قارئي الكريم: إن رجلا عاقلا يؤمن بهذا البعث والجزاء تراه يسير في حياته هذه سيرة الكيس الكريم، يدين نفسه ويحاسبها، ويوقن بمسئوليته أمام ربه، وبجزائه في يوم آت لا ريب فيه، فيعطي كل ذي حق حقه.
يعلم أن لربه حق العبادة والتوحيد الخالص من كل شائبة، ومنه سبحانه العون، وبه الاستغاثة، وله القربان والتعظيم.
ويعلم أن لوالديه حق البر والإحسان في حياتهما، والدعاء والاستغفار لهما بعد موتهما، ويعرف لأرحامه، وجيرانه، ولأمته وإخوانه المؤمنين حقوقا رسمها الله، وبينها في كتابه وعلى لسانه رسوله، ووعد بالجزاء عليها.
هذا الرجل لا شك يكون لبنة صالحة لبناء مجتمع قوي نقي تقي «إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر (١)».
وبالتالي ترى هذا المجتمع المؤمن بالبعث والجزاء، المؤلف من هذه اللبنات حريصا على تنفيذ ما شرعه الله من عبادات: تهذب النفس وتعزها بربها ودينها، ومعاملات: تترفع عن أساليب الغش والخداع والغرر والضرر وأكل أموال الناس بالباطل، وأخلاق وقيم: تضع الإنسانية في مقام التكريم الذي ارتضاه الله لبني آدم، وتشريعات وأحكام وحدود: تحرس للمرء (حريته) آمنة منظمة، (وعقيدته) نقية سليمة، (ودمه) محقونا محفوظا، (وعرضه) طاهرا نقيا، (وماله) محصنا مصونا وعلى وجه الإجمال تراه مجتمعا قويا تقيا نقيا، متآخي الأفراد، معتصما بحبل ربه، منصورا بنصره العزيز الذي كتبه على نفسه تفضلا منه ورحمة ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
وهل بعد ذلك كله من عز وسعادة في هذه الحياة؟ أما في حياتهم الآخرة التي أيقنوا بها فلهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
стр. 3642
وأما المجتمع الثاني: الذي كفر بالله والدار الآخرة، ونسي أن وراء هذه الدنيا حياة دائمة وأن بعد هذه الأعمال جزاء عادلا، وانساق وراء شياطين الإنس والجن ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (١) فاستباح هتك الحرمات، واحتكم إلى الأهواء والطواغيت، وانطلق في دروب الشهوات والمنكرات، وعاش باغيا طاغيا لا يعرف للضعيف حقا ولا مرحمة، وذليلا خانعا لا يعرف لنفسه عزا ولا كرامة، يخنع ويركع أمام الطاغوت العاتي بقلبه أو بجبهته، ويستعلي على الضعيف المستكين ببغيه وسلطانه وجاهه، إن هذا المجتمع أشبه بغابة الوحوش أو حظيرة الحيوان، بل إنه أحط منها ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (٢).
إن هؤلاء الذين لا يؤمنون بالبعث والجزاء أضرى من الحيوانات الكاسرة، وأشرس من الكلاب المسعورة، يلغون في الدماء، ويخوضون في الخبائث والأقذار، ويرون أن هذه هي متعتهم التي إن فاتتهم فلن تستعاض، لأنهم زعموا أن لن يبعثوا، وأن ليس بعد هذه الحياة من حياة، ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (٣).
وبالموازنة بين حياة هذا المجتمع الشقي اللاهث، وحياة المجتمع السابق السعيد الآمن، تتجلى لك باكورة من ثمرات الإيمان بالله واليوم الآخر في حياة طيبة مشمولة بالأمن والرضا والسلام، أما ثمرة هذا الإيمان في الدار الباقية فلست أنا ولا أنت ولا غيرنا من المخلوقات بقادر على وصفها الوصف اللائق بها، وحسبك ما جاء في
стр. 3643
كتاب الله من بيانها وصفائها، وديمومتها التي تفضل الله بها: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ (١) ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (٢) ﴿أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (٣) ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤).
هذه - يا أخي - كلمة أوجزتها عن ثمرة الإيمان بالله واليوم الآخر: حياة طيبة، آمنة مطمئنة هنا، ونعيم مقيم - هناك - ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (٥) ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ (٦) ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (٧) ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ (٨).
стр. 3644
(مكانة الإيمان بالله واليوم الآخر)
لذلك كان الإيمان بالله واليوم الآخر هو الأساس والقاعدة الأولى لهذا الدين المتين، بل إن هذا الإيمان مع ما يقتضيه من العمل الصالح هما الدين كله، وما من نبي ولا رسول من رسل الله إلا جاء بدعوته مركوزة على الإيمان بالله واليوم الآخرة.
أما الإيمان بالله: فإن الكثرة الكاثرة من الناس يعترفون بوجوده ، ولا ينازعون في ذلك، لأن الفطرة السليمة والعقل القويم يهديان إليه ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ (١) - ﴿مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٢) ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ (٣).
