← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

قال البيضاوي: إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السماوات والأرض، هاربين من الله، فارين من قضائه فانفذوا، فاخرجوا ﴿لاَ تَنْفُذُونَ﴾ (١) لا تقدرون على النفوذ ﴿إلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ (٢) إلا بقوة وقهر وأنى لكم ذلك. أو إن قدرتم أن تنفذوا لتعلموا ما في السماوات والأرض فانفذوا لتعلموا، لكن لا تنفذون ولا تعلمون إلا ببينة نصبها الله تعالى فتعرجون بأفكاركم عليها ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (٣) أي من التنبيه والتحذير والمساهلة والعفو مع كمال القدرة، أو مما نصب من المصاعد العقلية والمعارج النقلية، فتنفذون بها إلى ما فوق السماوات العلى ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ﴾ (٤) لهب من نار ونحاس ودخان قال: تضيء كضوء سراج السليط ... لم يجعل الله فيه نحاسا أو صفر مذاب يصب على رؤوسهم ﴿فَلاَ تَنْتَصِرَانِ﴾ (٥) فلا تمتنعان ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (٦) فإن التهديد لطف والتمييز بين المطيع والعاصي بالجزاء والانتقام من الكفار في عداد الآلاء. انتهى. قوله " تضيء كضوء سراج السليط ": هو الزيت والنحاس. ولم يجئ في هذه الآيات تفسير عن النبي ﷺ وقد اختلف المفسرون فيها، فلا حرج علينا أن نفسرها بما يوافق لغة العرب ووقائع علم البيئة، ففيها تحد للجن والإنس أنهم مكبلون بقدرة الله في هذه الأرض، لا يستطيعون أن يخرجوا من فضاء الله، وما لهم مهرب ولا محيص فإن الله ربط حياتهم وسلامتهم بهذا الغلاف الجوي لا يستطيعون اختراقه والخروج عنه إلا بقوة من الله ليمنحهم إياها متى شاء على القدر الذي يريده، أما الأرض فقد سخرها لهم وجعلها واسعة مذللة، وأذن لهم أن يمشوا في مناكبها، ويأكلوا من رزقه في جميع أرجائها، برها وبحرها، لا حرج عليهم، أما الخروج عنها فلا يمكنهم إلا بالقدر الذي يريده الله بما يشاء وبالسلطان الذي يمنحهم مع بقائهم مرتبطين بالأرض منها يتزودون، غذاء وهواء، وأخبارا، وإليها يرجعون اضطرارا. فكل سفينة تسعى لاختراق هذا الجو المحيط بالأرض الذي هو جو الحياة المحفوظ من

стр. 3817

الآفات السماوية من الشهب والنيازك والإشعاع القاتل، تعرض نفسها للاحتراق بالنار والنحاس، فإن شاء الله منحها سلطانا تتغلب به وتنتصر على الشواظ من النار والنحاس وإن لم يشأ احترقت وتلاشت، فسبحان العزيز العليم. قال القاسمي في تفسير هذه الآية: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ﴾ (١) أي لتوحيده ﴿يَشْرَحْ﴾ (٢) أي يوسع ﴿صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ (٣) بتثقيله بنور الهداية، فيقبل نور الحق كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (٤) روى عبد الرزاق «أن النبي ﷺ سئل عن هذه الآية كيف يشرح صدره؟ قال: نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح. قالوا: فهل لذلك من أمارات يعرف بها؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت». رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. قال ابن كثير: وللحديث طرق مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضا، ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ (٥) أي شديد الضيق فلا يتسع للاعتقادات الصائبة في الله، والأمور الأخروية. وقوله ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (٦) أي يتكلف الصعود في جهة السماء، وطبعه يهبط إلى الأرض فشبه للمبالغة في ضيق صدره من يزاول أمرا غير ممكن؛ لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع ويبعد من الاستطاعة، وتضيق عنه المقدرة. انتهى. وليس مقصودي بهذه الإشارة أنه استوعب ما ظهر في الآفاق للعلماء والباحثين فقد ألف في ذلك الإمام السلفي خاتمة المحققين وسيف الله المسلط على المبتدعين السيد محمود شكري الألوسي البغدادي جزءا لطيفا سماه (ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئات الجديدة القويمة البرهان) ولم يتعرض ﵀ للآيات التي ذكرتها من سورة الواقعة والرحمن، فأكتفي بهذا القدر الذي سقته على سبيل التنبيه.

стр. 3818

فضائل القرآن وشروطها اعلم أن للقرآن حياة بلا موت، وغنى بلا فقر وعزا لا ذل معه، وسعادة لا

стр. 3819

يخالطها ولا يعقبها شقاء، وقوة أبدية، ونصرا سرمديا، وفضائله لا تعد ولا تحصى ولكن لإدراكها شروط لا تنال بدونها البتة، وهذه الشروط مبينة في الكتاب وفي بيانه وهو السنة، ولو أردت أن أستوعب ما وصل إليه علمي القاصر من هذه الفضائل المشروطة لطال الكلام حتى يبلغ مجلدات، لذلك أقتصر على ذكر شيء من ذلك وفي بعضه كفاية فمن آيات الكتاب العزيز. ١ - قوله تعالى في سورة النساء (١٧٤ - ١٧٥): ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ (١) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (٢) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: يقول تعالى مخاطبا لجميع الناس، مخبرا بأنه قد جاء منه برهان عظيم، وهو الدليل القاطع للعذر والمحبة المزيلة للشبهة، ولهذا قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ (٣) أي ضياء واضحا على الحق، قال ابن جريج وغيره، وهو القرآن: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا﴾ (٤) أي جمعوا بين مقام العبادة والتوكل على الله في جميع أمورهم، قال ابن جريج: آمنوا بالله واعتصموا بالقرآن، رواه ابن جرير. وقوله تعالى: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ (٥) أي يرحمهم فيدخلهم الجنة، ويزيدهم ثوابا ومضاعفة، ورفعا في درجاتهم من فضله عليهم، وإحسانه إليهم ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (٦) أي طريقا واضحا قصدا قواما لا اعوجاج فيه ولا انحراف، وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنات. انتهى. ٢ - قال تعالى في سورة المائدة (١٦): ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٧) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: يخبر تعالى عن نفسه الكريمة أنه قد أرسل رسوله بالهدى ودين الحق إلى جميع أهل الأرض عربهم وعجمهم، أميهم وكتابيهم، وأنه بعثه بالبينات والفرق بين الحق والباطل فقال تعالى:

стр. 3820

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (١) أي: يبين ما بدلوه وحروفه وأولوه وافتروا على الله فيه ويسكت عن كثير مما غيروه ولا فائدة في بيانه. وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث ابن عباس قال: (من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب) ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (٢) فكان الرجم مما أخفوه، ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ثم أخبر تعالى عن القرآن العظيم الذي أنزله على رسوله الكريم فقال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (٣) ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ (٤) أي طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة، ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥) أي: ينجيهم من المهالك، ويوضح لهم أبين المسالك فيصرف عنهم المحظور، ويحصل لهم أحب الأمور وينفي عنهم الضلالة ويرشدهم إلى أقوم حالة. انتهى. نفهم من آيتي النساء وآية المائدة أمورا: الأول: أن القرآن نور وبرهان من الله تعالى، أما كونه نورا فإنه يخرج كل أمة آمنت به وعملت بمقتضاه واتخذته إماما وحكما من ظلمات الشقاء المادي والروحي إلى نور السعادة الكبرى، حتى تكون أسعد الأمم في حياتها من جميع الوجوه، ولا تكاد تساويها في ذلك أمة أخرى من الأمم المخالفة، وذلك بعينه هو ما حدث للعرب الذين استضاءوا بنور القرآن، ولكل أمة استضاءت به بعدهم. وأما كونه برهانا، فإنه حجة من الله تعالى على خلقه جميعا، فأي جماعة استمسكت به ظهرت وانتصرت وفازت وعلت، وبذلك تتم الحجة على غيرها من الأمم التي سلكت غير مسلكها. وقوله سبحانه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (٦) دليل عل أن الإيمان بالله، والاعتصام بالقرآن - كما قال ابن جريج - شرط في الاستضاءة بذلك النور والخروج من ظلمات الشقاء فمن اعتل إيمانه بالله ولم يعتصم بالقرآن ولم يعمل به ولا اتخذه إماما وحكما لا يستضيء بنوره، ولا يخرج من ظلمات شقائه، والرحمة هنا هي السعادة

стр. 3821

الدنيوية والأخروية جميعا، أي سعادة البدن والروح، العاجل والآجل، والفضل هو زيادة الإكرام والإنعام لمتبعي ذلك النور فوق ما يخطر ببالهم حتى يدهشوا ويتحيروا ويغبطوا. وقوله سبحانه: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (١) أي يديم عليهم نعمته ويسلك بهم طريق السعادة، وهذا الصراط هو المعبر عنه في آية المائدة بـ ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ (٢) الثاني: في آية المائدة خطاب لأهل الكتاب وهم اليهود والنصارى، وحث لهم على الإيمان بخاتم النبيين رسول رب العالمين محمد ﷺ أنه يبين لهم كثيرا مما أخفوه في كتبهم لآية الرجم ويعفو عن الكثير مما تدعو الضرورة إلى بيانه فيتركه مستورا. الثالث: أن الله سبحانه أخبرهم بأنه قد جاءهم منه نور وبرهان كما قد جاء غيرهم، وهذا النور والبرهان هو كتاب الله القرآن، فالعطف عطف تفسير كما في قول الشاعر: ألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأي والبعد فالنأي هو البعد، وقال عنترة: حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم فالإقواء هو الإقفار، وقال عدي بن زيد: فقد دث الأديم ... وألفى قولها كذبا ومينا والمين هو الكذب ومثله قوله تعالى في سورة البقرة (٥٣) ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٣) فالفرقان هو الكتاب. وأخبر سبحانه بأنه يهدي بذلك الكتاب المبين من اتبع رضوانه، و (من) من ألفاظ العموم تصدق على الفرد والجماعة، فكل من اتبع رضوان الله بأن عمل بما في كتابه واستضاء بنوره فاتخذه إماما وحكما، وتخلق بما فيه من الأخلاق يهديه الله سبل السلام، أي طرق السلامة في الدنيا والآخرة، فلا يسلك سبيلا إلا صحبته السلامة ويخرجهم أي المستضيئين بنور القرآن من الظلمات إلى النور، وظلمات الحياة كثيرة، والنور هو زوالها، ولذلك أفرد (بإذنه) أي بتوثيقه وإرادته، ويهديهم في جميع أعمالهم إلى صراط مستقيم، وهو الاعتدال في أعمالهم وأحكامهم بلا إفراط ولا تفريط لتمسكهم

стр. 3822

بالقرآن الذي هو الميزان، كما سيأتي في حديث الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب مرفوعا «ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم (١)». ١ - وقال تعالى في سورة الأعراف (٢ - ٣) ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (٣) قال الخازن: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ (٤) يعني هذا الكتاب أنزله الله إليك يا محمد وهو القرآن ﴿فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ (٥) يعني فلا يضق صدرك بالإبلاغ وتأدية ما أرسلت به إلى الناس، انتهى. ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ (٦) أي بالقرآن جميع الناس تخوفهم من عذاب الله في العاجل أو الآجل إذا أعرضوا عنه ولم يتبعوه ﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٧) أي لتذكر وتعظ به المؤمنين فإنهم المنتفعون بالموعظة والذكرى، ثم قال تعالى مخاطبا جميع الناس ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٨) وهو هذا القرآن ﴿وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (٩) من شياطين الإنس والجن، توالونهم على خلاف القرآن، والمؤمنون المنتفعون بالقرآن هم الموصوفون في أول السورة التي تلي هذه، وهي سورة الأنفال (٢ - ٤) ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (١٠) ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (١١) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (١٢) عبر بـ (إنما) التي هي للحصر، وأكد هذا الحصر في آخر الآيات، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (١٣) وقد تضمنت هذه الآيات خمس صفات لا يتم الإيمان بدونها، الأولى وجل القلب أي خوفه عند ذكر الله الثانية زيادة الإيمان عند سماع آيات الله تتلى الثالثة: التوكل على الله والاعتماد عليه وحده لا شريك له في جلب المنافع ودفع المضار، والثقة بوعده. الرابعة: إقامة الصلاة، أي أداؤها قائمة كاملة تامة بالمحافظة على أوقاتها وطهارتها وجماعتها وأركانها وآدابها، والخشوع فيها، وكونها مطابقة لصلاة رسول الله ﷺ لقوله ﵇ «صلوا كما رأيتموني أصلي (١٤)» رواه البخاري. الخامسة: إنفاق المؤمن مما رزقه الله، زكاة وغيرها، والمتصفون بهذه الصفات

стр. 3823

يعلي الله درجاتهم في الدنيا والآخرة وينصرهم في الدنيا والآخرة ولهم رزق كريم في الدنيا والآخرة وهم المتبعون للقرآن السعداء به، واقتصر على هذا القدر من آيات كتاب الله العزيز، لأن المقام لا يتسع لأكثر منها - وفيها بيان كاف.

