١ - أبي بن كعب المتوفى غالبا سنة ٣١ هـ، وقد روي عنه في الصحيحين وغيرهما ١٦٤ حديثا.
٢ - أنس بن مالك المتوفى بالبصرة سنة ٩٣ هـ، صاحب رسول الله ﷺ وخادمه وأحد المكثرين من الرواية عنه، وروى عنه رجال الحديث ١٢٨٦ حديثا.
٣ - زيد بن ثابت المتوفى سنة ٤٥ هـ، وكاتب الوحي، وأحد نجباء الأنصار وجامع القرآن على عهد الصديق وعهد ذي النورين، وله في كتب الحديث ٩٢ حديثا، وروى عنه عبد الله بن عمر وأنس بن مالك، وسليمان بن يسار، وابنه خارجة بن زيد. وكان زيد رأسا بالمدينة في القضاء والفتوى والفرائض والقراءة.
٤ - عبد الله بن عباس المتوفى بالطائف سنة ٦٨ هـ، وقد عايش، منذ كان غلاما رسول الله ﷺ ، فعاين بالضرورة كثيرا من السنة، وقد روت الصحاح عنه ١٦٦٠ حديثا.
٥ - عبد الله بن عمر بن الخطاب المتوفى سنة ٧٣ هـ، والذي كان شديد التمسك بالحديث والتعويل عليه في استنباط الأحكام، والذي كان شديد
стр. 3852
التحري لألفاظ النبي ﷺ وروت عنه كتب الحديث ٢٦٣٠ حديثا.
٦ - عبد الله بن مسعود المتوفى سنة ٣٢ هـ، وقد كان من أكثر الصحابة ملازمة للنبي ﷺ في حله وترحاله وغزواته وله في كتب السنة ٨٤٨ حديث.
٧ - علي بن أبي طالب ﵁ المتوفى سنة ٤٠ هـ، وصلته الوثيقة بالنبي ﷺ معلومة، وقد روت كتب السنة عنه ٥٨٦ حديثا.
٨ - عمران بن حصين المتوفى سنة ٥٢ هـ، وهو أيضا من علماء الصحابة البارزين، وقد بعثة عمر إلى البصرة ليفقه أهلها، وولاه زياد قضاءها وله في كتب السنة ٣٠ حديثا (١).
стр. 3853
السنة في مدينة الرسول
كانت المدينة المنورة عاصمة الإسلام آنئذ، وحتى عهد الخليفة عثمان المركز الأهم والأكبر للإشعاع العلمي الإسلامي، فقد كانت مهاجر الرسول ﷺ ، ومستقر كبار صحابته من المهاجرين والأنصار، ومن لاذوا به وبهم وتخرجوا عليه وعليهم، وفيها اجتمع ﷺ بهؤلاء جميعا في الحرب والسلم، والسراء والضراء، وفيها
стр. 3854
ومنها كانت أغلب السنة النبوية التي شهدها بل عاشها وشارك في أحداثها بعض هؤلاء السابقين الأولين.
وفي المدينة أيضا كانت جهود أمثال عبد الله بن عمر في تجميع السنة وروايتها وتفهمها، وكانت جهود أمثال زيد بن ثابت في خدمة القرآن والسنة والفتيا والفرائض والقضاء.
وفيها تلقى الصحابة من النبي ﷺ مباشرة، أو بواسطة خاصته الثقات الأدنين، فاستغنوا في كثير من الحالات بحصيلتهم السنية الوثيقة عن الاجتهاد بالرأي.
وفي المدينة، عاش فقهاؤها السبعة الذين كانوا إذا جاءتهم المسألة دخلوا جميعا، فنظروا فيها، ولا يقضي القاضي حتى يرفع إليهم القضية، فينظرون فيها، فيصدرون الحكم (١).
وهؤلاء الفقهاء هم:
١ - سعيد بن المسيب (١٥ - ٩٤ هـ) الموصوف بأنه سيد التابعين، وقد كان - مثل زملائه فقهاء الحجاز آنئذ - يستغني غالبا بحفظ الآثار الكثيرة في الحجاز عن استعمال الرأي الذي لم تكن تدعو إليه وقتئذ حاجة ماسة، وكانوا - في هذا - يقفون شيوخهم أمثال عبد الله بن عمر بن الخطاب، (٢) على أن ابن المسيب - كما تذكر بعض تراجمه - كان أحفظ الناس لأحكام عمر بن الخطاب وأقضيته حتى سمي راوية عمر.
стр. 3855
٢ - عروة بن الزبير (٢٢ - ٩٣ هـ) وكان كما تقول تراجمه " ثقة، كثير الحديث، فقيها، عالما، ثبتا، مأمونا " (١).
٣ - والقاسم بن محمد بن أبي بكر (ت ١٠٧ هـ) المشهور بأنه كان ثقة عالما فقيها إماما كثير الحديث (٢).
٤ - وخارجة بن زيد بن ثابت (٢٩ - ٩٩ هـ) الذي كان من الثقات، (٣) ويورد بعضهم سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب في الفقهاء السبعة، وسالم من سادات التابعين وعلمائهم وثقاتهم، وهو مشهور بأنه كان يرفض الإفتاء بالرأي، فإذا سئل عن أمر لم يسمع فيه شيئا قال: لا أدري (٤).
٥ - أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (ت ٩٤ هـ)، وكان يلقب " راهب قريش ". قال الواقدي: كان ثقة فقيها عالما سخيا كثير الحديث وقيل: هو أحد أئمة المسلمين (٥).
٦ - سليمان بن يسار (٣٤ - ١٠٧ هـ) الذي وصفه ابن سعد بأنه ثقة عالم فقيه كثير الحديث (٦).
٧ - عبيد الله بن عبد الله بن عتبة الهذلي (ت ٩٨ هـ)، وكان من الأعلام ثقة عالما فقيها كثير الحديث، وكما عبر أحد الفقهاء: " لا تشاء أن تفجر من عبيد الله بحرا، إلا فجرته "، وكما عبر الزهري: " لا تشاء أن تجد عند عبيد الله طريقة من علم لا تجدها عن غيره إلا وجدت " (٧).
стр. 3856
مكة والسنة
وعلى غرار المدينة المنورة كانت مكة المكرمة تخدم السنة وتحفظها، وهذا أمر طبيعي: ففي مكة بيت الله الحرام قبلة المسلمين، وفي مكة نشأ النبي ﷺ ، وفيها أمضى أغلب أيامه، وفيها تلقى الرسالة وفيها بدأ الدعوة والجهاد.
وقد كان صلوات الله عليه وسلامه عين نائبا عنه في مكة هو معاذ بن جبل الذي كان من رواته اثنان من عظماء المحدثين: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر.
وكان عبد الله بن عباس - ومن ألقابه العلمية " ترجمان القرآن " - ممن ذهب إلى البصرة ينشر علوم الإسلام، ثم عاد إلى المدينة يحمل فيها أمانته التعليمية، ثم ينتهي إلى اتخاذ مكة مثابة علمية راسخة يعلم فيها التفسير والحديث والفقه.
وفي عهد تال لعهد الصحابة، أقامت في رحاب الكعبة فرق من التابعين وتابعيهم يشتغلون بالحديث والفقه، ومن أشهرهم:
مجاهد بن جبر (٢١ - ١٠٤ هـ)، وكان شيخ القراء والمفسرين، أخذ التفسير عن ابن عباس (١).
وعطاء بن أبي رباح (٢٧ - ١١٤ هـ) الثقة العالم الكثير الحديث (٢).
وفي اليمن:
طاوس بن كيسان (٣٣ - ١٠٦ هـ)، وكان إماما علما أدرك خمسين من الصحابة، وكان من أكابر التابعين تفقها في الدين، ورواية للحديث (٣).
стр. 3857
وفي اليمامة:
يحي بن أبي كثير (ت ١٢٩ هـ)، وكان من ثقات أهل الحديث، ورجحه بعضهم على الزهري (١).
وفي البصرة:
الحسن البصري (٢١ - ١١٠ هـ) " أحد أئمة الهدى "، وأدرك خمسمائة من الصحابة (٢).
ومحمد بن سيرين (٣٣ - ١١٠ هـ) إمام وفقيه، وكان " ثقة مأمونا عاليا رفيعا فقيها إماما كثير العلم " (٣).
وفي الكوفة:
مسروق بن الأجدع (ت ٦٣ هـ)، وكان إماما قدوة، وكان شريح القاضي يستشيره في معضلات المسائل، وقال عنه ابن معين: ثقة لا يسأل عن مثله (٤).
وعلقمة بن قيس (ت ٦٢ هـ)، روى الحديث عن الصحابة، وكان فقيه العراق (٥).