стр. 3645
ولا تجد من ينكر وجوده وربوبيته إلا من في فطرته أفن، أو في عقله عوج وفساد. ولهذا لن أطيل الحديث عن هذا الشق من العقيدة، وحسبك أن تقرأ وتتدبر من كتاب الله (سورة الطور، أو النحل، أو الروم، أو النمل، أو الأنعام، أو الواقعة، أو الرعد أو الحجر) وحسبك أيضا أن تنظر ماذا في السماوات والأرض من آيات القدرة والحكمة والتدبير، ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ (١) ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (٢).
وأما الإيمان باليوم الآخر، والجزاء والمحاسبة في ذلك اليوم على ما قدم الإنسان من العمل وما أخر، وبعبارة أوجز: أما (الإيمان بالبعث) والتزود له، فهذا هو الذي لاقى كثيرا من الجحود والنزاع، والشك والارتياب، والتقاعس عن الاستعداد له بالعمل الصالح والعبادة الخالصة لله رب العالمين.
ولذلك جاءت الأغلبية العظمى من آيات القرآن الكريم وسوره تؤكد طلب الإيمان بالبعث، والعمل والاستعداد له، وتستأصل شأفة الشبه التي تقوم في سبيل تحققه وصدقه ووقوعه ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ (٣) ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ (٤).
стр. 3646
(سبب الكفر بالبعث أو باليوم الآخر)
إن سبب إنكار الكفار لليوم الآخر، وانطلاقهم في الفحشاء والمنكر والبغي من غير نظر للعاقبة ولا خوف من الجزاء يرجع لأمرين:
الأمر الأول: أنهم يستبعدون ذلك، ويتعجبون منه، وليس لهم دليل على إنكاره سوى الابتعاد، والعجب من أن يكون: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ (١) ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ (٢)
стр. 3647
﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (١) ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (٢).
والأمر الثاني: أنه إيمان بالغيب، مبلغ العقل فيه، أو دوره أن يعترف بإمكانه، أما وقوعه وتحققه بالفعل فمرد ذلك وسنده هو السمع والتصديق لخبر صادر من صادق مقطوع بصدقه، مجزوم بصحة خبره، ولذلك كان الإيمان بالغيب هذا تصديقا للنبي ﷺ وتصديقا للقرآن الكريم، وإيمانا بوحي السماء ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (٣) ومن هنا كانت أول الصفات الخمس التي امتدح الله بها عباده المتقين، ووعدهم عليها بالفوز والفلاح، وكانت آخر هذه الصفات أيضا كما جاء في صدر سورة البقرة كبرى سور القرآن الكريم هي الإيمان بالغيب، والإيقان بالدار الآخرة، وإحاطة هذا الإيمان وذلك الإيقان بكبريات الأعمال الصالحة، وأمهات الفضائل والعبادات، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤) ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٥) ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٦) ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٧)
стр. 3648
واجبنا نحو ثمرة الإيمان بالله واليوم الآخر
لقد عرفنا ما للإيمان بالله واليوم الآخر من أطايب الثمار في الآخرة والأولى، فمن الواجب المحتوم علينا أن نحرص على جني هذه الثمرة، وأن نحرض أولادنا وأحبابنا على جني هذه الثمرة، حتى لا نكون ولا يكونوا من المحرومين المتعوسين.
وجنينا لهذه الثمرة إنما يكون بأن نريد الله ورسوله والدار الآخرة، وأن نسلك سبيل الطاعة والإخلاص، وأن نتجنب طرق المعصية ومتاهات الهوى والضلال،
стр. 3649
ونسيان اليوم الآخر أو تناسيه، والتفريط في التزود له.
وهناك أمر مهم يجب أن ننتبه له، وذلك أن عدونا من شياطين الإنس والجن يريدون أن ينالوا منا في أولادنا بتشكيكهم في العقيدة، أو بتزيين سبل الغواية والضلال أمامهم، فعلينا أن نحصن أولادنا وأحبابنا ضد هذا الوباء الداهم، والريح العاصفة التي تهب علينا حاملة لتلك المبادئ الهدامة، والعقائد الفاسدة، والنوازع الشريرة، والأفكار الآسنة الخبيثة، التي تنطلق كلها من نفوس وقلوب لا تؤمن باليوم الآخر.
وأساس هذا التحصين والوقاية هو غرس عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر وتقويتها في النفوس، والتوجيه إلى العمل الصالح، والسعي المشكور.
стр. 3650
(تقوية عقيدة الإيمان باليوم الآخر)
لتوثيق هذه العقيدة وتأكيده يجب أن ننظر في آيات الله التنزيلية، والتكوينية أعني (الآيات) التي أوحى بها تنزل بها الروح الأمين على نبينا محمد ﷺ والآيات التي أودعها في مخلوقاته من السماوات والأرض وما بينهما، وأمر بالنظر فيها بقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (١)، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾ (٢).
إن النظر المتدبر في (الآيات الكونية) يؤكد في نفس الناظر أن البعث بعد الموت على الله يسير، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٣) ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤).