стр. 3824

الأحاديث النبوية في هذا المعنى ١ - عن النواس بن سمعان قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما (١)» رواه مسلم. الظلة والغمامة: ما أظل الإنسان فوق رأسه كالسحاب ونحوه، والفرقان تثنية فرق بالكسر، وهو السرب من الطير، والشرق الضوء والنور، وتحاجان عن صاحبهما: أي تشفعان له، والشاهد في قوله وأهله الذين كانوا يعملون به في أن أهل القرآن حقا هم الذين يقرءونه ويعملون به، أما الذين يقرءونه ولا يعملون به فليسوا بأهله، ولا ينالون هذا الفصل. عن الحارث الأعور قال: مررت بالمسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث فدخلت على علي فأخبرته فقال: أو قد فعلوها؟ قلت نعم، قال أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا إنها ستكون فتنة، قلت: ما المخرج يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أذله الله وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع به العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا من قال به صدق ومن عمل به أجر، ومن حكم به

стр. 3825

عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم (١)»، رواه الدارمي والترمذي وقال: هذا حديث في إسناده مجهول وفيه الحارث ثم قال: ليس لهذا الحديث إسناد صحيح، ولكن معناه صحيح، ولذلك رواه المنذري في الترغيب والترهيب، والبغوي في المصابيح، وابن كثير في التفسير، والأحاديث التي كانوا يخوضون فيها وشغلتهم عن القرآن هي القصص والأخبار والحكايات التي لا طائل تحتها، والمساجد إنما بنيت للصلاة وذكر الله، وخير الكلام كلام الله، وبه ينبغي أن تعمر المساجد لا بالرأي والأباطيل، قال الشعبي ﵀: والله لقد بغض إلى أهل الرأي المسجد، حتى لهو أبغض إليهم من كناسة المسجد. وقوله أوقد فعلوها إنكار عليهم، والضمير عائد على الفعلة الشنيعة، وقد صح عن رسول الله ﷺ مجيء الفتن بعد زمانه ﵊، ولا شك أن من تمسك بكتاب الله وسنة رسوله التي هي بيانه عصمه الله من الفتن في كل زمان ومكان، وفي زماننا هذا فتن عظيمة ولا مخرج منها للدول والشعوب وآحاد الناس إلا باتباع القرآن اتباعا حقيقيا، والعمل به وتحكيمه ورفع رايته، وقوله نبأ ما قبلكم أخبار الأمم السابقة وما أصابها من العذاب بإعراضها عن كتب الله ورسل الله، وخبر ما بعدكم من سوء عواقب الظالمين والفاسقين عن أمر الله، والمتعدين لحدود الله، وأشراط الساعة، فمن تمسك به هداه الله دائما سبل السلام كما تقدم في آية المائدة وحكم ما بينكم الأحكام الشرعية التي تحتاج إليها الأمة إلى يوم القيامة. وقوله هو الفصل أي الفاصل بين الحق والباطل، وليس فيه شيء من الهزل، بل هو جد كله من تركه من جبار قصمه الله أي ترك القرآن من الجبارين القاهرين لخلق الله المتعالين عن حكم الله، قصمه الله، أي أهلكه ومن ابتغى الهدى أي طلب الحق والرشاد والعدل في غير القرآن أي مما يضاد القرآن ويناقضه أضله الله أي أخرجه عن سبل السلام وأوقعه في سبل الهلاك. وقوله وهو حبل الله المتين قال الحافظ ابن كثير عن أبي جعفر الطبري بسنده إلى أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء والأرض (٢)» وروى ابن مردويه بسنده إلى عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «إن هذا القرآن هو حبل الله المتين وهو النور المبين وهو الشفاء النافع عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه (٣)»، وروي

стр. 3826

من حديث حذيفة وزيد بن أرقم نحو ذلك. انتهى. فمن تمسك بالقرآن كما تمسك به أصحاب رسول الله ﷺ والصالحون من بعدهم من جماعات وآحاد أوصله إلى السعادة الأبدية، ومن أعرض عنه، فإن له معيشة ضنكا، أي ضيقة نكدة في هذه الدنيا، ويحشره الله يوم القيامة أعمى لأنه كان في الدنيا أعمى لا يستضيء بنور القرآن، ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا﴾ (١) فكل ما أصاب المنتمين إلى الإسلام في هذا الزمان هو بسبب إعراضهم عن القرآن، ومن شك فليجرب، وكيف يشك عاقل في ذلك، وهذا تاريخ المسلمين أمامنا، كأننا ننظر إليه بأعيننا مطابق لهذا الوعيد كل المطابقة، وقد اعترف بهذا الموافق والمخالف حتى الملحدون أعداء الدين اعترفوا بأن القرآن هو الذي نفخ في أتباعه روح الحياة، وبعثهم على اقتباس المدنيات وعلوم الحضارة كما قرره (جوزيف ماك كيب)، ونقله عن كبار الفلاسفة الملحدين في كتابه (مدينة العرف في الأندلس) في أكثر من موضع، ويحتمل أن يكون الحبل بمعنى العهد في قوله تعالى ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ (٢) من أعرض عن القرآن فقد نقض عهد الله، فالمعنيان متلازمان. قوله لا تزيغ به الأهواء يعني أن من كان هواه تبعا للقرآن، يحيي ما أحيا القرآن، ويميت ما أمات القرآن، ويثبت ما أثبته القرآن، وينفي ما نفاه القرآن، ويرفع ما رفعه القرآن، ويخفض ما خفضه القرآن، ويدور معه كيفما دار، فهو سعيد موفق منصور مهتد؛ لأن القرآن هو الصراط المستقيم، فمن خرج عنه وقع في الزيغ والهلاك، ويشابه هذا المعنى حديث الأربعين، قال النووي: عن أبي محمد عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به (٣)» حديث حسن صحيح، رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح. ومصداقه في كتاب الله ، قال تعالى في سورة النساء (٦٥) ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤) فلا تصح دعوة الإيمان ولا تدرك ثمرته، وهي السعادة إلا برد كل نزاع إلى كتاب الله وسنة رسوله، والرضا بما يصدر عنهما من حكم مع التسليم والإذعان والمحبة.

стр. 3827

وقوله ولا تلتبس به الألسنة لأن الله يسر تلاوته وتدبره على العرب والعجم، ولذلك تجد المجودين والمتضلعين في علوم القرآن من الشعوب الأعجمية أكثر مما تجدهم من العرب. فقد جرت مباراة في ماليزيا بالشرق الأقصى في تجويد القرآن وحسن تلاوته اشترك فيها أربعة عشر قطرا، رجالا ونساء، ففاز بالجائزة الأولى قراء ماليزيا وقارئاتها، وفاز بالجائزة الثانية قراء إندونيسيا وقارئاتها ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١) ولا يشبع منه العلماء لأن فوائده لا نهاية لها، فمن شبع منه فهو من الجاهلين، والأستاذ (محمد مارماديوك) الإنجليزي النسب ﵀ في مقدمة تفسيره للقرآن بالإنجليزية كلام حسن في هذا المعنى، وليس تحت يدي الآن نسخة منه لكي أنقله، وكذلك الأستاذ الفرنسي (خير الدين زيني) في تفسيره للقرآن بالفرنسية ﵀. ولا يخلق عن كثرة الرد أي لا يبلى مع كثيرة التلاوة وإعادتها ولا يمل ولا تنقضي عجائبه أي أودع الله في القرآن حكما وأسرارا لا نهاية لها فلا تزال تظهر للمفكرين والمتدبرين فيتعجبون منها، هو الذي سمعته الجن فأجلته وأكبرته، وبهرها حتى قالت ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ (٢) ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ (٣) إلى الخير والعدل والحق، وأهم ذلك توحيد الله، ولذلك قالوا ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (٤) وسائر ما قالوه في سورة الجن يدل على شدة تأثير القرآن فيهم، وقوله من قال به أفتى بمقتضى ما فيه صدق أي أصاب الحق، ومن أفتى بخلافه كذب ومن عمل به نجا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، ومن لم يعمل به هلك هلاكا أبديا ومن حكم به عدل ومن حكم بخلافه تعدى وظلم ومن دعا إليه أي إلى تحكيمه والعمل به فقد هدي بصيغة المجهول والمعلوم، وهما متلازمان، لأنه الهادي إلى الصراط المستقيم مهدي.

