين فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (٣) وتحداهم أن يأتوا بسورة مثله بأشد أساليب
стр. 3593
التحدي فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١) ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٣)، فأي عدو يسمع مثل هذا التحدي ثم لا يبذل قصارى جهده في معارضة عدوه وإبطال تحديه ولو أن إحدى الدولتين المتعارضتين اليوم وهما الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي صنعت إحداهما سفينة فضائية مثلا وقالت للأخرى إنك لن تستطيعي أن تصنعي مثلها لغضبت الدولة المتحداة ولم يقر لها قرار، حتى تصنع سفينة مماثلة أو فائقة لما صنعته الدولة المتحدية.
وهنا نحن اليوم نرى الصين الشيوعية لما رأت عدوتها الولايات المتحدة متفوقة في صنع القنابل الذرية والهيدروجينية فقد عقلها حنقا وغيظا وهي جادة في صنع هاتين القنبلتين، وزادها غيظا أن أختها في الشيوعية دولة الاتحاد السوفييتي ضنت عليها في المساعدة على التوصل إلى هذا الغرض مع أن الولايات المتحدة لم تتحد الصين إلا بلسان الحال، بل هذه فرنسا قلبت ظهر المجن لحليفتيها الولايات المتحدة وبريطانيا لأنهما لم يشركاها فيما وصلتا إليه من صنع القنبلتين المذكورتين إلا بقدر ضئيل لا يشبع نهمها ولم يكن أحد من العرب المعادين للإسلام يقول إن الذي منعهم من معارضة القرآن هو وجود كلمات فيه غير عربية بل سلموا أنه كله عربي.
أما كتاب السيوطي الذي سماه "المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب " فلا نعلم أنه موجود في هذا الزمان، لكن الملخص الذي نقله منه مؤلفه في كتاب الإتقان لا يدل على أن المؤلف مع غزارة علمه كان أهلا أن يؤلف في هذا الباب لأنه فيما يظهر لم يكن يعرف إلا اللغة العربية والمؤلف في هذا الموضوع يحتاج إلى إلمام باللغات التي قيل إن بعض مفرداتها قد عرب ودخل في القرآن، فإن لم يعلم بها كلها
стр. 3594
فلا أقل من الإلمام ببعضها، وأكثر علماء العرب مقصرون في علم اللغات، والذين يعرفون شيئا من اللغات الأخرى منهم قليل، وقد كان عمر ﵁ يعرف اللغة العبرانية ويقرأ التوراة ويفهمها. وقال الترمذي في جامعه " باب تعلم السريانية " ثم روى بسنده إلى زيد بن ثابت قال «أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلم كلمات يهود وقال: بأني والله ما آمن يهود على كتابي قال: فما مر بي نصف شهر حتى تعلمته له، قال فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت له وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم، (١)» هذا حديث حسن صحيح.
قال العالم الرباني أستاذي عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري ﵀ رحمة واسعة في شرح هذا الحديث من كتابه "تحفة الأحوذي في شرح الترمذي " ج٣ ص٣٩٢. ما نصه: قال القاري: قيل فيه دليل على جواز تعلم ما هو حرام في شرعنا بالتوقي والحذر عند الوقوع في الشر كذا ذكر الطيبي في ذيل كلام مظهري وهو غير ظاهر إذ لا يعرف في الشرع تحريم تعلم شيء من اللغات سريانية أو عبرانية أو هندية أو تركية أو فارسية وقال تعالى في سورة الروم "٢٢" ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ (٢) أي لغاتهم بل هو من جملة المباحات.