стр. 3651
وإن النظر المتدبر في الآيات القرآنية يبين لنا بالنص الصريح الجازم أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٢)
стр. 3652
(نظرة متدبرة في الأكوان)
قارئي الكريم: إن المتأمل في هذا العالم يراه مكونا من نوعين من الموجودات:
نوع محسوس: مشاهد يدركه الإنسان بسمعه، أو ببصره، أو بأية حاسة من حواسه الخمس وهذا هو عالم الشهادة، وتندرج تحته أجناس الحيوان، والنبات، والجماد: سائلا، وصلبا وغازا.
ونوع غير محسوس ولا مشهود بذاته، ولكننا نعرف أنه موجود، ونعرف عنه ما نعرف بطريق من طريقين:
(إما) بإدراك آثاره، وما يصدر عنه ويدل عليه - و (إما) بإخبار من صادق مجزوم بصدقه، ومن أمثلة هذا العالم غير المشاهد بذاته: (الكهرباء، والمغناطيسية، والروح، والجن، والملائكة، والشياطين).
فالكهرباء: ليست مرئية لنا ولا مشاهدة، ولكننا نقطع بوجودها بدلالة آثارها من إضاءة، وتبريد، وتدفئة، وحركة. . وغير ذلك.
والمغناطيسية: لا نعرف حقيقتها الذاتية، ولكننا نجزم بوجودها مستدلين بما نشاهده من آثارها، جذبا، وتنافرا بين سوالبها وموجباتها.
والروح التي بين جنبينا، والتي هي أقرب الأشياء إلينا لا نعرف عنها إلا ما علمنا الله، كالآثار التي تصدر عنها من حركة، وإرادة، وتنفس، وتفكير، وما إلى
стр. 3653
ذلك من مظاهر الحياة ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ (١).
أما عوالم الجن، والملائكة، والشياطين: فمعلوماتنا عنها مستقاة من وحي السماء: قرآن كريم، أو سنة صحيحة، وما وراء ذلك رجم بالغيب.
ولندع الحديث عن عالم الغيب مؤقتا ولنتجه بنظرنا إلى عالم الشهادة المحسوس، إننا نراه مصنفا من:
معادن أو جمادات: لا تتغذى، ولا تنمو، ولا تحس، ولا تفكر، ولا تتناسل، ولا تتحرك باختيارها - كالماء، والحديد، والغاز.
ومن نباتات: تتغذى وتنمو، وقد تتناسل باللقاح أو غيره، ولكنها لا تحس ولا تفكر، ولا تتحرك باختيارها.
ولنترك - أيضا - عالمي الجماد، والنبات اللذين لا يحسان، ولا يتحركان باختيارهما، ولنقف لحظات أمام عالم الحيوان الحساس المتحرك باختياره.
إن هذا العالم الحيواني: تتجلى فيه مظاهر الحياة بدرجات متفاوتة، وإذا تتبعنا الأجناس الحيوانية فإننا نجد أن أرقاها حياة إنما هو الإنسان الذي استطاع بما آتاه الله من مواهب وقوى وخصائص أن يسخر بقية الحيوانات وأن يفيد منها بل إن الله تعالى سخر له ما في السماوات وما في الأرض، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (٢).
إن هذا الإنسان الذي شارك بقية الحيوانات الأخرى في التغذي، والنمو، والتناسل، والحس والتحرك الاختياري قد تميز عنها كلها بخصائص وميزات لم تتوفر لغيره.
стр. 3654
أبرز هذه الخصائص والمزايا أربع:
١ - التفكير.
٢ - القصد أو الإرادة.
٣ - القدرة على تنفيذ ما قصد إليه وأراده، أو الأخذ في أسباب ذلك.
٤ - الصلاحية - بفطرته - أن يتجه إلى الخير، أو إلى الشر.
وهذه المزايا الأربع التي امتاز بها الإنسان على عوالم الحيوان الأخرى، وبالتالي على عوالم الجماد والنبات - جعلته (أهلا) أن يستفيد من ماضيه لحاضره، وأن يتطلع إلى مستقبله، ولذلك ترى رغباته ومتطلباته لا تقف عند حد.
وجعلته (أهلا) أن يعمل جاهدا لتحصيل الخير لنفسه، ولمن يهمه أمره، وأن ينتظر ثمرة عمله.
وجعلته (أهلا) من ناحية ثالثة أن يكون مسئولا عن عمله وعن تصرفاته ومجزيا عليها عاجلا أو آجلا.
ومعنى ذلك: أن هذه الميزات والخصائص جعلته - وحده - من بين العالم المشاهد كله - أهلا للتكليف والمسئولية، لأن طريقي الخير والشر ممهدان أمامه، ولأن وسائل السلوك إلى أي الطريقين متوفرة لديه:
﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (١) ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (٢). ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (٣) ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (٤) ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٥)
стр. 3655
وهذه المزايا الأربع: (التفكير، والقصد، والقدرة، والصلاحية للخير وللشر). لم تكتمل للإنسان كلها دفعة واحدة، ولا في وقت واحد - بل إنه - قبل اكتمالها فيه - مر بأطوار مادية متعددة، تقع تلك الأطوار المادية، وتتكرر بتكرر الأفراد أمامنا، ولا ينكرها أي إنسان - وقد صرحت بها آيات من كتاب الله الكريم. في أكثر من موضع.
