ننتقل بعد ذلك إلى حد القذف ولم يختلف أهل العلم في تحديده كما نصت الآية الكريمة وهو ثمانون جلدة إذا قذف الرجل المحصنة العفيفة، وكذلك إذا قذف رجلا أيضا فإنه يجلد كذلك، إلا أن يأتي القاذف ببينة على صحة القذف، أي يأتي بأربعة شهداء يشهدون على صحة قوله كما قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (١) وجاء مع الأمر بجلد القاذف أمران نصت عليهما الآية وهي قوله تعالى ﴿وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢).
الأمر الأول أن ترد شهادته فلا تقبل. الثاني: أن يكون مشهورا بالفسق ليس بعدل ثم قال تعالى ﴿إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) وللعلماء ﵏ في قبول توبة القاذف قولان بحسب الاستثناء في الآية.
الأول: ما ذهب إليه الإمام مالك والشافعي وأحمد ﵏: أنه إذا تاب قبلت شهادته وارتفع عنه حكم الفسق، وذهب الإمام أحمد وأبو حنيفة رحمهما الله إلى أن الاستثناء إنما يعود إلى الجملة الأخيرة من الآية فيرتفع الفسق بالتوبة ويبقى مردود الشهادة أبدا.
ولعل الرأي الأول متجه لأن التوبة تجب ما قبلها، ولا ذنب أعظم من الشرك، وقد توعد الله عليه بالحرمان من دخول الجنة وجعل مأواه النار إذا مات عليه؛ ومع ذلك تقبل توبة المشرك إذا صدق فيها وأخلص، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٤) ويدخل في هذا الإطار كل ذنب تاب منه العبد وأناب ولم يعاود
стр. 3957
الكرة فيه أو يقم على الإصرار عليه حتى بعد التوبة.
стр. 3958
ننتقل بعد ذلك إلى حد المحاربة وقطع الطريق فالمحاربة هي المضادة والمخالفة وهي صادقة على الكفر وقطع الطريق وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض، واختلفت وجهة نظر العلماء ﵏ في الحد المقدر على المحاربين وقطاع الطريق، والأصل فيها قول الله سبحانه ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ (١) الآية. وتفسيرها: إنما جزاء الذين يحاربون شريعة الله ودينه وأولياءه ويحاربون رسوله ويفسدون في الأرض بالمعاصي وسفك الدماء أن تقطع أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى، أو يطردوا ويبعدوا من بلد إلى آخر، ذلك الجزاء المذكور ذل لهم وفضيحة في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار. وقد اختلف في سبب نزول هذه الآية أهي في المشركين أم في قوم من أهل الكتاب أم في الحرورية؟ ورجح ابن كثير ﵀ أنها عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات، وذكر حديثا رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك «أن نفرا من عكل ثمانية قدموا على رسول الله ﷺ فبايعوه على الإسلام فاستوخموا المدينة وسقمت أجسادهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: (ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبوا من أبوالها وألبانها) فقالوا: بلى، فخرجوا يشربون من أبوالها وألبانها فصحوا ثم قتلوا الراعي وطردوا الإبل، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فبعث في آثارهم فأدركوا فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمرت أعينهم ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا (٢)» هذا لفظ مسلم. وفي لفظ «فألقوا في الحرة فجعلوا يستسقون فلا يسقون (٣)». وعند البخاري قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله، وتعددت الروايات في هذا الباب واحتج بعموم هذه الآية جمهور العلماء في ذهابهم إلى أن حكم المحاربة في الأمصار وغيرها على حد سواء؛ لقوله تعالى ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ (٤) وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل ﵏.
стр. 3959
أما وضع توقيع العقوبة فاختلف فيه أيضا؛ فعن ابن عباس ﵄ أن (أو) في الآية للتخيير، أي الإمام مخير في إيقاع هذه العقوبة على من شهر السلاح في فئة المسلمين وأخاف السبيل وظفر به وقدر عليه.
أما الجمهور فنزلوا العقوبة بحسب الأحوال، قال الشافعي ﵀ عن ابن عباس ﵄ في قطاع الطريق -: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال نفوا من الأرض، وكذلك قال غيره من السلف، وفي الصلب خلاف للأئمة ﵏:
أ- هل يصلب حيا ويترك حتى يموت يمنع من الطعام والشراب
ب- يقتل برمح أو نحوه
جـ- يقتل أولا ثم يصلب؛ تنكيلا لغيره من المفسدين
وفي ذلك خلاف يمنع من الترجيح.
أما النفي من الأرض الوارد في الآية الكريمة ففيه الخلاف أيضا:
١ - يصلب حتى يقدر عليه فيقام عليه الحد أو يهرب من دار الإسلام، رواه ابن جرير عن ابن عباس.
٢ - ينفى من بلد إلى بلد آخر.
٣ - يخرجه السلطان أو نائبه من عمالته بالكلية.
٤ - ينفى من جند إلى جند ولا يخرج من دار الإسلام.
٥ - المراد بالنفي السجن، وهو قول أبي حنيفة، واختاره ابن جرير.
٦ - ينفى من بلد إلى بلد آخر فيسجن.
فتحصل مما تقدم أن حد المحاربة كما يلي:
أ- القتل
ب- الصلب
стр. 3960
جـ- تقطع الأيدي والأرجل من خلاف
د- النفي على التفصيل المذكور الموضح في الآية
стр. 3961
ثم هناك حد المسكر في أي لون من ألوانه، فالخمر ما خامر العقل واختلط به سواء كان من عصير العنب أو غيره كالحشيش والأفيون والكوكايين وغيرهما مما لا أعرف له حصرا.
فحده ثمانون جلدة؛ لأن الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ استشار الصحابة في حد الخمر، فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعله كأخف الحدود ثمانين، وكتب إلى خالد بن الوليد عامله على الشام وإلى أبي عبيدة، رواه الدارقطني وغيره.
هذا ولقد هداني البحث إلى مطالعة كلمة كتبها صاحب كتاب (جريمة الرشوة في الشريعة الإسلامية) الأستاذ عبد الله بن عبد المحسن المنصور الطريقي في رده على من يوجه النقد لعقوبة الجلد فقال:
قد يقال إن هذه العقوبة تنافي الآدمية وتهدر الإنسانية وتتعارض مع تقدم المدنية إلى غير ذلك من الأقوال.
والجواب: أن عقوبة الجلد تمتاز بأنها موجهة إلى حساسية الجاني المادية، وأن الخوف من ألم الجلد هو أول ما يخافه المجرمون، فيجب الاستفادة من ذلك بإرهابهم، وأما إنقاص الاحترام الإنساني ففكرة لا محل لها في العقاب، ولا يصح أن يحتج بها لمن لا يوفر الاحترام لنفسه، وزيادة على ذلك فإن الأساس في هذه العقوبة أنها لا تكون للإتلاف، وإنما تكون بالقدر اللازم للردع والزجر تبعا لاختلاف الجرائم والأشخاص والأحوال، وإذا كان مستساغا أن يكون الإعدام نفسه جزاء لبعض الجرائم تعترف به غالبية الدول وهو لا يهدر آدمية الشخص فقط، بل يهدر حياته ويستأصله من المجتمع جزاء ما اكتسب من جرم. فإذا كان الأمر كذلك فأي كلام يقال في عقوبة الجلد يمكن أن يوجه أكثر منه لعقوبة الإعدام.