وهذا الحديث رواه أيضا أحمد وأبو داود والبخاري في تاريخه وذكره في صحيحه تعليقا، ومعنى الحديث أن النبي ﷺ أمر الصحابي الجليل كاتب الوحي زيد بن ثابت أن يتعلم كتابة اليهود وفي رواية أمره أن يتعلم السريانية وعلل ذلك بأنه ﵊ لا يأمن اليهود أن يكتبوا له إذا أراد أن يكتب إليهم أو يقرءوا إليه كتابا يأتيه منهم لئلا يزيدوا فيه وينقصوا ويبدلوا ويغيروا فتعلم زيد ما أمره به النبي ﷺ في نصف شهر وقد يشكل فهم هذا من وجهين: الأول: أن المعهود من اليهود أن يتكلموا أو يكتبوا بالعبرانية لا بالسريانية. الثاني: كيف يستطيع متعلم أن يتعلم لغة أجنبية في نصف شهر، والجواب عن الأول أن اليهود في زمان النبي ﷺ بل في زمان عيسى ابن مريم ﵇ وقبله
стр. 3595
بزمن لم يكونوا يتكلمون ويكتبون بالعبرانية لأنها كانت قد انقرضت ولم يبق منها إلا كلمات قليلة تردد في الصلوات وكان اليهود يكتبون علومهم الدينية والدنيوية ويتخاطبون بالسريانية وإنما جددوا العبرانية وأحيوها وبذلوا جهودا عظيمة في هذا العصر الأخير.
والجواب الثاني: أن زيدا لم يتعلم اللغة في نصف شهر وإنما تعلم الكتابة والقراءة، أما معاني لغة اليهود فكان يفهمها لأنها كانت ولا تزال قريبة جدا من لغة العرب، لأن قبائل من اليهود كانت مساكنة للأنصار، وتعلم اللغات الأجنبية للانتفاع بها في أمور الدين والدنيا أمر محمود إذا لم يكن على حساب لغة القرآن كما يفعل سكان المستعمرات المتهوكون في زمان الاستعمار وبعده فيهملون لغة القرآن وهي لغة دينهم وتاريخهم ومجدهم ويتعلمون لغة المستعمر ويتطاولون بها ويشمخون بأنوفهم ويتراطنون بها بغير ضرورة ويحتقرون شعوبهم لعدم استعمال تلك اللغة الأجنبية فهؤلاء أعضاء مجذومة في جسم الأمة يجب قطعها وهم يعلمون أن جميع الأمم تحتقرهم لأنه لا يكون لهم فضل بتعلمهم تلك اللغة الأجنبية إلا إذا أتقنوا لغتهم وكانوا أعضاء نافعين في أمتهم ولكن.
من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام
ثم قال: السيوطي قال ابن جرير: ما ورد عن ابن عباس وغيره من تفسير ألفاظ من القرآن أنها بالفارسية أو الحبشية أو النبطية أو نحو ذلك إنما اتفق فيها توارد اللغات فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة بلفظ واحد.
قال محمد تقي الدين الهلالي: ابن جرير إمام المفسرين في زمانه وما بعده وقد أخطأ في هذا الرأي إذ لا يمكن أن تتكلم هذه الشعوب المتباينة في أنسابها ولغاتها والمتباعدة في أوطانها على سبيل المصادفة والاتفاق وتوارد الخواطر بتلك الكلمات الكثيرة العدد على أن الذين قالوا في القرآن كلمات كانت في الأصل غير عربية صارت بالاستعمال عربية لم يقل أحد منهم إن الكلمة التي أصلها فارسي قد اتفق فيها الفرس مع العرب والنبط والحبشة بل إذا كانت الكلمة فارسية كالأباريق مثلا لم
стр. 3596
تكن حبشية ولا نبطية والكلمة التي قيل إنها حبشية "كابلعي" من قوله تعالى: ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ (١) لم يقل أنها توافق الفارسية والنبطية وهكذا يقال في سائر الكلمات كما سيأتي في ذكر الكلمات التي نسب أصلها إلى غير العربية، ثم قال السيوطي وقال غيره: بل كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلغتها بعض مخالطة لسائر الألسنة في أسفارهم فعلقت من لغاتهم ألفاظ غير بعضها بالنقص من حروفها واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها حتى جرت مجرى العربي الفصيح ووقع بها البيان وعلى هذا الحد نزل بها القرآن، انتهى.