стр. 3656
(نظرة متدبرة في آيات القرآن)
لقد نظرنا في آيات الله (الكونية) وعرفنا يقينا أن الإنسان نشأ متنقلا ومتطورا من حالة إلى حالة، من نطفة إلى علقة إلى مضغة، إلى أن صار إنسانا سميعا بصيرا، فإذا نظرنا في آيات الله (القرآنية): نراها قد صرحت بذلك تصريحا لا غموض فيه، وقررت حقائق لا يشك فيها أي إنسان ولا يمكن أن ينالها شيء من الارتياب، ففي (سورة المؤمنون) يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ (١) ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ (٢) إلخ الآية، وفي سورة المؤمن يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ (٣) إلخ الآية، وفي سورة الحج يقول: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ (٤) إلخ الآية، وفي سورة الروم يقول: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ (٥) ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ (٦).
ويلاحظ القارئ الكريم أن هذه الآيات وأمثالها بعد أن ذكرت نشأة الإنسان وتدرجه المادي من تراب إلى نطفة إلى علقة إلى مضغة. . . إلى أن صار إنسانا سميعا
стр. 3657
بصيرا صالحا لانتهاج سبيل الخير أو الشر أتبعت ذلك التدرج الذي لا شك فيه بقضيتين اثنتين:
القضية الأولى: قضية يقينية أيضا متفق عليها لا ينازع فيها كافر ولا مؤمن، ولكنها مع تيقنها ومشاهدتها والجزم بوقوعها - تشبه الشك عند الناس، بمعنى أنهم يتصرفون في حياتهم ومسالكهم تصرفا لا يشعر باستعدادهم لها، كأنها في نظرهم لن تقع ولن تكون - تلك القضية هي (قضية الموت) التي قال في شأنها (علي بن أبي طالب) ﵁: "ما رأيت يقينا أشبه بالشك من الموت".
والقضية الثانية: قضية يقينية مثل أختها، لكنها ليست محل اتفاق بين الناس: فمنهم مؤمن بها جازم بتحققها ووقوعها - ومنهم منكر لها جاحد لتصديقها بل كافر بإمكانها مستهزئ بمن يخبر بها أو يطالب الناس أن يؤمنوا بها.
ومنهم صنف ثالث متحير مرتاب، متردد بين التصديق بها والتكذيب وصدق الله العظيم: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (١) ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ (٢) ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ (٣).
هذه القضية الثانية: هي قضية (البعث بعد الموت)، أو قضية (الإيمان باليوم الآخر، والجزاء العادل).
هاتان القضيتان: (أعني الموت، ثم البعث) - ذكرتا عقب الأطوار السبعة التي مر بها الإنسان في نشأته المادية فهما طبقان من الأطباق التي يركبها الإنسان واحدا بعد واحد ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ (٤). واقرأ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ (٥) إلى أن تصل إلى قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ (٦) ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (٧) فسترى أنهما ذكرتا نصا صريحا بعد الأطوار السبعة التي سلمنا بها، واتفقنا على أنها واقعة بلا شك ولا ارتياب، وهاتان
стр. 3658
القضيتان: مصورتان تصويرا عمليا، كما تصور وسائل الإيضاح - في نماذج متعددة وفي مظاهر مشهودة في الصباح وفي المساء، وفيما بينهما:
ينام الإنسان، فيموت الموتة الصغرى، ثم يستيقظ فيحيا من موتته، فيقول إما بحاله أو بمقاله: «الحمد الله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور (١)» - أليس ذلك نموذج للحياة بعد الممات؟ ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ (٢).
تيبس الأرض، وتهمد وتخمد وتموت، ثم ينزل عليها ماء السماء، وهو - كما تعلم - جماد لا روح فيه - ولكن بنزوله على الأرض الميتة تحيا بعد موتها، وتتمخض عن ألوان لا حصر لها من أولادها الأحياء - يا للعجب!! ميت يلتقي بميت فتنبعث منهما الحياة!! سبحان الله، صنع الله الذي: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ (٣).
تذبل الشجرة: وتذوي أوراقها، وتضمر وتساقط ثمارها، ويجف ويغيض ماؤها، ثم تكون حطاما يتناثر في أحشاء الأرض، ويضطمر في بطنها، ويصير ترابا من ترابها، ثم لا تلبث الشجرة أن تنبت وتعود مورقة زاهية الإيراق، ناضرة الزهر، يانعة الثمر - ممه؟ من ماء ميت العناصر (أيدروجين وأكسوجين) ومن تراب ميت العناصر أيضا. . . ومثل الشجرة قل في الحبة والبقلة، واقرأ واستمع وتمعن في قول ربك القدير: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ (٤) ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ (٥) ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ (٦).
