الطائفة الأولى: طائفة أنكرت البعث والجزاء من أساسه، لأنهم أنكروا المبدأ الأول من أصول الإيمان وأركانه (أعني مبدأ الاعتراف بالإله وإفراده بالعبادة)، وقالوا (ونعوذ بالله ونبرأ مما قالوا): إن العالم بلا إله، ولقد بلغ انطماس البصيرة عند أحدهم بعد أن ارتاد من مجالي الكون ما ارتاد، وبعد أن تجلى له من آثار الخلاق العظيم ما تجلى أن يقول: (رأيت في رحلتي الفضائية كذا وكذا، ولكنني لم أر الله)!! يا سبحان الله!! ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (١).
стр. 3677
الطائفة الثانية: طائفة اعترفت بالله، ولكنها كفرت بجزائه ولقائه والبعث ليوم عظيم ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) - وظاهر أن كفرها بالبعث واليوم الآخر كفر بالله، لأن أركان الإيمان الستة متآخية متلازمة، فمن كفر ببعضها كان كافرا بها كلها ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (٢) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٣)، ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٤).
стр. 3678
الطائفة الثالثة: صدقت بالله إلها حقا، قادرا عليما، وعدلا حكيما، واستدلوا على ذلك بعقولهم، وفطرتهم: فقالوا: إننا إذا تأملنا في أي جهاز من الأجهزة المنظمة كالمذياع (والساعة) مثلا - لا يمكن لعقولنا أن تتصور أن هذا الجهاز نشأ هكذا من غير صانع صنعه، وبنظرنا في هذا العالم نجده قد احتوى على نواميس وقوانين وصنعة في غاية الدقة والحكمة والإتقان، تنبئ بيقين عن صانع قادر حكيم عليم.
وصدقت هذه الطائفة بالبعث أيضا - كما صدقت بالإله - واستدلت كذلك على البعث بقولهم وبفطرتهم: فقالوا: إننا كثيرا ما نرى في هذه الدنيا - طاغيا باغيا ظالما عاتيا، يسفك الدماء، ويهتك الأعراض، ويسلب الأموال، ويعسف بالضعفاء الأبرياء، ثم يموت في أوج عظمته من غير أن ينال جزاءه.
وكثيرا ما نرى - أيضا - ضعيفا، مهيض الجناح، وديع النفس، دمث الخلق، صبورا على البلايا والشدائد، رضيا بالقضاء والقدر، وقد يعتدى عليه فلا
стр. 3679
يتسخط ولا يتضجر، ويؤذى فلا يتبرم ولا يجزع، ثم يستمر على ذلك حتى يوافيه أجله من غير أن يأخذ بحقه أو يؤخذ له - وإننا قد آمنا بأن لهذا العالم إلها حكيما، قادرا عليما - فمقتضى حكمته أن تكون هناك دار للفصل والعدل ينال فيها كل إنسان جزاءه الذي فاته في هذه الدار الدنيا.
ونظريتهم هذه قد جاء بها القرآن الكريم في أكثر من موضع، فقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (١) ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (٢)؟ ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ (٣) ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (٤)؟ ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ (٥)؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ (٦) ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ (٧). ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ (٨). هذه الطائفة الثالثة لو أنها آمنت بالله وبالجزاء واستدلت على ذلك بعقلها وفطرتها - حفظت شيئا، وغاب عنها أشياء - فقد نسيت أو تناست أن أمر البعث واليوم الآخر من الأمور الغيبية، التي لا يمكن للعقل والفطرة - وحدهما - أن يعرفا تفاصيلها بيقين، بل لا بد أن يكون بجانبهما (هاد) يأخذ بيدهما وينير لهما السبيل - حتى لا يضل صاحبهما في متاهات وفي خيارات تنكبه الطريق.
وإن من رحمة هذا الإله الحق الحكم العدل - أن بعث ذلك الهادي المنير، وأنزل وحيه على رسله الذين اصطفاهم وأيدهم بالمعجزات، ليبصروا الناس بما يلزم أن
стр. 3680
يعرفوه عن هذا العالم (الغيب) الذي لا تدرك تفاصيله على الوجه الصحيح - بمجرد العقل والفطرة.
نسيت أو تناست هذه الطائفة ذلك، وتغاضت عن مصباح الوحي وهدي الرسل، فضلت في مفهوم (البعث واليوم الآخر)، وقالوا: إنه بعث بالأرواح لا بالأجساد، وقالوا: إن الحكم العدل سيجزي الأرواح على الخير خيرا، وعلى السوء سوءا ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (١) - أما الأجساد فقد فنيت، فكيف تعود؟
وهنا كانت نكستهم، فوقعوا في حمأة الكفر بإنكارهم البعث الجسماني، وكأني بهم قد تحيزوا إلى الفئة التي قالت: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (٢) - ولنا - نقاش - مع هؤلاء الذين - أنكروا البعث الجسماني، والذين أنكروا البعث مطلقا، أو أنكروا الإله.
стр. 3681
(٦ - مناقشات لهذه الطوائف)
الطائفة الأولى: أي التي كفرت بالله، وأنكرت البعث والجزاء: لن أسلك بهذه الطائفة مسلك الفلاسفة، ولن أخوض معهم في تلك المقدمات والأقيسة الطويلة، بل سأكتفي بأن أذكرهم بقانون من كلامهم، وأبني عليه سؤالا قصيرا أوجهه إليهم فإن أجابوا عليه انحل الإشكال ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ (١) وإن عجزوا عن الإجابة أحلتهم على موطن الإجابة الكافية الشافية، وإن عاندوا وكابروا - فلا فائدة من مناقشتهم ماداموا مصرين على عنادهم: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢).
أما قانونهم الذي يقررونه ويدرسونه في العلوم الكونية، ويؤمنون به كإيمانهم بأن السماء فوقنا والأرض تحتنا فهو قانون (القصور الذاتي)، وخلاصته:
(أن كل ساكن يبقى على سكونه حتى يحركه محرك، وكل متحرك يمضي في حركته واتجاهه، فلا يقف عن حركته ولا يلوي عنها إلا بعامل يسكنه، أو يحوله عن اتجاهه).