هذا هو الحق الذي لا ريب فيه ثم ذكر السيوطي آراء أخرى يظهر زيفها عند الامتحان فأعرضت عن نقلها، ثم نقل عن الجويني ما معناه في القرآن وعد ووعيد، والوعد يذكر فيه ثواب المطيعين وما أعد الله لهم في الدارين مما تشتهيه أنفسهم ويرغبهم في فعل الطاعات وذلك يتضمن مآكل ومشارب وثيابا ومساكن طيبة وحورا عينا وفرشا طيبا وغلمانا للخدمة وبعض تلك الأمور وضعته أمم غير عربية وسمته بكلمات من لغاتها فنقله العرب عنها فصار في وصف النعيم والعيشة الراضية لا بد منه وضرب لذلك كلمة "إستبرق" مثلا وهو ما غلظ من ثياب الحرير، والسندس ما رق منها قال البيضاوي: وهو معرب "استبره" بالفارسية فلو أريد لتجنب استعمال كلمة إستبرق، فأما أن يترك ذكر هذا النوع من الثياب أصلا فلا يتم المطلوب وهو وصف العيشة الراضية، وأما أن يعبر عنه بكلمتين أو أكثر كثياب الحرير الغليظة فتفوت البلاغة إذا فلا بد من التعبير به ليكون الكلام بليغا.
ثم قال السيوطي قال أبو عبيد القاسم بن سلام بعد أن حكى هذا القول بالوقوع عن الفقهاء والمنع من أهل العربية، والصواب عندي مذهب فيه تطبيق القولين مجتمعين، وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمي كما قال الفقهاء لكنها وقعت للعرب فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربية ثم نزل القرآن بها وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال إنها عربية فهو صادق ومن قال عجمية فصادق، ومال إلى هذا القول الجوالقي وابن الجوزي وآخرون، انتهى.
стр. 3597
الكلمات المشتركة
أول القرآن "بسم الله الرحمن الرحيم" اشتملت على أربع كلمات اسم، الله، الرحمن، الرحيم، أبدأ بالكلام على الرحمن قال السيوطي في كتاب الإتقان: ذهب المبرد وثعلب إلى أنه عبراني وأصله بالخاء المعجمة. قال السيوطي في تفسير قوله تعالى في سورة الفرقان "٦٠" ﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ (١) الآية. . . لأنهم ما كانوا يطلقونها على الله، أو لأنهم ظنوا أنه أراد به غيرهم ولذلك قالوا، أنسجد لما تأمرنا؟ أي للذي تأمرنا يعني تأمرنا بالسجود له أو لأمرك لنا من غير عرفان، وقيل لأنه كان معربا لم يسمعوه. انتهى.
وهذا يدل على ما قلته سابقا من جهل أكثر علماء العرب باللغات حتى أخوات لغتهم كالعبرانية والسريانية، فالرحمن كلمة عربية خالصة من الرحمة بزيادة الألف والنون كضمآن وعطشان وكانت العرب تعرفه وتفهم معناه وقد سموا به مسيلمة الكذاب فكانوا يدعونه "رحمن اليمامة" ولكنهم لجهلهم لم يكونوا يعلمون أنه من أسماء الله. ومن أعجب العجب قولهم أنه عبراني وأن أصله بالخاء المعجمة، والخاء المعجمة لا وجود لها في العبرانية استقلالا؟ وإنما تنطق الكاف بها إذا جاءت قبلها حركة مثل "ها براخا" البركة ومثل باروخ، أي مبارك، ومعناه بالعبرانية هو معناه بالعربية إلا أنه في اللغة العبرانية صفة عامة لكل من في قلبه رحمة ليس خاصا بالله تعالى، إذا فهو من الكلمات المشتركة بين العبرانية والعربية وهي كثير تعد بالآلاف، وهذه الكلمات الأربع التي في البسملة كلها مشتركة بين اللغتين، فالاسم (شم) بإبدال السين شينا وذلك كثير في العبرانية، والله "إلوهيم" والرحمن "هارحمن" وهذه الكلمات الكثيرة المشتركة بين اللغات السامية هي أصيلة في كل واحدة منها لا يقال إن إحداهن أخذتها من الأخرى وهذا هو الشأن في كل مجموعة من اللغات ترجع إلى أصل واحد كاللغات اللاتينية كالإيطالية والأسبانية والفرنسية والرومانية والبرتكالية، ومجموعة اللغات الجرمانية كالألمانية والهولاندية والفلمنكية والسويدية والنرويجية والدانمركية.