ولن أطيل عليك الحديث، ولكني أدعوك مرة ثانية لإطالة النظر والإمعان فيما ترى من آيات الله في الأكوان، وفيما تقرأ وتسمع من آياته البينات في كتابه الكريم.
стр. 3659
فسترى من آيات الأكوان ما يؤكد لك اليقين بأن البعث على الله يسير.
وسترى من آيات القرآن التصريح الحاسم الجازم بأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ (١)، ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٢)، ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ (٣).
стр. 3660
(وقفة متأنية أمام قضيتي الموت والبعث)
أما قضية الموت: فلا أظن، ولا إخال إنسانا يظن أن في الدنيا كلها - أحدا ينكرها، فلتوضع في إطار من اليقين والتسليم مع أخواتها المسلمات السبع التي مر بها الإنسان في نشأته، كما كشفت عن ذلك سورة المؤمنين، في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ (١) إلى أن قال : ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ (٢) ولذلك لا أرى داعيا - الآن - للكلام عن هذه القضية، اللهم إلا تذكرة بتلك الكلمات الحاسمة القاصمة الجازمة، التي قطعت قول كل خطيب، والتي جاءت في ثلاث سور من كتاب الله المحكم، مقرونة بالبعث والجزاء من ناحية -وبالامتحان والابتلاء من ناحية ثانية - أعني قول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٣) فقد جاءت هذه الكلمة بالحق اليقين في سورة (آل عمران) متبوعة بالبعث والجزاء، ثم بذكر الاختبار والابتلاء، اقرأ الآيتين الكريمتين: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٤) ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ (٥) إلخ الآيات.
стр. 3661
وجاءت - مرة ثانية في (سورة الأنبياء)، متبوعة بالامتحان والابتلاء، ثم بذكر الرجعة والبعث والجزاء: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (١).
وجاءت - مرة ثالثة في (سورة العنكبوت)، وذكر بعدها البعث والرجوع إلى الله مباشرة: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٢) أما الفتنة والابتلاء، فقد شاع هذا المعنى في السورة الكريمة بصورة أوضح: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (٣) ?? ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٤) ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ (٥) واستمع لما جاء في السورة الكريمة من ألوان الفتن والابتلاء التي تتجلى في قصص (نوح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى)، ﵈، وفي (عاد وثمود، وقارون، وفرعون، وهامان) تذكيرا بقضية الموت، التي نحن بصدد الحديث عنها، ثم بالبعث والجزاء - أي الشق الثاني من شقي العقيدة الصحيحة، الإيمان بالله واليوم الآخر، ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (٦).
وكأني بهذه الآيات الثلاث، المصدرة بقول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٧) وبأمثالها من الآيات التي تقرن (الموت المسلم به) بالبعث (المحتوم وقوعه) - تنبه القارئ الواعي، المتدبر الكيس، إلى أمرين: هما الإيمان بلقاء الله، والعمل الصالح استعدادا لجزاء الله العادل: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (٨)
واقرأ ما شاء الله أن تقرأ عن هذا القانون الإلهي (قانون الموت والحياة) (قانون الابتلاء والجزاء) في سورة (هود، والملك) وغيرهما - قانون الحكم العدل: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٩) ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (١٠).
стр. 3662
وخلاصة القول: أن قضية الموت هذه لا ينازع فيها أحد - أيا كان، فكل إنسان يؤمن بها - طوعا أو كرها - وكل حي خاضع لتنفيذها، وإمضائها، عند الأجل الذي سماه الله لها، واستأثر -سبحانه - بعلم زمانها ومكانها: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ (١)، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٢).
مسألة اتفق فيها المسلم والكافر، والمؤمن الرباني والزنديق الملحد، والشرقي والغربي - كما يقولون. . . وإن كنتم في شك من هذا - فهاتوا واحدا من العقلاء أي واحد يقول: (إنني لن أموت).
الله أكبر. . . ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ (٣) ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ (٤).
﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (٥) - إي والله ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (٦) هذه هي: قضية البعث، نوأم الموت وشقيقه، نعم، توءمه في قبضة القدرة، وشقيقه في دائرة الإمكان العقلي، ونظيره وقرينه في تيقن الوقوع الفعلي.