стр. 3682
يعني: إن كل شيء يبقى على حالته، ولا يخرج عنها إلا بمخرج يخرجه عنها. هذا هو قانونكم، فاستمعوا لسؤالي:
عناصر الأرض ميتة (أوكسجين أدروجين) وهما (جماد) كما تقولون - ونحن معكم أيضا. فإذا نزل الماء الجماد المركب من عنصرين ميتين على الأرض الميتة - سرت فيها حياة - كما تقولون في (علم الأحياء) ونحن معكم، وقد سبق القرآن بتقرير ذلك أكثر من مرة ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (١) ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ (٢) ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (٣).
فبالله خبروني: من الذي أخرج الماء الميت المركب من عناصر ميتة، والأرض الميتة - من موتها؟ ومن الذي بعث الحياة في هؤلاء العناصر الأموات؟؟ ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (٤).
وبعبارة أخصر وأوضح: (من الذي أخرج الحي من الميت)؟؟؟
(إن أجبتم) بأنه القوي الباطن الذي لا تدركه الأبصار، القادر الظاهر البارئ لما نرى من مخلوقات وآثار، الذي وصف نفسه بقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (٥) أكملنا لكم الآية الكريمة من سورة الروم: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (٦) وهنا لزمكم الاعتراف بالخالق الباعث.
(وإن عجزتم عن الإجابة) أحلتكم على مواطن الإجابة مسطورة ومنشورة، ومرئية ومسموعة، لكي تنظروها بأعينكم في هذا الكون المملوء بالآيات والآثار والظواهر والأسرار، ولكي تقرءوها، وتسمعوها بآذانكم وتتدبروها وتعوها بقلوبكم وعقولكم - في كتاب ربكم.
стр. 3683
﴿انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (١) ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ (٢) ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ (٣) واقرءوا بتدبر كل آية مختومة بقول الله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ (٤) اقرءوا ذلك وأمثاله في سور (الحجر، والنحل، والروم، والنمل، وطه، وياسين، والنبأ، والنازعات، وعبس، والغاشية، والصافات، والطارق، والقيامة، والمرسلات. . .).
(وإن نكلتم عن الإجابة) وأصررتم على العناد - فلا سبيل إلى إقناعكم أو هدايتكم ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ (٥) ﴿لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٦).
الطائفة الثانية: التي اعترفت بأن للعالم إلها، ولكنها أنكرت البعث وكفرت باليوم الآخر: موقفنا مع هؤلاء في غاية الوضوح:
أنتم صدقتم بأن للعالم إلها حقا - وهذا الإله الحق أخبر عن مجيء اليوم الآخر وعن البعث والجزاء، كما جاء في وحيه وعلى ألسنة رسله، فأنتم بين أمرين:
إما صدقتموه فيما أخبر به من البعث والجزاء. . . إلخ - فأنتم - إذا - مؤمنون بالله واليوم الآخر، فلنحمد الله ولتحمدوه ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ (٧).
وإما كذبتموه وأنكرتم ما أخبر به - فأنتم - إذا - مع الطائفة الأولى الكافرة بالله واليوم الآخر - فارجعوا إلى الحوار الذي دار بيننا وبينهم حتى أفحمهم وألجمهم، وألزمهم أن يعترفوا بالإله الحق.
الطائفة الثالثة: التي اعترفت بالإله الحق، القادر، الحكيم، العليم، وآمنت
стр. 3684
بالبعث والجزاء تحقيقا لعدالته وحكمته - ولكنها أخطأت في مفهوم البعث، فقالوا: إنه بعث روحي لا جسمي، وإن الله العدل الحكيم سيجزي الأرواح على الخير خيرا وعلى السوء سوءا - أما الأجساد - فقد بليت ولن تعود.
نسأل هذه الطائفة: لقد اعترفتم بالإله، وبعدله - وهذا حق ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (١) فما سبب إنكاركم للبعث الجسماني - مع أن الإله قد أخبر عنه ووعد به نصا صريحا لا يحتمل غير الحقيقة السافرة التي لا تجوز فيها ولا كناية، واقرءوا ذلك في مئات الآيات وعشرات السور من كتاب الله، وكلماته التامة صدقا وعدلا. ولولا خشية الإطالة لسبحت بكم سبحا طويلا في هذه الآيات البينات التي لا تحف بها أي قرينة تصرفها عن المعنى الحقيقي إلى مجاز أو كناية.
стр. 3685
(٧ - الشبه التي أثارها منكرو اليوم الآخر) - والرد عليها
لقد أثار منكرو البعث الجسمي في سبيل هذه العقيدة شبها يمكن حصرها فيما يلي:
١ - قالوا: إن إعادة الشيء الذي انعدم وفنى مستحيلة، فكيف تقولون بها؟
٢ - وقالوا: إن الإنسان إذا بلى تفتت أجزاؤه، وتحللت عناصره، وتناثرت ذراته، وضلت، وبخاصة إذا حرقت وذريت، وصارت واحدة منها إلى قاع بحر، وثانية إلى قمة جبل، وثالثة في أقصى الشرق، ورابعة في أقصى الغرب، وهكذا. . . فكيف تجمع وتعاد كما كانت؟؟
٣ - وقالوا: الحياة لا بد لها من حرارة، وقد ذهبت حرارتها بالموت والبلى، فأنى لها هذه الحرارة وكيف تعود؟
٤ - وقالوا: إن الذي خلق هذا الكون العجيب المليء بالإبداع والدقة قد بذل جهدا يضني، وطاقة تعيي تعالى الله عن ذلك - فكيف يقدر على إعادته، ومن أين له بهذه الطاقة وذلك الجهد؟؟
٥ - وقالوا: إنه قد أفرغ الغاية في إبداع العالم - فما الداعي لتخريبه؟
стр. 3686
ألا يكون ذلك عبثا؟
٦ - قالوا: إن منهجنا علمي تجريبي، لا نؤمن إلا بما تدركه حواسنا، ولا نصدق بشيء وراء الحس.