وسعيد بن جبير (٤٥ - ٩٥ هـ) " الفقيه الثقة الإمام الحجة "، أخذ العلم عن ابن عباس وابن عمر (٦).
وإبراهيم النخعي (٤٦ - ٩٦ هـ)، وكان من أكابر التابعين صلاحا وصدق رواية وحفظا للحديث، وكان إماما مجتهدا له مذهب (٧).
стр. 3858
وفي الشام:
مكحول أبو عبد الله (ت ١١٢ هـ)، وكان من حفاظ الحديث، ومن أصحاب الرحلات إليه، وقيل: لم يكن أبصر منه بالفتيا في زمنه (١).
تابعو التابعين في مكة والمدينة:
واستجد عهد تابعي التابعين فبقيت المدينة ومكة بصفة خاصة منارة للعلم الإسلامي، وخاصة الحديث النبوي.
ففي المدينة:
كان " ربيعة الرأي " (ت ١٣٦ هـ)، وكان يقول بالرأي فيما لا يجد فيه حديثا أو أثرا، وفي الوقت نفسه كان محدثا، قال فيه ابن الماجشون: " ما رأيت أحدا أحفظ للسنة من ربيعة " ووثقه أحمد وابن سعد وابن حبان، وعلى ربيعة هذا تفقه مالك صاحب المذهب (٢).
وفي مكة:
اشتهر عمرو بن دينار الفقيه المفتي المحدث (ت ١١٥، وقيل ١٢٦ هـ)، وكان ثقة ثبتا كثير الحديث، قال شعبة عنه: ما رأيت أثبت في الحديث منه، وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال مسعر: ثقة ثقة ثقة، وقال ابن المديني شيخ البخاري: له خمسمائة حديث (٣).
واشتهر عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (ت ١٥٠ هـ) فقيه الحرم المكي، وإمام أهل الحجاز في عصره، قال الذهبي عنه: كان ثبتا، والإمام أحمد
стр. 3859
ابن حنبل يقول عنه: إذا قال: أخبرنا وسمعت حسبك به، وقد تلقى عنه الأوزاعي، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة وآخرون (١).
ومن أشهر المحدثين من تابعي التابعين في مكة: سفيان بن عيينة (ت ١٩٨ هـ) الموصوف بأنه أحد أئمة الإسلام، والذي قال الزهري عنه: إن حديثه نحو سبعة آلاف، وقال عمرو بن دينار: ما لبث نوح في قومه، أي: ٩٥٠ حديثا، وقال الشافعي: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز (٢).
وممن سكنوا مكة من المحدثين في ذلك العهد: الفضيل بن عياض (ت ١٨٧ هـ)، وكان موصوفا بأنه أحد أئمة الهدي والسنة، وكان ثقة في الحديث، وأخذ عنه كثيرون منهم الشافعي.
стр. 3860
تدوين السنة
في عهد الرسول - ﷺ - -.
رأينا كيف أن للسنة النبوية - باعتبارها أصلا من أصول الإسلام - مكانتها الكبرى التالية مباشرة لمكانة القرآن: فهي - كما أسلفنا القول - تبين القرآن، فمن أنكرها فقد أنكر - على الحقيقة - القرآن نفسه، ومن خالفها فقد خالفه.
وقد جرى على هذا - عقيدة وعملا، منذ فجر الإسلام - كبار الصحابة ثم كبار التابعين، ثم تابعوا تابعيهم إلى اليوم والغد وإلى يوم الدين (١).
وقد حذرت السنة نفسها من الكذب فيها أو عدم التثبت في روايتها:
روى البخاري ومسلم وغيرهما عن النبي ﷺ قال: «إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار (٢)»، وقال: «من حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين (٣)» (روي على صيغة التثنية والجمع).
ولكن الثابت عند أغلب علماء السنة أن الأحاديث النبوية لم تكتب على عهد النبي ﷺ وذلك امتثالا لقوله ﷺ : «لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن، ومن كتب شيئا فليمحه (٤)» وقد ذكر العلماء أن هذا النهي كان لمنع الناس من أن يلتبس على بعضهم الحديث النبوي بالقرآن الذي كان الوحي يتنزل به على الرسول تباعا، وأن النهي كان أيضا لمنع الناس من أن تشغلهم السنة عن الكتاب.
وقد ذكر ابن حجر العسقلاني وغيره سببين آخرين لتأخر تدوين السنة عن
стр. 3861
العهد النبوي هما: (الأول): أن أكثر المسلمين وقتئذ لم يكونوا يعرفون الكتابة، (والثاني): أن الذاكرة الخارقة التي كانوا يتمتعون بها أغنتهم عن التدوين الكتابي.
وقد ناقش الأسباب كلها - في موضوعية ودقة - الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في رسالته: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه (١).
على أن هناك أحاديث كتبها - فعلا - بعض الناس على عهد النبي ﷺ وإذن منه:
في الصحيحين: «أن أبا شاه اليمني التمس من النبي ﷺ أن يكتب له شيئا سمعه من خطبته عام الفتح، فقال: اكتبوا لأبي شاه (٢)».
وفي سنن الترمذي: «كان رجل من الأنصار يجلس إلى رسول الله ﷺ فيسمع منه الحديث، فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: استعن بيمينك، وأومأ بيده إلى الخط (٣)».
وفي صحيح البخاري: أن أبا هريرة كان يقول: " لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان يكتب وأنا لا أكتب " (٤).
وفي سنن الدارمي (٥): روى يحيى بن أيوب عن أبي قبيل، عن عبد الله بن عمرو، قال: " كنا عند رسول الله ﷺ نكتب ما يقول ". قال الذهبي: هذا حديث حسن غريب رواه سعد بن عفير عنه.
стр. 3862
وقد كتب أيضا الشيخ محمد الحافظ التيجاني كتابة نافعة وكاملة في موضوع تدوين السنة وإبطال احتجاج من ادعى أن الحديث لم يكتب في عصر النبوة والصحابة (١).
ولما لحق النبي ﷺ بربه، وانقطع نزول القرآن، وكان المسلمون قد حفظوه في الصدور، ثم في السطور، وأصبح من المستحيل خلطه بحرف واحد أو حركة واحدة من عند غير الله، انتفى بالضرورة كل خوف من أن تلتبس أحاديث النبي ﷺ بالنص القرآني فزاد عدد من يسجلون بالكتابة هذه الأحاديث:
روي عن سعيد بن جبير: أنه كان يجلس مع ابن عباس، فيسمع منه الحديث، فيكتبه في واسطة الرحل، فإذا نزل نسخه (٢).
وعن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: " كنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب يكتب كل ما يسمع، فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس (٣).
وعن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه احترقت كتبه يوم الحرة، في خلافة يزيد، وكان يقول: " لو أن عندي كتبي بأهلي ومالي " (٤).
وصحيح أن الصحابة والتابعين كان بين بعضهم وبعض تفاوت في درجات العلم بالنسبة القولية والفعلية والتقريرية، وهو أمر طبيعي؛ لأن الصحابة لم يكونوا سواء في الصحبة والقرب من الرسول ﷺ ، ولأن التابعين أيضا لم يكونوا متماثلين أو متعادلين، ولكن هذا الاختلاف لم يفض غالبا إلى خطأ أو اضطراب يستحق الذكر، سواء في المتون أو في الشروح، فهم جميعا لم يألوا جهدا في تعهد السنة حفظا بألفاظها ومعانيها، وتطبيقا بحروفها وبروحها، وإعلاما بإبلاغها لمن لم يشهدها أو لم يشهد من شهدها، وبنقلها للأخلاف وتعليمهم إياها.
стр. 3863
هكذا حرص الصحابة والتابعون على السنة الحرص الذي ينبغي لها بوصفها أحد الشطرين الرئيسين والأصلين الأساسيين لشريعتهم ولميراثهم.
غير أنه جاء على المسلمين - في أعقاب عهد هؤلاء - حين من الدهر خافوا فيه على هذه السنة - وهي ما هي جوهر دين وارتفاع شأن - أن يضيع منها شيء إما لموت حفاظها وعلمائها - وإن الموت لواقع ماله من دافع - وإما لكيد الكفار والمنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام، ويبطنون خصومته ومناوأته، فكانوا يحاولون تمزيقه وتشويهه عن طريق تحريف الأحاديث وتبديلها أو اختلاقها أصلا، ونسبتها للرسول ﷺ .
هناك عم الإحساس بشدة الحاجة إلى إجراء عام حاسم يمنع أسباب الضياع والفساد، ويتمثل هذا الإجراء في جمع السنة وتدوينها.