стр. 3962
خاتمة البحث
نربط ختام البحث بما سبق أن ذكرناه في صدره وهو أن هذه الحدود هي
стр. 3963
الحصن المنيع الذي يمنع من تحدثه نفسه بانتهاكه السياج الذي يقي المجموعة الإسلامية من السطو والجرأة على حرمان المسلم من حق الحياة أو الاستهتار بقتله أو حرمانه من حقه المشروع كسرقة ماله أو السطو على عرضه، ونعني بالعرض إفساد الزوجة على زوجها أو إحدى المحارم بالاتصال بها جنسيا، أو بالمحاربة والإفساد في الأرض.
وتعتبر إقامتها والأخذ بها شريعة مفروضة شرعها الإسلام لا يصح الإخلال بها أو التهاون في إقامتها أو التسامح وعدم العدل في إنزالها بالناس على حد سواء، بحيث تنزل بالأمير والصعلوك والرجل والأنثى والحر والعبد والشريف الحسيب ومن كان من الدهماء، وفي الإعراض عن إقامتها فساد في الأرض وجناية على المجتمع وسلب للأمن الذي هو من قوام الحضارة الإنسانية.
وأبرز الأدلة على سعادة المجتمع الذي يأخذ بها ويقيمها ويتعارف على مراعاة العدل في إقامتها أبرز الأدلة أن الأمة الإسلامية في عصورها المتألقة وقرونها المفضلة عاشت دهرها آمنة في سربها سعيدة بتماسكها وتضامنها وأخذها على يد الظالم منها، ونبذها لكل ما يناهز شريعتها أو يفسد الأخلاق فيها أو يكون أسوة سيئة في مجتمعها، شعارها قول رسول الله ﷺ عندما شفع حبه أسامة بن زيد ﵁ في المخزومية التي قطع رسول الله ﷺ يدها لسرقتها: «أتشفع في حد من حدود الله؟ والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها (١)».
أما لو انعكس الوضع وقامت للمجاملات والمحسوبيات والصداقات أو أية صلة من الصلات - قام لها - منار بين المسلمين، وأخذت ذلك بعين الاعتبار لانهار البنيان واهتزت الروابط وضعفت الغيرة على الإسلام؛ حتى لو انتقص من أطرافه أو نال منه خصومه لما سمعت نأمة ولا رأيت انتفاضة، وذلك مع الأسف واقع المسلمين وأكثرهم في الحاضر، وما ذاك إلا لتخلي المسلمين عن مقومات دينهم والوسيلة الوحيدة لعزتهم والمكانة اللائقة بهم، كأمة من حقها أن تسود الدنيا كما ساد سلفها، وأن تحمل مشعل الهداية إلى العالم كما حمله الأولون من خيارها، ومن البدهي إذن أن لا يعير المسلمون في أعقاب الزمن حملات أعداء الإسلام المسعورة - أعداء
стр. 3964
الإسلام الذين يرمونه بالرجعية، ويتهمونه بالتخلف عن ركب الحضارة، ويصمونه بكل عيب، ويعزون تأخر المسلمين وتخلفهم عن الغرب وتقاعسهم عن الأخذ بأسباب النهوض هو تطبيق تعاليم الإسلام؛ بما في ذلك إقامة الحدود التي يعتبرها همجية وحشية من بقايا القرون الوسطى.
أقول لا يعر المسلمون في أعقاب الزمن ذلك وأكثر منه اهتمامهم، ولا ينقموا على الوسائل التي يتخذها أعداء الإسلام للكيد له، وشباك المستشرقين والمبشرين التي ينصبونها لردة المسلمين عن دينهم وإبعادهم عن ركائزه وفضائله ومقوماته، ولكن الله سبحانه وعد - ووعده الحق - بأنه لن يترك المسلمين الأوفياء لدينهم المخلصين في الأخذ به وإشاعته واتساع أبعاده، أقول لن يترك الله المسلمين تغشاهم موجات الضلال والانحلال دون أن يحقق لهم وعده بالنصر ويأخذ بأيديهم عن أن ينزلقوا إلى متاهات الباطل، أو ينخذلوا في جهادهم، أو تكون عليهم الدبرة في مصاولتهم لعدوهم، فوعد الله لن يتخلف وقد قال سبحانه ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١) وقال تعالى ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وفي الحديث «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى تقوم الساعة (٣)» وصلى الله وسلم وبارك على صفوة خلقه وعلى آله وصحبه ومن سار على دربهم وانتهج وسلك سبيلهم إلى يوم الدين.
الشيخ
عبد الله عبد الغني خياط
مراجع البحث
١ - تفسير ابن كثير الجزء الأول
٢ - صفوة التفاسير، المجلد الأول
٣ - تفسير البيضاوي
٤ - بداية المجتهد
٥ - نيل الأوطار، الجزء السابع
стр. 3965
٦ - شرح النووي على الأربعين
٧ - حاشية السيد رشيد على شرح النووي
٨ - دليل الفالحين
٩ - فقه الإسلام تأليف حسن أحمد الخطيب
١٠ - الروض المربع الجزء الثاني
١١ - جريمة الرشوة في الشريعة الإسلامية
المصادر والمراجع
- ابن حنبل، أحمد الشيباني - المسند - القاهرة - المطبعة الميمنية.
- ابن رشد، أبو الوليد محمد - بداية المجتهد ونهاية المقتصد - القاهرة - مكتبة الكليات الأزهرية ١٣٨٩ هـ.
- ابن علان المكي، محمد الصيقي الشافعي - دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الطبعة الأولى - القاهرة - مطبعة الأنوار ١٣٤٧ هـ - ١٩٢٨ م.
- ابن كثير - أبو الفداء إسماعيل القرشي الشافعي - تفسير القرآن العظيم - القاهرة - مطبعة المنار (بهامشه تفسير البغوي).
- البخاري - محمد بن إسماعيل - الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه - القاهرة - شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده ١٣٧٨ هـ.
- البهوتي، منصور بن يونس - الروض المربع شرح زاد المستنقع - القاهرة - المطبعة السلفية ١٣٤٩ (ومعه حاشية للشيخ عبد الله أبو بطين).
- البيضاوي.
- الخطيب، حسن أحمد - فقه الإسلام - القاهرة - مطبعة سيد علي حافظ ١٣٧١ هـ ١٩٥٢ م.
- الشوكاني، محمد بن علي - نيل الأوطار بشرح منتقى الأخبار - القاهرة.
- العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر - فتح الباري بشرح صحيح البخاري -
стр. 3966
القاهرة - المطبعة السلفية.
- عودة، عبد القادر - التشريع الجنائي في الإسلام.
- النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب - المجتبى - مراجعة: حسن محمد المسعودي - الطبعة الأولى - مصر - المطبعة المصرية بالأزهر ١٣٤٢ هـ.
- النووي، أبو زكريا يحيى بن شرف - الأربعون النووية وشرحها - الطبعة الثانية - القاهرة - مطبعة المنار ١٣٤٢ هـ (ضمن مجموعة الحديث النجدية).