هذه القضية التي تعتبر أصلا من أصول دين الله الإسلام، والتي دعا كل نبي إلى الإيمان بها مع الإيمان بالله وتوحيده، ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (٧)
стр. 3663
والتي تقتضي المؤمن بها أن يسلك الصراط المستقيم في حياته، وأن يعتصم بحبل الله في تصرفاته، قصدا، وقولا وعملا بقلبه، ولسانه، وجوارحه، والتي تستلزم بالتالي أن يحيا المجتمع المؤمن بها حياة طيبة مباركة، لا ضرر فيها ولا ضرار، ولا عدوان فيها ولا افتراء، ولا بغي فيها ولا تفاحش، بل عدل وإنصاف، وإحسان وإتقان، وبذل وتعاون، كما أمر الله الذي ﴿يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (١) هذه القضية ذات الثمرة العاجلة بحياة طيبة، وذات الثمرة الآجلة الدائمة بأجر عظيم ورزق كريم - هي تذكرتنا - الآن بعقيدة من عقائد ديننا الحنيف ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ (٣) وضبطا للحديث عنها سنتناول الأطراف الآتية:
(١) ما هو البعث وما حقيقته؟ (٢) ما هي مكانة هذه العقيدة من دين الله الإسلام؟ (٣) ما هو موقف الأنبياء السابقين وأممهم من هذه العقيدة؟ (٤) دعوة النبي ﷺ إلى الإيمان بها، والعمل للقاء الله في يومها (٥) فرق الناس وموقفهم حيال هذه العقيدة (٦) مناقشة هذه الطوائف (٧) الرد على الشبه التي أثاروها. (٨) أثر هذه العقيدة في سلوك الإنسان (٩) أثرها في (٢) نظام المجتمع الذي يعتقدها، ويؤمن بمجيئها، وإليك الحديث عن كل ناحية من هذه النواحي:
стр. 3664
١ - (ما هو البعث؟ وما المراد منه في عرف العقيدة)؟
البعث في لغة العرب: إثارة الشيء المستكن. ومعناه في اصطلاح العقائد والمراد به: (إحياء الله الناس مرة ثانية بعد موتهم، ليجزيهم في هذه الحياة الثانية على
стр. 3665
ما قدموه في حياتهم الأولى من خير وشر: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (١) ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٢) ويعبر عنه بالقيامة، والحياة الآخرة، وغير ذلك مما سيأتي - إن شاء الله.
стр. 3666
٢ - (مكانة عقيدة البعث في الدين الإسلامي):
عرفنا - فيما سبق - أن أساس هذا الدين القيم - هو الإيمان بالله واليوم الآخر - وبهذا الدين بعث الله رسله أجمعين ليبينوا للناس أصوله وعقائده التي لا تتغير ولا تتبدل، ولا ينالها النسخ - مهما طال عليها الزمان، تلك الأصول هي الإيمان بالله ولقائه، وبملائكته وكتبه ورسله، وقدره، أعني أركان الإيمان الستة التي بينها النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور حينما سأله عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر: خيره وشره (١)». فالإيمان الصحيح المعتبر هو التصديق الجازم بهذه الأمور الستة كلها، ومن كفر بواحدة منها فليس من الإيمان في شيء.
والدين الحق الذي ارتضاه الله لعباده هو هذا الإيمان، والعمل على مقتضاه - فهو عقيدة، وعمل بما تقتضيه هذه العقيدة، وترجمة عن هذه العقيدة بأعلى وأفضل وأصدق كلمة (كلمة التوحيد).
стр. 3667
تلازم هذه العقائد الست وترابطها:
والإيمان بهذه العقائد الست يستتبع بعضها بعضا - بمعنى أن من آمن ببعضها وكفر ولو بواحدة منها - كان كافرا بالجميع - وكثيرا ما تطلق كلمة الإيمان، أو يذكر بعض متعلقاتها اكتفاء - ويكون المراد ذلك: لأن أصل الأصول كلها، وركن هذا الدين الركين، إنما هو الإيمان بالله وحده ربا خالقا رازقا، وإلها حقا
стр. 3668
معبودا لا شريك له - في ربوبيته، ولا يجوز أن يشرك معه أحد في عبادته.
والإيمان بالله على هذا الوجه يستلزم تصديقه في كل ما أخبر به في كتابه، وعلى لسان رسوله الذي أيده بالمعجزة الدالة على صدقه في كل ما بلغه عن ربه.
ومن بين ما أخبر به في كتابه، وعلى لسان رسوله، بل وعلى ألسنة رسله كلهم، وأمرهم أن يبلغوه للناس ليؤمنوا به (اليوم الآخر) أو (البعث) أو (الدار الآخرة).
ويلاحظ: أنه قد عبر عن هذا اليوم الآخر بعبارات كثيرة تشعر بما يقع فيه، أو يتصل به من أحداث، وجزاء، وبما يتصف به من صفات، وبما ينتسب إليه من إضافات.
فسماه (اليوم الآخر، ويوم البعث، والجزاء، والحشر، والنشر، والتناد، والقيامة، والساعة، والحساب، والفصل).
وسماه (بالآزفة، والواقعة، والحاقة، والقارعة، والطامة، والصاخة، والغاشية).
وسماه (الدار الآخرة، ودار القرار، ودار الخلود).
وسماه (يوم الخروج، والخلود، والحسرة، والتغابن).
وأمرنا أن نكون دائما على ذكر من هذا اليوم، وألا ننساه، وأن نذكره كل يوم، على الأقل سبع عشرة مرة بعنوان (يوم الدين) أي الجزاء. وبعبارة أدق: أمرنا أن نذكره في كل صلاة نتقرب بها إليه باسم من أسمائه الحسنى، وبصفة من صفاته العلا: (مالك يوم الدين).
فمن كذب بهذا اليوم فهو مكذب لله ولرسله ولكتبه - وبهذا يكون كافرا - والعياذ بالله -.