стр. 3828

تجويد القرآن اعلم أن تجويد القرآن فرض على كل قارئ، وتعليمه فرض كفاية على أهل

стр. 3829

كل بلد، فإن تركوه وأهملوه أثموا جميعا، وقد نص العلماء على ذلك، وحرروه أتم التحرير، غير أن هذا المقال قد طال - لذلك أردت أن ألم به إلماما. قال ابن الجزري في المجلد الأول من كتابه (النشر في القراءات العشر) ص٢١٠ ما نصه: التجويد مصدر من جود تجويدا، والاسم منه الجودة ضد الرداءة يقال: جود فلان في كذا إذا فعل ذلك جيدا، فهو عندهم عبارة عن الإتيان بالقراءة مجودة الألفاظ، بريئة من الرداءة في النطق، ومعناه انتهاء الغاية في التصحيح وبلوغ النهاية في التحسين. ولا شك أن الأمة كما هم متعبدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده، فهم كذلك متعبدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراءة، المتصلة بالحضرة النبوية الأفصحية العربية، التي لا تجوز مخالفتها ولا العدول عنها إلى غيرها. والناس في ذلك بين محسن مأجور، ومسيء آثم أو معذور، فمن قدر على تصحيح كلام الله تعالى باللفظ الصحيح العربي الفصيح، وعدل إلى اللفظ الفاسد العجمي أو النبطي القبيح، استغناء بنفسه، واستبدادا برأيه وحدسه، واتكالا على ما ألف من حفظه، واستكبارا عن الرجوع إلى عالم يوقفه على صحيح لفظه فإنه مقصر بلا شك، وآثم بلا ريب، وغاش بلا مرية، فقد قال النبي ﷺ «الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (١)». أما من كان لا يطاوعه لسانه، أو لا يجد من يهديه إلى الصواب، فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، ولهذا أجمع من نعلمه من العلماء على أنه لا تصح صلاة قارئ خلف أمي، وهو من لا يحسن القراءة، واختلفوا في صلاة من يبدل حرفا بغيره، سواء تجانسا أم تقاربا وأصح القولين عدم الصحة. ثم نقل عن الشيخ أبي عبد الله نصر بن علي بن محمد الشيرازي في كتابه الموضوع في وجوب القراءات في التجويد منه ما نصه: " فإن حسن الأداء فرض في القراءة، ويجب على القارئ أن يتلو القرآن حق تلاوته، صيانة للقرآن عن أن يجد اللحن والتغيير إليه سبيلا ". ثم مضى إلى أن قال: " فالتجويد هو حلية التلاوة، وزينة القرآن وهو إعطاء

стр. 3830

الحروف حقوقها وترتيبها في مراتبها، ورد الحرف إلى مخرجه وأصله، وإلحاقه بنظيره وتصحيح لفظه، وتلطيف النطق به على حال صيغته، وكمال هيئته، من غير إسراف ولا تعسف، ولا إفراط ولا تكلف، وإلى ذلك أشار النبي ﷺ بقوله: «من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد (١)» يعني عبد الله بن مسعود " وكان قد أعطي حظا عظيما في قراءة القرآن وتحقيقه وترتيله كما أنزله الله تعالى. وناهيك برجل أحب النبي ﷺ أن يسمع القرآن منه، ولما قرأ أبكى رسول الله ﷺ . كما ثبت في الصحيحين، وروينا بسند صحيح عن أبي عثمان النهدي قال صلى بنا ابن مسعود المغرب بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢) ووالله لوددت أنه قرأ بسورة البقرة من حسن صوته وترتيله. والأخذ بالتجويد حتم لازم ... من لم يجود القرآن آثم لأن به الإله أنزل ... وهكذا منه إلينا وصلا وهو أيضا حلية التلاوة ... وزينة الأداء والقراءة فواجب عليهم محتم ... قبل الشروع أولا أن يعلموا مخارج الحروف والصفات ... ليلفظوا بأفصح اللغات وهذا الواجب مضيع في المغرب لا يقوم بأدائه إلا النادر من أهل العلم، مع أن المغرب أحق الناس بالعناية بإصلاح اللسان لاختلاطهم مع الأعاجم وإبدال كثير منهم بعض الحروف، كالجيم يبدلونها زايا، والتاء يبدلونها بحرف ألماني بين التاء والسين، والثاء ينطقون بها مثل ذلك، والذال يبدلونها دالا مهملة، والظاء يبدلونها ضادا، والشين يبدلونها سينا، وقد يبدل هؤلاء السين شينا، يرتكب ذلك حتى من ينسب إلى العلم منهم من غير نكير، وقد أشار إلى ذلك المحقق ابن عبد السلام الفاسي في كتابه الذي ألفه في القرآن وعلومه وآدابه في المجلد الأول قال: اللحن لحنان: جلي، وخفي، فالجلي: لحن الإعراب، والخفي: لحن ترك إعطاء الحرف حقه من تجويد لفظه، وذلك إما بالنسبة إلى مخارجها، بأنه لا تعطى حقها الواجب لها.

стр. 3831

وإما بالنسبة إلى صفاتها التي تحقق ذاتها وتفصلها عما يشاركها أو يقاربها، وإما بالنسبة إلى تبديلها بغيرها كجعل الظاء المعجمة مكان الضاد، وكجعل السين مكان الشين المعجمة، وكجعل الزاي مكان الجيم، وكجعل الغين المعجمة مكان الراء، وكجعل الهمزة مكان القاف، إلى غير ذلك مما يطول تتبعه مما نسمعه من ألسنة الناس. انتهى. وقد سمعت بأذني قارئا يقرأ قوله تعالى: ﴿إلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (١) بإبدال الشين سينا والجيم زايا والذالين دالين مهملتين، وهذا من اللحن الذي يغير المعنى، وقد نقل القاضي عياض في الشفاء الإجماع على أن من بدل حرفا في القرآن عمدا كفر. ومن أسوا ما يرتكبه المغاربة من تبديل الحروف نطقهم بالتسهيل في قراءة ورش هاء خالصة فيقرءون الهمزة الثانية في (أئنك) و (أئذا) وما أشبه ذلك هاء وليس هذا معنى التسهيل، فالتسهيل تليين الهمزة الثانية حتى تكون بين الألف والهمزة، أو بين الواو والهمزة، أو بين الياء والهمزة، ويقابله التحقيق وهو النطق بهما همزتين خالصتين. ولم ينعدم التجويد بالمرة في المغرب في أي زمن، ولكنه كما قلت سابقا نادر، وأكثر القراء على خلافه، ومما يدلنا على ذلك ما جاء في نصوص الشيخ التهامي بن الطيب السجلماسي ثم الغرفي في إنكار تبديل التاء بما تقدمت الإشارة إليه، وهذه الأبيات بعضها مختل الوزن فأنا أنقلها على علاتها، قال: تحفظ رعاك الله في السر والجهر ... على مخرج التاء حين تتلو على غير إلى الحنك اصعد حين إخراجك لها ... ولا تنحون نحو الثنايا تنل شكري ولا تحدثن فيها صفيرا ورخوة ... فذلك فعل الجاهلية ذوي السكر فبالسين والزاي الجهرا وصادها ... يخص صغير القوم كلهم قادر كما خصصوا رخوا بجملة أحرف ... وليس لحرف التاء فيهن من ذكر وقد كان علماء المغرب إلى عهد قريب جدا معنيين بتجويد كتاب الله أحسن عناية، قل ما يجاريهم في ذلك علماء قطر آخر من الأقطار الإسلامية، حتى أن الملك فؤاد ملك مصر لما أراد أن يطبع المصحف على الرسم العثماني، وكلف بذلك جماعة