- النيسابوري، مسلم بن الحجاج - المسند الصحيح المختصر من السنن بنقل العدل عن العدل عن رسول ﷺ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي - بيروت - دار إحياء التراث العربي.
стр. 3967
حكم تناول الميتة
بقلم الدكتور صالح بن فوزان الفوزان
الحمد لله رب العالمين، جعل في الحلال غنية عن الحرام، وحرم الخبائث لما في تناولها من الضرر البالغ على الأخلاق والأجسام، وصلى الله على نبينا محمد، القائل: «إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام (١)» وبعد: فهذا بحث مختصر يتناول جانبا مما حرم الله التغذي به؛ لما فيه من الأضرار والمفاسد ألا وهو الميتة، وهذا البحث يشتمل على مسائل:
المسألة الأولى: في تعريف الميتة وبيان الحكمة في تحريمها والرد على من استباحها من المشركين وغيرهم.
المسألة الثانية: في بيان ما يستثنى من الميتة مما يجوز أكله منها مع الاستدلال.
المسألة الثالثة: في بيان حكم ما ذكي بعد قيام سبب الموت به من المنخنقة والموقوذة إلخ مع الاستدلال والترجيح.
المسألة الرابعة: في بيان حكم أكل ما أهل به لغير الله.
المسألة الأولى: في تعريف الميتة وبيان الحكمة في تحريمها والرد على من استباحها من المشركين وغيرهم:
تعريف الميتة: هي ما فارقته الروح بغير ذكاة شرعية بأن يموت حتف أنفه
стр. 3968
من غير سبب لآدمي فيه وقد يكون ميتة لسبب فعل آدمي إذا لم يكن فعله فيه على وجه الذكاة المبيحة (١) وقد حرم الله الميتة في آيات كثيرة من كتابه منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ (٤) الآية وقد أجمع العلماء على تحريم الميتة في حال الاختيار (٥).
والحكمة من تحريمها: أنها تكون في الغالب ضارة؛ لأنها لا بد أن تكون ماتت بمرض أو ضعف أو نسمة خفية مما يسمى الآن بالميكروب. . . يولد فيها سموما، وقد يعيش ميكروب المرض في جثة الميت زمنا؛ ولأنها مما تعافها الطباع السليمة وتستقذره وتعده خبثا (٦) - وكذلك ما فيها من احتباس الدم والرطوبات التي لا تزول منها إلا بالذكاة الشرعية - فإن قيل: هذا الفرض يتحقق في ذبح الكافر غير الكتابي ونحوه ممن ليس من أهل الذكاة وفي ذبيحة تارك التسمية فلماذا حرمت ذبيحة كل من هؤلاء واعتبرت ميتة؟
فالجواب:
إن العلة لم تنحصر في احتقان الدم بل هناك علل أخرى لتحريم الميتة، ولا يلزم من انتفاء بعضها انتفاء الحكم الأخرى، بل يخلفه علة أخرى - " فإن الله سبحانه حرم علينا الخبائث، والخبث الموجب للتحريم قد يظهر لنا وقد يخفى، فما كان ظاهرا لم ينصب عليه الشارع علامة غير وصفه، وما كان خفيا نصب عليه علامة تدل على خبثه، فاحتقان الدم في الميتة سبب ظاهر، وأما ذبيحة المجوسي والمرتد وتارك التسمية ومن أهل بذبيحة لغير الله فإن ذبح هؤلاء أكسب المذبوح خبثا أوجب تحريمه، ولا
стр. 3969
ينكر أن يكون ذكر اسم الأوثان والكواكب والجن على الذبيحة يكسبها خبثا وذكر اسم الله وحده يكسبها طيبا إلا من قل نصيبه من حقائق العلم والإيمان وذوق الشريعة، وقد جعل الله سبحانه ما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح فسقا وهو الخبيث، ولا ريب أن ذكر اسم الله على الذبيحة يطيبها ويطرد الشيطان عن الذابح والمذبوح، فإذا أخل بذكر اسمه لابس الشيطان الذابح والمذبوح فأثر ذلك خبثا في الحيوان " (١).
الرد على من استباح الميتة من المشركين وغيرهم.
ذكر الله سبحانه في القرآن الكريم عن المشركين أنهم يستبيحون الميتة ويجادلون المؤمنين في ذلك. وحذر المؤمنين عن طاعتهم في استباحة هذا المحرم واعتبر الطاعة لهم في ذلك شركا فقال سبحانه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢) ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ (٣) ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ (٤) ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (٥).
"إنه يأمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه وذكر الله يقرر الوجهة ويحدد الاتجاه ويعلن إيمان الناس بطاعة هذا الأمر الصادر إليهم من الله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (٦) ثم يسألهم: وما لهم يمتنعون من الأكل مما ذكر اسم الله عليه وقد جعله الله لهم حلالا، وقد بين لهم الحرام الذي لا يأكلونه إلا اضطرارا فانتهى بهذا البيان كل قول في حله وحرمته وفي الأكل منه أو تركه: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٧) ولما كانت هذه النصوص تواجه قضية حاضرة إذ ذاك في البيئة حيث
стр. 3970
كان المشركون يمتنعون من ذبائح أحلها الله، ويحلون ذبائح حرمها الله، ويزعمون أن هذا هو شرع الله اقتضى الحال أن يفصل في أمر هؤلاء المشترعين المفترين على الله فيقرر أنهم إنما يشرعون بأهوائهم ويضلون الناس بما يشرعونه لهم من عند أنفسهم ويعتدون على ألوهية الله وحاكميته بمزاولتهم لخصائص الألوهية وهم عبيد ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ (١) ويأمرهم بأن يتركوا الإثم كله ظاهره وخفيه - ومنه الذي يزاولونه من إضلال الناس بالهوى وبغير علم، وحملهم على شرائع ليست من عند الله افتراء على الله أنها شريعة، ويحذرهم مغبة هذا الإثم الذي يقترفونه: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ (٢) ثم ينهى عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح التي كانوا يذكرون عليها أسماء آلهتهم، أو ينحرونها للميسر ويستقسمونها بالأزلام، أو من الميتة التي كانوا يجادلون المسلمين في تحريمها - يزعمون أن الله ذبحها - فكيف يأكل المسلمون مما ذبحوا بأيديهم ولا يأكلون مما ذبح الله، وهو تصور من تصورات الجاهلية التي لا حد لسخفها وتهافتها في جميع الجاهليات. وهذا ما كانت الشياطين من الإنس والجن توسوس به إلى أوليائها ليجادلوا المسلمين فيه من أمر هذه الذبائح مما تشير إليه الآيات: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (٣).
فالمشركون (يضلون بأهوائهم) فيقولون ما ذبح الله بسكينه (يعنون الميتة) خير مما ذبحتم بسكاكينكم (يعنون المذكاة) وفي ضمن ذلك أنهم يحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله، وهذا قلب للحقائق، فهم يقولون هذا (بغير علم) أي بغير علم يعلمونه في أمر الذبح؛ إذ من الحكمة فيه كما سبق: إخراج ما حرم الله علينا من الدم بخلاف الميتة، ولذلك شرع الله الذكاة في محل مخصوص ليكون الذبح فيه سببا لجذب كل دم في الحيوان بخلاف غيره من الأعضاء.