وقد تصدى لهذه المهمة التاريخية التي كان المسلمون يرقبونها خليفة المسلمين الراشد: عمر بن عبد العزيز ﵁:
كتب عمر إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الفقيه التابعي الذي كان أميرا على المدينة والذي ولي قضاءها: أن انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ أو سننه، أو حديث عمرة، أو نحو هذا فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء (١) فكتبه له (٢).
وكتب عمر نفسه إلى أبي بكر بن حزم نفسه أيضا أن افحص لي عن أسماء خدم رسول الله ﷺ من الرجال والنساء ومواليه، فكتب إليه (٣).
ويلخص ابن حجر العسقلاني ذلك الموقف فيقول: " قال العلماء: كره
стр. 3864
جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث، واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظا، لكن لما قصرت الهمم، وخشي الأئمة ضياع العلم دونه، وأول من دون الحديث: ابن شهاب الزهري، على رأس المائة، بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثر التدوين، ثم كثر التصنيف، وحصل بذلك خير كثير، فلله الحمد " (١).
وقد اختلفت مناهج جمع السنة وتدوينها:
فمن الجامعين - في أول عهد الجمع - من كان يخلط بالأحاديث النبوية أقوال الصحابة وفتاوي التابعين.
ومنهم من ألف المسانيد التي تجمع أحاديث كل صحابي على حدة بصرف النظر عن الموضوع، والمثل في هذه الطريقة: مسند الإمام أحمد.
ومنهم من أقاموا جمعهم على أساس الأبواب الفقهية، فيبدأ مثلا بذكر الأحاديث النبوية في موضوع الصلاة، ثم في موضوع الصوم، ثم في الحج، وهكذا.
ومن هؤلاء وأولئك من لم يختر مادة لجمعه سوى الأحاديث الصحاح، مثلما فعل الشيخان: البخاري ومسلم، ومنهم من أورد الأحاديث بمختلف مراتبها مكتفيا بذكر أسانيدها للقراء يرون فيها رأيهم.
والمهم أن الإخلاص في نقل السنة والتشدد في روايتها ودراستها متونا وأسانيد، والتزام شروطها وقواعدها كان ديدن هؤلاء الجامعين الدارسين، وكم منهم من ركب الظلام، وخاض القفار، وصبر على اللأواء، وحرارة القيظ وصبارة القر، من أجل التماس حديث، أو فحص حال محدث، أو تصحيح خبر، أو تمحيص مروية.
وقد دعاهم إلى هذه الرحلات الشاقة ما هو معلوم من أن الصحابة والتابعين، لما فتح الله عليهم الأمصار شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، ارتحلوا إليها وسكنوها، وقد كانوا - بالضرورة - يحملون أحاديث عن الرسول ﷺ ، مما يمكن أن لا يكون من محفوظات غيرهم، فقصد إليهم الحديثيون ليأخذوا عنهم.
стр. 3865
وجاء تابعو التابعين فسلكوا - في جملتهم - نفس المسلك السني الذي سلكه الأسلاف، فتمسكوا - في جملتهم أيضا - بالسنة التي صحت عندهم، وكما يقول ابن القيم: " كانت النصوص أجل في صدورهم وأعظم في نفوسهم من أن يقدموا عليها قول أحد من الناس أو يعارضوها برأي وقياس " (١) وكانوا في إجماعهم على الأخذ بالسنة الصحيحة - كما قال أحد الأئمة وهو الشافعي ﵁: " إن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس (٢).
стр. 3866
المجاميع الحديثية الأمهات .
كان من أشهر علماء الإسلام وأسبقهم إلى العناية بالحديث والإفادة منه: مالك بن أنس (٩٣ - ١٧٩ هـ) صاحب المذهب المالكي والذي عاش ومات في المدينة، فقد جمع كتابه " الموطأ " ورتبه على حسب أبواب الفقه. وقد كان مالك - لتمسكه الشديد بالحديث النبوي - يتورع عن الإفتاء بالرأي: " قال القعنبي: دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه، فسلمت عليه، ثم جلست، فرأيته يبكي، فقلت له: يا أبا عبد الله! ما الذي يبكيك؟ فقال لي: يا ابن قعنب! ومالي لا أبكي؟ ومن أحق بالبكاء مني؟ والله لوددت أني ضربت بكل مسألة أفتيت فيها بالرأي سوطا -!! وقد كانت لي السعة فيما قد سبقت إليه، وليتني لم أفت بالرأي (١).
وقد روى أصحابه أنه كان يكثر أن يقول: ﴿إِنْ نَظُنُّ إلاَّ ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ (٢).
وجاء من بعده بنحو قرن محمد بن إسماعيل البخاري، وقد طوف في
стр. 3867
خراسان والعراق والحجاز ومصر والشام، يروي عن محدثيها، وعددهم نحو ألف شيخ. حتى اجتمع له بعد ١٦ عاما كتابه الشهير: " الجامع الصحيح " المعروف بصحيح البخاري والمشتمل على نحو ٩ آلاف حديث، منها ٣ آلاف مكررة، وقد اتسق للبخاري أيضا - بعد امتحان لما روى من حديث، وبعد نقد للرواة - كتابه: " الضعفاء في رجال الحديث " ومن معاصري البخاري والعاملين معه في الحقل الحديثي: مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (٢٠٤ - ٢٦١ هـ) (١) وقد رحل إلى الحجاز ومصر والشام، والعراق، فاجتمع له في خمس عشرة سنة كتابه المعروف " صحيح مسلم " الشامل لاثنى عشر ألف حديث، والذي هو ثاني الصحيحين المعول عليهما عند أهل السنة.
والحق أن هذين الصحيحين، ومعهما باقي الكتب الستة المعول عليها في تحقيق السنة، وهي: سنن أبي داود (٢٠٢ - ٢٧٥ هـ)، وسنن الترمذي (٢٠٩ - ٢٧٩ هـ) وسنن ابن ماجه (٢٠٩ - ٢٧٣ هـ)، وسنن النسائي (٢١٥ - ٣٠٣ هـ) ومعهما أيضا موطأ مالك - الآنف الذكر -، ومسند الإمام أحمد بن حنبل الذي يضم ٣٠ ألف حديث، هذه كلها قدمت للفقهاء الحديثيين المادة الشرعية التي أفادوا منها في استنباط فقههم، واستغنوا بها عن اللجوء إلى الاجتهاد بالرأي.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
د. محمد بن عبد الله العجلان.
стр. 3868
تعقبات على كتابة بعض الناس
في العقيدة والتوحيد.
بقلم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين.
- من مواليد مدينة القويعية عام ١٣٥٢ هـ، استظهر القرآن الكريم، ثم درس النحو ومبادئ علوم الدين في مدينته ثم انتقل إلى مدينة الرياض، وانتظم في معهد إمام الدعوة العلمي وتخرج منه، وأتم دراسته في الحلقات العلمية، على يد سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم - رحمهما الله تعالى - وعلى يد سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - وفقه الله - ومن ثم التحق بالمعهد العالي للقضاء، وحصل على درجة الماجستير عام ١٣٩٠ هـ.
- عمل مدرسا بمعهد إمام الدعوة ثم مدرسا بكلية الشريعة بالرياض، حتى انتقل إلى رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وعمل فيها عضو إفتاء وذلك منذ سنة ١٤٠٢ هـ، ولا يزال.
- له رسالة بعنوان (أخبار الآحاد في الحديث النبوي) قدمها لنيل درجة الماجستير، وستطبع قريبا إن شاء الله، وله نبذة في التدخين مادته وحكمه، وله مشاركات في شرح كثير من المناهج الدراسية والتعليق عليها.
стр. 3869
الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم وبارك على من لا نبي بعده محمد النبي الكريم وعلى آله وصحبه. وبعد.
فلقد قرأت النصيحة الصادرة من أحد علماء مصر، والتي بعث بها المرسل المسترشد محمود عبد الله راشد من الجمهورية العربية المصرية إلى مفتي مكة المكرمة، وبعد أن قرأت فيها عنوانها تفاءلت به، ولكن اتضح أنه قد أخطأ الحق في بعض المواضيع فيما يتعلق بالصفات وفيما يتعلق بالأعمال، فأحببت أن أعلق عليها بعض التنبيهات على ما ظهر لي أنه خطأ وأوضح الصواب في ذلك حسب ما وصل إليه علمي، وأستشهد على ذلك ببعض أقوال العلماء الصالحين المخلصين وأقدم ما يتعلق بالصفات مرتبا ذلك حسب أسطر الصفحات.