стр. 3832

من علماء مصر المحققين لم يجدوا من الكتب ما يعتمدون عليه مثل كتاب مورد الظمآن بشرح العالم المقرئ عبد الواحد بن عاشرة، ومن أشهر المنظومات التي عم نفعها، وقل في التحقيق والبلاغة نظيرها (الدرر اللوامع في أصل مقرأ الإمام نافع) لأبي الحسن علي بن الرباطي، المشهور بابن بري قال في المنظومة المذكورة: القول في التحقيق والتسهيل ... للهمز والإسقاط والتبديل والهمز في النطق به تكلف ... فسهلوه تارة وحذفوا وأبدلوه حرف مد محضا ... ونقلوه للسكون رفضا فنافع سهل أخرى الهمزتين ... بكلمة فهي بذاك بين بين قال شارحه إبراهيم المارغني شيخ القراء بالجامع الأعظم بتونس المتوفى سنة ١٣٤٩ هـ في شرحه لمنظومة ابن بري المسمى (النجوم الطوالع على الدرر اللوامع في أصل مقرأ الإمام نافع) ما نصه " التسهيل في اصطلاح القراء إذا أطلق اختص بالتسهيل بين بين، أي فالهمزة الثانية بسبب ذلك التسهيل لكونها بين بين، أي بينهما وبين الحرف المجانس لحركتها فتكون المفتوحة بين الهمزة والألف، والمضمومة بين الهمزة والواو، والمكسورة بين الهمزة والياء، هذا هو المأخوذ به عندنا في كيفية التسهيل بين بين. قال أبو شامة: وكان بعض أهل الأداء يقرب الهمزة المسهلة من مخرج الهاء، قال: وسمعت أنا منهم من ينطق بذلك، وليس بشيء لكن جوز الداني وجماعة إمدادها هاء خالصة في الأنواع الثلاثة، قال العلامة سيدي عبد الرحمن بن القاضي في بعض تكاليفه: جرى الأخذ عندنا بفاس والمغرب في المسهل بالهاء خالصة مطلقا وبه قال الداني. انتهى. وجوزه بعضهم في المفتوحة دون المضمومة والمكسورة، والأكثرون على المنع مطلقا، وعليه جرى عملنا بتونس. انتهى. " قال محمد تقي الدين الهلالي: الصواب هو تسهيل الهمزة الثانية بين بين، كما قاله أبو الحسن ابن بري، وقرره شارحه، ولا حق للداني أن يتصرف في كتاب الله فيبدل حرفا بحرف، لأن القراءة سنة متبعة لا مجال فيها للاجتهاد، ولا تصح الرواية

стр. 3833

بإبدال أخرى الهمزتين هاء البتة. وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١)» وقد طال المقال حتى أنه لا يحتمل الزيادة، فنسأل الله أن ينفعنا ويرفعنا بالقرآن العظيم، وبما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وأن يجعله لنا شافعا مشفعا، وآخر دعوانا أن الحمد رب العالمين.

стр. 3834

السنة بقلم الدكتور محمد بن عبد الله العجلان - من مواليد مدينة حريملاء، تخرج في كلية الشريعة بالرياض سنة ١٣٨٢ - ١٣٨٣ هـ ثم نال درجة الماجستير من الكلية، ثم نال درجة الدكتوراه من جامعة القاهرة، دار العلوم، بعد أن قدم بحثه "الرأي في مذهب الإمام أحمد بن حنبل". - عمل مدرسا بمعهد الرياض العلمي، مدرسا بكلية الشريعة، ويعمل الآن وكيلا لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. - مؤلفاته: ١ - ولاية المظالم، وهو بحث منشور في مجلة أضواء الشريعة العدد الثامن ٢ - صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان ٣ - أدلة الأحكام الشرعية في أصول الشاطبي، وهو موضوع رسالة الماجستير (مخطوط) ٤ - الرأي في مذهب الإمام أحمد بن حنبل (مخطوط) - حضر العديد من المؤتمرات في الداخل والخارج، وله مشاركات علمية وفكرية، عبر وسائل الإعلام.

стр. 3835

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ "مكانتها - وأشهر رجالها من الصحابة والتابعين وتابعيهم - تدوينها" عند اللغويين: السنة: الطريق المسلوكة، والطريقة حسنة كانت أو سيئة ومنه قوله ﷺ : «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة (١)». وعند المحدثين: ما أثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير (٢). وعند الأصوليين: ما صدر عن النبي ﷺ من الأفعال أو الأقوال التي ليست للإعجاز. وزاد بعضهم: ألا يكون ما صدر عن النبي ﷺ من الأفعال الجبلية. أي أن يكون مقصودا مما صدر منه ﷺ التشريع حتى يخرج ما صدر عنه بمقتضى الطبيعة البشرية كالقيام والقعود والمشي والنوم والأكل والشرب ونحو ذلك مما لم يكن التشريع مقصودا في أصل القيام به.

стр. 3836

فإن وردت في هذا القسم توجيهات قصد منها التشريع فهي من مفهوم السنة، هذا وتطلق السنة على ما يقابل القرآن الكريم، ومنه قوله ﷺ : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة (١)». كما تطلق تارة على ما يقابل الفرض، وتارة على ما يقابل البدعة، فيقال أهل السنة، وأهل البدعة. وذكر الشاطبي (٢) ﵀ أن لفظ السنة يطلق أيضا على ما عمل عليه الصحابة رضوان الله عليهم سواء وجدنا في الكتاب أو السنة، أو لم نجده، بحيث يشمل ما كان سنة ثبتت عندهم ولم تنقل إلينا كسنة مروية عن النبي ﷺ رواية صريحة، كما يشمل ما كان اجتهادا مجتمعا عليه منهم أو من خلفائهم. فيدخل تحت هذا الإطلاق المصالح المرسلة - في عهدهم - والاستحسان كما فعلوا في جلد الشارب ثمانين وتضمين الصناع وجمع المصحف، وحمل الناس على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة وتدوين الدواوين. . . وما أشبه ذلك مما عمل به الصحابة على سبيل الاجتهاد الذي لم يخالفه أحد منهم. ويدل على هذا الإطلاق قوله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين (٣)». وفرضية السنة ثابتة بمقتضى القرآن الكريم، وطاعتها واجبة، وحجتها نافذة. يقول الله تعالى: ١ - ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤).