٧ - وقالوا: إذا أكل إنسان إنسانا آخر وهضمه، وصار جسم المأكول في جسم الآكل، فكيف يعودان؟ أيعود الشخصان وقد صارا جثة واحدة؟ أم يعود واحد منهما فقط وأين الثاني؟
٨ - وقالوا: إذا فرضنا (أن زيدا من الناس) مر بطورين: كفر وإيمان، وكان في أحدهما هزيل الجسم، وفي الطور الآخر سمينا فهل يعاد هزيلا فلا تنال الأجزاء التي كانت تسمنه جزاءها؟ أم يعاد سمينا فتنال هذه الأجزاء جزاء ما لم تكن تستحقه لأنها لم تكن موجودة؟ هذه هي الشبه التي أثاروها - ثمان - ولا شيء بعد ذلك، وقد تكفل القرآن بالرد عليها، وتفنيدها واحدة واحدة، ردا محكما لا يترك ثغرة لمرتاب، وبأسلوب هو غاية الإعجاز في الإتقان والإحكام، حتى لا تكون لفيلسوف حجة ولا شبه حجة، وهو أيضا غاية الإعجاز في اليسر والسلاسة والرحابة، حتى لا يعجز الإنسان العادي بفطرته عن فهم العقيدة، والإيمان بها إيمانا صحيحا جازما وافرا في قلبه، آخذا عليه أرجاء نفسه.
وذلك، لأن هذا الدين لم يجئ لطائفة دون أخرى - بل هو دين الفطرة، ورسالة الله للعالم كله بعث به خاتم رسله ليكون للعالمين نذيرا، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١).
الرد على هذه الشبه:
١ - في الشبهة الأولى تستبعدون البعث، وتقولون: إن إعادة المنعدم مستحيلة ونرد عليكم بأن الإعادة أسهل من البدء (في مقاييسنا نحن البشر) - أما أمام
стр. 3687
قدرة الله فالبدء والإعادة سواء، كلاهما على الله يسير واسمعوا لرد القرآن الكريم: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ (١) ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (٢) ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (٣) ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ (٤)؟ فكيف يعجز عن إعادته؟ مع أنه قد كان شيئا ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ (٥) ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ (٦).
٢ - قلتم: كيف تجمع العناصر والذرات، بعد أن ذهبت بددا، وضلت ضبطا وعددا؟ وصارت مجهولة المكان والجواب: أن جمعها، وإيجادها وإعادتها كما كانت لا تحتاج إلا لشيئين:
علم: تام محيط إحاطة كاملة بمقاديرها، وعددها، وأماكنها وكل ما يتصل بها.
وقدرة: كاملة تبرزها من العدم، أو تجمعها من الشتات، وترجعها كما كانت.
والعلم والقدرة من صفات الإله الحق الذي خلق هذا العالم المحسوس أمامكم مليئا بآثار القدرة، وأسرار العلم والحكمة، وأنتم أنفسكم تكشفون كل يوم جديدا، وفي كل شيء له آية، تدل على قدرته الكاملة وعلمه الشامل، وحكمته السامية واسمعوا لرد القرآن الكريم على هذه الشبهة، إذ يثبت صفة العلم، وصفة القدرة فيقول:
﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ (٧) ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ (٨) إلخ السورة (سورة ق).
стр. 3688
﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (١) ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٢) ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ (٣) ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (٤).
واقرءوا ما شاء الله أن تقرءوا من سور (يونس، والرعد، والحجر، والنحل، والمؤمنون، والنمل، والروم، ولقمان، والسجدة، وسبأ، وفاطر، وياسين، والصافات، وذوات "حم". .) وغيرها.
٣ - في الشبهة الثالثة: قلتم: لا بد للحياة من حرارة وقد ذهبت الحرارة بالموت والفناء، فكيف تعود؟
والجواب: أيصعب على القادر العليم الذي أوجد الحرارة ثم أفقدها أن يوجدها في العودة؟ ثانيا: وها نحن أولاء أبناء البشر مع ضعفنا وعجزنا قد استطعنا بما كشفنا من قوانين ونواميس وضعها رب هذا الكون في الكون وعلمناها بما شاء من وسائل التعليم أن نعيد الحرارة بعد ذهابها بالضغط على زر كهربي أفيجوز بعد ذلك أن نتساءل هذا التساؤل الساذج القائل: من ذا الذي يستطيع أن يوجد الحرارة بعد ذهابها من الجسم بموته أو بتمزقه أو بفنائه؟ واسمعوا لرد القرآن الكريم على هذه الشبهة: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ (٥)
стр. 3689
﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ (١) ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ (٢) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ (٣).
٤ - قلتم: إن خلق العالم أجهده وأعياه، فلا يستطيع أن يعيده بعدما أفناه.
وهذه شبهة تثير الضحك الساخر، ولا أجد لها ردا أبلغ ولا قطعا أحسم من حالتكم إلى النظرة في العالم وصنعته، والتأمل في القرآن وحجته: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ (٤)؟ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٥) - إنما يعيا ذو القدرة المحدودة، الذي يبذل جهدا في العمل، ويحتاج لآلة أو طاقة، أما الإله القادر على كل شيء فهو كما قال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٦) ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (٧).
٥ - قلتم: إن حكمة الله وعظمته تجلت في إبداع هذا العالم، فما هو الداعي لتخريبه وإبداله بعالم آخر؟ ونقول لكم: إن حكمة الله وعظمته أكبر مما تجلى في هذا العالم الذي خلقه قابلا للفناء، ولو كانت حكمته محدودة بهذه الدنيا الفانية لكان خلقها كاللعب والعبث - وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
стр. 3690
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ (١) ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ (٢) ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ (٣) ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ (٤) ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ (٥).
٦ - قلتم: إن منهجكم علمي تجريبي، وإنكم لا تصدقون إلا بالحس والمشاهدة، ولا تعترفون بغيب وراء هذه المادة.
ونقول لكم:
أولا: هل شاهدتم الكهرباء؟ هل عرفتم حقيقة المغناطيسية؟ هل أبصرتم الروح التي بين جنبيكم؟ هل تصدقون بأن حولكم ملايين الأحياء الدقيقة التي لم تعرفوها إلا منذ عهد قريب، وبواسطة الميكروسكوب ونحوه عرفتم عن بعضها شيئا، وأن ما خفي منها أكثر، وأن ما جهلتم أضعاف ما علمتم؟ ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ (٦) ومع ذلك سنتنزل معكم ونسألكم:
ثانيا: ماذا تريدون (بالمحسوس) الذي لا تؤمنون إلا به؟ أتريدون محسوسا يرى بالعين، أو يسمع بالأذن، أو يشم بالأنف، أو يقبض عليه باليد؟؟؟
إن كثيرا من الأشياء موجودة، ولكنها لا رائحة لها، ولا مذاق لطعمها، ولا يمكن أن تمسك باليد وأنتم تعرفونها ولا تنكرونها وتستدلون على وجودها بآثارها، وما يصدر عنها من رائحة أو غير رائحة.