فأقول أولا:
في السطر الحادي عشر من الصفحة الأولى قال في إثبات بعض الصفات: يسمع بغير أصمخة وآذان ويرى بغير حدقة وأجفان، ويتكلم بغير شفة ولسان، إلخ
فأقول: إن طريقة سلف الأمة إثبات الصفات حسب ورودها، واعتقادها صفات حقيقية لها معان مفهومة، ونفي التشبيه عنها، وإبعاد كل ما يتوهم فيه التشبيه وما هو من خصائص المخلوقين، مع الاقتصار في النفي والإثبات على ما وردت به النصوص، فنحن نثبت صفة السمع والبصر والكلام مع إثبات الحقيقة ونفي التشبيه، فأما ذكر الأصمخة والأذن والأحداق والأجفان والشفة واللسان، فلا نتعرض لها بنفي ولا إثبات، وننكر على من أثبتها وعلى من نفاها، مع وصف الله تعالى بأنه الأحد الصمد، وقد فسر الصمد بأنه المصمت الذي لا جوف له أو بالسيد الذي كمل في سؤدده وكلاهما معروف في اللغة.
وأقول ثانيا: قال في السطر الحادي والعشرين من الصفحة الأولى ما نصه.
كتهمة الوهابية للذات العلية يعتقدون بأن الله جسم محدود مؤلف من أعضاء، يد محسوسة يبطش بها ورجل يمشي بها، يجلس ويقوم ويغدو ويروح وينزل ويرتفع فأصبحوا كإخوانهم النصارى في الناسوت واللاهوت، لعب إبليس
стр. 3870
بلحاهم حتى أرداهم وأخرجهم من دائرة الإسلام؛ لأن المجسمة ليسوا من الإسلام في شيء إلخ.
والجواب أن يقال: مراده بالوهابية أتباع أئمة الدعوة السلفية التي قام بها في نجد الشيخ محمد بن عبد الوهاب - مجدد القرن الثاني عشر - وهو أتباعه ﵏ ليس لهم مذهب خاص بل هم في العقيدة على معتقد السلف الصالح والأئمة الأربعة ومن تبعهم بإحسان، وهم في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل إمام السنة والحديث، مع أنهم لا يعيبون من تبع مذهب إمام من الأئمة المعتبرين، وإذا تبين لهم الحق والصواب في غير مذهب إمامهم تبعوه مع من كان، وقد ذكرنا آنفا أننا متبعون للنص والدليل ندور معه حيث دار، ففيما ذكره هذا القائل عدة أخطاء:
الأول: تسميته لهم بالوهابية بعد أن عرفت أنهم لم يختصوا بشيء ولم يبتدعوا جديدا وأن كل ما قالوه: أنهم متبعون للنصوص وللسلف الصالح؛ ولأن القائم بالدعوة ليس هو عبد الوهاب وإنما هو ابنه الشيخ محمد، فهم المحمديون أصلا وفرعا، ولأن الوهاب اسم من أسماء الله تعالى فهو الذي وهبهم الهداية والعلم والعمل.
الثاني: رميه لهم بالتجسيم، فهم لم يقولوا بذلك أبدا، ولم يستعملوا هذه اللفظة إثباتا ولا نفيا، فمن قال إن الله جسم فهو مبتدع، وكذا من نفى الجسم فهو مبتدع أيضا، حيث إن هذه اللفظة لم ترد في النصوص ولم يستعملها السلف والأئمة، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، مع أنا نثبت الصفات الواردة ونعتقد حقيقتها وننفي عنها التشبيه والتمثيل، ولا يلزم أن نكون مجسمة إذا قلنا: بأن الله فوق عباده على عرشه بائن من خلقه، أو قلنا إن له يدا ووجها وعينا كما يشاء، أو قلنا إنه ينزل ويجيء لفصل القضاء كما يشاء، فإن هذه الصفات ونحوها قد وردت بها النصوص، فنحن نعتقد حقيقتها ولا نمثلها بخصائص المخلوق ولا نثبت لها كيفية أو مثالا، فكما لم ندرك كنه الذات وماهيتها، فكذا نقول في هذه الصفات فإنا نثبتها إثبات
стр. 3871
وجود لا إثبات تكييف وتحديد، كما قال ذلك أكابر الأئمة فكيف يلزم من ذلك أن نكون مجسمة؟!.
وهكذا قوله: " محدود ". نفضل ترك الخوض في الحد مع أنه من المسائل التي أثبتها بعض السلف ونفاها البعض، ولكن الأفضل التوقف حيث إن البحث في ذلك مبتدع وإن اللفظ لم يرد في الأدلة ومع ذلك فعذر من أثبت الحد ومن نفاه أن لكل منهما مقصدا ظاهره الصحة. وبالجملة فلا اختصاص لنا بهذا دون غيرنا ولكن هذا الكاتب مزجي البضاعة في عقيدة السلف وأقوالهم، وكان الأولى أن يوجه طعنه ولومه على علماء السلف وأئمتهم، فإن هذه الأقوال والمذاهب المأثورة عنهم مدونة في مؤلفاتهم الموجودة المشهورة.
الثالث: قوله عن الوهابية إنهم يصفون الرب تعالى بأنه مؤلف من أعضاء. يد محسوسة يبطش بها ورجل يمشي بها إلخ.
والجواب: أن هذا من جنس ما قبله قول عليهم بلا علم، فإن التأليف جمع المتفرق، أو تركيبه من أدوات مختلفة وهذه اللفظة محدثة في العقيدة لا نقول بها ولا نستعملها في عقائدنا ولم ترد في النصوص حيث إن لازمها قول باطل كما ذكرنا، فأما إثبات اليد والرجل حيث وردت فإنا نقتصر على ذلك فقد تكاثرت الأدلة على إثبات اليد بما لا يدع مجالا في أنها يد حقيقية، لكنا نقول: إنها لا تشبه خصائص المخلوق وإن الله يقبض بها السماوات والأرض كما أخبر عن ذلك، وأما الرجل فقد ورد في السنة أن الله يضع رجله أو قدمه على النار، وورد في القرآن ذكر الساق ووضح في الحديث، فإذا أثبتنا ذلك لم يلزم أن نكون مجسمة، ولم يلزم أنا نقول: إن الله تعالى مؤلف من أعضاء، بل نقول: إن ذاته حقيقية وصفاته حقيقية كما يليق به، كما أنا لا نقول: بالبطش والمشي الذي رمانا به، بل نقتصر على الوارد في الكتاب والسنة.
الرابع: زعمه أنهم يصفون الله بأنه يقوم ويجلس ويغدو ويروح وينزل ويرتفع. . . إلخ.
الجواب: إن هذا قول لا حقيقة له ولا عمدة له في هذا النقل، فهذه
стр. 3872
مؤلفاتهم وعقائدهم مطبوعة شهيرة ولا يوجد فيها هذه الألفاظ، فإنهم ينفون الصفات التي لم ترد في الوحيين ويتقيدون بالأدلة، ولكن أعداءهم يلزمونهم بلوازم باطلة، فإذا أثبتوا الاستواء كما يليق بالله أو فسروه بالعلو والارتفاع - كما قاله السلف وأهل اللغة - لم يلزم أنهم قائلون بالجلوس والقيام، فقد تكاثرت الأدلة على إثبات العلو الحقيقي بكل معانيه، وعلى إثبات العرش وأن الله تعالى مستو عليه كما يشاء، فليس لنا إنكار ذلك أو تسليط التأويلات التي هي تحريف للكلم عن مواضعه على تلك الأدلة واضحة الدلالة، فمتى ألزمنا أعداؤنا بلوازم باطلة زاعمين أنها تلزم من قال بموجب تلك النصوص لم نلتفت إلى تلك الإلزامات وأوضحنا خطأهم في هذا الإلزام. فأما إثبات النزول والمجيء فليس لنا إنكاره وقد صرحت به النصوص وتواردت على إثباته الأدلة التي لا تحتمل التأويل، ومع ذلك نتوقف عن الكيفية ونكلها إلى الله ولا نقول إنه إذا نزل يخلو منه العرش أو تحصره السماوات. . . إلخ، بل نقول إن الرسول الناصح لأمته ﷺ قد أخبر بهذا النزول وأن الله تعالى قد أخبر بالمجيء يوم القيامة فنحن نثبت ذلك كما ورد ولا نضيف إليه شيئا من عند أنفسنا فما ألزمونا به غير لازم.
الخامس: قوله: فأصبحوا كإخوانهم النصارى في الناسوت واللاهوت. . . إلخ.