стр. 3837

٢ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ (١). ٣ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٢). ٤ - ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣). ٥ - ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (٤). ٦ - ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٥). ٧ - ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٦). ٨ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (٧). ٩ - ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (٨). ١٠ - ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٩). ١١ - ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (١٠).

стр. 3838

١٢ - ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (١). ١٣ - ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٢). وفي الرسالة للشافعي ﵀ تفاصيل في هذا الشأن (٣). إذن فالسنة المطهرة هي مفتاح الكتاب، والنبراس الذي يهتدى به إلى كشف حقائقه، والوقوف على دقائقه. ومنصب الرسول ﷺ هو التبليغ عن الله والبيان لأوامره ونواهيه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٤). ومن ثم كانت السنة واجبة الاتباع، والمتمسك والعامل بها إنما يعمل بكتاب الله؛ قيل لمطرف بن عبد الله: لا تحدثونا إلا بالقرآن، فقال والله لا نبغي بالقرآن بدلا، ولكن نريد من هو أعلم منا بالقرآن. وروى الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: كان الوحي ينزل على رسول الله ﷺ ويحضره جبريل بالسنة التي تفسر ذلك (٥). وقد أمر الرسول ﷺ باتباع سنته في أحاديث كثيرة. منها قوله ﷺ : «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي (٦)». وقوله ﷺ : «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى (٧)».

стр. 3839

وقوله ﷺ في خطبة الوداع: «إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم، ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم فاحذروا، إني تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنة نبيه (١)». وقوله ﷺ - بعد أن «وعظ أصحابه موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب - فقيل يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: عليكم بالسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهتدين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة (٢)». وقوله ﷺ فيما رواه أبو داود: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه (٣)». وقد أوجب الله على المسلمين اتباع الرسول فيما يأمر به والانتهاء عما ينهى عنه، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤) وحذر من مخالفة أمره قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥) ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (٦). ولم يبح للمؤمنين مطلقا أن يخالفوا حكمه أو أوامره قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٧). بل جعل من لوازم الإيمان ألا يذهبوا حين يكونون مع رسول الله ﷺ على

стр. 3840

أمر جامع دون أن يستأذنوا منه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١) الآية. قال الإمام ابن القيم ﵀: " فإذا جعل الله من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهبا إذا كانوا معه إلا باستئذانه، فأولى أن يكون من لوازمه ألا يذهبوا إلى قول ولا مذهب علمي إلا بعد استئذانه، وإذنه يعرف بدلالة ما جاء به على أنه أذن فيه ". أفبعد هذا يأتي من لا علاقة له بالعلم الشرعي لا من قريب ولا من بعيد فيدعو إلى طرح بعض أنواع السنة المطهرة؟! أشهد لقد ضل ضلالا مبينا وعصى الله ورسوله وأهدر جهود علمائنا الذين ميزوا بين الصحيح والحسن والضعيف، والذين - كما يقول الدكتور مصطفى السباعي ﵀: " لا يستطيع من يدرس موقف العلماء - منذ عصر الصحابة إلى أن تم تدوين السنة - من الوضع والوضاعين وجهودهم في سبيل السنة صحيحها من فاسدها، إلا أن يحكم بأن الجهد الذي بذلوه في ذلك لا مزيد عليه، وأن الطرق التي سلكوها هي أقوم الطرق العلمية للنقد والتمحيص، حتى لنستطيع أن نجزم بأن علماءنا ﵏ هم أول من وضعوا قواعد النقد العلمي الدقيق للأخبار والمرويات بين أمم الأرض كلها، وأن جهدهم في ذلك جهد تفاخر به الأجيال وتتيه به على الأمم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم " (٢). وما قول هذا وأمثاله إلا مصداق قوله ﷺ : «يوشك رجل منكم متكئا على

стр. 3841

أريكته يحدث بحديث عني فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه: ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل الذي حرم الله (١)».

стр. 3842

مهمة السنة ومهمة السنة هي - بنص القرآن - تبيين مراد التنزيل: فهي تشرح ما قد يقع في فهمه من شبهة أو خلاف، وهي تفصل مجمله، وتقيد مطلقه وتخصص عامه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (١). ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (٢). ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٣). ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (٤). وقال النبي ﷺ : «ألا إنني أوتيت القرآن ومثله معه (٥)» والمراد بقوله " ومثله معه " هو - فيما يقرر الشراح: الأحاديث والسنن. والقرآن صريح في تقرير هذا كله، فهو يقول:

стр. 3843

﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٢). والسنة وحي إلهي: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٣) ﴿إِنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٤). ولكنه غير متلو، وألفاظه هي من عند النبي ﷺ : ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (٥). يقول الشافعي في تفسير كلمة الحكمة هنا: ". . . فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله. . . إلخ " (٦). ومن أوجه أهمية السنة باعتبارها أصلا من أصول الشرع: أن الرد إلى الله والرسول هو أمر أمر به الله عباده: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ (٧). والرد إلى الله هنا: معناه الرجوع إلى كتاب الله، والرد إلى الرسول: معناه الرجوع إليه شخصيا في حياته، والرجوع إلى سنته بعد وفاته. والنزاع الذي يستوجب الرد: قد يكون بين الناس من مختلف الطبقات بعضهم وبعض، أو بينهم وبين أولياء أمورهم.

стр. 3844

هل تستقل السنة بالتشريع ؟ يقول الإمام ابن القيم ﵀ " السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه (١): أحدها: أن تكون موافقة له من كل وجه، فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتضافرها. وذلك مثل الأحاديث التي تفيد وجوب الصلاة والزكاة والحج والصوم من غير تعرض لشرائطها وأركانها. الثاني: أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن وتفسيرا له. وذلك مثل الأحاديث التي فصلت أحكام الصلاة والصيام والزكاة والحج والبيوع والمعاملات التي وردت مجملة في القرآن، وهذا القسم هو أغلب ما في السنة وأكثرها ورودا (٢). الثالث: أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه أو محرمة لما سكت عن تحريمه، كالأحاديث التي أثبتت حرمة الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وأحكام الشفعة. ولا نزاع بين العلماء في القسمين الأولين. يقول الإمام الشافعي ﵀ (٣): فلم أعلم من أهل العلم مخالفا في أن سنن النبي ﷺ من ثلاثة وجوه، فاجتمعوا منها على وجهين، والوجهان يجتمعان ويتفرعان: أحدهما: ما أنزل الله فيه نص كتاب، فيبين رسول الله ﷺ مثل ما نص الكتاب.