ثم إذا أردتم (وسائل إيضاح) ونماذج محسوسة مشهودة بالأبصار تقرب لحسكم عملية البعث، كما تقرب (وسيلة الإيضاح) المعلومات للتلميذ الصغير
стр. 3691
فإليكم تلك النماذج، أعرض منها سردا وأترككم لتفكروا بعقولكم التي تؤمنون بوجودها مع أنكم لا تشاهدونها ولا تعرفون إلا آثارها.
وإليكم: نماذج واقعة يحدثنا التاريخ الصادق عنها، وعن بعثها من مماتها: قصة أصحاب الكهف، وبقرة بني إسرائيل ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١) وقصة ﴿كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ (٢) وطيور إبراهيم ﵇ ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ (٣).
٧ - قلتم: إذا أكل شخص شخصا آخر فكيف يعودان؟
ورد عليكم علماء الكلام بأن لكل إنسان أجزاء أصلية، وأجزاء أخرى إضافية أو فضلات بالنسبة للأجزاء الأصلية، وأن الأجزاء الأصلية في أحد الجسدين تكون زوائد أو فضلات في الجسد الآخر فتعود في الجسد الذي هي أصلية فيه.
وهنا أحتفظ لنفسي برد آخر لهذه الشبهة وللشبهة الآتية الثامنة والرد عليها. .
٨ - قلتم: كيف يبعث المؤمن الذي كفر، أو الكافر الذي آمن؟ إذا كان هزيل الجسم أو سمينه ثم تحول جسمه في إحدى الحالتين؟ ورد علماء الكلام بمثل ما قالوا في الرد على الشبهة السابعة السابقة.
стр. 3692
ولي هنا وقفتان: وقفة أسألكم فيها، ووقفة أحدثكم بها:
فأما السؤال: فعن إنسان ارتكب ما يوجب القصاص، ثم فر من العدالة لمدة طويلة، تحول في تلك المدة جسمه من غليظ جدا إلى هزيل جدا، أو بالعكس، ثم وقع في قبضة العدالة، فماذا ترون؟ أنعفيه من العقوبة أو نغلظها عليه أو نخففها عنه بحجة أن جسمه قد تغير عما كان عليه وقت أن ارتكب الجريمة، وأن أجزاء جسمه الحالية غير التي كانت عند مزاولته للجناية؟؟
أظنكم تتفقون معي في أن العدالة تقتضي أن يأخذ جزاءه مهما تغير جسمه، لأن ذاته لم تتغير، ولأن الزيادة والنقص أمور عارضة لم تغير من ذات الشخص.
هذه هو السؤال وجوابه.
أما الحديث الذي أسوقه لكم فمضمونه أن للحياة الآخرة قوانين ونواميس وخصائص، تتناسب معها، ومع صلاحيتها للبقاء الأبدي، وأن السنن التي تسير عليها حياتنا في هذه الدنيا لا تتحكم في حياتنا الآخرة والأبدية، لأنها نشأة أخرى، لا نعرف من تفاصيلها ولا من سننها ونواميسها وما تكون عليه، إلا ما علمناه ربنا بوحيه: كتاب كريم، أو سنة صحيحة، قال تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ (١) ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) أي وما نحن بعاجزين أن نغير أحوالكم، ونخلقكم خلقا جديدا في حال وبنواميس وسنن ليست معروفة لكم الآن.
وإنا لنشاهد في حياتنا هذه ألوانا وصورا من الحياة يختلف بعضها عن بعض في خصائصها ومميزاتها، فحياة النبات ليست كحياة الحيوان، حياة الحيوانات كما ذكرنا سابقا متفاوتة في الرقي والانحطاط، بل إن الإنسان نفسه تختلف حياته في منامه عن حياته في يقظته، وإنه ليمر في رحلته بأطوار من الحياة لكل طور منها خصائص ومميزات تغاير خصائص الأطوار الأخرى ومميزاتها.
فحياته وهو جنين في بطن أمه، غير حياته وهو على ظهر الأرض، وهذه تغاير
стр. 3693
حياته البرزخية في بطن الأرض، وكل هذه الحيوات تغاير الحياة الآخرة، وإليك عرضا موجزا جدا لهذه الأطوار من الحياة.
حياته وهو جنين: تحتاج لحيز لا يتعدى شبرا تقريبا، ولا تمتد أكثر من مدة الحمل (تسعة أشهر أو أربع سنوات هلالية) ويكفيه فيها من الغذاء غذاء ملوث ممزوج بالفضلات والدماء، ويستنشق من الهواء حبيسا لا يرى شمسا ولا قمرا. . ثم من يدري؟ لعله في حياته الضيقة هذه ينعم ببحبوحة رحيبة، لو كان مختارا لآثر البقاء فيها على الدنيا الفسيحة، ولعل في صراخه حينما يغادرها إلى دنيا الناس إشارة إلى أسفه على تلك الحياة التي نراها نحن حياة حبس وضيق.