واستمرارا مع تشريعهم في إباحة الميتة كانوا يستبيحون ميتة الأجنة في بطون
стр. 3971
الأنعام ويشركون في أكلها النساء والرجال كما حكاه الله عنهم بقوله: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ (١).
فتحريم الميتة هو حكم الله المبني على العلم والحكمة. وإباحتها هي حكم الجاهلية المبني على الهوى والجهل ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٢) وطاعة الله في تحريمها توحيد، وطاعة أهل الجاهلية في إباحتها شرك ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (٣) لأن التحليل والتحريم حق لله سبحانه لا يشاركه فيه أحد ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ (٤).
стр. 3972
المسألة الثانية: في بيان ما يستثنى من الميتة مما يجوز أكله منها مع الاستدلال
يستثنى من الميتة نوعان يباح أكلهما:
النوع الأول: ميتة البحر لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ (١) فالمراد بطعامه ما مات فيه من حيوانه الذي لا يعيش إلا فيه، فتكون هذه الآية مخصصة لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٣) ولقوله في حديث ابن عمر عنه ﷺ : «أحلت لنا ميتتان ودمان: فأما الميتتان فالحوت والجراد (٤)» الحديث (٥). وحديث أبي هريرة رضي
стр. 3973
الله عنه «أن النبي ﷺ قال في البحر: هو الطهور ماؤه الحل ميتته (١)» وهو حديث صحيح (٢) وكذلك حديث جابر في «قصة العنبر الذي ألقاه البحر فأكل منه الصحابة نصف شهر وذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: كلوا رزقا أخرجه الله لكم (٣)» فهذه الأحاديث أيضا تخصص الآيات العامة في تحريم الميتة.
النوع الثاني: الجراد (٤) " بفتح الجيم وتخفيف الراء معروف، والواحدة جرادة، والذكر والأنثى سواء كالحمامة. ويقال: إنه مشتق من الجرد؛ لأنه لا ينزل على شيء إلا جرده، وخلقة الجراد عجيبة فيها عشرة أنواع من خلقة الحيوانات ذكر بعضها في هذين البيتين:
لها فخذا بكر وساقا نعامة ... وقادمتا نسر وجؤجؤ ضيغم
حبتها أفاعي الرمل بطنا وأنعمت ... عليها جياد الخيل بالرأس والفم
واختلف في أصله فقيل: إنه نثرة حوت فلذلك كان أكله بغير ذكاة، وفي ذلك حديث أنس: «أن الجراد نثرة حوت من البحر (٥)» وحديث أبي هريرة: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في حج أو عمرة فاستقبلنا رجل جراد فجعلنا نضرب بنعالنا وأسواطنا فقال: كلوه فإنه من صيد البحر (٦)» والحديثان لو صحا لكان فيهما حجة لمن قال: لا جزاء فيه إذا قتله المحرم، وجمهور العلماء على خلافه. . . وإذا ثبت فيه الجزاء دل على أنه بري (٧).
стр. 3974
أما حكم أكله فقد أجمع (١) العلماء على جواز أكله في الجملة بدليل الحديث السابق قريبا: «أحلت لنا ميتتان ودمان: أما الميتتان فالحوت والجراد (٢)» وحديث عبد الله بن أبي أوفى (٣) قال: «غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل معه الجراد (٤)» لكن قال الجمهور: يحل؛ سواء مات باصطياد أو بذكاة أو مات حتف أنفه. وقال مالك (٥) - في المشهور عنه - وأحمد في رواية (٦): لا يحل إلا إذا مات بسبب بأن يقطع بعضه أو يسلق أو يلقى في النار حيا. فإن مات حتف أنفه لم يحل.
احتج الجمهور بالحديث السابق: «أحلت لنا ميتتان (٧)» وقد يعترض عليه بأن رفعه إلى النبي ﷺ ضعيف والصحيح أنه من قول ابن عمر (٨) فلا يصح الاستدلال به على حل ميتة الجراد، ويجاب عن ذلك: بأن الرواية الموقوفة على ابن عمر والتي صححها بعض الحفاظ (٩) تكفي في الدلالة على المطلوب؛ لأنها في حكم المرفوع؛ لأن قول الصحابي أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا أو أحل لنا كذا أو حرم علينا كذا كله في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ فهو بمنزلة قوله: قال رسول الله ﷺ كذا أو أحل لنا كذا أو حرم علينا كذا، وهي قاعدة معروفة.
واحتج مالك بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (١٠) فإنه يدخل في عمومه ميتة الجراد فتكون محرمة - والراجح: ما ذهب إليه الجمهور - ويجاب عما استدل به مالك من عموم الآيات بأنها عامة مخصوصة بالحديث المذكور والله أعلم.
стр. 3975
المسألة الثالثة: في بيان حكم ما ذكي بعد قيام سبب الموت من المنخنقة والموقوذة إلخ مع الاستدلال والترجيح.
الأصل الذي يرجع إليه في أحكام هذه المسألة قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ (١) فقد بين جل شأنه في هذه الآية الحكم في كثير من الأنواع، ومنها المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع. والحديث عن هذه الخمسة يشمل بيان المراد بكل منها، ومناسبة ذكرها بعد ما قبلها من المحرمات، وبيان خلاف العلماء في نوع الاستثناء الوارد في الآية الكريمة، ثم بيان الخلاف بين الفقهاء في ضابط الحياة التي تعمل معها التذكية في هذه المذكورات مع الاستدلال والترجيح:
أولا بيانها: المنخنقة: هي التي تموت خنقا - والخنق: حبس النفس سواء فعل ذلك بها آدمي أو اتفق لها ذلك في حبل أو بين عودين أو غير ذلك. وقد ذكر أن أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة وغيرها فإذا ماتت أكلوها.
والموقوذة: الوقذ شدة الضرب - والمراد بالموقوذة هنا: التي ترمى أو تضرب بحجر أو عصا أو غير ذلك حتى تموت من غير تذكية - قيل: كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك بالحيوان ويأكلونه.
والمتردية: الردى: الهلاك. والمراد بالمتردية هنا التي تتردى من العلو إلى السفل فتموت - سواء تردت بنفسها أم رداها غيرها - وكانت الجاهلية تأكل المتردي من الأنعام.
والنطيحة: فعيلة بمعنى مفعولة وهي الشاة ينطحها غيرها فتموت بذلك.
وما أكل السبع: ما افترسه ذو ناب وأظفار من الحيوان كالأسد والنمر والذئب. وفي الكلام إضمار - أي ما أكل منه السبع - لأن ما أكله السبع فقد فني.
стр. 3976
وكانت الجاهلية لا تعتقد ميتة إلا ما مات بالوجع ونحوه دون سبب يعرف، فأما هذه الأسباب فكانت عندها كالذكاة (١) التي ذكرها الله تعالى في الآية واحتجوا بأمرين:
الأول: أنه قد ذكر في الآية أشياء لا ذكاة لها وهي الميتة والخنزير " قالوا وإنما معنى الآية: حرمت عليكم الميتة والدم وسائر ما سمينا مع ذلك، لكن ما ذكيتم مما أحله الله لكم بالتذكية فإنه لكم حلال " (٢) فتكون (إلا) بمعنى (لكن) " أي حرمت عليكم هذه الأشياء لكن ما ذكيتم فهو الذي يحل ولا يحرم " (٣).