стр. 3845

والآخر: مما أنزل الله فيه جملة كتاب، فبين عن الله معنى ما أراد. وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما. والوجه الثالث: ما سن رسول الله ﷺ فيما ليس فيه نص كتاب. فمنهم من قال: جعل الله له بما افترض من طاعته، وسبق في علمه، من توفيقه لرضاه أن يسن فيما ليس فيه نص كتاب. ومنهم من قال: لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب. والمراد بالخلاف في القسم الثالث ليس الخلاف في وجوده بل في مخرجه أهو على الاستقلال بالتشريع؟ أم بدخوله ضمن نصوص القرآن ولو بتأويل (١). فقد ذهب جمهور العلماء إلى أن السنة تستقل بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن الكريم في تحليل الحلال وتحريم الحرام، واستدلوا أولا بمثل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٢) ﴿إِنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (٥) النساء من الآية ٦٥ - والآية نزلت في قضاء رسول الله ﷺ للزبير بالسقي قبل الأنصاري من شراج الحرة، (٦) وذلك ليس في كتاب الله، ثم جاء في عدم الرضا به من الوعيد والأمر بطاعة الله وطاعة الرسول " وسائر ما قرن فيه طاعة الرسول بطاعة الله فهو دال على أن طاعة الله ما أمر به ونهى عنه في كتابه، وطاعة الرسول ما أمر به ونهى عنه مما جاء به مما ليس في القرآن، إذ لو كان في القرآن لكان من طاعة الله " وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٧) النور ٦٣، فقد اختص الرسول ﵊ بشيء يطاع فيه، وذلك السنة التي لم تأت في القرآن (٨).

стр. 3846

والثاني: الأحاديث الدالة على ذم ترك السنة واتباع الكتاب، إذ لو كان ما في السنة موجودا في الكتاب لما كانت السنة متروكة على حال، وذلك مثل حديث «ألا إني أوتيت القرآن، ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان متكئا على أريكته يحدث بحديث عني فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه: ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل الذي حرم الله (١)». والثالث: أن الاستقراء دل على أن في السنة أشياء لا تحصى كثرة لم ينص عليها في القرآن، كتحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها، وتحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، والعقل وفكاك الأسير. . . وغيرها كثير (٢). رابعا: أنه لا مانع عقلا من ذلك ما دام رسول الله ﷺ معصوما من الخطأ، ولله أن يأمر رسوله بتبليغ أحكامه إلى الناس من أي طريق، سواء كان بالكتاب أو بغيره وما دام جائزا عقلا، وقد وقع فعلا باتفاق الجميع فلماذا لا نقول به؟ خامسا: أن النصوص الواردة في القرآن الدالة على وجوب اتباع الرسول ﷺ وطاعته فيما يأمر به وينهى عنه عامة لا تفرق بين السنة المبينة أو المؤكدة أو المستقلة (٣). وذهب الإمام الشاطبي ﵀ إلى أن السنة راجعة في معناها إلى الكتاب، فهي تفصيل مجمله، وبيان مشكله، وبسط مختصره. وذلك لأنها بيان له، وهو الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٤) فلا تجد في السنة أمرا، إلا القرآن قد دل على معناه دلالة إجمالية أو تفصيلية (٥).

стр. 3847

وقد بين ﵀ كيفية رجوع السنة إلى الكتاب، واستقصى مذاهب العلماء في ذلك في ستة طرق (١). كما أجاب عن ما أورده أصحاب الرأي الأول: بأن الاستقراء دل على أن في السنة أشياء لا تحصى كثرة لم ينص عليها في القرآن الكريم كتحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها وتحريم الحمر الأهلية. . . فقال: إن أصول هذه القضايا منصوص عليها في القرآن الكريم، لكن تفصيلها يحتاج إلى بيان جاءت به السنة، وذلك أنه يقع في الكتاب النص على طرفين واضحين، وتبقي بينهما أمور تحتاج إلى إلحاقها بأحد الطرفين لأن فيها شبها من كل منهما، فتأتي السنة بهذا الإلحاق، مع وجود أصل القضية في القرآن الكريم. وأيضا فإن السنة قد تلحق فرعا بأصله الذي خفي إلحاقه به. ومن ذلك أن الله تعالى أحل الطيبات وحرم الخبائث وبقي بين هذين الأصلين أشياء يمكن إلحاقها بأحدهما، فبين ﵊ في ذلك ما اتضح به الأمر فنهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، ونهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية، وقال إنها ركس كما نهى النبي ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها، لما في لحمها ولبنها من أثر الجلة، فهذا كله راجع إلى معنى الإلحاق بأصل الخبائث - الواردة في القرآن - كما ألحق ﵊ الضب والحبارى والأرنب وأشباهها بأصل الطيبات - الوارد أيضا في القرآن الكريم (٢). ومن ذلك أيضا أن الله تعالى أحل من المشروبات ما ليس بمسكر كالماء واللبن والعسل، وحرم الخمر لما فيها من إزالة العقل، فوقع فيما بين الأصلين ما ليس بمسكر حقيقة ولكنه يوشك أن يسكر وهو نبيذ الدباء والمزفت والنقير وغيرها، فنهى عنها إلحاقا لها بالمسكرات تحقيقا، سدا للذريعة (٣).

стр. 3848

ومن ذلك " أن الله تعالى حرم الجمع بين الأم وابنتها في النكاح وبين الأختين وجاء في القرآن ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (١) النساء ٢٤، فجاء نهيه ﵊ عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها من باب القياس، لأن المعنى الذي لأجله ذم الجمع بين أولئك موجود هنا " (٢). ثمرة الخلاف: يرى الدكتور مصطفى السباعي ﵀ والدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي أن الخلاف لفظي لأن الفريقين متفقان على وجود أحكام جديدة في السنة لم ترد في القرآن الكريم نصا ولا صراحة (٣). فأصحاب الرأي الأول يقولون: إن هذا هو الاستقلال في التشريع لأنه إثبات أحكام لم ترد في الكتاب. وأصحاب الرأي الثاني - مع تسليمهم بعدم ورودها بنصها في القرآن الكريم - يرون أنها داخلة تحت نصوصه بوجه ما. وقد ذم الشاطبي ﵀ من دعا إلى ترك السنة أو شيء منها، ووصف أولئك بأنهم لا خلاق لهم وبأنهم انخلعوا عن الجماعة، وأولوا القرآن على غير ما أنزل (٤). لأنه وإن وردت أصول كافة القضايا في القرآن الكريم، فإن في السنة بيانا لا غنى عنه من توضيح المجمل وتقييد المطلق وتخصيص العموم (٥). وقد بين الإمام ابن القيم ﵀ أن ما كان من السنة زائدا على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي ﷺ : تجب طاعته فيه، ولا تحل معصيته، امتثالا لما

стр. 3849

أمر الله به من طاعة رسوله، ولو كان رسول الله ﷺ لا يطاع في هذا القسم لم يكن لطاعته معنى وسقطت طاعته المختصة به. وقال: كيف يمكن أحدا من أهل العلم أن لا يقبل حديثا زائدا على كتاب الله، فلا يقبل تحريم المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا حديث التحريم بالرضاعة لكل ما يحرم من النسب، ولا حديث خيار الشرط، ولا أحاديث الشفعة ولا حديث الرهن في الحضر، ولا حديث ميراث الجدة، ولا حديث تخيير الأمة إذا عتقت تحت زوجها، ولا حديث منع الحائض من الصوم والصلاة، ولا حديث وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان، ولا أحاديث إحداد المتوفى عنها زوجها؟!. وبين ﵀ أن الناس كلهم قد أخذوا بحديث «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم (١)» وهو زائد على القرآن، وأخذوا بحديث توريثه ﷺ بنت الابن السدس مع البنت، وهو زائد على القرآن، وأخذوا بحديث استبراء المسبية بحيضة وهو زائد على ما في كتاب الله. وقد أورد ﵀ أمثلة كثيرة جدا وقال: إن أحكام السنة التي ليست في القرآن إن لم تكن أكثر منها لم تنقص عنها، فلو ساغ لنا رد كل سنة زائدة على نص القرآن لبطلت سنن رسول الله ﷺ كلها إلا سنة دل عليها القرآن، وهذا هو الحق الذي أخبر النبي ﷺ بأنه سيقع، ولا بد من وقوع خبره (٢).