فإن هو ترك هذا الطور من الحياة استقبل طورا ثانيا هو:
حياته على ظهر الأرض: وهي ذات خصائص ومميزات غير السابقة: فبدل المكان المحدود بنحو شبر سيجد أمامه آلاف الأميال في طول الدنيا وعرضها، وبدل الزمان المقدر ببضع سنوات على الأكثر قد يمتد عمره إلى عشرات السنين، وربما جاوز قرنا من الزمان، وبدل الغذاء المستقذر، والهواء الحبيس يطعم الماء العذب النمير، والغذاء الشهي النقي السخي، ويشم الهواء الصافي المستطاب، ويستمتع بالفراش الوثير، وبدفء الشمس، وضوء القمر، وغير ذلك من أنواع المتع التي تجعله يتشبث بهذه الحياة، حتى إنه لو كان مختارا لما رضي أن يفارقها. فإذا ما قدر له فراقها (ولا بد من ذلك) فإلى صورة ثالثة أو لون ثالث من ألوان الحياة، وذلك هو:
الحياة البرزخية: في بطن الأرض، وتلك حياة لا نعرف من خصائصها إلا نوعين:
نوع محسوس ندركه بأعيننا، وأمر مغيب يحدثنا عنه وحي الله بالقرآن أو السنة: أما المحسوس الذي نراه فمكان لا يتعدى مترين في نصف متر تقريبا وزمان قد يطول أو يقصر ينتهي عند قيام الساعة، ومتى تكون؟ علمها عند ربي، لا يجليها لوقتها إلا هو (ولا تأتيكم إلا بغتة) ثم لا غذاء، ولا هواء ولا أنيس، ولا
стр. 3694
جليس هذا هو الذي يظهر لحواسنا من فترة البرزخ.
وأما حديث الوحي عنها: فإما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار، (إما) حواصل طيور خضر تسبح في فراديس الجنة، ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا، ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (١) ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٢).
(وإما) النار: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ (٣).
هذه صورة ثالثة من صور حياة الإنسان وكل هذه الأطوار صور للحياة الأولى في هذه الدنيا، أما الصورة الرابعة فهي الحياة الآخرة، ولها خصائص ونواميس غير ما للحياة الدنيا، لأن الله تعالى حكم ببقائها منحة منه وفضلا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ (٤) وجعل لها سننا ونواميس لا نعلمها نحن الآن، فمثلا لا ينال أهلها في الجنة منغصات ولا شيب، ولا مرض، ولا هرم. . .
كما لا يلحق أهل النار فيها موت يريحهم، ولا إيلاف يخفف من عذابهم، بل ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ (٥) ولو كانت سنن الحياة الدنيا تسري عليها لانصهروا وماتوا.
ويكفي أن نعرف عن هذه الحياة الآخرة أنها آتية لا ريب فيها، وأن كل ما حدثنا به القرآن الكريم، والنبي الصادق الأمين عنها فلا بد منه.
أما تفاصيل نواميسها، وقوانين نظامها، فمن رحمة الله بنا أنه لم يكلفنا بذلك، لأنه سبحانه لا يكلف عباده إلا بما يطيقون ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٦).
стр. 3695
يكفي أن تتصور عن (نعيمها) ما قال الله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (١).
ويكفي أن تتصور من (عقابها) - عافانا الله وإياكم ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ (٢) ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ (٣) ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ (٤).
كيف تقطع النار ثيابا؟ كيف تصهر الأمعاء والأحشاء بالحميم الذي يصب من فوق الرؤوس؟ وهل يبقى فيهم بعد انصهارهم ما يضرب بمقامع الحديد؟ كيف؟
إن الأمر لو كان على سنن الدنيا وقوانينها لأدى إلى موتهم، ولكن ذلك يحقق لهم طلبتهم من مالك خازن جحيمهم، والله لا يريد أن يخفف عنهم من عذابها ولا أن يقضي عليهم فيموتوا، ولذلك جعل لهذه الحياة الأبدية نظاما وسننا غير التي نعرفها في هذه الحياة الدنيا.
لعلك يا - أخي القارئ - تدرك من سؤالي هذا وحديثي هذا ما يرد الشبهتين الأخيرتين، السابعة والثامنة.
ولعلك بهذا تزداد إيمانا ورسوخا بأن الساعة آتية لا ريب فيها، ولعلك لا تخوض مع الخائضين بسؤال لا يقدم ولا يؤخر في هذا الأمر كما كان الكفار يخوضون ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ (٥)؟ ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٦).
ولعلك بهذا اليقين الوافر في قلبك تتزود لهذا اليوم الآخر بعمل صالح وسلوك حسن، ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٧).
стр. 3696
٨ - قطاف الفرد للثمرة
إن الذي يؤمن بهذا اليوم الآخر، وبما يكون فيه من الجزاء والدين ليحيا حياة الآمن المطمئن، لثقته وجزمه بأنه لن يضيع ما وفق له من عمل صالح، وبأن هناك عدالة مطلقة تحفظ له حقوقه التي ضاعت منه في هذه الدنيا ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (١) - وكفى بهذه الطمأنينة، والرضا، ثمرة تجنى في هذه الدنيا، وما عند الله أبقى، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ (٢).
стр. 3697
٩ - ثمرة يقطفها المجتمع المؤمن باليوم الآخر
أما الثمرة التي يقطفها المجتمع الذي آمن بالله واليوم الآخر، وصدق إيمانه عمله الصالح، وسلوكه الحسن، واستعداده للقاء هذا اليوم، وتزوده بخير الزاد فثمرة طيبة يانعة وحياة كريمة مرضية مستطابة، مظللة بالأمن والاستقرار، والطمأنينة والرضا.
وقد تكلمت عن شيء من جني هذه الحياة، ووازنت بينها، وبين حياة المجتمع الكافر باليوم الآخر، في صدر حديثي هذا - فارجع إليه إن رغبت.
أما الثمرة التي يجنيها هذا المجتمع المؤمن في الدار الآخرة الباقية، فنعيم لا ينفد، وحياة لا تنقطع ولا تهدد، وصفاء لا يكدر ولا ينكد، ورؤية لا تماثلها ولا تدنو من جمالها وجلالها رؤية، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (١) ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (٢) ﴿لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ (٣).
стр. 3698
﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (١).
وصل وسلم على عبدك ورسولك الذي علمنا الخير ودعانا إليه، وعلى آله وأصحابه، والحمد لله رب العالمين.
الغزالي خليل عيد
стр. 3699
أسئلة وأجوبة
مع سماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز
عن الغزو الفكري
إعداد / التحرير
س١: ما هو تعريف الغزو الفكري في رأيكم؟
...