فنقول: هذا تشبيه باطل وبعيد عن الصواب فما وجه الشبه؟! فإن النصارى زعموا أن اللاهوت وهو الإله اتحد بالناسوت وهو الإنسان أو عيسى، وقالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، وقالت النصارى المسيح ابن الله، وذلك هو عين الكفر والضلال، فأما أتباع السلف والأئمة فما قالوا شيئا من قبل أنفسهم وإنما وصفوا الله تعالى بما وصف به نفسه أو وصفه به أعلم الخلق بربه وهو محمد ﷺ ، فإذا أثبتوا لله الصفات الواردة واعتقدوها حقيقة لتواتر النصوص بها، ثم نفوا عنها كل أنواع التشبيه وخصائص المخلوقين واعتقدوا أنها تليق بالله كما يشاء، لم يلزم أن يكونوا كالنصارى في قولهم باللاهوت والناسوت، وبكل حال فإن هذا الكاتب عليه أن يوجه عيبه ولومه إلى الأئمة المتبعين كمالك والشافعي وأحمد وإسحاق ونحوهم، فهل يتجرأ أن يقول عليهم إنهم وهابية وإنهم إخوان النصارى؟
стр. 3873
هذا ما لا يستطيعه لما لهم عند جمهور الأمة من المكانة الراقية فلو رماهم بذلك لأنكر عليه الخاص والعام وسددت إليه سهام الملام.
السادس: قوله: لعب إبليس بلحاهم حتى أرداهم وأخرجهم عن دائرة الإسلام. . . إلخ
فنقول: هذا تهور وجرأة على الله وعلى المسلمين وأهل الدين واستهزاء وتمسخر بشعائر الإسلام وتكفير لأهل العقيدة السليمة وإخراج لهم عن دائرة الإسلام، وتلك مصيبة عظمى لو يعلم أثرها هذا الكاتب لم يتجرأ على ذلك. فإنه:
أولا: زعم أنهم قد أطاعوا الشيطان مطلقا وأنه هو الذي أوقعهم في هذا الاعتقاد السلفي الذي قد سار عليه جمهور سلف الأمة وأهل القرون المفضلة، فإذا كان إبليس قد لعب بهم فقد لعب أيضا بأولئك الأئمة والقادة الأجلاء.
ثانيا إخراجه لهم من الإسلام وهي إحدى الكبر فبأي خصلة أخرجهم من الدين أما كانوا يدينون لله بالتوحيد ويعملون بمعنى الشهادتين ويحافظون على إقامة أركان الإسلام ويبتعدون عن كل المحرمات ويحذرون منها ويحرصون على إخلاص دينهم لربهم وحده فلا يجعلون منه شيئا لغيره كائنا من كان، فمن كفرهم فقد أنكر حقيقة التوحيد وأباح الكفر والشرك فهو أولى بما قال وقد قال النبي ﷺ «ومن دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه (١)» أي رجع إليه تكفيره، وفي حديث آخر «أن رجلا ممن قبلنا قال: والله لا يغفر الله لفلان: فقال الله تعالى: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان إني قد غفرت له وأحبطت عملك (٢)» فهل ينتبه هذا الكاتب ويرتدع عن مثل هذا التهور والتسرع في التفكير.
السابع: قوله: لأن المجسمة المشبهة ليسوا من الإسلام في شيء. . . . إلخ.
فنقول: ونحن نبرأ إلى الله أن نصفه بالتشبيه أو التمثيل بشيء من
стр. 3874
المخلوقات، ولقد أوضحنا أن أئمة الدعوة بريئون من وصمة التشبيه أو التمثيل الذي يرميهم به أعداؤهم قديما وحديثا، وأنه لا يلزم من إثباتهم صفة الاستواء والنزول والمجيء وسائر الصفات الذاتية والفعلية أن يكونوا مشبهة، فإنهم تابعون للنصوص الصريحة في الإثبات ومصرحون بنفي مشابهة المخلوقات كما يثبت غيرهم الصفات العقلية. وينفون عنها التشبيه، وكما يثبت الباقون الذات الحقيقية ويتوقفون عن معرفة ماهيتها وكنه حقيقتها، وقد يكون النافون أولى بالتشبيه؛ لأنه لم يتبادر إلى أذهانهم سوى دلالة النصوص على التشبيه ولم يفهموا منها إلا هذا المعنى الباطل، فاعتقدوا أن ظاهر النصوص غير مراد؛ لأنه بزعمهم يدل على مماثلة الله للمخلوقات، تعالى الله وتقدس.
وأقول ثالثا: قال في السطر الثاني من الصفحة الثانية:
أما الآيات المتشابهات فلا بد فيها من التأويل خوف التجسيم والتشبيه. . إلخ.
والجواب: أن هذا قول خاطئ مخالف لقول الراسخين في العلم الذين يقولون في المتشابه: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (١) فقد ذم الله الزائغين الذين ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (٢) إن هذا الكاتب اعتقد أن آيات الصفات فقط هي القسم المتشابه وحده، وهو قول خاطئ من حيث العموم فإنها محكمة جلية ظاهرة المعاني مفهومة الدلالة، فسرها السلف والأئمة وأوضحوا معاني ما اشتملت عليه، ولم يفوضوا لفظها كما يزعم أهل الكلام ولم يحرفوا معانيها كما يدعي هذا الكاتب ونحوه أن تأويلها لازم خوف التجسيم. . إلخ. فأما قوله لأن القرينة تصرف اللفظ عن ظاهره. . إلخ. نقول ليس ثم قرينة يحتاج معها إلى تحريف الكلم عن مواضعه فمتى قلنا ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (٣) واعتقدنا أن الألفاظ دالة على معاني صحيحة مفهومة للمخاطبين وأنها دالة على صفات تناسب الموصوف وتباين صفات المحدثات ونحو ذلك لم نحتج إلى صرف اللفظ
стр. 3875
عن ظاهره، حيث يتكلف في هذا الصرف وحيث يكون المعنى المصروف إليه بعيدا عن السياق وعن المفهوم المتبادر للسامعين، فإن المخاطبين به عند نزوله لم يحرفوا معانيه، ولم يفهموا منه شيئا من خصائص المخلوق بل أثبتوا كل الصفات الواردة واعتقدوها لائقة بالموصوف، فلما جاء من بعدهم وفشت فيهم المذاهب الكلامية توسعوا في البحث فاعتقدوا أن ظاهر النصوص يقتضي التجسيم والتشبيه فسلطوا عليها أنواع التأويل كأضراب هذا الكاتب هداهم الله.
فأما قوله: فمن كان هذا شأنه لا بداية ولا نهاية، كيف تعتقد أنه جسم محدود مؤلف من أعضاء يتحرك وينتقل من مكان إلى مكان آخر ويترك وراءه فراغا؟
هذا عليه فيه ملاحظات منها قوله: لا بداية ولا نهاية، قال ذلك بعد الآية الكريمة: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ (١) وهو تفسير مبتدع فإن هذه الأسماء قد بين معانيها النبي ﷺ ووضحها بقوله في دعاء الاستفتاح: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء (٢)».
ومنها قوله: كيف نعتقد أنه جسم محدود. والجواب: أنه لا يلزم من إثبات الصفات على ما يليق بها القول بأنه جسم محدود، ثم قد سبق الرد على قوله جسم محدود مؤلف من أعضاء، وبينا أن هذه ألفاظ بدعية لا يجوز الخوض فيها إثباتا ولا نفيا. . إلخ. ومنها قوله: يتحرك وينتقل من مكان. . . إلخ فنقول إنهم بالقول بذلك أئمة الدعوة السلفية وهو كقوله آنفا: يجلس ويقوم ويغدو ويروح وينزل ويرتفع وقد ذكرنا الجواب عنه آنفا وأوضحنا أنه لا يلزم من إثبات المجيء والنزول الذي وردت به الأدلة أن نقول بالحركة والانتقال المحسوس الذي هو من خواص المحدثات والمركبات، بل مجيء الله ونزوله هو كما يليق به وهو حق حقيقي ليس بمجاز ولا يصح نفيه بعد ثبوته في النصوص التي دلالتها قطعية.
стр. 3876
ثم إن هذا الكاتب ذكر مثالا لتأويل بعض الآيات المتشابهة كما زعم وهي قوله ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ (١) فأقحم فيها لفظ: أمر، فقال: وجاء أمر ربك والملك. . . إلخ وهذا تفسير الجهمية ومن تبعهم ولا عبرة بكثرة من قاله من المتقدمين، والمتأخرين، فإننا متبعون للأدلة، فقد ذكر الله الإتيان وأضافه إلى ذاته، وفرق بين إتيانه وإتيان بعض آياته، فقال ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (٢) وقال تعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ (٣) إلخ. ومتى قلنا إن الله يجيء كما يشاء إتيانا يليق به لم يلزم القول بالحركة الموهومة، مع أن تأويله بالأمر لم ينقل عن أحد من السلف وهم الأسوة وبهم القدوة.