стр. 3669
٣ - (موقف الأنبياء السابقين وأممهم من عقيدة البعث)
كان كل رسول يبعث إلى أمته يطالبهم مبادرة أن يؤمنوا بالله واليوم الآخر، أي
стр. 3670
المعاد والجزاء، حسبما علمه وأمره أن يبلغ.
فهذا (آدم) ﵇ حينما أمره ربه هو ومن معه أن يهبطوا إلى الأرض ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ (١)، ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (٢) ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (٣).
﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٤) ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (٥)، وفي سورة ثالثة سميت باسمه ﵇: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾ (٦) ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ (٧).
وهذا أبو الأنبياء (إبراهيم) ﵇ يقول للذي حاجه وخاصمه في شأن ربه: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ (٨) ويقول لأبيه وقومه في شأن من عبدوهم من دون الله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (٩) ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ (١٠) ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ (١١) ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (١٢) ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ (١٣) ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (١٤) أي يوم الجزاء.
ثم هذا كليم الله، ونجيه (موسى) ﵇ يقول الله له: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ (١٥).
وفي عهد (موسى) ﵇ تقع أحداث مشهودة، تدل على البعث
стр. 3671
دلالة محسوسة، فهاهم أولاء بنو إسرائيل طلبوا أن يروا الله جهرة، وأصروا على طلبهم هذا، قائلين: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (١)، فأخذتهم الصاعقة وماتوا، ثم أحياهم الله بعد موتهم، قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢).
وقصة البقرة، وما ترتب عليها من إحياء الله لذلك الميت - قصة معروفة مشهورة، ومسجلة في كبرى سور القرآن الكريم، لم يمسها أي طعن ولا مغمز، من أي عدو من أعداء الله تعالى وما أكثر أعداء الله، وأعداء دينه وما أحرصهم على غمز القرآن والطعن فيه - إن برقت لهم بارقة أمل في مطعن أو مغمز.
أما كلمة الله (عيسى) ﵇: فكان من معجزاته ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٣) ومن كلماته ﵇: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (٤) هؤلاء هم (أولو العزم) من الرسل ﵈ وغيرهم من أنبياء الله ورسله كان كل منهم يطلب إلى قومه أن يؤمنوا بالله واليوم الآخر.
أما أممهم: فمنهم من كان يستجيب للدعوة، ويؤمن - مثل مؤمن قوم موسى الذي كان يقول لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ (٥)، ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ (٦).
ومن الأمم: من كانت تجحد البعث وتنكره، ويقول بعضهم لبعض ساخرين
(٤ - دعوة محمد ﷺ إلى الإيمان باليوم الآخر)
وبهذه العقيدة نفسها - عقيدة الإيمان باليوم الآخر والبعث والجزاء جاء خاتم الرسل نبينا محمد ﷺ ﴿جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١) فأمره ربه أن يوجه نداءه للناس جميعا في عرض الدنيا وطول الزمان: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ (٢) فبلغ ﷺ الرسالة وأدى الأمانة، ودعا وجاهد في دعوته، ونصح ومحض نصحيته - وقدم للناس وحي ربه وكتابه الحق يقسم بأعظم الأقسام - ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ (٣) ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ (٤)، ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٥) ويوثق بأقوى الحجج والبراهين، أن اليوم الآخر آت لا ريب فيه، واقرأ ما شاء الله أن تقرأ من الحجج والبراهين، ومن الأقسام والأيمان - في سور (الحج، والمؤمنون، والصافات، ويس، والذاريات، والواقعة، والنازعات، والتكاثر) وغيرها من السور، حتى لا تكاد تمر بسورة من سور القرآن الكريم إلا وفيها الحديث عن البعث والجزاء، وتأكيد وقوعهما، والرد على من ينكرهما، أو يرتاب فيهما.
стр. 3674
(٥ - مواقف الناس حيال هذه العقيدة والدعوة إليها)
لما جاء النبي ﷺ يدعو إلى التوحيد في العقيدة والعبادة وإلى الإيمان
стр. 3675
بكلمات الله ولقائه انقسم الناس إلى فريقين: مصدق مؤمن، وجاحد منكر كافر، ومن هذا الفريق من هو شاك مرتاب، وهؤلاء (المرتابون الممترون) يمكن إسقاطهم من درجة الاعتبار اكتفاء بقول القائل:
قال المعلم والطبيب كلاهما ... لا تبعث الأجساد قلت إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر ... أو صح قولي فالخسار عليكما
وأما المؤمنون الموقنون باليوم الآخر، فقد لقبهم ربهم في صدر سورة البقرة بالمتقين، وفي صدر سورة لقمان بالمحسنين - وسجل لهم الفوز كل الفوز في كل من السورتين ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) - كما ساق لهم الهداية والبشرى ولقبهم بالمؤمنين في سورة النمل ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٣). وإذا فلنقصر حديثنا على فريق المكذبين بيوم الدين - أي المكذبين باليوم الآخر:
المكذبون باليوم الآخر
هؤلاء الذين كذبوا بيوم الدين يمكننا بالاستقراء والاستقصاء أن نحصرهم في ثلاث طوائف:
стр. 3676
الطائفة الأولى: طائفة أنكرت البعث والجزاء من أساسه، لأنهم أنكروا المبدأ الأول من أصول الإيمان وأركانه (أعني مبدأ الاعتراف بالإله وإفراده بالعبادة)، وقالوا (ونعوذ بالله ونبرأ مما قالوا): إن العالم بلا إله، ولقد بلغ انطماس البصيرة عند أحدهم بعد أن ارتاد من مجالي الكون ما ارتاد، وبعد أن تجلى له من آثار الخلاق العظيم ما تجلى أن يقول: (رأيت في رحلتي الفضائية كذا وكذا، ولكنني لم أر الله)!! يا سبحان الله!! ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (١).