جـ: الغزو الفكري هو مصطلح حديث يعني مجموعة الجهود التي تقوم بها أمة من الأمم للاستيلاء على أمة أخرى أو التأثير عليها حتى تتجه وجهة معينة، وهو أخطر من الغزو العسكري لأن الغزو الفكري ينحو إلى السرية وسلوك المسارب الخفية في بادئ الأمر فلا تحس به الأمة المغزوة ولا تستعد لصده والوقوف في وجهه حتى تقع فريسة له وتكون نتيجته أن هذه الأمة تصبح مريضة الفكر والإحساس تحب ما يريده لها عدوها أن تحبه وتكره ما يريد منها أن تكرهه.
وهو داء عضال يفتك بالأمم ويذهب شخصيتها ويزيل معاني الأصالة والقوة فيها والأمة التي تبتلى به لا تحس بما أصابها ولا تدري عنه ولذلك يصبح علاجها أمرا صعبا وإفهامها سبيل الرشد شيئا عسيرا.
***
стр. 3700
س٢: هل يتعرض العرب عامة والمملكة خاصة لهذا النوع من الغزو؟
...
جـ: نعم يتعرض المسلمون عامة ومنهم العرب لغزو فكري عظيم تداعت به عليهم أمم الكفر من الشرق والغرب ومن أشد ذلك وأخطره:
١ - الغزو النصراني الصليبي.
٢ - الغزو اليهودي.
٣ - الغزو الشيوعي الإلحادي.
أما الغزو النصراني الصليبي فهو اليوم قائم على أشده ومنذ أن انتصر صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين الغازين لبلاد المسلمين بالقوة والسلاح أدرك النصارى أن حربهم هذه وإن حققت انتصارات فهي وقتية لا تدوم ولذا فكروا في البديل الأفضل وتوصلوا بعد دراسات واجتماعات إلى ما هو أخطر من الحروب العسكرية وهو أن تقوم الأمم النصرانية فرادى وجماعات بالغزو الفكري لناشئة المسلمين لأن الاستيلاء على الفكر والقلب أمكن من الاستيلاء على الأرض فالمسلم الذي لم يلوث فكره لا يطيق أن يرى الكافر له الأمر والنهي في بلده ولهذا يعمل بكل قوته على إخراجه وإبعاده ولو دفع في سبيل ذلك حياته وأغلى ثمن لديه وهذا ما حصل بعد الانتصارات الكبيرة للجيوش الصليبية الغازية، وأما المسلم الذي تعرض لذلك الغزو الخبيث فصار مريض الفكر عديم الإحساس فإنه لا يرى خطرا في وجود النصارى أو غيرهم في أرضه بل قد يرى أن ذلك من علامات الخير ومما يعين على الرقي والحضارة، وقد استغنى النصارى بالغزو الفكري عن الغزو المادي لأنه أقوى وأثبت وأي حاجة لهم في بعث الجيوش وإنفاق الأموال مع وجود من يقوم بما يريدون من أبناء الإسلام عن قصد أو عن غير قصد وبثمن أو بلا ثمن ولذلك لا يلجئون إلى محاربة المسلمين علانية بالسلاح والقوة إلا في الحالات النادرة الضرورية التي تستدعي العجل كما حصل في غزو أوغندة أو باكستان أو عندما تدعو الحاجة إليها لتثبيت المنطلقات وإقامة الركائز وإيجاد المؤسسات
стр. 3701
التي تقوم بالحرب الفكرية الضروس كما حصل في مصر وسورية والعراق وغيرها قبل الجلاء.
أما الغزو اليهودي فهو كذلك لأن اليهود لا يألون جهدا في إفساد المسلمين في أخلاقهم وعقائدهم، ولليهود مطامع في بلاد المسلمين وغيرها، ولهم مخططات أدركوا بعضها ولا زالوا يعملون جاهدين لتحقيق ما تبقى، وهم وإن حاربوا المسلمين بالقوة والسلاح واستولوا على بعض أرضهم فإنهم كذلك يحاربونهم في أفكارهم ومعتقداتهم ولذلك ينشرون فيهم مبادئ ومذاهب ونحلا باطلة كالماسونية والقاديانية والبهائية والتيجانية وغيرها ويستعينون بالنصارى وغيرهم في تحقيق مآربهم وأغراضهم، أما الغزو الشيوعي الإلحادي فهو اليوم يسري في بلاد الإسلام سريان النار في الهشيم نتيجة للفراغ وضعف الإيمان في الأكثرية وغلبة الجهل وقلة التربية الصحيحة والسليمة، فقد استطاعت الأحزاب الشيوعية في روسيا والصين وغيرهما أن تتلقف كل حاقد موتور من ضعفاء الإيمان وتجعلهم ركائز في بلادهم ينشرون الإلحاد والفكر الشيوعي الخبيث وتعدهم وتمنيهم بأعلى المناصب والمراتب فإذا ما وقعوا تحت سيطرتها أحكمت أمرها فيهم وأدبت بعضهم ببعض وسفكت دماء من عارض أو توقف حتى أوجدت قطعانا من بني الإنسان حربا على أممهم وأهليهم وعذابا على إخوانهم وبني قومهم، فمزقوا بهم أمة الإسلام وجعلوهم جنودا للشيطان يعاونهم في ذلك النصارى واليهود بالتهيئة والتوطئة أحيانا وبالمدد والعون أحيانا أخرى، ذلك أنهم وإن اختلفوا فيما بينهم فإنهم جميعا يد واحدة على المسلمين يرون أن الإسلام هو عدوهم اللدود ولذا نراهم متعاونين متكاتفين بعضهم أولياء بعض ضد المسلمين فالله سبحانه المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل.
***
стр. 3702
س٣: ما هي الوسائل التي يستخدمها الغرب لترويج أفكاره ؟
стр. 3703
جـ: الوسائل التي يستخدمها الغرب لترويج أفكاره كثيرة منها:
١ - محاولة الاستيلاء على عقول أبناء المسلمين وترسيخ المفاهيم الغربية فيها لتعتقد أن الطريقة الفضلى هي طريقة الغرب في كل شيء سواء فيما يعتقده من الأديان والنحل أو ما يتكلم به من اللغات أو ما يتحلى به من الأخلاق أو ما هو عليه من عادات وطرائق.