стр. 3598
لفظ الجلالة" الله " هل هو مشتق أو مرتجل ؟
ومن ذلك المعركة الكبيرة التي خاضها علماء العربية في لفظ الجلالة "الله" أهو مرتجل؟ أم مشتق؟ وإن كان مشتقا فهل اشتقاقه من "أله" أو من وله، أو من "لاه"؟ وما هو أصله على كل من هذه الأوجه؟ وماذا جرى عليه من الحذف والإدغام حتى بلغ صورته التي هو عليها؟ ومن تعلم شيئا من اللغات السامية أخوات اللغة العربية بل بناتها عند المحققين لا ينقضي عجبه من الخائضين في تلك المعركة ويرى جهودهم ضائعة ويحكم يقينا أن الاسم الكريم مرتجل بلا مرية وهو بعيد كل البعد من الاشتقاق، فإنه ثابت بهذا اللفظ في جميع اللغات السامية، ففي السريانية "ألاها" والشرقيون منهم ينطقون به "ألاه" وهو كذلك في الأشورية "ألاه" بفتح الهمزة في اللغات الثلاثة وبالعبرانية "إلوهيم". ولا تختلف الشعوب السامية فيما أعلم في هذا الاسم الكريم وكذلك في مجموعة اللغات اللاتينية وفي مجموعة اللغات الجرمانية في الاسم الكريم عندهم واحد مهما اختلفت لغاتهم في الكلمات الأخرى لا تختلف فيها.
стр. 3599
مثال يدل على تقارب اللغتين العربية والعبرانية
جاء في ترجمة يوسف روفلين للقرآن الكريم بالعبرانية في أول سورة الصف ما نصه مع استبدال الحروف العبرانية بحروف عربية: "با را شت ها معرخا" سمرة المعركة "بشم الوهيم ها رحمن وهاد حوم" "يشبح يات الوهيم كل أشر بشاميم" "وخل أشر يا آرص وهو هكبور واهلحخام هما أستيم لا ماتومرووات أشر لو تعسوا". بسم الله الرحمن الرحيم ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (٢).
стр. 3600
فأنت ترى أن الألفاظ كلها مشتركة من أول البسملة إلى قوله تعالى "لم" إلا أن لفظ سبح "أبدلت سينه شينا وحل المضارع محل الماضي" وهذا الفعل في العبرانية متعد بنفسه وكذلك في العربية قال تعالى في سورة "ق" (٤٠) ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ (١) وإلا ترجمة "ما" الموصولة بأشر وزيادة "كل" لأن الترجمة إنما هي تفسير وإبدال سين السماوات شينا وجمعها بالياء والميم واستعمال باء الجر في موضع "في" وهو جائز في العربية قال تعالى في سورة الصافات (١٣٧ - ١٣٨) ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ (٢) ﴿وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٣) وإبدال ضاد الأرض صادا، وإبدال العزيز بالجبار "هكبور" وهما متقاربان في المعنى وإبدال الحكيم "هاحاخام" وهما شيء واحد إلا أن الكاف أبدلت خاء.