стр. 3677
الطائفة الثانية: طائفة اعترفت بالله، ولكنها كفرت بجزائه ولقائه والبعث ليوم عظيم ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) - وظاهر أن كفرها بالبعث واليوم الآخر كفر بالله، لأن أركان الإيمان الستة متآخية متلازمة، فمن كفر ببعضها كان كافرا بها كلها ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (٢) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٣)، ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٤).
стр. 3678
الطائفة الثالثة: صدقت بالله إلها حقا، قادرا عليما، وعدلا حكيما، واستدلوا على ذلك بعقولهم، وفطرتهم: فقالوا: إننا إذا تأملنا في أي جهاز من الأجهزة المنظمة كالمذياع (والساعة) مثلا - لا يمكن لعقولنا أن تتصور أن هذا الجهاز نشأ هكذا من غير صانع صنعه، وبنظرنا في هذا العالم نجده قد احتوى على نواميس وقوانين وصنعة في غاية الدقة والحكمة والإتقان، تنبئ بيقين عن صانع قادر حكيم عليم.
وصدقت هذه الطائفة بالبعث أيضا - كما صدقت بالإله - واستدلت كذلك على البعث بقولهم وبفطرتهم: فقالوا: إننا كثيرا ما نرى في هذه الدنيا - طاغيا باغيا ظالما عاتيا، يسفك الدماء، ويهتك الأعراض، ويسلب الأموال، ويعسف بالضعفاء الأبرياء، ثم يموت في أوج عظمته من غير أن ينال جزاءه.
وكثيرا ما نرى - أيضا - ضعيفا، مهيض الجناح، وديع النفس، دمث الخلق، صبورا على البلايا والشدائد، رضيا بالقضاء والقدر، وقد يعتدى عليه فلا
стр. 3679
يتسخط ولا يتضجر، ويؤذى فلا يتبرم ولا يجزع، ثم يستمر على ذلك حتى يوافيه أجله من غير أن يأخذ بحقه أو يؤخذ له - وإننا قد آمنا بأن لهذا العالم إلها حكيما، قادرا عليما - فمقتضى حكمته أن تكون هناك دار للفصل والعدل ينال فيها كل إنسان جزاءه الذي فاته في هذه الدار الدنيا.
ونظريتهم هذه قد جاء بها القرآن الكريم في أكثر من موضع، فقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (١) ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (٢)؟ ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ (٣) ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (٤)؟ ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ (٥)؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ (٦) ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ (٧). ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ (٨). هذه الطائفة الثالثة لو أنها آمنت بالله وبالجزاء واستدلت على ذلك بعقلها وفطرتها - حفظت شيئا، وغاب عنها أشياء - فقد نسيت أو تناست أن أمر البعث واليوم الآخر من الأمور الغيبية، التي لا يمكن للعقل والفطرة - وحدهما - أن يعرفا تفاصيلها بيقين، بل لا بد أن يكون بجانبهما (هاد) يأخذ بيدهما وينير لهما السبيل - حتى لا يضل صاحبهما في متاهات وفي خيارات تنكبه الطريق.
وإن من رحمة هذا الإله الحق الحكم العدل - أن بعث ذلك الهادي المنير، وأنزل وحيه على رسله الذين اصطفاهم وأيدهم بالمعجزات، ليبصروا الناس بما يلزم أن
стр. 3680
يعرفوه عن هذا العالم (الغيب) الذي لا تدرك تفاصيله على الوجه الصحيح - بمجرد العقل والفطرة.
نسيت أو تناست هذه الطائفة ذلك، وتغاضت عن مصباح الوحي وهدي الرسل، فضلت في مفهوم (البعث واليوم الآخر)، وقالوا: إنه بعث بالأرواح لا بالأجساد، وقالوا: إن الحكم العدل سيجزي الأرواح على الخير خيرا، وعلى السوء سوءا ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (١) - أما الأجساد فقد فنيت، فكيف تعود؟
وهنا كانت نكستهم، فوقعوا في حمأة الكفر بإنكارهم البعث الجسماني، وكأني بهم قد تحيزوا إلى الفئة التي قالت: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (٢) - ولنا - نقاش - مع هؤلاء الذين - أنكروا البعث الجسماني، والذين أنكروا البعث مطلقا، أو أنكروا الإله.