٢ - رعايته لطائفة كبيرة من أبناء المسلمين في كل بلد وعنايته بهم وتربيتهم حتى إذا ما تشربوا الأفكار الغربية وعادوا إلى بلادهم أحاطهم بهالة عظيمة من المدح والثناء حتى يتسلموا المناصب والقيادات في بلدانهم وبذلك يروجون الأفكار الغربية وينشئون المؤسسات التعليمية المسايرة للمنهج الغربي أو الخاضعة له.
٣ - تنشيطه لتعليم اللغات الغربية في البلدان الإسلامية وجعلها تزاحم لغة المسلمين وخاصة اللغة العربية لغة القرآن الكريم التي أنزل الله بها كتابه والتي يتعبد بها المسلمون ربهم في الصلاة والحج والأذكار وغيرها، ومن ذلك تشجيع الدعوات الهدامة التي تحارب اللغة العربية وتحاول إضعاف التمسك بها في ديار الإسلام في الدعوة إلى العامية وقيام الدراسات الكثيرة التي يراد بها تطوير النحو وإفساده وتمجيد ما يسمونه بالأدب الشعبي والتراث القومي.
٤ - إنشاء الجامعات الغربية والمدارس التبشيرية في بلاد المسلمين ودور الحضانة ورياض الأطفال والمستشفيات والمستوصفات وجعلها أوكارا لأغراضه السيئة وتشويق الدراسة فيها عند الطبقة العالية من أبناء المجتمع ومساعدتهم بعد ذلك على تسلم المراكز القيادية والوظائف الكبيرة حتى يكونوا عونا لأساتذتهم في تحقيق مآربهم في بلاد المسلمين.
٥ - محاولة السيطرة على مناهج التعليم في بلاد المسلمين ورسم سياستها، إما بطريق مباشر كما حصل في بعض بلاد الإسلام حينما تولى دنلوب القسيس تلك المهمة فيها أو بطريق غير مباشر عندما يؤدي المهمة
стр. 3704
نفسها تلاميذ ناجحون درسوا في مدارس دنلوب وتخرجوا فيها فأصبح معظمهم معول هدم في بلاده وسلاحا فتاكا من أسلحة العدو يعمل جاهدا على توجيه التعليم توجيها علمانيا لا يرتكز على الإيمان بالله والتصديق برسوله وإنما يسير نحو الإلحاد ويدعو إلى الفساد.
٦ - قيام طوائف كبيرة من النصارى واليهود بدراسة الإسلام واللغة العربية وتأليف الكتب وتولي كراسي التدريس في الجامعات حتى أحدث هؤلاء فتنة فكرية كبيرة بين المثقفين من أبناء الإسلام بالشبه التي يلقنونها لطلبتهم أو التي تمتلئ بها كتبهم وتروج في بلاد المسلمين حتى أصبح بعض تلك الكتب مراجع يرجع إليها بعض الكاتبين والباحثين في الأمور الفكرية أو التاريخية ولقد تخرج على يد هؤلاء المستشرقين من أبناء المسلمين رجال قاموا بنصيب كبير في أحداث الفتنة الكبرى وساعدهم على ذلك ما يحاطون به من الثناء والإعجاب وما يولونه من مناصب هامة في التعليم والتوجيه والقيادة فأكملوا ما بدأه أساتذتهم وحققوا ما عجزوا عنه لكونهم من أبناء المسلمين ومن جلدتهم ينتسبون إليهم ويتكلمون بلسانهم فالله المستعان.
٧ - انطلاق الجيوش الجرارة من المبشرين الداعين إلى النصرانية بين المسلمين وقيامهم بعملهم ذلك على أسس مدروسة وبوسائل كبيرة عظيمة يجند لها مئات الآلاف من الرجال ولقد تعد لها أضخم الميزانيات وتسهل لها السبل وتذلل لها العقبات ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١) وإذا كان هذا الجهد منصبا على الطبقة العامية غالبا فإن جهل الاستشراق موجه إلى المثقفين كما ذكرت آنفا وأنهم يتحملون مشاقا جساما في ذلك العمل في بلاد إفريقية وفي القرى النائية من أطراف البلاد الإسلامية في شرق آسيا وغيرها ثم هم بعد كل حين يجتمعون في مؤتمرات يراجعون حسابهم وينظرون في خططهم
стр. 3705
فيصححون ويعدلون ويبتكرون فلقد اجتمعوا في القاهرة سنة ١٩٠٦م وفي أدنمبرج في سنة ١٩١٠م وفي لكنوا سنة ١٩١١م وفي القدس عام ١٩٣٥م وفي القدس كذلك في عام ١٩٣٥م ولا زالوا يوالون الاجتماعات والمؤتمرات فسبحان من بيده ملكوت كل شيء وإليه يرجع الأمر كله.
٨ - الدعوة إلى إفساد المجتمع المسلم وتزهيد المرأة في وظيفتها في الحياة وجعلها تتجاوز الحدود التي حد الله لها وجعل سعادتها في الوقوف عندها وذلك حينما يلقون بين المسلمين الدعوات بأساليب شتى وطرق متعددة إلى أن تختلط النساء بالرجال وإلى أن تشتغل النساء بأعمال الرجال، يقصدون من ذلك إفساد المجتمع المسلم والقضاء على الطهر والعفاف الذي يوجد فيه وإقامة قضايا وهمية ودعاوي باطلة في أن المرأة في المجتمع المسلم قد ظلمت وأن لها الحق في كذا وكذا ويريدون إخراجها من بيتها وإيصالها إلى حيث يريدون في حين أن حدود الله واضحة وأوامره صريحة وسنة رسول الله ﷺ جلية بينة يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١)، ويقول سبحانه: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ (٢) الآية. ويقول: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (٣) ويقول: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (٤) ويقول ﷺ : «إياكم والدخول على النساء قال رجل من الأنصار يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت (٥)» وقال: «لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما (٦)».
стр. 3706
٩ - إنشاء الكنائس والمعابد وتكثيرها في بلاد المسلمين وصرف الأموال الكثيرة عليها وتزيينها وجعلها بارزة واضحة في أحسن الأماكن وفي أكبر الميادين.