الثاني: " أن التحريم لم يتعلق بأعيان هذه الأصناف وهي حية وإنما تعلق بها بعد الموت وإذا كان كذلك فالاستثناء منقطع وذلك أن معنى قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٤) إنما هو لحم الميتة وكذلك لحم الموقوذة والمتردية والنطيحة وسائرها. أي لحم الميتة بهذه الأسباب. . . فلما علم أن المقصود لم يكن تعليق التحريم بأعيان هذه وهي حية وإنما علق بها بعد الموت؛ لأن لحم الحيوان محرم في حال الحياة بدليل اشتراط الذكاة فيها، وبدليل قوله ﵊: «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت (٥)» وجب أن يكون قوله: ﴿إلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٦) استثناء منقطعا " (٧) ويكون المراد بالمنخنقة وما ذكر معها على هذا ما مات بالإصابة أو بلغ حالة يغلب على الظن أنه لا يعيش معها. فلا يعمل فيها الاستثناء. ويكون فائدة ذكر هذه الأشياء بعد الميتة الرد على أهل الجاهلية الذين لا يعدون الميتة من الحيوان إلا ما مات من علة عارضة به غير الانخناق والتردي والانتطاح وفرس السبع، فأعلمهم الله أن حكم ذلك حكم ما مات من العلل العارضة (٨).
стр. 3977
الترجيح: والراجح أن الاستثناء متصل كما قال الجمهور:
" لأن حق الاستثناء أن يكون مصروفا إلى ما تقدم من الكلام ولا يجعل منقطعا إلا بدليل يجب التسليم به " (١) ولا دليل فيبقى على الأصل.
رابعا: بيان الخلاف في ضابط الحياة التي تعمل معها التذكية في المذكورات وفي ذلك أقوال:
القول الأول: أنه إذا ذكاها وفيها حياة ولو قلت فهي حلال وهذا قول أبي حنيفة (٢) ورواية عن أحمد (٣) لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٤) إلى قوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٥) فاستثنى المذكى من جملة المحرمات، والاستثناء من التحريم إباحة، وهذه مذكاة لوجود فري الأوداج مع قيام الحياة فدخلت تحت النص (٦) وهذا القول عليه الفتوى عند الحنفية (٧) فيكفي وجود مطلق الحياة.
القول الثاني: لا يحل شيء من هذه المذكورات إلا إذا أدرك وفيه الحياة مستقرة فذكي وهو قول الحنابلة (٨) والشافعية (٩) ووجه هذا القول: أنه إذا لم يكن فيه حياة مستقرة كانت في حكم الميتة تلحقها بالذكاة لكن اختلفوا فيما تعرف به الحياة المستقرة. فعند الشافعية أنها تعرف بعلامات وقرائن لا تضبطها العبارة، منها الحركة الشديدة بعد قطع المريء والحلقوم وانفجار الدم وتدفقه (١٠) وعند الحنابلة: تعرف بالحركة، فإن كانت تزيد حركة المذبوح حلت، وإن صارت حركتها كحركة
стр. 3978
المذبوح لم تحل (١) وبعض الحنابلة يقرر ذلك بالزمن فيقول: إن كانت تعيش معظم اليوم حلت بالذكاة، ورد ذلك صاحب المغني ثم قال: والصحيح أنها إذا كانت تعيش زمنا يكون الموت بالذبح أسرع منه (أي من الموت بالإصابة) حلت.
القول الثالث: أن ما يغلب على الظن أنه يموت بالإصابة لا يحل بالذكاة وهذا قول مالك (٢) ورواية عن أحمد (٣) وذلك بأن تكون منفوذة بعض المقاتل كمقطوعة النخاع والتي انتثر دماغها أو بانت حشوتها أو فري ودجها. ووجه هذا القول: أنها إذا كانت كذلك صارت ميتة حكما فلا تعمل فيها ذكاة (٤).
وملخص هذه الأقوال: القول الأول يكتفى بمجرد وجود حياة في الحيوان المصاب بحيث يمكن تذكيته قبل أن يموت، والقول الثاني يقول: لا بد من حياة أكثر من ذلك بحيث تكون حياة مستقرة تتحدد زمنا أوسع وتعرف بالأمارات كالحركة القوية ونحوها على ما مر. والقول الثالث يقول لا بد من حياة مستمرة بحيث لو ترك الحيوان لعاش، فإن كانت الإصابة قاتلة لم تعمل فيه الذكاة.
الترجيح - والراجح من هذه الأقوال هو القول الأول؛ لأنه هو الذي يتمشى مع ظاهر الآية: ﴿إلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٥) فإذا أدرك وفيه حياة فذكي فقد تناوله عموم الآية.
ومما يدل على هذا أيضا واقعة حصلت في زمن النبي ﷺ «هي أن جارية لكعب بن مالك ﵁ (٧)» فقوله: (فأدركها فذكتها) يدل على أنها بادرتها بالذكاة حين خافت موتها في ساعتها، واشتراط الحياة المستقرة أو اشتراط أن لا تكون الإصابة قاتلة يخالف ظاهر النصوص. وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن
стр. 3979
تيمية ﵀ في جواب عن سؤال ورد إليه في هذا الموضوع رأينا أن نسوقه بتمامه لفائدته العظيمة.
قال ﵀: " الحمد لله رب العالمين - قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿إلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٢) عائد إلى ما تقدم من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع عند عامة العلماء كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة وغيرهم، فما أصابه قبل أن يموت أبيح. لكن تنازع العلماء فيما يذكى من ذلك. فمنهم من قال: ما تيقن موته لا يذكى كقول مالك ورواية عن أحمد. ومنهم من يقول: ما يعيش معظم اليوم ذكي، ومنهم من يقول: ما كانت فيه حياة مستقرة ذكي كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد. ثم من هؤلاء من يقول: الحياة المستقرة ما يزيد على حركة المذبوح. ومنهم من يقول: ما يمكن أن يزيد على حياة المذبوح.
والصحيح: أنه إذا كان حيا فذكي حل أكله ولا يعتبر في ذلك حركة مذبوح. فإن حركات المذبوح لا تنضبط، بل فيها ما يطول زمانه وتعظم حركته. وقد قال ﷺ : «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا (٣)» فمتى جرى الدم الذي يجري من المذبوح. . . . حل أكله. والناس يفرقون بين دم ما كان حيا ودم ما كان ميتا. فإن الميت يجمد دمه ويسود؛ ولهذا حرم الله الميتة لاحتقان الرطوبات فيها. فإذا جرى منها الدم الذي يخرج من المذبوح الذي ذبح وهو حي حل أكله وإن تيقن أنه يموت (أي بالإصابة). . .