وترجمة "يا أيها الذين آمنوا" هماءنيميم يعني المؤمنين، وترجمة "لم" بـ "لاما" وتقولون بـ "تؤمرو" وترجمة "لا" بـ "لو" وهما شيء واحد بإمالة الألف إلى الواو، وترجمة "تفعلون" بـ "تعسوا" الواو في تؤمروا، وتعسو "واو" الجماعة وحذفت النون فيهما بلا ناصب ولا جازم كما تحذف في العاميات العربية وهذه النون هي نون الرفع وهي ثابتة في التوراة وفي مواضع تفوت الحصر وليس كما قال بعض المستشرقين في خمسة مواضع فقط.
стр. 3601
أمثلة من الكلمات التي قيل إنها وقعت في القرآن من غير العربية
١ - أباريق: قال السيوطي في الإتقان حكى الثعالبي في فقه اللغة أنها فارسية، وقال الجوالقي الإبريق فارسي معرب ومعناه طريق الماء أو صب الماء على هينة.
قال في لسان العرب: والإبريق إناء وجمعه أباريق فارسي معرب، قال ابن بري: شاهده قول عدي بن زيد:
ودعا بالصبوح يوما فجاءت ... قينة في يمينها إبريق
وقال كراع هو الكوز، وقال أبو حنيفة مرة هو الكوز وقال مرة هو مثل
стр. 3602
الكوز، وهو في كل ذلك فارسي معرب وفي التنزيل ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ (١) ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ (٢) وأنشد أبو حنيفة لشبرمة الضبي:
كأن أباريق الشمول عشية ... أوز بأعلى الطف عوج الحناجر
وقال الفيروزآبادي في القاموس الإبريق معرف "أبرى" جمع أباريق انتهى.
قال بعض العلماء هو مركب من كلمتين "آب" وهو الماء و" راه " وهو الطريقة، وقيل مركب من "آب" وهو الماء و"ريخش" وهو الصب على مهل قاله آرثر جفري في كتابه الألفاظ الأجنبية في القرآن.
стр. 3603
٢ - الآب:
وقال السيوطي "آب" قال بعضهم وهو الحشيش بلغة أهل الغرب حكاه شيدلة انتهى.
ونقله عنه جفري وفسر لغة أهل الغرب بالبربرية، أقول وهذا من أعجب العجب ولا نعلم أن العرب كانت لهم علاقة بالبربر قبل الإسلام حتى تقتبس العربية من لغتهم ثم إن هذه الكلمة يبعد كل البعد أن تكون بربرية لأنها لا تشبه الكلمات البربرية وإنما تشبه العربية والسريانية والعبرانية وقال جفري: إنه مأخوذ من "أبا" الأرامية ومعناه الخضرة وقال في لسان العرب: الأب الكلاء، وعبر بعضهم عنه أنه المرعى، وقال الزجاج: الأب، جميع الكلاء الذي تعتلفه الماشية، وفي التنزيل العزيز (فاكهة وأبا) قال أبو حنيفة: سمى الله تعالى المرعى كله أبا، قال الفراء: الأب ما تأكله الأنعام، وقال مجاهد: الفاكهة ما أكله الناس، والأب ما أكلت الأنعام، فالأب من المرعى للدواب كالفاكهة للإنسان.
قال ثعلب: الأب كل ما أخرجت الأرض من النبات، وقال عطاء: كل شيء ينبت على وجه الأرض فهو الأب.
وفي حديث: أن عمر بن الخطاب قرأ قوله ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ (١) وقال: فما الأب؟ ثم قال ما كلفنا وما أمرنا بهذا انتهى.