ثم ذكر مثالا ثانيا للتأويل الذي التزم سلوكه خوفا من التشبيه فقال في السطر الثامن من الصفحة الثانية (النزول) معناه الهبوط من أعلى إلى أسفل ثم الرجوع ثانيا إلى مكانه وهذا أيضا مستحيل، إذا لا بد من التأويل، نزول من وإفضال وقبول توبة، بمعنى التنزل، لا كنزول الأجسام والصور. . . إلخ.
والجواب أن يقال: وردت أحاديث كثيرة صحيحة عن النبي ﷺ في أن الله تعالى ينزل كل ليلة، وذكرت بلفظ النزول وبلفظ الهبوط، والذين نقلوها هم نقلة أحكام الشريعة ولم ينكرها أحد من السلف، ولم يقولوا إن المراد نزول فضله أو منه أو قبوله التوبة. إلخ. كما أنهم لم يكيفوا ذلك ولم يشبهوه بنزول الأجسام واعتبروه مثل المجيء والإتيان الذي أثبته الله لنفسه، ولم يلزم من إثباته ما هو مستحيل بل الجميع نص على حقيقته، وهو من خصائص المتصف به لأنه تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٤) في ذاته ولا في صفاته.
ثم ذكر مثالا ثالثا لصرف اللفظ عن ظاهره فقال في السطر العاشر في
стр. 3877
الصفحة الثانية: وهذا كحديث «الحجر الأسود يمين الله في الأرض (١)» لما كانت اليد هي موضع التقبيل والتبجيل والاعتراف بالفضل والجميل كان الحجر بمنزلة اليد لا عينها.
فنقول أولا: إن هذا لم يثبت حديثا مرفوعا، وإنما هو من قول ابن عباس في الحكمة من استلام الحجر وتقبيله. وثانيا: إن ابن عباس قد بين في تمام كلامه ما يبعد الوهم فقال: فمن صافحه أو قبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه، فقد بين أن الحجر ليس هو عين يمين الله تعالى، فإن المشبه غير المشبه به، فقد بين أن مستلمه ليس مصافحا لله وأنه ليس هو عين الله فليس في هذا إيهام، ولا يحتاج إلى تأويل، حيث إن السياق لا يدل على التشبيه، ثم ذكر جملة من الآيات وصرفها عن ظاهرها متبعا في ذلك تأويلات الجهمية وأتباعهم؛ ففي السطر الثاني عشر قال ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (٢) هذه إشارة إلى علو المكانة لا المكان.
والجواب: أن هذا تأويل المعتزلة ونحوهم حيث ينكرون صفة العلو الذاتي لله تعالى، أما أهل السنة فيقولون: إن الله تعالى في السماء كما يشاء. وكما في هذه الآية والتي بعدها، وكما وردت به السنة في جملة أحاديث ولا يقولون: إن السماء تحويه أو تحصره تعالى عن ذلك علوا كبيرا. بل يقولون إن المراد بالسماء جهة العلو، فإن كل ما علا فهو سماء أو أن المراد: من على السماء كقوله ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ (٣) أي عليها. وأدلة العلو متواترة متنوعة الدلالة، صريحة لمن تأملها ولا يلزم منها محذور كما تقول الجهمية ومن تبعهم.
ثم قال في نفس السطر ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ (٤) أي ذاته ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (٥) أي عنايتي ورعايتي لك.
فنقول هذا تأويل خاطئ، حيث أنكر ما أثبته الله لنفسه من صفة الوجه
стр. 3878
والعين، وقد وردت أدلة متنوعة في الكتاب والسنة بذلك ومن طلبها وجدها في كتب الحديث والعقائد، ولم يزل السلف يأثرونها ويروونها من غير تكبر، ولم يقولوا إنها تشبه خصائص المخلوق؛ بل إنها صفة للرب تعالى كسائر صفاته نؤمن بها ولا نكيفها حيث لم يخالفها عقل سليم ولا نقل صحيح، بل النقول المتكاثرة المتواردة على حكم واحد يتعذر تأويلها.
ثم قال في السطر الذي يليه ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (١) أي بقدرته ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٢) «ويد الله مع الجماعة (٣)» أي يؤيدهم بنصره. . . الخ.
وهذا تأويل باطل من جنس ما قبله، فقد تكرر ذكر اليد واليدين للرب تعالى في العديد من الآيات والأحاديث والتصريح بذكر اليمين، ونحو ذلك من العبارات الصريحة، فإن تأويلها بالقدرة بعيد عن الصواب، وقد ذكرها الله في قوله لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٤) بلفظ المثنى، ولو كان المراد القدرة لما حسن ذكر التثنية، ولقال إبليس: وأنا خلقتني يا رب بقدرتك. ثم إنه ادعى الإجماع على تأويل اليد بالقدرة والتأييد والنصر والرعاية والحماية والعناية، وليس كذلك فإجماع الصحابة والتابعين سابق لهؤلاء على أن يد الله صفة من صفاته، وتبعهم على ذلك سلف الأمة والأئمة الأربعة ونصره ابن جرير في تفسير قول الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٥) فأين الإجماع على ما قال، ومن الذي حكاه كما قال هذا الكاتب؟! ثم إنه أورد بيت شعر اعتمده فيما قال، ونص البيت:
وكل نص أوهم التشبيها ... أوله أو فوض ورم تنزيها
стр. 3879
وهذا البيت مذكور في منظومة لبعض الأشاعرة ونحن نقول:
أولا: إن صاحب النظم لا ينبغي اتخاذه عمدة فإنه إنما بني كلامه على معتقده الذي اعتنقه عن مشائخه الذين تلقى عنهم هذه العقيدة السيئة.
ثانيا: لا يظن أن نصوص الشرع من الكتاب والسنة توهم التشبيه أبدا، فإن السلف والأئمة لم يكونوا يفهمون أو يتوهمون أن النصوص توهم التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم، فالله تعالى أعلى وأجل من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر أو ضلال.
ثالثا: إلزامه بالتأويل والتفويض ويعتقد أن السلف يفوضون النصوص أي يسكتون عن المراد بها مع الاعتقاد أنها لا تدل على صفات حقيقية في نفس الأمر، فألزم إما بالتأويل وهو في الحقيقة تحريف للكلم عن مواضعه لكن ينفي دلالته على الصفات في نفس الأمر، وإما بالتفويض الذي هو السكوت المراد مع روح التنزيه وهو اعتقاد أنها لا تفيد صفات لله في نفس الأمر. وكلا الأمرين خطأ، وإنما الصواب ترك التأويل وإثبات حقيقة الصفات التي أفادتها تلك النصوص، مع تفويض العلم بالكيفيات والماهيات، ومع اعتقاد أنها لا يفهم منها تشبيه الرب أو شيء من صفاته بالمخلوقين فلا تشبيه ولا تعطيل.
ثم قال في السطر الخامس عشر من الصفحة الثانية:
فمن هذا شأنه لا بداية ولا نهاية كيف يجلس ويستقر على مخلوق ضعيف تحمله الملائكة، وتحفه من كل جانب ملائكة، هذا مستحيل. . . الخ
فيقال: تكرر قوله: لا بداية ولا نهاية وذكرنا أن الصواب التفسير النبوي الأول والآخر فأما قوله: كيف يجلس. . . الخ. فالجواب أن الله تعالى وصف نفسه بأنه على العرش استوى في سبعة مواضع من القرآن، وفسر العلماء الاستواء بما يدل على العلو والارتفاع والاستقرار والتزموا نفي العلم بالكيفية وتفويضها إلى الله، ولا أذكر في كتب السلف التفسير بالجلوس، فنسبته إلى أهل السنة أو أئمة الدعوة كذب عليهم، بل منهم من فوض وقال (استوى) استواء يليق بالله تعالى، ومنهم من قال: علا وارتفع كما يشاء مع عدم العلم بالكيفية، وليس في ذلك محذور والحمد
стр. 3880
لله، وقد أنكروا على من توسع في الخوض في ذلك بذكر أنه أكبر من العرش أو مثله أو دونه، وكذا بذكر المماسة وكون الرب محمولا على العرش كحمل الراكب على المركوب ونحو ذلك، فلا نقول بهذه التقديرات ولا نخوض في هذه الأبحاث لعدم النقل فيها ولما فيها من التدخل فيما لا يعني.