فعمر بن الخطاب ﵁ تيقن أنه يموت وكان حيا وجازت وصيته وصلاته وعهوده. وقد أفتى غير واحد من الصحابة ﵃ بأنها إذا مصعت بذنبها أو طرفت بعينها أو ركضت برجلها بعد الذبح حلت، ولم يشرطوا أن تكون حركتها قبل ذلك أكثر من حركة المذبوح. وهذا قاله الصحابة؛ لأن الحركة دليل الحياة
стр. 3980
والدليل ينعكس فلا يلزم -إذا لم يوجد هذا منها- أن تكون ميتة، بل قد تكون حية وإن لم يوجد منها مثل ذلك. والإنسان قد يكون نائما فيذبح وهو نائم ولا يضطرب، وكذلك المغمى عليه يذبح ولا يضطرب، وكذلك الدابة قد تكون حية فتذبح ولا تضطرب لضعفها عن الحركة وإن كانت حية، ولكن خروج الدم الذي لا يخرج إلا من مذبوح وليس هو دم الميت دليل على الحياة والله أعلم " (١) انتهى. وقد حذفنا منه بعض الكلمات لغموضها. وهو جواب كما ترى مدعما بالأدلة، وفتاوى الصحابة وشواهد الواقع مما يؤيد ما اختاره في ذكاة المنخنقة وما ذكر معها، ولا يسع الباحث المنصف إلا أن يعترف بما جاء فيه من التحقيق والله أعلم.
стр. 3981
المسألة الرابعة في حكم أكل ما أهل به لغير الله: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (١) الآية الكريمة تحرم الأكل مما أهل به لغير الله وتجعله في صف الميتة والدم ولحم الخنزير، وفي آية أخرى تصفه بأنه (فسق) ﴿لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٢) وما أهل لغير الله به هو ما ذبح على غير اسمه تعالى من الأنصاب والأنداد والأزلام ونحو ذلك مما كانت الجاهلية ينحرون له (٣) والمنع منه لأجل حماية التوحيد؛ لأنه من أعمال الوثنية، فكل من أهل لغير الله ذبيحة فإنه يتقرب إلى من أهل باسمه، وذلك من الإشراك بالله بصرف العبادة لغيره، وقد ذكر الفقهاء أن كل ما ذكر عليه اسم غير الله ولو مع اسم الله فهو محرم. . . إذ لا يجوز أن يذكر عند الذبح غير اسم المنعم بالبهيمة المبيح لها، فهي تذبح وتؤكل باسمه لا
стр. 3982
يشاركه في ذلك سواه ولا يتقرب بها إلى من عداه ممن لم يخلق ولم ينعم ولم يبح ذلك (١).
والحكمة في تحريم هذا النوع: أن ما ذبح على هذه الصفة قد اكتسب خبثا أوجب تحريمه فهو ملحق بالنجاسة المادية والقذارة الحقيقية (٢).
أنواع ما أهل به لغير الله:
ما أهل به لغير الله على نوعين: النوع الأول: ما ذبحه كتابي وسمى عليه غير اسم الله كالمسيح والزهرة وغيرهما فللعلماء في حكم هذه الذبيحة ثلاثة أقوال.
القول الأول: التحريم وهو قول الشافعية (٣) والحنفية (٤) وأصح الروايتين عن أحمد (٥) لأن القرآن الكريم قد صرح بتحريم ما أهل به لغير الله، وهذا عام في ذبيحة الوثني والكتابي إذا أهل بها لغير الله.
القول الثاني: الإباحة وهو قول جماعة من السلف ورواية عن أحمد (٦) لأن هذا من طعامهم، وقد أباح الله لنا طعامهم من غير تخصيص، وقد علم سبحانه أنهم يسمون غير اسمه (٧).
القول الثالث -وهو قول المالكية -: أن ذبح أهل الكتاب إذا قصدوا به التقرب لآلهتهم بأن ذبحوه لآلهتهم قربانا وتركوه لا ينتفعون به فإنه لا يحل لنا أكله؛ إذ ليس من طعامهم لأنهم لا ينتفعون به. وأما ما ذبحوه لأنفسهم بقصد أكلهم منه ولو في أعيادهم لكن سموا عليه اسم آلهتهم مثلا تبركا فهذا يؤكل بكره؛ لأنه تناوله عموم: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٨)
الترجيح: والذي يترجح هو القول الأول وهو التحريم مطلقا لعموم قوله
стр. 3983
تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (١) وهذا مما أهل به لغير الله.
وإباحة ذبائح أهل الكتاب وإن كانت مطلقة لكنها مقيدة بما لم يهلوا به لغير الله، فلا يجوز تعطيل القيد وإلغاؤه. بل يحمل المطلق على المقيد. وإن ادعى المخالفون العكس فقالوا: آية ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (٢) هي المطلقة وآية: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٣) مقيدة فيحمل المطلق على المقيد، فتقيد ذبيحة الكتابي عموم ما أهل به لغير الله.
قلنا: بل الصواب العكس فقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٤) مطلق فيما أهل به لغير الله. وما أهل به لله قيد منه ما أهل به لغير الله وبقي ما عداه. وهذا أولى لوجوه:
أحدها: أنه نص سبحانه على تحريم ما لم يذكر عليه اسمه ونهى عن أكله وأخبر أنه فسق. وهذا تنبيه على أن ما ذكر عليه اسم غيره أشد تحريما وأولى بأن يكون فسقا.
الثاني: أن قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٥) قد خص فيه ما يستحلونه من الميتة والدم ولحم الخنزير فلأن يخص منه ما يستحلونه مما أهل به لغير الله من باب أولى.
الثالث: أن الأصل في الذبائح التحريم إلا ما أباحه الله ورسوله، فلو قدر تعارض دليلي الحظر والإباحة لكان العمل بدليل الحظر أولى لثلاثة أوجه: أحدها: تأيده بالأصل الحاضر، الثاني: أنه أحوط، الثالث: أن الدليلين إذا تعارضا رجع إلى الأصل، والأصل هنا هو التحريم.
ما أهل به لغير الله فهو حرام مطلقا:
"حرم سبحانه ما ذبح لغير الله وما سمي عليه غير اسم الله وإن قصد به اللحم لا القربان، فقد لعن النبي ﷺ من ذبح لغير الله ونهى عن ذبائح الجن وكانوا
стр. 3984
يذبحون للجن، بل حرم الله ما لم يذكر عليه اسمه مطلقا كما دل على ذلك الكتاب والسنة في غير موضع وقد قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (١) أي انحر لربك وحده كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) وقد قال إبراهيم وإسماعيل إذ يرفعان القواعد من البيت: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣) ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ (٤) فالمناسك هنا مشاعر الحج كلها كما قال تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (٦) وقال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (٧) وقال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٨) فالمقصود تقوى القلوب لله وهي عبادتها له وحده دون سواه بغاية العبودية له، والعبودية فيها غاية المحبة وغاية الذل والإخلاص، وهذه ملة إبراهيم الخليل " (٩) " وكان المشركون يذبحون للقبور ويقربون لها القرابين، وكانوا في الجاهلية إذا مات لهم عظيم ذبحوا عند قبره الخيل والإبل وغير ذلك تعظيما للميت، فنهى النبي ﷺ عن ذلك كله، ولو نذر أن يذبح لغير الله لم يكن له أن يوفي به، ولو شرطه واقف لكان شرطا فاسدا" وقد عادت الجاهلية في أقبح صورها في بلاد كثيرة وصار الذبح لغير الله فيها أمرا مألوفا.