١٠ - تخصيص إذاعات موجهة تدعو إلى النصرانية وتشيد بأهدافها وتضلل بأفكارها أبناء المسلمين السذج الذين لم يفهموا الإسلام ولم تكن لهم تربية كافية عليه وخاصة في إفريقية حيث يصاحب هذا الإكثار من طبع الأناجيل وتوزيعها في الفنادق وغيرها وإرسال النشرات التبشيرية والدعوات الباطلة إلى الكثير من أبناء المسلمين.
هذه بعض الوسائل التي يسلكها أعداء الإسلام اليوم في سبيل غزو أفكار المسلمين وتنحية الأفكار السليمة الصالحة لتحل محلها أفكار أخرى غربية شرقية أو غربية، وهي كما نرى جهودا جبارة وأموالا طائلة وجنودا كثيرين، كل ذلك لإخراج المسلمين من الإسلام وإن لم يدخلوا في النصرانية أو اليهودية أو الماركسية إذ يعتقد القوم أن المشكلة الرئيسية في ذلك هي إخراجهم من الإسلام، وإذا تم التوصل إلى هذه المرحلة فما بعده سهل وميسور ولكننا مع هذا نقول إن الله سيخيب آمالهم ويبطل مكرهم ويضعف كيدهم لأنهم مفسدون وهو سبحانه لا يصلح عمل المفسدين. قال الله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ (٢) ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ (٣) ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ (٤) وإن الأمر يحتاج من المسلمين وقفة عقل وتأمل ونظر في الطريق التي يجب أن يسلكوها والموقف المناسب الذي يجب أن يقفوه وأن يكون لهم من الوعي والإدراك ما يجعلهم قادرين على فهم مخططات أعدائهم وعاملين على إحباطها وإبطالها ولن يتم لهم ذلك إلا بالاستعصام بالله والاستمساك بهديه والرجوع إليه والإنابة له
стр. 3707
والاستعانة به، وتذكر هديه في كل شيء خاصة في علاقة المؤمنين بالكافرين، وتفهم معنى سورة الكافرون، وما ذكره سبحانه في قوله ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (١) وقوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (٢).
أسأل الله سبحانه أن يهيئ لهذه الأمة من أمرها رشدا وأن يعيذها من مكائد أعدائها ويرزقها الاستقامة في القول والعمل حتى تكون كما أراد الله لها من العزة والقوة والكرامة، إنه خير مسئول وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 3708
حديث شريف
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا (١)»
رواه البخاري ومسلم
فكرة الغلاف وأخذا من هذا الحديث النبوي الكريم استوحت المجلة فكرة الغلاف في ثلاثة أعداد، فمثلا غلاف العدد السادس جانبا من المسجد الحرام، والعدد السابع جانبا من المسجد النبوي، وفي هذا العدد نرى جانبا من المسجد الأقصى.
المشرف العام
سماحة الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
لجنة الإشراف
الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله الفالح
الشيخ
أحمد بن عبد الرزاق الدويش
الشيخ
عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين
الدكتور
محمد بن سعد الشويعر
стр. 3711
مجلة البحوث الإسلامية
الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء
رئيس التحرير
محمد بن سعد الشويعر
مجلة فصلية تعنى بالبحوث الإسلامية
تصدر كل أربعة أشهر مؤقتا
العدد التاسع: ربيع الأول ربيع الثاني جمادى الأول جمادى الثاني ١٤٠٤هـ
стр. 3712
المحتويات
الافتتاحية
عضل البنات سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧
موضوع العدد:
بيان ما يسمى معجزة محمد الخالدة والمعجزة القرآنية إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١١
خطاب سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى أمين عام المجلس الإسلامي الأروبي ٤٣
الفتاوى إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٤٧
بحث في الكتاب
مباحث في القرآن الكريم الدكتور / محمد تقي الدين الهلالي ٧٧
بحث في السنة
السنة ومكانتها الدكتور / محمد بن عبد الله العجلان ٩٧
بحث في العقيدة
تعقبات على كتابة بعض الناس في العقيدة والتوحيد الشيخ / عبد الله بن عبد الرحمن جبرين ١٢٧
стр. 3713
دراسات فقهية
الحدود في الإسلام الشيخ عبد الله عبد الغني خياط ١٨٧
حكم تناول الميتة الدكتور صالح بن فوزان الفوزان ٢٠٣
حكم الشهادة فيما كان من حقوق العباد الدكتور عبد الله بن محمد الزين ٢٢١
الخمر في الشريعة الإسلامية الشيخ مساعد المعتق ٢٣٣
مقالات إسلامية
صلاحية التشريع الإسلامي للبشر كافة الدكتور / محمد بن عبد الله العجلان ٢٦٣
منع سفر البنات للخارج في سبيل الدراسة أو الانتساب للجامعات الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود ٢٨١
التبشير في منطقة الخليج والجزيرة العربية الدكتور / محمد بن سعد الشويعر ٢٨٩
الجهاد في سبيل الله أسبابه وأهدافه الدكتور زاهر عواض الألمعي ٣٠٣
موارد تقي الدين الفاسي في كتابه العقد الثمين الأستاذ معالي عبد الحميد حمودة ٣١٣
أسئلة وأجوبة إعداد التحرير ٣٢٣
مؤتمرات إسلامية إعداد التحرير ٣٢٩
стр. 3714
صفحة فارغة
стр. 3715
الافتتاحية
عضل البنات
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فإن الله ﵎ قد بعث رسوله محمدا ﷺ رحمة للعالمين فجاء بالهدى ودين الحق ودعا الناس إلى مكارم الأخلاق ومعالي الأمور، ورغب في الخير والتعاطف والتراحم والصلة بين الأقارب والأرحام.
ومن الأمور التي حث عليها الإسلام ورغب فيها الزواج؛ فقد ورد الأمر بذلك في العديد من آيات الكتاب الكريم والأحاديث النبوية الشريفة فمن ذلك قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢).
فذكر تعالى في الآية الأخيرة أن الفقر ليس عيبا يحول دون تزويج الصالح، ووعد في آخر الآية بالتوسعة على أولئك الفقراء وهذه بشرى عظيمة من الله وترغيبا لمن يحجم عن تزويج الفقيرة بسبب فقره؛ فبين تعالى أنه سيغنيهم من فضله فهو واسع الفضل عليم بأحوال عباده مطلع