стр. 3850

من علماء السنة من الصحابة والتابعين: من أعلام الصحابة الذين عنوا كثيرا - في اجتهادهم الفقهي - بحديث رسول الله ﷺ (١).

стр. 3851

١ - أبي بن كعب المتوفى غالبا سنة ٣١ هـ، وقد روي عنه في الصحيحين وغيرهما ١٦٤ حديثا. ٢ - أنس بن مالك المتوفى بالبصرة سنة ٩٣ هـ، صاحب رسول الله ﷺ وخادمه وأحد المكثرين من الرواية عنه، وروى عنه رجال الحديث ١٢٨٦ حديثا. ٣ - زيد بن ثابت المتوفى سنة ٤٥ هـ، وكاتب الوحي، وأحد نجباء الأنصار وجامع القرآن على عهد الصديق وعهد ذي النورين، وله في كتب الحديث ٩٢ حديثا، وروى عنه عبد الله بن عمر وأنس بن مالك، وسليمان بن يسار، وابنه خارجة بن زيد. وكان زيد رأسا بالمدينة في القضاء والفتوى والفرائض والقراءة. ٤ - عبد الله بن عباس المتوفى بالطائف سنة ٦٨ هـ، وقد عايش، منذ كان غلاما رسول الله ﷺ ، فعاين بالضرورة كثيرا من السنة، وقد روت الصحاح عنه ١٦٦٠ حديثا. ٥ - عبد الله بن عمر بن الخطاب المتوفى سنة ٧٣ هـ، والذي كان شديد التمسك بالحديث والتعويل عليه في استنباط الأحكام، والذي كان شديد

стр. 3852

التحري لألفاظ النبي ﷺ وروت عنه كتب الحديث ٢٦٣٠ حديثا. ٦ - عبد الله بن مسعود المتوفى سنة ٣٢ هـ، وقد كان من أكثر الصحابة ملازمة للنبي ﷺ في حله وترحاله وغزواته وله في كتب السنة ٨٤٨ حديث. ٧ - علي بن أبي طالب ﵁ المتوفى سنة ٤٠ هـ، وصلته الوثيقة بالنبي ﷺ معلومة، وقد روت كتب السنة عنه ٥٨٦ حديثا. ٨ - عمران بن حصين المتوفى سنة ٥٢ هـ، وهو أيضا من علماء الصحابة البارزين، وقد بعثة عمر إلى البصرة ليفقه أهلها، وولاه زياد قضاءها وله في كتب السنة ٣٠ حديثا (١).

стр. 3853

السنة في مدينة الرسول كانت المدينة المنورة عاصمة الإسلام آنئذ، وحتى عهد الخليفة عثمان المركز الأهم والأكبر للإشعاع العلمي الإسلامي، فقد كانت مهاجر الرسول ﷺ ، ومستقر كبار صحابته من المهاجرين والأنصار، ومن لاذوا به وبهم وتخرجوا عليه وعليهم، وفيها اجتمع ﷺ بهؤلاء جميعا في الحرب والسلم، والسراء والضراء، وفيها

стр. 3854

ومنها كانت أغلب السنة النبوية التي شهدها بل عاشها وشارك في أحداثها بعض هؤلاء السابقين الأولين. وفي المدينة أيضا كانت جهود أمثال عبد الله بن عمر في تجميع السنة وروايتها وتفهمها، وكانت جهود أمثال زيد بن ثابت في خدمة القرآن والسنة والفتيا والفرائض والقضاء. وفيها تلقى الصحابة من النبي ﷺ مباشرة، أو بواسطة خاصته الثقات الأدنين، فاستغنوا في كثير من الحالات بحصيلتهم السنية الوثيقة عن الاجتهاد بالرأي. وفي المدينة، عاش فقهاؤها السبعة الذين كانوا إذا جاءتهم المسألة دخلوا جميعا، فنظروا فيها، ولا يقضي القاضي حتى يرفع إليهم القضية، فينظرون فيها، فيصدرون الحكم (١). وهؤلاء الفقهاء هم: ١ - سعيد بن المسيب (١٥ - ٩٤ هـ) الموصوف بأنه سيد التابعين، وقد كان - مثل زملائه فقهاء الحجاز آنئذ - يستغني غالبا بحفظ الآثار الكثيرة في الحجاز عن استعمال الرأي الذي لم تكن تدعو إليه وقتئذ حاجة ماسة، وكانوا - في هذا - يقفون شيوخهم أمثال عبد الله بن عمر بن الخطاب، (٢) على أن ابن المسيب - كما تذكر بعض تراجمه - كان أحفظ الناس لأحكام عمر بن الخطاب وأقضيته حتى سمي راوية عمر.

стр. 3855

٢ - عروة بن الزبير (٢٢ - ٩٣ هـ) وكان كما تقول تراجمه " ثقة، كثير الحديث، فقيها، عالما، ثبتا، مأمونا " (١). ٣ - والقاسم بن محمد بن أبي بكر (ت ١٠٧ هـ) المشهور بأنه كان ثقة عالما فقيها إماما كثير الحديث (٢). ٤ - وخارجة بن زيد بن ثابت (٢٩ - ٩٩ هـ) الذي كان من الثقات، (٣) ويورد بعضهم سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب في الفقهاء السبعة، وسالم من سادات التابعين وعلمائهم وثقاتهم، وهو مشهور بأنه كان يرفض الإفتاء بالرأي، فإذا سئل عن أمر لم يسمع فيه شيئا قال: لا أدري (٤). ٥ - أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (ت ٩٤ هـ)، وكان يلقب " راهب قريش ". قال الواقدي: كان ثقة فقيها عالما سخيا كثير الحديث وقيل: هو أحد أئمة المسلمين (٥). ٦ - سليمان بن يسار (٣٤ - ١٠٧ هـ) الذي وصفه ابن سعد بأنه ثقة عالم فقيه كثير الحديث (٦). ٧ - عبيد الله بن عبد الله بن عتبة الهذلي (ت ٩٨ هـ)، وكان من الأعلام ثقة عالما فقيها كثير الحديث، وكما عبر أحد الفقهاء: " لا تشاء أن تفجر من عبيد الله بحرا، إلا فجرته "، وكما عبر الزهري: " لا تشاء أن تجد عند عبيد الله طريقة من علم لا تجدها عن غيره إلا وجدت " (٧).
следующие страницы →