النوع الثاني: ما ذبحه غير كتابي من الوثنيين والمجوسيين والقبوريين وغيرهم لأصنامهم وأضرحتهم التي يتقربون إليها بذبح القرابين وأنواع النذور مما يعج به اليوم كثير من البلاد التي كانت فيما سبق إسلامية، والآن ظهرت فيها أعلام الشرك وصار
стр. 3985
كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام من أهلها يتسابقون في الذبح لغير الله عند أضرحة الأولياء، مع أن نصوص الإسلام صريحة في منع الذبح لغير الله واعتباره شركا أكبر يخرج عن الملة وصريحة في منع ذكر اسم غير الله على الذبائح، وصريحة في تحريم ما ذبح على هذه النصب وجعله في عداد الميتة".
والمقصود هنا بيان أكل هذا النوع من الذبائح؛ لأنه تعبد به لغير الله، فالأكل منه مشاركة لأهله فيه ومشايعة لهم عليه وهو مما يجب إنكاره ولا يجوز إقراره ولا يكفي ترك أكله، بل لا بد من مقاومته وتطهير البلاد منه حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله وحده، وفق الله المسلمين للقيام بذلك كما قام به نبيهم وسلفهم الصالح، (ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح به أولها) وهو توحيد الله سبحانه والجهاد في سبيله والدعوة إليه قولا وعملا. نسأل الله أن يحقق ذلك إنه سميع مجيب وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.
الدكتور صالح بن فوزان الفوزان
стр. 3986
صفحة فارغة
стр. 3987
حكم الشهادة فيما كان من حقوق العباد
بقلم الدكتور عبد الله بن محمد الزبن
اشترط بعض الفقهاء لوجوب الشهادة على الشاهد شروطا عددوها، وهي:
الأول: طلب المدعي الشهادة فيما كان من حقوق العباد حقيقة أو حكما، وإنما قال أو حكما ليدخل من عنده شهادة لا يعلم بها صاحب الحق وخاف الشاهد فوت الحق، فإنه يجب عليه أن يشهد بلا طلب، لكون صاحب الحق طالبا لأدائه حكما.
الثاني: أن يعلم الشاهد أو يغلب على ظنه أن القاضي يقبل شهادته، فإن علم أو ترجح عنده أنه لا يقبلها فلا يلزمه الأداء، ولو شك في قبول شهادته من عدمه فالأحوط أنه يؤديها لإحياء حق العبد عند قبول شهادته.
الثالث: أن يتعين عليه الأداء، فإن لم يتعين بأن كان المتحملون جماعة فأدى غيره ممن تقبل شهادته فقبلت لم يأثم لعدم لحوق ضرر بالمدعي من تأخره عن شهادته، بخلاف ما إذا أدى غيره ولم تقبل، فإن من لم يؤد ممن تقبل شهادته يأثم بامتناعه، وهذا إذا لم تكن شهادته أسرع قبولا من غيره، فإن كانت أسرع وجب عليه الأداء، وإن كان هناك من تقبل شهادته.
стр. 3988
الرابع: ألا يخبر عدلان ببطلان المشهود به، فلو شهد عند الحاكم عدلان أن المدعي قبض دينه، أو أن الزوج طلق زوجته ثلاثا، أو أن المشتري أعتق العبد، أو أن الولي عفا عن القاتل لا يسعه أن يشهد بالدين والنكاح والبيع والقتل، وإن لم يكن المخبرون عدولا فالخيار للشهود إن شاءوا شهدوا بالدين وأخبروا القاضي بخبر غير العدول، وإن شاءوا امتنعوا عن الشهادة، وإن كان المخبر واحدا - عدلا أو فاسقا - لا يسعه ترك الشهادة.
الخامس: أن يكون القاضي الذي طلب الشاهد للأداء عنده عدلا، فلو كان غير عدل فإن للشاهد أن يمتنع عن الأداء حتى يشهد عند قاض عدل، لأنه ربما لا يقبل شهادته ويجرحه، وفي هذا ضرر أدبي للشاهد، وعلى هذا لو غلب على ظنه أنه يقبله - لشهرته مثلا - ينبغي أن يتعين عليه الأداء إحياء للحق.
السادس: ألا يقف الشاهد على أن المقر أقر خوفا إن كان يشهد على إقرار، فإن علم بذلك لا يشهد، فإن قال المقر: أقررت خوفا وكان المقرر له سلطانا فإن كان في يد عون من أعوان السلطان ولم يعلم الشاهد بخوفه شهد عند القاضي وأخبره أنه كان في يد عون من أعوان السلطان. وكذلك إذا خاف الشاهد على نفسه من سلطان جائر أو غيره وسعه الامتناع.
السابع: أن يكون موضع الشاهد قريبا من موضع القاضي، فإن كان بعيدا بحيث لا يمكنه أن يغدو إلى القاضي لأداء الشهادة ويرجع إلى أهله في يومه ذلك قالوا: لا يأثم، لأنه يلحقه الضرر بذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾ (١).
стр. 3989
ولقوله ﷺ : «أكرموا الشهود فإن الله تعالى يستخرج بهم الحقوق ويدفع بهم الظلم (١)».
وإذا كان بين مكان الشاهد ومحل الحكم مسافة تحتاج إلى الركوب وأركبه المشهود له دابة عنده فإن هذا يمنع قبول شهادة الشاهد إذا لم يكن هناك عذر، إما إذا كان هناك عذر كأن لا يقدر الشاهد على المشي إلى موطن الحكم، ولا يستطيع كراء دابة يركبها لفقره فإنه لا يمنع من قبول شهادته هذا الركوب.
أما إذا أكل الشاهد من طعام المشهود له فينظر إن كان الطعام مهيأ لأجله لم تقبل شهادته، وإن كان غير مهيأ له تقبل.
وروي عن محمد بن الحسن أنها لا تقبل في الحالتين. وعن أبي يوسف أنها تقبل فيهما للعادة الجارية به. وبقول أبي يوسف يفتى في مذهب الحنفية.
وعلى كل حال يترتب على هذا الشرط أنه إذا كان المكان بعيدا بحيث لا يستطيع الشاهد أن يعود إلى منزله في يوم شهادته بعد أن يؤديها لم تجب عليه مهما كبر الحق المشهود به، ولو بلغ الآلاف المؤلفة من دنانير الذهب، وفي هذا صعوبة كبيرة على صاحب الحق وضرر عظيم لا يساويه ضرر مبيت الشاهد ليلة بعيدا عن منزله، ويترتب عليه أيضا أن الشاهد متى كان قادرا على دفع أجرة الكراء وجب عليه أن يدفعها من ماله الخاص، وفي هذا إضرار بالشهود، وإلجاء لهم على ألا يشهدوا على الحقوق مهما عظمت تخلصا من الغرامات التي تلحقهم من جرائها،
стр. 3990
فوجب منعا لما يصيب المشهود له والشاهد من الضرر أن يفكر في هذه المسألة كل التفكير حتى يتوصل إلى حل مانع من تلك الأضرار.