ثم قال بعد سطرين:
و (استوى) لغة معناها: استقر. فالاستقرار هنا بصفة الرحمة على العرش وما قواه. . . أما من اعتقد بأنه جلس واستقر على العرش فقد أشرك، لأنه توهمه جسما محدودا محمولا على عرشه. . الخ. والجواب قد تقدم أن السلف فسروا الاستواء بالاستقرار والعلو والارتفاع والصعود، ولم يقولوا ما قاله هذا الكاتب من أنه الاستقرار بصفة الرحمة على العرش فإنه بعيد. بل قالوا: استقر كما يشاء لا كاستواء المخلوق ولم يعتقدوا أنه جلس أو استقر على العرش كاستقرار المخلوق، ولم يقولوا إنه محتاج إلى العرش أو غيره، ولا توهموا ربهم جسما محدودا محتاجا إلى خلقه، فكل هذا تقول عليهم بلا علم، فإن كان يقصد أئمة الدعوة فليوقفنا على موضع من كتبهم فيه ما ذكر، وإلا فليسند القول إلى قائله، والذي يقول بتلك الأقاويل الكفرية يصدق عليه أنه حمار كما وصفه به الكاتب.
стр. 3881
في دعاء المخلوقين والتوسل بالأشخاص
قال الكاتب في الصفحة الثالثة في السطر السابع:
(النداء) لغة معناه الدعاء وهو لا يتقيد بالعبادة إلا إذا كان لله ، أما النداء لغير الله فيرجع إلى عقيدة الداعي، إن كان يعتقد فيمن يناديه أنه يضر وينفع ويعطي ويمنع من غير إذن الله فقد أشرك. . . الخ
والجواب: لقد خبط هذا الكاتب وخلط وأخطأ في الكثير مما قاله أو تعمد فأنبه على أهم أخطائه فيما يأتي:
أولا: ذكر أن الدعاء لا يتقيد بالعبادة إلا إذا كان لله ، أما النداء
стр. 3882
لغير الله فيرجع إلى عقيدة الداعي. . . الخ. وهذا قول باطل بعيد عن الصواب، صدر عن جهل بحقيقة الدعاء وبحقيقة العبادة وبالأدلة الواردة على ذلك، وأنا أشير إلى شيء من ذلك فأقول: أما الدعاء فهو لغة النداء، ويطلق شرعا على دعاء العبادة ودعاء المسألة، وهما متلازمان فدعاء العبادة هو فعل كل الطاعات وأداء جميع القربات امتثالا لأمر الله وتقربا إليه، وهو متضمن دعاء المسألة، فإن المصلي داع بلسان الحال فكأنه يقول: إنما أصلي طلبا برضا الله وجزيل ثوابه، وهكذا في جميع الأعمال الصالحة لسان حال من يفعلها يقول: أريد من فعلها مغفرة الله وجنته فهو سائل في نفس الأمر، أما دعاء المسألة فهو السؤال والطلب كسؤال الجنة والتعوذ من سخط الله ومن النار ونحو ذلك، وهو ولا بد مستلزم لدعاء العبادة، فإن حقيقة العبادة الذل والخضوع والتواضع والإذعان، فالذي يدعو ربه يسأله حال تذلل وخشوع وإنابة وإخبات، فالسؤال دعاء والذل عبادة، وهكذا المصلى والصائم والمتصدق والذاكر والقارئ والطائف والعاكف والراكع والساجد. فإن كلا من هؤلاء حال فعله يكون راغبا في فضل الله طالبا لمنه وعطائه، ويكون مع ذلك متذللا ومذعنا منقادا لأمر الله خاضعا مخبتا له وذلك هو حقيقة العبادة، ومتى كان كذلك ورأينا من يسأل ربه من فضله ويمد إليه يد الافتقار ويلهج بالدعاء مستمطرا من فضل ربه، فإنا نسميه داعيا سائلا لله، فإذا كان مع ذلك قد أهطع وأقنع وخشع وتذلل وتواضع حال سؤاله فهو لذلك عابد لربه ظاهرا نحكم بذلك حسب ما رأينا، وقد قال النبي ﷺ «الدعاء هو العبادة (١)» ثم قرأ قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ (٢) الآية، ووجه الدلالة من الآية أنه تعالى أمر بدعائه، وذم المستكبرين عن عبادته، والقرينة تدل على أن المراد يستكبرون عن دعائي، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ (٣) فجعل دعاءهم عبادة، وقال عن الخليل ﵇
стр. 3883
﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (١) ثم قال ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٢) فعبر بالعبادة عن الدعاء، وبعد أن عرفت حقيقة الدعاء وحقيقة العبادة وتلازمهما فإن الأدلة واضحة على أن الدعاء حق الله لا يصرف منه شيء لغير الله قال تعالى ﴿فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٣) وقال ﴿وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ﴾ (٤) وقال ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٥) ونحوها من الآيات.
فقول هذا الكاتب: أما النداء لغير الله فيرجع إلى عقيدة الداعي، إن كان يعتقد فيمن يناديه أنه يضر وينفع ويعطي ويمنع من غير إذن الله فقد أشرك.
نقول: إن دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك مطلقا سواء كان المدعو ملكا أو نبيا أو وليا أو جنيا أو صالحا أو شريفا أو سيدا أو شجرا أو قبرا أو غير ذلك، فأما إن دعا إنسانا حيا حاضرا قادرا وطلب منه ما يقدر عليه كقوله: يا فلان اسقني أو أطعمني أو احملني أو احمل رحلي ونحو ذلك فهذا جائز وهو من الأفعال المحسوسة التي لا يزال الناس يفعلونها ويعين بعضهم بعضا على فعلها وكذا إن قال: يا فلان ادع الله لي بالمغفرة والجنة أو أشركني في صدقاتك أو وقفك أو دعواتك ونحوها فإن دعاء المسلم لأخيه يظهر الغيب مما يثيبه الله عليه، وهذا بخلاف ما إذا قال: اغفر ذنبي وأدخلني الجنة أو خذ بيدي عن النار ونحو ذلك فإن هذا لا يجوز فعله مع الحي فضلا عن الميت لأنه مما لا يقدر عليه إلا الله، فلا يطلب إلا منه تعالى.
فنحن نستدل بفعل الإنسان على عقيدته، فمتى رأينا شخصا وقف عند قبر إنسان معظم في نفسه وخضع برأسه وتذلل وأهطع وأقنع وخشع وخفض صوته وسكنت جوارحه وأحضر قلبه ولبه أعظم مما يفعل في الصلاة بين يدي ربه ، وهتف باسم ذلك المقبور، وناداه نداء من وثق منه بالعطاء، وعلق عليه الرجاء
стр. 3884
ونحو ذلك فإننا لا نشك أنه والحالة هذه يعتقد أنه يعطيه سؤله ويدفع عنه السوء، وأنه يستطيع التصرف في أمر الله، ففعله هذا دليل سوء معتقده، فلا حاجة لنا أن نسأله: هل أنت تعتقد أنه يضر وينفع من غير إذن الله. فالله تعالى ما كلفنا أن ننقب عن قلوب الناس، وإنما نأخذهم بموجب أفعالهم وأقوالهم الظاهرة، وهذا الشخص قد خالف قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) وقد رأينا خشوعه وتذلله أمام هذا المخلوق الميت وذلك هو عين العبادة كما عرفنا، فنحكم عليه بموجب فعله وقوله بأنه قد أشرك بالله وتأله سواه، فإن الإله هو الذي تألهه القلوب وتعظمه وتحبه وترجوه وتخافه وتعامله بما لا يصلح إلا لله، ولو لم يسمه الفاعل إلها، ولو لم يسم فعله تألها وتعبدا، فإن العبرة بالحقائق وما في نفس الأمر بخلاف الأسماء، فأهل هذا الزمان لما جهلوا حقيقة العبادة والتأله والدعاء ونحوه الذي هو من حق الله ولم يعرفوا معانيها وأصل وضعها صرفوها لغير الله وسموا ذلك توسلا واستشفاعا وتبركا واحتراما وهو عين عبادة ذلك المخلوق وعين الشرك الذي توعد الله عليه بالنار وحرمان الجنة.
стр. 3885
ثم قال الكاتب في الصفحة الثالثة في أول السطر التاسع:
أما من اعتقد فيمن يناديه بأنه من أهل العطاء وما ملك إلا بتمليك الله ولا يتصرف إلا بإذن الله فهو موحد. . الخ.