стр. 3604
وقال ابن كثير عن ابن جرير بسنده إلى أنس قال قرأ عمر بن الخطاب ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ (١) فلما أتى هذه الآية " وفاكهة أبا " قال عرفنا الفاكهة وما الأب؟ وقال لعمرك يا ابن الخطاب فإن هذا لهو التكلف، فهو إسناد صحيح رواه غير واحد عن أنس به. وهذا محمود على أنه أراد أن يعرف شكله وجنسه وعينه وإلا فهو وكل من قرأ هذه الآية يعلم أنه من نبات الأرض لقوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ (٢) ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ (٣) ﴿وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا﴾ (٤) ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ (٥) ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ (٦)
стр. 3605
٣ - ابلعي:
قال السيوطي في الإتقان أخرج ابن حاتم عن وهب بن منبه في قوله تعالى "هود- ٤٤" ﴿ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ (١) قال بالحبشية: ازدرديه، وأخرج أبو الشيخ من طريق جعفر بن محمد عند أبيه قال: اشربي بلغة الهند انتهى.
وإن تعجب فعجب قولهم "ابلعي" بلغة أهل الهند وهذا القول إلى الهزل أقرب منه إلى الجد وقائله ليس أهلا أن يؤخذ عنه العلم وإنما هو يهرف بما لا يعرف وأهل الهند أجناس كثيرة لهم مئات من اللغات لا تكاد تسير مسافة يوم إلا وجدت جنسا آخر له لغة أخرى، وفي زماننا هذا نرى الدماء تسفك بينهم بسبب اللغات فلا يرضى جنس أن تكون لغة الدولة لغة أخرى غير لغته، وفي زمن الاستعمار لم تكن في الهند لغة يستطيع المسافر أن يتكلم بها ويجد من يفهم كلامه في جميع أنحاء الهند، إلا لغتين أحدهما الإنجليزية وهي لغة الدولة الحاكمة، والثانية لغة المسلمين وهي لغة أوردو على أن "بلع" كلمة عربية سامية أصيلة عريقة في عروبتها وساميتها وترفع راية اللغات السامية وهي حرف العين.
ومن المعلوم عند علماء اللغات أن العين والحاء لا توجدان إلا في اللغات السامية فإن وجدت إحداهما في كلمة من لغة غير سامية فتلك الكلمة طارئة واردة على تلك اللغة وبهذا يستدل الفيلولوجيون على أن البربر من الشعوب السامية وأنهم خرجوا من جزيرة العرب قبل خروج البابليين والأشوريين، والكنعانيين، والفينيقيين كما هو مبين في موضعه ونحن نرى إخواننا عامة المسلمين من أهل الهند يبذلون جهودهم
стр. 3606
في النطق بقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١)
فلا يتمون النطق بالعينين حتى تغفر ذنوبهم من مشقة النطق بهما. ولذلك نرى السيوطي في كتاب الإتقان كحاطب ليل وليس تحقيق ولا إتقان وهذا شأنه في علوم المنقول، أما في علوم المعقول كعلوم العربية فهو فارس لا يشق له غبار وقد تحامل عليه الحافظ السخاوي في كتابه "الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع" فالله يغفر لهما جميعا.
стр. 3607
٤ - (أخلد)
قال السيوطي في الإتقان: قال الواسطي في الإرشاد: أخلد إلى الأرض ركن بالعبرانية انتهى.
أقول: هذا القول لا يقوله إلا جاهل باللغات السامية فإن أخلد وخلد موجودتان في اللغتين كلتيهما ومتفقتان في معانيهما في الجملة فمن قال إنهما عبريتان وليستا عربيتين فقد قفا ما لا علم له به ومن قال العكس فهو مثله، وإنما توجد بالعرض في حرف الكاف إذا جاءت بعد حركة، ولم نر أحدا من علماء اللغة العربية أشار إلى أن (أخلد) عبرانية كما ادعى هذا المدعي.
قال في لسان العرب: وخلد إلى الأرض وأخلد أقام فيها وفي التنزيل العزيز ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ (١) أي ركن إليها وسكن وأخلد إلى الأرض وإلى فلان، أي ركن إليه ومال إليه ويرضى به، ويقال خلد إلى الأرض بغير ألف وهي قليلة انتهى.