أقول: والحل الذي يمكن اتباعه في هذه المسألة في نظري هو أحد ثلاثة أمور:
الأول: أن يتكفل المشهود له بدفع نفقات الشاهد من أجرة ذهاب وإياب ونفقة طعام ومبيت. ووجهة النظر في هذا أنه صاحب المصلحة في هذه الشهادة، ولا يعتبر ذلك تهمة بالنسبة للشاهد؛ لأن هذا يدخل في باب إكرام الشهود الذي ورد به النص عن رسول الله ﷺ حيث قال: «أكرموا الشهود فإن الله تعالى يستخرج بهم الحقوق ويدفع بهم الظلم (١)».
الثاني: أن يكلف الشاهد بالمبيت لأجل أداء الشهادة ويحكم القاضي بنفقاته على المحكوم عليه. ووجهة النظر في هذا أن المحكوم عليه ظهر أنه مبطل في دعواه أو مماطل في أداء الحق وكل منهما ظلم والظالم يتحمل تبعات ظلمه.
الثالث: أن يذهب الشاهد إلى أقرب قاض له ويطلب منه إثبات شهادته ويرسل بهذه الشهادة إلى قاضي البلدة التي بها المشهود له. وهذا جائز كما نص عليه الفقهاء في باب كتاب القاضي إلى القاضي. وبأحد هذه الحلول تؤدى الشهادة ولا يحصل ضرر كبير على أي من الشاهد والمشهود له.
стр. 3991
الثامن: زاد الشيخ أحمد إبراهيم في طرق الإثبات الشرعية: أن يكون الشاهد متذكرا لها على وجهها تماما، فإن فاته شيء مما رأى أو اختلط عليه الأمر فلا يجب عليه أداء الشهادة، فإن أجبر على الأداء فعليه أن يقول ما يعرفه يقينا فقط ويمتنع عن غيره أو يسوقه مساق التردد إذا كان الأمر قد اشتبه عليه ولا سيما لطول الزمن (١).
هذه جملة ما اشترط بعض الفقهاء لوجوب أداء الشهادة على الشاهد، ولكن إذا اجتمعت جميع هذه الشروط في الشاهد وأخرت الشهادة لغير عذر ظاهر ثم شهد فما الحكم؟
قيل: لا تقبل لتمكن الشبهة، وقيل: الأوجه القبول، ويحمل على العذر من نسيان ثم تذكر. ورجح القول بعدم قبولها لفساد الزمان (٢).
стр. 3992
حكم الشهادة فيما كان من حقوق الله:
مما سبق عرفنا حكم الشهادة فيما يتعلق بحقوق الآدميين، وهي ما لهم إسقاطها، أما ما يتعلق بحقوق الله ، وهي ما ليس للمكلف إسقاطها فإنها تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ما لا يستدام فيه التحريم كالزنا، وشرب الخمر (١).
стр. 3993
فمن كانت عنده شهادة في حد الله تعالى فالمحتسب مخير بين أمرين:
الأمر الأول: الستر على الجاني أو الجناة، وهو شيء فضيل، ومحبوب عند الله وعند المؤمنين من عباده.
وقد حث الرسول ﷺ عليه في عدة مواضع منها:
١ - ما روى مسلم بسنده عن سالم عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله بها كربة من كرب يوم القيامة. ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة (١)». وفي رواية لأبي هريرة: «لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة (٢)».
يدل هذا الحديث الشريف على فضل إعانة المسلم وتفريج الكرب عنه وستر زلاته، وقيل إن الستر المندوب إليه هنا يراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس معروفا بالأذى والفساد، فأما المعروف بذلك فيستحب عدم الستر عليه، بل ترفع قضيته إلى ولي الأمر إن لم يخف من ذلك مفسدة، لأن الستر على هذا يطمعه في الإيذاء والفساد وانتهاك الحرمات وجسارة غيره على مثل فعله، هذا في ستر معصية وقعت وانقضت.
أما أن يراه على معصية وهو متلبس بها فإنه تجب عليه المبادرة بإنكارها ومنعه منها، متى كان قادرا على ذلك، ولا يحل تأخيرها، فإن عجز رفعها إلى ولي الأمر، إذا لم تترتب على ذلك مفسدة.
وأما جرح الرواة والشهود والأمناء على الصدقات والأوقاف والأيتام ونحوهم فيجب جرحهم عند الحاجة، ولا يحل الستر عليهم إذا رأى منهم ما يقدح في أهليتهم، وليس هذا من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة الواجبة، وهذا مجمع عليه.
стр. 3994
قال العلماء في القسم الأول الذي يستر فيه: " هذا الستر مندوب فلو رفعه إلى السلطان ونحوه لم يأثم بإجماع ولكن هذا خلاف الأولى، وقد يكون في بعض صوره ما هو مكروه ".
قال في مواهب الجليل: " وأما في أصحاب الحديث وحملة العلم المقلدين فيجب على من عرف أحوالهم السيئة ممن يقلد في ذلك ويلتفت إلى قوله أن يكشف أحوالهم لئلا يغتر بهم الناس ويقلد في دين الله من لا يجب تقليده، وعلى هذا اجتمع رأي الأئمة قديما وحديثا ".
وليس الستر هاهنا بمرغب فيه ولا مباح، وليس في الحديث ما يدل على الإثم في كشفه ورفعه إلى السلطان، وإنما فيه الترغيب على ستره، ولا خلاف أن رفعه للسلطان وكشفه لمعصية الله مباح له في هذه الحالة غير مكروه ولا ممنوع متى كانت نيته من أجل حصول عصيان المكشوف لله دون قصد كشف ستره للانتقام منه، لكنه لو قصد التشفي والانتقام فإنه يحرم منه ذلك لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١).
٢ - وقوله ﷺ : «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه (٢)».
يدل هذا الحديث على فضل الستر على المسلمين وقد سبق إيضاح ذلك عند الكلام على الحديث السابق.
стр. 3995
٣ - وما روى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: «من رأى عورة فسترها كان كمن أحيا موءودة (١)».
يدل هذا الحديث أن ستر العورات أمر جليل، وأن من رأى عورة وسترها فإن ثوابه من الله جزيل. وفي هذا حث كبير على ستر العورات.
٤ - وما أخرج أبو داود بسنده عن يزيد بن نعيم بن هزال الأسلمي عن أبيه «أن ماعزا أتى النبي ﷺ فأقر عنده أربع مرات، فأمر برجمه، وقال لهزال: لو سترته بثوبك كان خيرا لك (٢)».
يدل هذا الحديث على اتجاه الشارع إلى دفع العقوبات قدر الاستطاعة وحبه للستر على المسلمين، لأنه ﷺ وهو لا ينطق عن الهوى - حاول إرجاع ماعز عن إقراره، ولقنه ألفاظا تدل على صرف عبارة ماعز عن الجريمة التي يستحق العقاب عليها، فلو ذكر ماعز عبارة القبلة والغمز لسقط عنه الحد لعدم ثبوته بذلك، ولأن هزالا هو الذي أشار على ماعز أن يأتي النبي ﷺ ويقر عنده ولم يكن شاهدا، لأن ماعزا إنما حد بإقراره، ومباشرة الرسول ﷺ لهذا التلقين بنفسه يدل على العطف