فنقول: لا حاجة لنا في التنقيب عن معتقده الذي يقوم بقلبه فإنه أمر خفي، وقد يقول بلسانه ما ليس في قلبه فنحن نأخذ بالظاهر فإن أفعاله تعبر عن ما في ضميره، ولو حاول تغييره لم يستطع، ثم نقول أيضا كيف يصلح اعتقاد أن المخلوق من أهل العطاء أي أنه يملك أن يعطي من يشاء مغفرة ورزقا ومالا وولدا وصحة وغنى. . . الخ؟ فإن الذي يملك ذلك هو الله وحده كما وصفه نبيه ﷺ بقوله: «اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت (١)» وقد أخبر الله عن كل ما يدعى
стр. 3886
من دونه بأنهم ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (١) وإن أراد الكاتب أنه من أهل العطاء أي الذين أعطاهم الله نوعا من التصرف والملكية فهذا لا دليل عليه، وإنما خصائص الأنبياء نزول الوحي عليهم وتكليفهم بالتبليغ عن الله ما نزل إليهم ولم يعطهم شيئا من حقه الذي هو الدعاء والعبادة والتأله، ولا ملكهم رزق العباد وهبة الأولاد وشفاء الأسقام البدنية وغفران الذنوب ونحوها، وعلى هذا فمن اعتقد في نبي أو ملك أو ولي أو أي مخلوق أنه مفوض من الله في إهلاك من شاء أو إعطاء من أراد أو إدخاله جنة أو نارا فقد صادم النصوص وأشرك المخلوق في حق الخالق فإنه الله تعالى قال لرسوله محمد ﷺ وهو أشرف خلقه وأفضلهم ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) فإذا كان سيد الخلق وخاتم الرسل لا يقدر على هداية عمه أو أقاربه فكيف يهدي أبعد الخلق وأشقاهم إذا دعوه مع الله وصرفوا له ما لا يستحقه إلا الله، ولقد أمره الله تعالى أن يعترف بعدم ملكيته لشيء من ذلك لأنه حق الله وحده قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ رَشَدًا﴾ (٣) والرشد الهداية القلبية وإيصال الإيمان إلى القلوب، بخلاف البلاغ والبيان فإن وظيفته ورسالته كما قال تعالى ﴿إِنْ عَلَيْكَ إلاَّ الْبَلَاغُ﴾ (٤) وقد أخبر بأنه يهدي إلى الحق أي يدل عليه كما قال : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥) والمراد هداية البيان والدلالة والإرشاد، فأثبت هداية البيان ونفى هداية التوفيق والإلهام وقبول الإسلام، فمع هذه النصوص الصريحة كيف يقال إن المخلوق يملك بتمليك الله الهداية والإضلال والإعطاء والمنع والإحياء والإماتة، أو يتصرف بإذن الله في الكون فيرسل الرياح ويثير السحب وينزل المطر وينبت النبات ويخلق ويرزق كل هذا جرأة على الله، وإنما جعل الله من معجزات عيسى ابن مريم ﵇ شيئا من ذلك بإذن الله ثم انقطع برفعه
стр. 3887
إلى السماء، ولم يذكر الله تعالى أن أحدا من الأموات أو الغائبين يهدي من أحب أو يرزق من يشاء بإذن الله، بل قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ (١) فهل يقال بعد هذا إنه هو أو من دونه بعد موته يملك بتمليك الله النفع والضر والإعطاء والمنع وأنه بناء على ذلك يطلب منه كما يطلب من الله فيدعى ويرجى وتعلق عليه الآمال ويخشع له العبد ويتواضع ويقف أمام قبره خاضعا ذليلا وخائفا راجيا، فإن هذا كله لازم قول هذا الكاتب حيث أباح نداءه وجعله مالكا متصرفا فيما هو من خصائص الرب تعالى، وقد صح عن نبينا ﷺ أنه قال لعشيرته الأقربين: «أنقذوا أنفسكم من النار لا أغني عنكم من الله شيئا (٢)» وقال لعمه العباس «لا أغني عنك من الله شيئا (٣)».
وهكذا قال لعمته ولابنته فاطمة الزهراء، وأمرهم بأن يعملوا عملا صالحا لوجه الله ينقذون به أنفسهم من النار ولا يعتمدون على قرابتهم منه أو شرفه عند الله، بل قال ﷺ في حديث آخر: «ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه (٤)» وكل هذا حث للمسلم أن يعمل لله عملا خالصا لوجهه يكون سببا لنجاته يوم القيامة، فلا يعتمد على نسب ولا حسب ولا يرغب إلى أي مخلوق يدعوه أو يرجوه أو يخافه أو يعظمه كتعظيم الله تعالى، أو يعقد عليه أمله أو يعتقد أنه يملك من أمر الله شيئا مع قول الله لنبيه ﷺ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِِ شَيْءٌ﴾ (٥) وقوله ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ (٦) فهل ذكر الله تعالى أنه قد ملك أحدا من خلقه شيئا من حقه؟ أو فوض إليه التصرف في عباده، بأن يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ويهدي
стр. 3888
من يشاء ويضل من يشاء، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ولقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (١) ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ (٢) وقال : ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾ (٣) أي لا أحد يتولى أمرهم ولا أحد يقدر على هدايتهم ولو توسلوا بالأنبياء والأولياء والملائكة والصالحين والأصفياء، والقصد من ذلك أن يقبل العباد بقلوبهم على ربهم ويصدقوا الرغبة إليه، ويدعوه مخلصين له الدين وينصرفوا بقلوبهم وأعمالهم عن كل مخلوق تحقيقا لوصف العبودية التي هي غاية الذل مع غاية الحب، فهو سبحانه قريب مجيب كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٤)، فهو أعلم بعباده وهو المطلع على الضمائر والنيات، ويعلم ما تكنه الصدور وما توسوس به النفوس، ويعلم السر وأخفى، فكيف مع ذلك يعدل عنه العباد، وكيف يحتاج إلى من يعرفه بخلقه، وكيف يكون المخلوق أعلم من الرب الخالق تعالى بما في قلب الداعي، فالصدور عن الخالق إلى أحد من المخلوقين فيه غاية التنقص للرب وسوء الظن به أنه لا يعلم بعباده حتى ينبهه غيره من المخلوقين، تعالى الله علوا كبيرا.
стр. 3889
ثم قال الكاتب في السطر الثالث عشر من الصفحة الثالثة:
ومن أسف أن الوهابية قالوا: تمجيد الرسول بما يخرجه عن طبيعته البشرية باطل وزور وحكموا بكفر من وصفه بأنه نور، وغاب عن هؤلاء الحمير بأن الله وصفه بالسراج المنير. . . الخ.
جوابه أن يقال: مراده بالوهابية الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن انتفع بدعوته السلفية ﵏، وقد علم أنه ﵀ لم يأت بجديد، وإنما جدد للناس ما اندرس من معالم التوحيد الذي هو حق الله على العبيد حيث خرج في
стр. 3890
مجتمع قد غلب عليه الشرك ووسائله كعبادة الأموات وعمارة ما يسمى بالمشاهد برفع قبور الصالحين والأولياء وبناء القباب عليها وتحري الصلاة عندها، وبالعكوف حولها وبالذبح لها تعظيما واحتراما، وبإيقاد السرج عليها طوال الليل وبالنذور والهدايا إلى تلك الضرائح وتعليق الرجاء عليها والهتاف بأسماء الأموات وندائهم ودعائهم مع الله، كقبر شمسان وتاج ويوسف وزيد بن الخطاب ونحوهم، فبين لأهل زمانه أن حقهم علينا محبتهم واتباعهم والعمل مثل أعمالهم، فأما الدعاء والرجاء والذبح والنذر فهو خالص حق الله، وأورد لهم النصوص الصريحة في مصادمة ما فعلوه للتوحيد كقوله ﷺ «لعن الله من ذبح لغير الله (١)» مع قوله تعالى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٢) أي خصه وحده بالصلاة والنحر، فمتى صلى أحد أو نحر لغير الله فقد أشركه في حق الله، وبين لهم أن النبي ﷺ نهى عن اتخاذ القبور مساجد فقال قبل أن يموت بخمس: «ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك (٣)» وقال وهو في سياق الموت «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٤)» يحذر ما صنعوا، وقال ﷺ : «لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج (٥)» ودعا ربه فقال «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٦)» والمعنى أن الأولين أشركوا حيث تحروا الصلاة عند قبور الأولياء والأنبياء، فكل موضع قصدت الصلاة فيه فهو مسجد ولو لم يبن مسجدا له منبر موجه إلى القبلة، فإن المسجد ما يتخذ للركوع والسجود فيه.
فأهل ذلك الزمان قد غلب عليهم قصد قبور الأولياء والصالحين للصلاة عندها لاعتقاد أن للصلاة هناك مزية، وأنها أفضل من الصلاة في المساجد ومع