وقال البيضاوي في تفسيره ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ﴾ (٢) مال إلى الدنيا أو إلى السفالة (واتبع هواه) في إيثار الدنيا واسترضاء قومه وأعرض عن مقتضى الآيات انتهى.
٥ - الأرائك:
قال السيوطي في الإتقان حكى ابن الجوزي في فنون الأفنان أنها السرر بالحبشة انتهى.
стр. 3608
قال الراغب: الأريكة حجلة على سرير جمعها أرائك وتسميتها بذلك إما لكونها في الأرض متخذة من أراك وهو شجر أو لكونها مكان للعامة من قولهم أراك بالمكان أروكا وأصل الأروك الإقامة على رعي الأراك ثم تجوز به في غيره من الإقامات، اهـ.
وقال في لسان العرب: والأريكة سرير في حجلة والجمع أريك وأرائك، وفي التنزيل ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ (١) قال المفسرون: الأرائك السرر في الحجال وقال الزجاج: الأرائك الفرش في الحجال وقيل: هي الأسرة وهي في الحقيقة الفرش كانت في الحجال أو في غير الحجال وقيل: الأريكة سرير منجد مزين في قبة أو بيت فإذا لم يكن فيه سرير فهو حجلة، وفي الحديث: «ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكة فيقول بيننا وبينكم كتاب الله (٢)»، الأريكة السرير في حجلة من دونه ستر ولا يسمى منفردا أريكة، انتهى.
قال في اللسان: والحجلة مثل القبة وحجلة العروس معروفة وهي بيت يزين بالثياب والأسرة والستور فقد رأيت أن الأرائك كلمة عربية خالصة وبطل ما ادعاه السيوطي ومن نقل عنه.
стр. 3609
٦ - (أسباط) قال السيوطي في الإتقان حكى أبو الليث في تفسيره أنها بلغتهم كالقبائل بلغة العرب انتهى.
وفي هذا الكلام شيء ساقط لأن الضمير في لغتهم لم يذكر ما يعود عليه وهذا الساقط يحتمل أن يكون يدل على بني إسرائيل وكلام الجفري يؤيد هذا الاحتمال وهذا نص ترجمته العربية.
اضطر أبو الليث أن يعترف أنه أي السبط لفظ عبراني مستعار، قال السيوطي في الإتقان وقد أطال جفري البحث في هذا اللفظ وادعى أنه لم يستعمل في كلام العرب قبل استعماله في القرآن وربما يكون أول من استعمله محمد.
стр. 3610
ونحن نقول لجفري وأمثاله من الذين أعمى التعصب بصائرهم وأفقدهم صوابهم أن الله الذي أنزل التوراة والإنجيل - اللذين تؤمن بهما - هو الذي أنزل القرآن على عبده ورسوله محمد بن عبد الله خاتم النبيين على رغم أنفك ولا ضير على القرآن أن يوجد فيه لفظ شاع استعماله في العبرانية لأن هاتين اللغتين نشأتا من أصل واحد وإذا جاز أن يكون في القرآن ألفاظ هي في الأصل فارسية مع أن لغة الفرس بعيدة من لغة العرب فما المانع أن توجد فيه ألفاظ عبرانية وسريانية؟
وإذا اعتبرنا السبط اسما لقبيلة من قبائل بني إسرائيل فالتعبير به طبيعي وهو أولى من التعبير عنه بالقبيلة لأنه صار شبيها بالأعلام التي يجب ذكرها بلفظها.
قال في لسان العرب والسبط من اليهود كالقبيلة من العرب وهم الذين يرجعون إلى أب واحد، سمي سبطا ليفرق بين ولد إسماعيل وولد إسحاق وجمعه أسباط وقوله : ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ (١) ليس أسباطا بتمييز لأن المميز إنما يكون واحدا لكنه بدل من قوله (اثنتي عشرة) كأنه قال جعلناهم أسباطا والأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من العرب انتهى.
وأصله بالعبرانية (شبط على وزن إبل ومعناه القضيب والعصا والقبيلة.